← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13196–13235 · переход к 13201.

стр. 13196

(١) قيل إنه لامرأة حارثية، وهو في خزانة الأدب ٤/٥٢١. (٢) قاله لقيط بن زرارة، المغني ٣٥٧، وخرج بعضهم البيت على أن ضمة الإعراب سكنت تخفيفا، الأشموني ٤/٤٣. (٣) راجع المغني ٩١٥، ٩١٦، والأشموني وحاشية الصبان: ٤، ١٣، ١٤، ٤٣. (٤) (٥) صحيح البخاري: كتاب الصلاة. (٦) راجع مغني اللبيب ١٢٠، ١٢١، ٢١٢، ٩١٦، وشرح الأشموني ٤/١٣. (٧) راجع مغني اللبيب: ٣٦٥، وحاشية الصبان ٤/٨. (٨) الديوان: ١١٣. (٩) الديوان ١/٦٠. (١٠) راجع مغني اللبيب: ٣٨٧-٣٨٨ وحاشية الصبان ١/٣٧٤. (١١) مجمع الأمثال: ١/٤٧٧. (١٢) راجع مغني اللبيب: ٢٠٢. (١٣) شرح ابن الناظم: ٦٢. (١٤) مغني اللبيب: ٣٧٧-٣٧٩، ٩١٧، ٦٢٣. (١٥) صحيح البخاري: كتاب الأحكام. (١٦) راجع شروح سقط الزند ٤/١٨٥٢. (١٧) راجع رسائل ابن كمال باشا: ٢٤، ٢٥ (١٨) الحديث أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: ٥٣٣، ١٠٩. (١٩) صحيح البخاري: ٥/١٤١، وصحيح مسلم: ١/ ٤٣٨، والترمذي ١/٣٣٧. (٢٠) صحيح البخاري: ٢/٣٦. (٢١) سنن أبي داود ١/٣١٠. (٢٢) راجع رسائل ابن كمال باشا: ٢٥، وشرح ابن الناظم: ٥٩، ٦٠، ٦١، والأشموني ١/٢٥٨ وما بعدها. (٢٣) جرأهم على ذلك أمن اللبس ووضوح المعنى. (٢٤) راجع مغني اللبيب: ٩١٧، ٩١٨. (٢٥) مغني اللبيب: ٩١٨. (٢٦) راجع مغني اللبيب ٨٩٤-٩١٨. (٢٧) راجع ابن عقيل: ١/٦٢٧، ٦٢٨، ٦٢٩. (٢٨) راجع الأشموني: ٢/١٧٠-١٧١. (٢٩) راجع شرح الأشموني ١/٨٨، ٨٩، ٩٠، وابن عقيل ١/٦٦، ٦٧، ٦٨، ٦٩.

стр. 13197

مسلك القران الكريم في إثبات الوحدانية د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي عميد شئون المكتبات بالجامعة ج - تذكير المخاطبين بالنعم التي أنعم الله بها عليهم: من الأساليب التي سلكها القران الكريم لرد الفطرة إلى طبيعتها التي فطر الله الناس عليها، تذكيرهم بالنعم التي اسداها إليهم والتي يدركون بالحس أنهم لم يحدثوا منها شيئاً, وإنما الله هو الذي تفضل بها عليهم. ثم يعقب ذلك بعرض بعض قصص الأنبياء في دعوتهم لاممهم لمثل ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ من اخلاص العبادة لله وحده، وبيان ما حل بأولئك الذين لم يستجيبوا لدعوة أنبيائهم من العذاب، تحذيراً للمخاطبين أن ينزل بهم ما نزل بأولئك المكذبين وقد عرض القران الكريم كثيراً من ذلك في سور متعددة نذكر من ذلك نموذجين: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: الاية ١٧-٢٢)

стр. 13198

وبعد أن عدد الله ﵎ هذه النعم، وهي في نفس الوقت آيات واضحات ودلالات على وحدانيته ، اتبع ذلك بذكر الأنبياء مع أممهم وبيان ما حل بالمكذبين منهم قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ٣١ - ٣ ٢) . إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِين مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ٤١-٤٤) .

стр. 13199

وهكذا يقص الله ﵎ على هذه الأمة ما حل بالأمم السابقة التي كذبت رسلها فأهلكهم الله جميعاً ف أصبحوا أحاديث وكأنهم لم يوجدوا ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (القمر: الآية ٤١-٤٣) . النموذج الثاني: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: الآية ١- ٢) . ينزه الله ﵎ تفسه عن الشركاء فهو الواحد الأحد، ليس له شريك في الملك، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: الآية ٣١) . ويقرر أمر النبوة، بأنزال الملائكة بالوحي من السماء، على من اختارهم واصطفاهم من عباده ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج: الآية ٧٥) لينذروا الناس ويبينوا لهم أن الإله المعبود هو الله، وحده وأن هذه الآلهة المزعومة والشركاء المدعوين من دونه لا يملكون لنفسهم ضراً ولا نفعاً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ...﴾ . ثم يتبع ذلك بالأدلة على من يستحق العبادة، تلك الأدلة التي تخاطب العقل والوجدان معاً. أدلة ملموسة محسوسة يعيشها المخاطبون يشاهدونها بأبصارهم، ويذكرونها بعقولهم منها: ١-خلق السموات التي يدرجون تحنها. ٢- وخلق الرض التي يعيشون عليها. ٣- وخلق المخاطبين أنفسهم، فهم الدليل والمستدل عليه ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ .

стр. 13200

٤- وخلق ما به استقامة حياتهم وصلاح معاشهم يقول الله تعالى في ذلك: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: الآية ٣-٧) . هكذا يبين الله تعالى الأدلة على وحدانيته فالموجد لجميع المخلوقات يجب أن يكون هو المعبود وحده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . ويخبر عن النقلة الهائلة بين خلق افنسان من نطفة ضعيفة حقيرة مهينة لا تكاد تكون شيئاً مذكوراً، وبين أن يصبح خصيماً مبيناً، ومن يخاصم، يخاصم خالقه الذي أوجده من العدم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: الآية ٧٨) . ثم يذكر الإنسان بأن من نعم الله عليه هذه المركوبات التي سخرها له، من الخيل والبغال والحمير، والني يتخذها زينة، ويشير إلى ما سيخلقه مما لا يعلمه المخاطبون في عصرهم من أنواع المركوبات، والحاملات للأثقال التي يشق عليهم حملها، والنواع المعدة للزينة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم يتبع ذكر الآيات المحسوسة والمشاهدة التي هي جزء من حياة الإنسان: ويطلب منه أن يتفكر ويتعقل هذه الآيات، ثم يذكر لعله بذلك يشكر الله الذي أوجد له هذه النعم.

