Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
في شعر طويل [١٢] وقد كان الخليفة ببغداد كتب إليه يذكر له ما فعل ويتوعده على ما استحل فأجابه أبو سعيد [١٣] القرمطي:
(بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، من أبي الحسن الجنابي الداعي إلى تقوى الله القائم بأمر الله والآخذ بآثار رسول الله ﷺ إلى قائد الإرجاس المسمى بولد العباس.
أما بعد عرفك الله مراشد الأمور وجنبك التمسك بحبل الغرور_ فأنه وصل كتابك بوعيد وتهديدك وذكرك ما وضعته من نظم كلامك ونمت به من فخامة أعظامك من التعلق بالأباطيل والإصغاء إلى فحش الأقاويل_ من الذين يصدون عن السبيل فبشرهم بعذاب أليم على حين زوال دولتك ونفاذ منتهى طلبتك وتمكن أولياء الله من رقبتك وهجومهم على معاقل أوطانك صغراً وسبيهم حرمك قسراً وقتل مجموعتك صبر أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون وجند الله هم الغالبون هذا قد خرج عليك الإمام المنتظر كالأسد الغضنفر في سرابيل الظفر متقلداً سيف الغضب مستغنياً عن نصر العرب لا يأخذه في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم قد اكتنفه العز من حواليه وسارت الهيبة بين يديه وضربت الدولة عليه سرادقا والقت عليه قناعها بوائقها وانقشعت طخاء الظلمة ودجنة الضلالة وغاضت بحار الجهالة ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى يرجع الحديث إلى قصة صاحب مسور وعلي بن فضيل لعنهما الله تعال.
стр. 1332
وذلك ان صاحب مسور لما علم ان على بن فضل غير تاركه لما ذكر في كتابه عمد الى جبل مسور فحصنه واعد فيه جميع ما يحتاج اليه للحصار وقال لاصحابه انى لأخاف هذا الطاغيه ولقد تبين لي في وجهه الشر حيث واجهته في (شبام) فلم يلبث علي بن فضل أن خرج لحرب المنصور واختار لحربة عشرة آلاف مقاتل من يافع ومذ حج وزبيد وعنس وقبائل العرب فدخل قرية (شبام) وخرج المنصور بلقائه ألف مقاتل إلى موضع يقال له المصانع من بلد حمير فضبطوا ذلك الجبل فزحف اليهم فقتتلوا من اول النهار إلى الليل فخرج علي بن فضل على طريق العصد ودخل (لاعة) مصعد إلىجبل الجميمة مقاتلا للمنصور فضرب فيها مضاربه ورجع إلى أصحاب حضور المصانع [١٤] فلزموا بيت ربيته وضبطوا الجبل فأقسم الا يبرح حتي يستنزل المنصور فحاصرة ثمانيه اشهر وقيل أن المنصور حمل من سوق طمام خمسمئة حمل ملح قبل وصول علي بن فضل وعق له في الجبل عقا واسع في موضع كثير التراب واوقدوا فوقه الحطب اياما حتي استملح الجبل فصار ملحا كله ثم نقله إلى الخزائن ثم إن علي إبن فضل مل المقام فلما علم منه المنصور ذلك دس عليه أمر الصلح فقال لست ابرح وقد علم اهل اليمن قصدي لمحاصرته الا ان يرسل إلى بعض ولدة فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس ويعلمون انه قد دخل في طاعتي فأرسل اليه ولدة ودفعه بالتي هي احسن فرجع إلى (مذيخرة) فأقام عنده ولد المنصور سنه ثم ردة إلي ابيه وبرة وطوقه بطوق من الذهب ثم اقام بمذيخرة يحل الحرمات وير تكب الفواحش وامر الناس باستحلال البنات والاخوات وكان يجمع اهل مذهبه في دار واسعه يجمع فيها الرجال والنساء بالليل ويأمر بإطفاء السرج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه وروى أن عجوزاً محدوبة الظهر وقعت مع رجل منهم فلما تبين بها خلاها فتعلقت بثيابه وقالت (دوبد من ذى الحكم الأمي ر [١٥] ) فجرت مثلاً.
ويقال إن أيامه لعنه الله كانت سبع عشر سنة ومات مسموماً سنة ثلاثة وثلاثمائة.
стр. 1333
وكان سبب موته لعنه الله أن رجلاً من أهل بغداد يقال أنه شريف وصل إلى الأمير أسعد بن أبي [١٦] يعفر الحوالي وكان في ذلك الوقت هارباً من القرمطي في الجوف من بلد همدان مستجيراً ببني الدعام وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام وقال الأمير تعاهدني وأعاهدك أني ‘ذا قتلت القرمطي كنت معك شريكاً فيما يصل إليك فعاهده على ذلك وكان طبيباً حاذقاً فخرج فكان مع كبار أهل دولة القرمطي يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه للقرمطي بالحذق بالطب وفتح العروق وقالوا أن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثلة ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم فأمره أن يفصده فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها ثم أخرج المبضع ثم مصه وعلي بن فضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته ثم فصده وخرج من ساعته فركب دابته وخرج هارباً فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب فلم يوجد فلحقوا به دون (نقيل صيد) [١٧] بازاء قينان [١٨] فقتلوه هناك رحمه الله تعالى ومات القرمطي لا ﵀.
وولى الأمر من بعده ولده فأفأ وشاع موته في الناس ووصل إلى الحوالي جماعة من رؤساء الناس بنو المحابي والأنبوع وغيرهم فزحف بالعسكر الغليظ لحرب القرامطة فدخل الدعكر [١٩] ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة وسلط الله عليهم سيف النقمة لا يخرج لهم جمع إلا هزموا أو قتلوا وأيد أسبحانه وتعالى امسلمين بنصره.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . فأقام يحاصر القرامطة سنة ويقال إن من شدة عزمه وحزمه وتقصيه أنه ما حل عدته ولا سلاحه بل يصلي وعليه عدته وسلاحه حتى فتح الله عليه وقتل القرامطة وأحيا الإسلام.
стр. 1334
ليس كولاة الأمر من أهل زماننا الذين غرقوا في الملذات واتبعوا الشهوات ولم يرغبوا في المكارم والنجدات وعظوا فلم يتعظوا وناموا فلم يستيقظوا ونظروا ما حل بغيرهم فلم يعتبروا. وقد قيل في المثل السائر:
أوشكت بعد أخيك تصبح أصلعا
وإذا رأيت أخوك يحلق رأسه
ومن عجز عن رعاية رعيته وجار علبيها في حكمه وقضيته، ودل على زوال مملكته وتعجيل منيته، وقد قال الأول:
ونام عنها تولى رعيها الأسد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة
وإذا فرط الراعي في أمر رعيته وطاوع نفسه الدنيه، وذهب عنه الآنفة والحمية فقد عظمت عليه البلية. وقال الأفواه الأودي:
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم
فإن تولت فبالأشرار ينقادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما ضحلت
стр. 1335
رجع الحديث إلى محاصرة الأمير الحوالي فروي أنه نصب المنجنيقات فهدم الذخيرة بعد سنة ودخل على القرامطة فقتلهم وأخذ من الغنائم مالا يحصى وسبى بنات القرمطي وكن ثلاثا فصار اثنتين في رعين وواحدة وهبها الأمير لابن أخيه قحطان أباد الله القرامطة على يد الأمير الحوالي بمنة وسعادته، وجعل لا يسمع بأحد منهم إلا قتله، ورجع إلى صنعاء وقد أطفأ جمرة الشك وملك جميع البلاد وزالت الفتنة وأراح الله من القرامطة وطهر منهم البلاد وأمن منهم العباد، وسار الأمير في الناس بأحسن سيرة وعدل في الرعية ورد بني المحابي إلى مخلاف جعفر، وجرت المكاتبة بين الأمير الحوالي والأمير إبراهيم بن زياد [٢٠] والناصر أحمد بن يحي الإمام الهادي صاحب صعده [٢١] وتعاقدوا على المعاضدة والمناصرة وقتل القرامطة حيث ما وجدوا. وذكروا أنه كان يوجد عنوان كنتم بركة في بركه ونعمة مشتركة والأرض فيما بيننا قد حصلت في شبكة وكان الخارج إذا خرج من بلد أحدكم لذنب أذنبة كاتب فيه وسأل الصفح عنه. وصفت لهم المعيشة واستقامت لهم الدولة ولزم كل واحد منهم بلده ولم يطمع واحد على صاحبه. ألف الله بين قلوب المسلمين ولم يبق من القرامطه إلا شرذمة قليلة من أولاد المنصور في ناحية مسور وأبادهم الله تعالى على يد الدعام بن إبراهيم والناصر بن يحيى وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المذيخرة: ناحية في قضاء العدين.
[٢] التعكر: حصن من أشهر حصون اليمن بجوار مدينة الجند.
[٣] هما اسمان لابني هارون ﵇، ويقال أن النبي ﷺ سمى بهما سبطيه.
[٤] في نسخة اليافعي "واضربي".
[٥] يحصب: مخلاف كبير من مخالف اليمن يضم كثير من القبائل اليمانية ومنه بلاد (تريم) و (عنس) و (صنعاء) و (همدان) .
стр. 1336
[٦] بليدة في بلاد عنس.
[٧] حصن من حصون ذمار في اليمن.
