Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.
стр. 13161
[٣٣] سنن الترمذي المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي جـ ٣ ص ١١٤.
[٣٤] السنن الكبرى جـ٣ ص ١٥٢.
[٣٥] السنن الكبرىجـ٣ ص ١٥٢.
[٣٦] السنن الكبرى جـ٣ ص١٥٢، السرغ بوادي تبوك.
[٣٧] المغني ص ١١٨، والمجموع جـ ٦ ص ٢١٤.
[٣٨] فتح القدير للكمال جـ٢ ص ٣٦٥، ص ٣٦٦.
[٣٩] شرح عبد الباقي الزرقاني جـ ٢ ص ٢١٤.
[٤٠] نيل الأوطار ٤ ص ٢٩٠.
стр. 13162
يريد الله بكم اليسر
للشيخ حسن عبد الوهاب مرزوق
مدرس بالجامعة الإسلامية
اطلعت على كتاب في الصوم للأخ الشيخ محمد عبد السلام خضر، فرأيت من الفائدة أن أقدم ملخصاً عنه فيما يلي:
الصيام شرعاً هو الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب بنية خالصة لله واحتساباً لوجهه تعالى وإعداداً للنفس لتقوى به على مراقبته تعالى وعلى كبح جماح الشهوات، وترك المعاصي والمحرمات.
يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .
أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لعلكم بأداء فريضة الصيام تتربى نفوسكم وتطهر قلوبكم وتتزكى فتكونون من المتقين.
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ أي معينات محدودات تسهيلاً على المكلفين.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي من كان مريضاً أو مسافراً فأفطر يوماً أو أكثر فواجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها أي بعد شفائه أو استقراره ببلده. والسفر الذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر.
روى أحمد والشيخان أنه ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر".
стр. 13163
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي على الذين يشق عليهم الصيام فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرونه من أوسط ما يطعمون به أهليهم في العادة الغالبة. لا أعلاه ولا أدناه، أكلة واحدة. والمراد من الذين يطيقونه هنا الشيوخ الضعفاء ونحوهم. فقد روى البخاري أن ابن عمر قال: هي منسوخة. وأن ابن عباس قال: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ كأن أطعم أكثر من مسكين فهو خير له لأن ثواب ذلك عائد له.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي والصيام خير لكم لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاق الرذيلة. فقد قال أبو أسامة للنبي ﷺ : "مرني بأمر آخذه عنك. قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له"رواه النسائي بسند صحيح.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في الصوم من خير ومنافع.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ خص الله هذا الشهر بالصوم لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن.
﴿هُدىً لِلنَّاس﴾ أي هدى كاملاً للناس كافة.
﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي وآيات واضحات لا خفاء في حكمها.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ أي الذي يفرق الله به للمهتدين بعين الحق والباطل.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أي من شاهد منكم هلال الشهر فليصمه.
وفي الحديث المتفق عليه "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أعيد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار لتأكيد هذه الرخصة لهما. ومثل المريض الحامل والمرضع والهرم.
стр. 13164
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي يريد الله أن يكون دينكم يسراً لا عسر فيه. وفي الحديث "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" رواه أحمد والبيهقي والطبراني وابن حبان.
وعن حمزة الأسلمي أنه قال: "يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" رواه مسلم.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فكما يريد الله بكم اليسر يريد سبحانه أن تكملوا لعدة بقضاء ما أفطرتم فمن لم يكملها بسبب المرض أو السفر أكملها قضاء بعده على الفور أو على التراخي.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ما هداكم إليه من العلوم والأحكام النافعة لكم، بأن تذكروا عظمة الله وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده، وتأديبه لعباده المؤمنين بما اختاره لهم من التكاليف الشرعية وتفضله عليهم عند ضعفهم بالرخص التي تناسب حالهم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق.
ثم قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ .
روى الطبراني وابن أبى حاتم: أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه. فأنزل الله الآية.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي أنه قريب من عباده وهو مستو فوق عرشه. وهذا لا يقتضي أن ترفع أصواتنا بالدعاء والذكر لأنه سبحانه أقرب ما يكون منا. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ .
وقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ .
стр. 13165
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أي إذا توجه إليّ وخصني وحدي ملتجئاً إليّ في طلب حاجته بدون واسطة من خلقه.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أي يجب أن يستجيبوا لما أمرتهم به من الإيمان والأعمال النافعة لهم، كالصيام وغيره.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي يهتدون بالإيمان والطاعة إلى ما ينفعهم ويرفع شأنهم في الدين والدنيا.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ليلة الصيام هي الليلة التي يصبح فيها المرء صائماً، والرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أي أن الرجل للمرأة كاللباس المباشر للجسم الملازم له، يسكن إليها وتسكن إليه.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ روى البخاري من حديث البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله الآية.
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد: فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سَهر عنده فأراد امرأته فقالت إني قد نمت. فظن أنها تعتل فوقع عليها. وصنع كعب مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية ومعناها أن الله قد علم أنكم ترتكبون بعض ما نهاكم عنه وحرمه عليكم من الطعام والشراب ومباشرة النساء فتاب عليكم أي فقبل توبتكم وعفا عن خطيئتكم ورخص لكم في ذلك طوال ليالي الصيام. حيث قال تعالى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ﴾ .
стр. 13166
﴿وَابْتَغُوا﴾ أي اطلبوا بمباشرتهن ما كتب الله لكم من النسل الذي لا يتأتى إلا بإذن الله بمباشرة الزوجين لبعضهما. ومن كان عقيماً فله في استمتاعه بزوجته صدقة فضلاً عن إحصان كل منهما للآخر.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي يباح لكم الأكل والشرب ومباشرة النساء في الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر، وقد ورد في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود. ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أن هذا يعني الليل والنهار.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي إلى غياب الشمس.
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تباشروا النساء في حالة اعتكافكم لأن المباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلاً كما تبطل الصيام نهارا. ً
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ أي فلا تقربوا محارمه فتقعوا فيها فينالكم عذابه.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يبين لكم جميع أحكام دينكم في الكتاب والسنة.
بعض ما ورد في فضائل صوم رمضان:
روى أحمد والنسائي عن عرفجة في حديث عتبة بن فرقد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"في رمضان تغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنة، وتصفد الشياطين. قال: وينادي فيه ملك: يا داعي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر، حتى ينقضي رمضان" وأصله في البخاري.
стр. 13167
روى النسائي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وأصله في البخاري.
وروى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة. لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد".
روى البخاري (حديثاً قدسيا) عن النبي ﷺ عن الله ﵎ قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أَو قاتله فليقل إني صائم. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه".
وروى أحمد والطبراني مرفوعاً عنه ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربي منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه: فيشَفَعَّان".
أشياء ليس على الصائم جناح إن فعلها:
لا جناح على الصائم إن حصل ما يأتي:
الاغتسال- المضمضة عند الوضوء مع الحرص من عدم دخول الماء في الحلق- الاستياك- بلع الريق- التكحل- الأكل أو الشرب ناسياً- دخول الذباب عفواً في حلقه- ذرع القيء.
آداب الصوم:
من آداب الصوم وجوب ترك الصائم للغيبة والفحش والكذب- فقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
стр. 13168
وروى ابن خزيمة عن رسول الله ﷺ قال: "رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من الصيام الوجع والعطش"، وأخرجه أحمد والحاكم والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن أبي هريرة.
استحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور:
ويستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور.
روى البيهقي عن عمرو بن ميمون قال:
"كان أصحاب محمد صلى الله صلى عليه وسلم أعجل الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً".
وروى مسلم عن عمرو بن العاص قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
النهي عن الوصال:
والوصال منهي عنه، وهو مواصلة الصوم دون فطر. فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والوصال (مرتين) قيل إنك تواصل. قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من الأعمال ما تطيقون" رواه البخاري.
فإذا أراد الصائم الوصال فيكون إلى السحر لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر" رواه البخاري.
فضل الإفطار على التمر والماء:
ويسن الإفطار على التمر والماء. فقد روى الإمام أحمد وغيره: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمراً فليفطر على الماء فإنه طهور".
فضل إطعام الصائمين:
روى الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال: "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء".
الحث على الجود ومدارسة القرآن في رمضان:
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة".
الحث على الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان:
стр. 13169
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر: أي العشر الأخير من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله"متفق عليه.
فضل صلاة القيام:
أخرج البخاري ومسلم أن النبي ﷺ يقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وأخرج البخاري عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة النبي صلى الله وعليه وسلم في رمضان فقالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي ثلاثاً".
وفي الموطأ: أن عمر أمر أبي بن كعب وتميماً أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر.
