Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.
стр. 12846
فتعاليم الإسلام أصبحت غريبة غير مألوفة في المجتمعات الإسلامية وأصبح التدين رجعية. والقابض على دينه كالقابض على الجمر. وفقدت التربية الإسلامية، وانعدمت الرحمة من القلوب. فلا شفقة لصغير، ولا تقدير لكبير، واختلت الموازين. وأصبح الأمر فوضى، واستخفت الناس بشعائر الله، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفاً، وسيطرت الأنانية وانعدم الإيثار أو كاد. وضلّ الناس طريقهم، فمنهم من ظالم يظن أنه عادل، ومسيء يظن أنه محسن. وجاهل يظن أنه عالم، وغبي يظن أنه فاهم، وضنين بنعم الله عليه يظنّ أنه من المزكين، وسار الناس حياتهم في إطار من البغض والكراهية والتمزق، ووهنت الروابط وكادت تنعدم الإنسانية.
وعاد الناس في أزمة ضمير، وساعد على ذلك الأفكار المستوردة، وسموم الاستعمار حتى طفح الكَيل، وحاربت مع الأسف الدولة المسلمة شقيقتها. وكان ضياع آلاف الأرواح والخسائر المتعددة الأشكال والأنواع. وتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
فذل المسلمون بعد عز. وضعفوا بعد قوة، وأصبحوا فرقاً وأحزاباً بعد أن كانوا أمة واحدة قوية فتية لها وضعها ومكانتها في المجتمع الدوليّ.
ولن يلتئم الجرح النازف في الصف الإسلامي، ولن يعود للإسلام مجده وحيويته، ولن تعود للمسلمين قوتهم ومنعتهم إلا إذا فهموا دينهم كما فهمه السابقون من أتباع الرسول ﷺ عبادة ومعاملة ومنهجا وسلوكا يسيرون على أضوائه في محيط حياتهم. وفي جميع شئونهم الخاصة والعامة لا يجدون في أنفسهم حرجاً من تنفيذ أحكامه.
وصدق قول الإمام مالك ﵁ إمام دار الهجرة (لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .
стр. 12847
وعندئذ يعود المسلمون سيرتهم كما وصفهم القرآن الكريم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ .
وقول رسول الله ﷺ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" هذا رجاؤنا، وما ذلك على الله بعزيز.
زيادة النعم بالشكر عليها
قال أبو يوسف ينصح هارون الرشيد رحمهما الله: إن الله ، بمنه ورحمته، جعل ولاة الأمر خلفاء في أرضه، وجعل لهم نوراً يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم، وبين ما اشتبه من الحقوق عليهم.. وإضاءة نظر ولاة الأمر:
إقامة الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها بالتثبت والأمر البين، وإحياء السنن التي سنها القوم الصالحون أعظم موقعاً، فإن إحياء السنن من الخير الذي يحيا ولا يموت.
وجور الراعي هلاك الرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة..
فاستتم ما آتاك الله، يا أمير المؤمنين، من النعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة فيها بالشكر عليها، فإن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
стр. 12848
الدين بين الشرق والغرب
للشيخ عادل رمضان
من جملة الظواهر التي تعاني منها المجتمعات الغربية بشكل عام ظاهرة التشكيك في كل شيء، في القيم، والمبادئ، في المثل، والأخلاق، وحتى في الإنسان نفسه، في وجوده المادي والروحي، هل هو وجود حقيقي أم هو ضرب من الأوهام؟
وتستشري هذه الظاهرة حتى تمس الدين وتطرح التساؤلات حول صلاحيته لهذا العصر وما بعده.
وإننا سوف نقتصر في موضوعنا هنا على بحث ما يتعلق من هذه الظاهرة التشكيكية بمسألة الدين لكونها على درجة كبيرة من الأهمية، لا سيما وأن الخطورة فيها تكمن في تسرب هذه الأفكار الخاطئة إلى رؤوس بعض الشباب داخل المجتمع المسلم، وبشكل خاص أولئك الذين يستهويهم زيف الحضارة الغربية ويخطف لبهم بهرجها.
صحيح إن الشباب في الغرب يعيشون مزيجاً من القلق والضياع والاضطراب الفكري بعد أن فقدوا الثقة بما لديه من قيم دينية.
لكن الأمر يختلف تماما بالنسبة لنا وفيما يتعلق بديننا الحنيف، إذ هو مناط وجودنا والمحافظ الوحيد على شخصيتنا، وبه كان عزنا ومجدنا وانتصاراتنا. وحقائق التاريخ تثبت ذلك، وتثبت أن الإسلام كان ولا يزال العامل الأساسي في حياتنا واستقلالنا الفكري والثقافي في عالم تضطرب فيه الموازين وتضيع فيه ملامح الشعوب الصغيرة أمام تجاوزات الدول الكبرى، والقوى الاستعمارية العالمية والشيوعية الدولية التي تخطط للقضاء على الإسلام وتعمل لذلك، انطلاقا من خلفيات متعددة تحيك خيوطها في الظلام مسخرة في ذلك كلّ ما لديها من وسائل وضغوط وإغراءات لتخريب كيان الأمة وتمييع شخصيتها تمهيدا لربطها بفلكها وإخضاعها لسيطرتها الدائمة.
стр. 12849
والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن البال مطلقاً هي أن هنالك حلفا استعماريا صهيونياً إلحاديا يعمل بمكر وخداع من أجل الهيمنة على العالم الإسلامي ونهب ثرواته واستغلال خيراته، وإفساد عقيدته عقيدة أفراده وتسميم أفكار شبابه وإدخال التشكيك في حياتهم اليومية بطرح فلسفات مادية إلحادية وأفكار وجودية فوضوية تحمل لهم الفساد الاجتماعي والانحلال الخلقي وتشغلهم بجدليات فارغة تكرس الأفكار المشوهة، والآراء المتطرفة، مستغلة أجواء الحرية المتاحة في بعض الدول المسلمة في القول والتعبير ونشر الأفكار المسمومة في أوساط بعض أنصاف المثقفين ليجعلوا منهم أذناباً لهم يتوصلون به إلى أهدافهم العدوانية والتوسعية.
والغريب في هذا الخصوص أن يسقط بعض شباب الأمة في شباك المجرمين دون تبصّر فينساقون وراءهم فيبعدون عن كل القيم والمبادئ، متأثرين بمظاهر الحياة الأوربية الزائفة، فيعيشون حياة ضياع فكري وخلو روحي ونفاق وجداني، تمهيدا لربطهم بفلكهم وإخضاعهم لسيطرتهم البغيضة.
ولئن كان للشباب في الغرب العذر في الخروج على تعاليم الكنيسة والتمرد على أوامرها لأنها تتنافى مع الحق والمنطق السليم، فليس لشبابنا عذر في السير خلفهم وتقليدهم في كل شيء دون دراسة أو بحث مدفوعين بنظرة الإعجاب لكل ما هو غربي.
إن من الجهل الفاحش أن يغمض الإنسان عينه عن البحث والدراسة والمقارنة خاصة وأن الله تعالى مَنّ عليه بعقل لو استعمله لاستطاع أن يصل إلى الحقيقة مهما بعدت.
صحيح أن الدين في أوربا مشوه مزيف يقوم عليه تجار الكنيسة وباباواتها. وكان سبباً في التأخير والانحطاط ومبعث الفوضى والاضطراب عكس ديننا الحنيف الذي لم تمسه يد التحريف إطلاقاً.
стр. 12850
وإذا كان إقليدس مثلاً قد تعرض للحكم عليه بالإعدام لقوله بكروية الأرض ودورانها من محكمة كنسية أصدرت حكمها باسم الدين. فإن ديننا الحنيف جعل الحقائق الكونية من جملة المعارف الأصلية التي وفق بعض الباحثين إلى معرفتها، ثم وجد السباق إلى معرفة كثير من الحقائق التي وقف العلم حائراً أمامها فترة من الزمن.
الدين في أوربا يأمر أتباعه أن يغمضوا أعينهم عن حقائق الكون ويسلموا لرجال الكنيسة بلا مناقشة أو اعتراض، وأول ما يعلم البطارقة أتباعهم المقولة المتخلفة (أطفئ نور عقلك واتبعني) ويلقنونهم بعد ذلك ما يحلو لهم من الأوهام والأباطيل.
هذه حقيقة ما يعرض باسم الدين في أوربا اليوم. وهو يتنافى مع أبسط قواعد العقل والمنطق. ولشباب الغرب كما أسلفنا العذر في نبذه والإعراض عنه إذ كيف يمكن للعقل السليم أن يقبل دعوى ألوهية المسيح وهو بشر يأكل كما يأكل البشر وينام كما ينامون مع زعمهم أن اليهود عدوا عليه فلم يملك أن ينجي نفسه منهم فأخذوه وصلبوه على حد دعواهم الباطلة، وكيف يمكن للفكر أن يتصور أن الإله لا يملك أن يغفر لبني آدم- وهو الذي خلقهم- فيقدم على التضحية بابنه الوحيد أمام اليهود ليخلص البشر من وبال الخطيئة القديمة التي وقع فيها أبوهم قبل ملايين السنين وهم بريئون لا جريرة لهم في ذلك، وهل يمكن أن نقبل هذا التلفيق في الوقت الذي نرى فيه الخوري أو البابا أو البطريق يغفر لمن يشاء ويحلل ويحرم كما يحلو له.