[٨] عك: قبيلة في تهامة اليمن.
[٩] الكدرى: مدينة قديمة في تهامة اليمن وقد اندثرت.
[١٠] ملحان: جبل من جبال السراة في اليمن.
[١١] هكذا الأصل والصحيح "وقد كان أبو طاهر أخو سعيد".ز.
[١٢] ومن قوله:
يخلق الخلق وأفنيهم أنا
أنا بالله وبالله أنا
[١٣] هكذا في الأصل، وقد سبق أنه قتل سنة ٣٠١هـ فالصواب "فأجابه أبوطاهر سليمان بن أبي سعيد".
[١٤] حضور المصانع: جبل عظيم في اليمن وهو غير جبل شعيب.
[١٥] وفي نسخة البهاء الجندي مؤرخ اليمن "دوبد من ذي حكم به الأمير"ثم قال: " (دو) بمعنى (لا) في بعض لغات اليمن و (ذي) بمعنى (الذي) "وقال البهاء الجندي: "سألت جمعاً منهم عن جمع النساء مع الرجال هكذا فأنكروه"أهـ لكنه غريب منه أن ينظروا منهم الاعتراف بمثل هذه الشناعة البالغة وهي معروفة في فروعهم إلى اليوم. ز.
[١٦] هكذا في الأصل، والصواب حذف (أبي) قال الجندي قال الطبيب لأسعد الأمير: "إن أنا عدت تقاسمني ما يصير إليك من الملك" لكنه قتل ولم يعد. ز.
[١٧] النقيل في لغة اليمن العقبة وهي الأكمة المرتفعة.
[١٨] بوادي السحول المعروف بقينان وقد زاره الجندي سنة٦٩٦هـ. ز.
[١٩] وفي بعض الكتب (التعكر) .ز.
[٢٠] أحد ملوك بني زياد في زبيد.
[٢١] أحد أئمة الزيدية في اليمن وهو الذي خرج من المدينة المنورة إلى اليمن وسيرته معروفة.
стр. 1337
التراويح أكثر من ألف عام
بقلم الشيخ عطية محمد سالم
القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة
الحلقة الثالثة
إلى حضرات القراء الكرام قدمنا في الحلقات السابقة من هذا البحث التراويح في العهد النبوي وعهد الخلفاء الأربعة ﵃ الآن نقدم ما بعد عهدهم إلى نهاية الألف عام: ما جرى على التراويح في المسجد النبوي من زيادة أو نقص ومن صورة أو شكل.
وقد أبدينا الرأي أنه بحث تاريخي فقهي وأنه للجميع وقد التمسنا من كل من يقف على هذا المبحث سابقاً أو لاحقاً أن يتكرم بإبداء ما عنّ له من توجيه ويهدي إلينا ما وقف عليه مما لم نطلع عليه في المراجع التي بين أيدينا أو مما لم يصل إلينا. ولاسيما مع ضيق الوقت وكثرة العمل وضعف الجهد مما يجعلنا نلتمس من الجميع المشاركة في هذا العمل وبالله التوفيق.
المائة الثالثة..
مضت المائة الثانية والتراويح ست وثلاثون وثلاثة وتر فيكون المجموع تسع وثلاثون. وكان هناك من يرى إحدى وأربعين ركعة كما تقدم.
ودخلت المائة الثالثة وكان المظنون أن تظل على ما هي عليه تسع وثلاثون بما فيه الوتر.
ولكننا وجدنا نصاً للترمذي ﵀ المتوفى في أواخر المائة الثالثة في سنة ٢٧٩أن التراويح بلغت إحدى وأربعين ركعة بالوتر. فقال: "واختلف أهل العلم في قيام رمضان فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر وهو قول أهل المدينة. والعمل على هذا عندهم بالمدينة".
فقوله: "والعمل على هذا عندهم بالمدينة"ظاهر في بقاء هذا العمل أو وجوده بالفعل عند حكاية له.
стр. 1338
فهل زادت التراويح في المائة الثالثة إلى إحدى وأربعين ركعة أي عمل بأحد الأقوال المتقدمة. أم أنهم اعتبروا التسع والثلاثين تراويح وزادوا لها ثلاثاً فصارت إحدى وأربعين كما تقدم بحث هذه المسألة في أول الكلام على عدد الركعات في زمن عمر بن عبد العزيز وزمن مالك ﵀ على كل فإن الستة والثلاثون مؤكد وجودها والباقي بين تتمة التسع والثلاثين أو الإحدى والأربعين.
المائة الرابعة والخامسة والسادسة
عادت التراويح في تلك الفترة كلها إلى عشرين ركعة فقط بدلاً من ست وثلاثين كالسابق.
لأن المنطقة كلها أي منطقة الشرق الأوسط بل من مصر والحجاز والعراق قد شهدت اضطراباً شديداً بسبب نزاع العبيديين مع العباسيين.
وقد بدأ حكم العبيديين في مصر سنة ٣٥٩ تسع وخمسين وثلاثمائة أي في منتصف المائة الرابعة، وظل منبر الحجاز مؤرجحاً بين العباسيين في العراق والفاطميين في مصر حوالي مائتي سنة إلى أن توفي آخر خليفة عبيدي سنة ٥٦٧ سبع وستون وخمسمائة أي منتصف القرن السادس.
وباستيلاء الفاطميين على الحجاز تغيرت الأوضاع تغيراً شديداً، ولاسيما من جهة الأمن، والسنة وظهور البدع لأنهم لم يكونوا على مذهب أهل المدينة آنذاك.
قال ابن جبير في رحلته وقد وصل المدينة سنة ٥٨٠ ثمانين وخمسمائة وصور ما شاهده من بدع هؤلاء آنذاك في المدينة، ملخصة من رحلته سنة ١٧٩ قال: "وفي يوم الجمعة وهو السابع من محرم سنة ٥٨٠ شاهدنا من أمور البدع أمراً ينادي له الإسلام يا لله يا للمسلمين، وذلك أن الخطيب وصل للخطبة وصعد منبر النبي صلي الله عليه وسلم وهو ما يذكر على مذهب غير مرضي وكان ضد الشيخ الإمام (العجمي) الذي كان ملازما لصلاة الفريضة في المسجد المكرم فالإمام الراتب على طريقة من الخير والورع لائقة بإمام مثل ذلك الموضع الكريم.
стр. 1339
فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب أي الذي قدم للخطبة وهو من الشيعة وقد نفد منه الرانيان السوداوان وقد ركزنا بجانبي المنبر الكريم فقام بينهما فلما فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في سرعة وابتدر الجمع (مردة) من الخدم يخترقون الصفوف ويتخطون الرقاب كدية (أي شحاذة) على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليل التوفيق، فمنهم من يطرح الثوب النفيس ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير. فيعطيها وقد أعدها لذلك، ومنهم من يخلع عمامته لينبذها.
ومن النساء من تطرح خلخالها إلى يطول الوصف، والخطيب جالس على المنبر يلحظ هؤلاء المستجدين بلحظات يكرها الطمع إلى أن كاد الوقت ينقضي والصلاة تفوت، وقد ضج من له دين واجتمع له من ذلك السحت كوماً عظيماً أمامه.
فلما أرضاه قام وأكمل خطبته وصلى بالناس، وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين، يائسين من فلاح الدنيا متحققين من أشراط الساعة"اهـ بإيجاز.
فمن هذا يظهر لنا الوضع في المسجد النبوي مما يؤكد طروء تغيير الأوضاع العامة في المسجد عما كانت عليه من قبلهم.
وقد أكد ذلك ما قاله ابن فرحون في مخطوط له أثناء حديثه عن المسجد النبوي ما نصه: "ولم يكن لأهل السنة خطيب ولا إمام ولا حاكم منهم"، أي من أهل السنة، ثم قال: "والظاهر أن ذلك منذ أن استولى العبيديون على مصر والحجاز فإن الخطبة بالمدينة كانت باسمهم إلى سنة ٦٦٢ اثنتين وستين وستمائة أي إلى منتصف القرن السابع حيث تغلب العباسيون على الحجاز وأقيمت الخطبة لهم من ذلك العهد إلى يومنا هذا"اهـ. أي إلى يوم المؤلف.
ثم قال: "وكان أخذ الخطابة من آل سنان سنة ٦٨٢ أثنين وثمانون وستمائة"اهـ.
стр. 1340
ويشهد لهذا ما وقع في مكة من وهن علمي, كما جاء في كتاب السيد السباعي في تاريخ مكة ج١ ص ١٦٥ في حديثه عن الناحية العلمية في مكة في العهد العباسي الثاني قال: "ثم ما لبث أن توزع أعلام مكة في الأمصار فضعف النشاط العلمي فما وافى القرن الرابع الهجري حتى كانت علامات الضعف قد زادت وضوحاً في البلاد. وكان العالم الإسلامي قد زخر في هذا العهد بالاختلافات الدينية فاشتدت دعوة الخوارج وشاعت أقوال المعتزلة، والمرجئة، وذاعت المذاهب الشيعية على اختلاف أنواعها"، إلى قوله: "أما المذهب الشيعي فقد وجد على خلاف غيره من يناصره في مكة والمدينة وبعض مدن الحجاز في أوقات مختلفة".
