Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.
стр. 12776
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٢٥.
[٢] جامع البيان في تفسير القرآن للإبجي جـ ١ ص ٣٥٧.
[٣] فتح القدير جـ ٣ ص ٩٦.
[٤] تيسير الكريم الرحمن جـ ٤ ص ٦٢.
[٥] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩١.
[٦] المعجم المفهرس.
[٧] تفسير الحافظ ابن كثير الجزء الأول ص ٣٦-٣٩.
[٨] تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٣ بقليل تصرف.
[٩] فتح القدير الجزء ٣ ص ٩٣ بقليل تصرف.
[١٠] جامع البيان في تفسير القرآن ص ٣٥٦.
[١١] تيسير الكريم الرحمن الجزء ٤ ص ٦٠.
[١٢] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩٠.
[١٣] تفسير القرطبي الجزء ١٦ ص ٨ بقليل تصرف.
[١٤] تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٦ بقليل تصرف.
[١٥] فتح القدير الجزء ٤ ص ٣١٣.
[١٦] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٥٤٦
[١٧] تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٤٩٣.
стр. 12777
العدد ٥٧
فهرس المحتويات
١-كلمة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز في زيارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
٢- كلمة التحرير زيارة كريمة: بقلم الشيخ سعد ندا
٣- افتتاحية العدد: لفضيلة الدكتور عبد الله الصالح العبيد
٤- الهجرة في سبيل الله: للشيخ أبي بكر الجزائري
٥- تحية المسجد: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
٦- مسلك القرآن الكريم في إثبات الوحدانية: علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
٧- مفهوم الأسماء والصفات: بقلم الشيخ سعد ندا
٨- رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار: الدكتور أحمد طه ريان
٩- يريد الله بكم اليسر: للشيخ حسن عبد الوهاب مرزوق
١٠- مجموعة نصائح: للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي
١١- حقوق الإنسان في الإسلام (٦) : الشيخ: عبد الفتاح العشماوي
١٢- صفحات مشرقة من حياة عمر بن عبد العزيز: للشيخ إبراهيم الجمل
١٣- الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (٢) : للدكتور محمد نغش
١٤- تفاعل المسلمين مع دينهم: للدكتور محفوظ إبراهيم فرج
١٥- الدين بين الشرق والغرب: للشيخ عادل رمضان
١٦- معاملة الرسول ﷺ لبني قريظة والرد على ما يثار حولها من شبهات:
للدكتور جمعة علي الخولي
١٧- المستشرقون... والسيرة النبوية: للدكتور عوض عبد الهادي العطا
١٨- نماذج من الدعاة الصالحين: الشيخ أبو بكر الجزائري
١٩- من نحاة الأندلس ابن هشام الخضراوي: للدكتور أحمد محمد عبد الله
٢٠- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٢١- بحث في صيغة "أفعل" (بين النحويين والغويين واستعمالاتها في العربية) : الدكتور مصطفى أحمد النماس
٢٢- منهج في دراسة المنهج: للدكتور أحمد بسام ساعي
٢٣- الاتجاه الإسلامي في شعر أحمد محرم: للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب
٢٤- اللسانية العربي بين الأصالة والتعريب: للدكتور محمد منذر عياشي
٢٥- تسابيح: للشيخ عبد المحسن حليث مسلم
٢٦- مع المجاهِدِين الأفغَان: للدكتور محمود أحمد عبد المحسن
٢٧- رمضان..والجرح.. والأمل: شعر: عبد الرحمن صالح العشماوي
٢٨- رحم الله المحلقين: للشيخ يوسف الهمزاني الشافعي
٢٩- حوار حول الأدب الإسلامي ومناهج دراسته
٣٠- في المشارق والمغارب: الشيخ عبد الله أحمد القادري
٣١- حقيقة القات في ضوء العلم والدين: للشيخ محمد المجذوب
٣٢- ملاحظات حول كتاب عقيدة السلف والخلف: للشيخ عبد القادر السندي
٣٣- هل كتابة التعاويذ من الآيات القرآنية وغيرها وتعليقها في الرقية، شرك أم لا؟ : لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٣٤- الإيمان: لفضيلة الشيخ سعد ندا
٣٥- ديانة النصرانية: للشيخ محمد رجب حميدو
٣٦- أخبار الجامعة وقائع اللقاء التاريخي...: إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة
٣٧- ترجمة موجزة لفقيد كلية القرآن الكريم بالجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 12778
كلمة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز
في زيارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
لقد سمع الإخوان البارحة عن المشاريع التي ذكرت من ١٤٠١ هـ إلى ١٤٠٣ هـ، وأودُّ أن أقول: إنه من الصعوبة بمكان أن يستوعب الإنسان دائماً كمية المشاريع أو نوعيتها التي تم إنجازها في المدينة من ١٤٠١ هـ إلى السنة الحالية الآن ١٤٠٣ هـ.
هناك الكثير من المشاريع التي قاربت على النهاية، وبقية هذه المشروعات سيتم إنجازها خلال العام الثالث، فقد بلغ ما رصد لإنجاز هذه المشروعات في السنوات من ١٤٠١ هـ إلى ١٤٠٣ هـ بلغ ١٤ ألف مليون ريال، و ٢٠٠ مليون ريال خلال هذه الفترة.
ومثلما ذكرت: إن أكثر سكان المدينة بطبيعة الحال مثلي أنا ومثل أي شخص آخر، لا يمكن له أن يستوعب كل ما ينشر في الجريدة بين شهر وآخر وإنما إذا رأينا الآن ما نفذ في الثلاث سنوات الأخيرة سنجد أنه بلغ ١٤ ألف مليون ريال كلها في خلال سنتين لأن السنة الثالثة بدأت الآن، ما هي بالبساطة بمكان، ولا يعتبر هذا إهمالاً للمدينة، أو أن هناك تغافلا.
مع هذا كله قرر مجلس الوزراء أن تكون هناك هيئة، ويشرفني أن أكون مشرفاً عليها لتطوير المدينة، وعلى رأس ما ينفذ في هذا المجال:
التوسعة للمسجد النبوي، وكذلك الأمور الأخرى التي ستجعل المدينة تأخذ وضعها المتكامل لأنها في الواقع لها حق كبير على الدولة. وعلى المواطنين. وعلى أي إنسان.
أحب أن أطمئن سكان هذا البلد العظيم ألا يفكروا أبداً أن المدينة مغفلة أو مهملة، نأمل أن نرى- إن شاء الله- في القريب العاجل إضافة مشاريع أخرى خلاف هذه المشاريع، والمسألة كلها مسأَلة وقت حتى يمكن لو أردنا أن نرصد مبالغ طائلة، قد يجوز أن التنفيذ فيه صعوبة أو قد يجوز نأتي إلى السؤال الأول وهو:
стр. 12779
كيف تصرف الأموال وأين صرفت؟ ولماذا وجدت الأموال؟ ولماذا لا تصرف..؟ هذا ما هو موجود أمامي الآن من ١٤٠١ هـ/ إلى ١٤٠٣ هـ- ونأَمل أن نلمس في السنة الحالية كذلك ما يجد من جديد، وفي السنوات الأخرى- سوف نعمل جاهدين ما نستطيع عمله لجعل المدينة تأخذ الوضع اللائق بها.
وشكراً لمعالي الدكتور نائب رئيس الجامعة الإسلامية- وما قدِّم من أسئلة من الإخوان، وقرأتها الآن، وستكون الزيارات ليس فقط هذه الزيارة، ولكن ستكون زيارات متتالية، والاجتماع بالإخوان وبالأساتذة في هذه الجامعة التي نعتبرها في الحقيقة جامعة قيادية.
وأعود مرة أخرى، وأكرر: يسرنا أَن نعمل لها فروعاً، ولكن بعض الصعوبات التي أشير إليها أنني لا أَريد أن يكون فيه إحراج بالنسبة لأي دولة إسلامية أَو قادتها أو حتى لو أَردنا أَن نفتح لها فروعاً- وأي دولة لا تريد، ما في إمكاننا نعمل أكثر من الطلب والرغبة، والتأكيد على أن أي فرع يعمل في أي بلد إسلامي لن تكون له أَهداف سياسية أو خلق مشاكل لمجتمع هذا البلد الذي يمكن أن يفتح فيه فرع إسلامي.