في فضائل ليلة القدر والتماسها في العشر الأواخر:
روى البخاري في صحيحه عنه ﷺ قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وجاء في مسند أحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في وتر فإني قد رأيتها فنسيتها".
عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إذا علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقوله فيها. قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم) .
فضائل الاعتكاف وسننه ووقته:
روى البخاري أنه ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وأنه أمر بخباء فضرب له.
стр. 13170
وروى البخاري أن صفية قالت: "كان رسول الله صلى عليه وسلم معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثني ثم قمت لانقلب فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة"، (أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد) .
وعن عائشة ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليُدخْل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا"متفق عليه واللفظ للبخاري.
وروى أحمد والبخاري أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم وهي تصلي.
وروى الشيخان أن عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك".
وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده". (متفق عليه) .
مراجع البحث
. تفسير القرآن العظيم للحافظ أبن كثير.
. تفسير الجلالين.
. فضائل رمضان للشيخ محمد بن أحمد بن عبد السلام.
. شرح نونية ابن القيم للشيخ محمد خليل هراس.
. فقه السنة للشيخ السيد سابق.
. فقه الإسلام، شرح بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني، للشيخ عبد القادر شيبة الحمد.
стр. 13171
العدد ٥٨
فهرس المحتويات
١- كلمة التحرير ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وحدة الأمة هي طريق الخلاص
للدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
٢- أصول المفاسد في الأرض: للشيخ أبي بكر الجزائري
٣- الرُّواة الذين كُنُّوا (بأبي زرعة) : للدكتور سَعدي الهاشمي
٤- خَلِّص عِبادَك رَبَّنا: للدكتور إبراهيم حسن عبد الرحمن
٥- خَلِّص عِبادَك رَبَّنا: للشيخ عبد الله أحمد قادري
٦- السلطان الغازي - أبو الفتح محمد الثاني: للدكتور محمد حرب
٧- السمع من آيات الله في أنفسنا: للدكتور فوزي أحمد سلام
٨- البيئة وأثرها في حياة السيدة خديجة بنت خويلد ﵂: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل
٩- صلاة المسافر:
١٠- التبيان في أقسام القرآن: للإمام ابن قيم الجوزية
١١- ظاهرة التقارض في النحو العربي (١) : للدكتور أحمد محمد عبد الله
١٢- مسلك القران الكريم في إثبات الوحدانية: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
١٣- سئل شيخ الإسلام
١٤- رسائل لم تحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
١٥- مفهوم الأسماء والصفات: فضيلة الشيخ / سعد ندا
١٦- مسابقة القرآن الكريم الدولية
١٧- النقد الأدبي ومقاييسه خلال عهد الرسول ﷺ وعصر الخلافة الراشدة
للدكتور محمد عارف محمود حسن
١٨- رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار:
١٩- قل ولا تقل: للشيخ ضياء الدين الصابوني
٢٠- وا إسلاماه..!
٢١- أخبار الجامعة: إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة
٢٢- من تراثنا الشعري
٢٣- شاطئ الأحزان: الشاعر المهاجر
٢٤- الخَبيثَةُ أمُّ الخبَائِثِ: للشيخ عبد الفتاح عشماوي
٢٥- الرَّسَائِلُ الحَرْبيَّة في عصْر الّدوْلة الأيوبيَّة
٢٦- تحْريفاتُ اليَسُوعيَّين لكتُب التراث
٢٧- ثغرَاتٌ فِي المنْهَج الثّانَوِيِّ لتدريس القران الكريم والحديث الشريف والأدب العربي
٢٨- نظامُ الإثبات في الفِقهِ الإسلامي
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 13172
كلمة التحرير
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾
وحدة الأمة هي طريق الخلاص
للدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
رئيس التحرير
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فإن من أهداف الشريعة الإسلامية، والدعوة المحمدية جمع كلمة الأمة وتوحيد صفوفها، وهذا ما توحي به عموم رسالة محمد ﷺ إلى البشرية كافة؛ فقد كان الأنبياء قبله يبعثون إلى أقوامهم خاصة، فكل نبي خاطب قومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود: من الآية٦١) .
أما محمد ﷺ فقد أرسل إلى الناس جميعا كما بين الله ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: من الآية٢٨) .
وقد خاطب ﷺ الناس بدعوته قائلا: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".
كما بين لنا ﷺ بعض خصائصه بقوله: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
وقد بعث ﷺ رحمة للعالمين جميعا في قوت كانت البشرية في أشد الحاجة إلى من يأخذ بيدها وينتزعها مما حل بها من ذل وهوان؛ إذ أصبحت تتخبط في أمواج من ظلمات الجهل والفساد في العقيدة والأخلاق والسلوك، فتداركها الله سبحانه بهذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم، إذ بعثه على حين فترة من الرسل، وأنزل عليه خير الكتب، وطلب منا الإيمان به تعالى وبرسوله وبالنور الذي أنزله على رسوله فقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن:٨) .
стр. 13173
وقد جاء في هذا النور الذي أنزله على نبيه ﷺ ليستضيء به العالم كله قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣) فكان من أهداف الدين الإسلامي جمع كلمة الأمة والحفاظ على وحدتها وسلامة كيانها.
وقد بعث رسولنا محمد ﷺ في مجتمع كان من صفاته:
١- لا تربطه عقيدة، فكل واحد يتبع هواه فيسجد للحجر والشجر.
٢- وتغير فيه القبيلة القوية على القبيلة الضعيفة فتقتل رجالها وتنهب أموالها.
٣- ولا قيمة فيه للقيم والأخلاق، وإنما المقياس هو المال والجاه.
وقد قام الرسول ﷺ بعلاج حاسم لمشكلات هذا المجتمع بما يجب أن يسلكه كل مصلح، فقد نظر للداء ووضع له الدواء، فبدأ بإصلاح القلوب أولاً؛ لأن في القلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب، فبدأ بالعقيدة الصحيحة أولاً.
يقول أبو الحسن الندوي في كتابه القيم (ماذا خسر العام بانحطاط المسلمين) تحت عنوان: (قُفل الطبيعة البشرية ومفتاحها) :
يقول: "لم يكن ﷺ من عامة المصلحين الذين يأتون البيوت من ظهورها، أو يتسللون إليها من النوافذ، ويكافحون بعض الأدواء الاجتماعية والعيوب الخلقية فحسب، فمنهم من يوفق لإزالة بعضها مؤقتا في بعض نواحي البلاد، ومنهم من يموت ولم ينجح في مهمته.
أتى النبي ﷺ بيت الدعوة والإصلاح من بابه، ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل الذي أعيى فتحه جميع المصلحين في هذه الفترة، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه.
دعا الناس إلى الإيمان بالله وحده، وفض الأوثان والعبادات، والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة، وقام في القوم ينادي: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".
ودعا إلى الإيمان برسالته، والإيمان بالآخرة"اه.
стр. 13174
أقول: فلما صفت عقيدتهم وتوجهت قلوبهم إلى الله ﵎ وحده، محققة حكمته تعالى من خلقه لعباده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:٥٦) .
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .
وضع رسول الله ﷺ القواعد والأسس التي تقوم عليها الوحدة الإسلامية بتشريع وتوجيه من الله ﵎، ومن تلك الأسس:
أولاً: ربط الأمة بأعمال وأقوال تشعرهم بوحدتهم؛ لا فرق بين شخص وآخر في ذلك، مثل الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد ﷺ بالرسالة.
فلا يدخل أحد الإسلام إلا بهما، ففي حديث عبد الله بن عمر ﵁ في صحيح البخاري ومسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.." الحديث.
فجميع المسلمين على اختلاف أجناسهم وأوطانهم ينطقون بهذه الكلمة، وهذا يدل على وحدة الأمة الإسلامية في القول والمعتقد.
ثانياً: يتجهون جميعا بصلاتهم ودعائهم إلى قبلة واحدة، هي الكعبة المشرفة.
ثالثاً: سن لهم صلاة الجمعة والجماعة خلف إمام واحد لا يختلفون عليه.
رابعاً: فرض الله على الأمة صوم شهر واحد في السنة، يصومونه جميعا امتثالا لأمر الله تعالى.
خامساً: فرض عليهم حج بيته الحرام، وساوى بينهم في شعائره.
هذه التشريعات وغيرها من شعائر الإسلام شرعت بهذه الكيفيات لتشعر الأمة الإسلامية بوحدتها وجمع كلمتها، وبذلك يستقيم أمرها ويشتد ساعدها أمام أعدائها.
وقد بين ﷺ لأمته معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﷺ ، بما جاء في كتاب الله تعالى وفي سنته ﷺ .
стр. 13175
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجن:١٨) .