ومما يؤيد القول بوجود مناصرين للمذهب الشيعي في مكة والمدينة ما ذكره السيد السباعي في تاريخ مكة أيضاً قوله: "وما لبث الأشراف في مكة على إثر اتصالهم بالفاطميين أن أضافوا إلى الآذان عبارة (حي على خير العمل) وهو تقليد كان يتبعه الفاطميون. وكان ذلك في عام ٣٥٨أي في المائة الرابعة".
فقد نص على وهن الحالة العلمية، وعلى مناصرة الأشراف للمذهب الشيعي تبعاً للسياسة آنذاك في كل من مكة والمدينة وهو بعد المنطقة عن مقر الحكم العباسي في بغداد. والحكم الفاطمي في مصر. وتنازع الطرفين لمنبر الحرمين رغبة في التأييد لمكانة الحرمين من العالم الإسلامي وأن من استولى عليهما فقد أصبح أحق بالخلافة. ومن وراء ذلك يستدر الحاكمون بمكة والمدينة عطاء كلا الجهتين. وهكذا دواليك ثم قال: "وقد ظل الوهن العلمي على ذلك أي في مكة والمدينة طيلة القرن الرابع والخامس والسادس للهجرة".
فتصوير السباعي لوهن الحالة العلمية وتصوير ابن جبير لحالة الجمعة مما يؤكد حتماً وقوع تغير في صلاة التراويح في المسجد النبوي في تلك الفترة وهي مدة حكم الفاطميين على الحجاز. وقد امتد حكم الفاطميين على العالم الإسلامي إلى سنة ٥٦٧ وانتهى بموت الخليفة العاضد آخر خلفاء العبيدين.
стр. 1341
ولكن على أي صورة كان التغيير إلى مذهب الشيعة أنفسهم أصحاب الحكم أم إلى مذهب الشافعي الذي كان سائداً بمكة ثم نقلوه إلى المدينة والجدير بالذكر أن مذهب الشيعة في التراويح هو كما قال الحلي وغيره من أئمتهم ما نصه: "نافلة شهر رمضان، والأشهر في الروايات استحباب ألف ركعة في شهر رمضان زيادة على النوافل المرتبة يصلي في كل ليلة عشرين ركعة ثمان بعد المغرب. واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء على الأظهر. وفي كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين على الترتيب المذكور. وفي ليالي الأفراد الثلاث في كل ليلة مائة ركعة زيادة على ما عليه"ولهم تفصيلات في ذلك فمن أرادها فليراجعها في ج١ ص ٦٥ من كتاب الشريعة للحلي. والذي يظهر أن التغيير الذي وقع للتراويح كان على مذهب الشافعي ﵀ لما جاء في أقوال أبي زرعة عن أبيه ما نصه: "ولما تولى والدي إمامة المسجد النبوي أعاد إليها سنتها أي في التراويح بست وثلاثين ركعة. ولكنه كان يصلي التراويح في أول الليل عشرين ركعة كالمعتاد وستة عشر ركعة بعد منصف الليل مراعاة للخلاف"فقوله: "يصلي التراويح أول الليل عشرين ركعة"يدل على أنه أخذ بمذهب الشافعي بقرينه قوله: "مراعاة للخلاف"وقوله "كالمعتاد"يدل على أنه العدد الذي كان معتاداً من قبله وأبو زرعة من أعيان القرن الثامن وشافعي المذهب.
ومما يدل على أن مذهب الشافعي هو الذي كان مقدماً في مكة والمدينة في عهد الفاطميين ما نقله ابن جبير عن صورة الختم في رمضان في التراويح بمكة في القرن السادس. وكان الحكم بها للفاطميين كما أفاده قوله ما ملخصه: "أن هلال شهر رمضان استهل ليلة الاثنين التاسع عشر من ديسمبر وصيام أهل مكة ليوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، لكن أوصى الأمير بذلك ووقع الإيذان بالصوم ليلة الأحد المذكور لموافقة مذهبه ومذهب شيعته العلويين ومن والاهم". لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضاً حسبما يذكره.
стр. 1342
ثم قال: "وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقاً فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماماً لها في ناحية من نواحي المسجد، والحنبلية كذلك، والحنفية كذلك والزيدية ... "الخ اهـ.
وقد بين أن صلاة أهل مكة كلهم عشرون ركعة فقط حيث قال: "والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهاد وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل في الطواف مع الجماعة". وذكر طوافهم وعودتهم إلى أن قال: "هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات فيكمل لهم عشرون ركعة ثم يصلون الشفع والوتر وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئاً". اهـ.
فظهر بذلك كله أن التراويح في تلك الفترة وهي فترة حكم العبيديين عادت إلى عشرين ركعة عملاً بمذهب الشافعي إلى أن أعادها أبو زرعة مع تغيير في صورة الأداء كما سيأتي إن شاء الله في المائة الثامنة.
المائة الثامنة
عادت التراويح فيها إلى ست وثلاثين ركعة ولكن مع اختلاف في الأداء وهذا ما يفهم مما وجد في كتاب (طرح التثريب في شرح التقريب) للإمام زين الدين أبي الفضل والد الحافظ ولي الدين أبى زرعة العراقي المولود في عام ٧٢٥ خمس وعشرين وسبعمائة، والمتوفى ولده عام٨١٨ ثمانية عشر وثمانمائة أي أنهما عمّرا ما بين أوائل المائة الثامنة إلى أوائل المائة التاسعة.
ساق أبو زرعة على حديث صلاته ذات ليلة في المسجد في رمضان فصلى بصلاته أناس..الخ فذكر الشرح وما يتعلق بفقه الحديث ثم تعرض لذكر عدد الركعات في التراويح والخلاف فيها، ومناقشة كلام الناس في الزيادة على العشرين ركعة وأنها سنة أهل المدينة، ثم قال وهو محل الشاهد:
стр. 1343
"ولما ولى والدي ﵀ إمامة المسجد النبوي أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد. ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين واستمر على ذلك عمل أهل المدينة بعده فهم عليه إلى الآن". اهـ. راجع طرح التثريب ج١ص٩٨.
فقوله ﵀: "ولما ولي والدي إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة"يدل على أنه طرأ على التراويح تغيير في الفترة التي قبل والده.
وقوله: "فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد"يدل أيضاً على أنها كانت قبله عشرين ركعة وهو العدد المعتاد عندهم من قبله.
وقوله: "واستمر على ذلك عمل أهل المدينة"أي على عشرين ركعة أول الليل وستة عشر بعد منتصف الليل تتمة الستة والثلاثين ركعة السابقة.
وقوله: "فهم عليه إلى الآن"نص على وجود ذلك العمل إلى حياة المؤلف في أوائل المائة التاسعة في سنة ٨١٨ ثمانية عشر وثمانمائة.
المائة التاسعة
وبناء على ما تقدم من كلام أبي زرعة تكون التراويح قد استمرت على ست وثلاثين ركعة مفصلة كالسابق عشرين في أول الليل وستة عشر في آخره. وقد استمر هذا العمل إلى نهاية المائة التاسعة وأوائل المائة العاشرة كما ينص عليه السمهودي في الآتي:
المائة العاشرة وهي تمام الألف سنة
دخلت المائة العاشرة والتراويح في المسجد النبوي ست وثلاثون ركعة كما جاء عند السيد السمهودي في كتابه (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) ج١ ص٨٤ في المسألة (الثمانون) فيما اختصت به المدينة عن غيرها من البلدان ما نصه:
стр. 1344
"الثمانون: اختص أهلها في قيام رمضان بست وثلاثين ركعة على المشهور عند الشافعية، قال الرافعي والنووي: قال الشافعي: رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة، منها ثلاث للوتر، قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة ذلك لشرفهم بمهاجر رسول الله ﷺ وقبره"اهـ. وقد توفي السمهودي سنة ٩١١ وهو شافعي المذهب أيضاً وسيأتي أن ولده كان من أئمة الشافعية في المسجد النبوي.
ثم قال في المرجع نفسه ص٨٥: "والقيام بهذا العدد بالمدينة باق إلى اليوم إلا أنهم يقومون بعشرين ركعة عقب العشاء، ثم يأتون آخر الليل فيقومون بست عشرة ركعة". هـ فنص على وجود العدد والكيفية التي أعادها أبو زرعة ﵀.
تنبية: تقدم ذكر الشافعي ﵀ عدد التراويح (تسع وثلاثون) منها ثلاثة للوتر ولم يفصل نوع وكيفية الصلاة للوتر والمعروف عند الشافعي ﵀ أنه ثلاث مفرقات. ولكن السيد السمهودي أشار إلى تغيير في الكيفية حيث قال عقب كلامه الأول ما نصه: "فوقع له خلل في أمر الوتر نبهنا عليه في كتاب (مصابيح القيام في شهر الصيام) وكنت قد ذكرت لهم ما يحصل به إزالة ذلك ففعلوه مدة، ثم غلبت الحظوظ النفسية على بعضهم فعاد الأمر كما كان".
قوله هنا: "فوقع لهم خلل في أمر الوتر نبهنا عليه ... إلخ"لم نعلم ما نوع هذا الخلل وما هو تنبيهه عليه. والمعلوم أنه لا يوجد خلاف في الوتر إلا في صورته ما بين الجمع والتفريق كما هو بين الأحناف يجمعون الثلاثة كالمغرب, والجمهور يفرقون بينهما يسلمون من اثنتين ويأتون بواحدة مفردة.