بقى شيء واحد وهو أن أوجه كلمة قصيرة لطلبة الجامعة الإسلامية، وهي أن يواصلوا هذا المجهود الخبر. سواء في ذلك إخواننا الذين قدموا من جميع البلدان الإسلامية، أَو من السعوديين الموجودين فيها، وأَن يتبصروا في العقيدة الإسلامية التبصر الصحيح، والعقيدة الإسلامية والحمد للهّ أبانت الأمور بشكل غير قابل للنقاش إلا من أَراد أن يوهم بأشياء أخرى، والدين الإسلامي وسط، فلا رهبنة في الإسلام، وقد يعتقد البعض أن التصوف أو بعض النواحي الأخيرة البعيدة عن منطق الإسلام هي الإسلام.
إنه على العكس. فالإسلام فيه المرونة والمحبة والتقوى والعمل والجد والنشاط، ولم تأمر العقيدة الإسلامية بالكسل أو التكاسل أو التصوف على غير معنى.
стр. 12780
وهذا البلد والحمد لله بلد إسلامي، وكل ما أرجوه أن تكونوا رسلا للبلاد الإسلامية بعد أن شرفت المملكة العربية السعودية ورحبت بكم أن تعودوا إلى أوطانكم دعاة للإسلام في الإطار الصحيح، وكلنا نعرف ما أدخل على العقيدة الإسلامية لكن السبب في ذلك من المسلمين أنفسهم، فالعقيدة الإسلامية في القمة إلى أن تقوم الساعة.
لذلك أَرجو أن ندرك معنى العقيدة الإسلامية، وأن لا نقع فيما وقع فيه الغير بواسطة من يريد أن يبعدنا عن مسار العقيدة الإسلامية الصحيح.
فشكراً لفضيلة الدكتور وشكراً لطلبتنا في الجامعة الإسلامية، وشكراً للإخوة الذين حضروا هذا الاجتماع، وأرجو إذا حصل أي لبس في التفسير أو في الإجابة أن نستكملها في مرة أخرى قادمة، وأن أجيب على جميع الأسئلة، وسوف نسير في الخط المستقيم إن شاء الله، ونجعله دائماً الهدف الرئيسي لنا ونتمسك بعقيدتنا الإسلامية، فقد وعدنا الله بالحق: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُم﴾ ونحن لا ندعي أبداً بأي حال من الأحوال أننا نحن المسلمون فقط، ففي جميع أنحاء العالم دول إسلامية قيادة وشعباً، وفي كثير من الدول غير الإسلامية عشرات مئات الملايين من المسلمين وكل يوم وكل شهر وكل سنة نجد أن العقيدة الإسلامية تسير بخطى حثيثة وقوية. وفي بلدان لها أهميتها الكبرى، مثل أوربا وأَمريكا واليابان. وحتى الصين الشعبية أَو الاتحاد السوفيتي، نحن نسمع الآن أَنهم قد بدأوا في تفكير آخر وهو احترام العقيدة الإسلامية واحترام المسلمين، ونأمل أن يتحقق ذلك بصرف النظر عن عقيدتهم، ونأمل أن يعطى المسلم الحرية المتكاملة في أن يمارس عقيدته الإسلامية في إطارها الصحيح. وأرجو أن تكونوا الرسل للعقيدة الإسلامية في بلدانكم عندما تعودون إليها بمفهوم العقيدة الإسلامية الصحيحة.
стр. 12781
وشكرا مرة أخرى. وأرجو أن نلتقي دائما في هذا الإطار المحبب للنفس. وأكرر مرة أخرى الشكر لمعالي الدكتور، وأرجو أن يوفقنا رب العزة والجلالة لما فيه الخير للإسلام والمسلمين.
стр. 12782
مجموعة نصائح
للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي
رئيس محاكم منطقة عسير
١- صفة حجة النبي ﷺ :
الحمد لله الذي فرض الحج على المستطيعين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد:
فلما دخل الناس في دين الله أفواجاً حج ﷺ فخرج من المدينة متجرداً في ثوبين إزار ورداء، وطيبته عائشة طيباً فيه مسك، وذلك في خمس بقين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم في مصلاه، ثم أهل وركب راحلته، وكان معه خلائق لا يحصون عن يمينه وعن شماله وبين يديه مد البصر قيل إنهم مائة وستة عشر ألفاً، وساق معه مئة بدنة وأصبح يوم الأحد بسَرف، وصلى المغرب والعشاء ثم صلى الصبح بعرق الضبية ثم نزل الروحى فصلى العصر والمغرب والعشاء، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج، ويوم الأربعاء بالأبواء، ويوم الجمعة بالجحفة، ويوم السبت بقديد، ومر بامرأة ومعها ابن لها صغير فأخذت بعضده وقالت ألهذا أحج؟ فقال نعم ولك أجر. وكان يوم الأحد بعسفان، ولما انتهى إلى الثنيتين بات بينهما فيما بين كرى وكدي ثم أصبح واغتسل.
ودخل مكة يوم الإثنين الرابع من ذي الحجة من أعلاها حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه وكبر وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريماً ومهابة وبراً" ولما دخل المسجد بدأ بالطواف وكان راكبا على راحلته ولما أتى إلى الركن استلمه وهو مضطبعٌ بردائه، ثم رمل ثلاثة أشواط وكان يأمر من استلم الركن أن يكبر ويقول لا إله إلا الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك فلما قضى الطواف صلى ركعتين خلف المقام قرأ في الأولى (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) .
стр. 12783
ثم عاد واستلم الحجر وقال لعمر "استلم الركن فأنت قوي" ثم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم وقال: أبدأ بما بدأ الله به، وصعد الصفا وكبر وسعى على راحلته وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ولما انصبت قدماه في الوادي رمل وقال: أيها الناس اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي وقال في سعيه: رب اغفر وارحم فلما قضى سعيه أمر من لم يسق هديه أن يفسخ حجه إلى عمرة ويتحلل ثم يهل بالحج. وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ودخل الكعبة وصلى فيها ركعتين وقام بها حتى يوم الخميس وكان يوم التروية فخطب بعد الظهر بمكة ووعظ الناس وقال: من استطاع أن يصلي بمنى فليفعل فصلى في مكة بحجته أربعة أيام يقصر الصلاة ويقول أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر وركب حين زالت الشمس يوم التروية بعد أن طاف بالبيت فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى.
ولما طلعت الشمس ركب إلى عرفة حتى أتى باطن وادي عرنة وخطب حين زالت الشمس على ناقته فلما فرغ من الخطبة أذن بلال وأقام العصر والظهر بأذان واحد وإقامتين ثم رفع يديه يشير إلى الناس ارفعوا عن بطن عرنة ثم قالت في خطبته: يا أيها الناس إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. خطب خطبته المشهورة التي وعظ بها الناس الموعظة البليغة وفتح الله أسماع الناس في عرفة ووقف بعرفة خلف الصخرات، وقال: كل عرفة موقف إلا بطن عرنة كل مزدلفة موقف إلا بطن محسر، وقال: إن خير الدعاء دعاء يوم عرفة، خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ووقف على راحلته حتى غربت الشمس. ونزل عليه وهو واقف بعرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ .
стр. 12784
ثم انصرف بعد ما تحقق غروب الشمس عن يسار طريق المأزمين وصلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولما طلع الفجر صلى الصبح، ثم ركب راحلته ووقف بمزدلفة حتى قرب طلوع الشمس. وأردف الفضل بن عباس من مزدلفة إلى منى ثم سار حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر على ناقته ولا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، ثم نحر هديه وقال نحرت هنا ومنى وفجاج مكة كلها منحر. ونحر بيده ثلاثاً وستين بدنة ثم حلق، ثم أفاض إلى مكة، فطاف وأتى زمزم فأمر بدلو فشرب وصب على رأسه وقال: لولا أن تغلبوا لنزعت معكم. وكان يرمي الجمار أيام التشريق بعد ما تزول الشمس ماشياً على قدميه وخطب في حجته ثلاث خطب، الأولى يوم التروية بعد الظهر بمكة، والثانية بعرفة يوم زالت الشمس. والثالثة يوم النحر بمنى. بعد الظهر على راحلته.