стр. 13201

ويسرها له حتى يعبده وحده لأن الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة، بخلاف الذي لا يستطيع الخلق والايجاد. يقول الله تعالى في ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: الآية١٠-١٦) ثم يلفت أنظار المخاطبين الغافلين عن التعقل والتبدر في هذه المشاهد، ويذكرهم بأن موجد هذه الأشياء وخالقها ومسخرها لهم هو المستحق للعبادة وحده، ويبقي سبحانه التسوية بين المعبود الحق، والمعبودات الباطلة التي لا تخلق شيئاً وذك في استفهام انكاري فيقول: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: الاية١٧-١٨) .

стр. 13202

ويختم هذا العرض لهذه الآيات ببيان علمه الشامل لما تكنه الصدور أو تظهره إذ لا فرق عنده سبحانه بين ماتوسوس به النفس، وبين ما تظهره فهو يعلم السر وأخفى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ . ويعقب ذلك ببيان حال الآلهة من دونه، وأنهم عاجزون لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون فكيف يسوغ دعاؤهم، ومنهم أموات لا يشعرون بالوقت الذي فيه يبعثون. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: الآية ٢٠-٢١) أما الإله الحق فهو واحد، لا تعدد فيه لأن الآلهة يحصل به الفساد في الكون ولا ينكر الوحدانية إلا المتكبرون الكافرون باليوم الآخر. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: الآية ٢٢) فمن أسباب الإعراض عن الحق الكبر, والكبر غمط الحق، وقد بين تعالى في آيات كثيرة أن جزاء المتكبرين النار. وبعد هذا العرض الموجز لهذه النماذج التي سلكها القران الكريم لاثبات الوحدانية في الألوهية، تبين أن المشركين لم يدعوا لمعبوداتهم أنها تخلق أو ترزق أو تحي أو تميت، وإنما ذلك كله لله. وكل الذين يطلبونه منها هو التوسط لهم عند الله، فهم يدعونها ويتقربون إليها بالنذور والقرابين لتقربهم إلى الله زلفى. ﴿ ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: الآية ٣) فما عبادتهم تلك؟ أوضحت الايات السابقة أن من عبادتهم لها: ١- دعاؤها ٢- حبها والخوف منها - الاستشفاع بها. ٣- والعبادة في الإسلام ليست محصورة في الصلاة والصوم وأركان الإسلام مثلاً؟ لأن الله يقول ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: الآية ٥٦) .

стр. 13203

فهل يستطيع البشر أن يصلوا فلا يفتروا، وان يصوموا الدهر فلا يفطروا، ليس ذلك في استطاعتهم ولم يهيئوا لذلك. فالإنسان مركب من روح وبدن ولكل مطالبه. وإنما معنى العبادة أوسع من ذلك وقد بينت الآية التالية شمولها وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: الآية ١٦٤-١٦٥) . ومن هنا يتضح شمول العبادة لأنواع كثيرة من أفعال العباد يصرفها كثير من الناس لغير الله ظناً منهم أن ذلك من المور الجائزة وهي من صميم العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله ومن ذلك: ١- الدعاء: وقد نص الله ﵎ في كتابه أن الدعاء عبادة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: الآية ٦٠) . وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ مريم: (الآية ٤٨-٤٩) . فقد بين الله في الآيتين أن الدعاء عبادة, ففي الآية الأولى, قال: ادعوني ... إن الذين يستكبرون عن عبادتي، فالعبادة هي الدعاء. وقول إبراهيم: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ... فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله. فدعاء غير الله عبادة والعبادة لا يجوز صرفها لغير الله. وفي الحديث الدعاء مخ العبادة.

стр. 13204

ولذلك فإن المشركين كانوا يخلصون الدعاء لله في وقت الشدة, كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس: الآية ٢٢) . يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه عقيدة المسلم ص ٦٤ تحت عنوان: توحيد العامة وما يعلوه من غبار. ينبغي لهذه الأمة أن تكون مثلاً عالياً في إسلام الوجه لله وإفراده بالنية والعمل. بيد أننا نلحظ - آسفين - أن هناك مسالك شائعة بين الجماهير الغفيرة من المسلمين، لها دلالتها على فساد التفكير، وضلال الاتجاه واضطراب المقصد. ولا نحب أن نوارب في الكشف عن هذه العلة, فإن أي خلل في دعائم التوحيد معناه الخبل الذي يدرك موطن القيادة الفكرية في هذا الدين الحنيف. غذ التوحيد في الإسلام حقيقة وعنوان، وساحة وأركان، وباعث وهدف ومبدأ ونهاية. قال: " ولسنا - كذلك - ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافاً, واستباحة حقوقهم ظلماً وعدواناً. ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنة كلما وجد عنها أدنى انحراف ". ثم يضرب الأمثلة على هذا الانحراف من واقع الأمة في هذا العصر فيقول: " لقد اهتمت حكومة انجلترا - في سبيل مكافحة الشيوعية - بالحالة الدينية في مصر! فكان مما طمأنها على إيمان المصريي: " أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام ".

стр. 13205

قال: " والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لدى، فطالما أوفدت رسميا لوعظهم، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام. ثم يبين حالهم ولماذا جاءوا إلى صاحب الضريح، فيقول: جاءوا للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء. ولمن النذور؟ ولمن الدعاء؟ إنه أول الأمر للسيد ". وأوضح بعد ذلك: ان من بدهيات الإسلام الأولى، أن الطلب ووسيلته جميعاً يجب أن يكون من الله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: الآية ٥) " إذا سألت فاسأل الله " (رواه أحمد والترمذي) . أقول: ما ذكره الشيخ محمد الغزالي عن حال أولئك الملايين عند ضريح السيد البدوي، هو حال أكثر العالم الإسلامي في شرق الأرض وغربها، وقد شاهدت بعيني وسمعت بأذني من يطلب السيد الإدريسي - وهو متمسك بالحلة الخضراء المكسي بها الضريح داخل المسجد - الولد والشفاء من المرض، وكل ما لا يطلب إلا من الله الواحد الأحد. إن هؤلاء إذا قلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله. امتدت بها حناجرهم وارتفعت بها أصواتهم وقالوها أكثر من سبعين مرة. وهم مع ذلك سادرون في هذا العمل لأنهم لا يعرفون معناها، وماذا تريد منهم أن يلتزموا به أمام خالقهم عبادة وحكماً وسلوكاً. أما الذين قال لهم رسول الله ﷺ : قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. فمن وفقه الله، قالها وعمل بمقتضاها فلم يدع غير الله ولم يتحاكم إلى سواه. ومن لم يوفق قال: أجعل الألهة إلهاٍ واحداً. وسل سيفه فكان الأب يقتل ابنه والابن يقتل أباه. فهل إن ذلك لمجرد النطق بلفظ: لا إله إلا الله ... ! لا..