والأحناف يقنتون في الوتر إلا أن الحنابلة يجهرون فيه والأحناف يسرون والشافعية والمالكية يقنتون في الصبح إلا أن الشافعية بعد الركوع والمالكية قبله.
стр. 1345
ولعل الخلل هو بسبب تعدد الأئمة وتعدد صور الوتر كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله عند الكلام عن المائة الثالثة عشرة وإيراد رسالة الشيخ سليمان العمري في الوتر وكلام أئمة وعلماء المسجد النبوي أنذاك في هذا الموضوع.
ما بعد الألف المائة الحادية عشرة:
يغلب على الظن أنه لم يطرأ تغيير على التراويح في المائة الحادية عشرة لأننا وجدنا كلام السيد السمهودي المتوفى سنة ٩١١ أن التراويح كانت ستاً وثلاثين ركعة وثلاثة وترا فالمجموع تسع وثلاثون وأنهم كانوا يصلونها على فعله أبو زرعة ﵀.
ثم وجدنا للشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته التي كتبها عن المدينة في المائة الثانية عشرة أن التراويح أيضاً تسع وثلاثون ركعة مما يؤكد أنها مضت في طريقها إلى عهده وشاهدها على ما جاء عنه تفصيله كالأتي:
المائة الثانية عشرة
стр. 1346
دخلت المائة الثانية عشرة والتراويح على حالها كما كانت قبل الألف عشرون ركعة في أول الليل وست عشرة ركعة في آخره وتسمى الستة عشرية كما جاء من وصف الشيخ النابلسي في رحلته إلى المدينة وما نقلته مجلة العرب عن الرحلة في عدد ذي القعدة الجزء الخامس من السنة الأولى للمجلة سنة ١٣٨٦ص٤٣٠ نقلاً عن الشيخ النابلسي قوله: "كنا نصلي عند الشيخ السيد علي السمهودي، وولدي يصلي إماما وكان ولد السمهودي إماما من أئمة الشافعية أنذاك وقال: "إن عادة أهل المدينة بعد فراغ الصلاة التراويح يخرجون من الحرم، ويقفلون أبوابه، فإذا مضى وقت من الليل نحو الثلاث ساعات أو أربع يعود كثير منهم, فيفتحون أبواب الحرم ويوقدون القناديل، ويصلون ست عشرة ركعة جماعة يسمونها الستة عشرية"اهـ. وهذا هو محل الشاهد على بقاء التراويح على ما كانت عليه زمن السمهودي في المائة العاشرة ولم يطرأ عليها تغيير إلا أنهم يسمون الصلاة التي في آخر الليل الستة عشرية أي نظراً لعدد الركعات ست عشرة ركعة وهذا مما يؤكد أن التراويح ظلت بعد الألف تسع وثلاثون ركعة منها ثلاثة وتراً وتصلى عشرين أول الليل وست عشرة آخره. غير أنه قد وجد أو كان موجوداً من قبل تعدد الأئمة للتراويح حسب تعدد الإمامة للفريضة والذي كان موجوداً آنذاك أئمة لمذهبين فقط هما الشافعية، والحنفية وكان عدة خطباء للائمة الثلاثة أي بزيادة المذهب المالكي، كما جاء في مجلة العرب أيضاً في الجزء الرابع من سنتها الأولى عدد شوال سنة ١٣٨٦هـ ص٣٣٤ نقلاً عن رحلة النابلسي أيضاً ما نصه: "وللحرم الشريف خمسة عشر إماما منهم الحنفيون ومنهم الشافعيون وله واحد وعشرون خطيباً، منهم اثنا عشر خطيباً حنفيين، وثمان خطباء شافعيين، وخطيب واحد مالكي.
стр. 1347
فالأئمة يصلون بالنوبة في كل يوم إمام واحد من الحنفية، وإمام واحد من الشافعية فيبدؤون من الظهر إلى الصبح والإمام الشافعي يصلي أولاً، ثم الإمام الحنفي إلا في المغرب فيتقدم الحنفي لكراهة تأخير المغرب عنده.
ويصلي الإمام الحنفي يوماً في محراب النبي ﷺ الذي في الروضة الشريفة فيصلي الإمام الشافعي ذلك اليوم في المحراب الذي خلف المنبر (محراب السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان) ثم في ثاني يوم يصلي الإمام الشافعي كذلك. ويصلي الحنفي مثل ما صلى هو أول يوم". وهؤلاء يصلون التراويح أيضاً في وقت كل لجماعته إلا في ليلة الختم للشافعي فإنهم يصلون جميعاً العشاء والتراويح خلف إمام واحد هو إمام الشافعية وكان إمام الشافعية هو المقدم آنذاك. في الفريضة يصلي أولاً وفي التراويح يختم هو أولاً أيضاً في حفل وحفاوة بالغة كالآتي:
صورة الختم بالمدينة في المائة الثانية عشرة
قال النابلسي يصف حضوره لختم القرآن العظيم في صلاة التراويح في الروضة الشريفة مع السادة الشافعية. وما شاهده بنفسه كالآتي:
"جاء في مجلة العرب ج٩ من سنتها الأولى سنة ١٣٨٧ عدد ربيع الأول. نقلاً عن رحلة النابلسي ما نصه: وذكر أي النابلسي: "أنهم يختمون في كل رمضان في صلاة التراويح ختماً كاملاً، يجعلونه ليلة السابع والعشرين من رمضان وأن الحنفية يجعلون الختم ليلة التاسع والعشرين من رمضان". والنابلسي حنفي المذهب.
стр. 1348
ثم قال: "وجلسنا في الروضة الشريفة حين أذن العشاء، واجتمع الناس وحضر العلماء والأعيان، والأكابر على طبقاتهم، كل واحد منهم له سجادة مبسوطة في مرتبته، وحضر مفتي الحنفية، ومفتي الشافعية، وقاضي المدينة، وشيخ الحرم، وخدام الحجرة المطهرة، والخطباء والأئمة كلهم، وكان الشريف سعد بن زيد أمير الحجاز قد سافر قبل ذلك مع أولاده وعساكره إلى جهة مكة"أي أنه لم يحضر لسفره. ولعل هذا يشير إلى حضور الأمير في مثل ذلك اليوم.
قال: "وحضر المؤذنون كلهم فأقاموا الصلاة، وصلى الإمام بالناس كلهم صلاة العشاء". أي أنهم جميعاً صلوا بصلاة إمام واحد فريضة العشاء على غير المعتاد في بقية الأيام. وذلك تمهيداً لصلاتهم جميعاً التراويح بإمام واحد ولذا قال: "وكانت النوبة في الإمامة للشاب الفاضل حادي الفضائل السيد عمر بن السيد السمهودي الشافعي". أي أن إمامة الشافعية موزعة على عدة أشخاص من الشافعية أنفسهم ويتناوبون الصلاة بالشافعية وكذلك الحال عند الأحناف لهم عدة أئمة كما تقدم بيان عدد الجميع.
ثم قال - وهو محل شاهد -: "ثم صلى بهم التراويح إلى أن فرغ منها". أي أن الإمام الشافعي وهو السيد عمر بن السيد السمهودي شافعي المذهب صلى بالجميع التراويح تلك الليلة إلى أن فرغ منها.
ثم قال مبيناً صورة الختم وحفاوتهم به: "فاجتمع المؤذنون في الروضة الشريفة وأنشدوا القصائد النبوية المشتملة على المديح، وذكر الروضة، والمنبر والحجرة المطهرة وحصل الخشوع والبكاء. وأنشدوا القصائد في وداع شهر رمضان، وضج الناس بذلك، وكانت الهيبة العظيمة والجلال والخشوع.
стр. 1349
وقد أشعلوا الشموع الكثيرة، وصفوها في الروضة الشريفة والقناديل العديدة موقدة ومباخر الطيب بالعنبر والعود دائرة، وماء الورد كأنه سحابة هامرة وكل جماعة من الحاضرين قدامهم طبق موضوع من الزهور والفل والفاغية، وأنواع الرياحين، حتى أرسل شيخ الحرم إلى الإمام بعد فراغه بالخلعة السنية الفضية الذهبية. وقام الناس يباركون له الختم الشريف وهو جالس في محراب النبي ﷺ وذلك المقام المنيف وقد حصل لنا كمال الثواب والأجر في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وزرنا النبي ﷺ "ثم ذكر رجلاً من أهل اليمن مجذوب الحال كان يحمل قربة ماء من البئر الذي في صحن الحرم النبوي ويقول شقا شقا ولا يأخذ شيئاً من أحد. ثم ذكر انتهاء ذلك الحفل وانصرف ذلك الجمع واطفئت القناديل والشموع.
وبهذه المناسبة فإن عمل الاحتفال المذكور لختم القرآن في رمضان كان معمولاً به في مكة من القرون السابقة حيث جاء عند ابن جبير في رحلته وصف عمل الحفل المذكور بأعظم وأكبر من هذه الصورة سنوردها آخر البحث إن شاء الله.
