← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

على كل فرد واجبات نحو المجتمع، وإنها لكلمة حق أريد بها الباطل. وهل رأينا أفرادهم إلا متهالكين نحو شهواتهم وخصوصية ميولهم وما يلهثون إلاَّ وراء أنانيتهم الفردية. أما نحن فقلنا لبعضنا ما قاله لنا ربنا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وما قاله لنا نبينا- ﷺ "كلكم راع وكلَكم مسئول عن رعيته" و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وتاريخنا العاطر مشحون بأعمال رجالنا تنفيذاً لما أمرهم الله ورسوله، من الإيثار وتقديم مصلحة الغير والمجتمع على النفس. وقد قدمنا منه العديد في بحثنا هذا. ونزيد فنقول ما رأي واضعوا هذه الحقوق التي ما أحقوها يوماً. عندما عرِضت رأس شاة على جار فقير. فيقول: أعطوها لجاري فقد يكون أولى بها مني. وتظل رأس الشاة تنتقل من دار إلى دار حتى تعود إلى الجار الأول بعد أن تأكد أن غيره ليس أحوج إليها منه. تلك صورة من قاعدة مجتمعنا. أما من قمة مجتمعنا فيشعر عمر بن الخطاب بتقلبات في بطنه وقرقرة في أمعائه حيث ما كان له أدام عام الرمادة إلا الزيت، فيقول لبطنه قرقري أو لا تقرقري. فلن تأتدمي السمن حتى يأتدمه المسلمون) فأي واجبات الفرد حاكما أو محكوماً نحو المجتمع تؤدَّى بأروع من هذا يا بني الإنسان؟ عندما تدور رأس شاة بين أيد محتاجة إليها حتى تستقر عند من هو أشد احتياجاً، وعندما يلزم رئيس أضخم وأوسع أمة في التاريخ بألاَّ يأكل السمن حتى يأكله كل شعبه ويكون هو آخر من يأكله.

стр. 12812

أم هل أتى واضعوا حقوق الإنسان التي أسلموها للنسيان. نبأ المرأة العراقية التي سافرت الأميال الطوال سائلة عن بيت عمر بن عبد العزيز، فوجدته كوخا ظنت من دلها عليه أنه يسخر منها. ولكنها تأكدت لما قالت لها زوجة الخليفة إنه نصيبه من القصور والدور والضياع والزروع التي كانت له. وتخلى عنها جميعها للمجتمع الإسلامي غداة أن استخلف، ويأتي الخليفة وتقص عليه المرأة قصتها: بأن زوجها مات في الجهاد في سبيل الله وترك لها خمس بنات لا تملك لهن شيئاً، وعندما نسمع جواب عمر بن عبد العزيز تدخل في الفقرة (ب) التي تتحدث عن ممارسة الحقوق وضمان الاعتراف بها للغير. فطلب عمر قلما وقرطاسا وأخذ يكتب بنفسه- فلا وكيل ولا سكرتير-. من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى والي العراق. إذا أتتك هذه المرأة فتثبت من أمرها، فإن كان حقاً ما تقول، فاجعل لا بنتها الأولى ألف دينار، فقالت المرأة: الحمد لله، فزاد الخليفة: واجعل للثانية ألف دينار. فقالت المرأة: الحمد لله، فزاد الخليفة: وللثالثة ألف دينار، فقالت: الحمد لله، فقال: وللرابعة ألف دينار، فقالت الحمد لله، فزاد الخليفة: وللخامسة ألف دينار. فقالت المرأة: شكرا لك يا أمير المؤمنين، فجرَّ بقلمه على نصيب الخامسة وألغاه. فقالت لم يا أمير المؤمنين؟ فقال: شكرت الله في الأربعة الأول فأعطاهن من فضله. وشكرتني في الخامسة وليس لدي ما أعطيه إياها. إنما أنا قاسم والله معطي، فلتأكل مع أخواتها. فأي ممارسة للحقوق وأي ضمان لها أرفع من هذا وأعز يا واضعوا حقوق الإنسان؟. إذا جمعتنا يا (دعي) المجامع) (أولئك آبائي فجئني بمثلهم مع الاعتذار للشاعرين، جرير والفرزدق، حيث وضعْت (دعي) من عندي. وهل بعد ادعاء من وضعوا حقوق الإنسان وأكلوها ادعاء؟.

стр. 12813

أما عن الفقرة (ج) وهي الأخيرة من المادة التاسعة والعشرين فسأعيد فقط نصها لنضحك من أمرها معاً، تقول الفقرة: لا يصح بأي حال من الأحوال. أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها. ووجه الضحك والسخرية من هذه الفقرة أننا ما علمنا للأمم المتحدة أغراضاً أو مبادئ رأى العالم شيئاً من نفعها حتى تتناقض أو لا تتناقض. ما رأينا من مبادئها إلا بطش القوي بالضعيف في عدوان مسلح ينتشر في كل أرجاء الأرض. وابتلاع دول صغيرة بأكملها. وطرد لِشعوب بِمَلايينها في صحراء الفاقة والعوز والهلكة، كما ذكرنا في بداية البحث. فأي أغراض ومبادئ لهيئة أممهم المختلفة..... لقد أضحكونا ورفّهوا عنا. أما المادة الثلاثون والأخيرة فتقول: ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو أي فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى عمل عدم الحقوق والحريات الواردة فيه) أي (في كل إعلان المواد التاسعة والعشرين) . أما عن الدول التي هدمت الحقوق والحريات الواردة في حقوق الإنسان. فلتسأل هذه الدول نفسها كم هدمت وأهدرت من تلك الحقوق ولا زالت، وقد فصلناها وفضحناها في أماكنها من هذا البحث، أما نحن فقد قدمنا إليهم نماذج الإسلام الفذة من حكامنا الحوالى الذين حكموا دولهم باسم حاكم الحكام ومالك الممالك. بل إننا مع تحري عدل الله في حكمنا زَهَّدَنا رسولنا وخوفنا من تولي المسئولية وأمانة الحقوق على عمومها. فعنه ﷺ قوله: "ويل للأمراء. ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنّينّ أقوام يوم القيامة، أن ذوائبهم معلقة بالثريا، يدلون بين السماء والأرض. وأنهم لم يلوا عملا". رواه ابن حبان، وفي رواية: "ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خرّ من الثريا. ولم يل من أمر الناس شيئا" رواه الحاكم.

стр. 12814

وعن كلمة (الجماعة) وأنها لا تخول أيضا هدم الحقوق الواردة في الإعلان. فمن الذي يجهل ما تقوم به الهيئة المسماة (بالصليب الأحمر) ..باسم العمل الإنساني والتطبيب العلاجي، وهي في الحقيقة ليست إلا هيئة تبشيرية عالمية كبرى. وأداة تخريب دولية للعقائد والحقوق، وما هي إلا حكومة صليبية تمون بكل أسباب القوة والبأس والتأثير والإغراء من كل دول العالم الصليبية، وأكثر ميادينها التي تصول فيها وتجول هي الدول الإسلامية خاصة المتخلفة منها، ووجدت فيها القصد المطلوب والرجاء المبتغى. وحتى في اختيار اسمها ما استطاعت أن تخفي تصلبها بالصليب والدم الأحمر السليب، وأخيرا، أخيرا جدا، أفاق المسلمون أو بعضهم على دنس قصد هذا (الصليب الأحمر) فقابلوا ذلك بـ (الهلال الأحمر) في بعض بلاد إسلامية، ولكن بعد أن غزيت نفس هذه البلاد بالصليب الأحمر من مستشفيات وملاجئ ورياض أطفال. إلى غير ذلك من منشآت شيطانية شتى، حتى لم يجد الهلال المتأخر في بلده مكاناً للصليب الذي سبقه إليها. وأصبح المئات كل عام بل كل شهر يقعون صرعى التنصر والارتداد عن الإسلام، بسبب العمل الإنساني الذي تقوم به جمعية الصليب الأحمر ولا تخرقْ به قانون الأمم المتحدة ولا حقوق الإنسان. كل هذا والمسلمون الـ١٠٠٠ مليون وحكامهم أشبه بثور هائل صرعه المرض، لا يستطيع دفع الزواحف والثعالب التي تنهش من لحمه وهو حي، ذلك لأن المرض ألزمه الأرض فلم يجد من يعينه على النهوض من جديد.

стр. 12815

نعم. إننا لم نكتف بإلقاء ديننا وراءنا، بل وقّعنا بأيدينا على دينهم وقوانينهم، فشاركناهم حيرتهم الدنيوية، فحيرتهم زادت بارتقائهم المادي الدنيوي، هكذا أدركناه ونحن نتنقل في أرقى دول أوربا، وهم الآن يبحثون عن راحة النفس متجهين إلى الروح، ونحن تركنا راحة النفس بالروح واتجهنا إليهم لتشقينا معهم المادة. وما نخشى إلا أن يدركنا ونحن على هذا الحال موعد إنهاء الوجود. فنكون ولا حتى من أصحاب (الأعراف) وإنما- ونعوذ بالله- لا هذه ولا الآية الآتية. لا دنيا ولا أخرى، فاللهم الطف بنا، وعجل بإنقاذنا، وإلى دينك ردنا، ولا تزدنا من هذا الهوان، يا خير من أكرمت بني الإنسان، والحمد لله رب العالمين.