والإسلام بتعاليمه السمحة وحدة متكاملة، عقيدة وعبادة ومعاملة، ولم تفلح الأمة في وقت من أوقاتها إلا حين أخذت بتعاليم هذا الدين كاملة، نسأله تعالى أن يعيد الأمة الإسلامية إلى رشدها لتأخذ تعاليم دينها من كتاب ربها وسنة نبيه الصحيحة الشارحة والموضحة لكتاب الله تعالى، الذي شرع للناس ما يصلح لهم في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين.
стр. 13176
التبيان في أقسام القرآن
للإمام ابن قيم الجوزية
من روائع ما كتب ابن قيم الجوزية ﵀ كتابه المسمى (التبيان في أقسام القرآن) ، نهج فيه نهجه التحليلي العلمي الدقيق الذي يتسم فيه بما أفاض الله تعالى عليه من النظر الفاحص، وعمق الفهم، وشفافية الحس، ومن طيب ما كتب في كتابه المذكور ما يلي:
والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في الحنجرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الإنسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلا، فإن كانت المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظاما صغارا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم، وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها عن بعض - كما قال الجوهري وغيره: المفصل واحد مفاصل الأعضاء - فتلك أعم من العظام، فتأمله، وان السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة"، الحديث. فالسلامى العظم، وجمعه سلاميات، فهنا ثلاثة أمور: أعضاء، وعظام، ومفاصل، وجعل الله سبحانه العظام أصلب شيء في البدن، لتكون أسا وعمدة في البد؛ إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام، حتى القلب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وهي حاملة للأعضاء، والحامل أقوى من المحمول، ولتكون وقاية وجنة أيضا، كالقحف؛ فإنه وقاية للدماغ، وعظام الصدر وقاية له، وجعلت العظام كثيرة لفوائد ومنافع عديد:
منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج إلى حركة بعض أجزائه دون بعض، وقد يحتاج إلى حركة جزء من عضو.
ومنها أنه لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته.
стр. 13177
ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن، فجعلت العظام كثيرة ليكون متى نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك المنفعة.
ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام، ولولا كثرتها وتعددها لفاتت تلك المنافع.
ومنها أن من العظام ما يحتاج البدن إلى كبيره، ومنها ما يحتاج البدن إلى صغيره، ومنها ما يحتاج إلى مستطيله، ومنها ما يحتاج إلى مجوفه، ومنها ما يحتاج إلى محنيه، ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه، ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام.
ومنها بديع الصنع، وحسن التأليف والتركيب، وغير ذلك من الفوائد.
ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم، ثم كساها لحما، حفاظا لها ووقاية، ثم كسا اللحم جلدا صونا له.
ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله للغليظة منها مجاري تنجذب إلى أسفل، ويخرج منها خروجا ظاهرا للحس، وأما اللطيفة فهي العضلات البخارية، ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق وتخرج عن البدن بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها البخار المتصاعد، فلم تكن تلك المنافذ محسوسة؛ لئلا يضعف صوان الدماغ - وهو القحف - بوصول الأجسام المؤذية إليه، فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة، ووصل بعضها ببعض بوصل يقال لها الشؤون، ومنه قولهم: فلان لم تجتمع شؤون رأسه.
ويشتمل الرأس بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظما، وجعل القحف مستديرا تاما في مقدمه ومؤخره وجانبيه، بمنزلة غطاء القدر، وعظامه ستة وهي: عظم اليافوخ، وعظم الجبهة، وعظم مؤخرة الرأس، والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع، وفي كل واحد من الصدغين عظمان مصتان.
وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظما: ستة منها في محاجز العينين، واثنان للأنف واثنان تحت الأنف، وهما المثقوبان إلى الفم، واثنان في الوجنتين، واثنان تحت الشفة العليا.
وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد، وهو كالقاعدة للرأس.
стр. 13178
وعظام اللحى الأسفل اثنان: وهما متصلان في وسط الذقن، وبينهما بنيان، ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالا مفصليا.
والأسنان اثنان وثلاثون، في كل لحى ستة عشر، أربع ثنيات، وتليها الرباعيات، ويليهما الأضراس: خمسة من هنا وخمسة من هنا، والنواجذ أول الأضراس، وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ.
وبما نقصت النواجذ في بعض الأفراد، وكان في كل جانب أربعة أضراس.
وصدق الله ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . فاعتبروا يا أولي الأبصار.
стр. 13179
ظاهرة التقارض في النحو العربي (١)
للدكتور أحمد محمد عبد الله
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
ظاهرة التقارض في اللغة العربية مظهر من مظاهر اتساعها، ولون من ألوان شمولها؛ لأن التوسع شائع في كلام العرب، فإذا كان الترادف والاشتقاق والتضاد والاشتراك والتضمين والمشاكلة الخ.. تمثل أنواع الإحاطة والتنوع في الأسلوب العربي، فإن التقارض يعد واحدا ومن هؤلاء؛ إذ به يستطيع المتكلم أن يقلّب الكلام على وجه عدة، وعلى كل حال هو مصيب فيما يذهب إليه، بشرط أن يكون معه سند من السماع، ووجه من وجوه التوجيه الصحيحة، وهذا يؤكد أن لغتنا العربية مرنة وطيعة وليست جامدة تقف عند لون معين من ألوان التعبير.
فالتقارض يمثل نوعا من أنواع الطرافة والمُلحة في التعبير، وقد تحدث ابن هشام عنه بإيجاز شديد، وألمح عنه بإشارة عجلى في الصفحات الأخيرة من كتابه الذي طبّقت شهرته الآفاق (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) .
فما التقارض عند علماء اللغة؟
تفيد مادة (قرض) عندهم معاني كثيرة، أشهرها: الإعطاء والأخذ.
قال الفيروزابادي: (القَرْض ويكسر: ما سلّفت من إساءة وإحسان، وما تعطيه لتقضاه، وأقرضه: أعطاه، واقترض منه: أخذ القرض، وهما يتقارضان الخير والشر أي يتبادلان) .
وقال الزمخشري: واستقرضته فأقرضني، وأقرضت منه كما تقول: استلفت منه، وعليه قرض وقروض، وقارضته مقارضة وقراضا: أعطيته المال مضاربة، وفلان يقارض الناس مقارضة: يلاحبهم ويواقعهم.. وهم يقارضون الثناء والزيارة.
وقال الجوهري: (القَرْض ما تعطيه من المال لتقضاه، واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني، واقترضت منه أي أخذت منه القرض، وهما يتقارضان الخير والشر) .
وقال الفيومي: (والقرض) ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه، والجمع قروض مثل فَلس وفلوس، وهو اسم من أقرضته المال إقراضا.. وتقارضا الثناء أثنى كل واحد على صاحبه، وقارضه من المال قراضا من باب قاتل وهو المضاربة.
стр. 13180
وقال ابن منظور: وقد اقرضه وقارضه مقارضة وقراضا، واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني، وأقرضت منه، أي أخذت القرض، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيرا: قد أحسن قرضي، وقد أقرضني حسنا، ويقال للرجلين: هما يتقارضان الثناء في الخير والشر، أي يتجازيان، قال الشاعر:
نظرا يزيل مواطئ الأقدام
يتقارضون إذا التقوا في موطن
ونقل ابن منظور عن أبي زيد الأنصاري أنه قال:
وهما يتقارظان المدح إذا مدح كل منهما صاحبه، ومثله يتقارضان بالضاد، وهما يتقارضان الخير والشر، قال الشاعر:
يتقارضان ولا أخا المقتر
إن الغني أخو الغني وإنما
هذا هو التقارض بمعناه العام كما ذكرته كتب اللغة.
أما التقارض الاصطلاحي الذي نعنيه في مجال الدراسات النحوية فهو:
أن تُعطي كلمة حكما يختص بها إلى كلمة أخرى لتعامل معاملتها، كما تُعطي الكلمة الأخرى حكما يختص بها إلى الكلمة الأولى لتعامل معاملتها أيضا.
وبعبارة أخرى: الاقتراض النحوي هو تبادل الأحكام بين كلمتين بحيث تعطي كل كلمة الحكم الذي يختص بها إلى الكلمة الأخرى، سواء كانت هذه الكلمة اسما أم فعلا أم حرفا.
وقد فسّر ابن يعيش المتوفى سنة (٦٤٣أورد ابن ظهير القرشي ثلاثين اسما لمكة المكرمة في كتابه (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) ص١٥٦.) التقارض بقوله:
معنى التقارض: أن كل واحد منهما (أي الكلمتين) يستعير من الآخر حكما هو أخص به.. فأصل (غير) أن يكون وصفا، والاستثناء فيه عارض معار من (إلا) .. الخ.