стр. 12851
إن الدين في أوربا اليوم يقوم عليه سماسرة ماكرون، اتخذوا من الخديعة والافتراء مهنة لهم، واستخدموا أساليب الحيلة واللف والدوران للسيطرة على الناس وابتزاز أموالهم. ولقد استنكر القرآن الكريم عليهم تشويه كتبهم السماوية وتحريف كلمها عن مواضعه وعاب عليهم أكلهم أموال الناس بالباطل. ومضاهاتهم قول الذين كفروا، وتعاملهم بالربا وتحايلهم على قواعد الشرع وأسسها فما يؤمنون به اليوم يخالفونه غداً، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ .
إن دراسة الأديان ومقارنتها من خلال منظور التطور الحضاري للإنسان ومن خلال المخطط الإلهي لبناء الإنسان تبين أن الدين المسيحي في حد ذاته إنما كان يناسب فترة زمنية محددة من تاريخ البشرية.
وبسبب المنافع الدنيوية الرخيصة أصر بعض رجاله المسيحية المتأخرون على التوقف بمسيرة الإنسان عند حد معين لتبقى لهم الرياسة والزعامة والسيطرة، فعادوا الإسلام وكادوا لأبنائه، ووقفوا في وجه مسيرته المعطاءة الخيرة، فخالفوا أمر ربهم ونقضوا ميثاقه الذي قطعه عليهم بالإيمان بالرسول الذي يأتي من بعد عيسى ﵊ متمماً لشرائع الأنبياء قبله ومتمماً لمنهج الأديان وخاتماً للمرسلين.
وبهذا اصطدم رجال الكنيسة بناموس الحياة فانفرط عقد الدين في أوربا، وتفرق الناس أشتاتاً وشيعاً وحدثت لدى المثقفين منهم ردود فعل أدت بهم إلى رفض التدين مطلقاً بل والتهجم على الأديان عموماً، وراح يصفها بالرجعية والتخلف حتى زعموا أنها أفيون الشعوب وأنها لا تصلح لهذا الزمن.
ولقد استغل أنصار الشيطان ودعاة الإلحاد هذه الظروف، فاتخذوا من الشيوعية المادية، والوجودية الفوضوية مبادئ راجت عندهم.
وكانت ردود الفعل هذه بمغالاتها وتطرفها أكثر تهوراً ومثلها كمثل المستجير من الرمضاء بالنار.
стр. 12852
وظهرت على الساحة الأوربية أفكار أخرى كانت أقلّ خطراً من ردود الفعل السابقة فصلوا فيها الدين عن الحياة، فقالوا دع ما لقيصر لقيصر والدين للرب في الأعالي.
ووقف بعضهم من الصراع الدائر حول الكنيسة موقف اللامبالاة، ووقع كثيرون غيرهم في الحيرة، ولجأ آخرون إلى القوانين الوضعية وراحوا يحدثون لأنفسهم أنظمة يسيرون عليها. ولم تخلُ الساحة من أناس حكموا عقولهم وأعملوا فكرهم بالبحث ووضعوا المسيحية تحت الفحص والتمحيص وظهرت نتيجة ذلك حركات التحرر والمذاهب الإصلاحية، وأزيلت الحواجز التي أقيمت بين الشباب وبين الإسلام للتعرف على حقيقة والإطلاع على دقائقه وتفاصيله التي ليس هناك مجال للمقارنة ولا يحتاج الإسلام للحكم عليه.
إن الإسلام لا يغفل العقل بل يحث على المحافظة عليه واستخدامه ويدعو إلى العلم ويطالب بفهم الحجة والبرهان.
وقد حث أتباعه على النظر في ملكوت السماوات والأرض، ونعى على المشركين عدم استخدامهم عقولهم، واعتمادهم على الأصنام والأوثان، وما يروجوه لهم سدنتها من الخرافات والأباطيل، واستنكر تقليدهم الأعمى للآباء والأجداد، واتباعهم الهوى والظن.
وأمر بالعلم وجعله فرضاً على كل مسلم، ونفر من الجهل، وكانت أول آية نزلت من عند الله على رسوله محمد ﷺ آمرة بالقراءة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وقرر الإسلام أنه لا واسطة بين العبد وربه وأن الرسل والأنبياء إنما هم مبلغون. مبشرون ومنذرون، وينحصر عملهم في الدلالة على الهدى وتوضيح معالم الطريق وكذلك العلماء من بعدهم، وبذلك قطع الإسلام الطريق على كل من تسول له نفسه الدجل الرخيص والتلاعب بالمثل والقيم والتستر خلف الدين لتحقيق منافع شخصية ومآرب دنيوية رخيصة. واستنكر على أصحاب الديانات قبله ما قاموا به من تشويه كتبهم السماوية وتحريف كلمها عن مواضعه.
стр. 12853
ولقد وجد منصفون كثيرون غايتهم وضالتهم في الإسلام حين عرفوا أنه الدين الوحيد الذي يتلاقى مع العقل والعلم ويتناسب مع الفطرة البشرية السليمة ولا يُكره الإنسان على طقوس روحية غامضة ومرهقة، فلم يكلفه مالا يطيق، ولم يكبت فيه نوازع الغريزة وإنما وجهها الوجهة الصحيحة التي تتلاقى مع الفطرة الصافية وتدفع عن المجتمع أوضار الرذيلة والفساد، كما راعى في تشريعاته التوفيق بين متطلبات النفس وضروريات الحياة، وأقام التوازن بين المادة والروح، في وضوح وعلى البصيرة.
ثم إنه حارب الفقر والمرض، وفرض في أموال الأغنياء حقاً للفقراء والمساكين.
وأعلن المساواة التامة بين الناس فلا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وضمن حقوق الإنسان كاملة وسهر على حماية روحه وعرضه وماله.
وقرر حرية الفرد كاملة وبما لا يتعارض مع حرية الآخرين، وأنصف المرأة وأعطاها حقوقها وألزمها واجباتها، وحماها من سوء تصرف الرجل. ومنع الظلم، ودعا إلى تحرير العبيد والقضاء النهائي على كل أشكال الاسترقاق، فقد حث على العتق، ورغب فيه، وجعله من أفضل الطاعات والقربات، بل لقد فرض العتق كحد وكفارة وعقوبة.
وفي كنف الإسلام نشأ علماء أفذاذ مهدوا طريق العلم لمن خلفهم، وكانت أوربا غارقة في ظلمات الجهل فأخذوا من المسلمين علمهم ونهضتهم.
لقد تأسف مستشرقون منصفون على هزيمة العرب في معركة بواتيه واعتبروا ذلك سبباً في تأخر الحضارة عن أوربا عدة قرون.
وفي مجال العلوم والمعرفة الحديثة كان الدين الإسلامي رائداً وسباقاً إلى الكثير من المعارف والحقائق العلمية. بحيث جاءت العلوم الحديثة تثبت بنظريات جديدة ما بادر القرآن الكريم إلى إثباته قبل آلاف السنين.
стр. 12854
من كل ما سبق يتبين لنا أن الفرق الواضح بين ما يعرض باسم الدين في أوربا وبين حقيقة الدين الإسلامي، ليدرك الناس الحقيقة قبل أن يجرفهم تيار الهوى ويميت الشيطان قلوبهم- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .
стр. 12855
معاملة الرسول ﷺ لبني قريظة
والرد على ما يثار حولها من شبهات
للدكتور جمعة علي الخولي
رئيس قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين
بالنسبة لمعاملة الرسول ﷺ لبني قريظة. لا نريد أن نتعجل الحكم ونقول إنه ﵊ عالج الأمر بالعلاج الوحيد الذي لا ينفع غيره، أو حل عقدته بالسلاح الذي يناسبه.. لا نريد أن نتعجل الحكم بذلك قبل أن نقف على حيثياته وظروفه.. معروف أنه بمجرد قدوم النبي ﷺ المدينة عقد بينه وبين اليهود الموجودين بها معاهدة رائدة بمثابة أقدم دستور مسجل في العالم [١] . كان من بنود هذه المعاهدة:
أ- التزام كل من المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر في الداخل [٢] .
ب- تعهد كل من الطرفين بالدفاع المشترك عن المدينة ضد أي اعتداء خارجي وعلى اليهود أن يتفقوا مع المؤمنين ما داموا محاربين [٣] .