стр. 12816

صفحات مشرقة من حياة عمر بن عبد العزيز للشيخ إبراهيم الجمل مدرس بالمعهد الثانوي كان عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي أمّةً وحده في تاريخ بني أمية، فلم تر الدنيا مثل عمر حاكما، يخاف الله، ويكره ويبغض لله، فكان ورعاً، زاهداً، تقياً، صابرا. كان من أشد الخلفاء حرصًا على أن ينال كل إنسان تحت إمرته حقه، لا فرق بين أمير وغير أمير، أو قريب وبعيد. وإن أخباره مشهورة، وأعماله تبارى فيها مع جده الفاروق عمر بن الخطاب [١] ﵁، حتى عده المؤرخون الخليفة الخامس المتمم للخلفاء الراشدين الأربعة. لقد أعاد عمر نهار الإسلام الساطع في الخلافة الأموية، برغم قصر مدة خلافته فقد كانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام. أرسى قواعد الدين الصحيحة وأعاد للإسلام قوته ومبادئه، فتفرع العلماء لتدوين الحنيفية السمحة، فلا عجب أن ينبش العباسيون- وقد حاربوا الدولة الأموية واستولوا عليها- قبور الأمويين، وأن يمثلوا شر تمثيل بمن في القبور من خلفاء وقادة إلا قبر عمر بن عبد العزيز فقد احترموا رفاته، وأثنوا عليه الثناء الكامل؛ والفضل ما شهدوا به تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة بعد موت الخليفة سليمان بن عبد الملك. والبلاد قد اتسعت رقعتها، وكثر العدو الذي كان يهدد أطرافها، وشغل عمر بأمر الناس والبلاد ليلا ونهارا. وما كان لكل هذا أن يشغله عن رعاية أولاده، وأن يتعرف على أحوالهم، وما يقتضيه واجب العناية والتربية.

стр. 12817

لقد أشرف بنفسه على تربية أولاده، وخصص لهم جزءا من وقته ليطلع على أعمالهم، فيقْوّم معوجهم، ويوجه من اختاره ليتولى تربيتهم إلى الطريق القويم. فيضع بهذا منهجا إسلامياً لا يصلح لأبنائه وحدهم، وإنما هو قاعدة أساسية لتربية أبناء المسلمين، وإن في رسالته لسهل مولاه وقد اختاره ليؤدب أولاده. منهجا قويما يخلق الأمة الصالحة التي تكون درعاً ووقاية للإسلام والمسلمين. يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ لسهل مولاه ومؤدب أولاده: "أما بعد: فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك عن غيرك من مواليّ، وذوي الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء؛ فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك، فإن كثرته تميت القلب. وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغضْ الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف، واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب الماء. ولعمري لتوقي ذلك، بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به. وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن. يتثبت في قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله، وخرج إلى الغرض حافيا فرمى سبعة أرشاق، ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود ﵁ كان يقول: "يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل". إن هذه الرسالة الخالدة لتضع أسس التربية الصحيحة في كل زمان ومكان: فهي تضع الجد في معاملة المربي والمؤدب للدارسين عليه، والبعد بهم عن طريق اللهو، ومزج الجد باللعب. حتى يكون ذلك أدعى لتقويم النفس، وتعويدها على الشجاعة والإقدام.

стр. 12818

ثم إن عمر ﵁ يبغض الملاهي من حضور المعازف، والاستماع إلى الأغاني، وترديدها. وتأْثيرها في حياة الشباب، والانحراف بقلوبهم عن طريق الحق والصواب. والاشتغال بها قد يضيع على الشباب كل ما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته. ويوصي ﵁ بأن يحرص كل غلام على قراءة جزء من القرآن الكريم كل يوم، والتثبت في قراءته، حتى ينطبع في قلبه حب القرآن والعمل بهِ. ثم يختم رسالته بالاستعداد للجهاد، وبإعداد فتيان المسلمين وشبابهم وتمرينهم على استعمال القوس والنبل، وإجادة الرمي، حتى إذا دعا داعي الجهاد، كانوا على أتم الاستعداد لقتال العدو ومغالبته والانتصار عليه. كان لعمر بن عبد العزيز من البنات: أمينة وأم عمار وأم عبد الله وقد حرص ﵁ على تزويدهن بالنصيحة، وبطاعة الله، والعمل على مرضاته، والرضا بما قسم لهن، وقد استطاع حينما تولى الخلافة، أن ينقلهن معه من حياة الترف والعز والنعيم الذي كن يعشن فيه إلى مشاركة أبيهن فيما اتخذ له من طريق ارتآها الموصلة إلى سعادة الآخرة التي اختارها فهي طريق النجاة والفوز، فما عند الله خير وأبقى. لقد شاركن الأب في حياة الزهد والتعفف والتقشف، وكن سعداء مع هذا الوالد، الخائف من الله، والمتقرب إليه، والذي يحاول إرضاءه. كان عمر يصلي العتمة كل ليلة، ثم يدخل على بناته، فيسلم عليهن، دخل عليهن ذات ليلة، فلما أحسسنه، وضعن أيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب. قال عمر للحاضنة: ما شأنهن؟ قالت إنه لم يكن عندهن شيء يتعشينه إلا عدس وبصل، فكرهن أن تشم ذلك من أفواههن. فبكى عمر، ثم قال لهن: يا بناتي ما ينفعكنَّ أن تعشين الألوان، ويمر بأبيكن إلى النار فبكين حتى علت أصواتهن، ثم انصرف. مرت أمينة ابنة الخليفة عمر بن عبد العزيز يوما عليه وهو جالس، فدعاها الخليفة: يا أمين، يا أمين.

стр. 12819

فلم تجبه، فأمر إنسانا فجاء بها، فقال: ما منعك أن تجيبي. قالت: إن ملابسي ليست حسنة! فقال: يا مزاحم، انظر إلى تلك الفرش التي فتقناها، فاقطع لها منها قميصا . فذهب إنسان إلى أم البنين عمتها فقال: ابنة أخيك ليس عندها من الملابس ما تستحسنه، وأنت عندك ما عندك، فأرسلت إليها بتخت من ثياب، وقالت: ويروي ابن عبد الحكم في سيرة عمر: أن ابنته أرسلت إليه بلؤلؤة وقالت له: يا أبتي إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني. فأرسل لها بجمرتين ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت إليك بأخت لها!!. كان عمر بن عبد العزيز قبل أن يتولى الخلافة يعيش في نعيم مقيم، وترف لم يره أموي، وهبت له هبات كثيرة- غير ما ورثه- وضياع منتشرة في كل الآفاق، كان له أرض تُدرّ عليه الغلات الكثيرة في الحجاز والشام ومصر واليمن والبحرين. فدخل له من الأموال ما لا يحصى. قال ابن عبد الحكم: "وكان عمر بن عبد العزيز أعظم أموي ترفها وتملكا غذي بالملك، ونشأ فيه، لا يعرف إلا وهو تعصف ريحه فتوجد رائحته في المكان الذي يمر فيه، ويمشي مشية تسمى "العمرية"فكان الجواري يتعلمنها من حسنها، وتبختره فيها، وأنه ترك كل شيء كان فيه لما استخلف غير مشيته، فإنه لم يستطع تركها، فربما قال لمزاحم: ذكرني إذا رأيتني أمشي فيذكره فيخلطها، ثم لا يستطيع إلا إياها فيرجع إليها". وبلغ عمر من رفاهيته قبل الخلافة أن الناس كانوا ينتظرون يوم أن تؤخذ ملابسه إلى المغسل، لتغسل ملابسهم بعد ملابسه حتى ينالها الكثير مما نزل منها من الطيب في الماء. لكنه ترك كل هذا لحظة تولى الخلافة، ورأى أنه مسئول مسئولية كاملة أمام الله عن الدين وعن العباد بادئا بنفسه وأهله، راجيا أن ينجو من العقاب في آخرته.

стр. 12820

كان له من البنين عبد الله وأبو بكر وإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى والوليد وعاصم ويزيد وعبد العزيز وعبد الملك ولم يأل جهدا في تربيتهم ونصحهم وتدريبهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم. حكى عن ابنه عبد العزيز وكان يلي المدينة ومكة- بعد موت أبيه- ليزيد بن عبد الملك، وثبته فيهما مروان بن محمد، أن أباه كان دائم الوصية له ولإخوته ومما كان يقول له: "يا بني إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا على الخير". ومما روي أن ابنه عبد الله ذهب إليه، وقال له: اكسني يا أبت! فقال له: اذهب إلى الخيار بن رباح البصري، فإن لي عنده ثيابا فخذ منها ما بدا لك. قال: فذهبت إلى الخيار بن رباح، فقلت له: استكسيت أبي، فأرسلني إليك، وقال: إن لي عند الخيار بن رباح ثيابا. قال: صدق أمير المؤمنين، فأخرج إليه ثيابا رخيصة، رأى عبد الله ابن الخليفة أَنها لا تناسبه، فسأل الخيار: هل عندك غيرها له؟ قال: ما عندي غيرها لأمير المؤمنين فخذ منها ما بدا لك. لم يأخذ عبد الله منها شيئا، ورجع إلى أبيه عمر، فقال: يا أبتاه، استكسيتك فأرسلتني إلى الخيار بن رباح، فأخرج لي ثيابا ليست من ثيابي ولا من ثياب قومي. قال: فذاك ما لنا عند الرجل. فانصرف عبد الله حتى إذا كاد يخرج ناداه فقال له: هل لك أن أسلفك من عطائك مائة درهم؟ قال: نعم يا أبتاه. فأسلفه مائة درهم، فلما خرج عطاؤه حوسب بها، فأخذت منه! وقال مسلمة بن الخليفة عبد الملك يذكر عطاء عمر لأولاده: "رحم الله عمر والله لقد هلك وما بلغ ابن له قط شرف العطاء" كان عمر يكره أن يلي أحد أولاده ولاية أو منصبا، مكتفيا بنفسه حيث سيحاسبه الله على كل صغيرة وكبيرة متأسيا بجده الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حيث خوطب في تولية ابنه عبد الله بن عمر فأبى وقال: أعمر وابنه؟!!