وقبل ابن يعيش قال الزمخشري المتوفى سنة (٥٣٨أورد ابن ظهير القرشي ثلاثين اسما لمكة المكرمة في كتابه (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) ص١٥٦.) عند الكلام على (إلا) و (غير) :
(واعلم أن إلا وغيرا يتقارضان ما لكل منهما) .
وعلى هذا التحديد الاصطلاحي سوف نعرض الأمثلة المتنوعة للتقارض بين الألفاظ المختلفة.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أنواع كما يلي:
стр. 13181
الأول: التقارض بين اللفظين في الأحكام الإعرابية.
والثاني: القارض بين اللفظين في الشكل والهيئة.
والثالث: التقارض بين اللفظين في المعاني.
فالنوع الأول يتضح بما يلي:
غير - إلاّ
أ- (غير) اسم شديد الإبهام ليس بمتمكن، ملازم للإضافة، ولا يتعرف بها لشدة إبهامه؛ فإن أضيفت (غير) إلى اللفظ فإن استعمالها يكون على وجهين:
الأول - وهو الأصل في استعمالها -: أن تكون صفة للنكرة نحو قوله تعالى: ﴿نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ (فاطر: ٣٧) فغير صفة لـ (صالحا) .
الثاني: أن تقترض من (إلا) حكمها فتفيد (غير) الاستثناء كما تفيده (إلا) ، وبناء على ذلك تعرب (غير) إعراب الاسم التالي إلاّ في ذلك الكلام فتقول: جاء القوم غيرَ زيد، بنصب غير، وما جاءني أحدٌ غيرُ زيد، بالنصب والرفع لغير، والمثالان المتقدمان يوضحان أن غيرا عوملت معاملة (إلا) في الاستثناء، وأعربت إعراب الاسم التالي لإلاّ، يؤيد ذلك بعض القراءات المشهورة:
قال الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ (النساء: ٩٥) .
فقد قرئ برفع (غير) إما على أنه صفة للقاعدون؛ لأنهم جنس، وإما على أنه استثناء وأبدل على حد قوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ (النساء: ٦٦) ، ويؤيده قراءة النصب أيضا.. وانتصاب (غير) في الاستثناء عن تمام الكلام عند المغاربة كانتصاب الاسم بعد (إلا) عندهم، واختاره ابن عصفور.
ب- وأما (إلا) فهي تأتي في الأساليب على أربعة أوجه:
أحدها - وهو الأصل في استعمالها - أن تكون للاستثناء نحو قوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ (البقرة: ٢٤٩) ، ونحو قوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قيل منهم﴾ (النساء: ٦٦) ، فقد انتصب ما بعد إلا في الآية الأولى؛ لأن الاستثناء تام موجب، وارتفع ما بعد (إلا) في الآية الثانية؛ لأن الاستثناء تام منفي.
стр. 13182
الثاني: أن تكون (إلا) عاطفة بمنزلة الواو، ذهب إلى هذا الأخفش والفراء وأبو عبيدة، وجعلوا من ذلك الآية الكريمة: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ (البقرة: ١٥٠) ، التقدير على رأيهم: ولا الذين ظلموا منهم، وليس قولهم هذا بمسلم.
الثالث: أن تكون (إلا) زائدة، قال بذلك الأصمعي وابن جني وابن مالك، وجعلوا من ذلك قول ذي الرُّمة:
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
حراجيج ما تنفك إلا مناخة
فإلا زائدة في البيت على رأيهم.
الرابع: أن تكون ٠إلا) بمعنى (غير) - وهذا هو محل الشاهد - أي يوصف بها كما يوصف بغير، فقد وصف بإلا جمع منكر كما في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما إلا الله لفسدتا﴾ (النساء: ٢٢) .
فلا يجوز في (إلا) هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى؛ إذ التقدير يكون حينئذ: لو كان فيهما آلة ليس فيهم الله لم تفسدا، وليس ذلك المراد، ولا من جهة اللفظ؛ لأن آلة جمع منكر في الإثبات فلا عموم له، فلا يصح الاستثناء منه، فلو قلت: قام رجال إلا زيدا، لم يصح اتفاقا، ومقال وقوع إلا وصفا قول ذي الرمة:
قليل بها الأصوات إلا بغامها
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة
فإلا بغامها صفة للأصوات.
وقول لبيد:
وقع الحوادث إلا الصارم الذَّكر
لو كان غيري سليمي الدهر غَيَّره
فإلا الصارم صفة لغيري.
وقد شرط ابن الحاجب في وقوع (إلا) صفة تعذر الاستثناء بها؛ لذا جعل من الشاذ قول الشاعر:
لعمر أبيك إلا الفرقدان
وكل أخ يفارقه أخوه
أي لجواز صحة الاستثناء بإلا.
قال أبو البقاء العكبري مشيرا إلى تقارض (إلا) و (غير) :
الأصل في (إلا) الاستثناء، وقد استعملت وصفا، والأصل في (غير) أن تكون صفة وقد استعملت في الاستثناء.
وما قاله أبو البقاء يفيد صحة التقارض لحمل إحداهما على الأخرى، (فغير) حين ضمنت معنى (إلا) حملت عليها في الاستثناء كما أن (إلا) قد تحمل على (غير) فتوصف بها لما بينهما من مشابهة؛ ولذا فهم يقولون:
стр. 13183
(إن الأصل في (غير) أن تكون صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها ذاتا أو صفة، والأصل في (إلا) مغايرة ما بعدها لما قبلها نفيا أو إثباتا، فلما اجتمع ما بعد (إلا) وما بعد (غير) في معنى المغايرة حملت (إلا) على غير في الصفة فصار ما بعد إلا مغايرا لما قبلها نفيا أو إثباتا، وحملت (غير) على (إلا) في الاستثناء فصار ما بعدها مغايرا لما قبلها.. إلا أن حمل (غير) على (إلا) أكثر من محمل (إلا) على (غير) .
ومن هنا نفهم سرّ التقارض بين (غير) و (إلا) في بعض الأحكام المنوطة بكل منهما.
أنْ - ما
أ- (أنْ) تأتي في الأساليب على عدة أوجه: أشهرها أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع نحو قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ (البقرة: ١٧٤) ، وقوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم﴾ (الحديد: ١٦) ، وليس دخولها قاصرا على الفعل المضارع فقط، بل تدخل على الفعل الماضي أيضا نحو قوله تعالى: ﴿ولولا أن منّ الله علينا﴾ (الإسراء: ٧٤) ، وتدخل أيضا على فعل الأمر كحكاية سيبويه: كتبت إليه بأن قمْ.
وإذا كان المشهور في (أن) نصبها للفعل المضارع فقد ذكر بعض الكوفيين وأبو عبيدة واللحياني أن بعضهم يجزم بها وأنشدوا على ذلك قول امرئ القيس:
تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا
وقول جميل بثينة:
فتتركها ثقلا عليّ كما هيا
أحاذر أن تعلم بها فتردها
فيأتنا في البيت الأول مجزوم بأن، وكذلك تعلم في البيت الثاني.
وقد تهمل (أن) في الكلام، فلا تنصب ولا تجزم، ويكون فالفعل بعدها مرفوعا، فهي بهذا تقترض هذا الحكم من (ما) ، ومثال (أن) المهملة قراءة ابن محيصن: ﴿لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة﴾ (البقرة: ٢٣٣) برفع الفعل المضارع (يتم) وقد اعترض على الاستدلال بالآية، بأن صله يتمون، فهو منصوب بحذف النون وحذفت الواو للساكنين، واستصحب ذلك خطا، والجمع باعتبار معنى من تكلف.
ومثال (أن) المهملة أيضا قول الشاعر:
стр. 13184
منّي السلام وأن لا تشعرا أحدا
أن تقرآن على أسماء ويحكما
فتقرآن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون على الرغم من تقدم (أن) عليه؛ لأنها هنا مهملة.
وقد اعترض الكوفيون على الاستدلال بهذا البيت، فزعموا أنّ (أنْ) في البيت مخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل.
غير أن الصواب أنها (أن) الناصبة أهملت، حملا لها على (ما) أختها في المصدرية؛ لأن (أن) المخففة من الثقيلة غالبا ما تقع بعد علم أو ظن، وهي في البيت لم تقع بعدهما فلا محل لاعتراضهم.