وحدث في العام الخامس من الهجرة أن مر المسلمون بظروف قاسية عندما تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة، وأحاطت جيوش الأحزاب بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل [٤] من مشركي قريش وقبائل غطفان وأشجع وأسد وفزارة وبني سليم على حين لم يزد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل [٥] ، وكان المتوقع أن ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات الزاحفة على المدينة بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين الفريقين.. لكن الذي حدث هو عكس هذا، فقد فوجئ المسلمون ببني قريظة يخونهم في أخطر أوقات محنتهم ولم يرعوا للجوار حقاً، ولا للعهود حرمة، ولقد كانوا يسعون من وراء انضمامهم هذا إلى صفوف الأحزاب التعجيل بسحق المسلمين والقضاء عليهم قضاء تاماً.
стр. 12856
ولقد أحدث نقض بني قريظة لعهدهم مع المسلمين وإعلانهم الانضمام إلى صفوف الغزاة فزعاً شديداً في صفوف المسلمين لأنهم ما كانوا يتوقعون أن يحدث هذا في مثل تلك الظروف، لدرجة أن الرسول ﷺ حرص أول الأمر على كتمان الخبر على المسلمين لما كان يخشى من وقعه على نفوسهم. وبمجرد أن انتهى إلى سمعه النبأ أرسل وفداً مكوناً من سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير ليذكروا القوم بما بينهم وبين المسلمين من عهود، ويحذروهم مغبة ما هم مقدمون عليه، وأوصاهم قائلا: "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقاً فألحنوا لي لحناً أعرفه. أي ألمحوا لي في الكلام تلميحاً دون تصريح، حتى لا يفت ذلك في عضد الناس، وأما إن كانوا على الوفاء بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.." فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. وقالوا عن رسول الله ﷺ ، من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبينه، فرجع الوفد وأخبر رسول الله تلميحاً لا تصريحاً. بأن قالوا له عضل والقارة، فقال رسول الله ﷺ ، الله أكبر، أبشروا يا معاشر المسلمين ( [٦] ) .
وهكذا ركب القوم رؤوسهم، وقرروا الانضمام الفعلي للغزاة، وأخذوا يمدونهم بالمال والعتاد.. وكانت خيانتهم الأثيمة تلك بمثابة طعنة للمسلمين من الخلف أشق على نفوسهم من هجوم الأحزاب من خارج المدينة، لأنهم ما كانوا يظنون أن يأتيهم الروع من مأمنهم الحصين، وعند ذلك عظم البلاء، واشتد الخوف. وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق من بعض المنافقين يفتون بذلك في عضد المسلمين ويرجفون به في المدينة، حتى أن أحدهم ليقول كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب إلى الغائط ( [٧] ) .
стр. 12857
هكذا كان الوضع إبان معركة الأحزاب حتى لتصور السيدة أم سلمة زوج رسول الله ﷺ ظروف المسلمين وقتئذ بقولها: "شهدت مع رسول الله ﷺ مشاهد فيها قتال وخوف، شهدت المريسيع، وخيبر، وكتاب الحديبية، وفي الفتح، وحنين، لم يكن ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري. فالمدينة تحرس حتى الصباح تسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفاً [٨] ، لكن عناية الله تدخلت لنصرة الإيمان وأهله وهزيمة الشرك وحزبه، وشاء الله أن يندحر ذلك التحالف الوثني اليهودي ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (الأحزاب الآية ٢٥) .
стр. 12858
وبعد أن ولى المشركون وحلفاؤهم الأدبار، يحملون معهم كل معاني الإخفاق رجع المسلمون إلى منازلهم بالمدينة يغسلون أنفسهم من وعثاء الجهاد والتعب ويلتقطون أنفاسهم بعد قلق نفسي بالغ دام شهرا كاملا.. ويبدو أن البعض ظن أن الموضوع انتهى إلى ذلك الحد لكن أيترك الناكثون للعهود دون محاسبة وتأديب.. ذلك ما لا يكون.. وتأباه العدالة الإلهية، ولذلك كان عقابها عاجلاً، فبينما رسول الله ﷺ يغتسل من وعثاء المرابطة في غزوة الأحزاب في بيت أم سلمة ﵂ إذ تبدى له جبريل ﵇ فقال: "أوضعت السلاح يا رسول الله، قال: نعم. قال: ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا أوان رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم [٩] ، فنادى ﵊ في المسلمين "ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فسار الناس فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، ولم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم [١٠] .. وتبعهم ﵊ بعد أن استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وحاصر القوم شهراً أو خمسة وعشرين يوماً [١١] .. ولما طال عليهم الحصار.. عرضوا على الرسول ﷺ أن يتركهم ليخرجوا إلى (أذرعات) .. بالشام تاركين وراءهم ما يملكون، ورفض ﵊ إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط واستسلم يهود بني قريظة، ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فوكل ﵊ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ أحد رؤساء الأوس [١٢] . وفي اختيار سعد دلالة على حكمة الرسول ﷺ ، وبعد نظره، وإدراكه لنفسيات هؤلاء القوم، لأن سعدا كان حليف بني قريظة في الجاهلية، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار، وظنوا أن الرجل قد يحسن إليهم في حكمه، لكن
стр. 12859
سعداً نظر إلى الموقف من جميع جوانبه. وقدره تقدير من عاش أحداثه وظروفه. وشاهد كروبه ومآزقه وعرف النذر المستطيرة التي تراءت في الأفق فأوشكت أن تطيح بالعصبة المؤمنة لولا عناية الله التي أنقذت الموقف.. وسعد هو نفسه الذي شفع لديهم بادئ ذي بدء ليرجعوا عن غدرهم وغيهم، لكن القوم مضوا في عنادهم لا يقدرون للنتائج عاقبة، ولا يراعون الله في حلف ولا ميثاق، ولذلك لما كلم في شأنهم أكثر من مرة قال ﵁ "لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم" [١٣] .
وبعد أن أخذ ﵁ المواثيق على الطرفين أن يرضى كل منهما بحكمه [١٤] أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح ففعلوا، ثم قال: "إني أحكم أن تقتل مقاتليهم وتسبى ذريتهم وأموالهم، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة [١٥] ، أي سموات.. وأمر ﵊ بتنفيذ الحكم فسيقوا إلى خنادق في المدينة، فقتل رجالهم وسبي نساؤهم وذراريهم ومن لم ينبت من أولادهم ولاقى بنو قريظة أسوأ مصير على أفظع خيانة.. وهذا مصداق قول الله : ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب الآية ٢٦. ٢٧) .. وهنا يحلو للبعض أن يتقولوا على الإسلام. وأن يتطاولوا على تصرف الرسول ﷺ ومعاملته لبني قريظة ويعتبروا أن الإعدام الجماعي الذي تم لهؤلاء الناس يتسم بالوحشة والقسوة، وأنه كان من الممكن أن يعاقبوا بأي عقاب آخر كالإجلاء أو النفي.. ونقول لهؤلاء:
стр. 12860
أولاً: ماذا لو أن نتيجة غزوة الأحزاب تمت حسبما كان يخطط لها بنو قريظة وأحزابهم، ألم تكن هي الإبادة التامة للمسلمين أجمعين. على أن اليهود لم يقدِموا على هذا العمل الخسيس إلا بعد أن تكون لديهم ما يشبه اليقين بأنهم- بمساعدة المشركين- سوف يقومون بتدمير الكيان الإسلامي تدميراً كاملاً، واستئصال شأفة المسلمين استئصالاً كلياً، ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة البشعة [١٦] . ولقد كانوا حريصين الحرص كله على المصير إلى هذه النتيجة. حتى لقد طلبوا من الأحزاب والمشركين أن يسلموا إليهم سبعين شاباً من أبنائهم رهائن عندهم ليضمنوا أن جيوش الأحزاب لن تنسحب من منطقة المدينة إلا بعد أن تفرغ من المسلمين وتقضي عليهم قضاء تاماً [١٧] .. على أن اليهود ترددوا في الاشتراك مع صفوف المشركين في بداية الأمر وأخذ كعب بن أسد القرظي يقول لحيي بن أخطب الذي جاءه يغريه بالانضمام إليهم أخذ يقول له: "إنك امرؤ مشئوم وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه [١٨] لكنهم لما تلقوا تأكيدات تفيد أن وضع المسلمين يائس، وأنهم لن يصمدوا طويلاً أمام تلك الأعداد الضخمة سارعوا بالانضمام إليهم، فاليهود - لا قدر الله- لو أمكنهم القدر من رقاب المسلمين ما ترددوا لحظة في القتل والإبادة تمشياً مع مزاجهم الدموي الذي لا يرى بأسا في قتال الآخرين واستحلال دمه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران الآية ٧٥) .
стр. 12861
وفي سفر التثنية: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح فإن أجابتك وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً، التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريماً ( [١٩] ) أي تستأصلها استئصالاً.
