Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.
стр. 12881
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن أحدا من المسلمين شكا إليه ما فعل به أحد السلاطين وكان هذا السلطان ذا جبروت، ظلم واعتدى وأخذ أموال الناس، فذهب إليه الشيخ ولما دخل عليه قال له السلطان في تهكم وازدراء، إني كنت أريد أن آتي إليك، لأنك عالم زاهد، فأجابه الشيخ قائلا، موسى كان خيرا مني، وفرعون كان شرا منك وكان موسى يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات، ويعرض عليه الإيمان.
ومن مظاهر شجاعته أيضا أن وشى به أحد خصومه المبطلين إلى الملك الناصر لدين الله فأحضره السلطان ووجه إليه تهمة الخيانة فقال له: بلغني أنك قد أطاعك الناس وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث أحمد بالتهمة الباطلة وقال في هدوء ورباطة جأش وثبات قلب وبصوت عال: أنا أفعل ذلك؟ والله أن ملكك لا يساوي عندي فلسا واحدا، فتبسم السلطان من ذلك وقال: والله إنك صادق، وأن الذي وشى بك لكاذب وهذا من جراء ما ألقى الله تعالى في قلبه من الهيبة العظيمة والمحبة الدينية، ولولا ذلك لكان يفتك به.
هذا عن شجاعة ابن تيمية رحمه الله تعالى.
أما عن صبره فحدث ولا حرج، وحسبنا أن نعرف أن حياته كلها قضاها في جهاد متواصل بالسيف واللسان والقلم فما كلَّ ولا ملَّ، ولا ترك دعوة الإصلاح في كل حياة المسلمين حتى توفاه الله تعالى في قلعة دمشق.
وماذا نقول عن صبر ابن تيمية وهو القائل: ماذا يبغي الأعداء منى! أو ما يصنع أَعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة وكان يقول: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه.
كمال عبوديته:
стр. 12882
إن تحقيق العبودية بالعبادة والتوكل، وصدق اللجأ، والإنابة إلى الله تعالى بكل حال من صفات شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الغالبة عليه. فلننظر إليه عندما يؤمر به إلى السجن كيف يكون حاله: ذكر صاحب الكواكب الدرية: إن الشيخ لما أمر به إلى السجن بقلعة دمشق أظهر السرور بذلك، وقال إني كنت منتظراً ذلك، وهذا فيه خير عظيم. وروي أنه لما سجن بمصر بسجن القضاة، بحارة الديلم صار الحبس بالعلم والتعلم والعبادة والدين خيراً من كثير من الزوايا والأربطة والمدارس، وصار عدد كبير من المساجين إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إلى الشيخ حتى صار السجن يمتلئ بهم.
وكان رحمه الله تعالى يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وكان يقول: المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه. ولما دخل القلعة وأصبح داخل سورها قال فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. فكان يرى في السجن جنة الدنيا لما يحققه له من القرب من ربه بالتفرغ لعبادته والانقطاع إلى الله تعالى فيصبح في جنة أنس ونعيم نفس. حكى عنه عارفوه أنه مع كثرة ما يهدد، ويضايق ويحبس كان أطيب الناس نفساً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وما هذا إلا لقوة إيمانه، وكمال عبوديته، وصدق توكله.
حسن دعوته:
إن من غير المشكوك فيه أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كما كان رجل جهاد، بالنفس والمال في سبيل الله، كان رجل دعوة وإصلاح، وقد كملت رجولته في ذلك فلم يدانيه أحد من معاصريه، ولا ممن جاءوا بعده بحال من الأحوال. وهذا من فضل الله عليه، والله يؤتي فضله من شاء وهو الحكيم العليم.
стр. 12883
تصدى ابن تيمية لمحاربة الفساد المستشري في أمة الإسلام والمتمثل في الحكام والعلماء والعباد من المتصوفة والمبتدعة والخرافيين، فقاومه بالحجة والبرهان وانبرى لمقاومته الحكام بالوعيد والتهديد، والسجن والحرمان، وتصدى له العلماء، بالإنكار والتشنيع والوشايات لدى الحكام وتصدى له المتصوفة والمبتدعة بالكيد والمكر والدس والخداع والكذب والتضليل.
ووقف الشيخ وحده في الميدان ليس له من ولي ولا نصير إلا ربه تعالى وكفى بالله ولياً ونصيراً. وكان ما أجمع عليه أعداؤه فيه ثلاث مسائل ادعوا أنه خالف فيها الإجماع وهي طلاق الثلاث، والوسيلة، وشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة. هذه أبرز ما اجتمع عليه أعداء الشيخ فحاربوه عليها حربا ضروسا بلا رحمة ولا شفقة، فما تركوا وسيلة للنيل من الشيخ إلا استعملوها، فكذبوا عليه، وزودوا وافتروا. وقالوا ما لم يقله عدو في عدوه والشيخ صابر محتسب يقرع الحجة بالحجة، ويبين زيف الدعاوى، وافتراء المفترين. كل ذلك بأسلوب نزيه، وكلام طيب، وقول حسن فلا يغلظ في قول، ولا يجفو في عبارة، ولا يحاول انتقاص أحد، أو النيل من كرامته إن كان من ذوي الكرامات. الأمر الذي يعد فيه ابن تيمية فريدا وحيداً أشبه رجل بنبي في دنيا الرجال، وكان إذا التبس عليه أمر أو خفيت عليه حال أو لم يتبين وجه الحق في مسألة فزع إلى ربه يستعلمه ويستهديه فكان يقول في جوف الليل وقد انقطع إلى ربه: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. فيعلمه ربه ويهديه إلى وجه الحق الذي التبس عليه.. وما مات ابن تيمية حتى أوضح منهج الإسلام، وأقام سبيل الدعوة، وفتح الله به عيونا عميا وأسمع بدعوته آذانا صما، وهدى به قلوبا زائغة عن الحق حائرة في طلب الهدى. وكل من أتى بعده من رجال الإصلاح والدعوة في
стр. 12884
هذه الأمة إنما هو من مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية. فرحمه الله رحمة واسعة.
وفاته رحمه الله تعالى:
بعد أن أظهر الله ﵎ الحق على يدي عبده ووليه، أَحمد بن تيمية، في مسائل كثيرة من أهمها العقيدة الإسلامية بجوانبها الثلاثة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
وبعد أن استنارت في ديار الإسلام بعلوم شيخ الإسلام، وتبددت دياجير الظلام التي عاشتها بلاد الإسلام زمنا غير قصير وفي ليلة الاثنين لعشرين خلت من شهر القعدة عام ٧٢٨ هجرية قبض الله تعالى إليه روح عبده الصالح، ليكرمها على ما قدمت من تضحيات جسام طلباً لمرضاة ربها، ورغبة فيما لديه من الكرامة. وفي ظهر يوم الاثنين خرجت جنازة شيخ الإسلام من المسجد الأموي بدمشق بعد أن صلي عليها عقب صلاة الظهر يشيعها إلى مثواها الأخير خلق من النساء منهن فقط تمكن خمسة عشر ألف امرأة مشيعة لجنازة الإمام وقالوا: إنه لم يتخلف عن جنازة الإمام ابن تيمية من سكان دمشق من حكام وأَمراء ورجال علم، وصلاح وعامة الناس إلا ثلاثة نفر كانوا أعداء ألداء للشيخ تخلفوا خوفاً على أَنفسهم من أن يرجمهم المسلمون بالحجارة لغضبهم عليهم وحزنهم على شيخهم وهم يودعونه الوداع الأخير. فرحم الله أحمد بن تيمية ورزقنا الأسوة به في طلبه العلم وفي صبره وشجاعته وجهاده وحسن دعوته.
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
إن الحلقة الأخيرة في سلسلة نماذج من الدعاة الصالحين هي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
تعريف:
فمن هو يا ترى محمد بن عبد الوهاب؟
إنه أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي. المولود بقرية العيينة سنة ١١١٥ هجرية من البلاد النجدية الواقعة شمال مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.
جوانب من الكمال في الشيخ ﵀:
стр. 12885
إننا في هذه السلسلة من أول حلقة فيها إلى هذه الأخيرة منها لا نعرض كثيراً لكمال في الداعية إذا كان وهبيا غير كسبي بعلة أن الوهبي لا تتأتى الأسوة فيه وإنما الأسوة تكون في الكمال الكسبي، ولذا لا نبرز من حياة الداعي إلا جوانب خاصة في حياته لكونها محط الاتساء، ومجال الاقتداء.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعاة الصالحين ممن آثرنا الكتابة عنهم للاقتداء بهم والاهتداء بهديهم. حياته كلها عظات وعبر وما من جانب منها إلا وهو صالح لأن يكون قدوة صالحة للمقتدين، وأسوة حسنة للمؤتسين ونظراً للحاجة الماسة للاختصار فإنا نكتفي بإبراز الجوانب التالية من حياته المليئة بالبر والهدى وهي طلبه العلم ورحلته في سبيله:
كماله العلمي. دعوته الإصلاحية. صبره وما لاقى من أذى في سبيل الدعوة، نجاحه في دعوته. سر نجاحه فيها.