ب- أما (ما) فتأتي في الأساليب مهملة، أي لا تجزم ولا تنصب، هذا هو المشهور فيها حين تدخل على الفعل المضارع، غير أنها في بعض الأحيان قد تقترض من (أن) حكم النصب للفعل المضارع، فقد رأى بعضهم أن (ما) يجوز أن تنصب الفعل المضارع حملا لها على (أن) الناصبة كما روي من قوله ﵊: "كما تكونوا يولى عليكم" (١) ، على أحد الروايات، ذكر ذلك ابن الحاجب، (فتكونوا) فعل مضارع منصوب بحذف النون (بما) المتقدمة عليه، والمعروف في الرواية المشهورة: "كما تكونون"، وعلى هذا فلا شاهد فيه، وقد قال بعضهم معترضا على رواية النصب: ولا حاجة إلى جعل (ما) هنا ناصبة فإن ذلك إثبات حكم لم يثبت في غير هذا المحل، بل الفعل مرفوع ونون الرفع محذوفة.
وعلى كل حال فإن تقارضهما ثابت؛ لأن كلا منهما يجوز أن تحمل على الأخرى لذا قال ابن مالك:
ما أختها حيث استحقت عملا
وبعضهم أهمل (أن) حملا على
أي: يصح في (أن) الناصبة أن تهمل حملا لها على (ما) كما يجوز في (ما) أن تعمل النصب حملا لها على (أن) لما بينهما من مشابهة من حيث أن كلا منهما حرف مصدري، وكلا منهما حرف ثاني..
إنْ - لو
أ- (إنْ) بكسر الهمزة وتسكين النون المخففة: تأتي في الأساليب على وجوه عدة منها:
стр. 13185
الأول: أن تكون نافية وتدخل حينئذ على الجملة الاسمية نحو قوله تعالى: ﴿إن الكافرين إلا في غرور﴾ (الملك: ٢٠) وقوله تعالى: ﴿إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم﴾ (المجادلة: ٢﴾ .
الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة فتدخل على الجملتين الاسمية والفعلية نحو قوله تعالى: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ (الزخرف:٣٥) ، وقوله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدنيا محضرون﴾ (يس: ٣٢) ، وقوله تعالى: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ (البقرة: ١٤٣) .
الثالث: أن تكون شرطية فتجزم فعلين: الأول يسمى فعل الشرط، والثاني جواب الشرط نحو قوله تعالى: ﴿وإن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (الأنفال: ٣٩) وقوله تعالى: ﴿وإن تعودوا نعد﴾ (الأنفال: ١٩) .
ويعد هذا الوجه أشهر استعمالاتها غير أنها قد تأتي في الأسلوب مفيدة معنى الشرط وهي غير جازمة مقترضة هذا الحكم من (لو) التي تفيد معنى الشرط وهي غير جازمة، ومثال (إنْ) غير الجازمة ما روي في الحديث: "فإلا تراه فإنه يراك" (١) .
ب- أما (لو) فهي تأتي في الأسلوب حرف شرط في المستقبل إلا أنها لا تجزم، هذا هو المشهور في استعمالها نحو قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله﴾ (النساء: ٩) .
ونحو قول الشاعر:
خُلُق الكرام ولو تكون عديما
لا يلفك الراجيك إلا مظهراً
وقالوا في تعليل عدم جزمها للفعل الذي تدخل عليه:
إن ذلك بسبب غلبة دخولها على الفعل الماضي، ولو أريد بها معنى إن الشرطية، غير أن بعض العلماء ذكر أن (لو) قد تقترض من (إنْ) الشرطية حكم الجزم فتجزم الفعل المضارع، وقد أجاز ذلك جماعة في الشعر دون غيره منهم ابن الشجري نحو قول الشاعر:
لاحق الآطال نهد ذو خُصَل
لو يشأ طار به ذو ميعة
وقول الشاعر:
إحدى النساء بني ذهل بن شيبابا
تامت فؤادك لو يَحزُنْك ما صنعت
فيشأ في البيت الأول ويحزنك في البيت الثاني مجزومان بلو على سبيل اقتراض حكم الجزم من إن الشرطية لما بينهما من أوجه المشابهة.
стр. 13186
وربما خرّج بعضهم البيت الأول على أنه جاء على لغة من يقول: (شا - يشا) بالألف ثم أبدلت الألف همزة على حد قول بعضهم: العألم والخأتم - بالهمزة، ويؤيد هذا التخريج أنه يجوز مجيء إن الشرطية في هذا الوضع؛ لأنه إخبار عما مضى، فالمعنى: لو شاء، وهذا الخريج يقدح أيضا في الاستدلال بالحديث السابق ذكره.
وعلى الرغم من ذلك فإنه يصح تقارضهما، أي إنْ ولو، لأنّ إنْ قد تحمل على لوْ فتهمل ولا تجزم، كقراءة ابن طلحة ﴿فإما تَرَيْن﴾ (مريم: ٢٦) ، بياء المخاطبة الساكنة ونون الرفع المفتوحة، وحملت كلاهما على الأخرى لأنهما يفيدان الشرط، ويتفقان في ثنائية اللفظ، لذا قال ابن مالك:
ذو حُجّة ضعَّفها من يدري
وجوز الجزم بها في الشعر
وقال ابن مالك: يحمل معنى التردد لذا وقع له كلامان في هذه المسألة:
أحدهما: يقتضي المنع مطلقا في النثر والشعر، والثاني: ظاهره موافقة ابن الشجري فيما ذهب إليه (١) .
إذا - متى
أ- من وجوه استعمال (إذا) في الأساليب ما يلي:
أولاً: أن تكون للمفاجأة، فتختص بالجملة الاسمية ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال نحو قوله تعالى: ﴿فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ (طه: ٢٠) وقوله تعالى: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ (يونس: ٢١) .
ثانياً: أن تكون لغير المفاجأة، أي تكون ظرفا للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وتختص بالدخول على الجملة الفعلية عكس الفجائية، وقد اجتمعت (إذا) الفجائية و (إذا) الشرطية في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ (الروم: ٢٥) ، فإذا الأولى ظرفية وإذا الثانية فجائية.
ويكون الفعل بعد إذا الظرفية ماضيا كثيرا ومضارعا دون ذلك، وقد اجتمعا في قول أبي ذؤيب:
وإذا ترد إلى قليل تقنع
والنفس راغبة إذا رغبتها
стр. 13187
والوجه الثاني أشهر ورودا في الأساليب، غير أنها في بعض الأحيان قد تجزم الفعل الذي يأتي بعدها، وذلك حملا لها على (متى) الجازمة، أي تقترض منها حكم الجزم، كقول عبد القيس:
وإذا تصبْك خصاصة فتحمل
استغن ما أغناك ربك بالغنى
فإذا في البيت جازمة للفعل (تصبك) .
وقد خص بعضهم الجزم بها في الشعر دون النثر، قال ابن مالك في الكافية:
متى وذا في النثر لم يستعملا
وشاع جزم بإذا حملا على
وقال في شرحها: وشاع في الشعر الجزم بإذا حملا على متى، وأنشد:
نارا خمدت نيرانهم لم تقد
ترفع لي خندف والله يرفع لي
لكنه جوز في التسهيل الجزم بها في النثر على قلة، وجعل منه قوله ﵊ لعلي وفاطمة ﵄: "إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين" الحديث.
ومن هنا نتبين أنه يجوز أن تأتي إذا جازمة في الشعر والنثر، وكلاهما قليل.
ب- أما (متى) فهو اسم الشيخ يجزم فعلين: الأول فعل الشرط والثاني جوابه، هذا هو المشهور في استعمالها، كقول سحيم بن وثيل:
متى أضع العمامة تعرفوني
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
فالفعل: أضع وتعرفوني مجزومان بمتى.
وقد تجيء (متى) في الأسلوب اسم شرط وهي مهملة أي غير جازمة، مقترضة هذا الحكم من (إذا) التي تتضمن معنى الشرط ولا تجزم، فهي في هذه الحالة يحكم بها بحكم إذا، كقول عائشة ﵂: (وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس) ، فالفعل يقوم غير مجزم بمتى، وكذلك لا يسمع.
وهكذا صح تقارضهما لأن كلا منهما قد تحمل على الأخرى، ولا التفات لما ذهب إليه أبو حيان الذي منع أن تهمل (متى) حملا لها على (إذا) .
لم - لن
أ- (لم) حرف يجزم الفعل المضارع وينفيه ويقلب زمنه إلى المضي، هذا هو الأصل في استعماله نحو قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ (الإخلاص: ٣) .
стр. 13188
غير أن هذا الحرف قد يترك عمل الجزم للفعل المضارع إلى عمل النصب فيه مقترنا هذا الحكم من (لن) لتشابههما في النفي، فقد حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بلم، وقد وجدنا ابن مالك يقول في شرح الكافية: زعم بعض الناس أن النصب بلم لغة اغترارا بقراءة بعض السلف: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (الشرح: ١) بفتح الحاء، أي نصب الفعل المضارع (نشرح) بلم، وكقول الحارث بن منذر:
ايوم لم يقدر أو يوم قدر
في أيّ يومي من الموت أفرّ
بنصب الفعل يقدر بعد لم، فقد عملت (لم) النصب في الفعل بعدها.
