← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

وسبب هذا التمسك والمحافظة على هذه الوسائط والاستمرار في اتخاذها شفعاء عند الله وإن كانت لا تنفع نفسها، هو الألف والعادة فلا مجال للعقل أن يفكر بل ما تلقوه عن الآباء وورثوه عن الأجداد هو الدين، ولو كان الآباء والأجداد لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف الآية: ٢٣) . وقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية لأبي طالب عند الوفاة: أترغب عن ملة عبد المطلب. ورسول الله ﷺ يقول له: قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فكان آخر كلامه أن قال: هو على ملة عبد المطلب [٦] . فلما دعاهم رسول الهدى ﷺ إلى خلع هذه الأنداد المتخذة مع الله وطلب منهم أن يفردوا الله وحده بالعبادة لأنه الإله الحق، وأن يتركوا تلك الوسائط والشفعاء التي لا تدفع عن نفسها شراً. فضلا عن أن تنفع غيرها، أعظموا ذلك الأمر واستغربوه وتعجبوا من قائله، وانطلق سادات القوم وكبراؤهم يحثون أتباعهم على الاستمرار على دينهم والسدور في شركهم، يحثونهم على الصبر على آلهتهم، وأن لا يستجيبوا لدعوة محمد ﷺ التي يدعوهم فيها إلى توحيد الخالق في العبادة. الذي يعترفون له بأنه الواحد في الخلق، متهمين رسول الله أنه إنما يريد بهذه الدعوة الشرف والاستعلاء عليهم، وما دعواه النبوة وإنزال الوحي عليه إلا افتراء واختلاف إذ كيف اختصه الله من بينهم بذلك، يقول الله في ذلك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (ص الآية: ٥-٨) .

стр. 13127

هكذا كان حال أولئك المشركين حين يدعون إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة. وقد سلك القرآن الكريم في دعوتهم إلى ترك هذه الآلهة المزعومة مسالك متعددة منها: ١- بيان عجز الآلهة المدعوة من دون الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج الآية: ٧٣، ٧٤) . يبين ﵎ لعباده أن هذه الآلهة المزعومة المدعوة من دونه عاجزة وضعيفة فلو اجتمعت كلها لإيجاد مخلوق حقير مثل الذباب لا تستطيع ذلك. بل إن الذباب الحقير لو أخذ منه شيئاً من حقير المطاعم، وطار به، لما استطاعوا إنقاذه منه وهذا يؤكد عجز هذه الآلهة وضعفها أمام هذا المخلوق الضعيف ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . أفمن كانت هذه صفته يصلح لأن يعبد ليَرْزق ويسْتَنصر، إذاً فالغارقون في عبادة هذه الأوثان، لم يقدروا الله حق قدره وهو القوي العزيز. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة الآية: ٢١) . ٢- بيان أن الخلق عنوان العبادة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل الآية: ١٧) . ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (لقمان الآية: ١١) . ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الأنعام الآية: ١٠٢) .

стр. 13128

وقد تعددت الآيات التي تنبه عقول المخاطبين وتبين لهم بأن أولئك الشركاء المدعوين مع الله لا يستطيعون تقديم شيء لمن دعاهم، بل إنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فيما إذا اعتدى عليهم فكيف يسوغ دعاؤهم عند أصحاب العقول والفطر السليمة. يقول تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف الآية: ١٩١-١٩٨) . فهذه الآيات تضمنت الإنكار الشديد من الله ﵎ على المشركين الذين يعبدون مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، إذ كيف يسوغ لمخلوق منحه الله العقل والسمع والبصر أن يعبد مخلوقاً مثله، مصنوع مربوب لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا يملك من الأمر شيئاً. بل إن أكثر هذه المعبودات جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: أيشركون به من المعبودات مالا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك.. [٧] .

стр. 13129

ثم يتابع ﵎ بيان ضعف هذه الآلهة فيقول: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف الآية: ١٩٢) . فهي لا تستطيع نصر عابديها، بل ولا نصر أنفسها ممن أرادها بسوء كما كان الخليل ﵇ يحطم أصنام قومه التي يعبدونها: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ. مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ. فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ (الصافات الآية: ٩١- ٩٣) . ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ (الأنبياء الآية: ٥٨) .

стр. 13130

ولننظر لقصة عمرو بن الجموح سيد قومه مع صنمه الذي كان يعبده، ويطلب منه أن يدفع عن نفسه الشر إن كان فيه خيراً بعد أن يقدم له السلاح. وكان من خبره أن له صنماً في داره اتخذه من خشب سماه مناة كما كانت الأشراف يصنعون تتخذ إلهاً تعظمه وتطهره، فكان يطيب صنمه هذا وينظفه. فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح في فتيان منهم، ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يَدْلجون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عذر الناس منكساً على رأسه، فيلتمسه فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ثم يقول: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه. فإذا نام وأمسى عمرو، عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى. فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل. ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكساً مقروناً بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من رجال قومه، فأسلم وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة: أنت وكلب وسط بئر في قرن والله لو كنت إلها لم تكن الآن فتشناك عن سوء الغبن أف لملقاك إلها مستدن الواهب الرزاق ديان الدين الحمد لله العلي ذي المنن أكون في ظلمة قبر مرتهن هو الذي أنقذني من قبل أن بأحمد المهدي النبي المرتهن [٨]

стр. 13131

كما بين سبحانه في هذه الآيات أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها. ولا تبصر من تقرب إليها، فلا فرق بين دعائكم إياها وعدم دعائكم في أنها لا تسمع ولا تجيب ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ (الأعراف الآية ١٩٣) ذلك أنهم عباد الله أمثالكم. وكما قال إبراهيم ﵇ لأبيه كما حكى الله ذلك عنه: ﴿.. يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ (مريم الآية: ٤٣) . وأخيراً يوجه لهم الرسول ﷺ بعد أن بين لهم ضعف آلهتهم وعجزها تحدياً لأن يجتمعوا هم وشركاؤهم فيكيدون له إن استطاعوا. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ (الأعراف الآية: ١٩٥) . وذلك لأنه لا يعبد إلها عاجزاً مثل آلهتهم وإنما إلهه ومعبوده ووليه هو الله ﷻ الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين بالنصر والتأييد. أما آلهتهم فلا تستطيع أن تعمل من ذلك شيئاً لأنها لا تسمع ولا تبصر وإن مثلت بصورة من يسمع ويبصر. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف الآية: ١٩٦، ١٩٨) . وهكذا يسلك القرآن الكريم هذا المسلك ليقطع طمع هؤلاء في التعلق بهذه المعبودات فيبين لهم عجزها من الواقع المحسوس لهم، فكما أنها لا تستطيع إيجاد ذباب، ولا أن تستنقذ منه ما سلبه منها، ولا تستطيع نصر أحد ولا تدفع الضر عن نفسها، فكذلك هي أوهى من بيت العنكبوت.

стр. 13132

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت الآية: ٤١) . ب- بيان أنهم عند الشدة يلجؤون إلى الله وحده: فيلزمهم أن يخلصوا له الدين دائماً. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس الآية: ٢١-٢٢) . هكذا كان حالهم، ففي حال الرخاء يشركون بالله تعالى، أما في حال الأزمات والضيق والشدة فيعلمون أن المفرج لتلك الكربات، والمنجي من تلك المهلكات هو الله العلي القدير، فيخلصون له العبادة فلا يدعون معه غيره، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء الآية: ٦٧) . ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام الآية: ٦٣، ٦٤) .