طلب الشيخ العلم ورحلته في ذلك:
ما من شك أن النبوغ في كل شيء لابد له من عوامل تساعد عليه، ومن عوامل نبوغ الشيخ التي أثرت في حياته العلمية وكانت السبب البارز في نبوغه في العلم وتفوقه فيه على
стр. 12886
أقرانه أن والده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان كان عالما فقيها ملما بالكتاب والسنة، ففتح الشيخ عينيه على نور العلم في بيت والده فأخذ منه ما كان طاقة له اقتدر بها على استيعاب شتى الفنون والعلوم وبخاصة العلوم الشرعية، وفي أثناء طلبه العلم ببيت والده قد ولع بمطالعة كتب الشيخين المصلحين الكبيرين شيخي الإسلام أحمد بن تيمية، وابن القيم الجوزية، فانفتح له بمطالعة كتبهما آفاق واسعة بعيدة في العلم والتطبيق. ونظر إلى ما حوله وإذا العلوم الشرعية في واد والناس في واد آخر، العلوم الشرعية تدعو إلى أن يعبد الله تعالى وحده وأن لا يعبد إلا بما شرع، والناس أكثرهم لا يعبدون الله وحده، ولا يعبدونه بما شرع ولكن بما ابتدعوا وحسنوا، فالشرك بأنواعه الأكبر والأصغر والخفي والجلي شائع ذائع معمول به وأكثر العبادات أعطيت حكم العادات فلا تأثير لها في تزكية النفس وإصلاحها وذلك لخلوها من متابعة الرسول ﷺ فيها. ومن روح الإخلاص لله تعالى.
وهنا أخذ الشيخ تفكير عميق، وتواردت عليه أسئلة عديدة:
стр. 12887
هل ما عليه المسلمون اليوم في هذه الديار هو فرض لله تعالى؟ وهل المسلمون في غير هذه البلاد أحسن حالاً من هؤلاء؟ ما هي مقومات إصلاحهم، وعلى ما يصلحون، وتقفز إلى ذهنه إجابات متعددة، قد يكون منها: أن مقومات إصلاحهم أن يعلموا فإن أَكثرهم لا يعلمون. وأن ما يصلحون عليه لن يكون غير ما صلح عليه المسلمون الأولون: إنه الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تعلما وعلماً وعملاً وتطبيقاً. وتحرَّك الداعية الموهوب في محيط بلده ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، فتُقَابَل دعوته بالاستنكار الشديد بل وبالتجهيل له أحيانا والتسفيه، ورأى أن الرسوخ في العلم ضرورة لمن أَراد أن يقوم بالدعوة الإسلامية، واقتنع برأيه. وهنا عزم على الرحلة إلى ديار الإسلام لتحقيق غرضين ساميين: أَولهما التزود من العلم والإكثار من المعرفة، والثاني الاطلاع على أحوال المسلمين. ومعرفة ما هم عليه من الهدى والضلال.
وحان موعد الحج إلى بيت الله فخرج الشيخ حاجا وتمكن بذلك من الاتصال المباشر بالعالم الإسلامي فعرف ما عليه المسلمون علماء وجهالاً، وأن حالهم لا تختلف عن حال أهل بلاده النجدية، وقضى حجه، وجلس إلى العديد من علماء المسجد الحرام وأخذ عنهم ثم شد الرحْل زائراً المسجد النبوي الشريف ثم زار قبر الرسول ﷺ وزار قبري صاحبيه ﵄ وجلس إلى العلماء وكانوا كثيرين بالمسجد النبوي حتى لكان المسجد النبوي جامعة قائمة بذاتها فأخذ الحديث عن رجاله وأخذ التفسير عن رجاله كذلك وتضلع في كثير من العلوم كالفقه الحنبلي والتوحيد السلفي. ثم رحل إلى البصرة فطلب العلم بها من كبار
علمائها ثم رحل إلى الشام كما رُويَ راجلا بلا زاد ولا راحلة حتى كاد يهلِك في بعض أسفاره إلا أن الله أنجاه وكذلك ينجي الله تعالى أولياءه.
стр. 12888
ولما امتلأ وطابه وطال في العلم باعه، ورسخت في المعرفة قدمه عاد إلى بلاده النجدية، وقد عرف أحوال المسلمين، وعرف ما هم عليه من شرك وضلال وجهالات جهلاء وغايات دهماء وأيقن أنه لا دواء ولا شفاء إلا بالعلم والعمل. العلم بشرع الله تعالى والعمل به. فوطن نفسه لذلك واستعان بالله تعالى وبدأ دعوته.
كماله العلمي:
إن آية كمال علم المرء ورسوخه فيه هو ما يتحلى به من صفات الكمال النفسي وما يقوم به من دعوة وعمل ومن هنا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب على درجة من الكمال العلمي لا تدانى ولنستمع إلى الشهادة التالية: قال بعض من ترجم له: كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى علما من الأعلام ناصرا للسنة مانعا للبدعة، خبيرا مطلعا، إماما في التفسير والحديث والفقه وأَصوله وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبيان، عارفا بأصول عقائد الإسلام وفروعها، كشافا للمشكلات حلالا للمعضلات، فصيح اللسان قوي الحجة، مقتدرا على إبراز الأدلة وواضح البراهين بأبلغ عبارة وأَبينها، تلوح على محياه علامات الصلاح، وحسن السيرة وصفاء السريرة، يحب العباد ويغدق عليهم من كرمه ويصلحهم ببره وإحسانه ويخلص لله في النصح والإرشاد، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة. قلما يفتر لسانه عن ذكر الله.
ومن مؤلفاته العديدة ما يلي:
ا- استنباط من القرآن (يقع في جزئين) .
٢- كتاب التوحيد.
٣- مختصر صحيح البخاري.
٤- أَصول الإيمان.
٥- كتاب الكبائر.
٦- آداب المشي إلى الصلاة.
٧- مختصر الإنصاف والشرح الكبير في الفقه.
٩،- كشف الشبهات.
٩- مختصر السيرة.
١٠- الثلاثة الأصول.
١١- نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين.
١٢- مختصر زاد المعاد.
١٣- مسائل الجاهلية.
стр. 12889
وبهذه تبين أن الشيخ الداعية الكبير ما أطلق عليه لقب شيخ الإسلام إلا لكمال علمه، وما حققه به من هداية لخلق لا يحصون عدا، ولا يعدون كثرة ولا يخطئ المرء إن قال إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وإن كان تلميذا للإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم في علومه، وأفكاره، ومقومات دعوته، وأسباب جهاده، فإنه قد كان له الفضل الكبير في مد دعوة الإصلاح التي قام بها الإمامان المذكوران آنفاً بعد أن انكمشت، وكادت تذوى وتموت، فبعث الله الشيخ فجدد حياتها وأمدها بروح قوية ودفعها بحركة اطرد بها سيرها، حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار في هذه الأيام. وهذا عائد إلى ما وهب الشيخ من صدق نية وصفاء طوية، وإخلاص لله تعالى في السر والعلانية.
دعوته الإصلاحية:
بدأَ الشيخ دعوته الإصلاحية التي أَطلق عليها المغرضون من ذوي النيات السيئة (المذهب الوهابي) بدأَها رحمه الله تعالى بقرية الحريملا حيث انتقل إليها والده الشيخ عبد الوهاب من العيينة وكانت حالة البلاد النجدية العقائدية من أسوأ البلاد حالا، إذ كان بها بعض القبور المنسوبة إلى بعض الصحابة ﵃ يحج إليها، ويطلب منها حجاجها وزائروها قضاء الحاجات، ويستغيثون بها عند الشدائد، وإلمام الملمات. ومن بين تلك القبور قبر زيد بن الخطاب. ولم يقف أمر أهل الجهل والباطل على عبادة القبور فحسب بل استغاثوا بالأشجار والأحجار، فقد كان أهل المنفوحة يتوسلون بفحل نخل، ومن ذلك قول العانس من النساء: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول.
وما أن أَعلم أهل بلاده بضلالهم، وأنكره عليهم حتى قام الناس رجالاً ونساء ينكرون على الشيخ ويناصبونه العداء لطول ما ألقوا من الباطل وما اعتادوا من الضلال ومع هذا فقد اهتدى أناس على يد الشيخ وأصبحوا أنصاراً وأعوانا.
стр. 12890
ولما أَذن الله بنصر دينه، بيت بعض العبيد الأنكاد المناجيس الشيخ فتسوروا عليه جدار المنزل وأَرادوا الفتك به، غير أَن الله أيقظ رجالاً من أهل الحي فصاحوا فيهم فهربوا. وهنا قرر الشيخ العودة إلى بلاه وكان بها حاكم صالح يقال له عثمان بن حمد بن معمر، فتلقى الشيخ بغاية الحفاوة والتكرم وعرض الشيخ عليه الدعوة فقبلها بعد أن عرف أنها حق وأن غايتها إصلاح العباد والبلاد وبانضمام هذا الأمير إلى الدعوة عزت فأمكن الشيخ أن يعلنها داوية وأن يغير الباطل بيده بعد أَن عجز عن تغييره بلسانه، فهدم قبة زيد بن الخطاب وقطع ما كان يعظم من الأشجار فعظم شأن الشيخ وذاع صيته في البلاد.
وهنا شعر حاكم الأحساء بخطر الدعوة إذا استفحل أَمرها فكتب إلى واليه عثمان بن معمر يقول له: إن المطوع الذي عندك قد فعل وفعل فإذا وصلك كتابي هذا فاقتله، وإلا قطعنا عنك خراجك. فخاف عثمان على مركزه فأمر بإخراج الشيخ من بلده، فخرج الشيخ يمشي على رجليه ووراءه فارس موكل به.
ومن كرامات الشيخ ﵀ أن الفارس الموكل به قد هم بقتلة في الطريق بإيعاز من ابن معمر، غير أَنه لما هَمَّ ارتعدت يده وخارت قواه ولم يفعل، فكفى الله الشيخ شره والحمد لله. وهذه ثمرة من ثمار ذكر الله تعالى والتوكل عليه، إذ كان الشيخ في طريقه لا يفتر عن ذكر الله، ومن الحين إلى الحين يردد قول الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه) .