стр. 13206

لأن من كان في آخر لحظة من حياته كأبي طالب حين طلب منه رسول الله ﷺ أن يقول لا إله إلا الله ليحاج له بها عند الله، لم يقلها، فأبو جهل كان عنده يقول له: أترغب عن ملة بد المطلب فكان آخر كلامهأن قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فكان من أهل النار، وأنزل الله فيه قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: الآية ٥٦) . ومن هنا نداءنا إلى الأساتذة الفضلاء، وهم من قادة الفكر الإسلامي المهتمينبتوجيه شباب الأمة الإسمية إلى الخير، الشباب الذي تعلق عليه آمال الأمة في قيادتها إلى ما فيه عزها وفلاحها في الدنيا والآخرة, أن يرجعوا أولاً لدراسة دعوة المصطفى ﷺ في مكة وهي ثلاثة عشر عاماً قضاها رسول الله صلى الله من عمر الدعوة، إلى أي شيء كان يدعو الناس، وما طريقته وأسلوبه في مخاطبة الأمة الني بعث فيها. الواقع أنه مكث تلك الفترة لاصلاح قلوب الناس وتخليصها من الشركاء المتشاكسين، دعاهم إلى كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله)) ووعدهم بأنهم إن قالوها دانت لهم العرب والعجم، وكان المخاطبون يفهمون معناها، وما تضمنته من نفي واثبات. وقد تحقق ذلك الوعد لمن قال تلك الكلمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور، الآية ٥٥) .

стр. 13207

أولئك الذين رباهم رسول الهدى ﷺ تلك التربية الفريدة في نوعها حتى عمرت قلوبهم بالإيمان، تلقوا الحكام عند نزولها بصدور رحبة وإيمان راسخ، فلبوا داعي الله قدموا نفوسهم رخيصة في سبيله، يرجون إحدى الحسنيين وإلا فما الذي حمل الصحابي الجليل أن يرمي التمرات من يده ويتقدم للقتال حين علم أن ليس بينه وبين الجنة إلا الشهادة في سبيل الله. وما الذي حمل الغامدية ان تقدم نفسها للعقوبة حين ارتكبت معصية الزناء. أولئك طبقوا قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب: الآية ٣٦) . وقد استمر التمكين للمؤمنين حين بقوا على الشرط - يعبدونني لا إله إلا الله يشركون بي شيئا - إن تنصروا الله ينصركم. أقول هذا لأدعو إلى كلمة قالها الشيخ الغزالي، عن حال هؤلاء الملايين من المسلمين الذين يتهافتون على زيارة الأضرحة مقدمين لها النذور والقرابين، يقول عن هؤلاء: ((ولو دعوا لواجب ديني لفروا نافرين، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار)) . لماذا كانوا كذلك ونحن نرى أن الذين رباهم رسول الله ﷺ حينما دعوا للواجبات الدينية استجابوا لله ولرسوله، والناس هم الناس. والجواب: إن قلوب أولئك نقيت من شوائب الشرك بالله فأصبحت خالصة له، لا إله إلا الله يوجد بها شركاء متشاكسون. وفي الحديث: " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجس كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". فبصلاح القلوب ملكها، وفي المثل الشائع: الناس على دين ملوكهم.

стр. 13208

وقد بين الشيخ الغزالي في كتابه عقيدة المسلم ص ٦٦-٦٧ بأن القول بأن هؤلاء الذين يهرعون إلى هذه الأضرحة يعرفون الله، ويعرفون أنه وحده مجيب كل سؤال، وباعث كل فضل، ومن دونه لا إله إلا الله يملكون من ذلك شيئاً، إت هذا الدفاع لا إله إلا الله يغني شيئاً، لأن هذه المعرفة لا إله إلا الله تصلح ولا تقبل إلا إذا صحبها إفراد الله بالدعاء والتوجه والإخلاص، فإن المشركين القدماء كانوا يعرفون الله كذلك. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (يونس: الآية ٣١ – ٣٢) . ومع أنهم يقولون ((الله)) بصراحة وجلاء فلم يحسبوا بهذا القول مؤمنين، لأن الإيمان - إذا عرفت الله حقاً - ألا تعرف غيره فيما هو من شؤنه. ولذلك يستطرد القران في مخاطبة هؤلاء: ﴿. ..فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: الآية ٣١ - ٣٢) . إن العامة عندما يشدون الرحال إلى قبور تضم رفات بعض الناس. وعندما يهرعون بالنذور والحاجات والدعية إلى من يظنون أنهم أبواباً لله، إنما يرتكبون في حق الإسلام مآثم شنيعة. ومهما قلبنا عملهم هذا من جميع وجوهه فلن نجد فيه ما يطمئن إليه ضمير المؤمن أبداً. ومحبة الصالحين وبغض الفاسدين من شعائر الإسلام حقاً.

стр. 13209

ثم قال: ومظاهر الحب والبغض معروفة .... وهي مصادقة للأحياء أو منافرة، واستغفار للموتى أو لعنة. وأين من عواطف الحب والبغض هذا الذي يصطنعه المسلمون اليوم؟؟ إن الواحد منهم يصادق أفسق الناس، وقد يقطع والديه - وهم أحياء - ثم تراه مشمراً مجداً في الذهاب إلى قبر من قبور الصالحين، لا ليدعوا له ويطلب من الله أن يرحم ساكن هذا القبر، بل ليسأل صاحب هذا القبر من حاجات الدنيا والآخرة ما هو مضطر إليه وذلك ضلال مبين. اهـ. والإسلام بصفائه ونقائه، ومنهجه الذي سلكه في المحافظة على سلامة فكر وسلوك اتباعه قطع دابر كل وسيلة تصل الإنسان بالشرك، فالبناء على قبور الصالحين قباباً واتخاذ المساجد عليها الذي كان تقليداً قديماً قضى عليه الإسلام، إذ أن ذلك من مظاهر الوثنية، فقد؟ أرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب وأمره أن يسوي بالأرض كل قبر مشرف، وأن يهدم كل صنم، فجعل الأضرحة العالية والأصنام المنصوبة سواء في إضلال الناس. وكان النبي ﷺ يحذر أمته عند وفاته مما صنعته الأمم السابقة: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا لا إله إلا الله تتخذوا القبور مساجد أني أنهاكم عن ذلك ". وكان يرفع الخمرة عن وجهة في مرض الموت ويكرر هذا الدعاء: " اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثناً يعبد ". يقول الشيخ الغزالي بعد ذكر هذه الأحاديث التي حذر فيها رسول الله ﷺ من أتباع اليهود والنصارى: " ومع هذا التحذير كله ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذا المحظور فقد أقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين، وتنافسوا في تشييد الأضرحة حتى أصبحت تبن على أسماء لا مسميات لها بل قد بنيت على ألواح الخشب وجثث الحيوانات. ومع ذلك فهي مزارات مشهورة ومعمورة تقصد لتفريج الكرب وشفاء المرضى وتهوين الصعاب " (١) اهـ ٢) أ- الحب القلبي:

стр. 13210

حين نزل القران الكريم كان المخاطبون يتخذون انداداً من دون الله، حسية مثل الصنام المتخذة من الأحجار والأخشاب وغيرها، إذ كان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً. ومعنوية كالقلبية وغيرها من أوثان الجاهلية التي لا إله إلا الله يستطيع المرء الخروج عليها وان تأكد له خطا سلوكها، فقد قال قائلهم في التمسك بما عليه قبيلته ولو كان ظلماً وعدواناً. وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد هذه الأنداد يحبها المشركون حباً يجعلهم يقدمون محبتها على محبة الله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ...﴾ (البقرة: الآية ١٦٥) . فتسويتهم محبتها بمحة الله شرك أكبر، فكيف إذا قدموا حبها على حبه. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الأنعام: الآية ١٢٦) . وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ". وقد أخبر الله عن حال كثير من الناس الذين يتخذون مع الله الأنداد، كيف تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى الله وحده إليها في العبادة. وغلى شريعته وحدها قانوناً في الحكم، وإلى منهج الله وحده نظاماً للحياة، أما إذا ذكرت المناهج الأرضية نظاماً للحياة وشريعة في الحكم فرحوا واستبشروا يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الزمر: الآية ٤٥) .