стр. 12821

روى أن عمر بن عبد العزيز قال لبنيه: "أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندا فينطلق تصلصل به جلاجل البريد؟ فقال ابنه أبن الحارثية [٢] : لم تعرض علينا شيئا لست صانعه بنا؟ فقال عمر: إني لأعلم أن بساطي هذا يصير إلى البلى، وإني لأكره أن تدنسوه بخفافكم، فكيف أَقلدكم ديني تدنسونه في كل جند!! " وروي أن بعض أولاد عمر اتخذ خاتما، واشترى له فصا بألف درهم فكتب إليه عمر: أما بعد: فقد بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فبعه وأشبع ألف جائع. واتخذ خاتما من حديد صيني واكتب عليه: "رحم الله امرءا عرف قدر نفسه". ولقد بلغ أولاده منزلة كبيرة بعد وفاته، وكانوا محل احترام القريب والبعيد في حياة عمر وبعد مماته، لما اتصفوا به من حسن خلق، وجميل صفات عفة وزهدا وأدبا، واضعين ما أخذهم به أبوهم نصب أعينهم حتى كان منهم المحدثون والولاة. فكان ابنه عبد العزيز بجانب ولايته على المدينة ومكة في عهد يزيد بن عبد الملك والخليفة مروان بن محمد راويا للحديث. ذكر له الحافظ أبو جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي أحاديث منها ما رواه عن صالح بن كيسان عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم خرج من بيته يريد سفرا أو غيره فقال حين يخرج: باسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله إلا رزق خير ذلك المخرج وصرف عنه شره". وروى له أيضا عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ :"من صلى ركعتين قبل أن يتكلم رفعت في عليين". وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز واليا على الكوفة بعد موت أبيه.

стр. 12822

ومن أنجب أولاده، وأزهدهم، وأقربهم من الله عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وأمه ليست فاطمة بنت الخليفة عبد الملك بن مروان زوجة عمر وإنما هي أم ولد فقد أنجب منها عمر عبد الملك هذا والوليد وعاصما ويزيد وعبد العزيز وزيان وأمينة وأم عبد الله. كان أزكى أولاده عقلا، وأحدهم تفكيرا، وأقواهم إيمانا، وأشدهم- على الرغم من صغر سنه- خوفا من الله! وأصبرهم على البلاء. وكان منذ طفولته أكثر إخوته التصاقا بأبيه، ملازما له، معاونا له في الشدائد، ناصحا له في العمل، داعيا له، مخوفا لأبيه من لقاء الله مع صغر سنه، حتى لقد روى عن بعض مشيخة أهل الشام قال: "كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أَدخله في العبادة ما رآه من ابنه عبد الملك"!. كتب عمر إلى عبد الملك ابنه مرة فقال: "إنه ليس من أحد، رشده وصلاحه أحب إليّ من رشدك وصلاحك، إلا أن يكون والي عصابة من المسلمين، أو من أهل العهد يكون لهم في صلاحه، ما لا يكون لهم في غيره، أو يكون عليهم من فساده، ما لا يكون لهم من غيره". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابنه عبد الملك وهو صغير وقد ظهرت عليه مخايل النجابة والفهم الواعي، وقد خصه والده بالعناية والاهتمام قال في رسالته إليه: أما بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من وعى ذلك، وحفظه عني أنت. إن الله له الحمد قد أحسن إلينا إحسانا كبيرا بالغا في لطيف أمرنا وعامته، وعلى الله إتمام ما غبر من النعمة، وإياه نسأل العون على شكرها.

стр. 12823

فاذكر فضل الله عليك وعلى أبيك. ثم أعن أباك على ما قوي عليه وعلى ما ظننت أن عنده فيه عجزا عن العمل فيما أنعم به عليه وعليك في ذلك، فراع نفسك وشبابك وصحتك، وإن استطعت أن تكثر تحريك لسانك بذكر الله تحميدا وتسبيحا وتهليلا، فافعل فإن أحسن ما وصلت به حديثا حسناً حمد الله وشكره، وإن أحسن ما قطعت به حديثا سيئا حمد الله وذكره، فلا تفتتن فيما أنعم الله به عليك فيما عسيت أن تقرظ به أباك فيما ليس فيه. إن أباك كان بين ظهري إخوته يفضل عليه الكبير. ويدنى دونه الصغير، وإن كان الله- وله الحمد- رزقني من والدي حسبا جميلا. كنت به راضيا أرى أفضل ببره ولده عليّ حقا حتى ولدت وولدت طائفة من إخوتك، ولا أخرج بكم من المنزل الذي أنا فيه، فمن كان راغبا في الجنة، وهاربا من النار فالآن التوبة مقبولة والذنب مغفور قبل نفاد الأجل وانقضاء العمل، وفراغ من الله للمنقلبين، ليدينهم بأعمالهم في موضع لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه المعذرة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يَرِده الناس بأعمالهم، ويصدرون عنه أشتاتا إلى منازلهم. فطوبى يومئذ لمن أطاع الله، وويل لمن عصى الله. فإن ابتلاك الله بغنى فاقتصد في غناك، وضع لله نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه من مالك، وقل كما قال العبد الصالح: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (سورة النمل آية ٤٠) .

стр. 12824

وإياك أن تفخر بقولك، وأن تعجب بنفسك، أو يخيل إليك أن ما رزقته لكرامة لك على ربك، وفضيلة على من لم يرزق مثل غناك، فإذا أنت أخطأت باب الشكر، وتركت منازل الفقر، وكنت ممن طغى للغنى، وتعجل طيباته في الحياة الدنيا، فإني لأعظك بهذا، وإني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري، ولو أن المرء لم يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويعمل في الذي خلق له من عبادة ربه إذن لتواكل الناس الخير، وإذن لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة الجاثية ٣٦- ٣٧) . هذا الابن البار. والذي أخذه والده بالنصيحة. لم يمض عليه زمن يسير، حتى أصبح الأب الخليفة ينتظر منه توجيها له نصيحة يقدمها بين يديه. ورأيا صائبا يعرضه عليه. وأمرا يخوف أباه منه، ودرجة عند الله يغري بها الابن والده. وأصبح عمر ينتظر كل يوم جديدا من عبد الملك ينقذه به من غفلة ومن سهو حتى لقد قال سيار بن الحكم: "كان ابن لعمر بن عبد العزيز يقال له عبد الملك. وكان ﵀ يفضل على عمر. قال: يا أبت أقم الحق ولو ساعة من نهار". وروي أن عبد الملك دخل على عمر فقال: - يا أمير المؤمنين إن بي حاجة فأخلني- وعنده مسلمة بن عبد الملك- فقال له عمر: أسر دون عمك. قال: نعم. وخرج وجلس بين يديه. فقال: يا أمير المؤمنين. ما أنت قائل غدا لربك إذا سألك، فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟ فقال عمر: يا بني أشيء حملّك الرعية إليّ أم رأي رأيته؟ قال: بل رأي رأيته من قبل نفسي. وعرفت أنك مسئول فما أنت قائل؟. قال أبوه: رحمك الله، وجزاك من ولد خيرا، فإني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير.

стр. 12825

يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة. ومتى ما أريد مكايدتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون عليّ من أن يهراق في سببي محجمة من دم. أو ما ترى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين. وجلس عمر بن عبد العزيز يوما للناس، فلما انتصف النهار ضجر وملَّ وكلذَ، فقال للناس: مكانكم حتى أنصرف إليكم. ودخل ليستريح ساعة، فجاء ابنه عبد الملك، فسأل عنه، فقالوا: دخل. فاستأذن عليه. فأذن له، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين ما أدخلك؟ قال: أردت أن أستريح ساعة. قال عبد الملك ﵀: أو أمنت الموت أن يأتيك، ورعيتك على بابك ينتظرونك. وأنت تحتجب عنهم!! فقام عمر من ساعته، وخرج إلى الناس. وقال عبد الملك مرة يا أمير المؤمنين ما يمنعك أن تمضي الذي تريده، فو الذي نفسي بيده ما أبالي أن لو غلت بي وبك القدور!! قال: وحق هذا منك! قال: نعم والله. قال عمر: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على أمر ديني، يا بني: إني لو باهت الناس بالذي تقول لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها لم أجد بدا من السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف. يا بني: إني أروض الناس رياضة الصعبة. فإن بطأ بي أرجو أن ينفذ الله مشيئتي. وإن تعدد على منيتي فقد عدم الله الذي أريده. ودخل عبد الملك على أبيه الخليفة عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، ماذا تقول لربك إذا أتيت، وقد تركت حقا لم تحيه. وباطلا لم تمته؟. قال: اقعد يا بني.