стр. 12891
ووصل الشيخ قرية الدرعية ونزل ضيفا على الشيخ عبد الرحمن بن سويلم، وخاف الأخير على نفسه من الأمير محمد بن سعود أمير المنطقة، فسكن الشيخ من روعه، وطمأنه على نفسه فسكن وهدأ. وعلم بوجود الشيخ عند بن سويلم أعيانُ البلاد وضواحيها فزاروا الشيخ خفية فوعظهم ورغبهم في الخير، وبين لهم أهداف دعوته وأنها دعوة حق وخير، وكان للأمير محمد بن سعود إخوان وزوجة صالحة فعزموا ثلاثتهم على أن يذكروا للأمير عن وجود الشيخ ويرغبونه في زيارته والاتصال به، ونصرته وتأييده، ففعلوا، فزار الأمير الشيخ فدعاه إلى التوحيد، وبينه له، ورغبه وبشره بنصر الله تعالى إن هو نصر دينه، واقتنع الأمير بالمبدأ وأعلن تأييده للشيخ ونصرته على إبلاغ دعوته، غير أنه اشترط على الشيخ شرطين الأول أن لا يرجع الشيخ عنه إن نصرهم الله ومكن لهم، والثاني أن لا يمنعه من أخذ الخراج المضروب على أَهل الدرعية وقت الثمار فأجابه الشيخ إلى ذلك فقال أما الأول فالدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثاني فلعل الله يفتح عليك الفتوحات وتنال من الغنائم ما يغنيك به عن الخراج.
стр. 12892
وهنا دخلت الدعوة طوراً جديداً إذ علم الناس بانضمام الأمير محمد بن سعود إلى صف الدعوة وعرفوا أن الشيخ عز جانبه فأخذ الناس يفدون من أنحاء البلاد النجدية عليه لاسيما من سبق أن اقتنع بالدعوة وآمن بها وكثر عدد الأنصار فخافها أصحاب المنافع المادية فناصبوها العداء، وبدأت الحرب بين فريق الهدى وفريق الضلال. ودارت المعارك دامية، ونصر الله جنده، فأخذت القرى النجدية تسقط الواحدة تلو الواحدة ولم تمضي سنوات حتى سقطت العاصمة الرياض ودخلها الإمامان إمام القلم وإمام السيف وتكونت أَول دولة قرآنية في البلاد النجدية وذلك سنة ١١٨٧ هـ وبعدها بسنة توفي الإمام محمد بن سعود وبويع لولده عبد العزيز بن محمد بن سعود وهنا أَسند الشيخ مهام الأمور إلى الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود وتفرغ لنشر العلم، والدعوة فأقبل على إلقاء الدروس ومراسلة العلماء والحكام في أنحاء العالم الإسلامي يشرح لهم الدعوة وبين لهم حقائق التوحيد ويظهر لهم ما هم عليه من الباطل والضلال. ووصل صوت الشيخ إلى أقاصي البلاد الإسلامية وأجابه من أَراد الله هدايته وأعرض من لم يكن أهلاً للخير والفلاح. هذه دعوة الشيخ الإصلاحية التي أثمرت وجود دولة إسلامية بكاملها اتسع نطاقها حتى غزت على يد الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود العراق ووصلت إلى كربلاء وأوقعت بأهلها خسائر جساما وهدمت قبة الحسين بها.
صبر الشيخ وما لاقى من أذى:
стр. 12893
إن ما لاقاه الشيخ من الشدائد وما قاساه من أذى الناس في سبيل الدعوة إلى الحق أمر لا يوصف وحسبه أن عاش مجاهدا طيلة عمر مديد بلغ إحدى وتسعين سنة (١) وحسبنا من ذكر صبر الشيخ ذكر مواطنه وقد مر بنا بعضها من ذلك سفره في طلب العلم إلى الشام على رجليه حيث لم يجد راحلة ولا دابة يركبها، وما لاقى من مشاق السفر مما أشرف معه على الهلاك خروجه من العيينة بأمر ابن معمر وهو حاسر الرأس حافي القدمين خائفاً يترقب وقد هم الفارس الموكل به في الطريق بقتله فاستل سيفه وأَراد أن يضرب الشيخ غير أن الله تعالى أنزل به رعبا فشل معه في ضرب الشيخ.
الحروب التي دارت في بلاد نجد وشنها عليه وعلى الأمير محمد بن سعود أعداء الإصلاح والتوحيد تلك الحروب التي دامت سنوات كلها خاضها الشيخ جنبا إلى جنب مع الأمير محمد بن سعود والموحدين. وقد يغنينا عن مزيد ذكر الأحداث الجسام التي يتجلى فيها صبر الشيخ وتحمله الأذى في سبيل دعوة الحق أَن أخاه سليمان وهو شقيقه قد تصدى له يوما في إبان الدعوة وظهورها، تصدى له أخوه فطعنه بسكين طعنات قاتلة وفر والتحق بصفوف أَعداء الدعوة الإسلامية. غير أن الله تعالى رحمه ببركة دعاء الشيخ فتاب وعاد إلى صفوف دعوة الحق وناصرها حتى مات.
نجاح الشيخ في دعوته وسر ذلك النجاح:
стр. 12894
إن نجاح دعوة الشيخ أمر ظاهر لا يشك فيه، وقضية مسلمة لا يجادل فيها فما من دعوة إصلاحية ظهرت بعد دعوة الشيخ وفي كل ديار المسلمين شرقا وغربا إلا وهي ترديد لصدى دعوة الشيخ رحمه الله تعالى. وبالرغم من العنف الذي واجه دعوة الشيخ والشدة التي حوربت بها من قبل السياسيين والعلماء والانتفاعيين من ذوي النيات الفاسدة، والأغراض الخبيثة فإنه لم يبق صقع من أصقاع العالم الإسلامي إلا وفيه مؤمنون قلوا أو كثروا يترحمون على الشيخ ويدعون بدعوته، ويسيرون على منهجه في الدعوة إلى الله تعالى وخير ما يقال في هذا الحديث عن نجاح دعوة الشيخ أن دعوة الشيخ شابهت دعوة المصطفى ﷺ في كل مراحلها وإلى أن انتهت بنصرها، ولنورد وجوه الشبه فنقول: إن البلاد النجدية بصورة خاصة كانت عند ظهور الشيخ في غاية الفساد والضعف من حيث العقائد والأخلاق والسلوك العام والخاص وكذلك كانت حال مكة والبلاد حولها عند بعثه الرسول ﷺ عندما بدأ الشيخ دعوته في نجد بدأها سرا وكان المؤمنون بها قلة لا تذكر ولاقوا من الضغط الشديد والعداء العنيد مما اضطر الشيخ إلى الهجرة من الحريملا إلى العيينة ثم إلى المدينة وكذلك أتباعه كالذي حصل لرسول الله ﷺ وأصحابه، حتى استقروا بدار الهجرة والإيمان بالمدينة المنورة.
стр. 12895
عندما آمن بدعوة الشيخ الأمير محمد بن سعود وانتصر لها أصبحت الدرعية مركز الدعوة ومنطلقها كالذي تم للرسول ﷺ وأصحابه بالمدينة النبوية إذ بعد الهجرة إليها والاستقرار بها أصبحت مركز الدعوة ومنطلقها بدأ جهاد الشيخ المسلح من الدرعية كما بدأ جهاد الرسول ﷺ المسلح من المدينة. انتصرت الدعوة الإسلامية على يد رسول الله ﷺ وأصحابه بعد أن خاض الرسول ﷺ وأَصحابه المعارك البطولية ضد جيوش البغي والطغيان. انتهت بتطهير مكة وكل شبه الجزيرة من الشر ومظاهره والفساد وآثاره. وأعلن فيها عن التوحيد والحق والعدل وسادها طهر وصفاء وعدل وأمن ورخاء. وانتصرت دعوة الشيخ في نجد أيضا بعد معارك طويلة خاضها الشيخ وأتباعه على الحق وانتهت بتطهير البلاد النجدية من الشرك والخرافة والباطل والشر والفساد وسادها العلم والعدل وحل بها الأمن والرخاء بتكوين دولة آل سعود بها الأمر الذي لا مجال لإنكاره.
ففي هذه المراحل كلها كان الشبه بين الدعوتين كبيرا مع الفارق الذي هو النبوة وعدمها وآخر وجوه الشبه أن الرسول ﷺ راسل الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام لسعادتهم وكمالهم فراسل كسرى وقيصر وغيرهما، فكذلك الشيخ راسل أمراء وعلماء العالم الإسلامي يدعوهم إلى الإسلام، ومن بين ما أذكر رسالة وجهها إلى علماء جامع الزيتونة بتونس ورسالة وجهها إلى الملك سليمان ملك المغرب، وقد رحب الأخير بالرسالة وشرحها لرجاله وقدمها للأئمة في خطبة جمعة ضمنها أهداف الدعوة الإسلامية جزى الله تعالى كلاً من المرسل والمرسل إليه خير الجزاء.
وأخيرا إن سر نجاح دعوة الشيخ يكمن في أمور يجب أن لا تغيب عن ذهن الداعي الإسلامي الذي يريد أن يبلغ الكمال في دعوته وتلك الأمور هي:
стр. 12896
١- العلم والمعرفة والرسوخ في ذلك الأمر الذي يمكن الداعي من إظهار الحجج ومقاومة الباطل وإظهار زيف التضليل مهما طلى وحسن ونمق.
٢- قوة الصلة بالله تعالى وذلك بالإكثار من القربات وفعل الطاعات.
٣- الترفع عن الدنيا والزهد في حطامها الفاني، وعدم الالتفات إلى ملاذها.
٤- الإخلاص في الدعوة إلى الله تعالى، وعدم نسوبها بأمة شرك ما.
٥- الصبر والتحمل وعدم الكلل أو الملل بحال من الأحوال.
٦- توطين النفس على الجهاد وخوض معاركه عندما يحين وقته ويتعين القيام به.
هذه الأمور كلها قام بها الشيخ واتصف بها في مثالية نادرة، فكانت سر نجاحه في دعوته وبلوغها أهدافها في الهداية والإصلاح. ولا يسعنا هنا إلا أن نترحم على الشيخ ونسلم عليه فرحمة الله عليك يا بن عبد الوهاب وسلام عليك في المجاهدين، وسلام عليك في الدعاة الصالحين.