стр. 13211

أما المؤمنون بالله فقد وصفهم الله بأنهم أشد حباً لله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ أي المؤمنون بالله أشد حباً له من حب المشركين لآلهتهم (١) . لذلك فهم يقدمون أنفسهم رخيصة في سبيله فقد باعوها له ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ...﴾ (التوبة: الآية ١١١) . ب - محبة رسول الله ﷺ : إن محبة رسول الله ﷺ من صميم الدين، ولا يؤمن أحد حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. ومن علامات حب المؤمن للرسول الله ﷺ نصر دينه بالقول والفعل والذب عن سنته, والتخلق بأخلاقه، وتقديم ما شرعه وأمر به على هوى النفس وشهواتها، وكذلك كثرة ذكره بالصلاة عليه فمن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. ثم أن محبة الرسول الله ﷺ تستلزم طاعته واتباعه وبذلك يستحق العبد حب الله له. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: الآية ٣١) . فمن ادعى محبة الله وخالف سنة رسول الله ﷺ فكتاب الله يكذبه. والمطلوب من العبد ديناً أن يحبه الله ولا يحب الله عبده إلا إذا اتبع نبيه ظاهراً وباطناً، وصدقه خبراً، وأطاعه أمراً، وآثره طوعاً واختبارا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...﴾ (النساء: الآية ٥٩) . ﴿...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ...﴾ (الحشر: الآية ٧) . وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ".

стр. 13212

وفي رواية أنس ﵁: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " (١) . وفي البخاري في كتاب الإيمان والنذور.. من حديث عبد الله بن هشام أن عمر عمر بن الخطاب قال: لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي. فقال: الآن يا عمر " (٢) . ولاشك أن حظ أصحابه الذين كانوا معه من هذا الحب كان أتم، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ومنزلته أعلم من غيرهم، والناس يتفاوتون في ذلك وقد عبر بعض الصحابة عن هذا الحب المكين بأقوالهم وأفعالهم. يقول عمرو بن العاص ﵁: " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أملأ عيني منه اجلالاً له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه " (٣) . هكذا كانت محبة الصحابة لرسول الله ﷺ يحبونه أكثر من أنفسهم، يقتدون به ويطيعون أوامره يجتنبون ما نهى عنه. وما نشأت البدع إلا من تقديم هوى النفس على متابعة الرسول الله ﷺ والاقتداء بسنته ولذلك سُمّي منتحلوها بأهل الأهواء. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: الآية ٥٠) . ولا يعصم من الهوى الإ طاعة الله والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . يقول ابن القيم في النونية ص ٥٧٩: فهو المطاع وأمره العالي على أمر الورى وأوامر السلطان وهو المقدم في محبتنا علىالـ أهلين والأزواج والولدان وعلى العباد جميعهم حتى على النفس التي قد ضمها الجنبان

стр. 13213

فهل ما يعلمه كثي من الناس بدعوى المحبة للرسول الله ﷺ من أمور لم يعلمها الصحابة الذين عرفنا اجلالهم وتقديرهم لرسول الله ﷺ من مديح وإطراء يكون محبة. ففي حديث عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " (١) . ولكن ما نهى عنه ﷺ وخشيه على أمته وقع الناس فيه. ففي نظم البوصيري قوله: يا اكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادى آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم وقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فإذا كانت الدنيا وضرتها من جود الرسول الله ﷺ . ومن بع ض علومه علم اللوح والقلم لأن ((من)) للتبعيض، فماذا بقي للخالق جل وعلا، والله يقول لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ..﴾ وقالت عائشة ﵂ لمسروق كما في صحيح مسلم ١/١٥٩ ح / ٧٨١ " ومن قال إن محمد ﷺ يعلم ما في غدٍ فقد أع ظم على الله الفرية، والله يقول ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ " (النمل / ٦٥) . فهذا الغلو والإطراء هو الذي حذر الرسول الله أمته ﷺ منه. حيث قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " وقد صار حظ أكثر هؤلاء منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد والغلو الزائد، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه (٢) . ٣ - الشفعاء: لقد سلك المشركون في اتصالهم بالله مسلك اتخاذ الوسطاء لهم عند الله.

стр. 13214

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: الآية ١٨) . تبين الآية الكريمة أن هؤلاء يعبدون آلهة لا تنفعهم ولا تضرهم في الدنيا حال عبادتهم إياها فقولهم عنها إنها تشفع لهم في المال عند الله جهل شنيع، ولذلك أمر الله رسول الله ﷺ أن يخاطبهم خطاب المنكر عليهم. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ كما بين لهم أن هذا زعم باطل فالشفاعة لا تكون عند الله إلا بإذنه. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: الآية ٢٥٥) . إن اتخاذ شفعاء يخافون ويرجون ويطلب منهم أن يشفعوا لهم عند الله شرك بالله، لأن الشفاعة لا تكون عند الله إلا بإذنه. والله لا يعلم لنفسه شريكاً ولا شفيعاً. وقد اتخذ كثير من الناس هذا العمل المنافي لتوحيد الله وسيلة إلى الله وأسموه توسلا بالصالحين وقد لبس إبليس وأعوانه على كثير من الناس في هذا الباب وحرمهم من حق تمتع هو به فقد قال لهم: أ- إنكم عصاة والله إنما يتقبل من المتقين، فلو ذهب الإنسان ليدعو ربه وهو متلبس بالسيئات لم يجب الله سؤاله - لذا فلا بد من واسطة مقبولة ولا تكون تلك الواسطة إلا الولي الصالح. ب- إن هذا العمل ليس شركاً لأن النية هي معيار الحكم على الأعمال، وأنتم لم تنووا شركا. ج- ثم إن مثل هذا العمل جائز فقد كان العلماء يتوسلون إلى الله بالأنبياء وغيرهم من الصالحين. هذه بعض الشبه التي تلقى ليتقبل الناس مثل هذه الأعمال.