ولذلك يعلق مولانا محمد علي، على هذا النص في كتابه ((حياة محمد ورسالته)) بقوله ((وهكذا حكم سعد وفقا للشريعة الموسوية بقتل ذكور بني قريظة وبسبي نسائهم وأطفالهم وبمصادرة ممتلكاتهم.. ومهما بدت هذه العقوبة قاسية، فقد كانت على درجة الضبط للعقوبة التي كان اليهود ينزلونها- تبعاً لتشريع كتابهم- بالمغلوبين من أعدائهم، فأي اعتراض على قسوة هذه العقوبة هو في الواقع انتقاد لا شعوري للشريعة الموسوية، وتسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحل محلها، وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد خليق بها أن تكشف- في وضوح بالغ- أي قانون رفيق عطوف رحيم قدمه الإسلام إلى الناس" [٢٠] .
ثانياً: أن اليهود لم يلقوا من المسلمين طيلة الأعوام التي تلت المعاهدة إلا كل بر ووفاء، كما شهدوا أنفسهم بذلك، فعندما ذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد القرظي يغريه بنقض العهد مع رسول الله ﷺ قال: دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً [٢١] .. لكنه لم يزل به حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد.
стр. 12862
ثالثاً: هذا الحكم وإن كان صادراً من سعد بن معاذ، إلا أنه بمثابة الحكم الصادر من النبي ﷺ إذ هو أقره، وتقرير الرسول ﷺ كقوله وفعله مما هو معروف عند أهل الحديث.. ورسول الله لا ينطق عن الهوى، فكأن ذلك هو حكم الله والرسول في هؤلاء الخونة الغادرين، ولذلك قال ﵊ لسعد، لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة [٢٢] ، وفي رواية الطبري: لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله [٢٣] .. ثم أليس جبريل ﵇ هو الذي وقف على النبي ﵊ وهو يغسل رأسه إبان مرجعه من غزوة الأحزاب ويأمره بالمسير إلى بني قريظة ويقول له إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل أركانهم، وفي رواية: "قم فشد عليك سلاحك فو الله لأدقنهم كدق البيض على الصفا [٢٤] .. فعلام يدل هذا إلا أن يكون الهلاك التام والعقاب الصارم من رب العالمين لكل مجرم خائن.
رابعاً: أن قانون أي دولة الآن يحكم بالإعدام على من يخون وطنه ويقيم اتصالات مع العدو أو يتجسس لحسابه، ويقول أحد الكتاب المعاصرين، لو درس الذين يطعنون في حكم سعد على بني قريظة القوانين المعاصرة دراسة نافذة وطبقوها على قضية بني قريظة لرأوا أن قوانين القرن العشرين لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ، لقد كان بين الرسول وبين يهود بني قريظة معاهدة تحفظ حقوق الفريقين وتقضي على كل فريق أن ينصر الآخر إذا واجهه خطر في حرب، ولكن اليهود تآمروا فانضموا إلى أعدائه وأوقعوه بين شقي الرحى في المدينة مصطليا بنار أعدائه المشركين من جهة واعتداء حلفائه اليهود في ساعته العسرة من جهة ثانية فاقترفوا بذلك، الغدر ثلاث جرائم.
أ- رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي.
٣- دس الدسائس لدى العدو ضد المسلمين.
٣- تسهيل دخول العدو للبلاد.
стр. 12863
وقوانين العقوبات العصرية تجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الثلاث [٢٥] .
خامسا: قد يقال: كان من الممكن أن يعامل النبي ﷺ يهود بني قريظة كما يعامل القائد المنتصر رجال جيش عدوه الذي انهزم أَمامه واستسلم، أو يعاملهم كما عامل يهود بني النضير وبني قينقاع.. والجواب على ذلك أن بني قريظة لم يكونوا أسرى حرب حتى يميل بهم إلى الشفقة، ولم يكونوا في حالة حرب مع المسلمين، وإنما كانوا جيرانا متحالفين يشكلون مع المسلمين وحدة وطنية ملزمة بالدفاع المشترك عن المدينة ضد أي عدوان، لكنهم ظهروا أخطر من الأعداء، وشراً منهم، إذ يبيتون لأناس يأمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار، وواجبات الذمام، فكانوا بمثابة الخائن المتآمر المتواطئ مع العدو على أمته ووطنه في حالة الحرب القائمة وهذه خيانة عظمى ليس لها في جميع الشرائع إلا الإعدام السريع.. وموقفهم هنا يختلف اختلافا واضحا عن موقف بني قينقاع وبني النضير، فالأولون قد أبدوا البغضاء من أفواههم وأشاعوا الرعب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحا لا يفل.. وبنوا النضير ائتمروا على قتل الرسول ﷺ ، وتحالفوا مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرصة طريقا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأولئك أَهون خطبا من الذين سلوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط بها الروع من كل ناحية، فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف، وقد جلا بنو قينقاع وبنو النضير عن المدينة، فكانوا مثار القلق والفتنة ومبعث الضيق للمسلمين فهم الذين حزبوا الأحزاب وجمعوا القبائل مع المشركين ليوم الخندق فأعطوا بمؤامراتهم المزعجة محمداً درسا حاسما يحتم استئصال شأفتهم، وتتبع أفاعيهم في كل مكمن، ليطفئ لهيبا يستعر إذا هبت عليه الريح [٢٦] .
стр. 12864
فعلى الذين يستبشعون الحكم على بني قريظة، ويصفونه بأنه كان قاسيا شديدا، عليهم أن يحيطوا علما بجوانب الموضوع وظروف القضية ليدركوا أن اليهود هم الذين جروا الوبال على أَنفسهم (وعلى نفسها جنت براقش) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة د/ محمد حميد الله ط ثالثة سنة ١٣٨٩.
[٢] سيرة ابن هشام جـ١/٥٠١ ط ثانية سنة ١٣٧٥.
[٣] المرجع السابق.
[٤] المرجع السابق جـ٢/٢١٧ ط ثانية.
[٥] السيرة لابن هشام جـ٢/٢٢٠ ط ثانية.
[٦] السيرة النبوية لابن هشام جـ ٢/٢٢٢ ط ثانية.
( [٧] المرجع السابق. نفس الصحيفة.
( [٨] في ظلال القرآن جـ٢١/٥٤٨ ط سابعة سنة ١٣٩١هـ.
[٩] السيرة لابن هشام جـ٢/٢٣٢ ط ثانية.
[١٠] صحيح البخاري، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب.
[١١] تاريخ الرسل والملوك للطبري جـ٢/٥٨٣ والسيرة لابن هشام جـ٢/٢٣٤.
[١٢] تاريخ الرسل والملوك جـ٢/٥٨٦.
[١٣] المرجع السابق ٥٨٧.
[١٤] تاريخ الرسل والملوك جـ٢/٥٨٧.
[١٥] الطبقات الكبرى جـ٢/٧٥ ط بيروت ١٣٧٦.
[١٦] غزوة بني قريظة – محمد أحمد باشميل – ٢٤٣.
[١٧] السيرة الحلبية جـ٢/٣٤٧ ط التجارية سنة ١٣٨٢.
[١٨] عيون الأخبار لابن سيد الناس جـ٢/٥٩.
[١٩] سفر التثنية – الإصحاح العشرون ١٠: ١٨.
[٢٠] حياة محمد ورسالته ص ١٧٥ نقلا عن غزوة بني قريظة / محمد أحمد باشميل ١٧٩.
[٢١] البداية والنهاية ٤/١٠٣ ط ١٩٦٦.
[٢٢] السيرة لابن هشام جـ ٢/٢٤٠ ط ثانية.
[٢٣] تاريخ الرسل والملوك جـ ٢/٥٨٧.
[٢٤] عيون الأثر لابن سيد الناس جـ ٢/٦٨ ط دار المعرفة بلبنان.
стр. 12865
[٢٥] غزوة بني قريظة – محمد أحمد باشميل نقلا من مقال للدكتور محمد رجب البيومي بمجلة الحج العدد ١٢ السنة ٨٨.
[٢٦] المرجع السابق – ٢٧٤.
стр. 12866
المستشرقون ... والسيرة النبوية
للدكتور عوض عبد الهادي العطا
أستاذ مساعد بكلية الحديث
اهتم المسلمون في الفترة المعاصرة بأمر الاستشراق. وأخذوا يدرسون ويقرأون ما كتبه المستشرقون حتى يقفوا على حقائق الموضوعات التي درسوها وخاصية ما يتعلق بالسيرة النبوية العطرة.
وقد اتسع نطاق الاستشراق وتشعبت موضوعاته حتى شملت جميع موضوعات الدراسات الإسلامية، فتعرضوا لحياة الرسول ﷺ في بيته ومع أَهله وفى ميدان الدعوة والجهاد، وبالرغم من أن وقائع السيرة النبوية قد لا تحتاج إلى كثير من الشروح والتفاسير والتعليقات فهي قد تحتاج إلى قدر معقول من تنسيق المادة الأولية وترتيبها. إلا أن هؤلاء المستشرقين استرضوا تلك الأخبار وعارضوها بآرائهم وأفكارهم ليصلوا إلى نتائج وأحكام متأثرة بعواطفهم وخلفياتهم الدينية، وسبب ذلك أَنهم اتبعوا منهجا خاصا وضعوه بأنفسهم إذ أنهم يبيتون فكرة مسبقة ثم يأخذون وقائع الأحداث ليأخذوا منها ما يؤيد فكرتهم ويستبعدوا ما دون ذلك فيتمسكون بالخبر الذي يؤيد رأيهم أو الذي يمكنهم تأويله حسب أغراضهم مهما كان ضعفه [١] .