قيل لحكيم أَي الأمور أَجل عقوبة فقال ظلم من لا ناصر له إلا الله ومقابلة النعمة بالتقصير واستطالة الغني على الفقير قيل فمن أظلم الناس لنفسه قال من تواضع لمن لا يكرمه ومدح من لا يعرفه قيل فمن أعظم الناس حلما قال من قمع شبه بالصبر وجاهد هواه بالعزم قيل فبم يسلم الإنسان من العيوب قال إذا جعل الشكر رائده والصبر قائده والعقل أميره والاعتصام بالتقوى ظهيره والمراقبة جليسه وذكر الزوال أنيسه.
الدوريات الخليجية
عن مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي صدر كتاب بحصر الصحف والمجلات (الدوريات) التي تصدر في دول المنطقة الأعضاء في المركز باسم (الدوريات الخليجية- الصحف والمجلات الصادرة في أقطار الخليج العربي) - بغداد ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢م- وذلك لتسهيل مهمات المركز ومهمات الباحثين والعاملين في المؤسسات الإعلامية والثقافية والعلمية داخل منطقة الخليج العربي وخارجها.
وقد تضمن هذا الكتاب بياناً عن مميزات الدوريات وأنواعها- وشمل حصرا لها في الدول الآتية:
стр. 12897
١- دولة الإمارات العربية المتحدة.
٢- دولة البحرين.
٣- المملكة العربية السعودية.
٤- الجمهورية العراقية.
٥- سلطنة عمان.
٦- دولة قطر.
٧- دولة الكويت.
وإن مجلة الجامعة الإسلامية ليسرها أن تقدم الشكر إلى مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي، لما يبذله القائمون عليه من جهد في إخراج هذا الكتاب المفيد، ونسأل الله أن يجزيهم خيرا، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير للإسلام والمسلمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تيمية هذه هي أم الجد الأعلى لشيخ الإسلام نسب إليها ولدها لكونها كانت عالمة واعظة، فنسب إليها ولدها وعرف بها.
стр. 12898
من نحاة الأندلس
ابن هشام الخضراوي
للدكتور أحمد محمد عبد الله
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فمدرسة النحو الأندلسية ذات نشاط نحوي متميز، فلقد تمثَّل علماؤها تراث أئمة النحو السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، ومنذ أوائل القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن الثامن تقريبا، نشطت الحركة النحوية بشكل لافت، فظهر الاجتهاد في الفروع والكثرة الهائلة في وفرة الاستنباط، والروعة الفائقة في حسن التعليل والاحتجاج.
وبالجملة فقد استطاع نحاة الأندلس- في الفترة الزمنية السابقة- أن يختطوا لأنفسهم طريقا يبعد إلى حدٍّ مَّا عن التأثير المشرقي، فعوَّلوا على أنفسهم بعد أن برز فيهم كوكبة من النحاة الكبار، مازالت آثارهم إلى يومنا هذا تشكل ثمرات يانعة في مجال الدراسات النحوية.
وبقليل من تفصيل هذا الإجمال يمكن القول: إن معرفة الأندلسيين للنحو في المشرق ترجع إلى أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث:-
فقد تناهى إلى مسمعهم ما كان يدور في مدينتي البصرة والكوفة من توفُّر طبقة من العلماء على الدراسات النحوية واللغوية ... الأمر الذي أغرى بعضهم أَن يشد رحاله إلى المشرق بحثا عن مكنون هذه الدراسة وأسرارها.
وكان أول مرتحل إلى المشرق هو جودي بن عثمان المتوفى سنة ١٩٨ هـ[١] الذي اتصل بزعيم المدرسة الكوفية الكسائي المتوفى سنة ١٨٩ هـ وبتلميذه الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.
وبعد أن عرف الكثير عن هذه الدراسة قفل راجعا إلى الأندلس، ليكون بذلك أَول عالم أندلسي يحيط بالنحو الكوفي، ويؤلف فيه كتاباً وسمه بـ ((منبه الحجارة)) [٢] .
стр. 12899
وكان أول من اهتم بالنحو البصري هو محمد بن موسى المعروف بالأفشنيق المتوفى سنة ٣٠٧ هـ[٣] الذي جعل وجهته مصر ليلتقي بعالمها الفذّ أبي جعفر الدينوري المتوفى سنة ٢٨٢ هـ[٤] ليأخذ عنه كتاب سببويه وليعود إلى موطنه ((قرطبة)) مقرئا ومدرسا إياه لتلاميذه الذين التفوا حول حلقته مبهورين بهذا المؤلف العظيم، ولتقوم بعد ذلك حركة نحوية نشطة عكفت على مدارسة هذا الكتاب وغيره من كتب النحويين البصريين والكوفيين.
وهكذا فقد بدأ علم النحو في الأندلس ((كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فيها لفظ غريب يشرح، ومشكلة نحوية توضح على النحو الذي نراه في ((أمالي القالي)) و ((الكامل للمبرد)) ، ثم ألفوا نحواً في مسائل جزئيه كما فعل أبو علي القالي نفسه في ((فعلت وأفعلت)) و ((المقصور والممدود)) وكما فعل ابن القوطيَّة في كتابه ((الأفعال)) فلما انتقل إلى الأندلس كتابا الكسائي وسيبويه ألف الأندلسيون في النحو من حيث هو كلٌّ يشمل. جميع الأبواب)) ( [٥] ) .
ويعد صاحب المحكم ابن سيدة المتوفى سنة ٤٥٨ هـ أول أندلسي يشتغل بالنحو البغدادي على النحو الذي اشتغل به العلماء قبله بالنحو البصري والكوفي، وعلى الرغم من وصول النحو الكوفي والبغدادي إلى الأندلس فلقد كان نحو المدرسة البصرية هو الرائد الأول للأندلسيين، فقد اهتموا- في الأعم الأغلب- بمنهج السماع مبتعدين عن القياس ما أمكنهم ذلك ( [٦] ) ، وسنرى تأثير هذا المنهج على ابن هشام الخضراوي نفسه حين يأتي الحديث عنه بعد قليل.
وبإطلالة القرن السادس الهجري نجد أن نحاة الأندلس قد اعتمدوا على أنفسهم بشكل يثير الإعجاب وقد برز في هذا القرن وما بعده علماء أفذاذ دوت شهرتهم في الآفاق أمثال:
стр. 12900
ابن السيد البَطلْيوسي المتوفى سنة ٥٢١ هـ، وابن الباذش المتوفى سنة ٥٢٨ هـ، وابن الطراوة المتوفى سنة ٥٢٨ هـ، وابن طاهر المتوفى سنة ٥٨٠ هـ، والسهيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ، والجزولي المتوفى سنة ٦٠٧ هـ، وأبو علي الشلوبين المتوفى سنة ٦٤٥ هـ، وابن عصفور المتوفى
سنة ٦٦٣ هـ، وابن مالك العظيم المتوفى سنة ٦٧٢ هـ، وأبي حيان المتوفى سنة ٧٤٥هـ اللذين رحلا إلى المشرق وغير ذلك من جلة العلماء. ويمكننا بعد عرض ما تقدم أن نستخلص النتائج التالية:-
أولاً: بدأت معرفة الأندلسيين للنحو منذ أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث.
ثانياً: كان النحو الكوفي هو أول ما عرفه الأندلسيون متمثلا ذلك في رحلة جودي بن عثمان والتقائه بإمام المدرسة الكوفية علي بن حمزة الكسائي وتلميذه الفراء، ثم عرفوا بعد ذلك النحو البصري عن طريق كتاب سيبويه الذي نقله الأفشنيق عن أبي جعفر الدينوري.
ثالثاً: لم يتهيأ للأندلسيين الإلمام بالمذهب البغدادي إلا في منتصف القرن الخامس على وجه التقريب على يد ابن سيده.
رابعاً: كانت للمذهب البصري في الأندلس السمة الغالبة، فقد رأَينا عشرات من علماء الأندلس وقد عكفوا يشرحون كتاب سيبويه ويعلقون عليه ويدرسونه ... الأمر الذي ترك بصمات واضحة في مؤلفاتهم.
خامساً: اعتمد الأندلسيون بشكل أساسي على المشرق حين بدأوا يشتغلون بهذا العلم، ولكنهم بمرور الوقت عولوا على أنفسهم، وحاولوا أن يضيفوا للنحو جديدا، وقد تمثل هذا فِي بعض الآراء الاجتهادية في المسائل الفرعية، وتمثل في دعوة ابن مضاء القرطبي وثورته العارمة على العامل النحوي والمطالبة بإلغائه، أو إقصائه جانبا.
стр. 12901
بل إنه يمكن القول: إن القرن السادس الهجري يمثل قمة ازدهار النشاط النحوي، إذ قاموا بالاستقلال في البحث والتأليف، لذا كان إنتاجهم وافراً وأكسبهم ذلك فضلاً كبيراً على التراث، حداهم في ذلك روح التفاني والجهد الدائب في سبيل خدمة العربية والإخلاص لها، وقد كان الإنتاج الرائع لعلماء الأندلس تعويضا خلاّقاً عما فقده المشرق حين تهاوى تحت جحافل الغزاة والطامعين، وبديلاً فعَّالا لما افتقدته الدراسات النحوية من جهود علماء البصرة والكوفة الذين انْحلَّ عقدهم بعد القرن الرابع الهجري تقريباً.
تلك فكرة عجلى عن الدراسات النحوية في الأندلس منذ نشأتها حتى عصر عَالِمنَا الذي سنتحدث عنه ((ابن هشام الخَضْرَاوي)) .
ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن هشام الخَضْرَاوي لم ينل حظه من الشهرة والذيوع مثلما نالها ابن هشام المصري ذلك أن الأخير بلغ شأواً بعيدا في فنه فألف كتابه المشهور (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) وغيره كأوضح المسالك، وشرح اللمحة البدرية ... وهي مؤلفات تدلك على علو كعبه في هذا الفن وقوة اقتداره وتمكنه العجيب، ولو اقتصر على المغني.. لكفاه منزلة ورفعةً، ولهذا غطت شهرته الآفاق، وتبارى الباحثون في الكتابة عنه مرَّات ومرَّات، غاية القول أنه لم يترك لزميله في المغرب الفرصة للظهور حتى يمكن للدراسات أن تدور حوله، فظل شخصية يكتنفها الغموض، وعلى الرغم من ذلك فقد وجدنا ابن هشام المصري يعتمد آراء ابن هشام الخضراوي ويعول عليها، والقارئ لكتاب مغني اللبيب يجده يشير إليه حينا يلقبه الخضراوي [٧] وحينا بدونه [٨] ، وكذا فعل في أوضح المسالك وشرح اللمحة البدرية، وهذا يعطينا الدلالة على مكانة ابن هشام الخضراوي في مجال الدراسات النحوية وأثره في الخالفين بعده من العلماء. فمن هو؟
стр. 12902
هو محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي الأنصاري الخزرجي الأندلسي، وكنيته أبو عبد الله، ولد سنة ٥٧٥ هـ[٩] بالجزيرة الخضراء التي نسب إليها والتي تحدث عنها ياقوت الحموي [١٠] بقوله:
هي مدينة مشهورة بالأندلس، وقبالتها من البَرِّ بلاد البربر ((سبته)) وأعمالها متصلة بأعمال شذونه وهي شرقي شذونه وقبلي قرطبة، ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرْضَا، وسحرها يضرب به ماء البحر، ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر لكنها متصلة ببر الأندلس ... ومرساها من أجود المراسي وبين الجزيرة وقرطبة خمسة وخمسون فرسخا، وهي على نهر برباط ... الخ)) .
وقد تحدث العلماء عن مكانته العلمية فقالوا: إنه كان رأساً وأستاذاً في العربية بعامة والنحو بخاصة فقد تلقى تعليمه عن أساتذة أفذاذ أمثال عمر بن عبد المجيد الرندي [١١] (بضم الراء) وعلي بن محمد بن يوسف [١٢] ومصعب بن محمد بن ذرّ الخُشْني [١٣] وأخذ القراءات عن والده [١٤] كما أفاد منه وتتلمذ عليه من كان لهم شأنهم مثل عمر بن محمد المعروف بالشلوبين والذي لقب بالأستاذ [١٥] وغيره من الذين نهلوا من علمه.
وقد ترك عدداً لا بأس به من المصنفات دلَّت على المكانة المرموقة التي يتمتع بها هذا العالم وهي: فصل المقال في أبنية الأفعال، المسائل النخب، الإفصاح بفوائد الإيضاح، الاقتراح في تلخيص الإيضاح، شرح الإيضاح، غرر الإصباح في شرح أبيات الإيضاح، النقض على الممتع لابن عصفور، وله نظم ونثر وتصرف في الأدب ... ((وقد وافته المنية بتونس ليلة الأحد رابع عشر جمادى الآخرة سنة ٦٤٦ هـ بعد حياة حافلة بالعطاء والعلم والمعرفة)) [١٦] .
والقارئ لكتب النحو المختلفة يجد حشدا من آرائه النحوية التي تحمل سمات شخصيته ومذهبه النحوي، فهناك آراء تفرَّد بها وآراء وافق فيها البصريين والكوفيين، وآراء وافق فيها العلماء قبله وآراء كانت موضع نقد من العلماء ويتمثل كل ذلك فيما يلي:
стр. 12903
أولاً: له آراء اجتهادية أو آراء انفرادية إن صحَّ هذا التعبير تطالعنا في كتب النحو المختلفة، وهي تكشف عن فكره واستقلال شخصيته في كثير من الأحيان، فقد ارتضى كثيراً من الآراء وتفردَّ بها، ورفض أن يكون مقلدا فيما ذهب إليه، والمقام يقتضينا أن نذكر طرفا منها على سبيل المثال لا الحصر:-
. من أوجه ((حتى)) أن تكون عاطفة بمنزلة الواو، إلا أنه يشترط في معطوفها ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المعطوف إمَّا بعضا من جمع قبلها نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، أو جزءا من كل نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير ذلك.
الثاني: أن يكون المعطوف غاية لما قبلها إمَّا في زيادة أو نقص نحو: حضر الفقراء حتى الأغنياء، ونحو: غلبك الرجال حتى الأطفال.
الثالث: أن يكون معطوفها ظاهراً لا مضمراً، كما أن ذلك شرط مجرورها، ذكر ذلك الخضراوي. قال ابن هشام المصري: ولم أقف عليه لغيره [١٧] ، أي الشرط الثالث.
. من أوجه ((لو)) أن تكون للتمني نحو: لو تأتيني فتحدثني، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) [١٨] أي فليت لنا كرة، ولهذا نصب (فنكون) في جوابها، كما انتصب (فأفوز) في جواب ليت في نحو قوله تعالى: (يا ليتني كنت معهم فأفوز) [١٩] .
واختلف في (لو) هذه فقال ابن هشام الخضراوي: هي قسم برأَسها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت، وتبعه في هذا ابن الضائع المتوفى سنة ٦٨٠ هـ[٢٠] .
. جوز الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ [٢١] أن تعرب (منْ) فاعلا، والواو قبلها علامة، واختلف هل يقاس على هذه اللغة فيقال: جاءوا زيد وعمرو وبكر على أن الواو علامة وما بعدها فاعل. منع ذلك ابن هشام الخضراوي [٢٢] وحده.
стр. 12904
أجاز النحاة إسناد ((أوشك، وعسى، واخلولق)) من أفعال المقاربة إلى ((أن يفعل)) فتكون أن والفعل مغنية عن الخبر، وسادة مسد الجزأين، فتقول: اخلولق أن تمطر السماء. قال الخضراوي لا يجوز ذلك الإسناد في اخلولق، بل يختص بأوشك وعسى فقط [٢٣] .
. ذهب قوم منهم الزمخشري والسيرافي إلى أنه: يجب وقوع خبر ((أن)) الواقعة بعد ((لولا)) فعلا ليكون جبراً لما فات ((لو)) من إيلائها الفعل ظاهراً نحو قوله تعالى: (ولو أنهم صبروا) [٢٤] ولا يجوز عندهم: لو أَن زيداً أخوك، وجوز الخضراوي: وقوع خبر ((أنَّ)) بعد ((لو)) جامداً ومشتقا غير فعل، قال السيوطي [٢٥] : وهو الصواب لوروده في قوله تعالى: (ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام) [٢٦] .
. ذهب ابن هشام الخضراوي إلى أَن ((الباء)) المفردة قد تكون بمعنى ((الكاف)) حين تدخل على الاسم، ويراد التشبيه نحو: لقيت بزيد الأسد، ورأيت به القمر، فالباء عنده بمعنى الكاف أي بلقائي إياه الأسد والقمر، أي يشبهه، ولم يرتض هذا أبو حيان الذي قال: والصحيح أنها هنا للسبب، أي بسبب لقائه وسبب رؤيته [٢٧] .
. تقع ((كم)) ظرفا نحو: كم ميلا سرت وكم يوما صمت، ومصدراً نحو: كم ضربةً ضربت زيدا، وتقع ((كم)) مفعولا له نحو: (لكم إكراما لك وصلت) قال بهذا الخضراوي، قال أبو حيان: ولا نعلم أحداً نصَّ على جواز وقوع ((كم)) مفعولا له غيره [٢٨] .
. إذا قلت: نجح الطلاب لا سيّما زيد، بجر زيد، فسيبويه يرى أن ((سيَّ)) مضافة إلى زيد وما زائدة، وزيادة ((ما)) بين المضافين مسموعة. ولهذا يجوز حذفها، وزعم ابن هشام الخضراوي أنها زائدة لازمة لا تحذف، قال السيوطي: وليس كما قال [٢٩] .
. في الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفعولات زاد فيها سيبويه ((نَبَّأ)) وزاد فيها الخضراوي (أَنبأ) [٣٠] .
стр. 12905
ثانيا: وافق الخضراوي غيره من النحاة في بعض الآراء، تحريا للصواب، ولم تمنعه أندلسيته أن يكون يكون موافقا للمشارقة في آرائهم، وهم الذين نشأ عندهم علم النحو ونما وترعرع ولم يصل إلى الأندلس إلا بعد أن اكتمل نموه تقريبا. فاختياره يدل على أنه ذو تفكير حر أييضا فهو يتحرى الحق ويسير إليه ومن أمثلة ذلك:
. يشترط فيما يصاغ، منه فعلا التعجب أن يكون فعلا ثلاثيا، فإن كان مزيدا على وزن ((أفعل)) فذهب بعض العلماء إلى عدم الجواز مطلقا. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز مطلقا، وعلى ذلك سيبويه وفد اختار الخضراوي ما ذهب إليه سيبويه وصححه [٣١] .
. إذا أكد الضمير المتصل أعيد مع ما اتصل به: نحو: قمت قمت، أما الحرف فإن كان جوابياً أعيد وحده نحو: (لا لا) وإن لم يكن جوابيا فقال ابن مالك: يعاد مع ما اتصل به نحو: إنّ زيدا إن زيدا. ولا يعاد وحده إلا ضرورة، وأجاز الزمخشري: إنّ إنّ زيدا. بإعادة الحرف وحده دون ضرورة وتبعه على ذلك ابن هشام الخضراوي [٣٢] .
. يذكر النحاة أن المركب تركيب إسناد لا يثنى ولا يجمع اتفاقاً نحو: تأبط شرا، وشاب قرناها، وأما المركب تركيب مزج كبعلبك وسيبويه فالأكثر على منعه أيضا لعدم السماع ولشبهه بالمحكي غير أن الكوفيين أجازوا تثنية المركب المزجى وجمعه، وقد وافقهم في هذا ابن هشام الخضراوى [٣٣] .