стр. 13215

ونرى أن نبدأ أولاً بذكر التوسل المشروع، ثم نبين بعد ذلك وجهة الرد على الشبهة التي سبق ذكرها والتي لبس بها على كثير من الناس فنقول: إن التوسل المشروع هو: ١- التوسل بالإيمان بذات الله – ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . فقد جاء عن رسول الله ﷺ : قوله: " اللهم اني أسألك بأنك أنت الله الذي لاإله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواٍ أحد " (١) . ٢- التوسل بالعمل الصالح - كما في قصة الثلاثة الذين آواهم الغار، فانطبقت عليهم صخرة، فكل واحد منهم دعا الله بعمله الخالص الذي قدمه لله تعالى وطلب منه أن يفرج عنهم ما هم فيه وهكذا دعا الثلاثة حتى أزيحت الصخرة عنهم فخرجوا يمشون. ٣- دعاء المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، ولا فرق في ذلك بين الفاضل والفضول فقد طلب النبي ﷺ من عمر بن الخطاب أن يدعو له، بل والمسلمون يدعون له ويطلبون له الوسيلة دائماً. ٤- إذا توسمت في شخص ما أنه من أهل الصلاح والتقوى، وأحببت أن يدعو لك جاز لك ذلك فتطلب منه أن يدعو الله وأنت تؤمن على دعائه. هذه الأنواع هي الأنواع المعروفة في هذا الباب وعمل بها سلفنا الصالح. أما تلبيس إبليس وأعوانه على الناس بأنهم عصاة والله يتقبل من المتقين فلا بد من واسطة، وهم يقولون هذا عند التوجه إلى الأضرحة والطلب من أصحابها ما لا يقدر عليه إلا الله فهذه مغالطة: فالمشركون دعوا الله مباشرة بدون واسطة واستجاب الله دعاءهم. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (يونس الآية ٢٣,٢٢) . وأبليس نفسه دعا ربه مباشرة بدون واسطة جبريل أو غيره من الملائكة ممن لم يعص الله وأجيب.

стр. 13216

﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: الآية ٣٦-٣٨) . فكيف يجوز هذا الحق للمشركين، ولإبليس وهو رئيس العصاة وقائد الكفار إلى النار، ولا يسوغ لجمهور المسلمين العصاة أن يلجؤا إلى ربهم والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾ (غافر: الآية ٦٠) بل القر آن يدعو العصاة والذين ارتكبوا فواحش وظلموا أنفسهم أن يلجؤا إلى الله ويستغفروه مباشرة. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ..﴾ (آل عمران: الآية ١٣٥) . ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ...﴾ (غافر: الآية ٣) . وأما كون النية هي معيار الحكم على الأعمال. فالجواب: إن العمل الصالح المقبول يشترط فيه شرطان: ١- النية الخالصة ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ " إنما الأعمال بالنيات ". ٢- أن يكون موافقاً لما أمر به الله ورسوله. ودعاء الأموات والتقرب إليهم ممنوع شرعاً بل هو شرك بالله. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (الأحقاف: الآية ٥) . والقول بأن العلماء كانوا يفعلون ذلك غي ر صحيح، فالعلماء ما كانوا يتوسلون بالموتى إ طلاقاً، فإن الصحابة رضوان الله عليهم في زمن عمر بن الخطاب حين اجدبوا طلبوا منه أن يستسقي لهم فلما فرغ من الصلاة قال: اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقنا والآن نستسقي بعم نبيك (١) قم يا عباس فادع الله لنا فقام ودعاء لهم والمسلمون يؤمنون على دعائه ومن دعائه: " اللهم لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث ".

стр. 13217

ولم يثبت عن الصحابة ولا التابعين ومن سلك منهجهم أنهم توسلوا بذوات الأ حياء، إنما كان توسلهم بدعائهم، كما في قصة عمر هذه مع العباس. ٤ – النية والقصد: الأعمال الصالحة المقبولة عند الله تعالى: هي ما كانت خالصة لوجهه تعالى، موافقة لشرعه. قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وفي الحديث: " إنما الأعمال بالنيات ". وقد شاع عند الكثير من الناس القول بأن العمل لا ينظر إليه وإنما تعتبر النية المصاحبة له. وهذا القول غير صحيح في الشريعة الإسلامية. وإنما العمل المقبول المثاب عليه عند الله يشترطه فيه شرطان: ١- النية الصالحة لقوله ﷺ : " إنما العمال بالنيات ". وهذا معنى قوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . فإذا خالط هذه النية أمراً آخر بأن يعمل هذا العمل من أجل أن ينال دنيا، أو يثني عليه من يشاهده كان مرائياً. وذلك يحبط عمله هذا الذي صار فيه الرياء. ٢- أن تكون صورته موافقة للشرع، وإلا كان مبتدعاً. وهذا معنى قول العلماء في العمل المقبول عند الله ((أن يكون خالصاً صواباً)) . يقول الله تعالى في ذلك منبهاً إلى أن تكون أعمالهم التي يتقربون بها إليه تعالى خالصة له. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: الآية ١٥، ١٦) .

стр. 13218

قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لايظلمون نقيرا، فكل من التمس الدنيا بعمل أهل الآخرة أوف ي الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله، وهكذا روى عن مجاهد والضحاك وغير واحد، وقيل إن الآ ية نزلت في اليهود والنصارى، ولكن حكمها عام لكل من اتصف بهذا الوصف. ٥- حق التشريع: قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: تلآية ٣١) . ١- الاحبار جمع حبر وهم علماء اليهود. ٢- الرهبان جمع راهب وهم علماء النصارى. والرب هو الخالق المالك المتصرف في خلقه كيف يشاء. وهو المشرع لهم فهو أعلم بما يصلح حال عباده في حالهم ومآلهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . وقد وصف الله من تصدى لذلك بأنه مفتر على الله كذاب في تشريعه لأن نص التحليل والتحريم لله وحده. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ فهذا حق له تعالى لايجوز لمخلوق أن يتقدم بين يدي الله فيشرع لعباده من دونه، ان ذلك مشاركة الله فيما هو من خصائصه واليذن يتقبلون هذا التشريع وتطمئن نفوسه إليه ويعلمون به هم مشركون بالله.

стр. 13219

فاتخاذ الأخبار والرهبان أرباباً هو في التشريع إذ الأحبار والرهبان مخلوقون لله كغيرهم من البشر، إلا أنهم شاركوا الله في تشريعهم لخلقه بالتحليل والتحريم الذي هو من خصائص الخالق ، يفسر هذا الحديث عدي بن حاتم ﵁ الذي رواه الإمام احمد والترمذي وغيرهما حين جاء والرسول صلي الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: قلت إ نهم لم يعبدوهم. فقال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال واحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ". وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله تن عباس وغيرهما في تفسير ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . إنهم اتبعوا فيما حللوا وحرموا. وقال السدي: " استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ أي الذي اذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ (لا إله إلا الله إله الا هو سبحانه عما يشركون " (١) . يقول سيد قطب في ظلال القرآن ج٤/٢٠٣ بعد أن نقل كلام ابن كثير وغيره في تفسير الآية: " ومن النص القرآني الواضح الدلالة، ومن تفسير رسول الله ﷺ . وهو فصل الخطاب. ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار.