стр. 12826

إن آباءك وأجدادك خدعوا الناس الحق، فانتهت الأمور إلي. وقد أقبل شرها وأدبر خيرها. لكن ليس حسنا جميلا أن لا تطلع الشمس علي في يوم لا أحييت فيه حقا. وأمت فيه باطلا. حتى يأتيني الموت وأنا على ذلك. وغضب عمر يوما واشتد غضبه، فلما سَكت عنه. قال له عبد الملك: يا أمير المؤمنين في قدر نعمة الله عندك، وموضعك الذي وضعكم الله به وما ولاك من أمر عباده أن يبلغ بك الغضب ما أرى. قال عمر: كيف قلت؟ فأعاد عبد الملك كلامه. فقال عمر: أما تغضب أنت يا عبد الملك؟ فقال الفتى ﵀: ما يغني عني جوفي إن لم أرد الغضب فيه حتى لا يظهر منه شيء. اجتمع نفر من بني أمية من الذين يريدون المال والجاه والسلطان الدنيوي إلى عبد الملك بن عمر فقالوا له: إن أباك قطع أرحامنا، وانتزع ما في أيدينا. وعاب على سلفنا وإنا- والله- لا نصبر على ذلك، فقل له يكفي عما نكره. ففعل ذلك عبد الملك. ودخل عليه فأخبره بذلك. فكأن عمر وجد في نفسه مما قال، فقال له عبد الملك: يا أمير المؤمنين امض لما تريد، فوالله لوددت أنه قد غلت بي وبك القدور في الله فقال له: جزاك الله خيرا يا ولدي، الحمد لله الذي شد ظهري بك يا عبد الملك. لم يتجاوز عبد الملك السابعة عشرة من العمر حتى أصبح مستشارا للخليفة، لا يُقْضى أمر إلا بعبد الملك، فكان كلما أشكل موضوع نادى المقربون والفقهاء عبد الملك، ليقضى الأمر برأيه حتى صار على صغره في الصف الأول من فقهاء الشام علما وزهدا وورعا. حتى لقد قالوا عن عبد الملك "إنه أعجوبة تاريخ ونادرة فلك". عرض عمر ﵁ يوما على وزيره مزاحم ما يفعله ببعض المال، وكان ذلك العرض أمام الناس فقال مزاحم: ولدك يا أمير المؤمنين أحق به! فلما بلغ عبد الملك ما قاله مزاحم. أسرع إليه فلقيه فقال له: بئس وزير الخليفة أنت يا مزاحم!

стр. 12827

ثم انطلق إلى أبيه ولم يزل به حتى دفع ذلك المال إلى بيت المال وحذره من وزراء السوء. وكان عمر يرى أن الأموال التي أخذت من الناس في غير عهده ظلم ليس مسئولا عنها. واختلف الفقهاء. ولم يصلوا لرأي، فقالوا: نادوا عبد الملك. فقال ﵀: يا أمير المؤمنين أرى أن تردها، فإن لم تفعل كنت شريكا لمن أخذها. مواقف عديدة وكثيرة لعبد الملك. ولا يملك الأب الخليفة إلا أن يضم ابنه النابغة إلى صدره ويشبع رأسه ووجهه لثما وتقبيلا. هذا الابن البار بأبيه. والذي أوشك على السن التي يقضي بها بين الناس، أصبح فجأة عديم الحركة، قليل الكلام، ملازم الفراش، يتلوى من الألم. كثر دخول الأطباء وخروجهم. والأب مشغول بالرعية. يمر على فتاه من وقت لآخر. والله أعلم بما يكابد. ولكن العلة أحكمت. وزاد المرض، والتفت عمر إلى الأطباء فقالوا: إذا مس الطاعون وهو قرحة فوجد لينا طمع لصاحبه في البرء منه. وإن كان خشنا يئس من صاحبه. دخل الخليفة على فلذة كبده، فقال. دعني أمس قرحتك. فكَره عبد الملك أن يمسّها أبوه فيجزع. وكانت متحجرة خشنة، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ فعلم عمر لم منعه، فقال: ولم يا بني؟ فو الله لأن أقدّمك فأجدك في ميزاني أحب إلي من أن تقدمني فتجدني في ميزانك. فقال الابن البار: وأنا يا أمير المؤمنين، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب، فلمسها، فقال: يا عبد الملك، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران آية ٦٠) . فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الصافات آية ١٠٣) . غاب الأب قليلا، ثم رجع ملهوفا إلى ابنه، فوجده يجود بنفسه، فقال: كيف تَجِدك يا بنَي؟ قال: أجدني في الموت، فاحتسبني يا أمير المؤمنين، فإن ثواب الله خير لك مني. قال عمر:

стр. 12828

رضي الله عنك يا بنيّ، فإنك لم تزل تَسر أباك، وأنت في الخِرَق، وما كنت قط أسَرّ إليّ منك حيث يصيّرك الله في ميزاني، فرضي الله عنك، وعن كل شاهد وغائب دعا لك بالخير. وما كاد عمر يخرج، حتى عاد إلى ابنه، وكان قد فارق الحياة، فكشف عن وجهه، وأنعم النظر....... ثم قال: رحمك الله يا بني، سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عُمرّت مسرورا لك، وما أتت عليّ ساعة أنا بك فيها أسر مني بك من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة! دعا عمر ﵁ أبا قلابة. وكان يستعد لغُسْل عبد الملك ﵀، وقال إذا غسّلته وكفنته، فآذنى به قبل أن تُغَطي وجهه، فنظر إليه ثم قال: رحمك الله يا بُنَيّ وغفر لك. وخرج الناس بسريره ليصلى عليه، فصف عمر الناس، ثم قام حيال صدره أو رأسه ثم قال: هكذا يقوم ولي الرجل من الرجل، ومن المرأة يقوم حيال وسطها، فلما صار إلى القبر، دخل فيه وأخذ برأس ابنه حتى وضعه في اللحد. قال زياد بن حسان: إنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك ﵀ وسوى عليه التراب، سووا قبره بالأرض، وصنعوا عند رأسه خشبتين من زيتون إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة، واستوى قائما. فلما رآه الناس قائما قاموا، فقال اجلسوا، فإنما يجب القيام على أَولياء الميت. فلما انتهى من قبول التعزية أحاط به الناس، فنظر إلى قبر ابنه ثم قال: والله يا بني لقد كنت برا بأبيك، والله مازلت مذ وهبك الله لي مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد سرورا، ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في المنزل الذي صيرك الله فيه. فرحمك الله، وغفر ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم الله لكل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب، رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين".

стр. 12829

انصرف عمر راجعا وفي أثناء سيره رأى قوماً يرمون، فلما رأوه أمسكوا فقال: ارموا، ووقف عليهم. فرمى أحد الرامين، فأخرج، فقال له عمر: أخرجت، فقصّر. ثم قال للآخر: ارم. فرمى، فقصّر فقال له عمر: قصرت فبلغ. فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين أيفرغ قلبك لما يفرغ له، وإنما نفضت يدك من تراب قبر ابنك الساعة، ولم تصل إلى منزلك بعد؟! فقال له عمر: يا مسلمة، إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت المصيبة فَالْهَ عما فاتك. ويقال: إن عمر بن عبد العزيز وهو يدفن ابنه عبد الملك رأى رجلا يشير بشماله. فقال له: يا هذا إذا تكلمت فلا تشر بشمالك، أشر بيمينك. فقال الرجل: ما رأيت كاليوم أن رجلا دفن أعز الناس ثم إنه يهمه شمالي ويميني. خطب عمر بن عبد العزيز الناس بعد وفاة ابنه عبد الملك فكان مما قاله: إن الله جل ذكره لم يجعل مسيء ولا لمحسن خلودا في الدنيا، ولم يرْضَ بما أعجب أهلها ثوابا لأهل طاعته. ولا ببلائها عقوبة لأهل معصيته، فكل ما فيها من محبوب متروك، وكل ما فيها من مكروه مضْمَحل. كتب على أهلها الفناء، وأخبر أنه يرث الأرض ومن عليها، فاتقوا الله واعملوا ليوم ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ (سورة لقمان آية ٣٣) . كتب رجل إلى عمر يعزيه فأجابه: إني لم أزل في صحة منه وسلامة، موطنا نفسي على فراقه والسلام. وكتب عمر إلى عماله: إن عبد الملك بن عمر كان عبدا من عبيد الله أحسن إليه وإلى أبيه فيه. أعاشه ما شاء. ثم قبضه إليه، وكان ما علمت- والله به أعلم- خيرا. ومن صالحي شباب أهل بيته قراءة للقرآن. وتحريا للخير. وأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله. فإن ذلك يحسن بي في إحسانه إلي. وتتابع نعمه عليّ.