. قال عمرو بن يعد يكرب:
يسوء الفاليات إذا فلينى
تراه كالثِّغام يُعلُّ مسكا
فقد اجتمع في (فلينى) نون الوقاية مع نون الإناث، وحذفت إحداهما. وقد اختلف العلماء في أي النونين حذفت، فقال المبرد: هي لون الوقاية. لأن النون الموجودة ضمير فاعل لا يليق بها الحذف ورجح ذلك ابن جني واختاره ابن هشام الخضراوي [٣٤] .
стр. 12906
في نحو قولك: (ظننت زيدا قائما) يجوز أن تحذف الفاعل ويقام المفعول الأول مقامه فيقال: ظن زيدٌ قائما. وذلك عند البصريين حسن وذهب الجزولي المتوفى ٦٠٧ هـ إلى أنه لا يجوز إقامة المفعول الأول في المثال المتقدم، وتبعه في هذا ابن هشام الخضراوى [٣٥] ، والجزولي من علماء الأندلس كان إماما في العربية لا يشق غباره، لزم ابن برّي بمصر ثم عاد إلى بلده (المريِّه) متصدرا للإقراء.
. لحتى الداخلة على المضارع المنصوب ثلاثة معان:
مرادفة ((إلى)) نحو ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [٣٦] ومرادفة ((كي)) التعليلية نحو ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ [٣٧] ومرادفة ((إلا)) في الاستثناء، وهذا المعنى قال به سيبويه حين فسَّر قولهم (والله لا أفعل إلا أن تفعل) المعنى عنده: حتى أن تفعل، وقد اختار هذا المعنى ابن هشام الخضراوي [٣٨] .
ثالثا: وكما وافق غيره من النحاة فقد وافقه بعضهم في كثير ما ذهب إليه تأثراً به واعتدادا بوجهته واعترافا بأستاذيته من ذلك:-
. في باب العلم: كنّوا عن اسم جنس غير علم (بهن) في المذكر. (وهنَه) بفتح و (هنْه) بسكونها في المؤنث، ولا يكنى بما تقدم عن علم عاقل أو غيره كأسامة، وعلى هذا الخضراوي والشلوبين [٣٩] ، ومعلوم أن الشلوبين أخذ عنه وانتفع بعلمه.
. لو المستعملة في نحو: ((لو جاءني زيد لأكرمته)) تفيد ثلاثة أمور:-
أحدها: الشرطية، الثاني: تقييد الشرطية بالزمن الماضي، الثالث: الامتناع، وقد اختلف النحاة في إفادتها له وكيفية إفادتها إياه فذهب بعضهم أنها لا تفيده بوجه وأن ((لو)) في المثال المتقدم لا تدل على امتناع الشرط ولا على امتناع الجواب، بل على التعليق في الماضي، كما في دلت (إن) على التعليق في المستقبل، ولم تدل بالإجماع على امتناع ولا ثبوت وعلى هذا الرأي ابن هشام الخضراوي والشلوبين [٤٠] .
стр. 12907
تمييز (كم) الخبرية يكون مجرورا ويكون مفردا وجمعا. وذهب الخضراوي والشلوبين إلى أن (كم) إذا انتصب تمييزها التزم فيه الإفراد. لأن العرب التزمته في كل تمييز منصوب [٤١] .
رابعاً: وهو يرفض بعض الآراء بعد أن يقف عندها مليّا ثم يعرضها على منطق تفكيره وميزان عقله ثم يرفضها ويردها بالحجة القوية والدليل الواضح. مثال ذلك:
. ذهب بعض النحاة إلى جواز إضافة الصفة إلى الموصوف نحو: كريم زيدٍ أي زيد الكريم وأنكر ذلك أبو علي، وقال: العرب لا تقول: قائم زيد، ولا قاعد عمرو. ويريدون: زيد القائم وعمرو القاعد، قال ابن هشام الخضراوي: وقد جاء الذي منعه أبو علي في قول الشاعر:
حج بأسفل ذي الحجاز نزول
وكأن عافية النسور عليهم
وإنما أراد النسور العافية [٤٢] .
. جوّز الكوفيون جمع الصفة المؤنثة التي لا تقبل التاء جمع مذكر سالم واستشهدوا بقول أبي قيس بن رفاعة:
والعانسون ومنا المرد والشيب
منَّا الذي هو ما إن طُرَّ شاربه
وقول الشاعر:
جلائل أسودين وأحمرينا
فما وجدت نساء بنى نزار
والبيتان عند البصريين من النادر الذي لا يقاس عليه. قال الخضراوي:
عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابا أو فصلا، وليس بالجيد [٤٣] .
خامسا: وهو ذو مكانة علمية مرموقة، فالنحاة يثقون في علمه وفيما ينقله عن العلماء، وحسبنا أن كتابه (الإفصاح) يعد أحد المصادر المهمة التي نهل منها أبو حيان والسيوطي وابن هشام المصري وغيرهم وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي:
. (رُبَّ) عند البصريين حرف. وعند الكوفيين وابن الطراوة اسم، وهي تفيد التقليل. ونقل في (الإفصاح) أنها للتكثير قال بذلك جماعة منهم صاحب العين وابن درستويه [٤٤] .
. إذا وقع بعد شبه الجملة مرفوع، فإن تقدمها نفي أو موصوف أو موصول نحو:
стр. 12908
ما في الدار أحد. ومررت برجل معه صقر. وجاء الذي في الدار أبوه. وزيد عندك أخوه".
ففي المرفوع ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن الأرجح كونه مبتدأ، مخبرا عنه بالظرف أو المجرور، ويجوز كونه فاعلا.
والثاني: أن الأرجح كونه فاعلا واختاره ابن مالك.
والثالث: أنه يجب كونه فاعلا، نقله ابن هشام الخضراوي عن الأكثرين [٤٥] .
. جمع التصحيح والمحمول عليه كالهندات والبنات والأخوات وأولات، الأفصح الوقف عليه بالتاء. ويجوز إبدالها (هاء) وفى الإفصاح: ما حكاه الفراء وقطرب من الوقف عليها بالهاء شاذ لا يقاس عليه [٤٦] .
. أنكر المبرد أن تكون (عامّة) من ألفاظ التوكيد، وقال: إنها هي بمعنى أكثر، قال السيوطي: (عامة) لم يذكرها أكثر النحاة غير أن سيبويه قال بها على أنها بمنزلة (كل) معنى واستعمالا. قال أبو حيان: وممن نقلها عن سيبويه صاحب الإفصاح [٤٧] .
. قال ابن هشام في أوضح المسالك: ((وإذا تعدى الفعل لأكثر من مفعول، فنيابة الأول جائزة اتفاقا. ونيابة الثاني ممتنعة اتفاقا. نقله الخضراوي)) [٤٨] .
سادسا: وعلى الرغم مما تقدم فقد تعقّبه بعض النحاة كابن هشام المصري وأبي حيان الغرناطي والسيوطي. واستدركوا عليه أمورا ينبغي عليه أن يتثبت منها وأن يقف عندها مدققا غير أنه لم يفعل، وفي الحقيقة هي هنات لا تقلل من قيمة الرجل وشموخه في فنه. ومن أمثلة تلك الهنات:
. (كأنّ) حرف مركب عند أكثر النحاة، والأصل في (كأن زيداً أسدٌ) إنّ زيدا كالأسد. ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به ففتحت همزة أن لدخول الجار عليها، ولقد حكى الإجماع على أنها مركبة ابن هشام الخضراوي قال ابن هشام المصري: ليس كذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى القول ببساطتها كأبي حيان. لأن التركيب خلاف الأصل فالأولى أن تكون حرفا بسيطا، إذن فادعاء الخضراوي الإجماع على التركيب غير سديد [٤٩] .
стр. 12909
ذهب بعض النحاة إلى جواز منع الصرف وعدمه في المؤنث المعنوي إذا كان ثنائيا (كيد) ، أو ثلاثيا ساكن الوسط كهند ومصر، وعلى جواز الأمرين اختلف في الأجود منهما. فالأصح أن الأجود المنع. قال ابن جني: وهو القياس والأكثر في كلامهم، وقال أبو علي الفارسي: الصرف أصح. قال الخضراوي: ولا أعلم أحداً قال هذا القول قبله، وبعد أن ذكر السيوطي آراء بعض العلماء علّق على كلام الخضراوي قائلا: وما ذهب إليه غلط جلي [٥٠] .
. تلزم اللام والنون في جواب القسم، والاكتفاء بأحدهما أي اللام أو النون إن لم يفصل بينه وبين اللام ضرورة. خلافا لأبي على الفارسي والكوفيين في تجويزهم ذلك في الاختيار، وعلى الرغم من تجويز أبي علي الفارسي والكوفيين فقد نقل السيوطي عن أبي حيان أن الخضراوي وهم فادعى الإجماع على المنع، وذلك غير سديد [٥١] .
. يتعدى الفعل اللازم بتضعيف العين سماعاً نحو: فرح زيد وفرَّحته، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [٥٢] وقيل: يتعدى الفعل اللازم بتضعيف العين قياساً. قال السيوطي: وادعى ابن هشام الخضراوي الاتفاق على الأول، قال أبو حيان: وليس بصحيح [٥٣] .