стр. 13220

إن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القر آن وتفسير رسول الله ﷺ .. فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار وا لرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم ... ومع هذا فقد حكم الله - سبحانه عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها ... فهذا وحده - دون الاعتقاد والشعائر يكفي لاعتبار من يفعله مشركا بالله الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين. إن النص القر آني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوهم، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاداً وقدموا إليه الشعائر في العبادة. فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين. إن الشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عبادة ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهية، ولا تقديم الشعائر التعبدية له ". ويخلص بعد ذلك إلى القاعدة المعروفة عند المفسرين والأصوليين أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب لأن القر آن تشريع عام للبشرية كلها في كل زمان ومكان. فيقول: " إن دين الحق الذي لا يقبل الله من الناس كلهم دينا غيره هو (الإسلام) والإسلام لا يقوم إلا باتباع الله وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده - فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة الله صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله - مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله بغير إنكار منهم يثبت فيه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم لا طاقة لهم بدفعه وأ نهم لا يقرون هذا الافتئات على الله ". --- (١) عقيدة المسلم ص ٦٨.

стр. 13221

(١) ابن جرير ٢/٦٦ , طبعة ثانية ١٣٧٣ هـ. (٢) خ / الإيمان – فتح الباري ١/٥٨ ح ١٤ - ١٥. (٣) خ / الإيمان والنذور – فتح الباري ج /١١/ ٥٢٣ ح ٦٣٢. (٤) مسلم: كتاب الإيمان ١/١١٢ ح١٩٢. (٥) أخرجاه في الصحيحين. (٦) تيسير العزيز الحميد ص ١٨٦-١٨٧. (٧) حم ٤/٣٣٨ من حديث محجن بن الأذرع عن رسول الله ﷺ . وس /الدعاء ٣ / ٤٥ من حديث محجن. (٨) متفق عليه. خ /. م كتاب الذكر والدعاء / باب قصة أصحاب الغار ٤/٩٩. ح ١٠٠. (٩) خ/الاستسقاء \ باب سؤال لناس الإمام الاستسقاء إذغ قحطوا / فتح الباري٢ / ٤٩٤ ح١٠١٠. (١٠) ابن كثير ح٢ /٢٤٨ – ٣٤٩.

стр. 13222

سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام أوحد عصره فريد دهره: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵀ ورضي عنه - عن الرجل إذا قطع الطريق وسرق أو أكل الحرام ونحو ذلك، هل هو رزقه الذي ضمنه الله تعالى له أم لا؟ فأجاب: الحمد لله: ليس هذا هو الرزق الذي أباحه الله له، ولا يحب ذلك ولا يرضاه، ولا أمره أن ينفق منه، كقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ، ونحو ذلك لم يدخل فيه الحرام، بل من أنفق من الحرام فإن الله تعالى يذمه ويستحق بذلك العقاب في الدنيا والآخرة، وقد قال الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وهذا أكل المال بالباطل. ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد". فكما أن الله كتب ما يعلمه من خير وشر وهو يثيبه على الخير ويعاقبه على الشر، فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام، مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام.

стр. 13223

ولهذا كل ما في الوجود واقع بمشيئة الله وقدره، كما تقع سائر الأعمال لكن لا عذر لأحد بالقدر، بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر، بل لله الحجة البالغة، ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة، ومن اعتذر به فعذره غير مقبول، كالذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ والذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ . وأما الرزق الذي ضمنه الله لعباده فهو قد ضمن لمن يتقيه أن يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وأما من ليس من المتقين فضمن له ما يناسبه، بأن يمنحه ما يعيش به الدنيا، ثم يعاقبه في الآخرة، كما قال عن الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ والله إنما أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته، لم يبحه لمن يستعين به على معصيته، بل هؤلاء وإن أكلوا ما ضمنه لهم من الرزق فإنه يعاقبهم، كما قال: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فإنما أباح الأنعام لمن يحرم عليه الصيد في الإحرام.

стр. 13224

وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فكما أن كل حيوان يأكل ما قدر له من الرزق، فإنه يعاقب على أخذ ما لم يبح له، سواء كان محرم الجنس، أو كان مستعينا به على معصية الله، ولهذا كانت أموال الكفار غير مغصوبة بل مباحة للمؤمنين، وتسمى فيئا إذا عادت إلى المؤمنين؛ لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله لا من يعصيه بها، فالمؤمنون يأخذونها بحكم الاستحقاق والكفار يعتدون في إنفاقها، كما أنهم يعتدون في أعمالهم، فإذا عادت إلى المؤمنين فقد فاءت إليهم كما يفيء المال إلى مستحقه. وسئل: (٢) عن الخمر والحرام: هل هو رزق الله للجهال؟ أم يأكلون ما قدر لهم؟ فأجاب: ان لفظ (الرزق) يراد به ما أباحه الله تعالى للعبد وملكه إياه، ويراد به ما يتغذى به العبد. فالأول: كقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، فهذا الرزق هو الحلال والمملوك لا يدخل فيه الخمر والحرام.

стр. 13225

والثاني: كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ، والله تعالى يرزق البهائم، ولا توصف بأنها تملك، ولا أنه أباح الله ذلك لها إباحة شرعية، فإنه لا تكليف على البهائم - وكذلك الأطفال والمجانين - لكن ليس بمملوك لها وليس بمحرم عليها، وإنما المحرم (بعض) الذي يتغذى به العبد وهو من الرزق الذي علم الله أنه يتغذى به، وقدر ذلك (بخلاف) ما أباحه وملكه، كما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". والرزق الحرام مما قدره الله، وكتبته الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة الله وخلقه، وهو مع ذلك قد حرمه ونهى عنه، فلفاعله من غضبه وعقوبته ما هو أهله - والله أعلم -. من أين تؤتون؟

стр. 13226

قد المنهزمون من الروم أمام المسلمين على (هرقل) وهو بإنطاكية، فدعا رجالا من عظمائهم فقال لهم: ويحكم ما هؤلاء الذين تقاتلونهم من العرب؟ أليسوا مثلكم؟ قالوا بلى! قال: أفأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: ويلكم فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم؟ فقال شيخ منهم: أنا أخبرك أيها الملك من أين تؤتون، قال: أخبرني، قال: إنهم إذا حملنا عليهم صبروا وإذا حملوا علينا صدقوا، وإنا نحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر، قال: ويلكم فما بالكم تصفون وهم كما تزعمون؟ قال: ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال: من أين هو؟ قال: لأن القوم يصارعون بإيمان ويصاولون بروح لا تهزم، وإن من صميم عقيدتهم التمرن على الصبر؛ فهم يصومون بالنهار ويقومون بالليل، ثم إن جمعهم واحد ليس بينهم خلاف لأنهم يوفون بالعهد ويتناصحون بينهم لا يظلمون أحدا، أما نحن فإنا نشرب الخمر ونزني ونظلم ونغصب ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. من كتاب سيرة (سيد ولد آدم)