وخطورة الأمر تنجم من كثرة حجم التأليف عند هؤلاء حتى غزوا بهذا الحجم الكبير أفكار الناس في الشرق والغرب. ففي القرن التاسع عشر والقرن العشرين كما يذكر (جب وباون) [٢] اللذين تفرغا فترة لمراجعة المخطوطات التركية والعربية، إنه بالرغم من ضخامة التأليف في موضوعات هذه المناطق إلا أَن بعضها عديم القيمة بسبب ما بها من قصور واضح، كنقص الخبرة الوثيقة بالموضوع أو جهل بلغة البلاد أو اعتماد بعض الكتاب (ويقصد كتاب الغرب) على السماع المشكوك في صحته أَو عدم الدراية بالأساس التاريخي [٣] .
стр. 12867
ويتضح من هذا أن مدخل هؤلاء الكتاب لدراسة الإسلام وعلومه المختلفة أمر تنقصه مقومات أساسية في تحرى الحق والتزام جانبه. وتظهر هذه المسائل بالذات في كتب الرحالة والتي كثيراً ما تمتلئ بالخيال أو استبعاد المصادر الأساسية والاعتماد على مصادر غير دقيقة أَو ذات أسلوب قصصي.
والواقع فإن المجتمع الغربي قد اكتشف أهمية الفكر الإسلامي منذ العصور الوسطى، ونقل ذلك التراث نقلاً لا يظهر فيه التصرف إلا في تجاهل ذكر المؤلفين الحقيقيين، وعن طريق ذلك خطت أوربا خطواتها التاريخية في مجال النهضة المعروفة بالنهضة الأوربية renaissance، وبذلك الفكر وعلى هديه أخذت أَوربا منهج التطور العلمي وبنت لنفسها الشخصية العلمية الرائدة. وأرادت بعد ذلك أن تطمس معالم الخلفية التاريخية لكل هذا التطور العلمي حتى وصمت بلاد المسلمين بالتخلف والركود والجمود الاقتصادي والعلمي وغيره سواء في صدر الإسلام أو بعد ذلك، علما بأن هذا الشمول في المجالات الإسلامية أمر تحسه في الدراسات الموسعة لهؤلاء.
ثم لجأت أوربا مرة أخرى في العصور الحديثة تدرس الفكر الإسلامي وعلومه المختلفة عندما أصبح لها أَطماع وأغراض سياسية واقتصادية، وأرادت بذلك حصار الإسلام واقتسام البلاد الإسلامية كجزء من مناطق النفوذ الأوربي الاستعماري، فلجأت إلى دراسة اللغة العربية والتاريخ الإسلامي وغير ذلك فزاد هذا من إنتاج المستشرقين في هذا المجال.
وكان أسلوبهم في غزو الإسلام والمسلمين أسلوبا ناعما متنوعا، جاء في شكل معاهد علمية وشركات أجنبية وبضائع وملابس وأثاثات منزلية وكان للغزو الفكري أثر كبير على أبناء المسلمين، وقد وجدت الإرساليات التبشيرية مساحة واسعة للتحرك في بلاد المسلمين، كما وجد دعاتها الفرصة السانحة للدراسة والتأليف في موضوعات إسلامية مثل (ترمنجهام) triningham الذي ألف عدة كتب عن الإسلام وأثره في عدة مناطق من العالم الإسلامي.
стр. 12868
وقد اتخذت الدول المسيحية من التربية وسيلة مباشرة حيث منحت بعض أبناء المسلمين فرصاً واسعة للدراسة والتعليم في معاهدها وكلياتها لينهلوا من آدابها وفنونها وعلومها الاجتماعية والتطبيقية، ويعودوا إلى بلادهم وقد تشبعوا بأفكار الغرب وحضارته.
وليس من السهل فصل ما تقوم به هذه الدول عن المجهودات التي يقوم بها المستشرقون في كتاباتهم، فقد كانت تلك الوسائل وغيرها من أساليب النشاط التبشيري مجالاً لنشر حضارة الغرب وفكره وأسلوبه في الحياة، كما أصبحت الدراسات المختلفة ومن بينها علوم تتعلق بالدراسات الإسلامية تصل لأبناء المسلمين عن طريق قنوات الغرب المسيحي التعليمية، وهو أسلوب مكن المستشرقين من فرض أفكارهم وتخريجاتهم وتحليلاتهم لكثير من الأحداث في تاريخ الإسلام والمسلمين ولحركة الجهاد الإسلامي بما في ذلك عصر النبوة.
وقد لاحظ (جب وباون) أن التعليم كان له دور كبير في أضعاف الأثر الديني لدى الدارسين وذلك لتأثر التعليم في بلاد المسلمين بالطابع العصري الغربي المسيحي فقد أخذ المظهر الديني الخالص للتعليم في الانزواء رويدا رويدا وذلك بفعل ازدياد الطرائق التعليمية الغربية كنتيجة لإرسال البعثات التعليمية إلى أوربا وازدياد عدد المدارس الأوربية ومن نتائج ذلك تمكن اللغات الأوربية في التعليم وأثرها على لغة الكلام ولغة الأدب وغير ذلك من الآثار [٤] .
ومن الواضح أن العالم الإسلامي في هذه الأثناء يعاني من أَثر الانهيار أمام التيار الثقافي الغربي والذي تأثر به كثير من المثقفين والمتعلمين من أبناء المسلمين وانساق الكثير منهم خلفه باعتباره المنهج العلمي الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة، ولعلهم تناسوا الجذور الإسلامية التي قام عليها ذلك الفكر حتى انتبهوا أخيرا لذلك.
стр. 12869
وقد اتفق كثير ممن ألف في السيرة النبوية العطرة في الفترة الحديثة والمعاصرة على أَن المستشرقين أو الغربيين قد استغلوا بعض الأخبار كمادة للطعن في الإسلام وفي نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فضلاً عما ذكروه من مثالب أو مطاعن نسبوها زورا إلى الرسول ﵊ بقصد الإساءة مدفوعين بتعصبهم الأعمى ضد الإسلام والمسلمين ( [٥] ) .
وبالرغم من هذه المواقف فإن بعض المستشرقين انتقدوا بعضهم بعضا في تفنيد منهجهم الذي مارسوه في دراسة التاريخ الإسلامي وسيرة الرسول ﷺ بصفة خاصة، فقد ذكر أنه من المتعذر إن لم يكن من المستحيل أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة، وهم يمارسون الكتابة عن الإسلام أو عن بلاد الإسلام أو عن المسلمين. ورغم ما يزعمونه من اتباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد فإنا نلمس من خلال كتاباتهم من يتحدث وهو متأثر ببيئته التي نشأ فيها أو خلفياته العلمية التي درسها ولذلك تأثر منهجهم بحسب منطقهم الغربي وخيالهم العصري.
وأبرز مثيل لذلك ما ذكره بعض الدارسين لمنهج المستشرقين مما هو ملاحظ في تفكيرهم المادي للأشياء والمسائل المختلفة. فالمفكر منهم مثلا تجده يصلي في الكنيسة ويقرأ في كتابه المقدس ولكنه إذا دخل المعمل نظر للمسألة نظرة مجردة عن الإطار الديني.
стр. 12870
والواقع فإن منهجهم يقوم على افتراضات يفترضونها، وقد لا ينطبق ذلك على حقيقة الوقائع والأحداث، وبالتالي تكون نتائجهم خاطئة لأنهم يريدون الوصول إلى هذه النتائج عن طريق استنتاجاتهم وإخضاعهم الحقائق الثابتة والمعروفة والتي تضمنتها مؤلفات إسلامية عريقة إلى منهجهم العلمي، ولذلك فهم عندما يلجأون إلى تأييد رأي من الآراء يهدمون بعض الأخبار أو يحللونها ليصلوا إلى نتيجة يقصدونها ومن الأمثلة لهذا المنهج نشير إلى ما كتبه (مونتجمري وات) w.montgomery, watt عن السيرة النبوية العطرة، فقد ألف كتابين هما (محمد في مكة) و (محمد في المدينة) [٦] صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وناقش في كتابه الأول الفترة المكية وتعرض لموضوعات كثيرة يضيق المجال لعرضها هنا، ولكن من ضمن الموضوعات التي ذكرها هجرة المسلمين إلى الحبشة، وهو موضوع احتوته وحفظته وشرحته كتب السيرة النبوية المتداولة لدى المسلمين جميعا مثل سيرة ابن هشام والروض الأنف للسهيلي وابن كثير وغيرهم ممن تناول السيرة النبوية من المؤرخين والكتاب. وقد ذكر السهيلي (أن رسول الله ﷺ لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عزوجل ومن عمه أَبي طالب وإنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أَرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم) [٧] .