فلما انتهت أيام منى قال: نحن نازلون غداً إن شاء الله في ضيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر يعني المحصب لقصد إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر فنزل في المحصب وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة خفيفة، ثم نهض وطاف بالبيت طواف الوداع ليلاً، ثم خرج من أسفل مكة إلى المدينة. ولأن الحج أعظم مؤتمر إسلامي يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها وهو ركن من أركان الإسلام أحببت أن أبين لإخواني صفة حجه ﷺ بصفة مختصرة موجزة. وأرجو الله أَن تكون خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها من قرأها أو سمعها وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢- في فضل الزكاة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد.
стр. 12785
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان". فهذه هي أركان الإسلام وهي محك التمحيص لصحة الإسلام ومن يتأمل القرآن العظيم يجده مملوءاً بالأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. لأن الصلاة عمود الإسلام كما أن الزكاة أمانة الله في مال كل إنسان لأن الله سبحانه قد افترض في أموال الأغنياء زكاة تؤخذ منهم وتعطى الفقراء وأداء الزكاة هو عنوان على شكل الغنى بالمال الذي إذا دفعه للفقراء يلهجون بالثناء عليه.
وقد سميت الزكاة لأنها تزكي أي تطهر المال وتنميه وتنزل البركة فيه حتى في يد وارثه إذا كان صاحبه يؤدي زكاته وتزكي إيمان مخرجها من مسمى البخل.
وقد أقسم رسول الله ﷺ أنها ما نقصت الصدقة مالاً بل تزيده. بل تزيده. بل تزيده. ويقول الرب العظيم ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أما الذي لا يخرج الزكاة فقد استحوذ عليه الشيطان وأما من أخرج الزكاة فإن الله يخلف عليه بأضعاف مضاعفة قال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ أيها الإخوة المسلمون حصنوا أموالكم بإخراج زكاتها فإنه ليس من مال لا تخرج زكاته إلا يعذب به صاحبه يوم القيامة وفي إخراج الزكاة طهرة للمال وتنمية له. فمن أعطاه الله مالاً فيجب عليه إخراج زكاته والصدقة منه وصلة رحمه والنفقة في وجوه الخير، وما من مال لا تخرج زكاته إلا عذب به صاحبه يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
стр. 12786
والزكاة أيها المسلمون قدر يسير يترتب عليها أجر كثير وخلف من الله كبير وتجب الزكاة في كل مال أريد للتجارة إذا حال عليه الحول سواء كان وديعة في البنوك أو في جهة أو مودعاً في أسهم في شركة فيه كله زكاة، ومن حلي النساء ولو كان للاستعمال فتجب فيه الزكاة، وما من مال لا تخرج زكاته إلا ذهب وكان عاراً على صاحبه.
وما هلك مال في بَرٍّ ولا في بحر إلا بسبب منع الزكاة، أما الغني الذي يخرج الزكاة فيكتسب زيادة في ماله وبركة فيه ويدل على قوة إيمانه. والزكاة فطرة الإسلام ودليل على صحة الإيمان. والواجب على كل مسلم عند حلول وقت الزكاة أن يحسب ماله ويؤدي زكاته طيبة بها نفسه. لأن المال في هذا الزمان قد فاض على الناس والمال غاد ورائح ويبقى لمخرج الزكاة شرف الذكر وعظم الأجر، ولمانع الزكاة عظم الوزر. وإنني أرجو الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين إلى المسارعة إلى أداء الزكاة لأن إخراجها ينمي المال ويبارك فيه ويزيده ويحصل لمخرج الزكاة الأجر العظيم. هذا ما أردت جمعه وأرجو الله أن يكون خالصاً لوجهه الكريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣- في فضل الجهاد وثوابه
الحمد لله الذي شرع الجهاد بالنفس والمال واليد واللسان وجعل جزاء من قام به الغرف العالية في الجنان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك المنان وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله سيد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:
стр. 12787
لما أكرم الله محمداً ﷺ بالرسالة كان يغشى الناس في أنديتهم في أيام المواسم وغيرها وفي أسواقها ويتلو عليهم القرآن ويدعوهم إلى الله ويصبر على ما يناله من الأذى من قريش ومن يتبعه ينال منهم أشد العذاب كبلال وآل عمار وغيرهم كانوا يذيقونهم ألوان العذاب. وقد أمر الله بالجهاد في آي كنيرة من كتابه العزيز كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فالجهاد وإن كان مكروهاً للنفوس لما فيه من التعرض للقتل فقد رتب الله عليه من الأجر مالا يخطر على بال ولا على قلب بشر قال عكرمة: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقد تظاهرت آيات الكتاب العزيز والسنة النبوية على الترغيب في الجهاد والحرص عليه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فجعل سبحانه هاهنا الجنة ثمناً لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها فيه استحقوا الثمن، وعقد معهم هذا العقد وأكده بأنواع من التأكيد وأخبرهم بصيغة الخبر المؤكد بأداة إن والإخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع وثبت واستقر. وأضاف هذا العقد إلى نفسه سبحانه وأخبر أنه هو الذي اشترى هذا البيع، وأنه وعدا بتسليم هذا الثمن وعداً لا يخلفه ولا يتركه إنه أتى بصيغة عليّ التي للوجوب إعلاما لعباده بأن ذلك حق عليه أحقه هو على نفسه وأكد ذلك بكونه حقاً عليه وأخبر عن محل هذا
стр. 12788
الوعد وأنه أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي (التوراة والإنجيل والقرآن) إعلاماً لعباده بصيغة استفهام الإنكار وأنه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه وأمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ويبشروا به بعضهم بعضا بشارة من قد تم له العقد ولزم بحيث لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسقه وأخبرهم إخبارا مؤكداً بأن ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم والبيع هاهنا بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنة.
ولأن المسجد الأقصى له مكانته بالأفضلية لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين وأسري بمحمد ﷺ إليه. وفي الحديث أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة وقد عبثت فيه أعداء الله وأعداء رسوله وأحرقته ومنعت الإطفاء وخربت مضخات الماء لكي لا يستعملها الجمهور لإطفاء الحريق وأعلن زعيمهم اللعين أن المسجد الأقصى لهم وأنه لا معنى لليهود بدون القدس. وقد أدرك جلالة الملك الراحل عبد العزيز أسكنه الله الجنة بثاقب فكره وغيرته على المقدسات الإسلامية خطر هجرة اليهود إلى فلسطين كما جاء في كتابه الموجه إلى الحكومة البريطانية المؤرخ في ٣١ ربيع الثاني ١٣٥٧ هـ والذي فيه أنه يفضل أن تفنى الأموال والأولاد والذراري ولا تؤسس دولة لليهود في فلسطين وكذا كتابه إلى رئيس الحكومة الأمريكية في ٧ شوال ١٣٥٧ هـ والذي فيه: أما دعوى اليهود التاريخية فلا نجد ما يبررها لأن فلسطين كانت مشغولة بالعرب وكان السلطان فيها لهم وغيرها مما ذكر مما تخوفه من هجرة اليهود واستيطانهم فلسطين ﵀ وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.
стр. 12789
ويحدثنا التاريخ أن المسجد الأقصى سبق وأن استولى عليه الصليبيون وذلك في عام ٤٩٢ هـ وقتلوا فيه ما يقرب من سبعين ألف نسمة وظل في أيديهم مدة ٩٢ سنة يعملون فيه المنكرات حتى أتاح الله ﵎ بفضله السلطان صلاح الدين ففتحه وطهره من الإفرنج ونظف الصخرة والمعبد وصلوا فيه الجمعة ٤ شعبان في السنة المذكورة وتولاه المسلمون ولله الحمد.