(وبعد)
فهذه لمحة عجلى عن ابن هشام الخضراوي الذي كان إماماً في العربية، مقدما فيها، فهو عالم بالأدب والقراءات والنحو، ويعد بحق واحدا من النحاة الأفذاذ في موطنه الأندلس حيث تلقى النحو وغيره عن علماء لهم مكانتهم العظيمة كما انتفع بعلمه الكثيرون أمثال أبي علي الشلوبين الذي لقب بالأستاذ، ويبدو أن الخضراوي قد أعجب كل الإعجاب بأبي علي الفارسي [٥٤] المتوفى سنة ٣٣٧هـ، وبكتابه الإيضاح، ومن ثم أخذ يشرح هذا الكتاب ويلخصه ويشرح شواهده وغوامضه، ولا عجب فأبو علي الفارسي كان واحدَ زمانه في علم العربية، وحسبنا أن ابن جني [٥٥] المتوفى سنة ٣٩٢ هـ من تلاميذه، وهو الأديب البارع والعالم المتبحر في علوم النحو والصرف واللغة.
стр. 12910
ويبدو من خلال الآراء المتقدمة لابن هشام الخضراوي أنه يميل إلى مذهب البصريين، فهو يهتم بالسماع الكثير ويقيس عليه مثلما يفعلون، ومن ثم أخذ يعيب على الكوفيين أنهم يقيسون على الشاذ والنادر من الكلام.
وقد ترك آثاراً نحوية تشهد بكثرة عطائه ورسوخ قدمه في فنه. ولعل أهمها هو كتاب الإفصاح الذي يعد بحق مصدراً من المصادر المهمة التي اعتمد عليها النحاة بعده في مؤلفاتهم كأبي حيان والسيوطي والمرادي وغيرهم، ولا يزال هذا الكتاب (مخطوطا) ومن المفيد أن يحقق هذا الكتاب لينتفع به ولتعم فائدته.
والله نسأل أن يلهمنا السداد في الفكر والقول والعمل فهو حسبنا.
وألبس ثوب الصبر أبيض أبلج
وإني لأغض مقلتي على القذى
فما ينفك أن يتفرجا
وإني لأدعو الله، والأمر ضيق
أصاب لها من دعوة الله مخرجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه
--------------------------------------------------------------------------------
[١] إنباه الرواة: ٢/٣٠٦، وبغية الوعاة ١/٤٩٠.
[٢] تأريخ الفكر الأندلسي: ١٨٥ ط أولى مصر ١٩٥٥م.
[٣] إنباه الرواة: ٣/٢١٦.
[٤] بغية الوعاة: ١/٣٠٦.
[٥] ظهر الإسلام جـ٣ص٩١، وتأريخ الفكر الأندلسي: ١٨٥.
[٦] المدارس النحوية: ٢٩٢.
[٧] مغني اللبيب: ص١٦٩، ١٧١، ٣٣٧، ط دار المعرفة بيروت ١٩٧٢م.
[٨] المرجع السابق: ٢٥٢، ٣٥٢، ٤٨٠، ٥٧٩.
[٩] بغية الوعاة ص١١٥ ط دار المعرفة بيروت.
[١٠] راجع معجم البلدان جـ١ ص١٣٦ ط دار صادر ـ بيروت.
[١١] ترجمته في بغية الوعاة: ٣٦١.
[١٢] ترجمته في التكملة لابن الأبَّار ٦٧٦ ومعجم الأدباء ١٥، ٧٥، وفوات الوفيات: ٢/٧٩، وبغية الوعاة:٣٥٤.
[١٣] المغني: ٣٣٤ وبغية الوعاة: ٣٩٣.
[١٤] البغية: ١١٥.
стр. 12911
[١٥] ترجمته في إنباه الرواة:٢/٢٣٢ والتكملة لابن الأبَّار٦٥٨ والديباج المذهب ١٨٥ وشذرات الذهب٥/٢٣٢.
[١٦] راجع بغية الوعاة: ١١٥ والمدارس النحوية: ٣٠٣، ٣٠٤.
[١٧] المغني: ١٧١ط بيروت وانظر الهمع ٢/١٣٦.
[١٨] الشعراء: ١٠٢.
[١٩] النساء: ٧٢.
[٢٠] الهمع: ٢/٦٦ وراجع الأشموني ٤/٣٢.
[٢١] مريم: ٨٧.
[٢٢] المغني: ٤٨.
[٢٣] ارتشاف الضرب ١/٤٧٢، ٤٧٣ والهمع ١/١٣١ والأشموني ١/٢٦٦، ٧
[٢٤] الحجرات: ٥.
[٢٥] الهمع ١/١٣٨.
[٢٦] لقمان: ٢٧.
[٢٧] الهمع ٢/٢٢.
[٢٨] ارتشاف الضرب ١/٢٣٨.
[٢٩] الهمع ١/٢٣٤.
[٣٠] ارتشاف الضرب ٢/٩٥٥ وحاشية الصبان ٣/٤٠.
[٣١] ارتشاف الضرب ٢/٩٢٦ وحاشية الصبان ٣/٢١.
[٣٢] ارتشاف الضرب ٢/٨٥٧ والتصريح ٢/١٢٥.
[٣٣] الهمع ١/٤٢.
[٣٤] المرجع السابق ١/٦٥ وراجع المغني ٨٠٨ والخزانة ٢/٤٤٥.
[٣٥] ارتشاف الضرب ١/٥٢٣ وراجع الأشموني ٢/٦٩.
[٣٦] طه ٩١.
[٣٧] البقرة ٢١٧.
[٣٨] المغني ١٦٩ وراجع معاني القرآن ١/١٣٦.
[٣٩] الهمع ١/٧٤.
[٤٠] المغني ٣٣٧ والهمع ٢/٦٥.
[٤١] ارتشاف الضرب ١/٢٣٩ والهمع ١/٢٥٥.
[٤٢] ارتشاف الضرب ٢/٧٧٦ وحاشية الصبان ٢/٢٤٢.
[٤٣] الهمع ١/٤٥ وراجع المغني ٤٠٠ وشرح شواهد المغني ٢٤٤.
[٤٤] ارتشاف الضرب ٢/٧٣٥.
[٤٥] المغني ٥٧٩.
[٤٦] الهمع ٢/٢٠٩.
[٤٧] الهمع ٢/١٢٣ وراجع الكتاب ١/١٨٩ والواضح في الدراسات النحوية ٦٤،٦٥.
[٤٨] أوضح المسالك ١/٢٦٤.
[٤٩] المغني ٢٥٢ والارتشاف ١/٤٨٣ والهمع ١/١٣٣ والأشموني ١/٢٧١،٢٧٢.
[٥٠] راجع الهمع ١/٣٣،٣٤.
[٥١] راجع الهمع ٢/٤٢.
[٥٢] الشمس /٩.
[٥٣] المرجع السابق ٢/٨٢.
стр. 12912
[٥٤] ترجمته في إنباه الرواة ١/٢٧٣ ونزهة الألباء ٣١٥ ومعجم الأدباء ٧/٢٣٢ وطبقات النحويين واللغويين ١٢٠.
[٥٥] ترجمته في إنباه الرواة ٢/٣٣٥ وبغية الوعاة ٢/١٣٢ ونزهة الألباء ٣٣٢.
стр. 12913
كلمة التحرير
زيارة كريمة
بقلم الشيخ سعد ندا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبع هديه ووالاه.
وبعد: فقد كانت لفتةً كريمةً لها مدلولها الرائع أَن يولى جلالة الفهد- ثبت الله قَلْبَهُ على الهدى ومُلْكَهُ على الحق- مدينةَ رسول الله ﷺ رعايته بزيارته الميمونة، ويعطيها من جهده ووقته، ويخطط لرفع مستواها إلى المقام اللائق بها، ما نسأل الله تعالى أن يسدد له فيه الخُطى وأن يجزيه به خير ما يجزي به المخلصين الصادقين.
وكيف لا تكون المدينة النبوية أحق بالعناية والرعاية، وقد أخبر الرسول ﷺ أنها ستكون آخر معقل للإيمان، في قوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" [١] . كما أخبر أن الله تعالى قضى بحمايتها ممن يريد بأهلها سوءا وذلك في قوله ﷺ : "من أراد أهلها بسوء- يريد المدينة- أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" [٢] . وفضلا عن ذلك فإن ساكن المدينة الصابر على لأوائها حتى يموت جعل له الرسول ﷺ الجزاء العظيم يوم القيامة في قوله: "لا يصبر أحد على لأوائها حتى يموت إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما" [٣] . ولهذا رغب الرسول ﷺ في سكنى المدينة بقوله: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" [٤] .
ثم كانت لفتة كريمةً ثانيةً أن يزور جلالة الفهد- رعاه الله- الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- التي شرفها برئاسته العليا لها، وأن يفتح صدره لمنسوبيها من مسئولين وأساتذة وطلاب، فيجلس بينهم، ويتحدث إليهم حديث الأب الحنون لأبنائه البررة، ويبثهم جياش عواطفه النابعة من حبه لهذه الجامعة التي هيئت لتكون جامعة المسلمين في أنحاء الدنيا
стр. 12914
جميعا، والتي شاء الله لها أن تكون في هذا البلد الطيب الذي شعَّ منه نور الإسلام، فأضاء الدنيا كلها، وانطلقت منه أسمى حضارة عزَّ من استظل بظلها، ومن ثم كانت هذه الجامعة رمزاً يذكرنا بأمجادنا الأولى، ويفتح أمامنا أبواب العمل الجاد لتحقيق آمالنا في عودة تلك الأمجاد، ونشر الإسلام في أرجاء العالمين.
أَلا حيا الله المليك الكريم فهد بن عبد العزيز، وبارك أعماله، وسدد خطواته، ونصره بالحق، ونصر الحق به، وأعزه بالإسلام، وأعز به الإسلام والمسلمين، إن ربنا جواد كريم، وبالإجابة جدير.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده الكريم ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] صحيح مسلم حديث أبي هريرة ﵁.
[٢] المرجع السابق حديث أبي هريرة ﵁.
[٣] المرجع السابق حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[٤] المرجع من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 12915
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
أختي العزيزة هل:
هذه هي الرسالة الثامنة تكتبها إليك أختك همزة الاستفهام، وتحدثك فيها عن صيغ ثلاث جديدة من هذه الصيغ التي تدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع، وقد كانت من قبل قد حدثتك في رسائلها السبع المتقدمة عن أربع عشرة صيغة، أما الصيغة الخامسة عشرة فهي: "ألم يهد"، وقد وردت كما ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (الأعراف/١٠٠) .
