← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

الرأي الثاني: أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، وعلى هذا الرأي فالمصدر المؤول من أنْ وجواب لو هو المفعول به، والتقدير أو لم يهد أي يبين الله لهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. الرأي الثالث: أن الفاعل ضمير مستتر في يهد يعود على ما يفهم من سياق الكلام، والتقدير: أو لم يبين لهم ما جرى للأمم السابقة إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. ويبدو لي - والله أعلم- أن أقرب هذه الآراء الثلاثة إلى الصواب هو الرأي القائل: إن المصدر المؤول من أَنْ وجواب لو هو الفاعل لأنه هو الذي يبدر إلى الذهن أول وهلة، وعليه ظاهر اللفظ، ويؤيده تفسير ابن عباس ﵄، وتفسير أبي جعفر بن جرير، فقد جاء في تفسير ابن كثير [٣] : "قال ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أولم يُبين لهم أنْ لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وكذلك قال مجاهد وغيره، وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها [٤] يقول الله تعالى أولم يبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ اهـ. والظاهر من التفسيرين المتقدمين أن الفاعل هو أنْ وما في حيزها، وليس فيهما ما يدل على أن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير يعود على غيره تعالى. الآية الثانية التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ (طه/ ١٢٨) . همزة الاستفهام في (أفلم يهد لهم) في آيتها الثانية للإنكار والتوبيخ كما في الآية الأولى:

стр. 12917

ينكر الله على أن المشركين من أهل مكة وغيرهم ويوبخهم أن لم يبيّن لهم ويعظهم كثرة من أهلكهم من الأمم قبلهم بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل، مع أنهم يمشون في مساكن أولئك المهلكين وهم مسافرون إلى الشام وغيرها، ويتقلبون في بلادهم، ويشاهدون آثار العذاب الذي نزل بهم.. وقد اختلفت الآراء أيضا في فاعل يهد في هذه الآية. يقول أحدها: إن الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أي ألم يبيّن الله لهم. ويقول رأي ثان: إن الفاعل مصدر مأخوذ من أهلكنا بدون سابك، رعاية لما يقتضيه المعنى، والتقدير أفلم يهد لهم إهلاكُنا. ويقول رأي ثالث: إن الفاعل مقدر، تقديره الهدى. ويقول رأي رابع: إن الفاعل هو الجملة بعده، أي جملة كم أهلكنا قبلهم من القرون. وأنا أميل إلى هذا الرأي الرابع، وهو رأي كوفي يجوّز وقوع الجملة مسندا إليها في الصورة وظاهر اللفظ، مع تأويلها بمفرد يدلّ عليه المعنى [٥] . ويعجبني قول ابن مالك في شرح التسهيل: "وفي قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إنه على تأويل أو لم يهد لهم كثرةُ إهلاكنا، وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب المبتدأ نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ اهـ قول ابن مالك [٦] . وقول ابن مالك هذا يشعر (كما قال القاسمي) بأن الفاعل الجملة لتأويلها بالمفرد. وقد فسر ابن كثير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ (السجدة/ ٢٦) فسره بقوله "يقول تعالى أولم يهد لهؤلاء المكذبين ما أهلك الله من الأمم الماضية" اهـ[٧] ويبدو من هذا التفسير أن فاعل (يهد) هو جملة كم أهلكنا ولكن باعتبار معناها ومضمونها.

стр. 12918

وعلى الرأي القائل إن الفاعل هو جملة كم أهلكنا على تأويلها بالمفرد يكون المفعول به محذوفا تقديره مآل أمرهم وعاقبة كفرهم. أما إعراب ما يتعلق بهذه الصيغة من كلمات في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ف (لهم) جار ومجرور يتعلقان بالفعل (يهد) . و (كم) تكثيرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول مقدم لأهلكنا. و (أهلكنا) أهلك فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك أو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض لاتصاله بضمير رفع متحرك. والفعل على كلا الإعرابين لا محل له من الإعراب. و (نا) ضمير مبنيى على السكون في محل رفع فاعل. و (قبلهم) قبل حرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره و (هم) ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وهذا الظرف متعلق بالفعل قبله (أهلك) . و (من القرون) (من) بيان لكم والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف صفة لكم وهذا رأي، وهناك رأي آخر يقوله إن من البيانية ومجرورها في محل نصب على الحال وجملة (يمشون في مساكنهم) في محل نصب حال من الضمير في (لهم) . الآية الثالثة التي وردت فيها صيغة (ألم يهد) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ السجدة/ ٢٦. الهمزة في هذه الصيغة في آيتها الثالثة للإنكار والتوبيخ بالمعنى الذي تقدم تفصيله في الآية السابقة. وما قيل في فاعل (يهد) في آيتها الثانية المتقدمة يقال هنا في هذه الآية الثالثة، فلا حاجة إلى الإعادة والتكرار. وإعراب بقية كلمات هذه الصيغة قد تقدم ذكره في الآية الثانية. أختي العزيزة هل:

стр. 12919

أما الصيغة السادسة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع فهي (أو لم يتفكروا) وقد جاءت هذه الصيغة في آيتيها اثنتين: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الأعراف/١٨٤. الهمزة هنا في هذه الصيغة (أو لم يتفكروا) للإنكار والتوبيخ: ينكر الله في هذه الآية على كفار مكة ويوبخهم أن لم يتفكروا في انتفاء الجنون عن الرسول ﷺ ، فهو صاحبهم قد عرفوه من قبل هذا صغيرا وجرّبوه كبيرا فما رأوا فيه طيش شباب ولا انحرافا عن صواب، واستأمنوه فكان المستأمن الأمين، واستمعوا إلى قوله فكان المحدث الصادق، وحكّموه فيما شجر بينهم من خلاف فكان الحكم العدل والقاضي الثاقب الرأي، فمن أين يجيئه الجنون بعد هذا كله؟!! لو كنتم يا كفار مكة تتفكرون في أنفسكم! وتتدبرون الذي عرفتم عن صاحبكم هذا لقلتم حقاً وصدقاً إن هو إلا نذير مبين. وإعراب (أولم يتفكروا) واضح بيِّن قد مضى إعراب مثله كثيراً. وإعراب (ما بصاحبهم من جنة) : (ما) نافية غير عاملة، حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب (بصاحبهم) جار ومجرور ومضاف إليه: الباء حرف جر وصاحب مجرور بالباء وهم ضمير مبني على السكون في محل جر بالإضافة. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ولك أن تقول الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم. (من جنة) من حرف جر زائد وجنة مجرور بمن وعلامة جره كسرة ظاهرة على آخره وجنة المجرور بحرف الجر الزائد مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة التي أتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، وعلى رأي من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون إعرابه محلياً تقول (جنة) مبتدأ مؤخر وهو في محل رفع.

стр. 12920

وجملة (ما بصاحبهم من جنة) في محل نصب بالفعل (يتفكروا) بعد إسقاط حرف الجر (في) ومن النحويين من يجوز أن تكون جملة (ما بصاحبهم من جنة) في محل جر بفي المقدرة. الآية الثانية التي وردت فيها هذه الصيغة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم/٨) . همزة الاستفهام في هذه الصيغة في آيتها الثانية للإنكار والتوبيخ: ينكر الله على أولئك الذين يكفرون بالبعث ولا يؤمنون بالآخرة، ينكر عليهم ويوبخهم ألا يتفكروا في أنفسهم ويتدبروا في هذه الأشياء العظيمة التي خلقها الله تعالى، هذه السموات والأرض وما بينهما، وأنه تعالى ما خلقها عبثاً ولا لعباً، وإنما خلقها متلبسة بالحق مقترنة بالحكمة مقدرة بأجل مسمى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة يوم الحساب والثواب والعقاب، يوم لقاء رب العالمين. وإعراب (أولم يتكفروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) واضح سهل. ومع ذلك أعرب بعض كلماتها: (وما بينهما) الواو عاطفة (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على السموات، و (بين) ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وبين مضاف وهما مضاف إليه مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ومن المعربين من يجزئ (هما) فيقول في إعرابها: الهاء وحدها هي الضمير، والميم حرف عماد، والألف حرف دال على التثنية، وقد سبق أن بينت ضعف هذا الرأي، لأن الذي يدل على الاثنين الغائبين هو مجموع الأحرف الثلاثة، وليس الهاء وحدها. وظرف المكان (بين) متعلق بفعل محذوف تقديره كان، والجملة مكونة من هذا الفعل المحذوف وما تعلق به صلة الموصول (ما) وهي جملة لا محل لها من الإعراب.

стр. 12921

(إلا بالحق) (إلا) أداة حصر حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، (بالحق) جار ومجرور يتعلقان بمحذوف حال، والمعنى: ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا متلبسة بالحق وأجل مسمى. (وأجل مسمى) الواو عاطفة و (أجل) معطوف على الحق و (مسمى) نعت لأجل مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره وهو الألف منع من ظهورها التعذر. وجملة (ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) في محل نصب مفعول به لفعل (يتفكروا) على إسقاط الخافض، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل جر بفي المقدرة. أختي العزيزة هل: الصيغة السابعة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع هي (ألم ينظروا) وقد جاءت في آيتين اثنتين: الآية الأولى قوله وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف/ ١٨٥) . هذه الاستفهام في هذه الصيغة الواردة في هذه الآية للإنكار والتوبيخ: ينكر الله على أولئك الذين يكفرون بآيات الله، وينكرون البعث والحساب، ويكذّبون بما جاء به الرسول ﷺ ، ينكر عليهم ويوبخهم أن لم يتأملوا في عظمة الله وسلطانه وبديع صنعه فيما خلق من سموات وأرض وأشياء كثيرة مختلفة لا تحصى مبثوثة أمام أعينهم في كل مكان تدل على أنه الواحد القادر على كل شيء، فيؤمنوا بالله ، ويصدقوا برسوله ﷺ . وينكر عليهم أيضاً ويوبخهم أن لم يتدبروا اقتراب أجلهم فيبادروا إلى الإيمان قبل الفوات، قبل أن يأتيهم الموت بغتة فيهلكوا وهم على الكفر وبئس الممات.