стр. 12871
ومن ثم فقد أصبحت هجرة المسلمين إلى الحبشة في هذا الظرف حدثا تاريخيا هاما في مراحل الدعوة الإسلامية، إذ أن اختيار الحبشة كان خطوة موفقة من خطوات الرسول ﷺ الواعية لأن ذلك ينطوي على معرفة تامة بحقيقة الوضع في الجزيرة العربية وأطرافها المجاورة وظروف الدول المحيطة بها من الفرس والروم، فقد كانت القبائل العربية في الجزيرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بقريش تجاريا ودينيا وكان لبعضها أحلاف ومعاهدات، والمعروف أن لقريش رحلة تجارية إلى الشام ورحلة تجارية إلى اليمن، وكانت كل رحلة عبارة عن مدينة تجارية متحركة فقد بلغت كل رحلة ألف بعير أو تزيد تحمل سلعا وبضائع متنوعة بعضها محلى من إنتاج أهل الجزيرة وبعضها مستورد من الشام واليمن والهند بل من أوربا وبلاد الصين وكلها تصب في مكة وتصنف من بعد إلى الجهات التي تكون سوقا لها تبعا للخبرة التجارية وفن التسويق ونوع الرحلة، ولقريش أسواق مشهورة بعد مكة [٨] . ومن ثم جاءت الهجرة إلى الحبشة رغم ما فيها من مشقة، ولكنها بلا شك رمز صادق للعزم والإصرار على المبدأ. ولذلك لا يمكن قبول استنتاجات (وات) watt حول أسباب هذه الهجرة فهو يذكر أن من ضمن دوافعها الأساسية أغراض اقتصادية- وإلا في نظره لماذا أقام هؤلاء المهاجرون في الحبشة حتى عندما انتفت الأسباب التي ذكرتها كتب السيرة في مكة بهجرة الرسول ﷺ إلى المدينة [٩] وهو يتناسى هنا عودة بعض المهاجرين إلى مكة عندما بلغهم أن قريشا قد أسلمت.
ثم يذكر أن هؤلاء المهاجرين قد تولاهم يأس قاتم حملهم على التخلي عن كل أمل في الإصلاح الديني في مكة، ولكن (وات) يذهب إلى أن هذا حتى لو كان موقف المهاجرين فإنه ليس موقف محمد ﷺ [١٠] وكان يشير إلى أن هذه الهجرة إنما هي هروب من ميدان الجهاد والاختفاء بعيداً عنه.
стр. 12872
وهو قول ينطوي على دس واضح لأنك عندما تستعرض أسماء الذين هاجروا تجدهم الرواد الأوائل للدعوة الإسلامية وهم الذين حملوا لواءها فيما بعد وماتوا مجاهدين في سبيلها. بل يذهب هذا الكاتب إلى أكثر من ذلك فيقول: "إن هذه الهجرة عبارة عن جزء من مخطط بارع لمحمد على أمل أَن يحصل على مساعدات حربية من الأحباش كما سبق أن سعى جده من قبل للحصول على مساعدات حربية من أبرهة [١١] .
والمعروف أن أبرهة جاء إلى مكة غازيا ينوي هدم الكعبة فلا يمكن بأي حال أن يطلب عبد المطلب خادم البيت الحرام أي مساعدات من عدوه ليدافعه بها. وقد حفظ لنا ابن هشام هذه القصة كاملة فقال رحمه الله تعالى"وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم فلما رآه أَبرهة أجله وأَعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قل له: ما حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان؛ فقال: حاجتي أن يرد عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي، فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك" [١٢] .
стр. 12873
فأين موضوع الأسلحة هنا وأين الحجة التي تجعل عبد المطلب يطلب مساعدات حربية من أبرهة. وإذا كان المستشرق قد افترض افتراضات على ضوء أحداث معينة فإن الافتراض لم يكن صحيحا وبالتالي فقد جاءت نتيجته أيضا غير صحيحة، ثم يأتي بافتراض آخر ليثير جدلاً لا يستوي ومكانة الصحابة رضوان الله عليهم بأي حال من الأحوال، ولكنه لا يتورع عن ذلك ليصل إلى القول بأنه قد حدث انقسام قوي في الرأي بين الجماعة الإسلامية الناشئة [١٣] . في حين تتفق جميع المصادر الإسلامية بأن هذه الجماعة الإسلامية في طور الدعوة السرية في مكة المكرمة وبعد أَن صدع الرسول ﷺ بما أمره الله، قد كونوا جماعة إسلامية متجانسة منسجمة فيما بينها تؤمن بالله وبرسوله وتتسلح بقيم أخلاقية وسلوكية ربطت بينها رابطة الأخوة الصادقة، فقضت على كل نعرة للعصبية أو الخلافات الشخصية أو العرقية، وأصبحت العقيدة الإسلامية هي الرابطة بين هذه الجماعة، فلم يكن هناك مجال للخلاف أو الانشقاق. ولو كان من دوافع الهجرة إلى الحبشة أي خلاف مثل هذا الذي دسه المستشرق لما أقلقت تلك الهجرة قريشا ولما جعلها تهتم هذا الاهتمام الشديد بأمر الذين هاجروا وتسعى في طلبهم من النجاشي وبالتخلي عن حمايتهم وعودتهم إلى مكة مرة أخرى. ولكن أسماء المهاجرين تشير إلى اتساع دائرة الإسلام وكسبه لعناصر من شتى بطون قريش فقد هاجروا من بني هاشم وبني أمية وبني أسد وبني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني قصي وبني زهرة وبني هذيل وبني تميم وبني مخزوم وغيرهم [١٤] . فأصبح هناك تنوع كبير في أصول الذين اعتنقوا الإسلام وبالتالي أصبحت للدعوة الإسلامية صفة الشمول في مكة رغم قلة أعضائها ولم يعد هناك مجال للخلاف بسبب العصبية والقبلية أو النسب أو الجاه أو المال.
стр. 12874
وإذا كان الكاتب المستشرق قد تعرض لكل هذه الموضوعات بهذا المنهج فإن هذا يعكس تماما مقومات الدراسة والقواعد التي ارتكز إليها وهي قواعد مسيحية وعلمانية وبالتالي لا يمكن بأي حال أن يكون موافقا لمقومات الإسلام والبيئة الإسلامية.
وعموما فإن الإحاطة بكل المسائل التي أثارها الكاتب في كتابيه عن الرسول ﷺ وغيره من المستشرقين في موضوع واحد أو كتاب واحد أمر يصعب إثباته ولكن توسيع نطاق البحث في مثل هذه الموضوعات قد يعطي الفرصة للرد على مثل هؤلاء وبالله التوفيق.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] عماد الدين خليل، دراسة في السيرة، ص ١٣ (١٣٩٨هـ) .
Gibb, H. and Bowen, H., Islamic Society and the west, oxford ١٩٣٧ [٢]
اانظر ترجمة هذا الكتاب لأحمد عبد الرحيم مصطفى (القاهرة) .
[٣] جب وباون، المصدر السابق، (مترجم) ص٧، ٨.
[٤] جب وباون، المصدر السابق، (مترجم) ص٢١.
[٥] محمد عبد العزيز خير الدين، محمد خاتم الرسل، ﷺ جـ١ ص٥ القاهرة (١٣٨٨هـ) .
W. MONTGOMERY,WATT, MUHAMMED At MECCA, Oxford, ١٩٥٣ [٦]
W. Montegomery.watt, Muhammed At MEDINA, Oxford, ١٩٥٦.
[٧] عبد الرحمن السهيلي، الروض الأنف، جـ٣ ص٢٠٣ تحقيق عبد الرحمن الوكيل.
[٨] أحمد عبد الرحمن عيسى، ((في الدلالات سورة قريش)) مجلة كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ص١١١-١١٥، العدد الأول ١٣٩٧هـ.
[٩] يذكر المستشرق محمدا مجردا، وقد أوردت أمام اسم الرسول الصلاة عليه.
Watt, M. op. Cit, P. ١١٤ [١٠]
Ibid, E [١١]
[١٢] ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين جـ ١ص ٥٠.
стр. 12875
WATT, M. op.cit,p. ١١٥ [١٣]
[١٤] السهيلي، المصدر السابق، جـ١ص٢٠٥-٢١٣.
стр. 12876
نماذج من الدعاة الصالحين
الشيخ أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
حقا إذا ذكر الدعاة الصالحون في أمة الإسلام أن يذكر على رأسهم أحمد بن تيمية الحراني شيخ الإسلام، وإمام الهدى، محيي السنة وقامع البدعة، وناشر راية الإصلاح في العالم الإسلامي.