وقد كان جلالة الملك الشهيد/ فيصل أسكنه الله الجنة ينوي أن يصلي فيه وقد أدركته منيته وإن شاء الله له قدر على أجر نيته وقد قطع الملك نور الدين زنكي على نفسه عهداً لا يظله سقف حتى يثأر من الإفرنج الذين في بيت المقدس وظل ملتزماً بعهده حتى وافته المنية وحكومتنا الرشيدة وعلى رأسها جلالة الملك وولي عهده ورجاله المخلصون ينوون أن يخلصوه من أيدي الشرذمة اليهودية لأنه قبلتهم الأولى. ولكل ما ذكر فإننا نهيب بجميع المسلمين من ملوك وأمراء ورؤساء وأثرياء أن يستعينوا بالله وأن يصمموا على جهاد أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا ويبشروا بالنصر كما وعدهم الله في كتابه وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ لأن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام. وأرجو الله أن يهيئ ويوفق ولاة المسلمين وحكامهم لما فيه الخير والسعادة واستعادة مقدسات الإسلام. وقد حررت هذه العجالة للتذكر وأرجو الله أن تكون خالصة لوجهه وأن تلقى أذناً واعية وأنا الفقير إلى الله إبراهيم الراشد الحديثي أرجو أن تحوز القبول والرضاء. وصلى الله على عبده ورسوله محمد إلى يوم الدين.
٤- وجوب الحجاب للمرأة المسلمة
стр. 12790
الحمد لله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يلزم نساء المسلمين أن يدنين عليهن من جلابيبهن والجلباب الثوب الواسع ليعرفن بالتقوى والعفاف فلا يؤذين. إن المرأة المسلمة لا تدانيها امرأة من العالم وقد أعطيت حقوقها كاملة فكرامة المرأة المسلمة في الإسلام قد بلغت كرامة ما تبلغها كرامة امرأة في الوجود.
وفى الحديث "ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" وفي الحديث أيضاً "خيركم خيركم لأهله وأنا خبركم لأهلي" وفى آخر عمره ﷺ قال "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم" وقوله ﵎ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخطاب للمؤمنات يعلمهن الباري أن الخمار من قوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وهو ما يغطي الرأس وأن الجيب هو فتحة على الصدر وإن الله ﵎ أمر كل مسلمة أن تغطي وجهها وعنقها بالخمار لا رأسها فحسب ويقول تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وهذا صحيح بوجوب غطاء رأسها وصدرها، فمن كشفت عن رأسها وصدرها فإنها عاصية ولم تتمثل أمر الله.
стр. 12791
ومن أخطر ما يكون الذي حذر الله منه المسلمين الاختلاط بين الجنسين الذكر والأنثى ومن أكبر الأسباب الميسرة لفعل الفاحشة، ولهذا حذرت منه الشريعة السمحاء لقوله ﷺ "لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" وكذلك اتخاذ الخدم الرجال والسائقين الأجانب الذين يحملون معهم نساء في سيارات وينفردون بهم دون محارم فهذا يذهب بها إلى المدرسة ويأتي بها بدون محرم وإن المسلم لا يرضى أن يخلو أجنبي بمحارمه. ويوجد من يحضر امرأة مربية لأبنائه وهي غير مسلمة وتربي الأبناء على غير الطريقة المستقيمة ويخلو بها وهي أجنبية وهذا لا يجوز لأن الله أمر بغض البصر سواء في ذلك الرجال والنساء، ولا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أو شيئاً من بدنها أمام رجل أجنبي.
فيجب على المسلم صيانة محارمه وامتثال أوامر الله بقوله ﵎ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ . هذا ما أردت جمعه لإخواني المسلمين في هذه العجالة ولو أخذنا تعدد مساوئ التبرج وما ينشأ من دخول غير المسلمات إلى بيوت المسلمين من الضرر الذي لا يعلمه إلا الله. فعلى المسلم أن يجتنب كل ما يضره في دينه ويذكر وقوفه بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم: وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن من الواجب أن تصان المرأة وكرامتها أن المرأة الشريفة العفيفة المؤمنة يأمرها الباري ﵎ في الآية الكريمة في إطار من الصون والكرامة وإن التبرج وبروز المرأة للمجتمعات من دواعي الفساد وما نهى الله ورسوله عنه. فعلى المسلم الغيور على دينه أن ينهى عنه وأن يراقب الله لأنه مسئول عنه لقوله ﷺ "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
جاهلية الغرب
стр. 12792
- عثرت قوات الأمن البريطانية على جثة فتاة في الحادية عشرة من عمرها. مدفونة وهي حية. تحت التراب، من قبل أحد خاطفي الأطفال وتأكد لدى سلطات البوليس أن الطفلة (اورسولا هيرمان) دفنت وهي حية في صندوق طوله خمسة أقدام تحت الأرض.
(النور المغربية)
стр. 12793
حقوق الإنسان في الإسلام (٦)
الشيخ: عبد الفتاح العشماوي
محاضر بكلية الحديث
الباب الثامن
ويشمل المواد الآتية من (إعلان حقوق الإنسان) وهي ثلاث مواد.
المادة الثانية والعشرون:
لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية، وفي أن تحقق بواسطة المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته، وللنمو الحر لشخصيته.
المادة الرابعة والعشرون:
لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل، وفي عطلات دورية بأجر.
المادة الخامسة والعشرون:
(أ) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة، وغير ذلك من وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
(ب) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعَم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية، سواء كانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أم بطريقة غير شرعية.
стр. 12794
ونحن نقول: - لقد كانت فريضة الزكاة عندنا أضمن ضمان لكل أنواع البشر الذين أحسوا بنقص ما عن مستوى الضروريات الإنسانية، فتجد هذا النوع الذي تخلف في هذه القافلة الدنيوية جمع بكل فروعه بالرقم (٨) الحسابي، ولا يمكن أن تبحث عن بائس أو تعس أو محزون خارج هذا الرقم، فكانت الزكاة لهم لتكفكف دمعهم وتذهب همهم وترأب صدعهم، فيلحقوا بالسعداء والهانئين، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، وليس تسولاً منهم ولا منًّا من غيرهم، وإنما أعزهم الله بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ، أي ليس تفضلاً من أَحد سواه، وإنما هو حق يرغم به أنف مانعه على أدائه ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل﴾ ، فإن أبى فعلاجه الموت، حيث أصبح عدواً لله وللمجتمع البشري بأسره، أنانياً لنفسه وليغني من عداه، إذاً فليمت هو ليسلم عدل الله من الظلمة الذين يعيشون على أنين الناس ونكدهم.
لقد ذكروا بعد ما أوردنا من آيات بينات عدة أحاديث عاطرات، نورد منها ما يلي:
عن عبد الرحمن بن أبى بكر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس" رواه البخاري.
стр. 12795
وأخبر ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" رواه البخاري- وأيضاً روى "أطعموا الجائع وفكوا العاني" وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل" رواه مسلم، وإن هذا الحديث وحده ناهيك عن قسطاس هذا الإسلام ككل، (لهو ضربات ماحقات للذين هوَوْا في مستنقع أقذار الشيوعية، التي كتبت العدالة على ورق نجس ودمرت بالظلم وتكبيل الجهود مجتمعها، حتى إن زعيمتهم روسيا لا زالت تشتري حبة القمح لتطعم شعبها المقيد المقهور بمبادئ ماركس ولينين ومن أتى بعدهما من كل عتل كفور، ولكن دعهم في أوحال عداوتهم يتمرغون. فلن نعطيهم من احتقارنا لهم إلا بما قال شاعرنا:
فالصخر يصبح مثقالاً بدينار
لو كل كلب عوى ألقمته حجراً
وكقول آخر:
فلم يهنها وأدمى قرنه الوعل
كناطح صخرة يوماً ليوهنها
إننا عندما نسمع هذا الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ فنسمع أعجب ما تسمع الدنيا من العدالة والمساواة والإيثار يقدمه معلم العالمين كلهم بأمر ربه محمد ﷺ ، ونقدم الحديث بلفظه وطوله أولاً، ثم نعلق عليه بقليل من الكلمات.