стр. 13227

رسائل لم تحملها البريد الشيخ عبد الرؤوف اللبدي بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية أختي العزيزة (هل) : هذه هي الرسالة التاسعة من رسائلي إليك، ضمنتها الصيغة الثامنة عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع، وصيغا أخرى سوف تقرئينها من بعد. أما الصيغة الثامنة عشرة فهي: (أو لم يكف) ، وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .الآيتان (٥٠-٥١) من سورة العنكبوت. ومعنى همزة الاستفهام في هذه الصيغة: (أو لم يكفهم) الإنكار والتوبيخ. ينكر الله على المشركين من قريش القائلين لولا أنزل على محمد آيات من ربه تكون حجة علينا كما جعلت الناقة لصالح والمائدة لعيسى، ينكر الله على هؤلاء المشركين ويوبخهم أن لم يكفهم آية أنه جل وعلا قد أنزل على رسوله ﷺ هذا الكتاب الخالد الصالح على مر الزمان وفي كل مكان، فلا يلحقه بلى ولا يدركه فناء، ولا يصيبه تبديل ولا تحريف، ثم هو يتلى عليهم في كل حين، فلو كانوا ينشدون الإيمان حقا ويتلمسون أسبابه مخلصين لوجدوا فيه - كما يجد المؤمنون به - رحمة ونعمة وموعظة وذكرى. وإعراب ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ واضح وسهل، فالفعل المضارع في (يكفهم) مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء من آخره، و (هم) في محل نصب مفعول به.

стр. 13228

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أن (بفتح الهمزة) من أخوات إن (بكسر الهمزة) ، وهي حرف توكيد تنصب المبتدأ على أنه اسمها وترفع الخبر على أنه خبرها، وهي أيضا حرف مصدري تؤول هي وما بعدها بمصدر، و (نا) ضمير مبني على السكون في محل نصب اسمها، وجملة (أنزلنا عليك الكتاب) في محل رفع خبرها، والمصدر المؤول من أن المصدرية وخبرها مضافا إلى اسمها في محل رفع فاعل الفعل المضارع (يكفهم) ، والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا عليك الكتاب. ﴿يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ (يتلى) فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره على الألف منع من ظهورها التعذر، وفي يتلى ضمير مستتر تقديره هو يعود على الكتاب وهو نائب الفاعل، و (عليهم) جار ومجرور يتعلقان بالفعل المضارع (يتلى) ، وجملة (يتلى عليهم) في محل نصب حال من الكتاب، وهي حال مقدرة أي تقع بعد إنزال الكتاب وليست مصاحبة له. وجملة ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب. الآية الثانية التي وردت فيها صيغة (أو لم يكف) هي قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الآية (٥٣) من سورة فصلت. هذا الاستفهام ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ للإنكار والتوبيخ:

стр. 13229

ينكر الله على المكذبين بالرسول ﷺ ويوبخهم على عدم اكتفائهم بشهادته جل وعلا على صدق رسوله ﷺ فيما أخبر به عن ربه، فهو جل وعلا شهيد على كل شيء من أفعال عباده، وقد شهد أن محمداً ﷺ صادق فيما أخبر به عن ربه ﵎، فكان ينبغي لهؤلاء المكذبين أن تكون هذه الشهادة كافية للدلالة على صدقه لو كانوا يعقلون. وإعراب ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ سهل واضح، فالفعل المضارع (يكف) مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء من آخره، و (بربك) الباء حرف جر زائد للتوكيد، و (رب) مجرور بالباء لفظا مرفوع تقديرا على أنه فاعل (يكف) ، و ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (أنّ) من أخوات إن حرف توكيد تنصب المبتدأ على أنه اسمها وترفع الخبر على أنه خبرها، وهي أيضا حرف مصدري تؤول هي وخبرها بمصدر، والهاء من (أنه) ضمير يعود على (ربك) مبني على الضم في محل نصب اسم أن، (على كل شيء) الجار والمجرور يتعلقان بـ (شهيد) وشيء مضاف إليه، و (شهيد) خبر أن مرفوع، والمصدر المؤول من أن وخبرها مضافا إلى اسمها وتقديره: شهادته على كل شيء، هذا المصدر المؤول تابع للفظ ربك على أنه بدل منه، فيكون له محلان، فهو في محل جر بالنظر إلى لفظ (رب) المجرور، وهو في محل رفع بالنظر إلى الرفع المقدر للفظ (رب) ، ونوع هذا البدل: بدل اشتمال، وقيل بدل كل من كل. أختي: (هل) : أريد الآن أن أحدثك عن صيغ الاستفهام التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة لفعل مضارع لم يأت في القرآن الكريم مجزوما بلم التالية لهمزة الاستفهام أكثر من مرة واحدة. هاأنا ذى أقدمها إليك مرتبة بحسب ورودها في القرآن الكريم:

стр. 13230

الاستفهام الأول: (ألو لم تؤمن) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الآية (٢٦٠) من سورة البقرة. الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ استفهام تقرير، وقد تقدم في الرسالة الأولى من هذه الرسائل أن استفهام التقرير يأتي على معنيين: على معنى الإخبار كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، أو على معنى طلب الاعتراف بما تضمنه السؤال نفيا أو إثباتا كما في قوله تعالى: لعيسى بن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . وأرى أن الاستفهام هنا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير بمعنى طلب الاعتراف، وجواب إبراهيم ﵇ بقوله: (بلى) أي قد آمنت اعتراف بما تضمنه السؤال على وجه الإثبات والإيجاب. قد تسألين وتقولين: الله يعلم أن إبراهيم ﵇ أثبت الناس إيمانا وأقواهم يقينا، ويعلم أيضا جواب إبراهيم من قبل أن يجيب إبراهيم، فما الفائدة إذن من هذا السؤال؟ الفائدة من هذا السؤال حمل إبراهيم على أن يجيب بما أجاب به فيكون ذلك إقرارا بأن سؤال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ليس ناشئا من نقص في إيمانه أو شك في قدرته تعالى على إحياء الموتى، وإنما ليعلم السامعون أن غرضه من السؤال أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وأن يطمئن قلبه عيانا كما اطمأن قلبه برهانا، أو بعبارة أخرى ليضم إلى علمه الناشئ من البرهان والاستدلال علما آخر ناشئا من الحس والمشاهدة.