стр. 12922

هذا، وإعراب قوله تعالى (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) سهل واضح، قد تقدم إعراب مثله أكثر من مرة. وأما إعراب قوله تعالى بعد ذلك (وما خلق الله من شيء) فالواو عاطفة، و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ملكوت. و (خلق) فعل ماض ولفظ الجلالة (الله) فاعل و (من شيء) من حرف جر، وهي هنا بيانية تبين المعنى المراد من اسم الموصول (ما) وشيء مجرور بمن، والجار والمجرور (من شيء) في محل نصب على الحال من (ما) وجملة (خلق الله من شيء) لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير وما خلقه الله من شيء. وإعراب قوله تعالى بعد ذلك (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) : الواو عاطفة و (أن) - بفتح الهمزة وسكون النون- مخففة من أنَّ الثقيلة، حرف توكيد، تنصب المبتدأ ويسمى اسمها وترفع الخبر ويسمى خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره هو أي الحال والشأن. وعسى فعل ماض جامد مبنية على فتح مقدر على الألف للتعذر لا محل لها من الإعراب. وتستعمل (عسى) أحياناً فعلا ناقصا فتعمل عمل كان، وأحياناً فعلا تاما فتكتفي بمرفوعها على أنه فاعل. وتدل (عسى) على الترجي والطمع في خبرها أو فاعلها إن كان محبوبا، وعلى الخوف والإشفاق منه إن كان مكروها. وتفيد (عسى) الظن والشك في وقوع أمر مع توقع حصوله، وقد تأتي لليقين، وهي هنا في هذه الآية لليقين. ويجوز في (عسى) الواردة في هذه الآية أن تكون ناقصة وأن تكون تامة، وعلى اعتبار أنها ناقصة في (أجلهم) المذكور في آخر جملتها اسمها مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة على آخره وهو اللام. (أجل) مضاف و (هم) مضاف إليه مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وعلى هذا الإعراب تكون المسألة من باب التنازع:

стр. 12923

تنازع (عسى) و (يكون) و (اقترب) في (أجلهم) فأعمل الأول وهو عسى وأضمر في الثاني والثالث، وأتم الإعراب على اعتبار أنها ناقصة وعلى اعتبار التنازع السابق الذكر فأقول: (أن يكون) أن حرف مصدري ناصب للفعل المضارع مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (يكون) مضارع كان الناقصة منصوب بأن وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على آخره، واسم يكون ضمير مستتر تقديره هو يعود على (أجلهم) المتأخر لفظاً المتقدم رتبة، (قد اقترب أجلهم) : (قد) حرف تحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب. و (اقترب) فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على (أجلهم) المتأخر لفظاً المتقدم رتبة، وجملة (قد اقترب) في محل نصب خبر يكون، والمصدر المؤول من (أن يكون) في محل نصب خبر (عسى) . وعلى اعتبار (عسى) تامة يكون فاعلها المصدر المؤول من (أن يكون) واسم (يكون) يجوز أن يكون ضمير الشأن المحذوف وحينئذ يكون أجلهم فاعل اقترب ويجوز أيضاً أن يكون أجلهم اسم يكون، وفاعل اقترب حينئذ ضمير يعود على أجلهم المتأخر لفظاً المتقدم رتبة. وأيًّا كان الإعراب في (أنْ) المخففة من الثقيلة وما دخلت عليه في تأويل مصدر يكون في محل جر بالعطف على ملكوت المجرور بفي، ولأن عسى فعل جامد لا يؤخذ منها مصدر يقدر المصدر من الكون على معنى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وكينونة عسى أن يكون قد اقترب أجلهم. الآية الثانية التي وردت فيها صيغة (ألم ينظروا) قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (ق:٦) . همزة الاستفهام في هذه الصيغة الواردة في هذه الآية للإنكار والتوبيخ:

стр. 12924

ينكر الله سبحاله وتعالى على الكافرين بالبعث ويوبخهم أن لم ينظروا بعيونهم نظراً يصحبه التدبر والتفكر إلى هذه السماء فوقهم عاليةً بعيدة في علاها، من غير أن تقوم على عمد، قد أحكم بناؤها فلا فطور ولا فروج ولا اضطراب، وهى مع ذلك جميلة رائعة الجمال، تزينها أشعة شمس الصباح فتملأ الأعين وتأخذ بمجامع القلوب، وتزينها أشعة شمس الغروب فتذهب النفس معها كل مذهب، ويطير الخيال وراءها كل مطار. وللسماء بين هذه وتلك وجه مشرق وضيء يملأ الكون صفاء وبهاء. وفي الليل- وما أجمل ليل السماء، وما أجمل سماء الليل- يزينها لألاء النجوم، وبسمات الكواكب، وأشعة القمر، فلا تمل منها عين ولا يروى بصر، يود الناظر إليها أن يطير وراء كل نجم، وأن يسبح معها في كل فلك. لقد كان بناء هذه السماء وتزيينها بالشمس والقمر والكواكب من أعظم الدلائل على أن الله قادر على كل شيء، فما لهؤلاء الكافرين بالبعث لا يفكرون ولا يعقلون، إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. أما إعراب هذه الآية: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ ُفرُوجٍ﴾ فسهل واضح في الكلمات الأولى (أفلم ينظروا إلى السماء) .

стр. 12925

وأما إعراب ما جاء بعد ذلك فـ (فوقهم) (فوق) ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على آخره، وهو متعلق بمحذوف حال من السماء، فوق مضاف وهم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر بالإضافة. و (كيف بنيناها) (كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من (ها) في بنيناها و (بنيناها) مكونة من فعل ماض (بنى) مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك لا محل له من الإعراب. و (نا) ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل. و (ها) ضمير مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وجملة (كيف بنيناها) في محل جر بدل من السماء وهو بدل اشتمال، والمعنى أفلم ينظروا إلى السماء كيفية بنائنا لها. (وزيناها) الواو عاطفة، وإعراب (زيناها) كإعراب (بنيناها) . (وما لها من فروج) الواو للحال، و (لها) جار ومجرور يتعلقان بمحذوف خبر مقدم و (من) حرف جر زائد، و (فروج) مجرور بمن وعلامة جره كسرة ظاهرة على آخره. وفروج المجرور بمن مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة التي أتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، وجملة (مالها من فروج) في محل نصب على الحال من (ها) في (زيناها) . أختي العزيزة هل: قبل أن أختم هذه الرسالة أحب أن أنبهك على أشياء: أحدها: قد تقدم في إعراب قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أن (من) حرف جر زائد، وأحب أن أنبهك هنا على أن هذه الزيادة لا تعني أن هذا الحرف الزائد حشو في الكلام، دخوله فيه كخروجه منه، ولكنها اصطلاح نحوي يعني ثلاثة أشياء: أحدها: أن المعنى الأساسي للجملة يتم بدون هذا الحرف الزائد. الثاني: أن هذا الجار الزائد لا يحتاج إلى متعلق. الثالث: أن مجرور هذا الحرف الزائد له حركة إعرابية غير هذه الكسرة التي جاءت لمناسبة حرف الجر الزائد.

стр. 12926

هذا الذي سماه أهل النحو زائدا لا بد منه عند أهل البلاغة، عند من يتذوقون أساليب القول الرفيع، ويتعرفون وجوه البيان المشرق. فالإتيان بهذا الحرف الزائد في هذا المكان من قوله تعالى يفيد نفي الجنون عن الرسول ﷺ على سبيل العموم والشمول نصاً لا يقبل أي احتمال. والحال التي كان عليها كفار مكة من وصفه ﷺ كذبا وبهتانا بالجنون أكثر من مرة، حالهم تلك تقتضي مثل هذا القول، وقد سبق بيان مثل هذا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وذلك في الصيغة الثانية عشرة وفي الرسالة السادسة من هذه الرسائل. الثاني: التعبير عنه ﷺ (بصاحبهم) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ كان تعبيرا عميق الدلالة فالج الحجة، كأنما هو يقول لكفار قريش: إن طول مصاحبتكم لهذا الرسول، واطلاعكم الكامل على أحواله، وتجاربكم الطويلة المتنوعة معه، كل أولئك قد أثبت لكم صدقه في الحديث، ورجاحة عقله في تصريف الأمور. فمن أين يجيئه الجنون يا بله التفكير ويا عمي البصائر. الثالث: قد تقدم في هذه الرسالة بيان معنى الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ وأحب أن أنبهك هنا على أن الأوضح والأرجح- في رأيي- أن يتعلق الجار والمجرور (في أنفسهم) بالفعل (يتفكروا) على اعتبار أن الأنفس ظرف للتفكر. ولأن التفكر لا يقع إلا في القلوب والأنفس كان (في أنفسهم) زيادة تصوير وتوكيد للتفكر، ومن هذا الأسلوب قولك اعتقده في قلبك وأضمرْه في نفسك، وأبصرْه بعينك واسمعه بأذنك.

стр. 12927

وعلى هذا الاعتبار المتقدم يكون متعلق التفكر ومفعوله والشيء الذي وبخوا على عدم التفكر فيه هو ما تضمنه قوله تعالى بعد ذلك: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ . الرابع: ذهب الجلال المحلي في تفسير الجلالين [٨] إلى أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ذهب إلى أن هذا الاستفهام للتقرير على معنى أنهم نظروا وعلموا ما ذكر. وليس هذا بصحيح لأنهم لو نظروا إلى ما تضمنته الآية الكريمة نظرا دقيقاً متدبراً، وعلموه علم اليقين لآمنوا بقدرة الله تعالى على البعث، ولصدّقوا بما جاء به الرسول ﷺ . والحق أن هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ على المعنى الذي تقدم بيانه. أختي العزيزة هل: لقد آن أن أقول وداعا، فأقول وداعا، وأسأله جل وعلا أن يعين على رسالة قادمة أكتبها إليك يكون فيها النفع والسداد. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. أختك همزة الاستفهام المراجع مراجع الصيغ الواردة في هذه الرسالة: ١- مراجع (ألم يهد) وهي الصيغة الخامسة عشرة: أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (السالف الذكر) : ج٤ ص ٣٤٩/ ج٦ ص ٢٨٨. ب- تفسير أبي السعود- الناشر: مكتبة ومطبعة محمد عبد الرحمن محمد بالقاهرة: ج٣ ص ٢٥٤/ ج٦ ص ٤٨/ ج٧ ص٨٧. جـ- تفسير ابن كثير (السالف الذكر) : ج٢ ص ٢٣٤/ ج٣ ص١٧٠/ ج٣ ص٤٦٣. د- الكشاف للزمخشري (الناشر: الحلبي بمصر) : ج٢ ص ٩٩/ ج ص ٥٥٨. هـ- الفتوحات الإلهية (السالف الذكر) : ج٢ ص ١٦٩/ ج٣ ص ١١٦/ ج٣ ص٤٢٠. و تفسير القرطبي (الطبعة الثالثة المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة) : ج١٤ ص ١١٠.