стр. 12796
يقول أبو هريرة عن نفسه: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، فإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ . فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "أبا هِرّ" قلت لبيك يا رسول الله، قال "الحَقْ"ومضى فتبعته، فدخل. فاستأذن فأذِن لي، فدخل فوجد لبناً وقدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ "قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال "أبا هِرْ" قلت لبيك يا رسول الله، قال: "الحَقْ إلى أهل الصفة فادعهم لي"قال- يعني أبو هريرة- وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته ﷺ صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنتُ أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاؤوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: "أبا هِرّ" قلت لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم"، فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عَلَيَّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، فيشرب حتى يروى، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ ، وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: "أبا هر" فقلت لبيك يا رسول الله، قال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "أقْعدْ فاشرب" فقعدت فشربت فقال: "اشرب" فشربت، فما زال يقول
стр. 12797
"اشرب" حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال: "فأرني" فأعطيته القدح، فحمد الله وسمَّى، وشرب الفضلة، وفي رواية، وشرب من الفضلة قال صاحب الفتح، وفي هذا إشعار بأنه بقي بعد شربه شيء، فإن كانت محفوظة فلعلها أعدها لمن بقي بالبيت من أهله ﷺ ، انتهى هذا الحديث الشريف العظيم.
والحديث كما نرى لو بسطنا فيه القول من كل الجوانب المتصلة به لامتد بنا الأمر وأكثرها لا يتصل بالباب الذي نحن بصدده، فنأخذ منه فقط بعض ما نريده:
١- أبو هريرة امتحن في أمر يتصل بإزهاق روحه، وهو الجوع، ولكنه ازداد إيماناً بربه، فلم ينحن ليأخذ لقمة خبز بسؤال، ولم يردد كلمات الزور العالمية اليوم، الإقطاع، الطبقات، التسلط، الشيوعية، لماذا أجوع وغيري شبعان، إذاً نؤمم، إذاً نصادر، إذاً نستولي على الحقوق، باسم العدالة والمساواة والاشتراكية.
٢- كوفئ أبو هريرة بوقوع معجزة عظيمة كان هو سببها، فكأس من الحليب يشبع أهل الصفة، وعددهم في أقل الروايات ثلاثون، ثم يظل هو يشرب من تلك المعجزة حتى يقول للرسول ﷺ : لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، وهو الذي حدث نفسه وهو يدعو أَهل الصفة بأن قدح اللبن لن يغني عنه ولا عن أهل الصفة شيئاً، وساءه ذلك التصور كما ذكر عن نفسه في الحديث.
٣- القائد العظيم والمشرّع الكريم بأمر ربه صلوات الله عليه لم يشرب إلا آخرهم جميعاً، وهو خيرهم وسيدهم جميعاً، أسَمِعت الدنيا بحكام وقيادات من هذا الطراز، إلا طراز واحد هو شرع الله أَرحم الراحمين بعباده، وأَقام على تنفيذه إنساناً معصوماً من الحيف والظلم والأنانية كما هو حال غالبية حكام اليوم من عرب ومسلمين بل شيوعيين واشتراكيين ورأسماليين إلى غير ذلك من أَسماء ابتدعوها وحتى ما طبقوها إلا على الضعفاء، واستثنوا منها أَنفسهم والأقوياء.
стр. 12798
ومشينا بعدالتنا النازلة من السماء أحقاباً سعيدة هنيئة، حتى يأتي يوم في عصر الخليفة الراشد بعد الأربعة الراشدين وهو خامسهم عمر بن عبد العزيز ﵁، فيبعث بيحيى بن سعيد لجمع زكوات إفريقية، يقول يحيى بن سعيد، طلبت الفقراء لأعطيهم حقهم في الزكاة، فلم نجد فقيراً بها، ولم نجد من يأخذها،- وهكذا أغنت عدالة الإسلام كل الناس، حتى الضاربين في الصحراء والفيفاء، ويثني الشاعر جرير على عدالة عمر بن عبد العزيز وحَدَبه على جميع المسلمين. بقصيدة منها:
ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
كم باليمامة من شعثاء أرملة
كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
ممن يعدك تكفي فقد والده
من الخليفة ما نرجو من المطر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا
أما عن إعطاء البدن الإنساني كفايته من الراحة ليستأنف بعدها سعايته، فهل كان الإسلام يمنع ذلك، ويطلب لإنسان أن يخر صريع الإجهاد هالك الإضناء، أم أَنه أسهل وأيسر وأرفق دين نزل على العباد من السماء طيلة هذه الدنيا، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وغير هذا من كتاب الرحمة والراحة، من قرآن الله العظيم.
ومن الأحاديث الصحيحة قوله صلوات الله عليه:
"ما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم".
стр. 12799
"إن لبدنك عليك حقا".
"إن المنبت لا أَرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
"إن الله لا يمل حتى تملوا، وإن هذا الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فأوغلوا فيه برفق". الحديث الأخير ورد بعدة روايات، ولكنه ثابت لاشتراك البخاري فيه فإذا كان أقدس وأجل عمل في هذه الدنيا وهو عبادة الله، قد أمر سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله، أن لا نكلف أَنفسنا في هذه العبادة أي لغوب أو عناء، فلا نطيل الصلاة أثناء الجماعة حتى لا يقع لأحد ملل منها، أَو إعنات لضعف صحة، أو إجهاد لشيخوخة، أو ضياع لحاجة عاجلة بعد الانتشار من الصلاة، وإنما التطويل يكون للمصلي وحده بما يشاء من طول، فقد وزن خصائص نفسه وصلى بما لا ينتقد به فيه أحد أو يلام عليه من الغير، وحتى مع هذا الحال لم يسكت الإسلام عن الرفق مع أهله، فقد دخل الرسول ﷺ المسجد، فرأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: "حُلوه، لِيصل أَحدكم نشاطه، فإذا كسُلَ أو فتر فليرقد"، رواه البخاري عن أنس ﵁.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه"رواه مسلم.
وفي رواية "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف، فلعله يدعو على نفسه وهو لا يدري"رواه الجماعة.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرؤه" رواه مسلم.
وعنه أيضاً- أنس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم فَيشَدَّدَ عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فَشُدِّدَ عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"رواه مسلم.
стр. 12800
فإذا كان هذا الحُنُوُّ قد وُجهنا إليه ونحن نؤدي ما لَوْ أفنينا أنفسنا أثناء تأديته ما وفينا نعمة واحدة من نعمه علينا سبحانه، أفيقسوا الإسلام أو يسمح باستغلال صاحب العمل للعامل حتى يضنيه ويعجزه؟.
بل لقد لفت القرآن النظر إلى ما يرغب ويشجع على التريض والتنزه، عندما تسمع قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ؛ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، فهل تدبرت قوله تعالى في الآية الأخيرة: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ فأنت إذا لم تخرج لتنظر، لتريح نفسك من عناء العمل، ومشاغل الدنيا، ثم لترى جمال الخالق في جمال خلقه، وعظمة المبدع في عظمة ما أبدع، فقد يكون فيك نقص من إيمان، لأن الآية قالت في النهاية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وقد حدث أني خرجت مرة إلى بعض الحدائق ووجدت شجرتيْ زيتون ورمان متقاربتين، فظننتهما نوعاً واحداً لتشابه الصورة في الجذع والفرع والأوراق، ولما شخصت بعيني إلى ثمرهما وجدت في إحداهما حب زيتون وفي الأخرى فاكهة الرمان، فتذكرت قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ، أي مشتبها في الصورة غير متشابه في الثمر، فأخذت درساً عملياً في التفسير ما كان لي أن أتعلمه قبل ذلك.
стр. 12801
فأيهما أَنفع للإنسان، حقوقه التي وضعها لنفسه، أم التي وضعها الله له؟. الله أَكبر.
(الباب التاسع)
ويشمل مادتين من مواد (إعلان حقوق الإنسان) وهما المادتان السادسة والعشرون والسابعة والعشرون.