وحقا أن في حياة هذا الداعي الكبير لأسوة حسنة، لمن يرغب في الاتساء بالصالحين وتمثل جوانب الكمال في حياتهم. ولما كانت حياة شيخ الإسلام كلها مجالا للقدوة والاتساء فإنا نكتفي بذكر أبرز الجوانب فيها: تعلمه وزهده، وحلمه، وشجاعته، وصبره، وكمال عبوديته، وحسن دعوته. وقبل عرض هذه الجوانب الكمالية في الحياة الأحمدية. نعرف به رحمه الله تعالى فنقول:
من هو أحمد بن تيمية؟
فنجيب بأنه: الإمام تقي الدين أبو العباس أَحمد بن عبد الحليم بن الإمام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن أبى محمد بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية [١] الحراني. ولد يوم الاثنين العاشر من شهر رببع الأول سنة ٦٦١ هـ. وهاجر به والده إلى دمشق عندما أغار التتار على بلاد الإسلام سنة ٦٦٧ وتوفي بقلعة دمشق ليلة الاثنين لعشرين خلت من القعدة الحرام سنة ٧٢٨ هـ.
علمه ﵀:
نبدأ في الحديث عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من منطلق كماله ألا وهو العلم وطلبه وحصوله عليه وتفوقه فيه، فنقول لقد طلب أحمد بن تيمية العلم صغيرا ولازم الدرس والتحصيل كبيرا حتى فاز بأنواع العلوم والمعارف ما أصبح به إماما للعلماء، وشيخا للإسلام والمسلمين في سائر أنحاء العالم الإسلامي.
وها هي ذي شهادات فحول علماء عصره ومصره له بذلك فلنستمع إليها:
стр. 12877
قال ابن النجار- كما ذكر ذلك بهجة البيطار-: قدم بابن تيمية والده إلى دمشق، فأخذ الفقه والأصول على والده. وسمع من خلق كثيرين منهم الشيخ شمس الدين، والشيخ زين الدين بن المنجا والمجد بن عساكر. وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه وعنى بالحديث، وسمع الكتب الستة، والمسند مرات وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وكبارهم، وتأهل للفتوى والتدريس، ولم يبلغ العشرين سنة، وتضلع في علم الحديث وحفظه، حتى قال من قال: إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث. وأمده الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتى قال غير واحد، إنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه، وألف في أغلب العلوم التآليف العديدة. حتى قال الحافظ الذهبي: وما أبعد أَن تصانيفه تبلغ خمسمائة مجلد.
وقال الحافظ المزي: ما رأيت مثله (أي ابن تيمية) ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أَحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه.
وقال ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد، وقلت له: ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك!!!
وقال الشيخ إبراهيم الرقي: إن تقي الدين يؤخذ عنه ويقلد فإن طال عمره ملأ الأرض علما وهو على الحق، ولا بد أَن يعاديه الناس لأنه وارث علم النبوة.
وقال: قاضي القضاة ابن الحريري: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟
стр. 12878
وقال الحافظ الزملكاني، قد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين، وقد ألاَنَ الله تعالى له العلوم كما ألاَنَ لداود الحديد، كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله. وقال:
وصفاته جلت عن الحصر
ماذا يقول الواصفون له
هو بيننا أعجوبة الدهر
هو حجة لله قاهرة
أنوارها أربت عن الفجر
هو آية في الخلق ظاهرة
هذه بعض شهادات العلماء لابن تيمية وغيرها كثير. وهي شهادات حق وصدق ليس فيها مجازفة ولا مواربة أبدا، فإن الرجل أجل مما وصف به، وأعظم قدرا مما قيل فيه.
زهده ﵀:
إن الزهد وهو الرغبة عن المال والجاه وسائر أعراض الدنيا لتفاهتها وحقارتها وقلة قطرها. صفة كمال في الرجال وشيخ الإسلام ابن تيمية كان أَكمل أهل عصره في هذا الوصف وصف الزهد، لأنه كان أعرف الناس بفضل الزهد، وشرف أهله ولولا زهده لما نال ما نال من العلم والتقى والبصيرة في دين الله والهدى. وحسبنا تدليلاً على زهده أن نذكر الروايتين التاليتين:
الأولى: قال ابن فضل الله العمري كان يجيء ابن تيمية من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافا ومآت، لا يلمس منه درهما بيده، ولا- ينفق آخر في حاجته، وكان إذا لم يجد ما ينفقه على من يسأله يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إليه. قال وهذا مشهور عند الناس من حاله.
والثانية: قال أحدهم: كنت يوما جالسا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فجاءه إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجا إلى ما يقيم به، فنزع الشيخ عمامته ومن غير أن يسأله الرجل وقسمها نصفين فاعتم بنصفها، وأعطى الرجل المحتاج نصفها الآخر فاعتم به.
حلمه رحمه الله تعالى:
стр. 12879
إن الحلم خلق فاضل، وكمال نفسي قل من يظفر به، والعلماء كثيرون ولكن أهل الحلم فيهم قليل.
إذ الحلم: ضبط النفس عند الغضب، أو هو عدم الغضب. والغضب فطري، ولكن الحلم كسبي ومن لا يغضب لا يحلم. وأكثر مظاهر الحلم عند اشتداد سورة الغضب وحب الانتقام ممن اعتدى وظلم. فمن أوذي وقدر على أذية من آذاه ولم يفعل فقد حلم وعفا وغفر في القرآن الكريم (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) .
ومن هنا كان عظماء الرجال وخاصة دعاة الحق والخير من أعلم الناس وأكثرهم صفحا وعفوا ولقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية المثل في باب الحلم، فإنه على كثرة من آذاه وعاداه لم يثبت أنه انتقم يوما من أحد منهم حتى ولو مكن منهم ... وهذا غاية الحلم ونهايته أنه لما نقل ابن تيمية إلى الديار المصرية وسجن بالجب بقلعة الجبل سنة ونصفا، ولما أفرج عنه واجتمع بالسلطان في حفل كبير ضم القضاة والأمراء وأعيان البلاد، وأكرم الشيخ إكراما عظيما، وشاوره السلطان في قتل بعض أعدائه وخصومه فامتنع الشيخ من ذلك، ولم يقبل أن يقتل أحد بسببه، وجعل كل من آذاه في حل من أمره. وهكذا تتجلى في أحمد صفة الحلم التي هي عنصر من أقوى عناصر الكمال في الدعاة الصالحين، وبذا كان ابن تيمية نموذجا صالحا في حياة الدعوة ودنيا الدعاة.
شجاعته وصبره.
стр. 12880
إن شجاعة أحمد بن تيمية بنوعيها العقلية والقلبية كانت نادرة في الرجال وقد أصبح بها والحق يقال أسوة صالحة للمؤمنين، وليس أدل على شجاعته القلبية والعقلية معا من تلك الوقفة الجبارة التي وقفها في وجه جيوش التتار، وما أقام به من حشد القوات وجمع الطاقات لقتالهم، وهو العالم الزاهد الرباني فقد جعل الله ﵎ طرد تلك القوة الفاتكة العاتية التي دمرت وخربت وعاثت في ديار الإسلام فسادا، على يديه وبسبب ما قام به. وقد كانت له مواقف مع بعض ملوك التتار نادرة في الشجاعة والتضحية والفداء.
فقد روي أن ملك الكرج أراد أن يفتك بأهالي دمشق فيسبي نساءهم وذراريهم ويغنم أموالهم فبذل مالاً كثيرا للسلطان غازان المغولي الذي كان قد أسلم أول من أسلم من ملوك المغول، بذل له أموالاً طائلة ليخلي بينه وبين سكان دمشق. وبلغ الخبر شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية فقام من فوره، وانتدب رجالا من وجوه البلاد وكبرائهم، من ذوي النهى والعقول الراجحة. ولما وصلوا إلى السلطان المغولي أخذ الشيخ يحدثه بقول الله ورسوله ﷺ في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان ويقرب منه في أثناء حديثه حتى كاد يلصق ركبته بركبتي السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه، مصغ لما يقول، شاخص ببصره إليه لا يعرض عنه، وذلك مما أوقع الله تعالى في نفسه من المحبة والهيبة للشيخ حتى سأل قائلا من هذا الشيخ؟ فإني لم أر مثله، ولم أر من هو أوقع منه حديثا في نفسي ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه! وقال الشيخ للترجمان قل للسلطان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين وعملا الذي عملت: عاهد قومنا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وَجُرْت. فبذل الشيخ نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله ذلك، فكان سببا، وكان رحمه الله تعالى يقول: لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه.
стр. 12881
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن أحدا من المسلمين شكا إليه ما فعل به أحد السلاطين وكان هذا السلطان ذا جبروت، ظلم واعتدى وأخذ أموال الناس، فذهب إليه الشيخ ولما دخل عليه قال له السلطان في تهكم وازدراء، إني كنت أريد أن آتي إليك، لأنك عالم زاهد، فأجابه الشيخ قائلا، موسى كان خيرا مني، وفرعون كان شرا منك وكان موسى يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات، ويعرض عليه الإيمان.