стр. 13231

قد تقولين: فهمت من الآية أن إبراهيم قد آمن بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكنه سأل ربه كيفية الإحياء ليطمئن قلبه ويسكن، ترى ماذا كان في قلب إبراهيم قبل أن يطمئن ويسكن؟ لم يكن في قلبه شك ولا تردد كما يبدر إلى أذهان بعض الناس، ولكن كان في قلبه قلق واضطراب من جراء تطلعه الملحّ وتشوقه الشديد إلى مشاهدة كيفية الإحياء، فحين رآها اطمأن قلبه وسكن. وهذا شيء قد فطرت عليه النفس البشرية، فإنها إذا تطلعت إلى شيء تطلعا ملحّا ورغبت فيه رغبة شديدة لت في قلق واضطراب حتى تنال ما تصبو إليه، فإذا نالته اطمأنت وسكنت. أختي (هل) : أحب أن أخبرك أن أبا حيان الأندلسي قد رأى في تفسيره البحر المحيط (ج٢ ص٢٩٨) : أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير بمعنى الإخبار على حد ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وعلى هذا يكون معنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قد آمنت. ورأى أيضا أن (بلى) التي تقع جوابا للنفي لا جوابا للإثبات قد وقعت جوابا لهذا الاستفهام بالنظر إلى لفظه الدال على النفي لا بالنظر إلى معناه الدال على الإثبات. وقال أيضا: إن هذا جائز قد تقرر في النحو، ويؤيده أن في كلام العرب ما يلحظ فيه اللفظ دون المعنى. ورأي أن إجابة إبراهيم ﵇ بقوله: (بلى) قرينة على أن هذا الاستفهام لطلب الاعتراف وليس للإخبار. وقول أبي حيان إن (بلى) كانت جوابا للاستفهام باعتبار لفظه لا باعتبار معناه خلاف المتبادر وتكلف لا داعي إليه.

стр. 13232

الاستفهام الثاني: (ألم نستحوذ عليكم) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ الآية (١٤١) من سورة النساء. في هذه الآية الكريمة يقول المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمؤمنين الخير أو الشر، وينتظرون بهم ما يتجدد من ظفر لهم أو ظفر بهم، يقولون للمؤمنين - إن كان للمؤمنين فتح من الله أي نصر على الكافرين وتأييد وظفر وغنيمة -: ألم نكن معكم؛ يتوددون إليهم بهذا القول. فهذا الاستفهام: (ألم نكن معكم) يفيد التقرير والتودد على معنى كنا معكم مساندين مظاهرين، فنصركم الله على أعدائكم، وأفاء الله عليكم فيئا من المغانم، لقد أسدينا إليكم معروفا فأسهموا لنا في الغنيمة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!. وإن كان للكافرين نصيب من الغلبة على المؤمنين والإصابة منهم قال أولئك المنافقون أنفسهم لهؤلاء الكافرين متظاهرين لهم بالمحبة والود ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ، وهذا استفهام تقرير وتودد أيضا، أي غلبنا عليكم وكان في مكنتنا أن نقتل منكم ونأسر، ولكننا أبقينا عليكم ومنعناكم من المؤمنين بتخذيلنا إياهم وتثبيطنا لهم، فانصرفوا دون أن يقدروا على إيذائكم، فأسهموا لنا فيما غنمتم مقابل ما أسدينا إليكم من معروف وإحسان، فنحن نواليكم فلا نؤذيكم ولا نترك أحداً يؤذيكم.

стр. 13233

الاستفهام الثالث: (ألم أنهكما) في قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . الآيات (١٩-٢٢) من سورة الأعراف. هذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ معناه عتاب آدم وزوجه على ما صدر منهما والتنبيه على موضع ما غفلا عنه، فقد قال لهما: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فخالفا النهي واقتربا منها وذاقا، وقال يحذرهما من الشيطان ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ، فاغترا بقول الشيطان وقبلا ما عرض عليهما حين قاسمهما إني لكما لمن الناصحين.

стр. 13234

والفعل المضارع في ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف من آخره، وأصله قبل الحذف (أنهى) ، و (كما) ضمير المخاطب المثنى مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ولك أن تقول الكاف وحدها ضمير المخاطب والميم حرف عماد، أي اعتمدت عليها الألف في دلالتها على التثنية والألف حرف دال على التثنية، والحق أن هذه الأحرف الثلاثة بمجموعها تدل على المثنى المخاطب، وأن أي حرف منها لا يدل بمفرده عليه؛ ولذلك كان اعتبار الأحرف الثلاثة مجتمعة كلمة واحدة تدل على ضمير المثنى المخاطب أحق وأولى. ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ عن حرف جر، و (تِ) اسم إشارة للمفردة المؤنثة، وأصله (تي) ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وهما الياء من (تي) واللام الدالة على البعد، وتعرب (ت) اسم إشارة مبني على السكون على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل جر، واللام الواقعة بعد اسم الإشارة حرف يدل على بعد المشار إليه مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (كما) حرف خطاب للمثنى مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (الشجرة) نعت لاسم الإشارة مجرور، ويجوز أن تعرب عطف بيان. الاستفهام الرابع: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الآيتان (١٦٨-١٦٩) من سورة الأعراف.

стр. 13235

الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين تبين أن الله قد قطّع بني إسرائيل وفرقهم في بقاع الأرض، منهم الصالحون ومنهم الفاسقون الكافرون، وقد ابتلي هؤلاء الكافرين بالحسنات من صحة ورخاء، وبالسيئات من مرض وفقر وجدب، لعلهم يرجعون إلى الطاعة ويتوبون عن المعصية. والآية الثانية التي اشتملت على الاستفهام ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تبين أنه جاء بعد أولئك اليهود المتقدم ذكرهم في الآية الأولى جيل سوء من نسلهم ورثوا التوراة من أسلافهم فبقيت في أيدهم يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحريم والتحليل ولا يعملون بها، ويأخذون الرشا والمكاسب الخبيثة ويقولون سيغفر لنا الله، ولن يؤاخذنا بذلك، وكان ينبغي إذ ورثوا الكتاب أن يعملوا بما جاء فيه وألا يجزموا بالمغفرة وهو مصرون على ارتكاب المعصية، وقد جاء إصرارهم هذا من أنهم كانوا إذا أمكنتهم الرشا والمكاسب الخبيثة أخذوها غير مكترثين بالوعيد والعقاب الشديد على ارتكاب المعاصي. ويجيء الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ يجيء مفيدا التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي قد أخذ عليهم في الكتاب - أي في التوراة - ميثاق أن لا يقولوا على الله إلا الحق والصدق، وقد كذبوا مع ذلك عليه ، ومن تلك الأكاذيب دعواهم أن الله سيغفر لهم معاصيهم مع إصرارهم عليها، ومنها أنهم كانوا إذا جاءهم المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له به مدعين أنه كتاب الله. وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ أيضا: يوبخهم الله على افترائهم وأكاذيبهم تلك التي كانوا يزعمون أنها في كتاب الله، على حين يعلمون أنها ليست فيه، فقد قرءوه كرة بعد كرة، ووقفوا على ما فيه مرة بعد مرة.
следующие страницы →