ولم يزافق على هذا بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أن النصب في الآية والبيت على أن الأصل: نَشرَحَن، ويقدرَن، ثم حذفت نون التوكيد الخفيفة وبقيت الفتحة دليلا عليها، وقد اعترض على هذا التوجيه بأن فيه شذوذين: توكيد المنفي بلم، وحذف النون لغير وقف ولا ساكنين.
وخرج بعضهم الفتح في الآية والبيت على أنها اتباع للفتحة قبلها أو بعدها.
ب- (لن) حرف ينصب الفعل المضارع وينفيه ويمحضه للاستقبال نحو قوله تعالى: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ (مريم: ٢٦) ، ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا لمن زعم ذلك، وقد رُدّ هذا الادعاء بأنها لو كانت للتأبيد للزم التناقض بذكر اليوم في ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ والتكرار أبدا في قوله تعالى: ﴿ولن يتمونه أبدا﴾ (البقرة: ٩٥) ، وأما التأبيد في ﴿لن يخلقوا ذبابا﴾ (الحج: ٧٣) فلأمر خارجي لا من مقتضيات (لن) .
وتأتي (لن) للدعاء كما أتت (لا) وفاقا لجماعة منهم ابن عصفور بدليل قول الأعشى:
ـت لكم خالدا خلود الجبال
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ
وما تقدم هو الأصل في استعمالها، وقد تخرج (لن) عن نصب المضارع إلى جزمه مقترضة هذا الحكم من (لم) كقول كثير عزة:
فلن يحل للعينين بعدك منظر
أيادي سبايا عزَّ ما كنت بعدكم
وقول أعرابي يمدح الحسين بن علي:
حَرَّك للعينين بعدك منظر
لن يخِب الآن من رجائك من
стр. 13189
فقد جزمت (لن) الفعل (يحل) في البيت الأول، وجزمت الفعل (يخب) في البيت الثاني.
وعلى الرغم من أن بعضهم وجّه الفعل في كل بيت على أنه محتمل للاجتزاء بالفتحة عن الألف للضرورة، فالتقارض بينهما مؤيد بالسماع؛ لوجود مشابهة بينهما، وهو النفي في كل منهما واختصاصهما بالفعل المضارع دون غيره.
ما - ليس
أ- من أوجه استعمال (ما) في الأساليب أن تكون حرفا نافيا داخلا على الجملة الاسمية، وهي في هذه الحالة تعمل عمل (ليس) على رأي الحجازيين والتهاميين والنجديين، وأهملها بنو تميم، وهو القياس؛ لعدم اختصاصها بالأسماء، ولإعمالها عند الحجازيين شروط فصلتها كتب النحو، فمثال (ما) العاملة عمل ليس نحو قوله تعالى: ﴿ما هذا بشراً﴾ (يوسف: ٣١) وقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ (المجادلة: ٢) ، وقد عملت (ما) عمل ليس لحملها عليها لمشابهتها إياها في المعنى وهو النفي، وقد ذكروا أن المثبت لإعمالها عمل (ليس) هو الاستقراء، أما إذا دخلت (ما) النافية على الجملة الفعلية فإنها لا تعمل نحو قوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ (البقرة: ٢٧٢) ، فما تقترض حكم ليس حين تدخل على الجملة الاسمية.
ب- أما (ليس) فهو فعل جامد لا يتصرف ناسخ من أخوات كان، ينفي الحال ويرفع المبتدأ وينصب الخبر نحو: ليس بكر عالما، هذا هو الأصل في عملها.
وقد تخرج (ليس) عن هذا الأصل فلا تعمل، أي تهمل؛ حملا لها على (ما) ، وذلك حين ينتقض خبرها بإلا بجامع المشابهة التي بينهما، فكذلك إذا انتقض خبر ليس بإلا فإنها لا تعمل، فقد اقترضت من (ما) هذا الحكم نحو قولهم: ليس الطيب إلا المسك، برفع المسك، قال ابن هشام في المثال المتقدم:
فإن بني تميم يرفعونه حملا لها على (ما) في الإهمال عند انتقاض النفي كما حمل أهل الحجاز (ما) على ليس في الإعمال عند استيفائه شروطها، حكى ذلك عنهم أبو عمرو بن العلاء.
عسى - لعلّ
стр. 13190
أ- (عسى) فعل ماض يفيد معنى الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرّ لكم﴾ (البقرة: ٢١٦) .
والاسم الذي بعدها يكون مرفوعا على أنه اسم لها، ويأتي بعد ذلك الخبر المنصوب، نحو قول هدبة بن خشرم:
يكون وراءه فرج قريب
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
وقول رؤبة:
لا تكثرن إني عسيت صائما
أكثرت في اللوم ملحا دائما
وقوله في المثل: عسى الغوير أبؤسا.
وقد تخرج (عسى) عن عمل الرفع والنصب على الترتيب إلى عمل النصب والرفع، فيقال: عسايَ وعساك وعساه، وقد قيل في تخريج ذلك:
إن عسى اقترضت عمل النصب والرفع على الترتيب من لعلّ.
ب- (لعلّ) حرف يفيد معنى الترجي والطمع، وقرد يرد إشفاقا، نحو قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ (الكهف: ٦) ، ومعلوم أنه ينصب الاسم ويرفع الخبر كإنّ، هذا هو الأصل في عمل هذا الحرف، وقد ينصبهما على قلة، حكي عن بعض العرب: لعل أباك منطلقا، وخبر هذا الحرف الأصل فيه أن يجيء اسما صريحا كما تقدم في الآية الكريمة، وقد يخرج خبره عن كونه اسما صريحا فيجيء فعلا مضارعا مقترنا بأن، مقترضة هذا الحكم من (عسى) ، نحو قول متمم بن نويرة:
عليك من اللائي يدعنك أجدعا
لعلك يوما أن تلم ملمة
ومنه الحديث: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (١) .
وهكذا رأينا في الأمثلة المتقدمة أن (عسى) أجريت مجرى لعل في نصب الاسم ورفع الخبر، كما أجريت (لعل) مجرى (عسى) في اقتران خبرها بأن، قال صدر الأفاضل: أجري لعل بحيث أدخل على خبرها (أن) المصدرية مجرى عسى، كما تجرى عسى مجرى لعل، وهذا على طريق المقارضة.
عسى - كاد
стр. 13191
أ- لقد عرفنا فيما تقدم أن الغالب في خبر (عسى) أن يقترن بأنْ المصدرية؛ لأنها من أفعال الترجي، وقد أوجب جمهور البصريين اقتران خبرها بأن، وقالوا: إن خبرها لا يجرد منها إلا لضرورة، وحينئذ يخرج خبرها من مجيئه مقترنا بأن إلى مجيئه مجردا من أن، مقترضا هذا الحكم من (كاد) التي يغلب على خبرها أن يكون مجردا من (أن) ، قال هدبة بن خشرم:
يكون وراءه فرج قريب
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
ب- أما (كاد) فخبرها يأتي مجردا من أن؛ لأن المنقول عن فصحاء العرب إيقاع أن بعد عسى وإلغاؤها بعد كاد، والعلة فيه: أن كاد وضعت مقاربة الفعل ولهذا قالوا: كاد النعام يطير، لوجود جزء من الطيران فيه، وأن وضعت لتدل على تراخي الفعل ووقوعه في الزمان المستقبل، فإذا وقعت بعد كاد نافت معناها الدال على اقتراب الفعل، وحصل في الكلام ضرب من التناقض.
وليس كذلك (عسى) لأنها وضعت للتوقيع الذي يدل على وضع (أن) على مثله، فوقوع (أن) بعدها يفيد تأكيد المعنى ويزيده فضل تحقيق وقوة، وقد نطقت العرب بعدة أمثال جاء فيها خبر (كاد) مجردا من (أن) على الأصل فقالوا: كاد العروس يكون ملكا، وكاد المنتقل يكون راكبا، وكاد الحريص يكون عبدا، وكاد البيان يكون سحرا، وكاد النعام يكون طيرا، وكاد البخيل يكون كلبا، ومن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ (النور: ٣٥) .
وقد يخرج خبر (كاد) عن الأصل فيأتي مقترنا بأن مقترضا هذا الحكم من (عسى) ، ومن أمثلة هذا النوع:
قوله ﷺ : "كاد الفقر أن يكون كفرا" (١) ، وقول عمر ﵁:) وما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب) ، وقول أنس ﵁: (فما كدنا أن نصل إلى منازلنا) ، وقول جبير بن مطعم ﵁: (ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه) .