كما أنه كان موجودا أيضاً بالمدينة في نهاية العهد التركي وعلى أوضاع متعددة سيأتي ذكرها عند الكلام على القرن الرابع عشر إن شاء الله في أواخر عهد الأتراك والأشراف. ولا نستبعد أن تكون صورة الختم تلك ممتدة من ذي قبل وليست وليدة القرن الثاني عشر فقط. ولا سيما وأن المقدم فيه هو ختم الشافعية الذين لهم الأولوية في الإمامة من زمن مسبق من على عهد الأتراك أنفسهم والذين يناصرون المذهب الحنفي مما يدل على أن هذا الحفل ليس من مبتكرات الأتراك بل لعله من بقايا الفاطميين والله أعلم.
المائة الثالثة عشرة أواخر العهد التركي
стр. 1350
دخلت المائة الثالث عشرة والتراويح على حالتها الأولى حيث لم يطرأ ما يستوجب تغييرها تبعاً لوضع المنطقة كلها؛ لأن المدينة ومكة ظلتا تحت حكم الأشراف حكماً مباشراً وإن كانت تبعاً للخلافة العثمانية في تلك الفترة.
وتقدم لنا أن الحجاز ظل تحت حكم الأشراف من قبل وإن كان مؤرجحا بين الفاطميين والعباسين إلى أن قامت الخلافة العثمانية التركية، ابتداء من السلطان سليم بمصر، سنة ٩٢٢ ودعا له منبر مكة سنة ٩٢٣ وظلت الحجاز أيضاً بأيدي الأشراف تحت سلطان الخلافة العثمانية. إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى وانتهت الخلافة بانتهائها وكان آخر قائد تركي بالمدينة هو فخري باشا، قائد الحامية التركية، وسلم المدينة سنة ١٣٣٧هـ.
وآخر أمير للأشراف بمكة الشريف الحسين، وبالمدينة الشريف علي. وفي سنة ١٣٤٥ نودي بالشريف الحسين ملكا على البلاد العربية.
فلم تخرج المدينة في تلك الفترة عن الحكم المباشر للأشراف سواء كان ذلك في أوائل العهد التركي أو في أواخره. فلم يطرأ في المائة الثالث عشرة أي تغيير على التراويح إلى أن دخلت المائة الرابع عشرة أي هذا القرن الحالي. وقد شاهد المعاصرون التراويح على ما كانت عليه إلا أنه تعددت لها الأئمة في المسجد النبوي على النحو الآتي بيانه في الكلام على القرن الرابع عشر إن شاء الله.
стр. 1351
بحوث هامة حول الزكاة
نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. أما بعد فإن الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التي تساهل بها الكثير من المسلمين فلم يخرجوها على الوجه المشروع مع عظم شأنها وكونها أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم بناؤه إلا عليها لقول النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" متفق على صحته. وفرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام ورعايته لشئون معتنقيه لكثرة فوائدها ومسيس حاجة فقراء المسلمين إليها فمن فوائدها تثبيت أواصر المودة بين الغني والفقير لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها ومنها تطهير النفس وتزكيتها والبعد بها على خلق الشح والبخل كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ومنها تعويد المسلم صفة الجود والكرم والعطف على ذوي الحاجة ومنها استجلاب البركة والزيادة والخلف. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يقول الله : يا ابن آدم أنفق ننفق عليك" إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
стр. 1352
وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ, يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ فكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" ثم ذكر النبي ﷺ صاحب الإبل والبقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها وأخبر أنه يعذب بها يوم القيامة وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول أنا مالك كنزك" ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
стр. 1353
والزكاة تجب في أربعة أصناف، الخارج من الأرض من الحبوب الثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام، والذهب والفضة وعروض التجارة، ولكلٍّ من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود لا تجب الزكاة فيما دونه فنصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ فيكون مقدار النصاب من التمر والزبيب والحنطة والأرز والشعير ونحوها ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ وهو أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل الخلقة إذا كانت يداه مملوئتين. وأما نصاب السائمة من الإبل والبقر والغنم ففيه تفصيل مبين في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ وفي استطاعة الراغب في معرفته سؤال أهل العلم عن ذلك ولولا قصد الإيجاز لذكرناه لتمام الفائدة.
стр. 1354
وأما نصاب الفضة فمائة وأربعون مثقالاً ومقداره بالدرهم العربي السعودي ستة وخمسون ريالاً. ونصاب الذهب عشرون مثقالاً ومقداره من الجنيهات السعودية أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه والواجب فيها ربع العشر على من ملك نصاباً منهما أو من أحدهما وحال عليه الحول والربح تابع للأصل فلا يحتاج إلى حول جديد كما أن نتاج السائمة تابع لأصله فلا يحتاج إلى حول جديد إذا كان أصله نصاباً. وفي حكم الذهب والفضة الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم سواء سميت درهماً أو ديناراً أو دولاراً أو غير ذلك من الأسماء إذا بلغت قيمتها نصاب الفضة أو الذهب وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة ويلتحق بالنقود حلي النساء من الذهب والفضة خاصة إذا بلغت النصاب المتقدم وحال عليها الحول فإن فيها الزكاة وإن كانت معدة للاستعمال أو العارية في أصح قولي العلماء لعموم قول النبي ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار" الخ الحديث المتقدم. ولما ثبت عنه ﷺ أنه رأى بيد امرأة سوارين من ذهب فقال: "أتعطين زكاة هذا"قالت:"لا"قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار"فألقتهما وقالت: "هما لله ولرسوله" أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن وثبت عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: "يا رسول الله أكنز هو"فقال ﷺ : "ما بلغ أن يزكى فزكي فليس بكنز"مع أحاديث أخرى في هذا لمعنى. أما العروض وهي السلع المعدة للبيع فإنها تُقوَّم في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت قيمتها مثل ثمنها أو أكثر أو أقل لحديث سمرة قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود. ويدخل في ذلك الأراضي المعدة للبيع والعمارات والسيارات والمكائن الرافعة للماء وغير ذلك من أصناف السلع المعدة
стр. 1355
للبيع. أما العمارات المعدة للإيجار لا للبيع فالزكاة في أجورها إذا حال عليها الحول أما ذاتها فليس فيها زكاة لكونها لم تعد للبيع وهكذا السيارات الخصوصية والتكاسي ليس فيها زكاة إذا كانت لم تعد للبيع وإنما اشتراها صاحبها للاستعمال وإذا اجتمع لصاحب سيارة الأجرة أو غيره نقود تبلغ النصاب فعليه زكاتها إذا حال عليها الحول سواء كان أعدها للنفقة أو للتزوج أو لشراء عقار أو لقضاء دين أو غير ذلك من المقاصد لعموم الأدلة الشرعية الدالة على وجوب الزكاة في مثل هذا والصحيح من أقوال العلماء أن الدَّين لا يمنع الزكاة لما تقدم. وهكذا أموال اليتامى والمجانين تجب فيها الزكاة عند جمهور العلماء إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ويجب على أوليائهم إخراجها بالنية عنهم عند تمام الحول لعموم الأدلة مثل قول النبي ﷺ في حديث معاذ لما بعثه إلى أهل اليمن: "إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم"والزكاة حق الله لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً أو يدفع ضراً ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة. بل يجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها لكونهم من أهلها لا لغرض آخر مع طيب النفس بها والإخلاص لله في ذلك حتى تبرأ ذمته ويستحق جزيل المثوبة والخلف.
стр. 1356
وقد أوضح الله سبحانه في كتابه الكريم أصناف أهل الزكاة فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفي ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين العظيمين تنبيه من الله سبحانه لعباده على أنه سبحانه هو العليم بأحوال عباده ومن يستحق وهو حكيم في شرعه وقدره فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وإن خفي على بعض الناس بعض أسراره حكمه ليطمئن العباد لشرعه ويسلموا لحكمه والله المسئول أن يوفقنا والمسلمين للفقه في دينه والصدق في معاملته والمسابقة إلى ما يرضيه والعافية من موجبات غضبه إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 1357
الشمس في نصف الليل
للدكتور تقي الدين الهلالي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
كنت قرأت منذ زمن طويل أخبار القبائل التي تسمى (إسكمو) وأحوال معيشتهم، ومساكنهم وأسفارهم وحالة الجو في بلادهم، وذلك معروف في كتب الجغرافية، والذي يهمنا هنا من أخبار الأراضي القطبية ما شاع أن السنة عندهم يوم واحد، نهار وليلة، ستة أشهر للنهار، وستة أشهر لليل.
ولم أؤمل قط أن أرى تلك الأراضي، لما قرأته من شدة البرد وتراكم الثلوج هناك، وأنهم يلجئون إلى لبس الجلود والاختباء في بيوت يحيط بها الثلج من كل جانب، إلى غير ذلك من الأخبار.
وفي صيف سنة ١٩٣٦اجتمعت بالدكتور/ زين العابدين خير الله الحلبي وكان أستاذاً في مستشفى الأمراض الخاصة بالنساء في جامعة مار بورك بألمانيا، فأخبرني أن الأراضي القطبية واسعة، وليست محصورة في الأراضي التي يسكنها قبائل (إسكمو) وأنه هو نفسه زار الأراضي القطبية في شمال النرويج، وأن سكانها متمدنون، وأنه أقام هناك نحو اثني عشر يوماً لم ير فيها ظلمة ولا ليلاً، بل كلها كانت نهاراً.