стр. 13133

وفرعون واحد من هؤلاء فقد رفض الإيمان بإله موسى. وحين رأى الهلاك وأدركه الغرق، انجلى عن الفطرة ما كان قد شابها، فكرر الإيمان ثلاثاً علّه يستجاب له فينجو، ولكن كان ذلك في وقت لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس الآية: ٩٠) . ولكن الله يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ (النساء الآية: ١٨) . ولذلك قال له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس الآية:٩١) . وفى الحديث: عن عمر أن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: كم تعبد اليوم إلها؟ قال: سبعة ... ستة في الأرض واحد في السماء. قال: فأيهم تعده لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك، فلما أسلم الحصين. قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني. قال: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي [٩] . وإذا كانوا يخلصون لله العبادة في حال الشدة فيلزمهم أن لا يشركوا في حال الرخاء لأن الله لا يقبل من الدين إلا ما كان خالصاً. كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ (الزمر الآية: ٢-٣) . وفي الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" [١٠] .

стр. 13134

-------------------------------------------------------------------------------- [١] ابن جرير في التفسير (ج٢/٣٣٥-٣٣٧) . [٢] خ في الجنائز فتح الباري ٣/٢١٩ ح١٣٥٨-١٣٥٩، وم في القدر ٤/٢٠٤٨ ح٢٤. [٣] م/في الجنة/٢١٩٧ ح٦٣. [٤] انظر كتاب الدين: ص١١١-١١٩ للدكتور محمد عبد الله دراز. [٥] ابن كثير (٣/٢٥٤) . [٦] خ/التفسير باب إنك لا تهدي من أحببت..فتح الباري ٨/٥٠٦، ح٤٧٧٢. [٧] ابن كثير/٢/٠٠٠ [٨] سيرة ابن هشام ١/٤٥٢-٤٥٣. [٩] سنن الترمذي ٥/٥١٧ ح٣١٧٩ (تحقيق إبراهيم عطوة) . [١٠] م/كتاب الزهد/ باب من أشرك في عمله غير الله ٤/٢٢٨٩ ح٤٦ (تحقيق فؤاد عبد الباقي) .

стр. 13135

مفهوم الأسماء والصفات سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية أحمد الله ربي حمداً كثراً طيباً مباركاً فيه كما يحب - سبحانه- ويرضى على توفيقي إلى الدخول في شيء من بيان بعض معاني أسماء الله الحسنى، وأسأله- جل وعلا- أن يديم عليّ توفيقه حتى أكمل ما بدأت من بيان- هو جهد المقلّ- الذي أضرع إلى الله- أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم. وقد بدأتُ في الحلقة الثامنة ببيان بعض معاني الاسم الثاني والأربعين، وهو اسم (الحميد) سبحانه، وانتهيتُ فيها ببيان اقترانه باسم (العزيز) . . وإتماما للفائدة أَضيف في هذه الحلقة أن اسم (الحميد) قد اقترن كذلك باسم (المجيد) في القرآن الكريم مرة واحدة [١] في قوله تعالى ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود الآية ٧٣) . ومعنى هذه الآية: أن امرأة إبراهيم ﵇ لما بشرتها الملائكة بإسحاق ومن ورائه يعقوب عجبتْ لقيام مانعيْن من وجود الولد وهما: أنها عجوزٌ لا تلد، وأن زوجها شيخ لا تحمل من مثله النساء، فقالت لها الملائكة إنكاراً لتعجبها، لا تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُنْ فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزاً عقيماً وبعلك شيخاً كبيراً، فإن الله على ما يشاء قدير، وهو سبحانه الحميد في جميع أفعاله وأقواله، المحمود الممَجد في صفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" [٢] .

стр. 13136

ومعنى الآية المذكورة عند الإمام الشوكاني: أن الملائكة قالت لامرأة إبراهيم ﵇ إنكارا لتعجبها: كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، وهو لا يستحيل عليه شيء؟ وقد كان إنكارهم عليها - مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة- لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أَي الرحمة التي وسعت كل شيء، أو النبوة والبركات وهي النمو والزيادة، أو الأسباط من بنى إسرائيل لما فيهم من الأنبياء. ومعنى ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أي بفعل موجبات حمده من عباده على سبيل الكثرة، ومعنى ﴿مَجِيدٌ﴾ أي كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه عليهم من الخيرات [٣] . والمعنى في تيسير الكريم الرحمن: أن الملائكة قالت لامرأة إبراهيم ﵇ لا تعجبي من أمر الله، فإن أمره لا عجب فيه لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصاً فيما يدبّره ويمضيه لأهل هذا البيت المبارك، ولا تزال رحمته وإحسانه وبركاته عليكم أهل البيت، (إنه حميدٌ) أى حميد الصفات لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجودٌ، وبرّ، وحكمة، وعدلٌ، وقسط، وهو سبحانه (مجيد) أَي عظيم الصفات واسعها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأَعمها [٤] .

стр. 13137

* أقول: والذي يبين لي من اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (المجيد) جل وعلا، أَنه قد عظمت ذاته وتمجدت على وجه مطلق، وتمجدت كذلك أَسماؤه الحسنى التي اختارها سبحانه لنفسه، والتي تضمنت جميع صفاته الكمال المطلق، ومن ثم فإن أفعال هذا الإله العظيم (المجيد) إنما هي جميعها أفعال عظيمة مجيدة في اختيارها، وتقديرها، وإنفاذها، ويستحق سبحانه على كل فعل منها كمال الحمد الذي لا يستحقه أحد غيره، سواءٌ حَمِدَهُ بالفعل عبادهُ، أم أعرضوا عن حمده، فهو جل وعلا- وحده- المستحقُ لكافة أنواع الحمد رغم أنوف كل الجاحدين المعرضين. . وقد اقترن اسم (الحميد) كذلك باسم (الحكيم) في القران الكريم مرة واحدة [٥] في قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت آية ٤٢) . وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَإنهُ لكِتَابٌ عزيز﴾ (فصلت آية ٤١) والمعنى أن القرآن الكريم كتاب منيع الجناب لا يُرَام أن يأتي أحدٌ بمثله، وليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزلٌ من رب العالمين، الحكيم في أقواله وأفعاله، الحميد بمعنى المحمود في جميع ما يأمر به عبادَه وينهاهم عنه، المحمودة عواقبه وغاياته [٦] . والمعنى في جامع البيان في تفسير القرآن أن القرآن الكريم أعزه الله، ليس للبطلان إليه سبيل، أو لا يبطله الكتب المتقدمة، ولا يأتيه كتاب بعده يبطله، فهو تنزيلٌ من حكيم حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون [٧] .