ومن النظم قول الشاعر:
لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السِّلّ
أبيتم قبول السِّلم منا فكدتم
стр. 13192
وليس ذلك بضرورة؛ لتمكنه من أن يقول لدى الحرب مغنون السيوف عن السل، وهكذا فإن خبر (كاد) قد يقترن بأن كما أن خبر (عسى) قد يأتي مجردا من أن، وذلك على سبيل المقارضة بينهما.
الفاعل - المفعول
أ- الأصل في الفاعل أن يأتي مرفوعا نحو قوله تعالى: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ (طه: ٧٩) ، وقد يخرج عن هذا الأصل إلى النصب، مقترضا هذا الحكم من المفعول به نحو قولهم:
خرق الثوبُ المسمارَ، وكسَر الزجاجُ الحجرَ؛ فالمسمار هو الفاعل وحقه أن يكون مرفوعا لكنه اقترض النصب من المفعول به فنصب، وكذلك الحجر.
ب- والأصل في المفعول به أن يكون منوصبا، وقد يخرج عن هذا الأصل فيصير مرفوعا؛ مقترضا هذا الحكم من الفاعل، نحو الأمثلة المتقدمة، فالثوب والزجاج مفعولان حقهما النصب ولكنهما رفعا على سبيل المقارضة، ومن أمثلة الاقتراض بينهما قول الأخطل يهجو جريرا:
نجوان أو بلغت سوءاتِهم هجرُ
مثل القنافد هداجون قد بلغت
فنجران وهجر مفعولان حقهما النصب لكنهما رفعا على سبيل الاقتراض، وسواءتهم في الأصل هي فاعل حقها الرفع لكنها نصبت على طريق التقارض أيضا، وسمع نصبهما - أي الفاعل والمفعول - نحو قول الشاعر:
الأفعوان الشجاع الشجعما
قد سالم الحياتِ منه القدما
في رواية من صب الحيات.
وسمع أيضا رفعهما - أي الفاعل والمفعول - نحو قول الشاعر:
كيف من صاد عقعقان وبومُ
إنّ من صاد عقعقا لمَشوم
الصفة المشبهة - اسم الفاعل
أ- الأفضل في مفعول الصفة المشبهة أن يكون مجرارا نحو: محمد ضامر البطنِ ومنطلق اللسانِ وحسن الخلقِ؛ لأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت واللزوم، ولهذا أصبحت مع معمولها كالكلمة الواحدة؛ فالأحسن أن تضاف إلى معمولها لكنها قد تخرج عن هذا الحكم فتنصب معمولها مقترضة هذا الحكم من اسم الفاعل الذي يعد أقوى منها في العمل، فيجوز أن تقول: زيد الحسن الوجهَ، بنصب الوجه على سبيل الاقتراض منه.
стр. 13193
ب- والأفضل في اسم الفاعل أن ينصب المفعول به، وذلك حين يستوفي شوط عمله إذا كان مجردا؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث، ويناسبه أن يكون مفعولا منصوبا لأنه محمول على الفعل المضارع إلا أن اسم الفاعل قد يجر مفعوله مقترضا هذا الحكم من الصفة المشبهة التي تدل على الثبوت واللزوم.
ولذا قال ابن هشام: يجوز (إعطاء الحسن الوجه حكم الضارب الرجل في النصب، وإعطاء الضارب الرجل حكم الحسن الوجه في الجر) وذلك على سبيل الاقتراض.
اسم التفضيل - أفعل في التعجب
أ- الأصل في اسم التفضيل أن يرفع الاسم الظاهر لأنه مشتق والمشتقات ترفع الظاهر والمضمر، غير أن اسم التفضيل لا يرفع الظاهر لشبهه بأفعل التعجب وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة، فقد اقترض (اسم التفضيل) من أفعل التعجب هذا الحكم وهو عدم رفع الاسم الظاهر.
ب- والأصل في أفعل التعجب أن لا يصغر، لأن (أفعل التعجب) فعل والتصغير مختص بالأسماء، ومبنى والتصغير لا يدخل الأسماء المبنية إلا شذوذا غير أن أفعل التعجب قد يصغر مقترضا هذا الحكم من اسم التفضيل لأنهما متشابهان وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة. قال الشاعر:
من هؤليائكن الضال والسمر
ياما أمليح غزلانا شَدَنَّ لنا
قال الجوهري: ولم يسمع ذلك إلا في أحسن وأملح، قال ابن هشام: ولكن النحويين مع هذا قاسوه، ولم يحك ابن مالك اقتياسه إلا عن ابن كيسان وليس كذلك، قال أبو بكر بن الأنباري: ولا يقال إلا لمن صغر سنه.
النوع الثاني: التقارض بين اللفظين في الشكل والهيئة
الحال - التمييز
أ- يذهب جمهور النحاة إلى أن الأصل في الحال أن ترد في الأسلوب مشتقة من المصدر لتدل على متصف نحو: جاء بكر ضاحكا، وضربت اللص مكتوفا، وقد تجيء جامدة مقترضة هذا الجمود من التمميز لما بينهما من أوجه الشبه، ويكثر مجيئها جامدة في مواضع:
إن دلت على سعر نحو: بعه مدّا بدرهم، فمدا حال جامدة، أي بعه مُسعِّرا كل مد بدرهم.
стр. 13194
وإن دلت على تفاعل نحو: بعته يدا بيد، أي مناجزة، أو دلت على تشبيه نحو: كرّ زيدٌ أسداً أي مشبها للأسد؛ فيدا واسدا جامدان، وصحّ وقوعهما حالا لظهور تأولهما بمشتق كما تقدم.
وتجيء الحال جامدة إن دلّت على ترتيب كقولك: ادخلوا الدار رجلا رجلا، وقولك سار الجند رجلين رجلين، تريد مرتين.
وضابط هذا النوع: أن يذكر المجموع أولاً ثم يفصل بذكر بعضه مكررا.
وتجيء الحال جامدة إن وصفت نحو قوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا﴾ (يوسف الآية ٣) ، وقوله تعالى: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾ (مريم الآية: ١٧) ، وكذلك إن دلت على عدد نحو قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ (الأعراف الآية ١٤٢) ، وكذلك إذا كانت الحال نوعا من صاحبها كقولك: هذا مالك ذهبا، أو يكون الحال فرعا لصاحبها نحو: هذا حديدك خاتما، وكقوله تعالى: ﴿وتنحتون الجبال بيوتا﴾ (الشعراء الآية ١٤٩) .
ب- والأصل في التمييز أن يكون جامدا نحو: حَسُن محمد علما، وزرعت الأرض شجرا، وعندي قفيزٌ بُرّا، وقد يترك التمييز هذا الأصل فيجيء مشتقا مقترضا هذا الحال لما بينهما من مشابهة نحو: لله دره فارسا، وحسبك به كافلا، وكفى عالما.
قال الأشموني: إن حق الحال الاشتقاق، وحق التمييز الجمود، وقد يتعاكسان، فتأتي الحال جامدة، كهذا مالك ذهبا، ويأتي التمييز مشتقا نحو: لله دره فارسا. أي يتعاكسان على سبيل الاقتراض فكل منهما يقترض هيئة الآخر لأوجه شبه بينهما.
الجمع - المثنى
أ- حق نون الجمع المذكر السالم وما لحق به في إعرابه أن تكون مفتوحة نحو قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون الآية الأولى) ، ونحو ﴿وبشِّر الصابرين﴾ (البقرة الآية ١٥٣) ، وقد فتحت نون الجمع طلبا للخفة من ثقل الجمع، وفرقا بينه وبين نون المثنى، لكن نون جمع المذكر السالم قد تكسر مقترضة هذا من نون المثنى، كقول جرير بن عطية:
وأنكرنا زعانف آخرينِ
عرفنا جعفرا وبني أبيه
وقول سحيم بن وثيل الرياحي:
وقد جاوزتُ حدّ الأربعينِ
стр. 13195
وماذا يبتغي الشعراء مني
بكسر نون (آخرين) في البيت الأول، وكذلك كسر نون (الأربعين) في البيت الثاني.
ب- وحق نون المثنى وما لحق به في الإعراب أن تكون مكسورة على الأصل في التقاء الساكنين، لكون نون المثنى قد تجيء مفتوحة مقترضة هذا من نون الجمع كقول حميد بن ثور الهلالي:
فما هي إلاّ لمحةٌ وتغيب
على أحوذيينَ استقلت عشيّة
وكقول رجل من ضَبّة:
ومنخرين أشبها ظبيانا
أعرف منها الجيد والعينانا
قال ابن مالك فيما تقدم:
فافتح وقلَّ من بكسره نَطَق
ونو مجموع وما به التحق
بعكس ذلك استعملوه فانتبه
ونون ما ثني والملحق به
---
(١) رسائل ابن كمال باشا، ط أولى، الرياض.