стр. 1358
ومن ذلك الحين عزمت على زيارة هذه الأراضي في أقرب وقت ممكن. فلما أشرفت السنة الدراسية على نهايتها ذهبت إلى السفارة النرويجية في الرباط، وسألتها عن الأراضي القطبية التي لا تغيب فيها الشمس بضعة أشهر، فأخبروني أن الأمر كذلك، وأن هناك نواحي تابعة للحكومة النرويجية تبقى الشمس فيها مشرقة مدة ثلاثة أشهر من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) فتأهبت للرحلة وتوجهت من مكناس في سيارتي يسوقها الحاج أحمد هارون في اليوم الثاني من يوليو، وسرنا متوكلين على الله من مكناس إلى تطوان، ثم عبرنا البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، ثم سرنا عبر إسبانيا ففرنسا فألمانيا، فالدانمارك، فالسويد فالنرويج، وتركنا السيارة في مدينة (أوسلو) عاصمة النرويج، وركبنا القطار والسيارات مدة يومين، فوصلنا مدينة (ناروك) ، وشاهدنا الشمس مشرقة مدة أربعة وعشرين ساعة.
أوقات الصلاة في الأراضي القطبية
كنت عازما قبل أن أصل إلى تلك البلاد أن أصلي خمس صلوات في مدة اثنتي عشر ساعة، ثم أترك الصلاة اثنتي عشر ساعة، فتكون خمس صلوات في أربع وعشرين ساعة.
فلما وصلت إلى تلك البلاد تغير رأيي، وظهر لي أن تُتبَع أوقاتُ الصلاة في تلك البلاد الأراضي الجنوبية من البلاد النرويجية، فيصلي المصلي صلاة الصبح وقت طلوع الفجر في الجنوب، ويصلي الظهر حين تزول الشمس في الجنوب، وهكذا الشأن في جميع الصلوات، بناء على قاعدة: "ما قرب من الشيء يعطي حكمه"، وكذلك يفعل الصائم في رمضان إذا جاء في وقت الشمس، أو في وقت الظلام.
هل في الأراضي القطبية فصول؟
стр. 1359
ينبغي أن يعلم أن في تلك البلاد ما يشبه الفصول الأربعة، وقد تقدم أن الشمس تستمر مشرقة من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) ثم تغيب غياباً جزئياً في أول غشت (آب) في كل يوم تبقى غائبة أكثر من اليوم الذي قبله، فيكون الليل قصيراً والنهار طويلاً، ولا يزال الأمر كذلك، يزداد الليل طولاً والنهار قصراً إلى آخر أكتوبر (تشرين الثاني) فتغيب الشمس وتبقى ثلاثة أشهر غائبة.
وفي أول فبراير (شباط) تطلع الشمس، ثم لا تلبث أن تغيب، فيكون النهار قصيراً والليل طويلاً، ولا يزال النهار يطول، والليل يقصر إلى آخر إبريل (نيسان) ثم ينعدم الليل. فهذه مدد تشبه الفصول الأربعة في البلاد التي يكون فيها الليل والنهار طول السنة.
وقد عرفنا حكم أوقات الصلاة في الأشهر الثلاثة الشمسية، ومثلها الأشهر الثلاثة المظلمة. بقي حكم أوقات الصلاة في ربيع تلك البلاد وخريفها، وهما مدتان، يكون فيهما ليل جزئي ونهار جزئي، فكيف الحكم في أوقات الصلاة والصيام؟
لا يمكن أن نفكر في هذه المسألة ثم نبدي رأينا فيها إلا إذا أحطنا علماً بليلها ونهارها، كيف يطول وكيف يقصر، فالليلة الأولى بعد انتهاء مدة الشمس، وهي أول ليلة من غشت (آب) كم طولها؟
فإذا كان طولها نصف ساعة أو أقل، فهل يحكم عليها بأنها ليلة تصلى فيها المغرب والعشاء والصبح عند نهايتها، ويفطر الصائم ويتسحر فيها، ويصوم نهارها، ويصلي الظهر والعصر في وسطه، أم يستمر على اعتبار توقيت العاصمة (أوسلو) ويعتبر الليل ليلاً، والنهار نهاراً؟ وما مقدار الساعات التي يبلغها الليل طولاً حتى يعتبر أنه ليل، وإذا مضى أكثر الأشهر الثلاثة وقصر النهار جداً يعود السؤال نفسه. وهكذا يقال في المدة الثانية التي تبتدئ من شهر فبراير (شباط) وتنتهي في آخر إبريل (نيسان) .
стр. 1360
فإن قيل: أنت أول من بدأ هذا البحث، فعليك أن تجيب عن أسئلتك، وتبدي رأيك؟ قلت: يمنعني من ذلك أنني من أهل الحديث المتبعين للسلف الصالح المتجنبين للرأي، المعتبرينه كالميتة لا يجوز الأكل منها إلا بقدر الضرورة. فما نزل من المسائل وتحقق وقوعه، وسئلنا عنه أفتينا فيه بالرأي قائلين: إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنا، والله بريء منه، كما قال عبد الله بن مسعود.
أما مدة الشمس فقد وجب علينا أن نجتهد في حكم أوقات الصلاة فيها، لأن ذلك وقع ونزل، وقسنا عليه مدة الظلام، لأنهما سواء. أما المدتان الأخريان فندعهما حتى يحتاج بعض المسلمين إلى معرفة الحكم، فييسر الله له من يفتيه.
وقد كان السلف الصالح، إذا سئل أحدهم عن مسألة استحلف السائل بالله، أنها وقعت، فإن حلف له أفتى فيها برأيه، وإلا قال: دعها إذا نزلت ييسر الله لها من يفتي فيها.
وما زعمه بعض المتقدمين من أن بلاد بلغار يقصر فيها الليل والنهار جداً وهم، وقد لاحظت أن الليلة الأخيرة التي مضت قبل وصولنا إلى بلاد الشمس في نصف الليل، كما يسمونها، لم تكن مظلمة، حتى أني مع ضعف بصري، وأنا راكب في السيارة كنت أرى الأشجار، وأغصانها ولا توجد ظلمة أصلاً، إلا أن الشمس مختفية، ومن حين يتوسط الإنسان بلاد النرويج متوجهاً من الجنوب إلى الشمال تقل ظلمة الليل شيئاً فشيئاً حتى تنعدم بانعدام الليل نفسه. فسبحان الخلاق العليم.
стр. 1361
ولاحظت أيضاً: كما لاحظ من معي أن الشمس في نصف الليل تكون قريبة من الأرض كأنها تريد أن تغيب، لكنها لا تغيب، بل تأخذ في الارتفاع وتدور في السماء، فتشكل دائرة من نصف الليل إلى نصف الليل. قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فأخبر أن السير في الأرض يزيد في العقل والعلم المكتسب بالتجارب، وقل ربي زدني علماً.
وهناك في تلك الناحية قبائل بدوية تسكن الخيام، ولها ماشية، وهي الأيائل، وهي نوع من الحيوان يشبه الظباء، إلا أنها أكبر منها، وقرونها متشعبة -كالأشجار- يحلبونها ويأكلون لحومها، وينتفعون بجلودها. ولا يستطيع شيء من سائر الحيوان كالبقر والغنم أن يعيش في تلك البلاد غير الأيائل، لشدة بردها، وكثرة ثلوجها، ولتلك القبائل لباس خاص.
وسمعت أنهم وثنيون، لا يدينون بالنصرانية التي يدين بها أهل تلك البلاد، ولا أعلم مقدار هذا الخبر من الصحة، وليس هذا الجو خاصاً بشمال النرويج، بل يعم كذلك شمالي السويد.
وقد علمت أن من أراد أن يشاهد الأراضي القطبية التي في شمال السويد يستطيع أن يسافر إليها بالقطار.
أما مدينة ناروك التي تقدم ذكرها فقد سافرنا إليها من (أوسلو) ، بعض المسافة بالقطار، وبعضها بالسيارة، وكنا في كل بضع ساعات نجتاز خليجاً من خلجان البحر، بمعدّية، وهي باخرة كبيرة، تدخلها السيارات، فتبقى فيها نصف ساعة أو أكثر حتى تصل إلى البر، فتخرج السيارة منها وتستأنف سيرها.
وقد رأيت القطار نفسه يعبر البحر في معدّية بين ألمانيا الشرقية والدانمارك في مدة ساعتين. وتلك المعدّية الضخمة عظيمة الحجم، ذات ثلاث طبقات، يصعد إلى الطبقة العليا بالمصعد الكهربائي.
стр. 1362
وهناك معدّية رأيتها تستعمل بين سبتة والجزيرة الخضراء، وهي أيضاً عظيمة، ولكنها دون تلك، وليس مقصودي أن أصف هذه الرحلة، لأن وصفها يحتاج إلى مؤَلَّف مستقل، وإنما ذكرت ما تقدم استطراداً.
من وحي الأندلس قصيدة من بحر جديد
لما مررنا بأرض الأندلس في رحلتنا إلى شمال أوروبا تذكرت أهل الأندلس المسلمين، وما كان لهم من المجد والسؤدد، فقلت هذه القصيدة، وهي من بحر جديد اخترعته. وأجزاؤه أربعة: مستفعلاتكم مستفعلين مرتين. له عروض واحدة صحيحة، لها ضربان، أولهما مذيل، والثاني عار عن التذييل.
وكل هذه التفاعيل بفتح العين ومعناها: مستخرجاتكم مستخرج أيها المسلمين، فالزموا مستخرجاتكم ولا تهملوها.