стр. 13138

والمعنى في تيسير الكريم الرحمن أنه كتاب جامع لأوصاف الكمال، (عزيز) أي منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي لا يقربه شيطانٌ من شياطين الإنس والجن لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا بنقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل مَنْ أنزله بحفظه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء في موضعه وينزله منازله، (حميد) على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والأفضال، لهذا كان كتاباً مشتملاً على تمام الحكمة وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها (المحمود) [٨] . * أقول: ويظهر لي من اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الحكيم) أن الله جل وعلا- ومن صفاته الحكمة على وجه مطلق - قد وضع كل شيء في وضعه المناسب، فأنزل الكتاب الحق المهيمن على الكتب السابقة على خير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله وأفضلهم، وصاحب الدين الحق المهيمن على سائر الأديان السابقة. وقد حفظ الله هذا الكتاب بهيمنته على مدى الزمن، لأنه لا كتاب بعده، وضمَّنه الحق والهدف الذي إن تمسك به الناس فلن يضلوا أبداً، فضلاً عن أنه سبحانه خلق كل شيء على الوجه المناسب له، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى- وهذه كلها أفعال تتم بحكمة الحكيم سبحانه، وكلها تستأهل أن يحمد عليها الحمد كله. . كذلك اقترن اسم (الحميد) سبحانه باسم (الولي) في القرآن الكريم مرة واحدة [٩] . في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى آية ٢٨) .

стр. 13139

ومعنى الآية أنه بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ وقوله ﷻ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية - قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس، فقال عمر ﵁: مُطِرْتُمْ، ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله [١٠] . ومعنى الآية عند الإمام الشوكاني: أن الله تعالى ينزل المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق، وأعمها فائدةً، وأكثرها مصلحةً من بعد ما أيِسَ الناسُ عن ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمة الله تعالى لهم، ويشكرون له ما يجب الشكر عليه، وهو سبحانه (الوليُّ) للصالحين من عباده بالإحسان إليهم، وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم، (الحميد) أي المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصا وعموما [١١] . والمعنى في تيسير الكريم الرحمن: أن الله تعالى ينزل المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد من بعد ما انقطع عنهم مدةً ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسُوا وعملوا لذلك الجدب أعمالاً، فينزل الله الغيثَ، وينشر به رحمتَه من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعاً عظيماً، ويستبشرون بذلك ويفرحون، (وهو الوليُّ) الذي يتولى عبادَه بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، وهو (الحميد) أي المحمود في ولايته وتدبيره، والمحمود على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الأفضال [١٢] .

стр. 13140

- أقول: ومن اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الولي) جل وعلا قبله، يبدو لي أنه ﵎ يتولى أمر عباده بصفة عامة بخلقهم، وإبرائهم، وتصويرهم، ورَزْقِهِم، وتدبير أمورهم وتصريفها جميعاً، ويتولى كذلك أمرَ عباده المؤمنين بصفة خاصة بتوفيقهم دائما للخير والهدى، وتوجيه قلوبهم إلى التزام الحق والوقوف عند حدود الله، والبعد عن محارمه، وكل هذه الولاية من الله وهي أمر لا يقوى عليه سواه، ولو لم توفر للخلق لضاعوا وهلكوا- تؤكد لنا أن الله تعالى هو (الحميد) أي المحمود حقَّا في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله جميعاً. فسبحانه من إله عظيم تفرَّدَ بكل صفات الكمال على وجه الإطلاق. . وقد ورد اسم (الحميد) في القرآن الكريم غير مقترن بأي اسم من أسماء الله تعالى، مرة واحدة [١٣] في قوله تعالى: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراطِ الحميدِ﴾ (الحج آية ٣٤) - ويعود الضمير في قوله (وهدوا) على المؤمنين في الآية السابقة، وهى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج آية ٣٣) .

стр. 13141

ومعنى الآيتين: أن المؤمنين الذين عملوا الصالحات يدخلون جناتٍ تتخرق الأنهار في أكنافها، وأرجائها، وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا، يحلَّوْنَ فيها من الحِلية في أيديهم أساورَ من ذهبٍ ولؤلؤاً، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: "تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوء"، ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ استبرقه وسندسه، كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ . (ولباسهْمْ فيها حريرٌ) وفي الصحيح: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". ومعنى (وهدوا إلى الطيب من القول) أي هدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلامَ الطيبَ، كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ, سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً, إِلا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ . ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ : أي وهدوا إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: "إنهم يلهمون التسبيح، والتحميد، كما يلهمون النفس". وقيل: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ : القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة. ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافى ما ذكر قبله [١٤] .

стр. 13142

ويقول الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ أي أرشدوا إليه، قيل: هو لا إله إلا الله وقيل: الحمد لله، وقيل: القرآن، وقيل: هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات. وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: الحمد لله الذي صدقنا وعده- الحمد لله الذي هدانا لهذا- الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. وقال في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أنهم أرشِدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام [١٥] . ومعنى ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ في تيسير الكريم الرحمن: أنهم هدوا إلى الطيب من القول الذي أفضله كلمة الإخلاص ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله أو إحسان إلى عباد الله. ومعنى ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الصراط المحمود، وذلك لأن جميع الشرع كله محتوٍ على الحكمة وحسن المأمور به وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح- أو وهدوا إلى صراطِ الله الحميدِ، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه لأنه يوصل صاحبه إلى الله. وفي ذكر (الحميد) هنا بيان أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم، ومنَّته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [١٦] . * أقول: وإفراد اسم (الحميد) سبحانه في هذه الآية دون أن يقرن باسم آخر من أسماء الله الحسنى كما ذكرت في الآيات التي سبق أن أوردتها، أفهم منه أن اسم (الحميد) استقلَّ بنفسه، كما استقلَّ اسم (الرحمن) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ (الفرقان آية ٦٠) .

стр. 13143

ويبدو لي أن اسم (الرحمن) سبحانه كما يتضمن صفة الرحمة التي بها يرْحَم جميع من خلق الله تعالى، بمعنى أنها صفةٌ ذاتيةٌ لله لا تنفك عنه البتة، وتظهر آثارها باستمرار على الخلق في كل لحظة، فإن اسم (الحميد) سبحانه يتضمن كذلك صفة الحمد بكل أنواعه، فهي صفة ذاتية لله لا تنفك عنه، وتظهر آثارها باستمرار في كل لحظة. ومعناها أنه سبحانه مستحق لكل أنواع الحمد لأنه المحمود في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وليس ذلك لأحد سواه سبحانه. كما يبدو لي أن العبد لابد أن يسلك في حياته سلوكاً يحمد عليه، لأن أعماله جميعاً يجب أن تُجرّد (للحميد) سبحانه، و (الحميد) لا يقبل إلا العملَ الحميدَ، كما أن (الطيبَ) لا يقبل إلا العملَ (الطيبَ) . ولو أن كل فرد تحرى أن يكون عمله حميداً، لصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة، ولاختفت المنازعات والخصومات فيما بينهم، ولعاشوا جميعا إخوةً في الله متحابين. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ سورة النحل. -------------------------------------------------------------------------------- [١] المعجم المفهرس. [٢] تفسير الإمام ابن كثير الجزء الثاني ص٤٥٣ ـ بقليل تصرف ـ.