стр. 12830

وقد قلت عند الذي كان بما أمر الله أن أقوله عند المصيبة، ثم لم أجد بحمد الله إلا خيرا. ولا أعلم ما بكت عليه باكية. ولا ناحت عليه نائحة، ولا اجتمع لذلك أحد؛ فقد نَهيْنا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه. لقد درب عمر منذ الصغر وقبل الخلافة على مواساة الناس، وإظهار منزلة الصبر في حياة المؤمن، والعمل بما وعي وفهم، مستمدا كل هذا من معاملته مع ربه، قوي الإيمان، ثابت العقيدة. قال له الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك يوما: يا عمر هل يكون المؤمن في حالة تنزل به المصيبة، فلا يألم لها؟ قال عمر: لا، يا أمير المؤمنين، لا يكون أن يستوي عندك ما تحب وما تكره، أو تكون الضراء والسراء عند أحد سواء. ولكن مُعوّل المؤمن الصبر. كان الناس يتكاثرون، يبكون ويواسون الخليفة عمر بن عبد العزيز، قاصدين التخفيف عن أمير المؤمنين في موت عبد الملك ابنه، ولكن عمر كان يسبقهم بالنصيحة والموعظة. وقف مرة بين الناس، وهم يواسونه، فكان مما قاله: الحمد لله الذي جعل الموت حتما واجبا على خَلْقه، ثم سوَّى بينهم، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران ١٨٥، الأنبياء٣٥، العنكبوت ٥٧) . فليعلم ذوو النّهى أنّهم صائرون إلى قبورهم، مفْرَدون بأعمالهم، واعلموا أن عند الله مسألة فاضحة، فقال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. َ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحجر آية ٩٢) . قال أبو الحسن المدائني: أخبرنا العباس بن معاوية قال: عزى محمد بن الوليد بن عتبة بن أبى سفيان عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليَشْغَلْك ما أقبل من الموت إليك عمن هو في شغل عما دخل عليك، واعْدد لما ترى عُدّة تكون لك جُنَّةً من الحزن، وسِتْرا من النار. فقال عمر: فَهَلْ رأيْتَ حزنا يُنْكر أو غفلة أنبّه لها؟ فقال:

стр. 12831

يا أمير المؤمنين، لو أن رجلا ترك تعزية رجل، لعلْمِه وانتباهه لكُنْتَه، ولكنّ الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين. رثى الناس عبد الملك، وتكلم الكثيرون عن فضله مع صغره وذكائه النادر، وعلمه الغزير، وعمر يتقبل كل هذا بصبر الواثق بما عند الله، وكان مما قيل ليواسوا به عمر، وليصرفوا عنه حزنا ألم به. لما قد ترى يغذى الصغير ويولد تَعَزّ أمير المؤْمنين فإنّه لكل على حوض المنية مورد هل ابنك إلا من سلالة آدم ثم مرض عمر بن عبد العزيز بعد موت عبد الملك، وكان من آخر ما تكلم به عمر أن قيل له: لقد تركت أولادك صغارا وهم كثيرون، وليس لهم مال، ولم تولهم إلى أحد، قال: ما كنت لأعطيهم شيئا ليس لهم. وما كنت لآخذ منهم حقا لهم. أولي فيهم الذي يتولى الصالحين، إنما هؤلاء أحد رجلين رجل أطاع الله ورجل ترك أمر الله وضيعه. ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فقال: يا أمير المؤمنين. من توصى بأهلك؟ فقال عمر ﵁: إذا نسيت الله فذكرني. فأعاد عليه القول مسلمة قائلا: من توصي بأهلك؟ فقال عمر: إن وليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في رواية أخرى فقال: يا أمير المؤمنين ألا توصي؟ قال عمر: وهل من مال أوصي فيه؟ فقال مسلمة: مائة ألف أبعث بها إليك. فهي لك فأوص فيها. قال: فهلا غير هذا يا مسلمة. قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين. قال عمر ﵁: تردُّها من حيث أخذتها!! فبكى مسلمة، وقال: رحمك الله لقد ألنت منا قلوبا كانت قاسية، وزرعت في قلوب الناس مودة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا [٣] . وروي أيضا: أن مسلمة دخل على عمر في مرض موته فقال:

стр. 12832

إنك أفقرت ولدك من هذا المال فتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إليّ وإلى نظرائي من أهل بيتك. فقال عمر ﵁: أسندوني، ثم قال: أما قولك إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال فو الله إني ما منعتهم حقا هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم. وأما قولك: لو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتك. فإن وصيتي ووليي فيهم الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين. بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا، وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم أكن أقويه على معصية الله. ثم بعث إليهم- وهم بضعة عشر ذكرا- فنظر إليهم، فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بنفسي الفتية- كما يقولون- تركتهم عيلة لا شيء لهم، فإني بحمد الله قد تركتهم بخير. أي بَنِيَّ إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين إلا أن لكم عليهم حقا. أي بَنِيّ إن أباكم ميل بين أمرين بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله!! روى أحد المؤرخين قال: مات الخليفة هشام بن عبد الملك، وخلف أحد عشر ابنا، فقسمت تركته، وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف دينار، ورأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ورأيت ولد هشام يُتَصدق عليه. رحم الله عمر بن عبد العزيز وأولاده ورضي عنهم أجمعين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أم عمر بن عبد العزيز هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قيل اسمها: ليلى أو قريبة أو عنبة تزوجها عبد العزيز فولدت له عمر (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم) . [٢] من زوجات عمر لميس بنت علي بن الحارث وأنجب منها عبد الله وبكر وأم عمارة.

стр. 12833

[٣] التعازي للمبرد ص ٦٢

стр. 12834

الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (٢) للدكتور محمد نغش أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة كتاب بشأن الحصن الذي استجده الفرنج وهدمه السلطان صلاح الدين. أرسل القاضي الفاضل إلى بغداد رسالة عن هدم هذا الحصن الحصين، وقدم لها مقدمة طويلة تشمل- كالعادة- تمجيداً للخليفة العباسي، والدعاء له، ومما جاء فيها: "الدولة العباسية الإمامية المستضيئة، يرفع الله منارها، ويعمر قلوب البشر من بشائرها الموجبة لاستبشارها، ويحرز لها من الفتوحات التي تتدارك لها خواطر القنوط، وتمد الرجاء بعد تقلص ظله المبسوط، وتمضي لها من عزائم الأولياء، وتذل بها من أعناق الأعداء، ويظهر من دلائل العنايات بأمرها، ويرسل ملائكة سمائية إلى أرضه لنصرها ويقشع من ظلمات الخطوب برايتها السوداء ويدها البيضاء، ونعمتها الخضراء، وبحور أنعامها الزرقاء، وسيوف انتقامها التي تخرق الآجال برايتها الحمراء [١] . استدعى السلطان صلاح الدين أخيار البلاد الشامية وعشائرهم، وكتائب من التركمان، وحمل إليهم الأموال وآلات القتال، ومن بينها المنجنيقات وعددها، وسلاليم لمرمى القلاع ومصعدها. وسار بهذا الجيش الجرار إلى المخاضة في يوم السبت ١٩ ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ – ٢٥ أغسطس ١١٧٩ م. وهنا يصف القاضي الفاضل الحصن الحصين. فهو مبني على تلال وعرة عالية. وأبراجه مرتفعة متينة، وقد عرض حائطه إلى أن زاد على عشرة أذع، وبني من حجارة صلدة، توعز للحديد بأنه من الصعب هدمه. وبداخل الحصن ما يزيد على أَلف وخمسمائة رجل، ولديهم الجروخ [٢] الوثيقة، "وقد نصبت عليه مجانيق يروع خاطر الجسارة منظرها، وتلتهم الحصون فكيف الخيام حجرها؟، ويسري إلى الأجساد خبرها، وحفر له خندق أحاط بالمدينة سرادقه، وفتحت أبوابها ثقة بما صانته مغالقه، وقد بنوه حتى لا تنهار حروفه، ووسعت حتى لا تنجار جروفه [٣] .

стр. 12835

ثم ركب السلطان صلاح الدين ثاني يوم الأحد إلى صفد، فقطع منها قضب الكروم والأخشاب، فأما الكروم فليجعلها ستائر للمنجنيقات للتمويه على العدو مثلما تفعل الجيوش المحاربة في العصر الحاضر، وأما الخشب ونشارته فبغرض إيقاد النار في أسوار الحصن بعد نقبها. وعاد السلطان صلاح الدين في نفس اليوم إلى المخاضة، واستقر رأيه على قتال الحصن بطريقتين، وهما القتال زحفا مع نقب الأسوار في آن واحد. ونقف قليلاً أمام هذه العبارة "وعلم- أي صلاح الدين- أن أمراً أَوله الاستخارة، وأوسطه الاستشارة، وخاتمته الجسارة، فإن الجامع بينها لا يندم [٤] ". ففيها رغم إيجازها وصف كامل للحالة النفسية للمقاتلين الذين يستعينون بالله على محاربة عدوهم، ثم يليها استشارة القائد ضباطه لأخذ آرائهم، ثم الشجاعة والجرأة التي تنجم عن تعبئة روحية عالية، تكون النتيجة الظفر على الأعداء بإذن الله. ثم يلي ذلك وصف المعركة، ومنه: "وفي الحال أَطافت بالحصن المقاتلة من جميع أقطاره، ولبوا تلبية الحجيج، وكل يرمي جمرة سهم، وعبرت الآجال المسماة على قناطر القسي المحنية، وقدحت زنودها البيض شرار جمر المنية، فصارت الأبرجة كأنها مستلئمة بسلاحها، أو كأنها لكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور قد أظهرت حسك [٥] الضغائن، أَو كأن أبرجتها لازدحام السهام بها كتائن [٦] ، فنجدد عليهم حصر بان في البيوت بعد الحصر في المدينة، وضاق مجال اليد عن أنجاد خواطرها اللعينة المبينة، وفي الحال هجم الأولياء على الحوش، وحازوا الخندق وأطلقوا النيران فتبسطت خطواتها، وتسلطت سطواتها، وأحاطت بالأعداء خطياتها" [٧] .