стр. 12928

ز- تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية المتقدم ذكره) ج٢ ص ١٦٩. ٢- مراجع الصيغة السادسة عشرة وهي: (ألم يتفكروا) : أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (السالف الذكر) : ج٤ ص ٤٣١/ ج ٧ ص١٦٣. ب- تفسير أبي السعود (السالف الذكر) : ج٣ ص٢٩٨/ ج٧ ص ٥١. جـ- الفتوحات الإلهية (السالف الذكر) : ج٢ ص ٢١٥/. ج٣ ص ٣٨٦. د- الكشاف للزمخشري (السالف الذكر) : ج٣ ص ٢١٥. ٣- مراجع الصيغة السابعة عشرة وهي: (ألم ينظروا) : أ- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي: ج٤ ص ٤٣٢. ب- تفسير أبي السعود: ج٣ ص ٢٩٩. جـ - الفتوحات الإلهية: ج٢ ص ٢١٥/ ج٤ ص ١٩١. -------------------------------------------------------------------------------- [١] البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض- ج٤ ص ٣٤٩. [٢] الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين- الناشر الحلبي بمصر- ج٢ ص ١٦٩. [٣] تفسير ابن كثير- الناشر: الحلبي بمصر- ج٢ ص ٢٣٤. [٤] تفسير الطبرى- الطبعة الثالثة- الناشر: الحلبي بمصر: ج٩ ص ٩. [٥] حاشية الدسوقي على مغني اللبيب- الناشر: مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني: ج٢ ص ٥٧. [٦] حاشية ياسين على التصريح- الناشر: دار الفكر/ بيروت: ج١ ص ٢٦٨. [٧] تفسير ابن كثير (السالف الذكر) : ج٣ ص٤٦٣. [٨] تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية السالف الذكر) ج٤ ص ١٩١.

стр. 12929

بحث في صيغة "أفعل" (بين النحويين والغويين واستعمالاتها في العربية) الدكتور مصطفى أحمد النماس المدرس بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر حسّ وأحسّ [١] تقول: أحس الرجل بالبرد، وأحس الرجل البرد بمعنى شعر به وتقول أحس الحنان والتقدير من صديقه أو أحس بالحنان بمعنى شعر به أو علمه أو عرفه أو ظنه أو تيقنه ويجوز أن نستعمل بهذا المعنى الفعل الثلاثى المجرد فنقول: حس الرجل البرد، وحس الرجل بالبرد إلا أن بعض اللغويين يتزمت فيمنع هذا وحجته أن ما ورد في القرآن بهذا المعنى هو الثلاثي المزيد لا المجرد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ولم يأت الثلاثي المجرد بهذا المعنى بل ورد بمعنى القتل أو القطع قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ فالمعنى تقتلونهم وتأتون على إحساسهم فلا تبقون لهم حسا وبهذه الحجة يمنعون أن نقول بعض المشتقات من المادة الثلاثية المجردة فلا تقل على رأيهم: حاسَّة: اسم فاعل من حسَّ وجمعها حواس للسمع والبصر والشم والذوق واللمس ويسمونها المحسات ويمنعون كذلك اسم المفعول محسوس وجمعه محسوسات ولا يجيزون إلا المحس وجمعه المحسات لأنهم لا يجيزون المادة الثلاثية بل لا يستعملون في هذه الأغراض إلا الفعل المزيد بالهمزة وكأنهم رفضوا استعمال الثلاثي.

стр. 12930

ودحض حجتهم هذه أن القرآن الكريم هو الحجة في فصاحة اللغة وبلاغتها ولكن لاشك أنه لم يستوعب كل كلماتها، كما أنه لم يستعمل كل كلمة في معانيها اللغوية فإذا ترك كلمة ما لا يكون دليلا على عدم فصاحتها وكذلك إذا استعمل كلمة في معنى وترك بعض المعاني الأخرى لا يكون دليلا على حظر المعاني الأخرى ولقد جاء الفعل الثلاثي المجرد من هذه المادة في لغة العرب بمعاني غير القطع والقتل والذي يعنيني استعمال الثلاثي المجرد بمعنى الشعور وما يتصل به من العطف والتوجع قال الشاعر الجاهلي السفاح بن خالد التغلبي [٢] . ولا حَسُّوا بنا حتى اعتلينا فَلَبَّيْتُ الصريخَ ولم يَرونا فالمعنى فيه ولا شعروا بوجودنا حتى هجمنا عليهم، ومن ذلك قول الكميت بن زيد الأسدي أو يبكى الدار ماء العبرة الخضل هل من بكى الدار راجٍ أن تحس له فالفعل تحس بفتح التاء مضارع من الفعل الثلاثي المجرد فإذا فسرناه بمعنى ترق له وتعطف عليه فهو من معاني الشعور. وأيضا حديث قتادة كما في اللسان [٣] "إن المؤمن ليحسّ للمنافق " أي يعطف عليه أو يتوجع له فبان بذلك ضعف الرأي الآخر الذي أنكر الثلاثي من هذه المادة وأن استعمال المصدر الذي هو الحس من الثلاثي والمصدر من المزيد هو الإحساس ويدل كذلك على أن كثيرا من الأفعال العربية يأتي الثلاثي المجرد والثلاثي المزيد بالألف بمعنى واحد أي أن فعل وأفعل بمعنى واحد وهو ما يقول به كثير من العلماء وأمثال الزجاج في كتاب فعلت وأفعلت ولذا كان قول ثعلب في كتاب الفصيح "والعامة تقول: حسست الشيء في أحسست وهو خطأ "دعوى من غير دليل. أثمر: وفي شفاء الغليل ص ٢١ أثمر يكون لازما وهو المشهور الوارد في الكتاب العزيز ولم يتعرض أكثر أهل اللغة لغيره: وورد متعديا كما في قول الأزهري في تهذيبه يثمر ثمرا فيه حموضه، وكذا استعمله كثير من الفصحاء كقول ابن المعتز:

стр. 12931

فأسقيته أجْفاني بسح وقاطرِ وغرس من الأحباب غيبت في الثَّرى لقلبي يجنيها بأيد الخواطر فأثمر همًّا لا يبيد وحسرة وقال ابن نباتة السعدي: إذا ما كان فيها ذا احتيال وتثمر حاجة الآمال نحجا وقال محمد بن شرف وهو من أئمة اللغة: فروعها قطر الندى نثرا كأنما الأغصان لما علا زبرجد قد أثمر الدرا ولاحت الشمس عليها ضحى وقول ابن الرومي: سيثمر لي ما أثمر الطلع حائط.. إلى غير ذلك مما لا يحصى وهكذا استعمله الشيخ في دلائله والسكاكي في مفتاحه، ولما يره كذلك شراحه. قال الشارح استعمل الاثمار متعديا بنفسه في مواضع من هذا الكتاب فلعله ضمنه معنى الإفادة أو جعله متعديا بنفسه ولو قيل إن تعديه إلى مفعوله كثر حتى صار كاللازم له لما دل عليه، ولذا يذكر أن لم يكن كذلك لم يبعد ألاَ تراك إذا قلت: أثمرت النخلة علم أنها أثمرت بلحا ونحوه..... أخضر: استعمل مدحا بمعنى مخضب رحب الجنان وكان يقال للفضل بن العباس ﵁ الأخضر قال: ـ أخضر الجلدة في بيت العرب وأنا الأخضر من يعرفني وذما بمعنى لئيم لا يأكل إلا البقول: فويل لتيم من سرابيلها الخضر كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها حصيت وأحصيت: يقال حصيت إذا عددته وأحصيته إذا ميزته بعضه من بعض قال الشاعر: ونحصى الحصاة بل يزيد على العد ويربى على عد الرمال عديدنا والحصاة العقل أيضا قال الشاعر وهو طرفة بن العبد: حصاة على عوراته لدليل وإن لسان المرء ما لم تكن له ويقال أحصيت الشيء إذا أطقته واتسعت له وقال الله عز اسمه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أراد والله أعلم لن تطيقوه- وقال الشاعر: ولا تطيق علاهم أيةً وقعوا فاقعد فإنك لا تحصي بنى جشم يريد لا تطيق بني جشم.

стр. 12932

ومما يحتمل هذه المعاني قول الرسول ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة إنّه وتْر يحب الوتْر من أحصاه دخل الجنة". قال محمد بن يزيد المبرد: " معناه عندي من عدها من القرآن لأن هذه الأسامي كلها مفرقة في القرآن فكأنه أراد من تتبع جمعها وتأليفها من القرآن وعانى في جمعها من الكلفة والمشقة دخل الجنة" انظر تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٢٤. ما جاء على أفعل ثم أميت وقد استعمل العرب بعض الأفعال على وزن أفعل أصلا ولكنهم عدلوا عن الأصل وجعلوه ملحقا بالرباعي فأصبح ملحقا بغيره في الاستعمال بعد أن كان أصلا قال السيوطي في المزهر [٤] واستعمل (الهث) ثم أميت وألحق بالرباعي في الهثهثة وهو اختلاط الأصوات في الحرب أو في صخب قال الراجز (العجاج) : فهثهثوا فكثر الهثهاث وأمراء قد أفسدوا فعاتوا واستعمل (الجع) ثم أميت وألحق بالرباعي في جعجع والجعجعة القعود على غير طمأنينة، واستعمل (القح) ثم أميت وألحق بالرباعي فقيل القحقح وهو العظم المطيف بالدبر واستعمل الكح ثم أميت وألحق بالرباعي فقيل كحكح وهو الناقة الهرمة التي لا تحبس لعابها واستعمل (ألذع) ثم أميت وألحق بالرباعي فقيل ذعذع الشيء إذا فرقه. أفعل فهو فاعل [٥] المعروف أن صيغة فاعل إنما تصاغ من الثلاثي المتصرف ويكون كثيرا مطردا من الفعل المفتوح العين سواء كان متعديا أو لازما ومن مكسور العين المتعدي إما مضموم العين أو مكسورها اللازم فهو قليل وقد وردت صيغة فاعل من الرباعي الذي على وزن أفعل في بعض المواد سماعا. قال في الغريب المصنف لم يجىء أفعل فهو فاعل إلا ما قال الأصمعي: أبقل الموضع فهو باقل من نبات البقل، وأورس الشجر فهو وارس إذا أورق ولم يعرف غيرها.

стр. 12933

وزاد الكسائي: أيفع الغلام فهو يافع- قلت: وفي الصحاح بلد عاشب ولا يقال في ماضيه إلا أعشبت الأرض وفيه أقرب القوم إذا كانت إبلهم قوارب فهم قاربون ولا يقال مقربون قال أبو عبيد وهذا الحرف شاذ وفي أمالي القالي: القارب: الطالب للماء، يقال قربت الإبل وأقربها أهلها. قال الأصمعي فهم قاربون ولا يقال مقربون وهذا الحرف شاذ وقال القالي: إنما قالوا قاربون لأنهم أرادوا: ذو قرب وأصحاب قرب ولم يبنوه على أقرب. وقال السيوطى في المزهر: ليس في كلامهم أفعل فهو فاعل إلا أعشبت الأرض فهي عاشب، وأورس الرمث وهو ضرب من الشجر إذا تغير لونه عن البياض فهو وارس وأيفع الغلام فهو يافع، وأبقلت الأرض فهي باقل وأغضى [٦] الليل فهو غاض، وأمحل البلد فهو ماحل. أفعله فهو مفعول [٧] صيغة مفعول إنما تصاغ من الثلاثي التام المتصرف سواء كان متعديا أم لازما ويشترط مع اللازم أن توجد معها واسطة من جار ومجرور أو غيره تقول محمد محفوظ بعناية ربه وأنت ممرور بك، ومنهوب إليكْ، وقد وردت صيغة مفعول من غير الثلاثي الذي على وزن أفعل من المواد الآتية: ولم يأت أفعله مفعول إلا أجنه فهو مجنون وأزكمه فهو مزكوم، وأحزنه فهو محزون وأحبه فهو محبوب. وقال ابن جني في الخصائص باب نقض العادة: ونحو ذلك ما جاء عنهم من أفعلته فهو مفعول وذلك نحو أحببته فهو محبوب، وأجنه فهو مجنون وأزكمه فهو مزكوم. وأكزه فهو مكزوز، وأقره فهو مقرور، وآرضه آلة فهو مأروض، وأملأه الله فهو مملوء. وأضأضه فهو مضؤود، وأحمه الله فهو محموم، وأهمه (من الهم) فهو مهموم، وأزعقته فهو مزعوق أي مذعور. ومثله ما أنشدناه أبو علي من قوله (وهو خفاف بن ندبة) جرى وهو مودوع [٨] واوعد مَصْدَق إذا ما استحمت أرضه من سمائه

стр. 12934

وأما أحزنه الله فهو محزون فقد حمل على هذا غير أنه قال أبو زيد يقولون إلا يحزنني (بفتح الياء) ولا يقولون حزنني إلا أن مجىء المضارع يشهد للماضي فهذا أمثل ما مضى- وقد قالوا فيه أيضا محزن على القياس ومثله قولهم: محب منه بيت عنترة: مني بمنزلة المحب المكرم ولقد نزلت فلا تظني غيره ومثله قول الأخرى هند بنت أبي سفيان أخت معاوية ﵄ وهي ترقص ابنها عبد الله: مكرمة محبَّةْ تحب أهل الكعبةْ لأنكحنّ ببة: جارية خِدبةْ وقال الآخر: يأتيك منهم خير فتيان العرب ومن يناد آل يربوع يجب المُنكْبُ الأيمن والرَّدف المحب والملحوظ أن أحزنه جاء الثلاثي منه وإن قرن بالمزيد استغناء به عن وصفه، وما قبله ليس في هذا المعنى. وهذه مجموعة من الأفعال تكلم فيها بأفعلت أو اختير فيها أفعلت على فعلت كما وردت في كتاب فعلت وأفعلت للزجاج: أبنّ بالمكان أقام. وأبرَّ على القوم غلبهم. وأبدع في الأمر إبداعا أتى فيه ببدعة، وأبطا القوم صارت إبلهم بطاء وأبلد القوم صارت إبلهم بليدة، وأبلق الفحل إذا ولد له ولد أبلق. أتلد الرجل إذا كان له مال تليد أي قديم: وأتأرت الرجل بصري إذا أتبعته بصرك.. وأتأمت المرأة وهي متئم إذا ولدت ولدين في بطن... وارتفتْ فلانا من الترفة وأتمر القوم إذا كثر تمرهم، وأتعب القوم أي تعبت ماشيتهم، وأترعت الإناء ملأتة فهو مترع. أثغم الوادي صار فيه الثغام وهو شجر أبيض النَّوْر ويشبه به الشيب، ويقولون أثغم رأس الرجل صار كالثغامة وأثغر الشراب صار فيه الثغر... وأثلج الرجل إذا حفر بئرا فبلغ الطين.

стр. 12935

أجذى سنام البعير في أول ما يبدو، وأجمل القوم كثرت جمالهم، وأجنت الأرض كثر جناها، وأجاد الرجل صار له فرس جواد... وأجرب الرجل صارت له إبل جربى، وأجرز الرجل صار في أرض جرز وهي التي لا تنبت شيئا وأجها القوم انكشفت لهم السماء. وأجدلت الظبية وجدلت وجذبت إذا مشى معها ولدها. أحمص القوم أكلت إبلهم الحمص ... وأحمق الرجل فهو محمق إذا ولد له ولد أحمق، وأحمر الرجل إذا ولد له ولد أحمر وأحذيت الرجل نعلا... وأحلبت الرجل أعنته على الحلب وأحبينا الأرض وجدناها حية النبات غضة.. وأحوب الرجل إلى الحوب وهو الإثم. آدمّ الرجل ولد له ولد دميم وهو الصغير الخَلْق. وأدبت الأرض فهي مدبية إذا كثر فيها الدّبا وهو صغار الجراد وأدمن الرجل على الشيء إذا داومه... وأدهيت فلانا وجدته داهيا. أذعن الرجل بالطاعة ألزمها نفسه ... وأذكرت المرأة ولدت ذكرا... وأذمّ الرجل ولد له ولد مذموم، أو فعل فعلا مذموما... وأذدت الرجل أعنته على ذياد إبله، وأذممت الرجل وجدته مذموما. أرعت الأرض وهي مرعية خرج منها المرعى، وأسكن رعيها وهو الكلأ. وأركب المهر أمكن أن يركب... وأرهمت السماء مطرت مطرا ضعيفا، وأربع القوم دخلوا في الربيع. وأربع الرجل ولد له في شبابه وولده ربعيون وأردع الرجل حفر بئرا فرأى تباشير ماء كثير. وأرتعت الأرض إذا شبعت فيها الماشية. أزمع الرجل على الأمر أي عزم عليه واجتمع رأيه فيه.... وأزحف القوم للقوم صاروا لهم زحفا يقاتلونهم وقال العجاج: مثلين ثم أزحفتْ وأزحفا. أسمن القوم وهم مسمنون إذا كثر سمنهم وكذلك إذا كثرت ماشيتهم...وأسنت القوم أصابتهم السنة وهي الجدب... وأسهل القوم صاروا إلى السهولة ... وأسبقت الناقة ولدت ولدا ذكرا... وأسنهنا وأسنينا دخلنا في السنة ... وأسنعنا وأسوعنا انتقلنا من ساعة إلى ساعة، وأسهب الرجل في منطقه بلغ في القول ما كثر ... وحفر الرجل فأسهب أي بلغ الرمل.

стр. 12936

أشفى فلان فلانا عسلا إذا جعله له شفاء ... وأشهب الفحل ولد له الشُهُب ... أشب شب ولده وأشب الرجل بنيه إذا صاروا شبانا... وأشحم القوم كثر شحمهم... وأشهر القوم أتى عليهم الشهر. أصرّ الرجل بأنفه إذا شمخ ... وأصبت المرأة فهي مصب ومصبيه إذا كان أولادها صبيانا وأصعبت الأمر وافقته صعبا، وأصممت الرجل وجدته أصم، وأصهب الفحل إذا ولد له الصُّهب. أضب الرجل على ما في نفسه إذا أقام على الحقد، وأضب يومنا كثر ضبابه وأضأن القوم كثرت غنمهم الضأن وأضال المكان كثر فيه الضال وهو السدر البرئ وقيل أضيل المكان مثله. طيب الرجل وأطيب ولد له ولد طيب... وأطاب الرجل جاء بأمر طيب..... وأطنب الرجل في الشيء إذا بالغ في صفتهِِ وأطلى الرجل مالت عنقه، وأطردت الرجل جعلته طريدا أظهر القوم دخلوا في وقت الظهر ... وأظلموا ادخلوا في الظلمة. أعرب الرجل صار صاحب خيل عراب وهو معرب قال الجعدي: يّ صهيلا تبين للمعرب ويصهل في مثل جوف الطوّ وأعرب الفرس صهل فتبين بصهيله أنه عربي.... وأعوهوا إذا دخلت إبلهم العاهة ... وأعوز الشيء إذا عز فلم يوجد...وأعطن القوم إذا عطنت إبلهم وأعشب المكان إذا نبت عشبه، وأعشب الرائد إذا صادف عشبا قال أبو النجم: يقلن للرائد أعشبت انزل أغزر لبن الرجل كثر لبنه... وأغد القوم أصابت إبلهم الغدة... وأغفى الرجل نام..... وأغم الرجل. أفردت الرجل جعلته فريدا... وأفقر المهر أمكن أن يركب، وأمشى القوم كثرت ماشيتهم ... وأفرضت إبل فلان صارت فيها الفريض.... وقد أفلى الرجل ركب فلوا من الخيل. وأفجر الرجل جاء بالغدر والفجور.

стр. 12937

أقمر القوم دخلوا في ضوء القمر ... وأقلص البعير إذا بدا سنامه يخرج.... وأقطف الشيء حان قطافه.... وأقفر المنزل خلا.... وأقلقت الناقة قلق جهازها وهو ما عليها من قتبها وآلتها.... وأقوى الرجل صارت إبله قوية وأقطف النخل إذا كانت دانية قطوفها.... وأقرح القوم صارت إبلهم قرحى... وأقتلت الرجل عرضته للقتل وأقدمت الرجل تقدمت عليه.... وأقدت الرجل خيلا جعلت له خيلا يقودها. أكثر الرجل وهو مكثر، وأكشف القوم صارت إبلهم كشفا والكشف جمع ناقة كشوف والكشوف هي التي يحمل عليها في كل سنة... وأكلب الرجل أصاب إبله الكلب.... وأكاس الرجل ولد له أولاد أكياس.. وأكفر البعير إذا ابتدأ سنامه يخرج.... وأكسد القوم إذا كسدت سوقهم. ألأم الرجل مهموزا أتى باللؤم في أخلاقه ... وألام فعل ما يلام عليه.- وألمحت المرأة إذا ملت في النظر إليها وألهج الرجل لهجت فصاله بالرضاع، وألحم الرجل كثر عنده اللحم. أمضغ اللحم استطيب وأكل، وأمات القوم وقع إبلهم في الموت ... وأمغل القوم إذا مغلت شاؤهم وهو أن يتوالى حملها في كل سنة.... ويقال أمكنت الطير إذا كثر بيضها ... وأمخّ العظم صار فيه المخ ... وأملحت الإبل وردت ماء ملحا.... وأمعز الرجل كثرت غنمه المعزى. أنفق القوم نفقت سوقهم، وأنهل إبله والنهل أول الشرب وأنشط القوم نشطت ماشيتهم، وأنتجت الخيل حان نتاجها، وأنوكت الرجل وجدته أنوك ... وأنقى القوم صارت إبلهم ذات نقة وهو المخ، وأنزع القوم نزعت إبلهم إلى أوطانها، وأنحز القوم أصابت إبلهم النحاز وهو ضرب من السعال.... وأنعمت الريح هبت نعامى وهي الجنوب. أهيج الرجل الأرض وجد نبتها قد هاج أي يبس قال رؤية: وأهيجَ الخلصاءَ من ذات البرَق وأهملت الشيء إذا تركته ... وأهزل القوم إذا أتى الهزال في ماشيتهم.

стр. 12938

أوقف له الشيء إذا ارتفع ويقولون ما يوقف لفلان شيء إلا أخذه... وأوشى القوم كثرت غنمهم وأوصبوا أصاب أولادهم الوصب وهو المرض... وأوسع القوم صاروا إلى السعة ... وأوعثوا وقعوا في الوعوثة ... وأوفر النخل كثر حمله. أهلك الله لهذا الأمر جعلك الله له أهلا ... وآسدت الكلب أغريته بالصيد... وآد الرجل كثرت عنده آلة الحرب وآتيته الشيء أعطيته ... وآلى حلف. أيسر الرجل صار موسرا...وأيبس القوم صاروا إلى مكان يابس...وأيمن الرجل إذا قصد نحو اليمن. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر تصحيح الفصيح ج١ ص٢٩٧. [٢] انظر الأنوار ومحاسن الأشعار ص٢٥٧. [٣] انظر اللسان (حسّ) ، تصحيح الفصيح ج١ ص٢٩٨. [٤] انظر المزهر ج٢ ص٤٦. [٥] انظر المزهر ج٢ ص٧٦، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص٦٣٥ وإصلاح المنطق ص٣٠٥ والمزهر ج٢ ص٨٢. [٦] أغضى الليل: أظلم فالليل مغض لغة قليلة، والخصائص ج٢ ص٢١٥. [٧] انظر المزهر ج٢ ص٨٢، والخصائص ج٢ص٢١٦، وأدب الكاتب ص٦٣٦ تحت باب في شواذ التصريف. [٨] قوله مودوع مفعول من ودعه أي تركه والملحوظ أن الثلاثي منه قد ترك استغناء بترك.

стр. 12939

منهج في دراسة المنهج للدكتور أحمد بسام ساعي أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية يشكو البحث العربي الراهن، ولاسيما الإنساني منه، مثلما تشكو الموضوعات التي يتخذها مادة له، من انحسار القاعدة والمنهج انحساراً خطيراً يتنافى مع ما تتجه إليه الإنسانية في خطها العام من دقة وموضوعية ومنطق، وهذه الصفات ترتبط بكل خطوة من خطواتها التي يعوّل عليها وحدها في تطور هذه الحضارة، دون الحضارات المزيفة الأخرى التي تواكبها، والتي تتطفل على مائدة العلم والحضارة، حتى تكاد تستأثر بها، لولا أثارة من أصالة الحقيقة التي تتسلح بها تلك الخطوات الأصيلة الأولى المعوّل عليها. وهكذا تزخر المكتبة العربية الحديثة بركام من الكتب التي يبهرنا منظرها، وتكاد مظاهرها المدلسة، وأغلفتها المتبرجة، وحروفها المتأنقة، وأوراقها السميكة، تعشي عيوننا عن إبصار حقيقتها أو استكناه باطنها، وإدراك غثاثة ما فيها، وفقدانها لأبسط شروط الأبحاث، من منهجية، ودقة، وأمانة، وقدرة على التحليل والاستنتاج والإبداع، وقدرة على التعبير عن كل ذلك بلغة أمينة واضحة، مما يسهم إسهاماً حقيقياً في حركة التطور البشرى ودفعها إلى الأمام.

стр. 12940

ورغم الدراسات الجادة التي قدمتها خلال الأربعين سنة الأخيرة أقلام عربية رصينة في مجال التنظير للبحث، ورغم اطراد افتتاح فروع الدراسات العليا في الجامعات والمعاهد العربية، مما يسهم في إيجاد مناخات طيبة للبحث العلمي وقواعده وأصوله، ورغم أن مادة "منهج البحث" قد عدّت إحدى المواد الأساسية التي يدرسها الطالب في معظم هذه الجامعات، إن لم أقل كلها، على الرغم من ذلك مازلنا نشهد الانحراف المنهجي في كتابة البحوث- أو ما كان يرجى لها أن تكون كذلك- يزداد اتساعا يوماً بعد يوم، مما يشعرنا باطراد الحاجة، مع اطراد حركة البحث والتأليف، إلى تدارك النقص فيما نظرته أو ترجمته أقلام المنهجيين الرواد حتى الآن في طرائق البحث وأصوله وآدابه. ويجدر بي هنا أن أنبه- بأسف- إلى غياب المصطلح المنهجي، ليس عند الباحثين العاديين فحسب، بل حتى عند بعض من ألف في مناهج البحث، ومن المؤلم حقا أن تزين واجهات مكتباتنا التجارية مثلا نسخ من مؤلف وضع في "البحوث الأدبية، مناهجها ومصادرها"ثم نجد واضعه وقد عجز عن التمييز بين "منهج"البحث و "خطته"فخلط بين المصطلحين، وطبعيّ أن لا يستطيع بعد ذلك الخلوص إلى شيء مما يفيد الباحث، إن لم أقل إنه يشكل- باضطرابه المنهجي وفوضاه الفكرية- ضرراً حقيقيا على طلاب مادة "منهج البحث "إن وقع في أيديهم، وعلى رأسهم الطلاب الذين قام المؤلف بإلقاء فصول كتابه عليهم في إحدى جامعاتنا. ونحمد الله على أن مثل هذا المؤلَّف قليل في مكتبة منهج البحث العربية، وأظن من المفيد أن أعرّف تعريفاً سريعاً بأبرز كتبها، وأكثرها عمقاً وإحاطة ومنهجية، قبل أن أنطلق إلى بقية حديثي [١] وإن كنت سأقتصر في تعريفي على الكتب التي وصلت إلى يدي، غير غافل عن وجود عدة من الكتب في هذا الباب قد تحتل مكانة هامة فيه، مما لم أتمكن من الوصول إليه في فترة كتابتي لهذا البحث. وهذه الكتب هي تبعاً لدرجة أهميتها عند الباحث المبتدئ:

стр. 12941

١- "البحث الأدبي " لشوقي ضيف: وهو أكثر مؤلفات مكتبة منهج البحث العربية إحاطة وشمولاً دون منازع، وضعه مؤلفه عام ١٩٧٣ وجمع فيه حصيلة لخبرة عشرات من السنين قضاها في التدريس الجامعي والإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها، وفي وضع ما يقرب من ثلاثين مؤلفاً أحاط فيها بشتى جوانب الثقافة العربية، الأدبية واللغوية والنقدية، وكان له من كل ذلك تجارب وافرة في ((المنهج)) سمحت له بأن يحشد في كتابه كثيراً من الأخطاء الفكرية والمنهجية التي وقع فيها- أو يحتمل أن يقع فيها- الباحثون والمحققون على السواء، مسترسلاً في عرض الأمثلة وشرحها والتعليق عليها، حتى كاد أن ينقلب كتابه في كثير من المواضع إلى ركام من المعلومات التاريخية والأدبية التي تفيد كل باحث، ولكنها في الوقت نفسه تسيء بعض الشيء إلى منهجية الكتاب. مثلما أساء إليها إغفاله ذكر أيّ من مصادره أو مراجعه سواء في هوامش الكتاب أو ملحقاته. وهذا أدى بوجه من الوجوه، إلى اختلاط مادة المصادر بعضها ببعض في الكتاب. ساعد على ذلك إيراد المؤلف لآراء الباحثين - على تناقضها أو تباعدها أحياناً- مختلطة بآرائه. من غير أن يضعنا أمام الاتجاه الأكثر صواباً أو يدلنا على الرأي الذي يرجح على الآراء الأخرى. إن أهمية الكتاب كانت جديرة بأن يظهر خلواً من تلك الهنات. وبأن يلحق به المؤلف فهارس بأسماء الكتب والأعلام والقضايا، لكثرة ما ورد وما تداخل في ثنايا فصوله من كل ذلك، ممّا تضيع درره بين ركام من التفصيلات والاستطرادات المتنوعة التي تحجب عنا الإفادة السريعة الميسورة من معظم الحقائق التي يسوقها إلينا في تلك الفصول.

стр. 12942

٢- "منهج البحث في الأدب": أملية جامعية أصدرها الدكتور شكري عياد لطلاب الدراسات العليا بمعهد الآداب والثقافة العربية في جامعة قسنطينة (الجزائر) عام ١٩٧٧. تدارك المؤلف فيها ما فات الآخرين غالباً فيما يتعلق بالتحقيق أو بالدراسة الأدبية وعلاقاتها بالدراسات التاريخية. فدرس جوانب جديدة في هذا الاتجاه بعمق لم تعرفه أي من الدراسات العربية التي وضعت حتى الآن في هذا الباب، وأضاء كثيراً من الكوى حول كتب المصادر العامة والموسوعات، وطبيعة المنهج ومادته، وتحقيق كل من النصوص المروية أو المخطوطة أو المطبوعة، وكذلك فحص الوقائع التاريخية وتحقيقها والتأكد من صحتها من خلال الاستعانة بالموسوعات المتخصصة وكتب التراجم وكتب الفهارس، وكشف أيضاً جوانب من الدراسة الخارجية والدراسة الداخلية للنص لم تزل مظلمة عند كثير من باحثينا. ٢- "منهج البحث الأدبي": ألفه الدكتور علي جواد الطاهر وطبع لأول مرة في بغداد عام ١٩٧٠. وهو كتاب يمتاز بمقدمته وتمهيده الخصبين اللذين يعّرفان البحث والمنهج تعريفاً مفصلاً يقدم للقارىء- طالباً ومدرساً لمادة منهج البحث- كثيرا من الإضافات المفيدة الممتعة، كما يمتاز بـ "المراجع النافعة"التي ألحقها بكتابه سارداً فيها أسماء أهم الكتب العربية والفرنسية والإنجليزية مما يمكن أن يعود بالفائدة على القارئ في هذا الباب. ولكن ما ينحصر بين فاتحة الكتاب وخاتمته من فصول، لا يزيد عن دروس في آداب البحث، يتناول فيها اختيار الموضوع وتبييضه وطبعه على الآلة الكاتبة ثم في المطبعة، وهي دروس سبق أن بحثت في أكثر من كتاب عربي كما سنرى، وإن كان يسجل للمؤلف هنا تخصيصه جزءاً من أحد فصول الكتاب لحديث مفصّل مفيد عن الدرجات العلمية وأنواعها وأسمائها واختلافها بين أهم جامعات العالم.

стр. 12943

٤- "منهج البحوث العلمية": وضعته ثريا عبد الفظاح ملحس ونشر في بيروت عام ١٩٦٠، تدرس المؤلفة فيه وسائل البحث وأدواته وخطواته دراسة علمية، مستعينة بأمثلة توضيحية كثيرة، ويمتاز بمراجعه الأجنبية الكثيرة التي اعتمدتها المؤلفة وكلها إنكليزي، ومع ذلك فهو كتاب لا يضيف جديداً إلى كتاب الدكتور أحمد شلبي (كيف تكتب بحثاً أو رسالة) الذي نشره في القاهرة عام (١٩٥٢) والذي يعد رائد الكتب العربية في هذا الباب، وهذا رغم حرص المؤلفة على أن تذكر في مقدمتها أنها تسعى إلى إضافة جديد في مكتبة مناهج البحث. ٥- "الاستقراء والمنهج العلمي": للدكتور محمود فهمي زيدان. نشر في الإسكندرية عام ١٩٧٧، وهو كتاب غزير الفائدة في معرفة تاريخ الاستقراء وتطوره وأنواعه وطرق استخدامه في البحوث العلمية، وقد أفاد كثيراً من كتاب الدكتور محمود قاسم (المنطق الحديث ومناهج البحث) كما أفاد من كثير من المراجع الإنجليزية غير المترجمة إلى العريية. ولكن لغة الكتاب، التي كانت قاصرة في كثير من الأحيان عن التعبير بوضوح وسلامة عن أفكاره المترجمة، والأخطاء المطبعية الكثيرة التي وقعت فيه، تنال كثيراً من قيمته العلمية، وتحدّ من درجة الإفادة منه والتعويل عليه.

стр. 12944

٦- "أصول نقد النصوص ونشر الكتب": محاضرات ألقاها المستشرق الألماني برجستراسر (Bergstraesser) على طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة عام ١٩٣١، ثم نشرها وقدم لها الدكتور محمد حمدي البكري في القاهرة عام ١٩٦٩، وهو أول مؤلف يوضع بين أيدي المحققين العرب، يرشدهم إلى أصول تحقيق الكتب ونشرها، وينبههم إلى الأخطاء الكثيرة التي رافقت تحقيق الرواد من العرب لكتب التراث، ولكن الدكتور البكري ارتكب خطأ منهجياً كبيراً للكتاب حين أضاف إليه إضافات عديدة في الهامش وفي المتن، ليست من أصل الكتاب، دون أن يشير إلى ذلك في أماكنه أو في مقدمة الكتاب، ولولا معرفتنا تاريخ وضع الكتاب أو المحاضرات وتاريخ وفاة المؤلف (١٩٣٢) لظنناها جزءاً من أصل الكتاب. ٧- "منهج البحث في الأدب" (تأليف غوستاف لانسون) و "منهج البحث في اللغة" (تأليف انطون ماييه) : وكلا المؤلفين فرنسي استجاب لطلب ناشر كتاب (De la methode sciences) فأعدّ كل منهما دراسة عن منهج البحث في اختصاصه لتكون جزءاً من الكتاب الموسوعي الكبير الذي خرج في جزءين من نحو ألف صفحة. وقد ترجم الدراستين إلى العربية الدكتور محمد مندور ونشرها في بيروت عام ١٩٤٦، ثم ألحقها في الطبعات المصرية التالية بكتابه (النقد المنهجي عند العرب) . والكتاب الأول (منهج البحث في الأدب) أكثر استحقاقاً لاسمه لأنه يتحدث باستيفاء وتركيز شديدين عن منهج البحث بوصفه علماً بحتاً، مع التركيز على الباحث التاريخي والباحث الأدبي خاصة، مما لا غنى عنه للدارس العربي إذ لا يحلّ محلّه كتاب آخر وضع بالعربية أو ترجم إليها. أما الكتاب الثاني (منهج البحث في اللغة) فهو في حقيقته أقرب إلى التمهيد لقواعد علم اللغة ونظرياته منه إلى وضع منهج عام للبحث اللغوي، وهذا على الرغم من أن الكتابين أعدّا لهدف عام واحد في الأصل كما قدمنا [٢] .

стр. 12945

ويجدر بنا هنا أن نميز بين أنواع الدراسات التي وضعت في موضوع منهج البحث، فبعضها انصرف إلى البحث العلمي، وبعضها إلى البحث التاريخي وآخر إلى البحث اللغوي، وكثير منها إلى البحث الأدبي، وانصرف بعضها إلى تحقيق الكتب والنصوص القديمة أو الحديثة، ولكن ما هو أكثر أهمية من ذلك اختلاف طبيعة هذه البحوث حتى ضمن الفرع العلمي أو الإنساني الواحد، فمن الضروري أن نميز فيها أيضاً بين ما كتب في (طرائق البحث) وما كتب في (آداب البحث) وما كتب في (أصول البحث) وهي مصطلحات لابد من التمييز بينها، خلافاً لما ذهب إليه الدكتور علي جواد الطاهر حين ساوى بينها وجعلها أسماء لمسمى واحد [٣] . (فطرائق البحث) : وهو المصطلح الأجدر بأن يساوي مصطلح (منهج البحث) - تعني المناهج النظرية والفكرية والفنية التي يتبعها الباحث في إنشاء بحثه، والمنهج لغوياً، هو الطريق، فللباحث أن يتبع منهجاً نظرياً: فرضياً، أو استقرائياً تقليدياً، أو استقرائيا معاصراً، أو منهجاً فكرياً: تأثريا، أو موضوعياً أو مادياً أو إسلامياً أو تقريرياً، أو منهجاً فنياً: وصفيا أو تاريخيا أو نقدياً أو نفسيا أو اجتماعياً أو جمالياً أو بنيوياً أو تكاملياً ... الخ. أما (آداب البحث) فهي القواعد التنظيمية التي لابد من مراعاتها حين ممارستنا للمناهج المذكورة نظريا أو فكرياً أو منهجيا، وهي قواعد تهدي الباحث في جمعه لمادته وسعيه وراء مصادرها، ثم في طريقة الإفادة منها وتنظيمها وتبويبها وصياغتها وإخراجها بعد ذلك في بحث مخطوط فمطبوع، وأما (أصول البحث) فتعني القواعد السلوكية والأخلاقية التي يتخلّق بها الباحث في تعامله مع مصادره البشرية وغير البشرية، وكذلك قواعد الأمانة العلمية والتاريخية التي لابد أن يأخذ نفسه بها خلال كتابته للبحث.

стр. 12946

(البحث الأدبي) لشوقي ضيف مثلا كتاب في طرائق البحث وآدابه وأصوله معًا بينما ينصرف بحث شكري عياد إلى طرائق البحث وأصوله دون آدابه. أما مؤلفات أحمد شلبي وثريا ملحس وعلي جواد الطاهر فتنصب على آداب البحث خاصة دون الجانبين الآخرين. أما هذا البحث فليس في طرائق البحث ولا في آدابه ولا في أصوله، بل هو في (طرائق المنهج) أو هو في (علم المنهج) بتعبير أصح. ومع ذلك فأنا لم أضع نصب عيني في كتابة بحثي استقصاء طرائق المنهج، وإنما أردت أن اقترح طريقة في دراسة المنهج أو تدريسه، وإن كانت هذه الطريقة قد قدمت عمليا- ومن غير القصد المباشر إلى ذلك- كثيرا من الخطوط الرئيسية، وأحياناً، الفرعية. لأصول البحث وطرائقه. ولعل لدعوة الدكتور علي جواد الطاهر في مقدمة كتابه (منهج البحث الأدبي) إلى أن "ينهض الأساتذة إلى نشر خبراتهم الخاصة، والحديث عن المناهج التي ساروا عليها في جامعاتهم التي درّسوا فيها" لعل لهذه الدعوة أثرها غير المباشر في انصرافي إلى صياغة هذا البحث الذي جاء ثمرة لتدريس مادته لطلاب الدراسات العليا في جامعة قسنطينة (الجزائر) ومن قبلها في جامعة اللاذقية (سورية) . وقد أردت في بحثي أن أضع بين يدي الباحثين - طلاباً وأساتذة على السواء- حصيلة تجربة متواضعة في هذا المجال، دون أن أسمح لنفسي بأن أردد ما سبق إلى ترديده ونشره الباحثون الآخرون. إنها طريقة وجدت أنها الأصلح في تدريس مادة ((منهج البحث)) وأنها الأكثر فائدة لطلاب هذه المادة لأنها تعينهم على اكتساب قدر وافر من المنهجية التنظيمية والفكرية والتعبيرية في صياغة بحوثهم. وقد انتهيت إلى ذلك لعلمي أن الطالب الذي دفع به تفوقه إلى الدراسات العليا لا بد أن يكون: ١- قد قرأ جيداً في الماضي. ٣- قادرا على أن يقرأ جيدا في المستقبل.

стр. 12947

وإذن كان على المدرس أن يشحذ فيه الطاقة الكامنة التي اكتسبها من خلال تلك القراءة الوافرة، ليس بإلقاء المعلومات القديمة أو الجديدة عليه، فبإمكان القراءة أن تغنيه إلى حد شبه تام عن ذلك كله، ولكن بطريقة تفجير الفكرة تلو الفكرة في رأس الطالب، ومساعدته على تخليقها وبلورتها ثم تنظيم هذه الأفكار ووضعها- عن طريق الطالب نفسه- في السياق المنهجي الذي ينتظمها جميعاً. فمن المهم لأستاذ الدراسات العليا- وهو غالباً ما يدرِّس طلاب الدراسات الجامعية الدنيا في الوقت نفسه- أن لا يقدم لطلابه من خلال المواد التي يدَرِّسها المعلومات نفسها التي سبق للطالب أن تلقاها- جزئياً أو كليا- في دراساته الجامعية الأولى، بل من المهم أن لا تكون محاضرته مجرد محاضرة في المعلومات "محاضرة إعلامية"إذ من السهل على الطالب أن يعود إلى هذه المعلومات حيث يحيله المدرس إليها، وإذا كان من معلومات جديدة لدى المدرس ما لا تتوفر في الكتب. فبإمكانه أن يخرجها في أملية يضعها بين يدي طلبته، ولكن الأهم من ذلك كله أن يعمل أستاذ الدراسات العليا على صياغة محاضراته بشكل يستطيع معه تغذية ملكة البحث والتفكير لدى الطالب، فيحاول أن يستنبط مادة المحاضرة من ألسنة طلابه بعد أن يطرح عليهم موضوعه، وتكون طريقة طرح هذا الموضوع قادرة على تفجير الأفكار في نفوسهم. وقدح زناد ملكتهم التفكيرية والإبداعية، ثم إذا ما انتهى من "نتح"ما عندهم حول هذا المحور الذي طرحه، انصرف وإياهم إلى "منهجة "أفكارهم ومناقشتها، ثم ترتيبها وتبويبها تبويبا منهجيا منطقياً بحيث يمكن أن تكون عناصرها في النهاية عناصر لموضوع أو بحث أدبي صغير هو جماع المحاضرة في الحقيقة.

стр. 12948

إن الغاية الأساسية لأستاذ الدراسات العليا هي بذلك تلقين طلابه- من خلال محاضراته- تلقيناً عملياً تطبيقياً، ما أمكن، أصول "المنهجية"وطرائق التفكير العلمي الموضوعي، وكذلك التعبير بدقة وموضوعية عن أفكارهم التي تعتمل في أذهنتهم دون أن يجدوا القدرة في كثير من الأحيان، على إخراجها إلى حيز الوجود في الشكل اللغوي الصحيح وفي البناء المنطقي السليم، مما لا يمكن أن يحصل عليه هؤلاء الطلاب من المكتبة أو غيرها بمفردهم. و"المحاضرة الإعلامية " توازي في كثير من بحوثنا الأدبية المعاصرة "التأليف الوصفي"أو "التاريخي"في دراسة الأدب، وهي بحوث يعفي المؤلف نفسه فيها من أي إبداع أو كشف جديد، فينصرف إلى صياغة الواقع التاريخي للأدب- ماضياً أو حاضراً- صياغة وصفية أفقية، فيها من الزخرف الإنشائي - أحياناً- أكثر مما فيها من الفكر والإبداع. ولعل كثرة هذه البحوث التاريخية- الإنشائية كانت وراء التقسيم المفتعل الذي فرض على مادة الأدب في معظم الجامعات العربية، فجعلها في مادتين: واحدة في تاريخ الأدب، وأخرى في نصوصه، مما شجع الاتجاه التاريخي أو "الإعلامي"لدى كثير من أساتذة الأدب في محاضراتهم الجامعية، سواء على مستوى الدراسات الجامعية الدنيا أو على مستوى الدراسات العليا، فرأينا كثيراً من المحاضرات في مادة الأدب تسرد على الطلاب تاريخ أدبهم سرداً أجوف تغني الطالب عنه عشرات من الكتب التي تؤرّخ لهذا الأدب، فيستعيض بها أو ببعضها عن مدرسه الذي يتجشّم عناء السرد عليه ومشقة المحاضرة فيه. إن تجاوزنا لمرحلة الدراسة الوصفية أو التاريخية للأدب تدفعنا إلى تجاوز هذا التقسيم المفتعل لمادة الأدب من ناحية، وإلى تجاوز "المحاضرة الإعلامية"- حتى على مستوى الدراسات الدنيا- من ناحية أخرى.

стр. 12949

والطرائق لتجاوز الأسلوب "الإعلامي" كثيرة، لعل أبرزها وأقربها متناولاً طريقة طرح الأسئلة المحيطة بالموضوع الذي يريد المدرّس أن يحاضر فيه. ولطريقة طرح الأسئلة هي أيضاً طرائق متعددة، فهناك السؤال الجزئي، والسؤال الكليّ، والسؤال المباشرة والسؤال غير المباشر، والسؤال المفرد، والسؤال المزدوج. وهذا النوع الأخير من الأسئلة- الأسئلة المزدوجة- هو الذي تبنّيناه في تدريس هذه المادة، ومن ثم في صياغة هذا البحث، وهو الذي نراه أكثر مقدرة على تفجير طاقة الطالب الكامنة، لأنه يقوم على قطبين: سالب وموجب - إذا استعملنا لغة الفيزيائيين- يمكن بالتقائهما أو تصادمهما أن يثيرا الشرارة الغنيّة التي نسعى للحصول عليها من ذهن الطالب. وهكذا لم أشأ أن ألقي درساً إعلامياً على طلابي في منهج البحث، الصحفي، أو العلمي، أو التاريخي، أو اللغوي، أو الأدبي، بل كنت أضع الطلبة في كل محاضرة أمام سؤال مزدوج يشدّ عقولهم باستمرار إلى محور الموضوع الأساسي للمحاضرة، ويدفعهم إلى أن يعطوا من بنات أفكارهم أكثر مما كانوا يتوقعون، مهما كان ظنهم بأنفسهم حسناً. وهكذا بدأت معهم محاضراتي بإلقاء هذا السؤال عليهم: - ما الفرق بين الصحفي والباحث؟. وتتالت أجوبتهم الذكية- غالباً- بعد أن قدح السؤال المزدوج زناد أفكارهم: إن على أذهانهم الآن- تبعاً لطبيعة السؤال- أن تبحث، في وقت واحد، عن حقيقة الصحفي، وعن حقيقة الباحث، ثم أن توجد المعادلة إثر المعادلة في إيضاح الفروق الأساسية بينهما، ثم أن تبحث عن صياغة مقبولة سليمة لهذه المعادلات يمكن أن تعبر بدقة عن المطلوب منهم: الفرق بين الطرفين.

стр. 12950

وكانوا- في البداية- كثيراً ما يخلطون بين "الفروق"وغيرها، فيأتون بصفة للصحفي لا تقابل تماماً الصفة التي قدموها للباحث، مما يخرج بهم عن "المعادلة"المطروحة، ثم لا يزالون يصقلون إجابتهم ويهذبونها حتى يستقيم لهم طرفا المعادلة، فأسجّل الإجابة أمامهم، بعد أن قسمت اللوح المخصص للكتابة إلى قسمين: الأول للصحفي، والآخر للباحث. وتظل الإجابات تترى. ثم لا يلبث نوع من هذه الإجابات أن يدفعني إلى تعديل لابد منه على السؤال، إذ يتبين من خلال طرح الإجابات ومناقشتها وجود أكثر من نوع واحد من الصحفيين في أذهان الطلاب فهناك "الصحفي اليومي"، أو "الإخباري"الذي لا يهمه - في كثير من الأحيان- أن يمحص الخبر وأن يدقق كثيراً في صحته، وهناك "الصحفي السياسي"الذي يهمه إبراز أخبار معينة وإخفاء أخرى، أو يستخدم أساليب ذكية في عرضها يجعل من الخبر الأول خبرا ثانوياً، أو العكس، هذا إذا لم يصطنع الأخبار أو يزيفها بنفسه، ثم هناك "الصحفي الشهري"أو "الفكري "والذي هو في حقيقته باحث أيضاً، وإنما تقوم مقارنتنا هذه على "الصحفي اليومي"خاصة دون "الصحفي الفكري"حتى نحقق التباعد بين الطرفين إلى أقصى حد، ولكي نصل من خلال هذا التباعدا في أذهان الطلاب، إلى ما يمكن أن نصل إليه من ملامسة القطبين الكهربائيين السالب والموجب، من قوة أو طاقة. وهكذا نعيد صياغة السؤال بشكل أكثر دقة فيكون: ما الفرق بين الصحفي اليومي والباحث؟

стр. 12951

وإذا تجمع أمامنا عناصر عديدة تكاد تستقصي الفروق بعين هذين الطرفين- ومعظمها من صنع الطلاب أنفسهم- نعود إلى دراستها عنصراً عنصراً: من الناحية الفكرية، والتعبيرية، والمنهجية، فنحذف منها ما أغنى عنه غيره، ونعدّل منها ما استدعت موضوعية الفكرة أو دقتها تعديله، ونعيد صياغة ما قصرّت لغته عن الوفاء بالمعنى المقصود بدقة، ويجري هذا كله على أيدي الطلبة أنفسهم- مع المساعدة الضرورية من المدرس أحياناً- ونفصّل خلال ذلك، الحديث عن هذه العناصر، دارسين جوانب كل عنصر منها على حدة، وملمين عبر هذا التفصيل بشوارد العنصر وروافده. وتأتي الخطوة الأخيرة، في إعادة ترتيب العناصر التي توصل إليها الجميع، من قبل الجميع أيضاً، ترتيباً منهجياً يراعي تسلسل الأفكار واطرادها، متصورين أن هذه العناصر ما هي إلا عناوين فقرات في موضوع أو فصول في كتاب، فإذا ما توصّلنا إلى ترتيبها على هذا الشكل كان أمامنا مخطط كامل لموضوع أو بحث. ثم لا تلبث المحاضرات التالية أن تضع الطلاب أمام أسئلة أكثر دقة، ومن ثم تكون الإجابة عليها أكثر صعوبة، وأشدّ إثارة للفكر، وتفجيرا للطاقة، فكلّما قلّت المسافة بعين قطبي المعادلة ازدادت صعوبة تحديد الفروق بينهما، وفي الوقت نفسه ازداد العمق الفكري للمحاضرة، وازدادت إجابات الطلاب دقة وتركيزاً. وهكذا يجد الطلاب أنفسهم في المحاضرة التالية أمام هذا السؤال: - ما الفرق بين الباحث العلمي والباحث الإنساني؟ فيدخل بهم السؤال الجديد عالما أكثر ضيقا: عالم الباحثين وحدهم، فإذا كان الفرق بين الباحث وغير الباحث كبيرا وواضحا، فهو بين الباحث والباحث دقيق وأقل وضوحا. ولكن أن يكون الطرف الأول من المعادلة هو (الباحث العلمي) والطرف الثاني هو (الباحث الإنساني) - وبينهما مسافة لا يخفى امتدادها- يجعل الانتقالة بين السؤالين، الأول والثاني، انتقالة بسيطة ميسورة.

стр. 12952

ولكن بالانتقالة التالية، ثم ما بعدها، نشدّد الحصار أكثر فأكثر على الطالب، حين نضعه في المحاضرات المتوالية أمام هذه الأسئلة المتطورة عمقا والمطردة دقة وتركيزا. - ما الفرق بين الباحث والمحقق؟ - ما الفرق بين الباحث الأدبي والباحث التاريخي؟ - ما الفرق بين الباحث الأدبي والباحث اللغوي؟ - ما الفرق بين الناقد الأدبي والمؤرخ الأدبي؟ - ما الفرق بين دارس الشعر ودارس النثر؟ ومع اشتداد الحصار عليه تزاد العمليات الذهنية لديه قوة وعمقا، وتزداد أجوبته دقة وإحكاما، ويصل مع أستاذه إلى السؤال الذروة وقد أصبح ملمًّا بمعظم عناصر المنهج ومقومات البحث من ناحية، وممتلكا لمقدرة أكبر على التفكير و "المنهجية"وإصدار الأحكام العميقة الجادة، من ناحية أخرى. إنها أسئلة اخترتها تبعا لاتجاهات طلابي الدراسية وطبيعة اهتماماتهم وحاجاتهم ضمن هذه الاتجاهات، ولكل مدرس أن يختار الأسئلة التي يعتقد أن الإجابات ستقدم لطلابه أهم ما يحتاجونه من مادة منهج البحث. وعلى هذا فالأبواب مفتوحة أمام المدرس في وضع مثل هذه الأسئلة المزدوجة، واتجاهاتها كثيرة، وألوانها مختلفة، تبعا لاختلاف المادة، أو نوعية اختصاص الطلبة، كما في هذه النماذج المتباعدة من الأسئلة مثلا: - الفرق بين الباحث الديني والباحث العلماني. - الفرق بين الباحث الإسلامي والباحث الماركسي. - الفرق بين المؤرخ اللغوي والباحث اللغوي. - الفرق بين المحقق في الغرب والمحقق في الشرق العربي. - الفرق بعين الباحث الشرقي والباحث الغربي. - الفرق بين تحقيق كتاب في العربية وآخر في اللاتينية. - الفرق بين محقق الكتاب القديم ومحقق الكتاب الحديث. - الفرق بين طباعة الكتاب في الشرق العربي وطباعته في الغرب. - الفرق بين عمل الباحث وعمل المترجم. - الفرق بين منهج المقالة الصحفية ومنهج الخبر الصحفي.

стр. 12953

- الفرق بين منهج الخبر الصحفي ومنهج الإعلان الصحفي. - الفرق بين المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي في دراسة الأدب. - الفرق بين المنهج التكاملي والمنهج البنيوي ... الخ. وهي أسئلة ما تزال تحتاج إلى من يجيب عنها من الدارسين- ولا أدري إن كنت سأفعل ذلك في المستقبل- وأنا أرجو أن يسبقني إلى ذلك الباحثون الآخرون، وأن يطرحوا على أنفسهم- ومن ثم على قارئيهم- أسئلة كثيرة أخرى تستطيع إجاباتهم عليها أن تستوعب قدراً كبيراً من المادة الفكرية لمنهج البحث عن طريق هذه الفروق التي نتصورها بين أنواع البحوث والمناهج، ثم تفريع الفروع والعناصر من تلك الفروق، تفريعاً نعمد خلاله إلى قتل أطرافها بحثاً ودراسة وتمحيصاً. علم وعمل انظر في سير الأولين وأخبار الماضين. فكم فيها من جليل وغني وكبير، كانت تسير له المواكب، ويقف له على كل باب حاجب قد انقضى بموته خبره، ومحي في غياهب الحقب أثره، فلا نعرف له اليوم ذكراً، ولا نقيم له قدراً، وكم من عالم أو شاعر. أو قائد أو ناثر كان من خدام بابه، وسدنة أعتابه لا يزال ذكره بيننا حاضراً وفضله في أيدينا ناضرا، ولا سبب لهذا إلا أنه كان لهذا (علم وعمل) وأما الأول فكان خلوا منهما، إن هي إلا زخارف وشارة وأبهة وإمارة، تذهب كالزبد جفاء إن حان لصاحبها القضاء. -------------------------------------------------------------------------------- [١] والمنشور هنا هو الجزء الأول منه.

стр. 12954

[٢] اكتفينا بالتعريف بالكتب التي لم تعرف بها الدراسات السابقة، أما الكتب والدراسات الأخرى، العربية والمترجمة، فنشير إلى أشهر مواضع التعريف بها:. الكتب (مصطلح التاريخ) لأسد رستم، و (منهج البحث التاريخي) لحسن عثمان، و (نحن والتاريخ) لقسطنطين زريق، و (كيف تكتب بحثا أو رسالة) لأحمد شلبي، عرفت بها ثريا ملحس في كتابها (منهج البحوث العلمية) ، ثم (منهج البحث الأدبي عند العرب) رسالة دكتوراة لأحمد جاسم الفجيري عرف بها علي جواد الطاهر في كتابه (منهج البحث الأدبي) ، ثم (الأدب وعلم النفس) لسامي الدروبي، و (مناهج الدراسات الأدبية) لشكري فيصل، و (مناهج النقد الأدبي) لديفيد دنيشس ـ ترجمة محمد يوسف نجم، و (تحقيق النصوص ونشرها) لعبد السلام هارون، و (نظرية الأدب) لرينيه ولك وأوستين وارن ـ ترجمة محيي الدين صبحي) وقد عرف بها شكري عياد في أمليته ـ وستصدر في كتاب ـ ثم مقدمة كتاب (الأدب الجاهلي) لطه حسين وقد عرف بها شوقي ضيف في (البحث الأدبي) . [٣] في مقدمة الطبعة الثالثة لكتابه (منهج البحث الأدبي) ص١٢، بغداد: ١٩٧٦.

стр. 12955

الاتجاه الإسلامي في شعر أحمد محرم للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب أستاذ بكلية اللغة العربية ـ جامعة القاهرة من فضل الله على هذه الأمة أن القرون تمر عليها تلو القرون ورسالة الإسلام لم تخمد ولن تخمد أبدا في نفوس وقلوب المسلمين. وكيف تخمد رسالة الإسلام وكتاب الله بين المسلمين يتلى؟ وكيف تخبو عزيمة المسلمين وحديث الرسول ﷺ في أسماعهم يدوي: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ... كتاب الله وسنتي"؟.. أجل.. إنه لم يمر عصر من عصور الإسلام منذ انبثاق هذا الدين القيم حتى عصرنا الذي نعيش فيه إلا وقد برزت عظمة الإسلام معلنة عن جوهر هذا الدين وصدق دعوته إلى الحق وإلى الخير، ومعلنة كذلك عن إخلاص دعاته وإيمانهم برسالتهم لأنها رسالة الحق والخير.. ولقد يتراءى لبعض الناس أحيانا أن مظاهر الضعف أو الفتور قد تغلب على حياة المسلمين مما يهددهم بالتوقف أو الجمود.. ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن دعوة الإسلام لم تخب ولن تخبو أبداً- والله غالب على أمره- مهما تألبت قوى البغي والشر على هذا الدين، وإذا كانت هناك من غفوة ألمت بالمسلمين فإنما يعقبها صحوة، صحوة تعيد للدين مجده وللرسالة إشراقها وبهاءها وللمسلمين قوتهم وعزتهم، فالدين لم يمت، والمسلمون المُعتزّون بدينهم- وهم كثرة- بحمد الله ما زالوا به متمسكين وأولاً وقبل كل شيء فإن منزل الكتاب- جل في علاه- قد ضمن له الحفظ والبقاء، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وليس أدل على ذلك من أن كتاب الله - بعد هذه القرون منذ نزوله- ما زالت آياته تتلى وتملأ الأسماع وستظل بحكمها وأحكامها تعلن للأجيال المتعاقبة أنها الآيات المحكمات..
следующие страницы →