стр. 13144

[٣] فتح القدير الجزء الثاني ص٥١١ ـ بقليل تصرف ـ. [٤] تيسير الكريم المنان الجزء الثالث ص٢٠٨ ـ بقليل تصرف ـ. [٥] المعجم المفهرس. [٦] تفسير الإمام ابن كثير الجزء الرابع ص١٠٣ ـ بقليل تصرف ـ. [٧] جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي الجزء الثاني ص٢٥٠. [٨] تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص٨٨ ـ بقليل تصرف ـ. [٩] المعجم المفهرس. [١٠] تفسير ابن كثير الجزء الرابع ص١١٦ [١١] فتح القدير الجزء الرابع ص٥٣٥ ـ بقليل تصرف ـ. [١٢] تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص١٠٦. [١٣] المعجم المفهرس. [١٤] تفسير ابن كثير الجزء الثالث ص٢١٤ ـ بقليل تصرف ـ. [١٥] فتح القدير الجزء ص٤٤٥. [١٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء الخامس ص١٤١.

стр. 13145

رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار الدكتور أحمد طه ريان أستاذ مساعد بجامعة الأزهر كيفية العمل بالرخصة: بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة: بيان المستفيدين بالرخصة والمدى الذي تتحقق به، وحكم الأخذ بها، ومدى شمولها لأنواع السفرة نتناول الآن في هذه الحلقة، كيفية العمل بهذه الرخصة من بداية السفر إلى نهايته، فنقول وبالله التوفيق: بداية سريان الرخصة: يبدأ سريان الرخصة من اللحظة التي يتحقق فيها وصف السفر على الشخص سواء من حيث الزمان أو المكان، ونوضح ذلك فيما يلي: بدء سريان الرخصة من حيث الزمان: من عزم على السفر، لا يخلو أمره عن الأحوال الآتية: أ- أن يبدأ سفره من قبل طلع الفجر، وهذا لا خلاف- نعلمه- بين أهل العلم، أن الرخصة تحققت بشأنه. وله العمل بمقتضاها، من حيث إباحة الفطر له منذ بداية سفره [١] . ب- أن يبدأ السفر بعد طلوع الفجر- بحيث لم يفارق عمران البلد إلا بعده- والحال أنه كان قد بيت نية الصيام من الليل. فيرى أكثر أهل العلم هنا، أنه يجب عليه الاستمرار في الصوم ولا تتحقق الرخصة لديه. تغليباً لجانب الإقامة على جانب السفر فإن أفطر وجب عليه قضاء يوم بدل ذلك اليوم ولم يوجبوا عليه الكفارة لتأوله. ولم يخرج عن هذا الفريق في عدم وجوب الكفارة إلا المغيرة وابن كنانة، فإنهما أوجبا عليه الكفارة. وقد قال بهذا الرأي: مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة ومكحول والزهري ويحيى الأنصاري وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال أحمد- في الرواية الثانية عنه- وإسحاق وداود وابن المنذر وابن حبيب- إن من بدأ سفره بعد الفجر. له الفطر منذ بدء السفر لإطلاق اسم المسافر عليه منذ هذه اللحظة [٢] .

стр. 13146

واختلف النقل عن المزني- من أصحاب الشافعي- فنقل الشوكاني عنه: أنه أختار رأي أحمد وإسحاق. وقال بعض الشافعية: إن المزني رجع عن رأيه هذا. وقال ابن حزم: إنه يبطل صومه منذ بدء سفره وعليه قضاؤه [٣] . مستند الفريق الأول: لم أجد مستنداً من السنة يشهد لقول هذا الفريق بعدم جواز الفطر لمن بدأ سفره بعد طلوع الفجر. وقد وجدت أثراً عن الحسن البصري، رواه عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: إذا أصبح الرجل صائما في شهر رمضان ثم خرج مسافراً نهاراً. فلا يفطر ذلك اليوم إلا أن يخاف العطش على نفسه فإن تخوفه أفطر والقضاء عليه، فإن شاء بعد أفطر وإن شاء صام [٤] . واضح من سند هذا الأثر: أن هناك راويا مجهولاً بين معمر وبين الحسن. ثم فيه تعليق استمرار الصيام على عدم الخوف من العطش. كما استدل بعض العلماء لهذا الرأي، بأن الصوم: عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر قياساً على الصلاة، فلو صلى مسافر خلف مقيم وجب عليه الإتمام [٥] . وقد قيل في الرد عليه: إن الصوم يختلف عن الصلاة، فإن الصلاة يلزم إتمامها بالنية بخلاف الصوم [٦] . أما أدلة الفريق الثاني فأهمها ما يلي: ١- ما رواه أبو داود بسنده إلى عبيد بن جبير، قال: كنت راكباً مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع [٧] أبو بصرة، ثم قرب غذاؤه (غداء) . قال جعفر [٨] في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب؟ قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ . قال جعفر في حديثه: فأكل [٩] . قال الشوكاني: سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ، في التلخيص ورجاله ثقات [١٠] .

стр. 13147

فهذا تصريح من أبي بصرة بأن الإفطار للمسافر في اليوم الذي خرج فيه من السنة وعبارة الخطابي في الاستدلال منه: (فيه حجة لمن رأى للمقيم ذي الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر) [١١] .. ٢- ما رواه البيهقي عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب فقلت له سنة، قال: نعم. قال الترمذي: بعد أن ذكره: هذا حديث حسن [١٢] . قال الشوكاني عن هذا الحديث: سكت عنه الحافظ، وفي إسناده عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وهو ضعيف، ولكن صاحب التحفة قال: لا بأس يكون عبد الله في الطريق الأولى فإنه لم يتفرد به بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية، وهو ثقة [١٣] . ٢- ما رواه البيهقي أيضا بسنده إلى إسحاق عن عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه [١٤] . والمختار: هو قول من يرى إباحة الفطر لمن سافر من بعد طلوع الفجر للأمور التالية: أولا: لصحة إطلاق اسم المسافر عليه حقيقة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقد علق سبحانه الرخصة على وجود السفر. وقد تحقق بمجرد حركته على الطريق، فينبغي أن تتعلق به أحكامه التي من بينها إباحة الفطر. ثانيا: القول بإباحة الفطر، فيه تيسير على المسافر، والتيسير هو مناط الرخصة قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . ثالثا: أن القول بإباحة الفطر هو أقرب القولين إلى السنة، فقد نسب كل من أبي بصرة وأنس بن مالك فطره في نفس اليوم الذي سافر فيه إلى فعل رسول الله ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ... ﴾ الآية. جـ- من عزم على السفر من الليل ونوى الفطر ولم يسافر إلا بعد طلوع الفجر:

стр. 13148

يرى فقهاء المالكية والشافعية والحنفية، أن الشخص المقيم إذا عزم على السفر من الليل وبيت نية الفطر حتى طلع عليه الفجر ولم يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يعتبر مخالفاً لأحكام الصيام في السفر، إذ كان يجب عليه أن يبيت الصيام مادام لن يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر. والأثر المترتب على ذلك: القضاء فقط مع إمساك بقية اليوم. أما المالكية فيوجبون عليه القضاء والكفارة. وجهة الفريق الأول: يرى هذا الفريق: أن فاعل ذلك وإن كان مخطئاً لكنه متأول نظراً لوجود نية السفر لديه، فوجود هذه النية أورثه شبهة الإباحة، وهذه الشبهة تنفي عنه الكفارة. وجهة الفريق الثاني: يرى هذا الفريق أن هذا الشخص يعتبر مقيماً صحيحاً قد عزم على ترك الصوم واستمر على الترك حتى انتهى وقت النية وهو طلوع الفجر، وعدم معرفته بالحكم لا يؤثر في وجوب الكفارة عليه، فيكفيه العلم بوجوب الصيام على الحاضر، وبما أنه شهد بدء الصيام وهو حاضر فيترتب عليه الجزاء الذي رتبه الشارع على من ترك هذا الواجب [١٥] . المختار: أرى أن مثل هذا الفعل خطأ من فاعله، لأن الأمر في الرخصة منوط - كما قلنا سابقاً- بالسفر، ولا يعطى الشخص صفة السفر حقيقة إلا إذا تحرك فعلاً في طريقه، وكونه عازماً على السفر لا يصح أن يكون مبرراً للفطر لجواز أن يعدل عن السفر بعد الفجر لسبب من الأسباب، كتحقق الغرض الذي كان سيسافر من أجله، أو وجد مانع منه، كانقطاع الطريق، أو عدم وجود ما يسافر عليه، والأسباب المانعة كثيرة، لذلك كان يجب عليه أن يبيت نية الصوم فإذا ما بدأ سفره كان له حينئذ الأخذ بالرخصة. أما الجزاء على هذا الخطأ: فأرى- والله أعلم- أن الرأي الذي يقول بوجوب إمساك بقية اليوم- إن لم يسافر- ثم قضاء هذا اليوم بعد ذلك هو الأنسب لمثل هذا الفعل لأنه متأول فهو معذور لوجود العزم على السفر عنده.

стр. 13149

بدء سريان الرخصة من حيث المكان: نقل عن الحسن البصري وعطاء، أن من عزم على السفر فإن له أن يفطر في بيته قبل أن يخرج إلى طريقه، وقد حكي هذا عن أنس رضى الله عنه، فقد روى عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب، قال الترمذي هذا حديث حسن (وقد تقدم هذا الحديث قريباً وتقدم ما قيل فيه) . وقد قال ابن عبد البر- تعليقاً على هذا القول- قول الحسن قول شاذ وليس الفطر لأحد في الحضر، في نظر ولا أثر [١٦] . ولكن ابن العربي صحح هذا الرأي ونسبه إلى الإمام أحمد بن حنبل [١٧] . إلا أن الثابت في المغني أن المذهب الحنبلي، يرى مع أكثر الفقهاء، ضرورة مجاوزة البيوت حتى يباح الفطر [١٨] . وسنعرف ما هو الحق إن شاء الله بعد عرض الرأي الثاني وأدلته فيما يلي: يرى أكثر الفقهاء: أن الفطر لمريد السفر لا يجوز إلا إذا فارق بنيان البلدة التي يقيم فيها، وذلك لما يأتي: أ- أن الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ : علقت رخصة الفطر على حصول السفر ولا يطلق على الشخص وصف مسافر إلا بعد خروجه من مباني البلدة التي يقيم فيها، فلا يقال لشخص متحرك داخل بلده- راجلاً أو راكباً- مسافر. بل يطلق عليه هذا الوصف بعد خروجه من البلدة. ويقوي هذا القول، ما كان يفعله ﷺ في قصر الصلاة- والقصر والفطر صنوان في الرخصة- فقد ثبت أنه ﷺ كان يبدأ القصر من ذي الحليفة ... فقد تقدم في حديث أنس (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) [١٩] .

стр. 13150

وهناك رأي ثالث لإسحاق بن راهويه: وهو: أن المسافر له الفطر متى تحرك في بدء سفره، قال إسحاق: إذا وضع رجله في الرحل، فله أن يفطر وحكاه عن أنس بن مالك. وقد تقدم حديث أنس المفيد لذلك قريبا. ويمكن أن يستدل له بحديث أبي البصرة الغفاري أيضاً حيث طلب غذاءه فأكل بعد أن تحركت به السفينة وهو لا يزال بمرأى من مباني بيوت البلدة. وقد تقدم قريباً وتقدم بيان ما قيل فيه. المختار: كل من الآراء الثلاثة له مستند قوي من السنة: فحديث بدء قصره ﷺ من ذي الحليفة يؤيد رأي الجمهور في أن الفطر يكون بعد مجاوزة البيوت، والحديث وإن لم يكن نصا في الموضوع إلا أن القصر والفطر يشتركان في أكثر الأحكام. وحديث أنس يقوي وجهة من قال بجواز الفطر قبل الخروج من البيت وهو وإن لم يصرح فيه بذلك، إلا أنه مفهوم من السياق، لأنه مادام قد أكل بعد أن رحلت له دابته، فليس من الجائز أن يكون قد أكل في الطريق وليس في هذا الحديث دليل لإسحاق، لأن أنس قد أكل قبل أن يركب، لكن ما يشهد لإسحاق هو حديث أبى بصرة، لأن فيه: أنه قد أكل بعد أن تحركت به سفينته، وهو على مرأى من البيوت وإذا قيل: بأنه قد أكل بعيد مجاوزة البيوت أي بعد أن جاوزها بقليل- فهذا القول ليس ببعيد- لأن قول الراوي له: ألست ترى البيوت، يفهم منه، أن الأكل قد حدث قبل مجاوزة البيوت أو بعدها بقليل بحيث لم تغب البيوت عن نظرهما. وعلى ذلك فليس هناك ما يمنع من حدوث الفطر في البيت لمريد السفر بشرط أن يكون ذلك بعد أن ينتهي من الاستعداد له وإن كان الأحوط أن يكون ذلك بعد مجاوزة البيوت. والله أعلم. انقطاع الرخصة بإجماع المسافر الإقامة أثناء سفره:

стр. 13151

اتفق أهل العلم على أن المسافر إذا عزم على الإقامة في مكان ما أثناء سفره فإن حكم الرخصة ينتهي في حقه ويصير مقيماً ويجب عليه الصوم إلا أنهم اختلفوا في تقدير المدة التي يصير بها المسافر مقيماً، وفيما يلي بيان موجز بأهم الآراء ووجهة كل منها. ا- يرى ابن حزم: أن من أجمع إقامة يوم واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وجب عليه أن يبيت نية الصوم. ووجهته في ذلك: أن المسلم يلزم بالفطر إذا كان على سفر، ومتى نوى الإقامة المدة المذكورة، فيعتبر مقيماً ويلزم بالصوم، لكن إن أفطر عامداً، فقد أخطأ، إن كان جاهلاً متأولاً، وعصى: إن كان عالماً، ولا قضاء عليه- أي في الحالين- لأنه مقيم صحيح، ظن أنه مسافر [٢٠] . ولم يذكر ابن حزم مستندا لتحديده الإقامة بهذه المدة، كما لم يذكر سبب اختياره لهذا التحديد بالذات. ويظهر أن الجمهور يحددون المدة بأربعة أيام كما هو الحال في قصر الصلاة في السفر وقد نص البعض على ذلك [٢١] على حين لم يشر إليه كثير منهم، والسكوت عن كثير من أحكام رخصة الفطر اتكالاً على ورودها في القصر؟ أمر جرى عليه أكثر الفقهاء، وقد نبهنا إلى أشياء منه. والعلة في تحديد الجمهور المدة بأربعة أيام، واعتبارها مدة إقامة تنهي رخصة الفطر، هي أن النبي ﷺ سمح للمهاجرين بالبقاء في مكة بعد انتهاء النسك ثلاثة أيام، وقد أخرج البيهقي من حديث العلاء بن الحضرمي أن رسول الله ﷺ قال: "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً" كما أخرجه النسائي وأبي داود في سننهما. وقد أورده مسلم بعدة ألفاظ وفي بعضها زيادة من العلاء الحضرمي: يقول في هذه الرواية "سمعت رسول الله ﷺ يقول للمهاجر إقامة ثلاثة أيام بعد الصدر بمكة. كأنه يقول: لا يزيد عليها" [٢٢] .