стр. 12836

ولم ير الصليبيون بداً من النجاة بأنفسهم إلى أسوار الحصن ليحموا أنفسهم وحصنهم حتى يأتي إليهم المدد من طبرية، غير أن المسلمين ألحوا في القتال رغبة في الوصول إلى نتيجة حاسمة قبل وصول المدد، وأدرك الليل قبل أن تتضح النتيجة فأمر السلطان صلاح الدين بالمبيت في الباشورة إلى الغد، وفي الصباح باشر النقابون تنقيبهم في أسوار الحصن وهي بالغة الفخامة. حتى بلغ طول النقب ثلاثين ذراعا في عرض ثلاثة أذرع، وحشى النقب بالحطب، وأشعلت فيه النيران فلم يسقط أيضاً. ولذا أمر السلطان صلاح الدين بإطفاء النار ليتم نقبه، وعاد النقابون إلى عملهم حتى خرَقوا السير وعمقوا الخرق، ثم حشوه بالقش والحطب وأشعلوا النار، فسقط السور يوم الخميس ٢٤ ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ= ٣٠ أغسطس ١١٧٩ م. وكان الصليبيون قد جمعوا وراءه حطباً، فلما وقع السور دخلت الرياح فردت النار على من به، وأحرقت بيوتهم وطائفة منهم، واجتمع الباقون إلى الجانب البعيد من النار وطلبوا الأمان فأمنهم صلاح الدين. وغنم المسلمون مائة ألف قطعة من الحديد من جميع أنواع الأسلحة، عدا ألف زردية، فضلا عما كان في الحصن من أقوات كان الصليبيون قد اختزنوها استعدادا لمقاومة طويلة. ووجد السلطان صلاح الدين بداخل الحصن من أسرى المسلمين ما يزيد على مائة رجل، فأمر بنزع القيود من أرجلهم، ووضعها في أرجل الصليبيين المأسورين البالغ عددهم نحو السبعمائة. وتقدم السلطان صلاح الدين فاقتلع بيده الأحجار من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وطم جب الماء الذي حفره الصليبيون وسط الحصن، بأن ألقى فيه القتلى من الصليبيين والمحترق من دوابهم، واستمر مقامه ثلاثة أيام، إلى أن دمر ما كانوا يصنعون. وأعز الله الإسلام، وأمر أمره، ونصر الإيمان، وكان حقاً على الله نصره.

стр. 12837

ثم سار صلاح الدين إلى أعماق طبرية وصور وبيروت، وأنزل بالصليبيين الذين احتلوها الهلاك وبحصونها الدمار، وثل عروشها. وأحل بالكفار الهزيمة المنكرة في ثلاثة أيام وهو في طريقه إلى دمشق. وعاد السلطان صلاح الدين إلى دمشق في يوم الخميس ١٩ ربيع الآخر سنة ٥٧٥ هـ= ٢٩ سبتمبر ١١٨٠ م بالنصر الظاهر. والظفر الباهر. فمدحه عدة من الأمراء والشعراء وهنأوه بالفتح [٨] . والقاضي الفاضل يشيد بهذا الفتح الذي يعد فتوحا، قد ضاعف الله بها بهاء الإسلام والملة، وأن هذا الفتح كليلة القدر جمالا وبهاء وقدسية، وأنه قام مقام تجديد شباب الإسلام بل مقام مولده. ثم يعرج إلى مدح الخليفة العباسي من خلال تمجيده لهذا الفتح، فمن ذلك قوله: "وقد تخير الله له- أي الفتح- أفضل زمان، وتخير للزمن أفضل قائم، واشتملت أيامه على فتوحات يوصل منها كل خال بتال، ويتجدد منها كل قديم بقادم [٩] . ويحسن القاضي الفاضل الانتقال إلى. موضوع قلج أرسلان إذ يقول: "وسقط جوده الفائض غرس إحسانه، بأعذب وأطهر من سلالة الغمائم، فلا يزال ذلك الغرس مستثمراً لا تخلف دلالته، وذلك الصفو جمالاً ينزف زلالته، غير أن الشوائب لا يخلو منها دهر، والعوارض لا يصفو منها صدر [١٠] ". فقد كان قلج أرسلان سلطان السلاجقة بالروم، وأولياؤه بآسيا الصغرى ممن يكرهون قيام دولة كبيرة على أنقاض الدولة النورية [١١] . فبينما كان السلطان صلاح الدين مشغولا بالصليبيين، تحرك قلج أرسلان نحو حلب، وحاصر حصن رعبان مدعياً أن نور الدين اغتصبه منه، وأن السلطان الصالح إسماعيل أمر برده إليه، ولم يقم صلاح الدين وزنا لهذا الادعاء، فكلف ابن أخيه تقي الدين عمر والأمير سيف الدين مشطوب بصده، وقد نجحا في مهمتهما، وقضيا على مطامعه التوسعية في تلك الجهة [١٢] .

стр. 12838

ويوضح القاضي الفاضل أن السلطان صلاح الدين قضى بذلك على تطرف قلج أَرسلان وتطرفه في ادعائه المذكور، وأنه قطع عروة تعلقه بالفساد وبدد أحلامه التوسعية. ولم يكن أمام السلطان صلاح الدين غير هذا السبيل، فقد أتى قلج أرسلان بكبيرة يحل بها قتاله، وأقدم على عظيمة يجب بها استئصاله. وتوجب الضرورة حينئذ موادعة الكفار ليكون الذرع خاليا لأمره، والأمر مصروفاً عنانه إلى عقره، والرمح مسدداً سنانه إلى عقره [١٣] . والقاضي الفاضل يستكثر من قلج أرسلان أن يهاجم سلطنة صلاح الدين القاهرة، التي لم تجد خصما يقهرها، وينزل بأرضها. ولذا فقد قرر السلطان صلاح الدين أن يمهل العدو الصليبي، إلى أن يؤدب هذا المعتدي الباغي، الذي يشق عصا الطاعة على الإسلام بتعديه وظلمه. وقبل أن تنتهي هذه الرسالة يرد ذكر قاض كريم الخلال قائم بتبليغ هذه البشارة، ولكن لم يذكر اسمه، وإن كانت قد تحددت المهمة المنوطة به، فهو نائب عن السلطان صلاح الدين يشرح بلسانه ما جاء في الرسالة، والتعليق على بنودها من عنده. وعليه أن يؤدي تحية الخلافة والثناء للخليفة. وتختم هذه الرسالة بالدعاء هكذا: ((لازال المجلس السامي معان [١٤] الأماني ومأواها. وموئل الرغبات ومثواها، ومجتبي ثمرات السعود ومجتلاها، وملقي رحال الندى ومبتداها إن شاء الله [١٥] . رسالة عن فتح آمد: وهذه الرسالة الطويلة كباقي الرسائل من هذا النوع، الذي يرسله القاضي الفاضل إلى الخلافة العباسية، كتذكرة بالأمجاد التي يؤديها السلطان صلاح الدين. ويطلب في أثنائها مجازاته بتقليده ما يفتحه من البلاد. وهو في مقدمتها يمدح الخليفة العباسي، الذي امتد نفوذه، واشتد سلطانه فالأخبار تتوالى عنده مبشرة بانتصار أوليائه.

стр. 12839

ثم يصف القاضي الفاضل شعور السلطان صلاح الدين عند ورود التقليد إليه بولاية آمد. فقد فرح به وتناوله وكأنه كتاب أنزل من السماء أو نور يمشي به بين الناس، وسار من توه لفتح آمد (بلاد بكر الحالية) ، فوصلها في يوم الأربعاء١٧ ذي الحجة سنة ٥٧٨هـ= أبريل سنة ١١٨٣ م. ونرى القاضي الفاضل يسجل ما حدث قبيل الحرب في أمدا وينتقل بعدها لوصف المعركة نفسها، وما انتهت إليه. فقد أمر السلطان صلاح الدين أن تكتب الرقاع للآمديين يعدهم بالخير والإحسان إن أطاعوه، ويتهددهم إن قاتلوه، وانتظر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع، أخذ في ردم أسوارها، إذ أرسل النقابين لنقبها، فما زالوا بها حتى نقبوها من عدة نواح، فضلاً عن رميها بالمجانيق. وهنا يتفنن القاضي الفاضل في تشخيص المعركة في أسلوب تشعر من خلاله بمدى ضراوتها، فهي كجهنم وقودها الناس والحجارة، وقد أزالت معالم المدينة، مثلما يزال جلد الشاة، والمنجنيقات تسقي الموت لأبرجتها ويعجز أهلها عن الذود عنها، والنقابون ينقبونها فيهتكون حجابها، فهو يصور في بلاغة، قوة البطش بها وبمن بداخلها. ثم تسلم السلطان صلاح الدين آمد بأموالها وذخائرها، ورفع أعلامه على أسوارها يوم ١٤ محرم ٥٧٩ هـ= ٦ مايو ١١٨٣ م، فقد فضل الآمديون التسليم على المقاومة. ويفتخر القاضي الفاضل بهذا الفتح المبين، وما تم بعد إحراز النصر المؤزر، فيقول: وهذه مدينة آمد، فهي مدينة ذكرها بين العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مفدوغا أنفه، وإن كان محلاً، وقرعها مزيداً بهجة، وإن استصحب حفلاً، ورأى حجرها فقد رأته لا يقال له حجر وسوادها فحسب أنه لا يتوشحه فجر، وحمية أنف أنفها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر، من ملوك كلهم طوى صدره على العليل إلى موردها، ووقف بها وقفة المحب المائد فلم يفز بما أمل من جواب معهدها [١٦] .