وقد أحدث العرب المولدون أوزاناً شعرية زائدة على بحور الشعر بعد زمان العرب الأقحاح، ونظموا عليها شعراً كثيراً، ثم جاء زمان الموشحات والأزجال، فاشتغل بها العرب في الشرق والغرب، واشتملت على أدب جم. ونظم بهاء الدين زهير شعراً أخترع له وزناً خاصاً، وهو قوله:
يا من لعبت به شمول
ما ألطف هذه الشمائل
فلا غرابة إذا اقتديت به، وألقيت دلوي في الدلاء. وهذا نص القصيدة:
لما بدا لنا جمالكم
أضحت قلوبنا أسرى الغرام
وانبعثت بها مودة
تنمو وتزدهي على الدوام
قد طال هجركم وصدكم
وما رثيتم للمستهام
ولم نزل نفي بعهدكم
وما رعيتم لنا ذمام
فهل سمعتم بقاتل
لمن يحبه هذا حرام
هبوا أسيركم لو نظرة
صلوا عميدكم لو بالكلام
أما ترونني متيماً
لم تدر مقلتي أي منام
محبتي لكم عفيفة
غدت بريئة من كل ذام
وعاذل أتى يلومني
كلامه غدا مثل الكِلام
فقلت: يا فتى ويك اتئد
فأنت طالب مالا يرام
عذلك زادني صبابة
فكف أو فزد من الخصام
стр. 1363
يا موطناً غدا مفتخرا
بخير أمة من الأنام
بالعرب إذ علوا مراتبا
قد بلغوا بها أقصى المرام
أندلساً دعيت في الورى
وجنة سمت خير المقام
معجزة فلم ير الورى
لها مماثلا لو في المنام
كيف افتخارنا بمجدهم
ونحن لم نزل بلا نظام
والخلف ما لهم مفتخر
لكن عليهم بالاحتشام
إلا إذا حيوا واتحدوا
وارتجعوا إلى نهج الكرام
واتبعوهم في دينهم
دين محمد بدر التمام
فالعرب مالهم معتصم
إلا بحبله ولا التئام
والعز عنهم مبتعد
إلا إذا اقتدوا بذا الإمام
فهو حياتهم في بدئهم
وهو حياتهم على الدوام
وكلما اقتفوا خلافه
فهو ضلالة وهو الحسام
صلى عليه من أرسله
هدى ورحمة يجلو الظلام
ما غردت ضحى حمامة
وأشرقت ذكا بعد غمام
والآل والصحاب كلهم
أزكى صلاته مع السلام
وقد اطلع على هذه القصيدة الأديب الكبير العالم المحقق العبقري عبد الله كنون فأعجبته وأثنى عليها.
وفي الإياب من هذه الرحلة عرجنا على قرطبة وزرنا مسجدها، فاعتراني شعور فيه روعة وإجلال وإعجاب، وحزن، لا أقدر أن أصفه بلسان ولا أظن أن شخصاً له شعور إنساني يرى ذلك المسجد ولا يعتريه مثل ذلك الشعور، سواء أكان مسلماً أم غير مسلم.
وصف جامع قرطبة
من أمثال العرب: "أن الحديث لذو شجون"، وقد بدا لي أن أنقل هنا وصف مسجد قرطبة الجامع من كتاب مدينة المور في الأندلس الذي ترجمته بالعربية من أصله الإنجليزي لمؤلفه (جوزيف ماك كيب) ليرى القارئ العربي المسلم شيئاً من مجد أسلافه. وهذا نص ما قاله في وصف مسجد قرطبة:
стр. 1364
"لم يبق من آثار قرطبة في القرون الوسطى إلا أثر واحد، وهو جامعها الذي لا يزال إلى اليوم، جميع أطفال قرطبة يسمونه مسجداً، ولولاه ما تجشم أحد عناء السفر لمشاهدة قرطبة، ولو كانت خمسة أميال منه، ولكن الناس من جميع أنحاء الدنيا يسافرون إليها ليشاهدوه.
وهو أعظم معبد في الدنيا بعد كنيسة (سنت بيترس) ، وهو آية لا نظير لها من الهندسة والبناء، وظاهر هذا المسجد لا يستولي على اللب، ولم يكن المور الذين كانوا يفضلون الإقامة داخل البيوت أكثر من خارجها يعتنون كثيراً بالظاهر.
وأما الداخل فهناك العجائب، إذا دخلت الجامع من أي باب من أبوابه التسعة عشر يخيل إليك أنك تائه في غابة من أشجار المرمر، ففيه ثمانمائة وستون سارية من المرمر والرخام واليسر، وفيه غير ذلك ألف واثنتي عشرة سارية. وفيه تسعة عشر رواقاً، ينتهي كل منها بباب من الأبواب التسعة عشر، وله سقف خشبي منخفض نسبياً، وقد زخرف أحسن زخرفة بالأرجوان والذهب.
وفي الأعياد الكبيرة توقد مائتان وثمانون ثرياً من الفضة والنحاس، يحترق فيها الزيت والعطر، وتتلألأ فيها آلاف كثيرة من المصابيح، فتلقي أنوارها على ذلك المشهد. وأكبر ثرياً منها كان محيطها ثمانية وثلاثين قدماً (فوت) يحمل ألفاً وأربعمائة وأربعاً وخمسين مصباحاً، ولها مرآة تعكس النور، فيزيد شعاعه تسعة أضعاف. وفيها (٦٠٠٠) ألف طبق من الفضة مسمرة بالذهب، ومرصعة باللؤلؤ.
وكان الجامع قد شُيِّد مع مضافته في القرن الثامن والتاسع والعاشر. والمحراب الذي هو أقدس محل في مسجد المور، كان فيه حنيتان، وكان أعظم زخرفاً من سائر المساجد. وآخر المحراب يشبه صدفة من رخام، وله مدخل يتلألأ كالذهب الخالص أو الديباج بفسيفسائه الجميلة، وأحيل القارئ على كتب زخرفة البناء أو كتب الاستدلال، ليرى عجائب هذا الجامع العظيم.
стр. 1365
وكان بناؤه من النصارى المنتمين إلى الكنيسة اليونانية، وكانت بينهم وبين المور مودة، فجلبوهم لبنائه، وهو أثر لمدينة زاهرة، لا يضاهيها اليوم شيء في الدنيا كلها وكان عبد الرحمن الأول مؤسس هذه الدولة، قد جعل مدينة قرطبة على مثال مدينة دمشق التي قضى فيها أوائل عمره، وهو الذي ابتدأ بناء الجامع وأتمه الخلفاء الذين جاءوا بعده. وبلغت نفقاته على ما حدث به مؤرخو العرب (٣٠٠.٠٠٠.٠٠٠) دولار، وكان هذا آخر عمل عمله في حياته، وقد شيد غير هذا هو وخلفاؤه ورجال دولتهم قصوراً فخمة، ومساجد كثيرة، كانت تزيد المدينة في كل سنة جلالة وبهاء". اهـ
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
لكن لا ينبغي لنا أن نقتصر على الافتخار بمجدهم، بل ينبغي لنا ويتحتم علينا أن نعمل بقول من قال:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
فنسأل الله أن يوفقنا لإحياء ذلك المجد الشامخ، إنه على ذلك قدير.
стр. 1366
الطريق الجديدة
(قصة قصيرة)
بقلم الشيخ: محمد سعيد المولوي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
كان كل شيء ذلك اليوم رائعا وجميلا في نظري, فالشمس مشرقة دافئة حلوة تحن الأرض إلى أشعتها تنفض بها عن شعرها قطرات الندى التي صبها عليها الليل قبل أن يرحل وكانت الأشجار تهتز طرية فرحة على أنغام الطيور والعصافير, وقد اكتست من خضرة الثوب ما راق وتوشى بدنانير الذهب ورق الخريف, وكان النسيم يهب ناعما رقيقا لينا وكأنه أم تمر بيدها على خد وليدها تداعبه وتخشى عليه, وكانت دمشق لا تزال تستقبل الوافدين إليها للالتحاق بجامعتها فتفتح لهم يديها وتضمهم إلى صدرها ضمة حنان ورأفة فتمسح عنهم غبار السفر وتضفي عليهم من رونقها ما يأخذ بالعقول ويسرح الألباب.
وكانت السيارة تنطلق بنا منحدرة من تلال الزبداني تعجب من حال شباب ما عرفوا في حياتهم سوى الضحك والمزاح، وما حملوا من هموم الحياة شيئاً وما أدركوا معنى المسئولية, وأصوات هؤلاء الشباب تعلو وتنخفض مع كل ضحكة لطيفة ونكتة حتى وصلت بنا إلى مشارف دمشق ثم مالت نحو الجنوب لتقف أمام مستشفى المجتهد، ثم تقذف ما في صدرها فتتعالى أصداء الضحكات وبقايا الابتسامات أمام باب المستشفى ثم تخفت لتنتقل إلى الردهة الخارجية حيث كان يقف صف طويل من الشباب ينتظرون نتائج فحوص صدورهم الشعاعية.
وقفت في الرتل الطويل، وكنت لا أزال أضحك وأفرح وأعلق على كلام أصدقائي وأنا انتظر دوري حتى صرت أمام الكوة الصغيرة ودفعت بالورقة المرقومة إلى الموظف وأنا مطمئن النفس إلى أنه سيمهرها بخاتمه كما يمهر غيرها وأنطلق مع الأصحاب عائدين ولكن الموظف قلب أوراقا أمامه ثم قال: انتظر قليلاً.