الهمزة في هذه الصيغة (أو لم يهد) في آيتها الأولى للإنكار والتوبيخ: ينكر الله في هذه الآية على أهل مكة وغيرهم من العرب الذين استخلفوا في الأرض من بعد أهلها، ينكر عليهم ويوبخهم أن لم يتعظوا بما أصاب أهل هذه الأرض قبلهم من عذاب وهلاك بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل، مع علمهم بأن الله قادر على أن يصيبهم بما أصاب أولئك لو شاء ذلك.
والفعل المضارع في هذه الصيغة وهو (يهد) أي يتضح ويبين مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء من آخره. وفي فاعله ثلاثة آراء ذكرها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [١] وذكرها أيضا صاحب الفتوحات الإلهية نقلا عن السمين [٢] .
أحدها: أنه المصدر المؤول من أنْ وجواب لو، والمفعول به على هذا الرأي محذوف، والتقدير: أو لم يتبين إصابتُنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك عاقبة أمرهم، فإصابتُنا وهو المصدر المؤول فاعل، وعاقبة أَمرهم هو المفعول به المحذوف.
стр. 12916
الرأي الثاني: أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، وعلى هذا الرأي فالمصدر المؤول من أنْ وجواب لو هو المفعول به، والتقدير أو لم يهد أي يبين الله لهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك.
الرأي الثالث: أن الفاعل ضمير مستتر في يهد يعود على ما يفهم من سياق الكلام، والتقدير: أو لم يبين لهم ما جرى للأمم السابقة إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك.
ويبدو لي - والله أعلم- أن أقرب هذه الآراء الثلاثة إلى الصواب هو الرأي القائل: إن المصدر المؤول من أَنْ وجواب لو هو الفاعل لأنه هو الذي يبدر إلى الذهن أول وهلة، وعليه ظاهر اللفظ، ويؤيده تفسير ابن عباس ﵄، وتفسير أبي جعفر بن جرير، فقد جاء في تفسير ابن كثير [٣] : "قال ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أولم يُبين لهم أنْ لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وكذلك قال مجاهد وغيره، وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها [٤] يقول الله تعالى أولم يبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ اهـ.
والظاهر من التفسيرين المتقدمين أن الفاعل هو أنْ وما في حيزها، وليس فيهما ما يدل على أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير يعود على غيره تعالى.
الآية الثانية التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ (طه/ ١٢٨) .
همزة الاستفهام في (أفلم يهد لهم) في آيتها الثانية للإنكار والتوبيخ كما في الآية الأولى:
стр. 12917
ينكر الله على أن المشركين من أهل مكة وغيرهم ويوبخهم أن لم يبيّن لهم ويعظهم كثرة من أهلكهم من الأمم قبلهم بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل، مع أنهم يمشون في مساكن أولئك المهلكين وهم مسافرون إلى الشام وغيرها، ويتقلبون في بلادهم، ويشاهدون آثار العذاب الذي نزل بهم..
وقد اختلفت الآراء أيضا في فاعل يهد في هذه الآية.
يقول أحدها: إن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أي ألم يبيّن الله لهم.
ويقول رأي ثان: إن الفاعل مصدر مأخوذ من أهلكنا بدون سابك، رعاية لما يقتضيه المعنى، والتقدير أفلم يهد لهم إهلاكُنا.
ويقول رأي ثالث: إن الفاعل مقدر، تقديره الهدى.
ويقول رأي رابع: إن الفاعل هو الجملة بعده، أي جملة كم أهلكنا قبلهم من القرون.
وأنا أميل إلى هذا الرأي الرابع، وهو رأي كوفي يجوّز وقوع الجملة مسندا إليها في الصورة وظاهر اللفظ، مع تأويلها بمفرد يدلّ عليه المعنى [٥] .
ويعجبني قول ابن مالك في شرح التسهيل: "وفي قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إنه على تأويل أو لم يهد لهم كثرةُ إهلاكنا، وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب المبتدأ نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ اهـ قول ابن مالك [٦] .
وقول ابن مالك هذا يشعر (كما قال القاسمي) بأن الفاعل الجملة لتأويلها بالمفرد.
وقد فسر ابن كثير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ (السجدة/ ٢٦) فسره بقوله "يقول تعالى أولم يهد لهؤلاء المكذبين ما أهلك الله من الأمم الماضية" اهـ[٧] ويبدو من هذا التفسير أن فاعل (يهد) هو جملة كم أهلكنا ولكن باعتبار معناها ومضمونها.
стр. 12918
وعلى الرأي القائل إن الفاعل هو جملة كم أهلكنا على تأويلها بالمفرد يكون المفعول به محذوفا تقديره مآل أمرهم وعاقبة كفرهم.
أما إعراب ما يتعلق بهذه الصيغة من كلمات في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ف (لهم) جار ومجرور يتعلقان بالفعل (يهد) . و (كم) تكثيرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول مقدم لأهلكنا. و (أهلكنا) أهلك فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك أو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض لاتصاله بضمير رفع متحرك. والفعل على كلا الإعرابين لا محل له من الإعراب. و (نا) ضمير مبنيى على السكون في محل رفع فاعل. و (قبلهم) قبل حرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره و (هم) ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وهذا الظرف متعلق بالفعل قبله (أهلك) . و (من القرون) (من) بيان لكم والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف صفة لكم وهذا رأي، وهناك رأي آخر يقوله إن من البيانية ومجرورها في محل نصب على الحال وجملة (يمشون في مساكنهم) في محل نصب حال من الضمير في (لهم) .
الآية الثالثة التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ السجدة/ ٢٦.
الهمزة في هذه الصيغة في آيتها الثالثة للإنكار والتوبيخ بالمعنى الذي تقدم تفصيله في الآية السابقة.
وما قيل في فاعل (يهد) في آيتها الثانية المتقدمة يقال هنا في هذه الآية الثالثة، فلا حاجة إلى الإعادة والتكرار.
وإعراب بقية كلمات هذه الصيغة قد تقدم ذكره في الآية الثانية.
أختي العزيزة هل:
стр. 12919
أما الصيغة السادسة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع فهي (أو لم يتفكروا) وقد جاءت هذه الصيغة في آيتيها اثنتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الأعراف/١٨٤.
الهمزة هنا في هذه الصيغة (أو لم يتفكروا) للإنكار والتوبيخ:
ينكر الله في هذه الآية على كفار مكة ويوبخهم أن لم يتفكروا في انتفاء الجنون عن الرسول ﷺ ، فهو صاحبهم قد عرفوه من قبل هذا صغيرا وجرّبوه كبيرا فما رأوا فيه طيش شباب ولا انحرافا عن صواب، واستأمنوه فكان المستأمن الأمين، واستمعوا إلى قوله فكان المحدث الصادق، وحكّموه فيما شجر بينهم من خلاف فكان الحكم العدل والقاضي الثاقب الرأي، فمن أين يجيئه الجنون بعد هذا كله؟!! لو كنتم يا كفار مكة تتفكرون في أنفسكم! وتتدبرون الذي عرفتم عن صاحبكم هذا لقلتم حقاً وصدقاً إن هو إلا نذير مبين.
وإعراب (أولم يتفكروا) واضح بيِّن قد مضى إعراب مثله كثيراً.
وإعراب (ما بصاحبهم من جنة) : (ما) نافية غير عاملة، حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب (بصاحبهم) جار ومجرور ومضاف إليه: الباء حرف جر وصاحب مجرور بالباء وهم ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ولك أن تقول الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم. (من جنة) من حرف جر زائد وجنة مجرور بمن وعلامة جره كسرة ظاهرة على آخره وجنة المجرور بحرف الجر الزائد مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة التي أتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، وعلى رأي من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون إعرابه محلياً تقول (جنة) مبتدأ مؤخر وهو في محل رفع.
стр. 12920
وجملة (ما بصاحبهم من جنة) في محل نصب بالفعل (يتفكروا) بعد إسقاط حرف الجر (في) ومن النحويين من يجوز أن تكون جملة (ما بصاحبهم من جنة) في محل جر بفي المقدرة.
الآية الثانية التي وردت فيها هذه الصيغة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم/٨) .
همزة الاستفهام في هذه الصيغة في آيتها الثانية للإنكار والتوبيخ:
ينكر الله على أولئك الذين يكفرون بالبعث ولا يؤمنون بالآخرة، ينكر عليهم ويوبخهم ألا يتفكروا في أنفسهم ويتدبروا في هذه الأشياء العظيمة التي خلقها الله تعالى، هذه السموات والأرض وما بينهما، وأنه تعالى ما خلقها عبثاً ولا لعباً، وإنما خلقها متلبسة بالحق مقترنة بالحكمة مقدرة بأجل مسمى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة يوم الحساب والثواب والعقاب، يوم لقاء رب العالمين.
وإعراب (أولم يتكفروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) واضح سهل. ومع ذلك أعرب بعض كلماتها:
(وما بينهما) الواو عاطفة (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على السموات، و (بين) ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وبين مضاف وهما مضاف إليه مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ومن المعربين من يجزئ (هما) فيقول في إعرابها: الهاء وحدها هي الضمير، والميم حرف عماد، والألف حرف دال على التثنية، وقد سبق أن بينت ضعف هذا الرأي، لأن الذي يدل على الاثنين الغائبين هو مجموع الأحرف الثلاثة، وليس الهاء وحدها.
وظرف المكان (بين) متعلق بفعل محذوف تقديره كان، والجملة مكونة من هذا الفعل المحذوف وما تعلق به صلة الموصول (ما) وهي جملة لا محل لها من الإعراب.
следующие страницы →