стр. 13152

كما أنهم يحتجون بما فعله عمر ﵁ حينما حدد لليهود والنصارى والمجوس ثلاثة أيام إذا قدموا المدينة بقصد التجارة: فقد أخرج البيهقي عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ أن عمر "ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون حوائجهم ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث" [٢٣] . وقالوا إن تحديد النبي ﷺ البقاء للمهاجرين ثلاثة أيام بمكة ثم اقتداء عمر بن الخطاب بتحديده ثلاثة أيام لغير المسلمين، يشير إلى أن البقاء أكثر من ثلاثة أيام يزيل حكم السفر. ويصير الشخص مقيماً وأقل ما يتحقق به هذا الوصف هو البقاء أربعة أيام. ونقل مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني: أن سعيد بن المسيب يقول: من أجمع على إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة [٢٤] . قال مالك- تعليقا على قول سعيد بن المسيب-: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا [٢٥] . ويناقش هذا الاستدلال: بأن تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين ثلاثة أيام للبقاء في مكة لا يتعين حمله على أن الثلاثة لا تقطع حكم السفر وأن ما زاد عليها يزيل حكمه، إذ من الجائز أن تكون الثلاثة أيام لازمة لتسوقهم وشراء ما يحتاجون إليه من زاد أو هدايا أو غير ذلك. لكن يجاب على ذلك، بأن هذه الأشياء لازمة للمهاجر وغيره، فتخصيص المهاجر بهذا التحديد لابد فيه من حكمة، وهذه الحكمة تتمثل في أن المهاجرين ممنوعون من الإقامة في مكة، فتحديد الرسول ﷺ لهم ثلاثة أيام للبقاء يفهم منه أن البقاء أكثر من ذلك يقطع حكم السفر ويدخلهم في نطاق المنع وهذا هو ما يظهر من حكمة التحديد أو هو أقوى الاحتمالات الواردة عليه. والله أعلم. وما قيل في تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين: يقال أيضاً في تحديد عمر ﵁ لغير المسلمين بالبقاء ثلاثة أيام بالمدينة.

стр. 13153

وذهب أبو حنيفة والثوري إلى تحديد المدة بخمسة عشر يوماً ونقل هذا عن ابن عمر ﵄ وقد استدل هذا الفريق بقول ابن عباس "أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين" [٢٦] . وقد نقل عن الحافظ ابن حجر تصحيحه لهذا الحديث وتوثيقه لرجاله عند النسائي [٢٧] . ويناقش هذا الاستدلال بأن هذا التحديد الوارد في الحديث لم يكن مقصوداً وإنما كان ذلك أمراً اتفاقياً - فقد مكث ﷺ هذه المدة حتى يطمئن إلى استقرار الأحوال في مكة عام الفتح: وكانت المدة التي استلزمها هذا الأمر هو خمسة عشر يوماً كما في هذا الحديث أو زيادة على هذه المدة كما في أحاديث أخر. وذهب إسحاق بن راهويه إلى تحديد هذه المدة بتسعة عشر يوماً، لحديث ابن عباس: سافر رسول الله ﷺ سفراً فصلى تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين. قال ابن عباس فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعاً "قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح" [٢٨] .

стр. 13154

وهذا التحديد بتسعة عشر يوماً في الواقع هو اختيار من ابن عباس ﵁ وإلا فما جاء عن النبي ﷺ لا يفيد هذا التحديد لأن الظروف هي التي استدعت إقامته ﷺ هذه المدة بمكة فكان يقصر الصلاة فيها، مع العلم بأن هذا الحديث هو إحدى الروايات الكثيرة الواردة في هذا الموضوع فإلى جانب رواية الخمس عشرة التي تمسك بها أبو حنيفة، ومن معه، ورواية تسع عشرة التي تمسك بها إسحاق، هناك رواية ثالثة بسبع عشرة عند أبي داود وعن ابن عباس كذلك، ورواية رابعة عن عمران ابن حصين (شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين) [٢٩] . وبالجملة: فإن عنصر القصد غير واضح في هذا الحديث والتحديد الوارد فيه، هو أمر اتفاقي، أي أنه حادثة عين وكما قيل: فإن حوادث الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام. وذهب مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار إلى تحديد المدة بعشرة أيام- أو بأحد عشر يوماً- المستفادة من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد، الماء الذي بين قديد وعسفان، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر [٣٠] . قال مجد الدين تعقيبا على هذا الحديث، ووجه الحجة منه: أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان هكذا جاء في حديث متفق عليه [٣١] . وقد أوضح الشوكاني كيفية الاستدلال بهذا الحديث كما يلي: الأصل في المقيم ألا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه وقد دل الدليل على أن من كان مقيماً ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة إلا بدليل [٣٢] .

стр. 13155

وما قيل في التعقيب على الاستدلال الذي قال به كل من أبي حنيفة وإسحاق يقال هنا: أي أن التحديد الوارد في هذا الحديث لم يكن مقصوداً وإنما حدث اتفاقا وذلك أن رسول الله ﷺ حسبما جاء في هذه الرواية- أن وصل إلى مكة في اليوم التاسع عشر من رمضان وظل في مكة بقية الشهر ليرتب أمورها بعد الفتح، من تعيين حاكم لها وتسليم أصحاب وظائف الكعبة وظائفهم وغير ذلك مما يحتاج إليه في مثل هذه الحالة وقد استغرق ذلك زمناً، منه هذه المدة الباقية من رمضان. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، لو كان ﷺ دخل مكة قبل هذا التاريخ، أي في اليوم العاشر مثلا من رمضان؟ فهل كان سيستمر مفطراً إلى نهاية الشهر أم كان سيقطع الرخصة ويصوم بعد انتهاء مدة العشرة أيام أو الأحد عشر؟. وأرى- والله أعلم- أن هذا الحديث يستدل به على أن الإنسان إذا نزل بمكان ما لأمر ما وفي نيته العزم على استمرار السفر ولا يدرى متى تنتهي مهمته من هذا المكان حتى يواصل سفره- فإن مثل هذا يستمر على فطره ولو قضى الشهر كله في هذا المكان. وموضع الشاهد من الحديث على هذا أن الرسول ﷺ كان في نيته فتح مكة والعودة إلى المدينة ولم يكن في نيته العزم على الإقامة مدة محددة بل كانت إقامته مرهونة باستقرار الأحوال في مكة فمتى استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى طبيعتها غادر مكة إلى المدينة أو إلى مكان آخر. ويقوي ذلك أننا لم نجد في هذا الحديث ولا في أي حديث آخر من الأحاديث الواردة التي اطلعنا عليها في هذا الموضوع قرينة يفهم منها أن الرسول ﷺ صرح أو ألمح إلى عزمه على الإقامة مدة محددة في مكة في هذه الغزوة، بل بالعكس كانت هناك قرائن يستفاد منها أن الرسول ﷺ كان ينوي الخروج من مكة- بعد استقرار الأحوال فيها- في أقرب فرصة.