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن وشى به أحد خصومه المبطلين إلى الملك الناصر لدين الله فأحضره السلطان ووجه إليه تهمة الخيانة فقال له: بلغني أنك قد أطاعك الناس وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث أحمد بالتهمة الباطلة وقال في هدوء ورباطة جأش وثبات قلب وبصوت عال: أنا أفعل ذلك؟ والله أن ملكك لا يساوي عندي فلسا واحدا، فتبسم السلطان من ذلك وقال: والله إنك صادق، وأن الذي وشى بك لكاذب وهذا من جراء ما ألقى الله تعالى في قلبه من الهيبة العظيمة والمحبة الدينية، ولولا ذلك لكان يفتك به.
هذا عن شجاعة ابن تيمية رحمه الله تعالى.
أما عن صبره فحدث ولا حرج، وحسبنا أن نعرف أن حياته كلها قضاها في جهاد متواصل بالسيف واللسان والقلم فما كلَّ ولا ملَّ، ولا ترك دعوة الإصلاح في كل حياة المسلمين حتى توفاه الله تعالى في قلعة دمشق.
وماذا نقول عن صبر ابن تيمية وهو القائل: ماذا يبغي الأعداء منى! أو ما يصنع أَعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة وكان يقول: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه.
كمال عبوديته:
стр. 12882
إن تحقيق العبودية بالعبادة والتوكل، وصدق اللجأ، والإنابة إلى الله تعالى بكل حال من صفات شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الغالبة عليه. فلننظر إليه عندما يؤمر به إلى السجن كيف يكون حاله: ذكر صاحب الكواكب الدرية: إن الشيخ لما أمر به إلى السجن بقلعة دمشق أظهر السرور بذلك، وقال إني كنت منتظراً ذلك، وهذا فيه خير عظيم. وروي أنه لما سجن بمصر بسجن القضاة، بحارة الديلم صار الحبس بالعلم والتعلم والعبادة والدين خيراً من كثير من الزوايا والأربطة والمدارس، وصار عدد كبير من المساجين إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إلى الشيخ حتى صار السجن يمتلئ بهم.
وكان رحمه الله تعالى يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وكان يقول: المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه. ولما دخل القلعة وأصبح داخل سورها قال فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. فكان يرى في السجن جنة الدنيا لما يحققه له من القرب من ربه بالتفرغ لعبادته والانقطاع إلى الله تعالى فيصبح في جنة أنس ونعيم نفس. حكى عنه عارفوه أنه مع كثرة ما يهدد، ويضايق ويحبس كان أطيب الناس نفساً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وما هذا إلا لقوة إيمانه، وكمال عبوديته، وصدق توكله.
حسن دعوته:
إن من غير المشكوك فيه أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كما كان رجل جهاد، بالنفس والمال في سبيل الله، كان رجل دعوة وإصلاح، وقد كملت رجولته في ذلك فلم يدانيه أحد من معاصريه، ولا ممن جاءوا بعده بحال من الأحوال. وهذا من فضل الله عليه، والله يؤتي فضله من شاء وهو الحكيم العليم.
стр. 12883
تصدى ابن تيمية لمحاربة الفساد المستشري في أمة الإسلام والمتمثل في الحكام والعلماء والعباد من المتصوفة والمبتدعة والخرافيين، فقاومه بالحجة والبرهان وانبرى لمقاومته الحكام بالوعيد والتهديد، والسجن والحرمان، وتصدى له العلماء، بالإنكار والتشنيع والوشايات لدى الحكام وتصدى له المتصوفة والمبتدعة بالكيد والمكر والدس والخداع والكذب والتضليل.
ووقف الشيخ وحده في الميدان ليس له من ولي ولا نصير إلا ربه تعالى وكفى بالله ولياً ونصيراً. وكان ما أجمع عليه أعداؤه فيه ثلاث مسائل ادعوا أنه خالف فيها الإجماع وهي طلاق الثلاث، والوسيلة، وشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة. هذه أبرز ما اجتمع عليه أعداء الشيخ فحاربوه عليها حربا ضروسا بلا رحمة ولا شفقة، فما تركوا وسيلة للنيل من الشيخ إلا استعملوها، فكذبوا عليه، وزودوا وافتروا. وقالوا ما لم يقله عدو في عدوه والشيخ صابر محتسب يقرع الحجة بالحجة، ويبين زيف الدعاوى، وافتراء المفترين. كل ذلك بأسلوب نزيه، وكلام طيب، وقول حسن فلا يغلظ في قول، ولا يجفو في عبارة، ولا يحاول انتقاص أحد، أو النيل من كرامته إن كان من ذوي الكرامات. الأمر الذي يعد فيه ابن تيمية فريدا وحيداً أشبه رجل بنبي في دنيا الرجال، وكان إذا التبس عليه أمر أو خفيت عليه حال أو لم يتبين وجه الحق في مسألة فزع إلى ربه يستعلمه ويستهديه فكان يقول في جوف الليل وقد انقطع إلى ربه: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. فيعلمه ربه ويهديه إلى وجه الحق الذي التبس عليه.. وما مات ابن تيمية حتى أوضح منهج الإسلام، وأقام سبيل الدعوة، وفتح الله به عيونا عميا وأسمع بدعوته آذانا صما، وهدى به قلوبا زائغة عن الحق حائرة في طلب الهدى. وكل من أتى بعده من رجال الإصلاح والدعوة في
стр. 12884
هذه الأمة إنما هو من مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية. فرحمه الله رحمة واسعة.
وفاته رحمه الله تعالى:
بعد أن أظهر الله ﵎ الحق على يدي عبده ووليه، أَحمد بن تيمية، في مسائل كثيرة من أهمها العقيدة الإسلامية بجوانبها الثلاثة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
وبعد أن استنارت في ديار الإسلام بعلوم شيخ الإسلام، وتبددت دياجير الظلام التي عاشتها بلاد الإسلام زمنا غير قصير وفي ليلة الاثنين لعشرين خلت من شهر القعدة عام ٧٢٨ هجرية قبض الله تعالى إليه روح عبده الصالح، ليكرمها على ما قدمت من تضحيات جسام طلباً لمرضاة ربها، ورغبة فيما لديه من الكرامة. وفي ظهر يوم الاثنين خرجت جنازة شيخ الإسلام من المسجد الأموي بدمشق بعد أن صلي عليها عقب صلاة الظهر يشيعها إلى مثواها الأخير خلق من النساء منهن فقط تمكن خمسة عشر ألف امرأة مشيعة لجنازة الإمام وقالوا: إنه لم يتخلف عن جنازة الإمام ابن تيمية من سكان دمشق من حكام وأَمراء ورجال علم، وصلاح وعامة الناس إلا ثلاثة نفر كانوا أعداء ألداء للشيخ تخلفوا خوفاً على أَنفسهم من أن يرجمهم المسلمون بالحجارة لغضبهم عليهم وحزنهم على شيخهم وهم يودعونه الوداع الأخير. فرحم الله أحمد بن تيمية ورزقنا الأسوة به في طلبه العلم وفي صبره وشجاعته وجهاده وحسن دعوته.
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
إن الحلقة الأخيرة في سلسلة نماذج من الدعاة الصالحين هي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
تعريف:
فمن هو يا ترى محمد بن عبد الوهاب؟
إنه أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي. المولود بقرية العيينة سنة ١١١٥ هجرية من البلاد النجدية الواقعة شمال مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.
جوانب من الكمال في الشيخ ﵀:
стр. 12885
إننا في هذه السلسلة من أول حلقة فيها إلى هذه الأخيرة منها لا نعرض كثيراً لكمال في الداعية إذا كان وهبيا غير كسبي بعلة أن الوهبي لا تتأتى الأسوة فيه وإنما الأسوة تكون في الكمال الكسبي، ولذا لا نبرز من حياة الداعي إلا جوانب خاصة في حياته لكونها محط الاتساء، ومجال الاقتداء.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعاة الصالحين ممن آثرنا الكتابة عنهم للاقتداء بهم والاهتداء بهديهم. حياته كلها عظات وعبر وما من جانب منها إلا وهو صالح لأن يكون قدوة صالحة للمقتدين، وأسوة حسنة للمؤتسين ونظراً للحاجة الماسة للاختصار فإنا نكتفي بإبراز الجوانب التالية من حياته المليئة بالبر والهدى وهي طلبه العلم ورحلته في سبيله:
كماله العلمي. دعوته الإصلاحية. صبره وما لاقى من أذى في سبيل الدعوة، نجاحه في دعوته. سر نجاحه فيها.
طلب الشيخ العلم ورحلته في ذلك:
ما من شك أن النبوغ في كل شيء لابد له من عوامل تساعد عليه، ومن عوامل نبوغ الشيخ التي أثرت في حياته العلمية وكانت السبب البارز في نبوغه في العلم وتفوقه فيه على
следующие страницы →