المادة السادسة والعشرون:
(أ) لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزاميا، وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع، وعلى أساس الكفاءة.
(ب) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاًًً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية، وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهودات الأمم المتحدة لحفظ السلام..
(ج) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أَولادهم.
المادة السابعة والعشرون:
(أ) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكا حرا في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون، والمساهمة في التقدم العلمي، والاستفادة من نتائجه.
(ب) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أَو الأدبي أو الفني.
стр. 12802
ونحن نقول:- إن أول ما يتحتم معرفته وإدراكه من العلم، هو أن يعرف المخلوق من الذي خلقه، ومن هذا المُتَّكأ الأعظم تنطلق كل المعارف والإحاطات العلمية، بتأكد اليقين الفهمي لحياتيْْ ما قبل الموت وما بعده، هذه هي النظرة الإسلامية لحقيقة العلم، أما أَن ينشغل كافر بموجودات الدنيا، مبهورا بما أودع فيها خالقها من عجائب يركز فيها خلايا مخه لأنه لا يؤمن إلا بها، أو أن يقف مسلم مكذبا بما يكتشف الكافر صاحب الدنيا، فينطوي على نفسه مكتفياَ بعبادات محضية أو ترانيم كلامية، تاركا للكافر يتمتع وحده بما أودع الله في دنياه باسم التصوف والتبتل ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ، فإن الإسلام يرفض الكافر السابق والمسلم اللاحق اللذين أشرنا إليهما، وإني كما ذكرت في البداية هو أن العلم بالصانع سيجعله ينتفع بكل صنعته، الآن وبعد موته، فهو الآن يجب أن يكون تاجراً أو صانعاً وزارعاً، وباحثاً في أغوار اليابس. وغائصاً في أعماق الماء. وطائراً في الهواء، ومتفكراً في عجائب الفضاء، ومتبصراً في كواكب السماء، على أن هذا من صنعة الصانع الذي عرفه وأيقن به ، فلما سعد بدنياه حين استخدمها بما ذكرنا، راح يذكر موجد هذه النعمة بالانحناء راكعاً وبالكف صائما وبالإخراج مزكياً وبشد الرحال حاجاً، ولِما نهي عن المعاصي تاركا. ولما أمِرَ به من الطاعات فاعلا مؤدياً، وبهذا أخذ الطريق إلى حيازة ما هو أنعم وأدوم. عندما يلقى الله بالفناء المحتم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً -في الدنيا- وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - أي في الآخرة- وفي آية أخرى قوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَر﴾ .
стр. 12803
ولهذا صنع نوح السفينة الأم الكبرى، فكان أن نجا بها في الدنيا ومن معه، والنجاة العظمى في الآخرة تنتظرهم، ومن هذه السفينة الهائلة، حيث يوصف ضخامتها في الكتب المقدسة ابتداء من التوراة إلى القرآن، لم يصنع أحد حجمها لا حاملات طائرات ولا غيره، وإلا فما ظنك بسفينة تتسع لتحمل على ظهرها من كلٍّ زوجين اثنين، ذكرا وأنثى من كل الأحياء إنساناً وحيوانا.
ولهذا أيضاً صنع داود أسلحة القتال بغير أفران مجمعات الصلب والحديد، وبغير أفران ذرية. وبغير وغير ... مما نسينا به الصانع الأعظم الذي علم من صنعته نوحاً ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ وعلم من صنعته داود، ثم سخر له الحديد ليكون كالعجين في يده بغير نار ولا مصهار، وإنما بكلمة (كن) ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ . فيا للعجب من تلك القدرة والعظمة التي نسيناها.
стр. 12804
ولهذا أيضاً صنع ذو القرنين أعجب سد وأمنع سور بالصورة العجيبة التي ذكرها القرآن ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً - نحاساَ- فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً، قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ؟ أسمعت أيها القارئ بأن هذا السد- هذا الاختراع في بناء الحصون والأسوار على حد تعبيرهم- سيبقى لمتانة صنعته حتى يجيء وعد الله بيوم الساعة فيدكه هو - وحده- بقدرته ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ، وغير هذا كثير من عجائب مبدع الملكوت بالمباشرة أو بتسبيبه. إذاً فكيف نوجَّه بإعلان حقوق الإنسان يأتينا من عدونا ونحن الذين علمنا الدنيا من علم الذي قال ﴿قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ ، وغير هذا وفير في الكتاب الذي ضمنه الله علم الدنيا والآخرة، نظرا وكونا وجِرما وفكرا وبحثا ونقلا ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . الله أكبر. فماذا بعد هذا؟ ورحنا نستجدي ونحن الأكرم والأجدى بما علّمنا به الذي علمْنا به، سبحانه، ولكن أساس حيرتنا وتطلعنا إلى ما في يد الغير من كل شؤون الدنيا علماً أو غيره، هو فراغ قلوبنا من كامل الإيمان بالذي وسع كل شيء علماً. فالأزمة أزمة إيمان قبل كل شيء، ولقد أهاجني حقاً تلك الكلمات التي ذكرها الأستاذ نديم الجسر في كتابه القيم والذي عنونه
стр. 12805
بهذا العنوان الرائع (قصة الإيمان) ، وسأنقل هذه الكلمات هنا لي ولمن يعجب بها معي، يقول الأستاذ نديم الجسر:-
إن لإيمان بالله هو: رأس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزائم في الشدائد، وبلسم الصبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة بالحظوظ، ونور الأمل في الصدور، وسكن النفوس إذا أوحشتها الحياة. وعزاء القلوب إذا نزل الموت أو قربت أيامه. والعروة الوثقى بين الإنسانية ومثلها الكريمة، ولا يخدعنك عن هذا من يقول لك: إن مكارم الأخلاق تغني- بوازع الضمير- عن الإيمان، لأن مكارم الأخلاق، التي تواضعنا عليها للتوفيق بين غرائزنا وحاجات المجتمع، لا بد لها عند اعتلاج الشهوات في الشدائد والأزمات، أن تعتمد على الإيمان، بل إن هذا الشيء الذي نسميه ضميراً، إنما يعتمد في سويدائه على الإيمان، وانقياد الناس لمكارم الأخلاق، إنما يكون بزاجر من السلطان. أو وازع من القرآن، أو رادع من المجتمع.
ثم يستمر الأستاذ نديم فيقول:-
стр. 12806
فإذا كنا في نجوة من سلطان القانون والدين والمجتمع، لم يبق لنا وازع، إلا الضمير، ونحن في معركة الشهوات والغرائز مع الضمائر. قلّ أن نرى الضمير منتصرة إلا عند القلة من الناس، وهذه القلة نفسها لا تستمسك بضمائرها عند جموح الشهوات إلا إذا كانت تخشى الله يا حيران. ولو تركنا مكارم الأخلاق جانبا ونظرنا إلى حاجتنا إلى الإيمان، من حيث هو سند في الشدائد، وبلسم للمصائب، وسكن للنفوس، وعزاء للقلوب، وعلاج لشقاء الحياة، لوجدنا أننا عند فقد الإيمان نكون أسوأ حظاً في الحياة، وأدنى رتبة في سلم المخلوقات من أذل البهائم، وأضعف الحشرات، وأشرس الضواري ... فالبهائم تجوع كما نجوع، ولكنها في نجوة من هم الرزق. وخوف الفقر. وكرب الحاجة. وذل السؤال. وهي تلد كما نلد، وتفقد أولادها كما نفقد. ولكنها في راحة من هلع المثكلة، وجزع الميتمة، وهم اليتامى المستضعفين. وهي في أجسادها تلتذ كما نلتذ وتألم كما نألم. ولكنها في راحة مما يأكل القلوب، ويقرح الجفون، ويقض المضاجع، ويقطع الأرحام، ويفرق الشمل، ويخرب البيوت من المهلكات كالحسد والكذب والنميمة والفرية والقذف والنفاق والخيانة، والعقوق وكفر النعمة ونكران الجميل، وهي تعرف بنوع من الإدراك ما يضرها وما ينفعها، ولكنها في نجوة من أعباء التكليف، وأثقال الأوزار، ومضض الشك، وكرب الحيرة، وعذاب الضمير، وهي تمرض كما نمرض، وتموت كما نموت، ولكنها في راحة من التفكير في عقبى المرض. وفراق الأحباب، وسكرات الموت. ومصير الموتى وراء القبور، والضواري تسفك الدماء لتشبع بلا صرف، ولكنها لا تسفكها أنفاً ولا جنفاً، ولا صلفاً ولا ترفا، ولا علوا في الأرض ولا استكبارا.