стр. 12840

ثم وهب السلطان صلاح الدين البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرج أرسلان [١٧] وقد وعده بها من قبل [١٨] . وقضى السلطان صلاح الدين على الحلف الذي تزعم عز الدين مسعود صاحب الموصل، واشترك فيه إيغلازي بن ألبي بن تمرتاش صاحب ماردين، ومغيث الدين طغول شاه بن قلج أرسلان، صاحب أرزن، وغيرهم. ويطلب السلطان صلاح الدين في هذه الرسالة التقليد لا بالموصل وما علق به أهل الموصل، ذاكراً أن في ذلك خيرا كثيرا للدولة العباسية، حيث أنه لا يوجد بين ولاتها من له مثل فضله وأمجاده،. فيقول: ((هذه آمد لما أرسل إليه مفتاحها، وهو التقليد، فتحها، وهزه الموصل لما تأخر عنه المفتاح منعها وما منحها، ولو أعين به لعظمت على الإسلام عائدته، وظهر في رفع مناره فائدته. لأن اليد كانت تكون به على عدو الحق واحدة، والهمة لآلات النصر واجدة [١٩] . ثم يبين للخليفة أن ذلك هو السبيل الوحيد إلى توحيد الأمة الإسلامية، والقضاء على الحروب الصليبية، والظفر بالمسجد الأقصى. وهو أغلى أمنية، فالسلطان صلاح الدين أبر أولياء الخليفة، وأشدهم على أعدائه، وأثبتهم رأياً وروية. ويعود إلى الدعاء ولكن في هذه المرة للدين، إذ يقول: أعاد الله يا أمير المؤمنين هدى الدين إلى معالم حقه، وأطال يد سلطانه الطولى إلى أن أخذ الأمور مأخذها [٢٠] . وهو يريد أن يعود إلى الإسلام مجده التليد. ويختم رسالته هَكذا: (وللآراء علوها إن شاء الله [٢١] ". الأمة الإسلامية يقول لينين: (يمكن أن تتحول كل أمة إلى الشيوعية إلا الأمة الإسلامية، لذلك يجب العمل على تجريد المسلمين من إيمانهم أولاً..) . من كتاب (من الرق إلى السيادة) (لسامحة أي ويردي: التركية) -------------------------------------------------------------------------------- [١] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٥.

стр. 12841

[٢] الجرخ (GARKH) مأخوذ عن الفارسية (تشرخ TCHARKH) وهو نوع من القوس الرامي، ترمي عنه النشاط أو النفط، هكذا تصفه النصوص وهكذا وصفه دوزي بأنه: (UNEARBOLETE AVEC LA QELLE ON LANCAIT, SOIT DE FLECHES LE NAPHTE) وقد ذكر مرضي بن علي في تبصرة أبصار الألباب ص ٦، ٨ (أربعة أنواع للقوس الرامي الذي يشبه المنجنيق، وهو قوس الزياد، قوس العقاد، قوس الرجل، ويقال للذي يرمي عن قوسه السهام أو النفط ((الجرخي)) ، ويقابله بالفرنسية (ARBALETRIER) والجمع ((الجرخية)) ، وقد عقد الحسن بن عبد الله في كتابه آثار الأول ص ٦٠ فصلا عن صفة القسي والنشاب، أضاف إليه فيه معلومات قيمة عن الشعوب التي تؤثر استعمال الجرخ، والقوس العقاد، وأين يستعمل كل منهما؟. لأن القوس الجرخ يصنع من القرن، والعقاد يصنع من الخشب.. الخ. [٣] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٧. [٤] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٨. [٥] الحسك: أداة من أدوات الحرب. [٦] الكتائن: مفردها كتانة: جعبة صغيرة من أدم للنبل. [٧] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٩. [٨] ابن الأثير: الكامل جـ ١١ص ٣٠١، ٣٠٣، أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ١١، ١٣، ابن واصل مفرج الكروب جـ ٢ ص ٨٣، ٨٥، المقريزي جـ ١ قسم ١ ص ٦٩، والعين جـ ٢١ قسم ٣ ص ٦١٤. Lane. Poob: saladin p. ١٥٩. [٩] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٣. [١٠] نفس المرجع السابق. [١١] الدكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي المصري ص ٥١. [١٢] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ص٨، ٩، ابن كثير: البداية والنهاية جـ ١٢ص ٢. [١٣] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٤. [١٤] في الأصل مغان، ولعل الصواب ما أثبتناه، فالمعاني يراد بها الصفات المحمودة. [١٥] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٨٥. [١٦] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧١.

стр. 12842

[١٧] صاحب حصد كيفا، توفي سنة ٥٨١هـ = ١١٨٦م (النجوم الزاهرة جـ٦ص٩٨) . Lane –Pool: saladin P. ١٧٠ [١٨] ابن الأثير: الكامل جـ١١ص٣٢٠، أبو شامة جـ٢ص٤١. [١٩] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٢، ٧٣. [٢٠] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٣. [٢١] نفس المرجع السابق اللوحة ٧٣.

стр. 12843

تفاعل المسلمين مع دينهم للدكتور محفوظ إبراهيم فرج أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية يحدثنا التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه أن المسلمين تكون لهم العزة والسيادة إذا تمسكوا بدينهم في جميع شئونهم. وإذا لم يكن لدينهم واقع في حياتهم دبّ الضعف في صفّهم وتداعى عليهم المعتدون كما تتداعى الأكلة على القصعة وليس ذلك عن قلتهم بل إنهم كثير- ولكنهم غثاء كغثاء السيل كما بين الرسول ﷺ في حديثه الصحيح. وقد حمل المسلمون السابقون شريعتهم قوية فتية في إطار جميل من المعاملة الطيبة والاحترام الصادق للحقوق والأموال والأعراض. وساعد على ذلك ما أدركوه وفقهوه من أن تلك الشريعة أشبعت حاجة الناس إلى القواعد العادلة للعلاقات الاجتماعية ولجميع المعاملات، فأيقظت بذلك الضمائر، وأحيت فيها رقابة الله تعالى، فقد علقت الامتياز والخيرية بأمر هو في إمكان الناس جميعا ذلك ما يوحي به قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وما نأخذه ومن قول الرسول ﷺ "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". وكان من تفاعل المسلمين مع دينهم أن سلوك الواحد منهم في حياته الخاصة والعامة كان انعكاسا لما يقوم به من طاعة وما يؤديه من عبادة مرتفعا عن الأغراض والأهواء لا تتحكم فيه الغرائز والميول. تمتع المسلمون وهم على هذا المنهج القيم بالقوة والمنعة ودانت لهم الدنيا وملكوا العالم، وسادوا الشعوب ومكن الله لهم في الأرض وتحقق وعد الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .

стр. 12844

ذلك أن مبادئ الإسلام الخالدة هي مبادئ الحضارة التقدمية، ولم يشهد التاريخ قوة للإسلام ولا عزة للمسلمين إلا حينما كانوا يتخلقون بما في هذه المبادئ من أخلاق وقيم. والقوة في هذه المبادئ أنها تنتظم جميع الأفراد وأنها عامة يتساوى أمامها الأمير والصغير، والغني والفقير، فليس هناك تفاضل بالأموال أو الأنساب أو الجاه. وإنما التفاضل بالعمل الصالح والتنافس فيه. وإذا قدر لواحد منهم أنه استجاب لداعي شهوة أو غريزة ذكر الله فاستغفره. كي تظل حياته عامرة بالإيمان. ولا يجد حرجا أن يعلن عن مخالفته ليرجع إلى الله بالتطهير مما اقترف ولو كان في ذلك قضاء على حياته. لعلمه أنها فانية، وأن الدار الآخرة هي الحيوان فنجد ماعزاً ﵁ يأتي إلى رسول الله ﷺ قائلا: يا رسول الله زنيت فأقم عليّ الحدّ. فيراجعه الرسول ﷺ مرة ومرة ويظل على رأيه لا يحيد عنه، فيأمر الرسول ﷺ بإقامة الحد عليه. وتجيء الغامدية إلى رسول الله ﷺ وتقول له: زنيت. هذا الحمل من سفاح فراجعها الرسول ﷺ وتصر على الاعتراف فيؤخر الرسول ﷺ إقامة الحد عليها حتى تضع حملها وتلد ويستغني الولد عن اللبن بالفطام. وتأتي بعد كل ذلك مختارة ليقام عليها الحد. فتطهر من الدنس الذي علق بها وتلقى الله وهو راض عنها. كما نجد أن صحابيا تحت تأثير شهوة أتى امرأته في نهار رمضان ولما أفاق من غفلته تحرك فيه الوازع الديني فجاء إلى رسول الله ﷺ قائلا: هلكت ليجد عند رسول الله ﷺ طريقا لنجاته، فيرشده رسول الله ﷺ إلى فعل الكفارة على ضوء الحديث الذي حدثنا به أبو هريرة ﵁ من رواية البخاري.

стр. 12845

هذه أمثلة توضح أن السلف الصالح رضوان الله عليهم حققوا المبادئ الإسلامية في تفكيرهم، وأحسنوا تنفيذها في معاملتهم. ورجعوا إليها إذا انحرفوا عنها تحت تأثير شهوة، لإيمانهم العميق بتلك التعاليم التي اعتنقوها مبدأ وسلوكا. ولما بدأ التفاعل بين المسلمين ودينهم يضعف. أخذ الإسلام يتحول في نفوس أهله من حياة قوية متوثبة إلى تقاليد وشكليات. فكان أن دب الضعف في الصف الإسلامي، ولعب الاستعمار دوره فصرفهم عن دينهم. وقتل فيهم حيويته وقوة تعاليمه. فتفتتوا بعد توحد، وتمزقوا بعد تجمع، وقل الوازع الديني الذي بجمع الكلمة ويوحد الصف. وهكذا دار الفلك دورته. وعاد الإسلام غريبا كما بدأ. وهذه الغربة نعيشها اليوم في عصر العلم وغزو الفضاء، فمع التفوق العلمي في جميع ميادين الحياة. نشاهد طغيان المادة على القيم والمبادئ. ونلمس أن الغرائز أضلت عقول الناس لبعدهم عن غذاء النفس وتقويتها، فكان التصدع بين الأفراد والجماعات، وبين الدول والشعوب نتيجة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتعدي الجماعة على الجماعة، وحرب الدولة للدولة. في هذا الجو المكفهر المشحون بالمخالفات يتحقق قول الرسول ﷺ الذي يحدثنا به أبو هريرة ﵁ مرفوعا من رواية لمسلم: "بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس".