стр. 13156

من هذه القرائن، إزالة ما كان يجول في خواطر كثير من الأنصار بل وقد صرح بعضهم به من أن الرسول ﷺ سيستقر في مكة بين أهله وعشيرته بعد أن فتحها الله عليه. ومنها: إزالة الهواجس من نفوس البقية الباقية من المكيين على شركهم والذين لا يزالون يعتقدون، أن محمداً ﷺ إنما يريد أن يكون ملكاً عليهم، ثم من خلالهم على بقية العرب- فرحيله بسرعة عنهم بعد أن يسلم بعضهم مقاليد مدينتهم من شأنه أن يبدد هذه الهواجس ويفتح بدلاً منها نوافذ للتفكير في أمر الدعوة والداعي يصل بهم إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ . ومنها: تلك الأنباء التي كانت ترد تباعاً عن هوازن وثقيف وعزمها على حرب رسول الله ﷺ فكانت الحكمة تقضي بالخروج إليهم بسرعة قبل أن يستكملوا عددهم وعدتهم. وهكذا نجد القرائن تفيد أن إقامة رسول الله ﷺ بمكة مدة محددة لم تكن واردة وإنما كانت الظروف تنبئ بأنه سيغادرها في أول فرصة تسنح له. وعلى ذلك فمهما أقام فهو في سفر ولو أقام شهوراً، وقد قال الترمذي في سننه "أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون" [٣٣] . وأخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة [٣٤] . كما أخرج أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه قال أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر وكنا نصلي ركعتين [٣٥] .

стр. 13157

كما أخرج عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أدرج - هكذا- فوقع الوجع بالشام فأقمنا بالسرغ خمسين ليلة ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله ﷺ وشهدت بدراً والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر، قال سعد: إني أنا أفقه منهم [٣٦] . المختار: الواقع أن مجال الاختيار هنا صعب وخصوصاً بين رأي الجمهور الذي يحدد المدة بأربعة أيام وبين اختيار مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار، بتحديد المدة بعشرة أيام أو أحد عشر. وعنصر الصعوبة في أن رأي الجمهور يستند إلى دليل فيه عنصر القصد لكنه بعيد عن مجال موضع النزاع وإن كان فيه رابط يربط بين الأمرين وهو أن كلا الأمرين وارد في السفر. وكلا الأمرين يتعلق بالإقامة. أما بالنسبة لدليل ابن تيمية، فهو وارد في السفر وفي الصوم الواجب وفي الإقامة الطارئة أثناء السفر لكن ليس فيه عنصر القصد إلى التحديد وإن كان هو أقرب الأمرين إلى السنة. لذا كان هو المختار. إلا أني أرى أن الأحوط هو تبييت نية الصوم لمن أجمع إقامة أربعة أيام. من نوى الصيام في السفر هل يباح له الفطر أثناء النهار؟ وبمعنى آخر من ترك العمل برخصة الفطر وعزم على الصيام من طلوع الفجر فهل يباح له نقض هذه النية والإفطار في بعض أجزاء النهار: لبيان ذلك نقول:

стр. 13158

إذا أخذ المسلم بالعزيمة وصام من بداية سفره أو من بعض مراحل الطريق ثم بدا له في يوم ما وهو صائم أن يفطر في أثناء النهار، فقد أجاز له الشافعي وأحمد الإفطار بلا أدنى حرج عليه. وعليه أن يقضي هذا اليوم بيوم آخر بعد انتهاء السفر [٣٧] وذلك أخذاً بحديث ابن عباس المتقدم "سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهاراً ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة". ووجه الاستدلال من الحديث واضح، فرسول الله ﷺ ابتدأ يومه صائماً ثم أفطر في أثناء نهار ذلك اليوم وقد جاء في بعض الأحاديث المتقدمة أن ذلك كان بعد العصر. وقال الحنفية: لا يجوز له الفطر ابتداء ولكن لو أفطر، فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح- من حديث الصورة- وهو السفر قائم فأورث شبهة، وبها تندفع الكفارة. وقد أجابوا عن فطره ﷺ في اليوم الذي كان صائماً فيه والذي أشرنا إليه في حديث ابن عباس السابق، بأن الجائز أن يكون ﷺ علم من نفسه بلغ الجهد الشديد من الصيام في هذا اليوم، إلى الحد الذي إذا وصل إليه الصائم المقيم أبيح له الفطر [٣٨] . وهذا تأويل بعيد لأن بعض الروايات تفيد أنه ﷺ طلب من أصحابه الفطر على أن يستمر هو صائماً وقال: "إني أيسركم إني راكب، فلما أبوا نزل وشرب ما كان يريد أن يشرب". وقد تقدم هذا الحديث بكامله، وهو واضح في رده على تأويل علماء الحنفية لمدلول حديث ابن عباس. أما المالكية: فقد حكى الزرقاني، وجوب الكفارة على من نوى الصيام في يوم سفره، ثم أفطر بعد ذلك في نفس اليوم. وحكى ابن يونس في المسألة قولان، أحدهما بوجوب الكفارة، والآخر بوجوب القضاء فقط.

стр. 13159

ووجه من أوجب الكفارة، أن المسافر كان مخيراً في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة، صار من أهل الصيام، وعلى ذلك فيجب عليه ما يجب على أهل الصيام من الكفارة [٣٩] . وقد استدل الحنفية والمالكية، بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (سورة محمد الآية رقم ٣٣) فالمسلم الذي اختار أن يعمل عملاً من أعمال العبادة وابتدأه بالفعل، فيجب عليه أن يتمه. لكنه قد نقل عن ابن عبد البر قوله: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله وإن كان هذا القول من ابن عبد البر ﵀ ليس بلازم، إذ عموم اللفظ يتناول إبطال العمل بالرياء، كما يتناول إبطاله بنية إلغائه ونقضه، والعبرة بعموم الألفاظ في النصوص التشريعية إلا لقرينة تفيد التخصيص. والمختار من هذه الآراء، هو رأي من يقول بجواز الفطر لمن كان عزم على الصيام من طلع الفجر سواء كان ذلك بعذر أم لا وذلك لأن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو وإن صلح باعتبار عموم اللفظ إلا أن حديث ابن عباس ﵄ يعتبر نصاً خاصاً وارداً في الموضع فيرفع النزاع ويكون مخصصاً للعموم المستفاد من الآية إن قلنا بشموله لمسألة البحث. والله أعلم. احترز من عدوين هلك بهما أكثر الناس: صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ورئاسته [٤٠] -------------------------------------------------------------------------------- [١] المجموع ج٦ ص٢٠، شرح عبد الباقي على مختصر خليل ج٢ ص٢١٣، دار الفكر والأم للشافعي ج٢ ص٨٧، دار الشعب بالقاهرة. [٢] المجموع ج٦ ص٢١٤.