ثم يمضي الأستاذ نديم ليختم هذا الجزء من كتابه (قصة الإيمان) فيقول:
стр. 12807
أما هذا الحيوان الفيلسوف- يقصد الإنسان- الضعيف الهلوع الجزوع. المطماع، المختال، المترف، المتكبرة المتجبر، السافك الدماء، الذي لا يأتيه شقاء الحياة إلا من تفكيره. فإنه لا علاج لشقائه إلا بالإيمان، فالإيمان هو الذي يقويه، وهو الذي يعزيه، وهو الذي يسليه. وهو الذي يمنيه، وهو الذي يرضيه. وهو الذي يجعله إنساناً يسعى إلى مثله الأعلى لتسجد له الملائكة، انتهى.
إذا ًفكل العلوم التي تدرك من أمر الحياتين أولاها وأخراها. مصدرها ومردها إلى الإيمان، ذلك الينبوع الهادر بالخير كله، في الحال والمآل، فما أتعس من طلب العلم عن غير صفاء النبع، وراح يوقف عمره تحت قيادة الشيطان ليخرب ما عمَّر الله بالمقاتلات والقاذفات. ثم يجلس بجانب الركام يذرف الدمع على ما هدمه بيده على رأسه، ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ أما وعد الله الذي سيدمر فيه كل هذه الدنيا فسيكون نصيبه أوفر: من هذا الدمار الذي ليس بعده إعمار.
أما نحن فهذا نوع علمنا الذي سعدنا به في اليوم وما بعده يقدمه رسولنا ﷺ إلى الخليقة كلها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاس﴾ ، في هذه الأحاديث المتفق عليها، وغيرها كثير.
"ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردى. وما استقام دينه حتى يستقيم عقله".
"إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في جوف البحر، ليصلون على معلم الناس الخير".
"لا حسد إلا في اثنتين. رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
"منهومان لا يشبعان، طالب علم، وطالب مال" وشتان.
стр. 12808
ولقد أعجب (كوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) أعظم الإعجاب من شغف العرب بالعلم. ولقد كان إعجابه أعظم أن رأى هذا الشغف منبعثًا منهم عن الدين نفسه. وقال في ذلك: إن العلم الذي استخفت به أديان أخرى قد رفع المسلمون من شأنه عالياً، وإليهم ترجع في الحقيقة هذه الملاحظة الصائبة القائلة باسم الدين: "إنما الناس هم الذين يتعلمون والذين يعلمون، وأما من عداهم فمضر أو لا خير فيه"مشيراً بذلك إلى الحديث الصحيح "ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردًى. وما استقام دينه حتى يستقيم عمله. وفي رواية، حتى يستقيم عقله"، أي بالعلم. ثم يستمر (كوستاف) في كتابه فيقول:- إن النشاط الذي أبداه العرب في الدراسة كان مدهشاً جداً، ولئن ساواهم في ذلك كثير من الشعوب فلم يكن منهم فيما أظن من سبقهم. وكانوا إذا ما استولوا على مدينة وجهوا عنايتهم في الدرجة الأولى إلى تأسيس جامع وإقامة مدرسة، وعدا مدارس التعليم البسيطة فإن المدن الكبرى مثل بغداد والقاهرة وطليطلة وقرطبة الخ، كان فيها جامعات علمية مجهزة بالمخابر والمراصد والمكتبات الغنية، وبكلمة واحدة كانت هذه الجامعات مجهزة بكل المواد الضرورية للبحوث العلمية، وكان في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عامة، وكانت مكتبة الخليفة (الحكم الثاني) في قرطبة تحتوي كما ذكره االمؤلفون العرب على ستمائة ألف مجلد كان فيها للفهرس فقط أربعة وأربعون مجلدا. وقد لوحظ بحق، أن (شارل الحكيم) لم يستطع بعد أربعمائة سنة من هذا التاريخ أن يجمع في مكتبة فرنسا الملكية أكثر من تسعمائة مجلد. وكاد أن يكون ثلثها فقط خارجاً عن علم الكهنوت.
стр. 12809
وقال (كوستاف) أيضا في كتابه: لقد بلغ شغف العرب بالتعليم مبلغاً عظيما جداً، حتى إن خلفاء بغداد كانوا يستعملون كل الوسائل لجذب العلماء وأشهر الفنيين في العالم إلى قصورهم. وأن أحد هؤلاء الخلفاء بلغ به الأمر إلى إعلان الحرب على قيصر القسطنطينية ليجبره على السماح لأحد الرياضيين المشهورين بالحضور إلى بغداد والتعليم فيها، انتهى وحسبنا أن شهد شاهد منهم.
(الباب العاشر)
ويشمل المواد الثلاث الآتية: وبها نأتي على آخر مواد إعلان حقوق الإنسان:
المادة الثامنة والعشرون:-
لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققا تاما.
المادة التاسعة والعشرون:-
(أَ) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أَن تنمو نموا حرا كاملا.
(ب) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.
(ج) لا يصح بأي حال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
المادة الثلاثون:-
ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه.
стр. 12810
أما عن المادة الأولى من هذه المواد الثلاث (لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي) ، فأي نظام هذا الذي قالوه وما بينوه، أم هو التيه في ظلمات الأرض لما أظْلمت قلوبهم، إنكارا لموجد هذا المجتمع الدولي الذي تحدثوا عنه وما تحدثوا عن منظمه، بأغرب وأعجب وأدق نظام أَنزله على خير الأنام، ﷺ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فهل بديع السماوات والأرض والإنسان ضمن إبداعه يمكن- عقلا- أن يوجد المبْدَع نظاما خيراً ممن أبدع؟ ، لتتحقق بمقتضاه الحقوق أكثر مما حققها واقتضاها؟ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وسيظل الإنسان المسكين ذليل هواه ودنياه، ترديه جيلا بعد جيل، حتى يعلم أَنه-- وفي الدنيا قبل الآخرة- لا أحد أنظم ممن نظم صورة أدميته، ثم أحكم له نظام تقلبه في نهاره، وسكنه في ليله، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ لكن تقول الآية ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، فهم وحدهم الذين يعلمون ذلك دون سواهم.
وعن المادة التاسعة والعشرين من حقوقهم تقول الفقرة (أ) :
стр. 12811
على كل فرد واجبات نحو المجتمع، وإنها لكلمة حق أريد بها الباطل. وهل رأينا أفرادهم إلا متهالكين نحو شهواتهم وخصوصية ميولهم وما يلهثون إلاَّ وراء أنانيتهم الفردية. أما نحن فقلنا لبعضنا ما قاله لنا ربنا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وما قاله لنا نبينا- ﷺ "كلكم راع وكلَكم مسئول عن رعيته" و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وتاريخنا العاطر مشحون بأعمال رجالنا تنفيذاً لما أمرهم الله ورسوله، من الإيثار وتقديم مصلحة الغير والمجتمع على النفس. وقد قدمنا منه العديد في بحثنا هذا. ونزيد فنقول ما رأي واضعوا هذه الحقوق التي ما أحقوها يوماً. عندما عرِضت رأس شاة على جار فقير. فيقول: أعطوها لجاري فقد يكون أولى بها مني. وتظل رأس الشاة تنتقل من دار إلى دار حتى تعود إلى الجار الأول بعد أن تأكد أن غيره ليس أحوج إليها منه. تلك صورة من قاعدة مجتمعنا. أما من قمة مجتمعنا فيشعر عمر بن الخطاب بتقلبات في بطنه وقرقرة في أمعائه حيث ما كان له أدام عام الرمادة إلا الزيت، فيقول لبطنه قرقري أو لا تقرقري. فلن تأتدمي السمن حتى يأتدمه المسلمون) فأي واجبات الفرد حاكما أو محكوماً نحو المجتمع تؤدَّى بأروع من هذا يا بني الإنسان؟ عندما تدور رأس شاة بين أيد محتاجة إليها حتى تستقر عند من هو أشد احتياجاً، وعندما يلزم رئيس أضخم وأوسع أمة في التاريخ بألاَّ يأكل السمن حتى يأكله كل شعبه ويكون هو آخر من يأكله.