стр. 1367
أحسست ببعض القلق في نفسي، ومال عليّ صديقي فاروق يقول: "ما باله؟ "قلت: "لست أدري ولكنه طلب أن أنتظر قليلاً", قال: "لا بأس سنسبقك إلى نادي الجامعة ونلقاك هناك"قلت: "حسناً", وبقيت أنتظر قرابة نصف ساعة وكلما أطللت على الرجل كان يستمهلني حتى ضاق صدري وفرغ صبري, وأخيراً جاءني رجل يلبس قميصاً أبيض فنادى علي باسمي ولبيت متلهفاً وأخذني جانباً ثم قال: أتسعل؟
- نعم, عندما أصاب بالبرد, قال: ليس ذلك أعني.
- ماذا تعني إذن..
- هل تسعل سعلاً خفيفاً متقطعاً؟
- لا..
- لابد..
- لكن ذلك لا يحصل.
- هل تحس بوجع في خاصرتك؟!
- لا..
- أبداً..
- أحياناً عندما أركض وأكون أكثرت من شرب الماء..
- ليس هذا ما أعني.
- إذن ماذا..؟
- هل تؤلمك خاصرتك في الليل؟
- لا.
- هل تعرق..؟
- نعم, في الصيف وعندما أو عندما ألعب الملاكمة أو كرة القدم..
- أيضا ليس هذا ما أريد..
- ماذا تريد..هل تعرق في الليل..؟
- ليس دائما وإنما في وقت الحر.
وضاق ذرع الرجل بي فتركني ومال على نافذة صغيرة فأخذ منها علبة زجاجية صغيرة ثم قال: خذ هذه وابتعد جانباً ثم تقشع فيها.
وما فهمت كلامه فقلت: وما معنى تقشع؟
- أسعل سعالاً شديداً ثم ابصق فيها ما تخرجه من صدرك.
- ولكن كيف أسعل وأنا لا أحس بحاجة للسعال..
- جرب..
وانتحيت جانباً وتساعلت حتى تعبت ثم أتيته بما وضعته في العلبة.
فقال: هذا لعاب.. ولا يصلح.
قلت: وما أصنع هذا ما استطعته؟
- انتظر، ثم أخذ ملقطاً حديدياً بيده اليسرى وآخر بيده اليمنى قد لقط قطناً ثم أمسك لساني بالأيسر ودس القطن في سقف حلقي، وأخرجه يحافظ عليه كما يحافظ على جوهرة ثم رمى به في علبه زجاجية صغيرة.
стр. 1368
كان صبري قد فرغ وبدأت أحس أن الأمر جد وأنه لابد لي معرفة ما يريد.. فقلت: قل لي ما الأمر..؟
- قال: لاشيء إلا أننا نشك أن تكون مصاباً بالسل..
ضحكت ضحكة صفراء ولكني أحسست أن الأرض قد مادت من تحت قدماي ونظرت إلى الرجل أمامي فرأيته يترنح يمنة ويسرة فأمسكت بالحائط واستندت عليه وتماسكت أنفاسي، حتى إذ هدأت قليلاً قلت: ولكن هذا غير معقول فمن أين يأتيني السل؟ فإن البيئة التي أعيش فيها بيئة صحية وبيتنا لا تغيب عنه الشمس من الصباح حتى المساء وطعامي جيد، وأيامي أمضيها بالرياضة والسرور.
وأجابني الرجل بجفاء: لا ندري، وعلى كل حال فسنصور لك صدرك صورة شعاعية كبيرة للتثبت، وقد أخذنا من حلقك جراثيم سنزرعها لتحقق من الأمر..
ثم التفت وقال: اتبعني..
سرت وراءه وقد عقدت يدي وراء ظهري وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع. أيمكن أن يكون ما يقوله حقيقة..؟
لا, هذا غير معقول.. ولكن من أين له أن يتهمني بمثل هذا الاتهام لولم يكن صحيحاً.. لا.. لا أصدق.. وقطع على تصوراتي أمره لي بخلع ملابسي والوقوف وراء لوحة التصوير.
كانت الغرفة مستورة النوافذ في ستائر سوداء جعلتني أحس برهبة في نفسي فأحسست بالضيق يملأ على أنفاسي فكدت أختنق ووقفت وراء اللوحة وأنا شارد الذهن مسلوب الإرادة، وأصبحت كالآلة, فما انتهيت حتى لبست ملابسي ثم وقفت بجانبه أنتظر منه الأمر.. وخطر لي أمل في الرجاء فقلت: السنة الماضية كنت مسجلاً بالجامعة وقد أجريت الفحص الشعاعي فما قالوا لي شيئاً.
قال: ليس شرطاًً ثم إن قسمنا حديث التأسيس وآلاتنا جديدة.
وقطع بحديثه خيط العنكبوت ونظرت إليه فأردف: اليوم السبت تحضر يوم الأربعاء لأخذ النتيجة ثم التفت ودخل الحجرة.
стр. 1369
خرجت من المستشفى وأنا لا أكاد أصدق ما حصل ورحت أفرك عيني هل أنا في حلم؟.. لا فهي الحقيقة، وزال كل جمال للدنيا من عيني فما عدت أرى أمامي إلا سواداً ومشيت وأنا أترنح يمنة ويسرة ونظرت إلى الشمس فإذ هي لا تثير بي إحساساً ولا تحرك شعوراً وكان جبل قاسيون يجثم أمامي شامخاً فأحسست به وكأنه على صدري وحاولت أن أستنشق الهواء فإذا الهواء جامد قاسي لا يدخل رئتي واندفع سعال بسيط يهز كياني كله.. لقد كان الرجل صادقاً فها أنا أسعل سعالاً خفيفاً.. ولكن مدافعة عنيفة ثارت في نفسي.. لا يمكن أن يكون هذا.. وكان ثقل رأسي قد بلغ مني مبلغه وكأن مطارق عنيفة تهوى على جمجمتي تكاد أن تحطمها.
كان منظر الأشجار أصفر باهت تعلوه سمة الموت ومغادرة الحياة!.. وكانت زقزقة العصافير ضوضاء مزعجه ترهق الشعور وتدعوا إلى الضيق، وكان النسيم بارداً ثقيلاً تمجه الصدور وتخشاه، وكانت سحن الناس كئيبة مقترة لا تفتر عن بسمة ولا تنم عن تفاؤل.
وصلت البيت فأدرت المفتاح ودخلت كان البيت موحشاً مقفراً لا أثر فيه للحياة أو الحركة، فالأهل كلهم في الزبداني، وأكببت على فراشي وترغرغت الدموع في عيني، وغلبني سعال خفيف، وأحسست بعرق غزير يبل جسدي, فبكيت وبكيت.. وقمت فوقفت أمام المرآة أنظر في وجهي.. وثارت في نفسي تساؤلات: أيمكن أن يكون هذا الوجه الأزهر وجه مسلول.. وجاء الجواب: ألا ترى الشمعة قبل أن تذوي يشتد لهيبها. أيمكن أن يكون هذا الصدر الذي ينم عن قوة، وهذان الساعدان المفتولان قطعة من جسمي المسلول.. وكان الجواب: كم من أشياء ننخدع بها في الحياة، أنسيت أنك في مسبح بولدان في الأسبوع الماضي شعرت بوهن وضيق في صدرك شديد، وأن أصدقائك عزوا ذلك إلى شدة برودة الماء.
стр. 1370
وانهزمت مقاومتي واقتنعت أنني مسلول.. وعدت إلى فراشي فاستلقيت على ظهري ورحت أحدق في السقف.. وقفزت إلى ذهني أسماء أصدقائي الذين ماتوا فمأمون دهسته السيارة ونحن نلعب الكرة أمام المدرسة, وموفق غرق في مسبح المزة، وسالم أصيب بالتهاب السحايا.. وطن في أذني صوت راح يعلو ويعلو حتى صرت لا أسمع غيره, وغداً سيقولون: يونس مات بالسل عليه رحمة الله.
ووضعت إصبعي في أذني، وعبثاً حاولت أن أخلص من هذه الهواجس ومر أمامي شريط حياتي قصيراً. سريعاً فما وجدت فيه ما يسر.. وكدت أصيح وأصرخ وغلبني الخوف والرهبة وقمت مسرعاً وفتحت الباب وانطلقت إلى الشارع. كان اليأس قد ملك على نفسي وحرت أين أذهب، وقررت أن أعود إلى الزبداني وخطر في بالي أن أصدقائي قد يكونون بانتظاري بالجامعة وأحسست بقرف شديد ونفور عنيف من الجامعة ومن فيها، وأي أمل لي وراءها.. وبدأت أشعر بالكراهية لها، فلولاها لما عرفت أنني مسلول.. لو بقيت جاهلاً ما أنا عليه لكان خيراً لي فإنني سأبقى متمتعاً بالحياة.. ولكن الآن انتهى كل شيء ولم يبق من الحياة إلا القليل.
وسرت وكأني أجر رجلي حتى وصلت منطلق السيارات وامتطيت واحدة وجلست بجانب النافذة, وأسندت رأسي إلى الزجاج..
следующие страницы →