(٢) راجع مغني اللبيب ٩١٥، ٩١٦، ٩١٧، ط بيروت.
(٣) القاموس المحيط: (قرضه) ط دار الفكر، بيروت.
(٤) أساس البلاغة (قرض) ط دار المعرفة، بيروت.
(٥) الصحاح (قرض) ط دار الحضارة العربية، بيروت.
(٦) المصباح المنير (قرضت) دار المعارف، القاهرة.
(٧) لسان العرب (قرض) ط الهيئة العامة للكتاب - مصر.
(٨) شرح المفصل: ٢/٨٨.
(٩) المفصل: ٨٨ ط ثانية، بيروت، والأشباه والنظائر للسيوطي: ١/١٣٨ ط أولى - القاهرة.
(١٠) الكتاب لسيبويه: ٣/٤٧٩ هارون.
(١١) راجع مغني اللبيب: ٣٠٩، ٣١٠.
(١٢) الديوان ١٧٣.
(١٣) نفسه: ٦٣٨.
(١٤) الديوان: ٦٢.
(١٥) الأشباه والنظائر للسيوطي: ١/٧٥، ١٧٩، وراجع كتاب سيبويه ٢/٣٣١، ٣٣٥ هارون.
(١٦) راجع حاشية الصبان على الأشموني ٢/١٥٥ ط الحلبي - القاهرة.
(١٧) الديوان: ١٥٣.
(١٨) الديوان: ٢٣٤.
(١٩) راجع مغني اللبيب: ٤١، والإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري: ٢/٥٦٣ ط رابعة - القاهرة، شرح الأشموني: ٣/٢٨٧.
(٢٠) قالوا إنه حديث ضعيف، وهو في مغني اللبيب: ٩١٥، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني ٢/١٢٦، وراجع المقاصد الحسنة للسخاوي ٣٢٦.
(٢١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان.
стр. 13196
(١) قيل إنه لامرأة حارثية، وهو في خزانة الأدب ٤/٥٢١.
(٢) قاله لقيط بن زرارة، المغني ٣٥٧، وخرج بعضهم البيت على أن ضمة الإعراب سكنت تخفيفا، الأشموني ٤/٤٣.
(٣) راجع المغني ٩١٥، ٩١٦، والأشموني وحاشية الصبان: ٤، ١٣، ١٤، ٤٣.
(٤)
(٥) صحيح البخاري: كتاب الصلاة.
(٦) راجع مغني اللبيب ١٢٠، ١٢١، ٢١٢، ٩١٦، وشرح الأشموني ٤/١٣.
(٧) راجع مغني اللبيب: ٣٦٥، وحاشية الصبان ٤/٨.
(٨) الديوان: ١١٣.
(٩) الديوان ١/٦٠.
(١٠) راجع مغني اللبيب: ٣٨٧-٣٨٨ وحاشية الصبان ١/٣٧٤.
(١١) مجمع الأمثال: ١/٤٧٧.
(١٢) راجع مغني اللبيب: ٢٠٢.
(١٣) شرح ابن الناظم: ٦٢.
(١٤) مغني اللبيب: ٣٧٧-٣٧٩، ٩١٧، ٦٢٣.
(١٥) صحيح البخاري: كتاب الأحكام.
(١٦) راجع شروح سقط الزند ٤/١٨٥٢.
(١٧) راجع رسائل ابن كمال باشا: ٢٤، ٢٥
(١٨) الحديث أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: ٥٣٣، ١٠٩.
(١٩) صحيح البخاري: ٥/١٤١، وصحيح مسلم: ١/ ٤٣٨، والترمذي ١/٣٣٧.
(٢٠) صحيح البخاري: ٢/٣٦.
(٢١) سنن أبي داود ١/٣١٠.
(٢٢) راجع رسائل ابن كمال باشا: ٢٥، وشرح ابن الناظم: ٥٩، ٦٠، ٦١، والأشموني ١/٢٥٨ وما بعدها.
(٢٣) جرأهم على ذلك أمن اللبس ووضوح المعنى.
(٢٤) راجع مغني اللبيب: ٩١٧، ٩١٨.
(٢٥) مغني اللبيب: ٩١٨.
(٢٦) راجع مغني اللبيب ٨٩٤-٩١٨.
(٢٧) راجع ابن عقيل: ١/٦٢٧، ٦٢٨، ٦٢٩.
(٢٨) راجع الأشموني: ٢/١٧٠-١٧١.
(٢٩) راجع شرح الأشموني ١/٨٨، ٨٩، ٩٠، وابن عقيل ١/٦٦، ٦٧، ٦٨، ٦٩.
стр. 13197
مسلك القران الكريم في إثبات الوحدانية
د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
عميد شئون المكتبات بالجامعة
ج - تذكير المخاطبين بالنعم التي أنعم الله بها عليهم:
من الأساليب التي سلكها القران الكريم لرد الفطرة إلى طبيعتها التي فطر الله الناس عليها، تذكيرهم بالنعم التي اسداها إليهم والتي يدركون بالحس أنهم لم يحدثوا منها شيئاً, وإنما الله هو الذي تفضل بها عليهم.
ثم يعقب ذلك بعرض بعض قصص الأنبياء في دعوتهم لاممهم لمثل ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ من اخلاص العبادة لله وحده، وبيان ما حل بأولئك الذين لم يستجيبوا لدعوة أنبيائهم من العذاب، تحذيراً للمخاطبين أن ينزل بهم ما نزل بأولئك المكذبين وقد عرض القران الكريم كثيراً من ذلك في سور متعددة نذكر من ذلك نموذجين:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: الاية ١٧-٢٢)
стр. 13198
وبعد أن عدد الله ﵎ هذه النعم، وهي في نفس الوقت آيات واضحات ودلالات على وحدانيته ، اتبع ذلك بذكر الأنبياء مع أممهم وبيان ما حل بالمكذبين منهم قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ٣١ - ٣ ٢) .
إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِين مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ٤١-٤٤) .
стр. 13199
وهكذا يقص الله ﵎ على هذه الأمة ما حل بالأمم السابقة التي كذبت رسلها فأهلكهم الله جميعاً ف أصبحوا أحاديث وكأنهم لم يوجدوا ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (القمر: الآية ٤١-٤٣) .
النموذج الثاني: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: الآية ١- ٢) .
ينزه الله ﵎ تفسه عن الشركاء فهو الواحد الأحد، ليس له شريك في الملك، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: الآية ٣١) .
ويقرر أمر النبوة، بأنزال الملائكة بالوحي من السماء، على من اختارهم واصطفاهم من عباده ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج: الآية ٧٥) لينذروا الناس ويبينوا لهم أن الإله المعبود هو الله، وحده وأن هذه الآلهة المزعومة والشركاء المدعوين من دونه لا يملكون لنفسهم ضراً ولا نفعاً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ...﴾ .
ثم يتبع ذلك بالأدلة على من يستحق العبادة، تلك الأدلة التي تخاطب العقل والوجدان معاً. أدلة ملموسة محسوسة يعيشها المخاطبون يشاهدونها بأبصارهم، ويذكرونها بعقولهم منها:
١-خلق السموات التي يدرجون تحنها.
٢- وخلق الرض التي يعيشون عليها.
٣- وخلق المخاطبين أنفسهم، فهم الدليل والمستدل عليه ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ .
стр. 13200
٤- وخلق ما به استقامة حياتهم وصلاح معاشهم
يقول الله تعالى في ذلك: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: الآية ٣-٧) .
هكذا يبين الله تعالى الأدلة على وحدانيته فالموجد لجميع المخلوقات يجب أن يكون هو المعبود وحده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ويخبر عن النقلة الهائلة بين خلق افنسان من نطفة ضعيفة حقيرة مهينة لا تكاد تكون شيئاً مذكوراً، وبين أن يصبح خصيماً مبيناً، ومن يخاصم، يخاصم خالقه الذي أوجده من العدم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: الآية ٧٨) .
ثم يذكر الإنسان بأن من نعم الله عليه هذه المركوبات التي سخرها له، من الخيل والبغال والحمير، والني يتخذها زينة، ويشير إلى ما سيخلقه مما لا يعلمه المخاطبون في عصرهم من أنواع المركوبات، والحاملات للأثقال التي يشق عليهم حملها، والنواع المعدة للزينة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
ثم يتبع ذكر الآيات المحسوسة والمشاهدة التي هي جزء من حياة الإنسان: ويطلب منه أن يتفكر ويتعقل هذه الآيات، ثم يذكر لعله بذلك يشكر الله الذي أوجد له هذه النعم.
следующие страницы →