стр. 12812
أم هل أتى واضعوا حقوق الإنسان التي أسلموها للنسيان. نبأ المرأة العراقية التي سافرت الأميال الطوال سائلة عن بيت عمر بن عبد العزيز، فوجدته كوخا ظنت من دلها عليه أنه يسخر منها. ولكنها تأكدت لما قالت لها زوجة الخليفة إنه نصيبه من القصور والدور والضياع والزروع التي كانت له. وتخلى عنها جميعها للمجتمع الإسلامي غداة أن استخلف، ويأتي الخليفة وتقص عليه المرأة قصتها: بأن زوجها مات في الجهاد في سبيل الله وترك لها خمس بنات لا تملك لهن شيئاً، وعندما نسمع جواب عمر بن عبد العزيز تدخل في الفقرة (ب) التي تتحدث عن ممارسة الحقوق وضمان الاعتراف بها للغير.
فطلب عمر قلما وقرطاسا وأخذ يكتب بنفسه- فلا وكيل ولا سكرتير-.
من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى والي العراق. إذا أتتك هذه المرأة فتثبت من أمرها، فإن كان حقاً ما تقول، فاجعل لا بنتها الأولى ألف دينار، فقالت المرأة: الحمد لله، فزاد الخليفة: واجعل للثانية ألف دينار. فقالت المرأة: الحمد لله، فزاد الخليفة: وللثالثة ألف دينار، فقالت: الحمد لله، فقال: وللرابعة ألف دينار، فقالت الحمد لله، فزاد الخليفة: وللخامسة ألف دينار. فقالت المرأة: شكرا لك يا أمير المؤمنين، فجرَّ بقلمه على نصيب الخامسة وألغاه. فقالت لم يا أمير المؤمنين؟ فقال: شكرت الله في الأربعة الأول فأعطاهن من فضله. وشكرتني في الخامسة وليس لدي ما أعطيه إياها. إنما أنا قاسم والله معطي، فلتأكل مع أخواتها.
فأي ممارسة للحقوق وأي ضمان لها أرفع من هذا وأعز يا واضعوا حقوق الإنسان؟.
إذا جمعتنا يا (دعي) المجامع)
(أولئك آبائي فجئني بمثلهم
مع الاعتذار للشاعرين، جرير والفرزدق، حيث وضعْت (دعي) من عندي.
وهل بعد ادعاء من وضعوا حقوق الإنسان وأكلوها ادعاء؟.
стр. 12813
أما عن الفقرة (ج) وهي الأخيرة من المادة التاسعة والعشرين فسأعيد فقط نصها لنضحك من أمرها معاً، تقول الفقرة:
لا يصح بأي حال من الأحوال. أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
ووجه الضحك والسخرية من هذه الفقرة أننا ما علمنا للأمم المتحدة أغراضاً أو مبادئ رأى العالم شيئاً من نفعها حتى تتناقض أو لا تتناقض. ما رأينا من مبادئها إلا بطش القوي بالضعيف في عدوان مسلح ينتشر في كل أرجاء الأرض. وابتلاع دول صغيرة بأكملها. وطرد لِشعوب بِمَلايينها في صحراء الفاقة والعوز والهلكة، كما ذكرنا في بداية البحث. فأي أغراض ومبادئ لهيئة أممهم المختلفة..... لقد أضحكونا ورفّهوا عنا.
أما المادة الثلاثون والأخيرة فتقول:
ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو أي فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى عمل عدم الحقوق والحريات الواردة فيه) أي (في كل إعلان المواد التاسعة والعشرين) .
أما عن الدول التي هدمت الحقوق والحريات الواردة في حقوق الإنسان. فلتسأل هذه الدول نفسها كم هدمت وأهدرت من تلك الحقوق ولا زالت، وقد فصلناها وفضحناها في أماكنها من هذا البحث، أما نحن فقد قدمنا إليهم نماذج الإسلام الفذة من حكامنا الحوالى الذين حكموا دولهم باسم حاكم الحكام ومالك الممالك. بل إننا مع تحري عدل الله في حكمنا زَهَّدَنا رسولنا وخوفنا من تولي المسئولية وأمانة الحقوق على عمومها.
فعنه ﷺ قوله: "ويل للأمراء. ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنّينّ أقوام يوم القيامة، أن ذوائبهم معلقة بالثريا، يدلون بين السماء والأرض. وأنهم لم يلوا عملا". رواه ابن حبان، وفي رواية: "ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خرّ من الثريا. ولم يل من أمر الناس شيئا" رواه الحاكم.
стр. 12814
وعن كلمة (الجماعة) وأنها لا تخول أيضا هدم الحقوق الواردة في الإعلان. فمن الذي يجهل ما تقوم به الهيئة المسماة (بالصليب الأحمر) ..باسم العمل الإنساني والتطبيب العلاجي، وهي في الحقيقة ليست إلا هيئة تبشيرية عالمية كبرى. وأداة تخريب دولية للعقائد والحقوق، وما هي إلا حكومة صليبية تمون بكل أسباب القوة والبأس والتأثير والإغراء من كل دول العالم الصليبية، وأكثر ميادينها التي تصول فيها وتجول هي الدول الإسلامية خاصة المتخلفة منها، ووجدت فيها القصد المطلوب والرجاء المبتغى. وحتى في اختيار اسمها ما استطاعت أن تخفي تصلبها بالصليب والدم الأحمر السليب، وأخيرا، أخيرا جدا، أفاق المسلمون أو بعضهم على دنس قصد هذا (الصليب الأحمر) فقابلوا ذلك بـ (الهلال الأحمر) في بعض بلاد إسلامية، ولكن بعد أن غزيت نفس هذه البلاد بالصليب الأحمر من مستشفيات وملاجئ ورياض أطفال. إلى غير ذلك من منشآت شيطانية شتى، حتى لم يجد الهلال المتأخر في بلده مكاناً للصليب الذي سبقه إليها. وأصبح المئات كل عام بل كل شهر يقعون صرعى التنصر والارتداد عن الإسلام، بسبب العمل الإنساني الذي تقوم به جمعية الصليب الأحمر ولا تخرقْ به قانون الأمم المتحدة ولا حقوق الإنسان.
كل هذا والمسلمون الـ١٠٠٠ مليون وحكامهم أشبه بثور هائل صرعه المرض، لا يستطيع دفع الزواحف والثعالب التي تنهش من لحمه وهو حي، ذلك لأن المرض ألزمه الأرض فلم يجد من يعينه على النهوض من جديد.
стр. 12815
نعم. إننا لم نكتف بإلقاء ديننا وراءنا، بل وقّعنا بأيدينا على دينهم وقوانينهم، فشاركناهم حيرتهم الدنيوية، فحيرتهم زادت بارتقائهم المادي الدنيوي، هكذا أدركناه ونحن نتنقل في أرقى دول أوربا، وهم الآن يبحثون عن راحة النفس متجهين إلى الروح، ونحن تركنا راحة النفس بالروح واتجهنا إليهم لتشقينا معهم المادة. وما نخشى إلا أن يدركنا ونحن على هذا الحال موعد إنهاء الوجود. فنكون ولا حتى من أصحاب (الأعراف) وإنما- ونعوذ بالله- لا هذه ولا الآية الآتية. لا دنيا ولا أخرى، فاللهم الطف بنا، وعجل بإنقاذنا، وإلى دينك ردنا، ولا تزدنا من هذا الهوان، يا خير من أكرمت بني الإنسان، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →