Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
في ٢٥/١١/٨٩ عقدت الندوة الثالثة في المبنى الثاني وكانت كما يلي:
١- قراءة ما تيسر من القرآن.
٢- واجب الشاب المسلم للطالب عبد الرحمن عثمان من الصومال.
٣- قصيدة للطالب أحمد صياصنه من سوريا بعنوان: هذا هو الطريق.
٤- كلمة قيمة جداً بعنوان: صياغة المسلم وبناء المجتمع لفضيلة الشيخ أحمد حسن فرحات.
٥- التعريف ببلاد تايلاند لأحد طلابها.
٦- الإجابة عن الأسئلة تولاها فضيلة الشيخ أحمد حسن.
٧- شكر من المشرف وإجابة عن بعض الأسئلة التي وجهت إليه.
نشاطات الرحلات
من النشاطات التربوية التي يقوم بها الإشراف الاجتماعي نشاط الرحلات والهدف منها هو:
١- التعريف على الأماكن التاريخية لتطبيق المعلومات التي تدرس عنها.
٢- زيادة المعلومات التي لم تتح الفرص لاستيعابها في فصول الدراسة.
٣- حل بعض المشاكل العلمية حين التقاء المشايخ بأبنائهم الطلبة.
٤- تحقيق التعارف بين الطلاب.
٥- الاستجمام والراحة العقلية والتمتع بالسياحة في الفضاء والقيام ببعض الألعاب الرياضية.
٦- القيام بالدعوة والإرشاد في المساجد التي تتوجه الرحلة إلى منطقتها.
وفي خلال السنة الدراسية ٨٨/١٣٨٩هـ قام الطلاب بالتعاون مع الإشراف الاجتماعي بعدد من الرحلات. وآخرها رحلة قاموا بها إلى منطقة (أحد) .. اشترك فيها فضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز ابن باز ومن المدرسين الشيخ عبد القادر شيبة الحمد والشيخ حماد الأنصاري.
وكان من أهم فقرات برنامج هذه الرحلة:
١- تلاوة القرآن الكريم.
٢- كلمة توجيهية لفضيلة نائب رئيس الجامعة.
٣- كلمة للشيخ عبد القادر شيبة الحمد عن الجهاد في سبيل الله.
٤- قام الشيخ حماد الأنصاري على رأس فريق من الطلاب بتمثيل صلاة الخوف عملياً.
стр. 1297
٥- كلمة ألقاها الطالب صالح ابن سعيد بن هلابي بعنوان محنة الإسلام في القرن الرابع عشر.
٦- قصيدة عن غزوة أحد ألقاها الطالب سليمان العمري.
هذا بالإضافة إلى زيارة منطقة الغزوة والاستماع إلى شرح مفصل على أرض المعركة ثم زيارة قبور الشهداء الزيارة الشرعية.
وقد كانت رحلة ممتعة حافلة إلى جانب ما ذكر بألوان شتى من مظاهر البهجة تظللها الأخوة والمحبة بوارف الظلال.. وعندما عاد الجميع إلى المدينة كانت القلوب تحمل معها ذكريات جميلة جليلة عن هذه الرحلة.
стр. 1298
مع الصحافة
يهودية وصهيونية
تنقلا عن مجلة الوعي الإسلامي
مقال للشيخ محمد الغزالي الكاتب المعروف نشرته مجلة الوعي الإسلامي في عددها الصادر بتاريخ ذي القعدة ١٣٨٩هـ يناير ١٩٧٠م ننشره بتصرف.
سمعته يقول: اليهودية شيء والصهيونية شيء آخر.. اليهودية دين سماوي كالنصرانية والإسلام أما الصهيونية فنزعة سياسية متطرفة استغلها الاستعمار الغربي لبلوغ مآربه اليهودية دين قديم له مصادره المقدسة أما الصهيونية فحركة حديثة ولدت في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد وغذتها ونمتها ظروف عنصرية ودولية طارئة.
قلت له: تعني أن اليهودية لا أطماع لها في فلسطين وأنها لم تبيت عدوانا على العرب الآمنين، وأن التوراة والتلمود وسائر الأسفار المقدسة بريئة مما تفعله الآن دولة إسرائيل وأن الحرب المعلنة علينا من خمسين سنة ليست دينية؟!
قال: نعم هذا بدقة ما أريد أن أذكره.. قلت: أو لو قرأت عليك من نصوص الكتب المقدسة ما يدحض هذه الأوهام. قال: كيف؟ يستحيل أن تتضمن هذه الكتب استباحة أرضنا وجنسنا والاستهانة بحقوقنا المؤكدة.
قلت بل سأقرأ عليك من الكتب المقدسة المتداولة بين أيدي القوم ما يزيح هذه الغشاوة عن الأعين وما يشرح أن فلسطين كانت ملكاً لبني إسرائيل خاصا بهم وأنهم أجلوا منها عقاباً إلهياً للآثام التي ارتكبوها وأن الإله الذي عاقبهم تجاوز بعد عن سيئاتهم وقرر إعادتهم إلى أرضهم الأولى كي تفيض عليهم سمناً وعسلاً وخمراً. وإن هذا الإله ندم على ما فعل بشعبه المختار ورد إليه مجده ووطنه كي تتوطد سلطته وسيادته على أنقاض غيره من الأمم.
هكذا تقول صحائف التوراة والتلمود وإصحاحات العهد القديم التي يتعبد اليهود في المشرق والمغرب بتلاوتها والتي يستَوْحون منها سياستهم في القديم والحديث على السواء!!
стр. 1299
وعلى ضوء هذه السطور المقدسة، بل على نارها المحرقة أكلت حقوق العرب وتواصى الأوربيون والأمريكيون باجتياحها.
ثم جاء اليهود في الوقت المناسب ليتسلموا أرض الميعاد التي حدثتهم كتبهم عنها، وباشروا حرب الإبادة التي لابد منها ليسود جنسهم وتقوم مملكتهم!!
وقد كانوا في إقبالهم من شتى القارات إلى فلسطين معبئين بشعور ديني عارم تعمل من ورائه هذه النصوص، كما أنهم في بنائهم دولة إسرائيل ومقاتلتهم العرب أصحاب الأرض كانوا مفعمين بهذه العاطفة الدينة المتركزة على كلمات التوراة والتلمود وإصحاحات العهد القديم.
إننا معشر المسلمين نؤمن بموسى وتوراته أما ما دونه جامعوا العهد القديم ونسبوه إلى الله فأمر آخر يتجاوز فيه الحق والباطل والجد والهزل!!
ونحن نجزم بأن الله لعن بني إسرائيل لعصيانهم وعدوانهم، ونستفيد هذه الحقيقة من كتابنا الوثيق قبل استفادتها من أي شيء آخر فهل تغير من خلائق اليهود ما استحقوا من أجله اللعن؟
لقد مرت آلاف السنين على هذا الشعب المطارد، قاتل الأنبياء المتمرد على وحي السماء!
وبعث الله عيسى إليهم فكذبوه وحاولوا قتله وبعث إليهم محمداً من بعده فكذبوه وحاولوا قتله.
وتتابعت الأعصار وهم حيث حلوا في أرض الله نماذج للأثرة والقسوة وأكل الربا وإشاعة الخنا بيد أن كاتب العد القديم وَعَد اليهود بأنهم سيعودون إلى فلسطين التي نفوا منها وتوارث القوم هذا الأمل، وأحسوا كأن هذا القطر إرث لابد أن يؤول إليهم، وأن غيرهم طارئ عليه يجب أن يزول، وعلى هذا الأساس عومل العرب وعولج وجودهم التاريخي والديني!
стр. 1300
ولنقرأ هذه الكلمات من العهد القديم: "برائحة سروركم أرضي عنكم حين أخرجكم من بين الشعوب وأجمعكم من الأراضي التي تفرقتم فيها وأتقدس فيكم أمام عيون الأمم فتعلمون أني أنا الرب حيث آتي بكم إلى أرض إسرائيل إلى أرض التي رفعت يدي لأعطي آبائكم إياها". (٤١-٤٢) من الإصحاح العشرين حزقيال أيُّ نشوة دينية تغمر اليهود وهم قادمون من كل فج صوب أرض فلسطين؟ وهذا النص الديني يسوقهم! وقبل أن أستطرد في إيراد النصوص الدينية التي تحدث اليهود عن أرض الميعاد وعن قيام دولة جديدة لهم لابد من أن أقف لأشرح وأشرح!
إن بني إسرائيل لم يحدثوا توبة يستحقون بها الرحمة العليا، فهم تائهون عن الحق في مجال الاعتقاد والعمل، وهم وراء أزمات الإيمان والأخلاق التي تزلزل الكيان البشري وتهدده بالدمار الفاشل.
وعودتهم الجزئية إلى فلسطين ترجع أولا وآخرا إلى طبيعة الجبهة المناوئة لهم أو إلى أحوال الأمة التي ورثت الدعوة من بعدهم. إن العرب تخلوا عن قيادة الدعوة العالمية للإسلام بل تجردوا من جملة فضائله وعزائمه بل تسلمت السلطة في بعض أقطارهم حكومات ترفض الإسلام دولة وتكرهه نظاماً (!) في هذا الليل المعتكر من الفتن المتلاحقة قد يأذن الله لليهود بعودة لا قرار لها لأن اليهود لا يحملون بذور رسالة إنسانية صالحة ولأن حملة الرسالة الإسلامية الباقية سوف يستفيقون من غفلتهم أو يتغلبون على هزائمهم ويستأنفون مقاتلة اليهود حتى يجهزوا عليهم.
أليس من تعاجيب الليالي أن تتخلى الأمة العربية عن الإسلام؟ عن الحق الذي رفع الله به قدرها؟ وتزعم وسائل الإعلام بها أن قضية فلسطين ليست إسلامية! وذلك في الوقت الذي يتشبث العبريون فيه بتوراتهم ويعدون فيه فلسطين قسمة إلهيه لهم؟
стр. 1301
وهل يبحث عاقل عن سر هزائم العرب بعد هذا التفاوت الهائل في الروح المحرك لكلا الفريقين؟ فلنقرأ عن أرض الميعاد لا كما يتحدث كتاب الصهيونية، بل كما يتحدث العهد القديم نفسه لنقرأ هذا النص الطويل:
"لذلك فقل لبيت إسرائيل هكذا قال السيد الرب ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل بل لأجل اسمي القدوس الذي بخستموه في الأمم حيث جئتم، فأقدس اسمي العظيم المبخس في الأمم، والذي بخستموه في وسطهم، فتعلم المم أني أنا الرب يقول السيد الرب: حين أتقدس فيكم قدام أعينهم وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم في جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم أطهركم وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحا جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها وتسكنون الأرض التي أعطيت آباءكم إياها وتكونوا لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً.. وأخلصكم من كل نجاستكم.
وأدعو الحنطة وأكثرها ولا أضع عليكم جوعاً وأكثر ثمر الشجرة وغلة الحقل لكيلا تناولوا بعد عار الجوع بين الأمم فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم من أجل آثامكم وعلى رجساتكم لا من أجلكم أنا صانع - يقول السيد الرب - في يوم تطهيري إياكم من كل آثامكم أسكنكم في المدن فتبنى الخرب وتفلح الأرض الخربة عوضاً عن كونها خربة أمام عيني كل عابر، فيقولون هذه الأرض صارت كجنة عدن والمدن الخربة والمقفرة والمهدمة محصنة معمورة فتعلم الأمم الذين تركوا حولكم أني أنا الرب بنيت المنهدمة وغرست المقفرة أنا الرب وتكلمت وسأفعل هكذا قال السيد الرب.
بعد هذه أطلب من بيت إسرائيل لأفعل لهم أكثرهم كغنم أناس كغنم مقدس كغنم أورشليم في مواسمها، فتكون المدن الخربة ملآنة غنم أناس فيعلمون أني أنا الرب" (٢٢-٣٨) الإصحاح السادس والثلاثون حزقيال.
стр. 1302
وهذا نص أيضاً: "هوذا عينا السيد الرب على المملكة الخاطئة وأبيدها عن وجه الأرض غير أني لا أبيد بيت يعقوب تماماً - يقول الرب - لأنه هاأنذا أمر فأغربل بيت إسرائيل بين جميع الأمم كما يغربل في الغربال وحبة لا تقع إلى الأرض. بالسيف يموت كل خاطئ شعبي من القائلين لا يقترب الشر ولا يأتي بيننا في ذلك اليوم أقيم مظلة داود الساقطة وأحصن شقوقها وأقيم روحها وأبنيها كأيام الدهر لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم الذين دعي اسمي عليهم - يقول الرب الصانع هذا -.
ها أيام تأتي يقول الرب يدرك الحارث الحاصد ودائس العنب بأذر الزرع، وتقطر الجبال عصيراً أو تسيل جميع التلال وأذر سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدناً خربة ويسكنون ويغرسون كروماً ويشربون خمرها ويصنعون جنات ويأكلون ثمارها وأغراسهم في أرضهم ولن يقلعوا بعد أرضهم التي أعطيتهم قال الرب إلهك.." (٨-١٥) الإصحاح التاسع، عاموس ونختم بهذا النص:
"هكذا قال رب الجنود: هاأنذا أخلص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلها بالحق والبر" (٧-٨) الإصحاح الثاني، زكريا.
هذه نصوص لم يكتبها موسى ديان في هذا القرن ولم يكتبها هرتزل في القرن الماضي ولم تتمخض عنها مؤتمرات الصهيونية المنعقدة في سويسرا أو فرنسا.. إنها عند ذويها آيات وحي يتلى ومعالم دين يتبع.
وليس اليهود وحدهم الذين يوفون بهذه الوعود السماوية لبني إسرائيل بل كثير من النصارى الذين يجعلون إصحاحات العهد القديم أجزاء من الكتاب المقدس، خصوصا الكنائس الإنجيلية (البروتستانت) الذين يمثلون أكثر شعوب إنجلترا والولايات المتحدة!!.
ولكن عصابة من الكتاب العرب أخذت على عاتقها تغطية هذه الحقائق الدينية والزعم بأن (إسرائيل) تمثل الصهيونية ولا تمثل اليهودية وإن الدين لا علاقة له بهذه الحرب الناشبة لإبادة العرب وتهويد فلسطين!.
стр. 1303
أهو الجهل الأعمى؟
ربما. ومن البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه لا لمن يبصره.
أهو الإقصاء المتعمد لدور الإسلام في المعركة؟
ذلكم أغلب الظن، بل هو جملة اليقين وعمل أولئك الكتاب هو تسميم الفكر العربي حتى يدخل العرب معركتهم الحاسمة بلا روح أي بلا إيمان ديني واضح دافع.
ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل:
ولكن الخير كذلك.
وبأنه مخالف:
ولكن الحق كذلك.
وبأنه محير:
ولكن الحسن كذلك.
وبأنه كثير التكاليف:
ولكن الحرية كذلك.
الرافعي
стр. 1304
أضواء على المذاهب الهدامة
الشيوعية
بقلم الشيخ: عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة
أطلق العرب على المذهب الاقتصادي الذي تسير عليه روسيا ومن نحا نحوها (الشيوعية) وهي في أصل اللسان العربي من قولهم سهم شائع إذا كان غير مقسوم. وهذه المادة استعملت في اللسان العربي في عدة أحوال كذلك وكلها تدور على الذيوع والانتشار فمن ذلك قول العرب (الشاع) للمنتشر من بول الناقة.
(تاريخ)
مزدك:
عرف العالم القديم الشيوعية في صور شتى ومن ذلك ما أثر عن (مزدك) الفارسي الذي ظهر في عهد الملك (قباد) ملك فارس، وكان هذا الملك ضعيفاً مهيناً فسدت في عهده الرعية فزعم مزدك أنه نبي، وأخذ ينهى الناس عن المباغضة والمخالفة والقتال وأعلن أن سبب هذه الفتن هي النساء والأموال لذا رأى أن تباح النساء لكل راغب، وأن تباح الأموال لكل طالب حتى يشترك فيها الناس اشتراكهم في الماء والهواء.
وقد انتشر مذهبه في عامة بلاد فارس ودخل فيه (قباد) نفسه.
وقام الفقراء بتقتيل الأغنياء، وصار الجماعة منهم يدخلون على الرجل فيقتلونه ويثبون على أمواله ونسائه فغضب لذلك بعض عظماء فارس وبخاصة أنو شروان بن الملك قباد وزعيم آخر يقال له_ ساجور_ وتآمروا على مزدك وقتلوه وخلعوا قباد وعينوا أخاه_ جاماسب_ ملكاً عليهم وحاولوا القضاء على الفتنة المزدكية، غير أن قباد استطاع أن يعود إلى الملك وأن يحبس أخاه.
فقوى بذلك شر المزدكية من جديد واستمرت إلى أن قتل قباد وتولى بعده ابنه انو شروان الذي ولد في عهد النبي ﷺ فلما استقل بالملك وجلس على السرير وقال لخواصه:
"إني عاهدت الله إذا صار إليّ الملك ألا أبقي على أحد من المزدكية الذين أفسدوا أموال الناس ونسائهم".
وكان عند سريره رجل مزدكي فقال لانو شروان:
стр. 1305
أتقتل أتقتل الناس جميعاً؟
فنظر إليه انو شروان وقال له:
"أتذكر يا ابن الخبيئة يوم طلبت من أبي أن يأذن لك بالمبيت عند أمي فأذن لك، ولما ذهبت إلى حجرتها لحقت بك وقبلت رجلك التي أثر نتن جوربها في أنفي وتضرعت إليك حتى وهبتها لي ورجعت؟ "
فأقر الرجل أمام الحاشية بما قال الملك، فأمر بقتله فضربت عنقه وأحرقت جثته، ثم أمر انو شروان باستئصال شأفة المزدكية وقضى عليهم.
(كارل ماركس)
كما عرفت الشيوعية في العصر الحديث في صورة متقاربة بزعامة رجال تكاد تتشابه ظروف حياتهم مع حياة مزدك الفارسي وأشهر هؤلاء الزعماء (كارل ماركس) .
حياته:
وقد ولد كارل ماركس ١٨١٨من أبوين يهوديين غير أن أباه لم يستقر على دين آبائه اليهود، فقد تنصر وترك دين اليهودية. أما كارل ماركس فقد ظهر في أول شبابه حريصاً على الدين فقد أثر عنه أنه كان يقول آنذاك:
"الدين أساس الحياة الإنسانية، وهو يلقننا الحكمة والخير".
نفسيته:
بيد أن خبيثة ماركس كانت تعلن عن نفسها في كثير من الأحيان. وقد كان هذا الإعلان يبدو تناقضه في كثير من الأحوال، ويعلل ذلك (اوتورهل) الماركسي إذ يقول:
"إنه كان نموذجياً فيما كان يعانيه من اختلال نشاطه الروحي وكان على الدوام متقلباً حقوداً لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء الهضم والانتفاخ وهياج الصفراء وكان موسوساً يغلو كجميع الموسوسين في الشعور بمتاعبه الجسدية".
وقد عثر على رسالة كتبها والد ماركس يصف فيها حل ولده بأنه يقضي جل لياليه مرهقاً جسده وعقله في دراسة لا لذة فيها معرضاً عن جميع الملهيات في طلب المشكلات الغامضة ليهدم غداً ما بناه اليوم.
стр. 1306
وقد كان ماركس يهمل دروسه ويتقطع عن معهده الأسابيع المتواصلة متابعاً لما شذ من الآراء التي يبنيها اليوم ويهدمها غداً أو باحثاً عن اللذة الجنسية والمتاع الجسدي. وقد شغف أولا بدراسة المذاهب الاقتصادية وحصل على شهادة الدكتوراه بالمراسلة من جامعة جينا الألمانية عام ١٨٤١م.
وكان ماركس أيام حياته الدراسية عالة على أبيه –هرشل- فلما مات أبوه صار عالة على أمه وأخته حتى عجزتا عن مواصلة الإنفاق عليه، فصار يلجأ إلى الاستدانة من أقربائه وأصدقاءه وبخاصة من - انجلز - قرينه في الدعوة على الشيوعية.
وكان أصدقائه إذا ضاقوا من طلباته حاولوا أن يكلفوه ببعض الأعمال التي قد تدر عليه بعض الرزق ولكنه كان يبوء بالفشل في كل عمل يسند إليه.
وكان ماركس قد تعرف على فتاة بارعة الجمال أثناء دراسته للحقوق في جامعة بون تدعى جيني ولم يكن أحد قد اشتم منه رائحة نزعته الشيوعية إلى ذلك الحين وكان عمره لا يتجاوز العشرين. وقد وقعت الفتاة في قلبه وهام بها، ولم يكن في أول أمره ذلك يفكر في الزواج منها نظراً لأنها من طبقة فوق طبقته أهله، والتقاليد تقف حجر عثرة في سبيله غير أن الفتاة بادلته الحب ورغبت في الزواج منه ولم تعبأ بالفوارق الطبقية التي توجد بينهما.
وقد بذل ماركس وجيني كل ما يستطيعان لتحقيق حلمهما في الاقتران الرسمي وتمكين عواطفهما المشبوبة من الحصول على ثمرة طويلة، حتى تمكنا من ذلك إذ أعلنت الفتاة في عزم وإصرار أنها لن تتخلى عن ماركس مهما كانت الفوارق الطبقية بينهما، وأنها راضية به على أية حال.
وعلى الرغم من تحقيق هذا الحلم فقد بدأ ماركس يشعر بالحقد الثائر نحو نظام الطبقات الذي كاد يحول بينه وبين حبيبته جيني، وقد بدأت مشكلة المعاش له ولزوجته تتعقد أمام ماركس فقد زادت نفقاته ولم يتحسن إنتاجه ولا سيما بعد أن صار ذا أولاد.
стр. 1307
وقد صورت زوجته جيني ماصارت إليه هي وزوجها من البؤس في كتاب إلى صديق لها تطلب منه أن يمد لها يد المساعدة قالت فيه:
"أئذن لي أن أصف لك يوماً من أيام هذه الحياة، وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسيناه، فأنا مريضة سقيمة ومع أن ثديي وظهري بهما أوجاع وآلام بالغة فإنني مضطرة إلى أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة لأنني لا أستطيع أن ادفع أجرة مرضعة، ولكن كان طفلي يرضع الحزن والألم والوجع فيتلوى من المرض ليلاً ونهاراً. ومع هذا الفقر والحاجة فقد دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت منا أجرة البيت كما طالبت بما علينا لها من القروض، ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد حجزت على كل ما نملك في البيت حتى فراش الطفل وباعته بما لها علينا من الدين، ثم طردتنا إلى الشارع والمطر ينهمر بغزارة، والبرد القارس لا يرحم، وبذل زوجي ماركس كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إيواءنا".
كما كتبت جيني مرة أخرى تصف إحدى ليالي البؤس التي مرت بها وبماركس فتقول:
"أحست ابنتنا بنزلة شعبية، وصارعت الموت ثلاثة أيام ثم ماتت وأخذنا نبكي عليها ولم يكن لدينا ما نجهزها ونكفنها به، وأبقينا الجثة حتى نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين!..
واأسفاه!.. وفدت أبنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهداً وعندما غادرت الدنيا لم نجد كفناً".
من هذه الصور نستطيع أن نعرف الدوافع التي حدت بماركس أن يكون داعياً لمصارعة الطبقات ثائراً عنيداً في الدعوة إلى الشيوعية، عبداً ضارعاً أمام محراب المادية.. ينفث سمومه في نواح متعددة من أوربا ولاسيما في إنجلترا حتى مات عام ١٨٨٣م.
ولما قامت الثورة الروسية ضد القياصرة من أسرة_ روما نوف_ بعد الحرب العالمية الأولى وتسلم قيادة الثورة لينين أحد الماركسيين ظهرت الشيوعية الرسمية الأولى مرة في العصر الحديث.
(المذهب الماركسي)
روحه وصورته:
стр. 1308
للمذهب الماركسي روح وصورة، أما روحه: فهي فلسفته في الكون وأنه لا أثر فيه لغير المادة فلا إيمان إلا بالمادية.
وأما صورته: فهي المخططات الرئيسية التي لا بد منها القيام المجتمع الشيوعي.
المادية:
أعلن ماركس بأنه لا يؤمن بغير المادة، وأن كل شيء في الوجود إن هو إلا أثر من آثار المادية والمادية في نظر كارل ماركس تعني عدم الإيمان بالغيب كما تعني الكفر بالله فاطر السماوات والأرض، وإنكار جميع المظاهر الدينية والمذاهب الروحية، والمنازع الأخلاقية، والتقاليد ونظام الزواج والأسرة، وكذلك إنكار العواطف والتأثيرات النفسية والوجدانية، والعلوم والمعارف والآداب فهذه كلها في نظره من تضليلات أصحاب الثروة (الرأسماليين) لاستغلال الفقراء والمساكين. وليس هناك إلا المادة فهي التي تكون وقائع التاريخ وما المظاهر الكونية كلها إلا مادة بحتة.
الدين:
يزعم ماركس أن الدين وسيلة من وسائل الاستغلال، اخترعه أصحاب الثروة والمسيطرون على مصادر الإنتاج ليخدروا به الشعب حتى يسهل استغلالهم وتتيسر سرقتهم وقد اضطرب ماركس في شأن الدين اظطراباً عنيفاً فمرة يقول فيه: أنه "أفيون الشعب"الذي يخدرها عن رؤية الحقائق المادية. ومرة يزعم أنه انعكاس القوى الظاهرية التي تسيطر على معيشة الإنسان اليومية على معنى أن الإنسان يرى في المناظر الطبيعية قوة جبارة لا مناص له من الخضوع لها، فتراه يعبد منها ما لا يدركه. وطورا يصفه بأنه تزلف من واضعيه إلى أرباب السلطان وأصحاب رؤوس الأموال. وحينا يقول:
"إنه الغذاء الخادع للضعفاء لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم في الوقت الذي لا يتمكن من إزالتها". وأحياناً يقول: "هو خمرة الشعوب يروضها على الفقر والمسكنة ويلهيها بما يغريها من نعيم الآخرة عن نعيم الدنيا ليستأثر به سادة المجتمع ويغتصبوا منه علانية أو يسرقوا منه خلسة ما يطيب لهم أن يغتصبوه أو يسرقوه".
стр. 1309
وموقف ماركس المظطرب في الدين قرينه لاظطرابه النفسي، وعجز ظاهر عن مقارعة الشرائع وقد فاق ماركس الدهريين في إنكار ما وراء المادة إذ قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر﴾ .
فإن ماركس حاول أن يفسر المظاهر الدينية بهذه الآراء المظطربة.
فأين الرأسماليون الذين أتى وحيهم بالإسلام؟ وهل علم ماركس والماركسيون بقصة الملأ من قريش حينما أرسلوا أحد زعمائهم إلى الرسول ﷺ يقول له:
"إن كنت تريد المال جمعنا لك منه ما تريد حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كان بك شيء عالجناك".
وحينما انتهى سفير قريش من هذا الخطاب يقول الرسول ﷺ :
"انتهيت يا عم؟ ثم يقرأ أول سورة فصلت حتى يبلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
وحينئذ تتسرب أنوار الحقيقة إلى قلب ذلك السفير ويخاف على نفسه فيضع يده على فم رسول الله ﷺ ويقول: "ناشدتك الرحم أن تكف". ثم يأتي إلى قومه وينصحهم طاعة رسول الله ﷺ ويقول:
"إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليس من كلام البشر".
وهل علم ماركس والماركسيون قصة الملأ من قريش حينما اجتمعوا في بيت أبي طالب يقولون له:
"إما أن تنهى محمداً عن تسفيه أحلامنا، وتضليل معتقداتنا أو تخلى بيننا وبينة"حتى يقول له عمه:
"يا ابن أخي لو أبقيت على نفسك فيقول له رسول الله ﷺ :
"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
стр. 1310
وهل يظن ماركس والماركسيون الملأ من قوم فرعون هم الذين أوحوا إلى رسول الله موسى ﵇ بالدين الفذي جاءهم به ودعاهم إليه فيقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟﴾ فيقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ .
فيقول لمن حوله: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؟﴾
حتى يقول موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ فيقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ . فيقول موسى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ حتى يقول فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فيقول موسى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ .
وهل يظن ماركس والماركسيون أن الملأ من قوم فرعون أو من بني إسرائيل هم الذين أوحوا إلى موسى بتحريم المراباة وأن يقاد للنفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن والسن بالسن، وأن الجروح قصاص.
وهل يظن ماركس أن أغنياء اليهود والرومان هم الذين أوحوا إلى عيسى بن مريم حتى جاء بالإنجيل وهو الذي أثر عنه أنه يقول:
"إن دخل إلى مجمعكم رجل واحد بخواتيم الذهب في لباس بهي ودخل معه فقير بلباس وسخ فنظرتم إلى اللابس اللباس البهي وقلتم له:
- أجلس هنا حسناً.
- قف أنت هناك أو أجلس تحت موطئ القدمين.
فهل لا ترتابون في أنفسكم وتصيرون قضاة أفكار شريرة؟ ".
وهل علم ماركس أن رجلاً من فقراء المسلمين مر على رسول الله ﷺ وهو جالس مع بعض أصحابه ﵃ فقال ما تقولون في هذا قالوا:
"حري به إن خطب ألا يخطب، وإن قال ألا يستمع، وإن شفع أن لا يشفع، ثم مر رجل من أغنياء المسلمين فقال ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري به إن خطب أن يخطب، وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع". فقال ﵊:
стр. 1311
"هذا- يعني الفقير - خير من ملء الأرض مثل هذا - يعني الغني -".
ولا شك أن ماركس يجهل هذه الحقائق ولا يدري عنها شيئاً ولو أدعى معرفتها لكانت البلية أخطر والمصيبة أعظم:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
الأخلاق والآداب:
يحارب الماركسيون جميع الأخلاق التي قد يتصف بها شعب من الشعوب أو فرد من الأفراد، بدعوى أن هذه الأخلاق سواء كانت فردية أو جماعية ما هي إلا أثر من الآثار التي أوحى بها (الإقطاعيون) وإن هي إلا خداع وتضليل للعمال والفلاحين من قبل الملاك وأصحاب الأموال.
والخلق الوحيد الذي آمن به الشيوعيون هو وجوب مخالفة سائر الأنظمة الأخلاقية ومحاربة عموم أنواع الآداب المرعية في المجتمعات الإنسانية وبخاصة ما كان منها نتيجة للأوامر الإلهية.
وقد قادهم هذا الشذوذ الخلقي إلى هتك الأسرة ومحاربة ناموس الزواج ورأوا أن هدم ذلك من أقوى دعائم الشيوعية فتساوى الزواج والزنى في نظامهم, وحسن في أعينهم وقاع أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم وعماتهم وخالاتهم. وانحطوا في سلوكهم الأخلاقي عن كثر من الحيوانات العجماوات.
وقد أصبحت لفظه (الكرامة) عندهم لفظه مرذولة فالمحبوب لديهم أن يطوروا بالرفقاء الأنذال. وأضحت كلمة (الشرف) من الألفاظ المدسوسة على الإنسانية بواسطة أصحاب الإقطاع فيجب أن تداس بالأقدام، و (الأمانة) دسيسة خبيثة من دسائس المحافظة على رؤوس الأموال.
المعارف والعلوم:
كما ينكرون أشد الإنكار أن تأتي من طريق السماء، وإنما تكون فقط وليد حاجته المادية ومطالبه الحيوانية.
أما العلوم والمعارف والنظريات التي لا تخضع لهذا التفسير الشيوعي فهي في نظرهم:
تضليلا ... وتخيلات ... وأوهام
(المخططات الرئيسية لقيام المجتمع الشيوعي) :
يرى ماركس أنه لا بد لقيام المجتمع الشيوعي_ من خمسة أركان يبنى عليها وهي:
стр. 1312
١- استيلاء الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين على مقاليد الحكم في أول الأمر.
٢- تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثورة.
٣- القضاء على رأس المال.
٤- القضاء على الطبقات.
٥- ثم القضاء على الحكومة.
١ - (استيلاء الطبقة الكادحة على مقاليد الحكم)
يرى ماركس أن (الأجراء) ولا سيما الأجراء في الصناعة قابلون (للثورة الاجتماعية) لأنهم لا يملكون شيئاً في المصانع، ولعلهم كذلك يحملون في الغالب قلوباً مملؤة بالحقد والضغينة على أصحاب الأموال، وهم الأداة السهلة اللينة التي تؤثر فيها مختلف الدعايات لذلك اعتبر ماركس أن أول المخططات الضرورية لقيام المجتمع الشيوعي هو قيام الطبقة الكادحة_ البروليتاريا_ من العمال الصناعيين والأجراء الزراعيين بالاستيلاء على مقاليد (الحكم) ومناصب الدولة حتى يهدم بهم الحكومات القائمة.
ونحن لا نرى عيباً في هذه القاعدة من حيث أن تكون الحكومة من طبقة الفقراء فإن الفقر والغنى في نظرنا أعراض غير ذاتية بل تتغير وتتبدل، إذ المال ظل زائل وعارية مستردة، والمرء عندنا بأخلاقه وآدابه لا بأمواله وكثرة متاعه.
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولابد يوماً أن ترد الودائع
غير أننا لا نرى أن يكون المسيطرون على مقاليد (الحكم) ولابد من طبقة الفقراء، إذ الغالب عليهم الفوضى والجهل ولله در الشاعر إذ يقول:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
غير أن نظام الماركسيين ينص على:
(أن قيام حكومة العمال والفلاحين هو شيء (مؤقت) وأنه حركة انتقالية إلى مرحلة الشيوعية الحقيقية التي لا تبقى فيها حكومة وإنما ينطلق الشعب حراً بلا حكومة ولا سلطان) .
стр. 1313
بيد أن واقع الحياة الشيوعية لم ير هذه النظرية مطبقة في أي قطر من الأقطار التي بليت بهذا النظام. فجميع البلاد التي صالت إلى الشيوعية قامت حكومتها من جنس الحكومات التي كانت في تلك البلاد قبل الحكم الشيوعي.
ولم يقع أبداً أن صارت حكومة شيوعية من طبقة العمال والفلاحين ففي روسيا مثلاً كان الدور الذي قامت به الطبقة الكادحة هو إشعال نار الثورة ضد الحكم القيصري والقضاء عليه، ولما تم لرؤساء الحزب الشيوعي ما أرادوا من سقوط عرش آل (روما نوف) قبض رؤساء الحزب الشيوعي على زمام الحكم وأزاحوا العمال والفلاحين من الطريق وردوهم مدحورين إلى مصانع والمزارع ليقاسوا تحت سخط الحزب الشيوعي أشد ألوان المهانة والإرهاق.
وقد قام العمال والفلاحون بعدة ثورات كانت تقابل بأنكى صنوف القمع والإرهاب، ولم تمنع وسائل التعذيب الإجرامية هؤلاء من أن يقوم الكثير منهم بإحراق المحاصيل وتبديد الماشية والأموال حتى لا تقع في يد هؤلاء الحكام المستبدين.
وقد حاول (ستالين) أن يقضي على ثورات الطبقة الكادحة بألوان شتى من أنواع القتل والحبس والنفي في مجاهل (سيبيريا) والتهديد والوعيد فلم يفلح.
وفي منشور له في هذا الصدد يقول:
"لكي يضمن الكولخوزيون المزارعون لأنفسهم الحياة والعيشة يتطلب ذلك منهم أن يعملوا في (الكولخوزات) المزارع التعاونية ويحافظوا عليها ولا ينسوا مسئوليتهم تجاهها"ولما قال العمال لستالين:
"لقد انتقلت السلطة وتركزت في يد حزب واحد هو حزبنا ولن يشاركنا في توجيه الدولة أي فئة أخرى، وهذا ما يعنيه بالدكتاتورية العمالية".
وهكذا نرى المخطط الأول من المخططات التي رسمها ماركس للمجتمع الشيوعي لم تكن إلا حبراً على ورق كما يقولون، بل صار العمال والفلاحون في المجتمع الشيوعي أحط أنواع العمال والفلاحين في العالم.
٢- (تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة) :
стр. 1314
يرى الماركسيون أن السبب الرئيسي لتكوين الطبقات هو وسائل الإنتاج ومصادر الثروة فلابد للقضاء على (نظام الطبقات) من القيام:
أولاً: بتأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة، وجعلها بدل أن تكون ملكاً لبعض الأفراد أن تصير ملكاً لجميع الأمة.
وهذا التأميم كذلك يعتبر خطوة أولى لخطوة تليها هي القضاء التام على رؤوس الأموال والملكيات الفردية مهما كان نوعها وهذه النظرية لا ترى أية حرمة لمن بيده شيء من مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، كما لا ترى أية قيمة لما بذله الأفراد في سبيل مشروع ولو في الأصل على الأقل للحصول على ما بأيديهم من أموال.
ولسنا نجادلهم بالأدلة الدينية التي توجب مراعاة الحرم والمحافظة على حقوق ذوي الحقوق فإن الدين في نظرهم هو "أفيون الشعوب" وإنما نقول لهم:
لقد أممتم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، فماذا فعلتم بهذه الأموال المؤممة، وكان المفروض بناء على دعواكم الأساسية أن تصير ملكاً للمجموع يتساوون في الانتفاع بها. فهل صار في متناول كل فرد من أفراد أمتكم أن يحصل على شيء من هذه الأموال يسد بها عازته ويقضى منها وطره وحاجته؟
والواقع أن الأموال المؤممة إنما انتقلت من ملك أربابها ومكتسبيها إلى خزينة الدولة ليتصرف فيها الحكام حسب أغراضهم وأهوائهم وليبذلوا ما شاءوا في سبيل امتداد حكمهم وسلطانهم ولينغمسوا بها في الشهوات والملاذ إلى حلوقهم وأذقانهم. وقد كانت نتيجة هذا التأميم سلب أسباب الغنى من الأغنياء وإدامة الفقر والمسكنة للمساكين والفقراء.
٣- (القضاء على رأس المال) :
والمخطط الثالث من المخططات اللازمة لقيام المجتمع الشيوعي هو القضاء على (رأس المال) بدعوى أن رأس المال يشكل العمود الرئيسي للظلم الواقع على رأس (الطبقة الكادحة) .
стр. 1315
أما كيفية هذا الظلم فيقرر الماركسيون بأن قيمة كل شيء هو العمل الإنساني الذي بذل فيه، وإذا لم يكن هناك استغلال وجب أن يأخذ العامل ثمرة العمل كلها، إلا أن أصحاب رأس المال (يستغلون) اضطرار العامل فلا يعطيه من قيمة عمله إلا جزاءً يسيراً قد لا يفي بكفايته ولا يقوم بحاجته الضرورية من القوت ثم يأخذ صاحب رأس المال الزيادة لنفسه، ويصرفها في توسيع ثروته فيزداد إمعاناً في الظلم وإغراقاً في سرقة حقوق العامل.
وهذه الزيادة بين رأس المال الأصلي وقيمة الإنتاج يسميها كارل ماركس (القيمة الفاضلة) .
وهذه القيمة الفاضلة قد ذهب أكثرها إلى صاحب رأس المال، وقد كان من حق العامل أن يستولي على هذه القيمة الفاضلةكلها، لأنها في الواقع عند (ماركس) قيمة عملة وثمرة كده لذلك رأى ماركس من الضروري القضاء على رأس المال حتى تتحطم السلاسل والأغلال التي يكبل بها الرأسماليون العمال والكادحين، ولا بد أن يسري على الجميع بعد ذلك قانون قاطع هو:
"إن لكل حسب حاجته، ومن كل حسب طاقته"ومعنى ذلك أن الدولة تكفل لكل إنسان قدر ما يحتاجه في معاشه من مطعم وملبس ومسكن، وتكلفه في نظير ذلك أن يبذل للدولة ما يطيقه من العمل!
هذا.. ودعوى الماركسيين أن رأس المال يشكل العمود الرئيسي للظلم الواقع على رأس الطبقة الكادحة هي دعوى فاسدة بل رأس المال قد يكون سبباً في كثير من الأحيان في مد يد المساعدة والعون للطبقة الكادحة وتيسير أسباب المعايش لهم.
كما أن دعوى الماركسيين أن قيمة كل شيء هو العمل الإنساني الذي بذل فيه، وأن العدالة تقتضي أن يحصل العامل على جميع القيمة الفاضلة هي دعوى منافية للعدل والإنصاف كذلك لما فيها من إلغاء اعتبار الأدوات والآلات التي بذلها صاحب رأس المال والتي يسرت للعامل هذا العمل، كما أن أبسط قواعد الاقتصاد تبرهن على أن قيمة الشيء ليست العمل الإنساني الذي بذل فيه.
стр. 1316
فالسلعة الواحدة قد يصنعها عامل في يوم ويصنعها عامل آخر في يومين، وقد يباع كتاب في سنة ما بدينار واحد ولا يساوي في سنه أخرى أكثر من ربع دينار، وهذا الصنف من الشراب قد يرتفع سعره في بلد وينخفض في بلد آخر في نفس الوقت مع أن العمل الإنساني الذي بذل فيه إنما هو عمل واحد.
بل قيمة الشيء غالباً تخضع لنظام (العرض والطلب) .
كما أن القانون الذي قرروا أن يكون لكل حسب حاجته ومن كل حسب طاقته، هو قانون خيالي، لأن حاجات الناس متفاوتة كتفاوت طبائعهم، أي أن هذا العامل قد يكفيه قليل من الخبز والادام لتوليد طاقة العمل في بنيته، وقد يزامله عامل آخر في نفس العمل ولا يكفيه ضعفه من الخبز والادام لتوليد طاقة العمل لديه، كما أن بعض العمال قد يستطيع مباشرة عمله في الشتاء بلباس خفيف ولا يستطيع زميله في العمل أن يباشر إلا بلباس ثقيل قد يكلفه ضعف ما يحتاجه زميله السابق.
ومما يبين فساد هذه النظرية ومجافاتها لنظام الطبيعة والفطرة هو: عجز الشعوب التي سقطت في براثن دعاة الشيوعية عن تطبيقها، كما أنهم صاروا المثل الأسوأ في ظلم الطبقة الكادحة من الفلاحين والعمال.
فقد صار العامل في روسيا - مثلاً - يطلب منه أن يقدم أقصى ما يستطيع تقديمه من طاقة في مدة معينة، ثم تبيع الحكومة مجهود هذا العامل بأكثر مما كلفته حاجته التي فرضت أنها مساوية لمجهوده.
فمجهود العامل الذي يساوي ألف ريال كان ينبغي أن يحصل في نظيره على قدر حاجته التي يرى نفسه محتاجة إليها وقد تصل إلى ألف ريال مثلاً.
.. غير أن الحكومة هي التي حددت حاجته بنفسها دون أن يحددها المحتاج نفسه، فقد قدرت له –مثلاً- ستمائة ريال فسرقت منه إذا أربعمائة ريال.
стр. 1317
وبهذا يكون هؤلاء الماركسيون قد وقعوا في انحس مما عابوه على أصحاب رؤوس الأموال. على أن الدعوة للقضاء على رأس المال قد فشلت عند التطبيق لدى الشيوعيين فقد اضطرت روسيا –مثلاً- إلى أن تبيح للفلاحين أن يمتلكوا قطعاً صغيرة من الأراضي يستثمرونها لاستهلاكهم بشرط أن لا يعاونهم في استثمارها آخرون، كما نصت على ذلك المادة (السابعة والتاسعة) من الدستور السوفيتي كما أباحت الحكومة للفرد (تملك) أشياء أخرى كالماشية والبغال وإن كانت الحكومة قد فرضت على الملكيات الفردية الصغيرة ضرائب باهظة حتى تتلاشى وتموت.
(٣- القضاء على الطبقات) :
ذكرنا في بحث تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة أن الماركسيين يرون أن السبب الرئيسي لتكوين الطبقات وجود وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وأنهم قرروا أن لابد للقضاء على نظام الطبقات من القيام بتأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وكأنهم بهذا يقررون أن القضاء على (الطبقات) لازمة من لوازم النظام الشيوعي بل هو أشد ضرورة من التأميم. لذلك أذاعوا وأشاعوا أنهم يركبون كل صعب وذلول لتحقيق ذلك الأمر الخطير.
تعريف الطبقة:
الطبقة في نظر أكثر الباحثين هي الفئة من الناس التي تختلف في مركزها الاجتماعي عن باقي الفئات التي تشكل معها مجتمعاً ما.
فالعمال الزراعيون والصناعيون طبقة، وصغار الملاك طبقة، والمتوسطون في الأملاك طبقة، وأصحاب الثراء الواسع والملك العريض والإقطاعيون طبقة، والمهرة العسكريون طبقة، والأمراء والنبلاء طبقة، ورجال الدين طبقة.
وقد يصير الإنسان في طبقة من هذه الطبقات بسبب النسب كما قد يصير إليها بسبب العلم، ولا مانع أن ينتقل الإنسان من طبقة إلى طبقة أسفل، على حد قول القائل:
وعرفته الكر والإحجاما
نفس عصام سودت عصاما
وصيرته بطلاً مقداما
وقول القائل:
أبوك أب حر وأمك حرة
وقد يلد الحران غير نجيب
стр. 1318
وهذا التعريف (للطبقة) لا يمنع وجود تعاون بين طبقة وأخرى إذ هذا التفاوت الطبقي ضرورة من ضرورات العمران وسبب وجوده تفاوت الفطر. ولذلك يقال (الإنسان مدني بالطبع) قرر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة إذ يقول:
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
تعريف الطبقة عند ماركس:
أما كارل ماركس فقد عرف الطبقة: "أنها الطائفة التي تكون لها مصالح معارضة لمصالح طبقة آخرى"وعلى هذا التعريف لا بد ن فرض الشقاق والنزاع ودوام الصراع بين عموم الطبقات ولذلك زعم الماركسيون أنه من الضروري القضاء على نظام الطبقات وإيجاد مجتمع ديمقراطي على مستوى واحد تنعدم فيه جميع الفورق الطبقية على أية حال. وقد سعى الشيوعيون جهدهم وبذلوا كل ما يمكن بذله لتحقيق هذه الغاية فهل انعدم من المجتمع الشيوعي نظام الطبقات؟!
وجود الطبقات في المجتمع الشيوعي:
стр. 1319
والواقع أن المجتمع الشيوعي يتمثل فيه ما يتمثل في غيره من الطبقات فلا يزال في روسيا – مثلا – طبقة العمال والفلاحين، وطبقة القادة العسكريين، وطبقة رجال البوليس السري، والمخابرات، وطبقة العلماء والرجال الأكاديمين، وطبقة المهندسين، وطبقة الفنانين والرقاصين، وطبقة زعماء الحزب الشيوعي. وقد وجدت هذه الطبقات في المجتمع الشيوعي بحسب تفاوت الدخل الذي قدرته الحكومة لهؤلاء حسب ميزان الاحتياج الذي صنعوه. فقد جعل المعدل الوسط لحاجة العمال والفلاحين ما بين ٦٠٠ – ٧٠٠ روبل، كما جعل المعدل الوسط للفنانين والرقاصين يتراوح ما بين ١٤٠٠ إلى ٢٠٠٠ روبل. وجعل المعدل الوسط للقادة العسكريين والعلماء والمهندسين يتراوح بين٤٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ روبل. وقد عمدت الحكومة بعد الحرب العالمية الثانية إلى بناء منازل لأعضاء الأكاديمية ومنحت كل واحد منهم سيارة وسائقا خاصا، وبهذا تكون الشيوعية الرسمية قد أو جدت نظاما طبقيا انحس مما عند غيرهم من نظام الطبقات، ولا شك أن محاربة أساس النظام الطبقي ما هو إلا الوقوف في وجه الطبيعة التي طبع الله الناس عليها، وحرب للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وقد سجلت حوادث التاريخ أن محارب الفطرة مدحور والمتصدي لقهر الطبيعة مقهور.
ولسنا بهذا نقرر ترفع وتعالي طبقة على طبقة، أو بغي فئة على فئة، فنحن لا نري فضل الرجل بماله، ولا نرى فضله بوظيفية، ولا نرى فضله بنسبه، وإنما الفضل عندنا بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والمرء في الواقع بأصغريه قلبه ولسانه.
(٥ – القضاء على الحكومة)
الدعامة الخامسة من دعائم النظام الشيوعي هي القضاء على الحكومة والدولة. والشيوعيون يعتبرون أن القضاء على الحكومة هو النهاية الحتمية للنظام الشيوعي وفي ذلك يقول ماركس:
стр. 1320
-"...... وبعد أن تزول المنازعات بين الطبقات زوالا نهائيا خلال التطور وبعد أن يتركز الإنتاج كله في أيدي الأفراد المتشاركين عندئذ تفقد السلطة العامة طابعها السياسي"ثم يقول أيضا:
-"..... والدولة هي سلطة الطبقة المنظمة تزول بزوال الطبقة وعندئذ يكون عهد الشيوعية بكل ما تعني الكلمة". وكأن ماركس يقول إن وجود الحكومة مهما كانت من العوامل التي تقيد الشعب وتحول دون صبغته بكامل حريته فلا بد من زوال الحكومة لينطلق الشعب في طريق حريته إلى أقصى الحدود. وكأن ماركس يرى أن حقيقة الشيوعية لا يمكن أن تتكامل ما دام على رأس الشعب حكومة تدبره وفي ذلك يقول:
-".... الشيوعية هي عهد تسوده الحرية وعصر يزدهر فيه الإنسان أكمل ازدهار فهو يحتم مع زوال الطبقات زوال الحكومة".
ونحن لا نستطيع أن نجزم هل كان ماركس جادا فيما يقول حينما يقرر هذه الحقيقة على أنها من دعائم النظام الشيوعي؟ وهل كان ماركس متمتعا بقواه العقلية حينما يخرج على الناس بمثل هذه النظرية التي لم يعرفها التاريخ البشرى في مجتمع ما من المجتمعات المتمدنة والهمجية على حد سواء؟ وحتى لو فرض وجودها في مجتمع بدائي همجي فهل يجيز العقل وجود مثلها في مجتمع ذي حاجات متفاوتة بل وإلحاح في طلب الكماليات. وهل ظن ماركس أن فطر الناس المتباينة وطبائعهم المتنازعة سيئول بها الحال إلى الزوال فيعيش الناس في الأرض يأكلون من نباتاتها المختلفة ولحوم حيواناتها المتغايرة الطبائع، ثم يصيرون في نفس الوقت كملائكة السماء؟!
стр. 1321
ولا نذهب بعيدا لنراجع نحن أو غيرنا في ذلك حوادث التاريخ وإنما نلقي نظرة عابرة على واقع الحكومة في (المجتمع الشيوعي) فالمعروف الذي لا يشك فيه من عنده أدنى إطلاع أن الحكومة في بلاد الشيوعيين ومن ينحو نحوها تسير في طريق (الدكتاتورية) إلى حد لا نظير له في المجتمعات الأخرى: فمن مقررات ستالين: "أن تقرير المصير لأي فرد أو أمة أو جماعة يجب ألا يتضارب مع حق الحزب الذي يمثل الجماهير الكادحة في أن يحكم حكما دكتاتوريا".
بين الشيوعية والاشتراكية
يستعمل الكثيرون الشيوعية والاشتراكية على معنى واحد غير أن بعض الناس يفرق بين الاشتراكية والشيوعية في الجملة من وجوه:
١- أن الاشتراكية هي الخطوة الأولى للشيوعية.
٢- أن الاشتراكية لا تمانع في قيام حكومة من طبقة العمال والفلاحين بخلاف الشيوعية الحقيقية فإنها لا تجيز أي نوع من الحكومات.
٣- أن الشيوعية لا تبيح أي نوع من الملكيات بخلاف الاشتراكية فإنها تجيز وجود بعض الملكيات الفردية في حدود ضيقة وعلى قواعد تؤدي في النهاية إلى تلاشي هذه الملكيات.
الإسلام والاشتراكية
هذا ولم يزعم زاعم – مهما كان أن الإسلام والشيوعية قد يلتقيان، فلم نسمع إلى الآن صوتا واحدا يقول (أن الإسلام لا يتنافى مع الشيوعية) إذا أصل الشيوعية هو إنكار الألوهية والدين وإنما سمعنا أن بعض الناس – قد يكونون من المنتسبين للإسلام أو للعلم – يزعمون أن الإسلام لا يتنافى مع الاشتراكية وقد يتعامون عن أن الاشتراكية مذهب، خاص ذاتية هذا المذهب تخلف ذاتية الإسلام في روحه وصورته، كما يتجاهلون أن الإسلام دين الله الحق قد أتى بجميع ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم.
стр. 1322
وأن رسول الله ﷺ لم يترك بابا من أبواب الخير إلا دل الناس علية ولا بابا من أبواب الشر إلا حذر الناس عنه بيد أنهم يقولون: أن بعض نصوص القرآن كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ . وكقول رسول الله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة في الماء، والنار، والكلأ". تدل على صحة المذهب الاشتراكي وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة الإسلام عموما، وبمعنى هذه الآية وذلك الحديث خصوصا فالآية نزلت تشرح مصرف الفيء, وهو نوع خاص له طابع خاص من بين الأموال الإسلامية. وأما الحديث فقد بين موضع الشركة وهو الماء، النار، والكلأ, ولفظ الحديث يدل مفهومه على أن ما عدا هذه الأشياء الثلاثة من الأشياء التي يمكن أن يتملكها الإنسان لا اشتراك فيها, ولو سلمنا جدلا أنه قد يفهم من هذه الأدلة الدلالة على صحة المذهب الاشتراكي – وإن كانت لا تدل بظاهر ألفاظها على ذلك كما أشرنا – فإن صريح الكتاب وصحيح السنة يدل بما لا مجال للشك فيه على حفظ ممتلكات الناس وأموالهم فيستمعوا إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وإلى قول رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا", ثم يؤكد رسول الله ﷺ ذلك فيقول: "اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد".
ولا يختلف اثنان من أهل العلم في صحة حديث رسول الله ﷺ إذ يقول: "من غضب شبرا من أرض طوقه الله بسبع أرضين يوم القيامة" فهذا هو دين الإسلام. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
стр. 1323
موصفات خيالية
جاء رجل إلى نخاس فقال له: "اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وان كثر الزحام ترفق، لا صادم السراري ولا يدخلني تحت السواري، إن أقللت علفه صبر، وإن زدته شكر، وان ركبته استقام، وان ركبه غيري هام". فقال له النخاس: "إصبر فان مسخ الله أحدهم حمارا شريته لك".
стр. 1324
بين الحياة والموت
للشيح محمد المجذوب
رباه.. حار الطبيب
وانهار صبري العجيب [١]
ومل وقع أنيني
حتى الفراش الكئيب
إذا تشكيت كرباً
ثارت هناك كروب
وهل يطيق قراراً
من احتواه اللهيب!
فمعدتي في التهاب
أكاد فيه أذوب
وفي الجوانح هول
منه الوليد يشيب
يزلزل الظن منه
وتستغيث الجنوب
وكلها في عراك
حصاده التعذيب
والقلب من ذا وهذا
في محنة لا تغيب
ولست أدري ولا الطب
ما العلاج المصيب
لكنني رغم ضري
راضٍ فلا أستريب
عسى يخفف فيه
من عاتقي الذنوب
تحب فهو الزبيب
والضرب إن جاء ممن
يا علةً لم تذرني
مذ ذر هذا المشيب
كم زاغ عنها خبير
وضل فيها لبيب
فخاب كل علاج
لأنهم لم يصيبوا
حتى أطل (ابن مُلا)
فاستعلن المحجوب
قال: المرارة فيها
حجارة وندوب
وبالجراحة يرجى
لك الشفاء القريب
وكل جهد سواها
فضائع أو جديب
وصدق الرسم ما قد
جلاه ذاك الأريب
فحبذا مبضع فيه
غوثي المطلوب
وهاك جسمي فأعمل
به المُدى يا طبيب
فإن توفق فهذا
ما تشتهيه القلوب
وإن قضى الله أمراً
فليس منه هروب
وساعة ثم يأتي
ما خبأته الغيوب
يسار بي نصف ميتٍ
حيث المصير الرهيب
فليت شعري حياة
وراءها أم (شعوب)
وما يقدره ربي
فهو الأثير الحبيب
ومن رجا رحمة الله
مخلصاً لا يخيب
فيا ملاذ البرايا
стр. 1325
إذا الرزايا تنوب
إليك أسلمت أمري
وقد برتني الخطوب
ورق لي ورثى لي
حتى الخلى المريب
وقال كل محب
هنيهة ويذوب
فارأف بمن بات إلا
لقاك لا يستطيب
واغفر فإن الخطايا
ضاقت بهن الدروب
فإن يكن غير أهل
لعفوك (المجذوب)
فبحر فضلك وردٌ
لكل جانٍ يثوب
وهو الذي غمر الكون
فيضه المسكوب
لو لاه ما كان للخلق
في الوجود نصيب
ولم تقدر لحي
على التراب دبيب
فكيف يحرم منه
هذا الكسير الغريب
ألم تقل (يا عبادي
ادعوني فإني قريب!)
وقد دعوتك يا رب
والبلاء عصيب
فإن تخيب رجائي
فأين أين المجيب!
أركان الداعية
إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال تحتاج إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدوا عليه تلون، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع أو بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والخديعة عنه والخديعة بغيرة.
الشهيد حسن البنا
--------------------------------------------------------------------------------
[١] كان الشيخ الشاعر قد أدخل المستشفى العام بالمدينة محمولا وبعد أن أجرى الطبيب فحوصاته عليه قرر وجوب إجراء عمليه في أسرع وقت.. وفي الدقائق التي سبقت إدخاله غرفة العمليات جادت قريحته بهذه الأبيات الرائعة.
стр. 1326
من تاريخ المذاهب الهدامة
كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٤)
بقلم محمد بن مالك اليماني
باب ذكر علي بن فاضل بن أحمد الجدني لعنه الله:
كان من خبره أنه لما افترق هو والمنصور بغلافقة وخرج إلى اليمن أيضاً وفيها جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج إلى جعفر من (أبين وفيها رجل من الأصابح يقال له محمد بن أبي العلاء فخرج القرمطي إلى جيشان ثم خرج إلى (سرويافع) فتفرسهم فعلم أنهم أسرع الناس إلى إجابته فطلع رأس جبل وبنى فيه مسجداً وأخذ بالنسك والعبادة، فكان نهاره صائماً وليله قائماً، فأنسوا إليه وأحبوه وافتتنوا به، ثم إنهم قلدوه أمرهم وجعلوا حكمهم إليه فسألوه أن ينزل من ذلك الجبل ويسكن بينهم. فقال: "لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جهال ضلال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق أن لا يشربوا الخمر"ففعلوا له ذلك وإنهم ينكرون المنكر وينكرون أهل المعاصي بأجمعهم فلم يزل يخدعهم بعبادته حتى بلغ إرادته وأمرهم ببناء حصن في ناحية (سرويافع) فأطاعوه وسمعوا لأمره ثم إنه انهبهم أطراف بلدان ابن أبي العلاء وأراهم أن ذلك جهاد لأهل المعاصي حتى يدخلوا في دين الله طوعاً أو كرهاً، وأمرهم أن يتخطفوا بلاد ابن أبي العلاء فاشتد بأسهم فكانوا لا يلقون جمعاً إلا هزموا وظفروا عليهم وذلك لما سبق من علم الله من فتنة المسلمين على يديه لعنه الله، فلما شاع ذكره وسمع به جعفر ابن إبراهيم كاتبه وفرح به وذلك لشحناء بينه وبين ابن أبي العلاء لقرب القرمطي إليه فكاتبه جعفر على مطابقته على حرب ابن أبي العلاء ووجه من عنده عسكراً إلى القرمطي وتعاقدا أن يكون جميع ما يفتح من بلدان ابن أبي العلاء بينهما نصفين، فخرج القرمطي لحرب ابن أبي العلاء بقبائل يافع وعسكر جعفر فهزمهم ابن أبي العلاء وقتل منهم قتلا كثيرا وانهزم القرمطي إلى (سبأ صهيب) فلما كان الليل جمع أصحابه وقال لهم: "إني أرى رأياً
стр. 1327
صائباً أن القوم قد أمنوا منا وقد علمتم ما فعلوه بنا وأرى أن نهجم عليهم فإنا نظفر بهم فأجابوه إلى ذلك وهجم عليهم إلى (حنفر) فقتل ابن أبي علاء وعسكره واستباح ما كان له, وأخذ من خزائنه تسعين ملحماً في كل واحد عشرة آلاف، فلما رجع إلى بلاد يافع عظم شأنه وشاع ذكره وأجابه قبائل مذحج بأسرها وزبيد ومالا يحصى عدده، فلما بلغ ذلك جعفر أغتم غماً شديداً وسفر إليه ينظر ما عنده فسأله أن يقسم ما أخذ من (حنفر) فجمع القرمطي القبائل والعساكر ولقي السفير في أعظم زي من العدة والعدد، فلما عرفه السفير بما جاء به جمع العساكر وقال: "إن جعفر أرسل إلي لما بيني وبينه من العهد بقسمة ما غنمت وقد أحضرتكم شهوداً على تسليمه إليه لأني لا رغبه لي في المال إنما قمت لنصرة الإسلام" فشكروه على ذلك، ثم احضر المال فقسمه شطرين وسلم إلى السفير وقال::انصرف إلى صاحبك ليلتك وقل له: يستعد لحربي"وكتب معه كتاباً إليه يذكره فيه أنه بلغني ما أنت عليه من ظلم المسلمين وأخذ أموال الناس "آنا قمت لأميت المظالم وأرد الحق إلى أهله، فإن أردت تمام ما بيني وبينك فرد الظلامات إلى أهلها وأدفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم". وذلك أن جعفرا قطع أيدي ثلاثمائة رجل من أهل دلال على حجر بالمذيخرة [١] يقال أن أثر الدم على الحجر إلى اليوم، فلما كان العام المقبل خرج القرمطي بالجمع الكثير فدخل المعافر فأمر جعفر بلزوم نقيل بردان عند التعكر [٢] وخرج في لقائه أكثر من ألف فارس فانهزم القرمطي مولياً إلى بلاد يافع فجمع جموعاً كثيرة ورجع لهزم جموع جعفر إلى المذيخرة فتتبعه جعفر بصاحب تهامة فأنجده بغسكر عظيم فطلع حتى صار في موضع يقال له الراهدة بناحية (عبهة) فلما سمع به القرمطي خرج إليه في جنح الليل فظفر به وقتل جعفراً في الحوالة بنحلة.
стр. 1328
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: وكان هذا جعفر بن إبراهيم ظلوماً غشوماً سفاكاً للدماء وأنه قال في شعر له طويل قدر مائتي بيت في حرب كانت بينه وبين جعفر الحوالي في شيء من شعره:
إذا ما تجعظروا بطشنا بقدرة
ونفعل ما شئنا وما نتجعظر
فما قبلنا ولا بعد بعدنا
لمفتخر فخراً إذا عد مفخر
سوى الطيبين الطاهرين الذين هم
من الرجس والعاهات والسوء طهر
سلالة إسماعيل ذي الوعد والوفا
ودعوة إبراهيم والبيت يعمر
محمد الهادي النبي وصنوه
على وسبطاه شبيرو [٣] شير
ونسلهم الهادين بالحق والتقى
بطاعتهم رب السماوات يأمر
ومولاتي الزهراء التي عدل مريم
وصهر الرسول مولاي حيدر
رويدك عني بالملامة أنني
بها وبهم أزهو وأعلوا وأفخر
الأكل مجد ما خلا مجد أحمد
وعترته من دون مجدي يقصر
وكل امرء والى سوى آل أحمد
فذاك الذي الدنيا مع الدين يخسر
بهم زادني الرحمن عزا ومفخراً
فأحمده حمداً كثيراً وأشكر
أنا ابن أبى إسحاق منصور حمير
وفارسها والشعشعان المظفر
فلولاي لم يخلق سرير ممهد
ولولاي لم ينصب على الأرض منبر
أنا قمر الدنيا وعمي سراجها
وجدي الذي كانت الأرض تعمر
هم أنزلوني منزل العز حيث لا
يراني إلا دوني الطرف يحسر
أصول ولا يعدي علي واعتدي
وأخمد نيران الحروب وأسعر
وطعمي للأعداء مر وعلقم
وطعمي لأهل السلم شرب معنبر
ألم تر أن البغي مهلك أهله
وأن الذي يبغى عليه سينصر
رجع الحديث إلى علي بن فضل القرمطي لعنه الله أنه لما قتل جعفراً أظهر كفره وادعى النبوة وأحل البنات والأخوات وفي ذلك يقول الشاعر على منبر الجامع في الجند:
خذي الدف يا هذه والعبي [٤]
وغني هزاريك ثم أطربي
تولي نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعه
стр. 1329
وهذي شرائع هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وحط صيام ولم يتعبض
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي وأشربي
ولا تمنعي نفسك المعرسين
من أقربي ومن أجنبي
فكيف تحلي لهذا الغريب
وصرت محرمة للاب
أليس الغراس لمن ربه
وسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء
حلال فقد ست من مذهب
والشعر طويل وكله تحليل محرمات الشريعة والاستهانة بها ثم خرج يريد الحوالي وخرج قبل ذلك إلى بلاد (يحصب) [٥] فدخل (منكث) [٦] فأحرقها ثم خرج يريد الحوالي صاحب صنعاء فلما بلغ بلد (عنس) وكان للحوالي مأمور في هران [٧] فأرسل إليه القرمطي يدخل فيها هم عليه فأجابه إلى ذلك فنزل إليه ودخل في ملته وقرمطته وكان معه خمسمائة فارس رجع منهم إلى صنعاء إلى الحوالي مائة وخمسون وخرج القرمطي يريد صنعاء فلما سمع به الحوالي وبالجموع التي معه وعلم أنه لا طاقة له به خرج من صنعاء هارباً إلى الجوف فدخل القرمطي صنعاء فأقام فيها الفحشاء وأمر الناس بحلق رؤوسهم ثم التقى هو وصاحب مسور الحسن بن منصور ويقول إنما أنا سيف من أسيافك والمنصور يهابه ويخافه على نفسه لما يرى من شهامته وإقدامه فعزم على الخروج إلى مخالف (البياض) فنهاه المنصور وقال له قد ملكنا اليمن بأسره ولم يبقى إلا الأقل فعليك بالتأني والوقوف في صنعاء سنة وأنا في (شبام) فيصلح واحد ما استفتح ثم بعد ذلك يكون لنا نظرة فإنك إن خرجت من صنعاء خالف أهلها وفسد علينا ما ملكناه فلم يقبل منه وقال لابد من الخروج واستفتح تهامة فخرج إلى مخاليف البياض وهي بلاد وعرة فلما توسط بينهم ومعه قدر ثلاثين ألفاً أحاطوا وقطعوا عليه الطرق ولم يقدر على التخلص فلما سمع المنصور خاف عليه وأغار إليه واستنقذه فرجع إلى شبام وعاد إلى صنعاء وخرج إلى جبال حضور ثم إلى احراز ثم إلى ملحان ونزل المهجم وقتل صاحبها هو إبراهيم
стр. 1330
بن علي رجل من عك [٨] واستفتح الكدرى [٩] ورجع إلى ملحان [١٠] وسرى بالليل إلى الزبيد وفيها المظفر بن حاج ومعه ستمائة فارس وهجم عليهم في أربعين ألفاً فاحاط بعسكره فقتل المظفر بن الحاج وكان المنصور مأموراً لصاحب بغداد وسبى القرمطي من زبيد أربعة آلاف عذراء ثم خرج منها إلى الملاحيط وأمر صائحه وعسكره يا جند الله يا جند الله فلما اجتمعوا إليه قال قد علمتم أنا مجاهدون وقد أخذتم من نساء الخصيب ما قد علمتم من نساء الحصيب تفتن الرجال فيشغلنكم عن الجهاد فليذبح كل رجل منكم ما في يده فسميت الملاحيط والمشاحيط لذلك قم رجع إلى المذيخرة دار مملكته وأمر بقطع الحج وقال: حجوا إلى الحرف واعتمروا إلى الثاني موضعان معروفان هنالك.
فلما أصبحت اليمن بيده وقتل الأضداد مثل المناخي وجعفر بن الكرندي والرؤساء وطرد بني (زياد) وكانوا رؤساء مخلاف جعفر ولم يبق له ضد يناوئه عطل المنصور وخلع عبيد بن الميمون الذي كان يدعوا إليه فيكتب إليه المنصور يعاتبه ويذكره ما كان من إحسان القداح وقيامه بأمرهما وما أخذ عليهما من العهد لأبنه فلم يلتفت إلى قوله وكتب إليه إنما هذه الدنيا شأن من ظفر بها افترسها ولى بأبي سعيد الجنابي أسوة لأنه خلع ميموناً وابنه ودعا إلى نفسه وأنا ادعوا إلى نفسي فما نزلت على حكمي ودخلت في طاعتي وإلا خرجت إليك وقد كان [١١] سعيد الجنابي دخل مكة في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاثة عشر ألفاً وقطع الركن يوم النحر وهو القائل لعنه الله:
فلو كان هذا البيت لله ربنا
لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية
مجللة لم تبق شرقاً ولا غربا
وأنا تركنا بين زمزم والصفا
كتائب لا تنبغي سوى ربها ربا
ولكن رب العرش ﷻ
لم يتخذ بيتاً ولم يتخذ حجبا
стр. 1331
في شعر طويل [١٢] وقد كان الخليفة ببغداد كتب إليه يذكر له ما فعل ويتوعده على ما استحل فأجابه أبو سعيد [١٣] القرمطي:
(بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، من أبي الحسن الجنابي الداعي إلى تقوى الله القائم بأمر الله والآخذ بآثار رسول الله ﷺ إلى قائد الإرجاس المسمى بولد العباس.
أما بعد عرفك الله مراشد الأمور وجنبك التمسك بحبل الغرور_ فأنه وصل كتابك بوعيد وتهديدك وذكرك ما وضعته من نظم كلامك ونمت به من فخامة أعظامك من التعلق بالأباطيل والإصغاء إلى فحش الأقاويل_ من الذين يصدون عن السبيل فبشرهم بعذاب أليم على حين زوال دولتك ونفاذ منتهى طلبتك وتمكن أولياء الله من رقبتك وهجومهم على معاقل أوطانك صغراً وسبيهم حرمك قسراً وقتل مجموعتك صبر أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون وجند الله هم الغالبون هذا قد خرج عليك الإمام المنتظر كالأسد الغضنفر في سرابيل الظفر متقلداً سيف الغضب مستغنياً عن نصر العرب لا يأخذه في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم قد اكتنفه العز من حواليه وسارت الهيبة بين يديه وضربت الدولة عليه سرادقا والقت عليه قناعها بوائقها وانقشعت طخاء الظلمة ودجنة الضلالة وغاضت بحار الجهالة ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى يرجع الحديث إلى قصة صاحب مسور وعلي بن فضيل لعنهما الله تعال.
стр. 1332
وذلك ان صاحب مسور لما علم ان على بن فضل غير تاركه لما ذكر في كتابه عمد الى جبل مسور فحصنه واعد فيه جميع ما يحتاج اليه للحصار وقال لاصحابه انى لأخاف هذا الطاغيه ولقد تبين لي في وجهه الشر حيث واجهته في (شبام) فلم يلبث علي بن فضل أن خرج لحرب المنصور واختار لحربة عشرة آلاف مقاتل من يافع ومذ حج وزبيد وعنس وقبائل العرب فدخل قرية (شبام) وخرج المنصور بلقائه ألف مقاتل إلى موضع يقال له المصانع من بلد حمير فضبطوا ذلك الجبل فزحف اليهم فقتتلوا من اول النهار إلى الليل فخرج علي بن فضل على طريق العصد ودخل (لاعة) مصعد إلىجبل الجميمة مقاتلا للمنصور فضرب فيها مضاربه ورجع إلى أصحاب حضور المصانع [١٤] فلزموا بيت ربيته وضبطوا الجبل فأقسم الا يبرح حتي يستنزل المنصور فحاصرة ثمانيه اشهر وقيل أن المنصور حمل من سوق طمام خمسمئة حمل ملح قبل وصول علي بن فضل وعق له في الجبل عقا واسع في موضع كثير التراب واوقدوا فوقه الحطب اياما حتي استملح الجبل فصار ملحا كله ثم نقله إلى الخزائن ثم إن علي إبن فضل مل المقام فلما علم منه المنصور ذلك دس عليه أمر الصلح فقال لست ابرح وقد علم اهل اليمن قصدي لمحاصرته الا ان يرسل إلى بعض ولدة فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس ويعلمون انه قد دخل في طاعتي فأرسل اليه ولدة ودفعه بالتي هي احسن فرجع إلى (مذيخرة) فأقام عنده ولد المنصور سنه ثم ردة إلي ابيه وبرة وطوقه بطوق من الذهب ثم اقام بمذيخرة يحل الحرمات وير تكب الفواحش وامر الناس باستحلال البنات والاخوات وكان يجمع اهل مذهبه في دار واسعه يجمع فيها الرجال والنساء بالليل ويأمر بإطفاء السرج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه وروى أن عجوزاً محدوبة الظهر وقعت مع رجل منهم فلما تبين بها خلاها فتعلقت بثيابه وقالت (دوبد من ذى الحكم الأمي ر [١٥] ) فجرت مثلاً.
ويقال إن أيامه لعنه الله كانت سبع عشر سنة ومات مسموماً سنة ثلاثة وثلاثمائة.
стр. 1333
وكان سبب موته لعنه الله أن رجلاً من أهل بغداد يقال أنه شريف وصل إلى الأمير أسعد بن أبي [١٦] يعفر الحوالي وكان في ذلك الوقت هارباً من القرمطي في الجوف من بلد همدان مستجيراً ببني الدعام وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام وقال الأمير تعاهدني وأعاهدك أني ‘ذا قتلت القرمطي كنت معك شريكاً فيما يصل إليك فعاهده على ذلك وكان طبيباً حاذقاً فخرج فكان مع كبار أهل دولة القرمطي يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه للقرمطي بالحذق بالطب وفتح العروق وقالوا أن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثلة ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم فأمره أن يفصده فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها ثم أخرج المبضع ثم مصه وعلي بن فضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته ثم فصده وخرج من ساعته فركب دابته وخرج هارباً فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب فلم يوجد فلحقوا به دون (نقيل صيد) [١٧] بازاء قينان [١٨] فقتلوه هناك رحمه الله تعالى ومات القرمطي لا ﵀.
وولى الأمر من بعده ولده فأفأ وشاع موته في الناس ووصل إلى الحوالي جماعة من رؤساء الناس بنو المحابي والأنبوع وغيرهم فزحف بالعسكر الغليظ لحرب القرامطة فدخل الدعكر [١٩] ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة وسلط الله عليهم سيف النقمة لا يخرج لهم جمع إلا هزموا أو قتلوا وأيد أسبحانه وتعالى امسلمين بنصره.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . فأقام يحاصر القرامطة سنة ويقال إن من شدة عزمه وحزمه وتقصيه أنه ما حل عدته ولا سلاحه بل يصلي وعليه عدته وسلاحه حتى فتح الله عليه وقتل القرامطة وأحيا الإسلام.
стр. 1334
ليس كولاة الأمر من أهل زماننا الذين غرقوا في الملذات واتبعوا الشهوات ولم يرغبوا في المكارم والنجدات وعظوا فلم يتعظوا وناموا فلم يستيقظوا ونظروا ما حل بغيرهم فلم يعتبروا. وقد قيل في المثل السائر:
أوشكت بعد أخيك تصبح أصلعا
وإذا رأيت أخوك يحلق رأسه
ومن عجز عن رعاية رعيته وجار علبيها في حكمه وقضيته، ودل على زوال مملكته وتعجيل منيته، وقد قال الأول:
ونام عنها تولى رعيها الأسد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة
وإذا فرط الراعي في أمر رعيته وطاوع نفسه الدنيه، وذهب عنه الآنفة والحمية فقد عظمت عليه البلية. وقال الأفواه الأودي:
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم
فإن تولت فبالأشرار ينقادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما ضحلت
стр. 1335
رجع الحديث إلى محاصرة الأمير الحوالي فروي أنه نصب المنجنيقات فهدم الذخيرة بعد سنة ودخل على القرامطة فقتلهم وأخذ من الغنائم مالا يحصى وسبى بنات القرمطي وكن ثلاثا فصار اثنتين في رعين وواحدة وهبها الأمير لابن أخيه قحطان أباد الله القرامطة على يد الأمير الحوالي بمنة وسعادته، وجعل لا يسمع بأحد منهم إلا قتله، ورجع إلى صنعاء وقد أطفأ جمرة الشك وملك جميع البلاد وزالت الفتنة وأراح الله من القرامطة وطهر منهم البلاد وأمن منهم العباد، وسار الأمير في الناس بأحسن سيرة وعدل في الرعية ورد بني المحابي إلى مخلاف جعفر، وجرت المكاتبة بين الأمير الحوالي والأمير إبراهيم بن زياد [٢٠] والناصر أحمد بن يحي الإمام الهادي صاحب صعده [٢١] وتعاقدوا على المعاضدة والمناصرة وقتل القرامطة حيث ما وجدوا. وذكروا أنه كان يوجد عنوان كنتم بركة في بركه ونعمة مشتركة والأرض فيما بيننا قد حصلت في شبكة وكان الخارج إذا خرج من بلد أحدكم لذنب أذنبة كاتب فيه وسأل الصفح عنه. وصفت لهم المعيشة واستقامت لهم الدولة ولزم كل واحد منهم بلده ولم يطمع واحد على صاحبه. ألف الله بين قلوب المسلمين ولم يبق من القرامطه إلا شرذمة قليلة من أولاد المنصور في ناحية مسور وأبادهم الله تعالى على يد الدعام بن إبراهيم والناصر بن يحيى وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المذيخرة: ناحية في قضاء العدين.
[٢] التعكر: حصن من أشهر حصون اليمن بجوار مدينة الجند.
[٣] هما اسمان لابني هارون ﵇، ويقال أن النبي ﷺ سمى بهما سبطيه.
[٤] في نسخة اليافعي "واضربي".
[٥] يحصب: مخلاف كبير من مخالف اليمن يضم كثير من القبائل اليمانية ومنه بلاد (تريم) و (عنس) و (صنعاء) و (همدان) .
следующие страницы →