стр. 12846

فتعاليم الإسلام أصبحت غريبة غير مألوفة في المجتمعات الإسلامية وأصبح التدين رجعية. والقابض على دينه كالقابض على الجمر. وفقدت التربية الإسلامية، وانعدمت الرحمة من القلوب. فلا شفقة لصغير، ولا تقدير لكبير، واختلت الموازين. وأصبح الأمر فوضى، واستخفت الناس بشعائر الله، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفاً، وسيطرت الأنانية وانعدم الإيثار أو كاد. وضلّ الناس طريقهم، فمنهم من ظالم يظن أنه عادل، ومسيء يظن أنه محسن. وجاهل يظن أنه عالم، وغبي يظن أنه فاهم، وضنين بنعم الله عليه يظنّ أنه من المزكين، وسار الناس حياتهم في إطار من البغض والكراهية والتمزق، ووهنت الروابط وكادت تنعدم الإنسانية. وعاد الناس في أزمة ضمير، وساعد على ذلك الأفكار المستوردة، وسموم الاستعمار حتى طفح الكَيل، وحاربت مع الأسف الدولة المسلمة شقيقتها. وكان ضياع آلاف الأرواح والخسائر المتعددة الأشكال والأنواع. وتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . فذل المسلمون بعد عز. وضعفوا بعد قوة، وأصبحوا فرقاً وأحزاباً بعد أن كانوا أمة واحدة قوية فتية لها وضعها ومكانتها في المجتمع الدوليّ. ولن يلتئم الجرح النازف في الصف الإسلامي، ولن يعود للإسلام مجده وحيويته، ولن تعود للمسلمين قوتهم ومنعتهم إلا إذا فهموا دينهم كما فهمه السابقون من أتباع الرسول ﷺ عبادة ومعاملة ومنهجا وسلوكا يسيرون على أضوائه في محيط حياتهم. وفي جميع شئونهم الخاصة والعامة لا يجدون في أنفسهم حرجاً من تنفيذ أحكامه. وصدق قول الإمام مالك ﵁ إمام دار الهجرة (لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .

стр. 12847

وعندئذ يعود المسلمون سيرتهم كما وصفهم القرآن الكريم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ . وقول رسول الله ﷺ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" هذا رجاؤنا، وما ذلك على الله بعزيز. زيادة النعم بالشكر عليها قال أبو يوسف ينصح هارون الرشيد رحمهما الله: إن الله ، بمنه ورحمته، جعل ولاة الأمر خلفاء في أرضه، وجعل لهم نوراً يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم، وبين ما اشتبه من الحقوق عليهم.. وإضاءة نظر ولاة الأمر: إقامة الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها بالتثبت والأمر البين، وإحياء السنن التي سنها القوم الصالحون أعظم موقعاً، فإن إحياء السنن من الخير الذي يحيا ولا يموت. وجور الراعي هلاك الرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة.. فاستتم ما آتاك الله، يا أمير المؤمنين، من النعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة فيها بالشكر عليها، فإن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾

стр. 12848

الدين بين الشرق والغرب للشيخ عادل رمضان من جملة الظواهر التي تعاني منها المجتمعات الغربية بشكل عام ظاهرة التشكيك في كل شيء، في القيم، والمبادئ، في المثل، والأخلاق، وحتى في الإنسان نفسه، في وجوده المادي والروحي، هل هو وجود حقيقي أم هو ضرب من الأوهام؟ وتستشري هذه الظاهرة حتى تمس الدين وتطرح التساؤلات حول صلاحيته لهذا العصر وما بعده. وإننا سوف نقتصر في موضوعنا هنا على بحث ما يتعلق من هذه الظاهرة التشكيكية بمسألة الدين لكونها على درجة كبيرة من الأهمية، لا سيما وأن الخطورة فيها تكمن في تسرب هذه الأفكار الخاطئة إلى رؤوس بعض الشباب داخل المجتمع المسلم، وبشكل خاص أولئك الذين يستهويهم زيف الحضارة الغربية ويخطف لبهم بهرجها. صحيح إن الشباب في الغرب يعيشون مزيجاً من القلق والضياع والاضطراب الفكري بعد أن فقدوا الثقة بما لديه من قيم دينية. لكن الأمر يختلف تماما بالنسبة لنا وفيما يتعلق بديننا الحنيف، إذ هو مناط وجودنا والمحافظ الوحيد على شخصيتنا، وبه كان عزنا ومجدنا وانتصاراتنا. وحقائق التاريخ تثبت ذلك، وتثبت أن الإسلام كان ولا يزال العامل الأساسي في حياتنا واستقلالنا الفكري والثقافي في عالم تضطرب فيه الموازين وتضيع فيه ملامح الشعوب الصغيرة أمام تجاوزات الدول الكبرى، والقوى الاستعمارية العالمية والشيوعية الدولية التي تخطط للقضاء على الإسلام وتعمل لذلك، انطلاقا من خلفيات متعددة تحيك خيوطها في الظلام مسخرة في ذلك كلّ ما لديها من وسائل وضغوط وإغراءات لتخريب كيان الأمة وتمييع شخصيتها تمهيدا لربطها بفلكها وإخضاعها لسيطرتها الدائمة.

стр. 12849

والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن البال مطلقاً هي أن هنالك حلفا استعماريا صهيونياً إلحاديا يعمل بمكر وخداع من أجل الهيمنة على العالم الإسلامي ونهب ثرواته واستغلال خيراته، وإفساد عقيدته عقيدة أفراده وتسميم أفكار شبابه وإدخال التشكيك في حياتهم اليومية بطرح فلسفات مادية إلحادية وأفكار وجودية فوضوية تحمل لهم الفساد الاجتماعي والانحلال الخلقي وتشغلهم بجدليات فارغة تكرس الأفكار المشوهة، والآراء المتطرفة، مستغلة أجواء الحرية المتاحة في بعض الدول المسلمة في القول والتعبير ونشر الأفكار المسمومة في أوساط بعض أنصاف المثقفين ليجعلوا منهم أذناباً لهم يتوصلون به إلى أهدافهم العدوانية والتوسعية. والغريب في هذا الخصوص أن يسقط بعض شباب الأمة في شباك المجرمين دون تبصّر فينساقون وراءهم فيبعدون عن كل القيم والمبادئ، متأثرين بمظاهر الحياة الأوربية الزائفة، فيعيشون حياة ضياع فكري وخلو روحي ونفاق وجداني، تمهيدا لربطهم بفلكهم وإخضاعهم لسيطرتهم البغيضة. ولئن كان للشباب في الغرب العذر في الخروج على تعاليم الكنيسة والتمرد على أوامرها لأنها تتنافى مع الحق والمنطق السليم، فليس لشبابنا عذر في السير خلفهم وتقليدهم في كل شيء دون دراسة أو بحث مدفوعين بنظرة الإعجاب لكل ما هو غربي. إن من الجهل الفاحش أن يغمض الإنسان عينه عن البحث والدراسة والمقارنة خاصة وأن الله تعالى مَنّ عليه بعقل لو استعمله لاستطاع أن يصل إلى الحقيقة مهما بعدت. صحيح أن الدين في أوربا مشوه مزيف يقوم عليه تجار الكنيسة وباباواتها. وكان سبباً في التأخير والانحطاط ومبعث الفوضى والاضطراب عكس ديننا الحنيف الذي لم تمسه يد التحريف إطلاقاً.

стр. 12850

وإذا كان إقليدس مثلاً قد تعرض للحكم عليه بالإعدام لقوله بكروية الأرض ودورانها من محكمة كنسية أصدرت حكمها باسم الدين. فإن ديننا الحنيف جعل الحقائق الكونية من جملة المعارف الأصلية التي وفق بعض الباحثين إلى معرفتها، ثم وجد السباق إلى معرفة كثير من الحقائق التي وقف العلم حائراً أمامها فترة من الزمن. الدين في أوربا يأمر أتباعه أن يغمضوا أعينهم عن حقائق الكون ويسلموا لرجال الكنيسة بلا مناقشة أو اعتراض، وأول ما يعلم البطارقة أتباعهم المقولة المتخلفة (أطفئ نور عقلك واتبعني) ويلقنونهم بعد ذلك ما يحلو لهم من الأوهام والأباطيل. هذه حقيقة ما يعرض باسم الدين في أوربا اليوم. وهو يتنافى مع أبسط قواعد العقل والمنطق. ولشباب الغرب كما أسلفنا العذر في نبذه والإعراض عنه إذ كيف يمكن للعقل السليم أن يقبل دعوى ألوهية المسيح وهو بشر يأكل كما يأكل البشر وينام كما ينامون مع زعمهم أن اليهود عدوا عليه فلم يملك أن ينجي نفسه منهم فأخذوه وصلبوه على حد دعواهم الباطلة، وكيف يمكن للفكر أن يتصور أن الإله لا يملك أن يغفر لبني آدم- وهو الذي خلقهم- فيقدم على التضحية بابنه الوحيد أمام اليهود ليخلص البشر من وبال الخطيئة القديمة التي وقع فيها أبوهم قبل ملايين السنين وهم بريئون لا جريرة لهم في ذلك، وهل يمكن أن نقبل هذا التلفيق في الوقت الذي نرى فيه الخوري أو البابا أو البطريق يغفر لمن يشاء ويحلل ويحرم كما يحلو له.
следующие страницы →