стр. 13160

[٣] نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٥، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، الأم ج٢ ص٨٧، المجموع ج٦ ص٢٦٥، المغني ج٣ ص١١٧ مطبعة الفجالة، الموطأ ج٢ ص١٧١ من شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣، المحلى ج٦ ص٣٩٢. [٤] المصنف ج٤ ص٢٧٠. [٥] المغني ج٣ ص٢٧٠. [٦] المغني ج٣ ص١١٧. [٧] بضم الراء وكسر الفاء بالبناء للمجهول أي رفع أبو بصرة ومن معه في السفينة. [٨] هو جعفر بن مسافر أحد رواة الحديث. [٩] سنن أبي داود مطبوعة مع شرحها عون المعبود ج٧ ص٥٣. [١٠] نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦. [١١] عون المعبود ج٧ ص٥٥. [١٢] السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧، وسنن الترمذي ج٣ ص٥١٢-٥١٣، مطبوع مع تحفة الأحوذي. [١٣] نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦، وتحفة الأحوذي ج٣ ص٥١٣. [١٤] السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧. [١٥] المجموع ج٦ ص٢١٧، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٢. [١٦] المغني ج٣ ص١١٨، وقوله "في نظر" أي اجتهاد أو قياس، "ولا أثر"يعني دليل قولي أو فعلي مروي عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه. [١٧] نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦. [١٨] المغني ج٣ ص١١٧. [١٩] صحيح مسلم ج٢ ص١٤٤. [٢٠] المحلى ج٦ ص٣٩١. [٢١] شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣. [٢٢] صحيح مسلم ج٢ ص١٠٨. [٢٣] السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨. [٢٤] السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨. [٢٥] السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨، بداية المجتهد ج١ ص١٢٣، تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣-١١٤.. [٢٦] النسائي ج٣ ص١٢١، إحياء التراث. [٢٧] تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣. [٢٨] سنن الترمذي مطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٥. [٢٩] سنن أبي داود ج٤ ص٩٦-٩٧-٩٨-٩٩. [٣٠] منتقى الأخبار جـ ٤ ص ٢٥٧ مع نيل الأوطار. [٣١] منتقى الأخبار المطبوع مع شرحه نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧. [٣٢] نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧.

стр. 13161

[٣٣] سنن الترمذي المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي جـ ٣ ص ١١٤. [٣٤] السنن الكبرى جـ٣ ص ١٥٢. [٣٥] السنن الكبرىجـ٣ ص ١٥٢. [٣٦] السنن الكبرى جـ٣ ص١٥٢، السرغ بوادي تبوك. [٣٧] المغني ص ١١٨، والمجموع جـ ٦ ص ٢١٤. [٣٨] فتح القدير للكمال جـ٢ ص ٣٦٥، ص ٣٦٦. [٣٩] شرح عبد الباقي الزرقاني جـ ٢ ص ٢١٤. [٤٠] نيل الأوطار ٤ ص ٢٩٠.

стр. 13162

يريد الله بكم اليسر للشيخ حسن عبد الوهاب مرزوق مدرس بالجامعة الإسلامية اطلعت على كتاب في الصوم للأخ الشيخ محمد عبد السلام خضر، فرأيت من الفائدة أن أقدم ملخصاً عنه فيما يلي: الصيام شرعاً هو الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب بنية خالصة لله واحتساباً لوجهه تعالى وإعداداً للنفس لتقوى به على مراقبته تعالى وعلى كبح جماح الشهوات، وترك المعاصي والمحرمات. يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لعلكم بأداء فريضة الصيام تتربى نفوسكم وتطهر قلوبكم وتتزكى فتكونون من المتقين. ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ أي معينات محدودات تسهيلاً على المكلفين. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي من كان مريضاً أو مسافراً فأفطر يوماً أو أكثر فواجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها أي بعد شفائه أو استقراره ببلده. والسفر الذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر. روى أحمد والشيخان أنه ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر".

стр. 13163

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي على الذين يشق عليهم الصيام فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرونه من أوسط ما يطعمون به أهليهم في العادة الغالبة. لا أعلاه ولا أدناه، أكلة واحدة. والمراد من الذين يطيقونه هنا الشيوخ الضعفاء ونحوهم. فقد روى البخاري أن ابن عمر قال: هي منسوخة. وأن ابن عباس قال: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ كأن أطعم أكثر من مسكين فهو خير له لأن ثواب ذلك عائد له. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي والصيام خير لكم لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاق الرذيلة. فقد قال أبو أسامة للنبي ﷺ : "مرني بأمر آخذه عنك. قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له"رواه النسائي بسند صحيح. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في الصوم من خير ومنافع. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ خص الله هذا الشهر بالصوم لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن. ﴿هُدىً لِلنَّاس﴾ أي هدى كاملاً للناس كافة. ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي وآيات واضحات لا خفاء في حكمها. ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ أي الذي يفرق الله به للمهتدين بعين الحق والباطل. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أي من شاهد منكم هلال الشهر فليصمه. وفي الحديث المتفق عليه "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أعيد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار لتأكيد هذه الرخصة لهما. ومثل المريض الحامل والمرضع والهرم.

стр. 13164

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي يريد الله أن يكون دينكم يسراً لا عسر فيه. وفي الحديث "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" رواه أحمد والبيهقي والطبراني وابن حبان. وعن حمزة الأسلمي أنه قال: "يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" رواه مسلم. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فكما يريد الله بكم اليسر يريد سبحانه أن تكملوا لعدة بقضاء ما أفطرتم فمن لم يكملها بسبب المرض أو السفر أكملها قضاء بعده على الفور أو على التراخي. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ما هداكم إليه من العلوم والأحكام النافعة لكم، بأن تذكروا عظمة الله وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده، وتأديبه لعباده المؤمنين بما اختاره لهم من التكاليف الشرعية وتفضله عليهم عند ضعفهم بالرخص التي تناسب حالهم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق. ثم قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ . روى الطبراني وابن أبى حاتم: أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه. فأنزل الله الآية. ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي أنه قريب من عباده وهو مستو فوق عرشه. وهذا لا يقتضي أن ترفع أصواتنا بالدعاء والذكر لأنه سبحانه أقرب ما يكون منا. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ . وقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ .

стр. 13165

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أي إذا توجه إليّ وخصني وحدي ملتجئاً إليّ في طلب حاجته بدون واسطة من خلقه. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أي يجب أن يستجيبوا لما أمرتهم به من الإيمان والأعمال النافعة لهم، كالصيام وغيره. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي يهتدون بالإيمان والطاعة إلى ما ينفعهم ويرفع شأنهم في الدين والدنيا. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ليلة الصيام هي الليلة التي يصبح فيها المرء صائماً، والرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أي أن الرجل للمرأة كاللباس المباشر للجسم الملازم له، يسكن إليها وتسكن إليه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ روى البخاري من حديث البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله الآية. وأخرج الإمام أحمد وغيره عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد: فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سَهر عنده فأراد امرأته فقالت إني قد نمت. فظن أنها تعتل فوقع عليها. وصنع كعب مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية ومعناها أن الله قد علم أنكم ترتكبون بعض ما نهاكم عنه وحرمه عليكم من الطعام والشراب ومباشرة النساء فتاب عليكم أي فقبل توبتكم وعفا عن خطيئتكم ورخص لكم في ذلك طوال ليالي الصيام. حيث قال تعالى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ﴾ .
следующие страницы →