← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

قد تقولين: فهمت من الآية أن إبراهيم قد آمن بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكنه سأل ربه كيفية الإحياء ليطمئن قلبه ويسكن، ترى ماذا كان في قلب إبراهيم قبل أن يطمئن ويسكن؟ لم يكن في قلبه شك ولا تردد كما يبدر إلى أذهان بعض الناس، ولكن كان في قلبه قلق واضطراب من جراء تطلعه الملحّ وتشوقه الشديد إلى مشاهدة كيفية الإحياء، فحين رآها اطمأن قلبه وسكن. وهذا شيء قد فطرت عليه النفس البشرية، فإنها إذا تطلعت إلى شيء تطلعا ملحّا ورغبت فيه رغبة شديدة لت في قلق واضطراب حتى تنال ما تصبو إليه، فإذا نالته اطمأنت وسكنت. أختي (هل) : أحب أن أخبرك أن أبا حيان الأندلسي قد رأى في تفسيره البحر المحيط (ج٢ ص٢٩٨) : أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير بمعنى الإخبار على حد ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وعلى هذا يكون معنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قد آمنت. ورأى أيضا أن (بلى) التي تقع جوابا للنفي لا جوابا للإثبات قد وقعت جوابا لهذا الاستفهام بالنظر إلى لفظه الدال على النفي لا بالنظر إلى معناه الدال على الإثبات. وقال أيضا: إن هذا جائز قد تقرر في النحو، ويؤيده أن في كلام العرب ما يلحظ فيه اللفظ دون المعنى. ورأي أن إجابة إبراهيم ﵇ بقوله: (بلى) قرينة على أن هذا الاستفهام لطلب الاعتراف وليس للإخبار. وقول أبي حيان إن (بلى) كانت جوابا للاستفهام باعتبار لفظه لا باعتبار معناه خلاف المتبادر وتكلف لا داعي إليه.

стр. 13232

الاستفهام الثاني: (ألم نستحوذ عليكم) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ الآية (١٤١) من سورة النساء. في هذه الآية الكريمة يقول المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمؤمنين الخير أو الشر، وينتظرون بهم ما يتجدد من ظفر لهم أو ظفر بهم، يقولون للمؤمنين - إن كان للمؤمنين فتح من الله أي نصر على الكافرين وتأييد وظفر وغنيمة -: ألم نكن معكم؛ يتوددون إليهم بهذا القول. فهذا الاستفهام: (ألم نكن معكم) يفيد التقرير والتودد على معنى كنا معكم مساندين مظاهرين، فنصركم الله على أعدائكم، وأفاء الله عليكم فيئا من المغانم، لقد أسدينا إليكم معروفا فأسهموا لنا في الغنيمة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!. وإن كان للكافرين نصيب من الغلبة على المؤمنين والإصابة منهم قال أولئك المنافقون أنفسهم لهؤلاء الكافرين متظاهرين لهم بالمحبة والود ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ، وهذا استفهام تقرير وتودد أيضا، أي غلبنا عليكم وكان في مكنتنا أن نقتل منكم ونأسر، ولكننا أبقينا عليكم ومنعناكم من المؤمنين بتخذيلنا إياهم وتثبيطنا لهم، فانصرفوا دون أن يقدروا على إيذائكم، فأسهموا لنا فيما غنمتم مقابل ما أسدينا إليكم من معروف وإحسان، فنحن نواليكم فلا نؤذيكم ولا نترك أحداً يؤذيكم.

стр. 13233

الاستفهام الثالث: (ألم أنهكما) في قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . الآيات (١٩-٢٢) من سورة الأعراف. هذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ معناه عتاب آدم وزوجه على ما صدر منهما والتنبيه على موضع ما غفلا عنه، فقد قال لهما: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فخالفا النهي واقتربا منها وذاقا، وقال يحذرهما من الشيطان ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ، فاغترا بقول الشيطان وقبلا ما عرض عليهما حين قاسمهما إني لكما لمن الناصحين.

стр. 13234

والفعل المضارع في ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف من آخره، وأصله قبل الحذف (أنهى) ، و (كما) ضمير المخاطب المثنى مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ولك أن تقول الكاف وحدها ضمير المخاطب والميم حرف عماد، أي اعتمدت عليها الألف في دلالتها على التثنية والألف حرف دال على التثنية، والحق أن هذه الأحرف الثلاثة بمجموعها تدل على المثنى المخاطب، وأن أي حرف منها لا يدل بمفرده عليه؛ ولذلك كان اعتبار الأحرف الثلاثة مجتمعة كلمة واحدة تدل على ضمير المثنى المخاطب أحق وأولى. ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ عن حرف جر، و (تِ) اسم إشارة للمفردة المؤنثة، وأصله (تي) ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وهما الياء من (تي) واللام الدالة على البعد، وتعرب (ت) اسم إشارة مبني على السكون على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل جر، واللام الواقعة بعد اسم الإشارة حرف يدل على بعد المشار إليه مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (كما) حرف خطاب للمثنى مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (الشجرة) نعت لاسم الإشارة مجرور، ويجوز أن تعرب عطف بيان. الاستفهام الرابع: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الآيتان (١٦٨-١٦٩) من سورة الأعراف.

стр. 13235

الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين تبين أن الله قد قطّع بني إسرائيل وفرقهم في بقاع الأرض، منهم الصالحون ومنهم الفاسقون الكافرون، وقد ابتلي هؤلاء الكافرين بالحسنات من صحة ورخاء، وبالسيئات من مرض وفقر وجدب، لعلهم يرجعون إلى الطاعة ويتوبون عن المعصية. والآية الثانية التي اشتملت على الاستفهام ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تبين أنه جاء بعد أولئك اليهود المتقدم ذكرهم في الآية الأولى جيل سوء من نسلهم ورثوا التوراة من أسلافهم فبقيت في أيدهم يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحريم والتحليل ولا يعملون بها، ويأخذون الرشا والمكاسب الخبيثة ويقولون سيغفر لنا الله، ولن يؤاخذنا بذلك، وكان ينبغي إذ ورثوا الكتاب أن يعملوا بما جاء فيه وألا يجزموا بالمغفرة وهو مصرون على ارتكاب المعصية، وقد جاء إصرارهم هذا من أنهم كانوا إذا أمكنتهم الرشا والمكاسب الخبيثة أخذوها غير مكترثين بالوعيد والعقاب الشديد على ارتكاب المعاصي. ويجيء الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ يجيء مفيدا التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي قد أخذ عليهم في الكتاب - أي في التوراة - ميثاق أن لا يقولوا على الله إلا الحق والصدق، وقد كذبوا مع ذلك عليه ، ومن تلك الأكاذيب دعواهم أن الله سيغفر لهم معاصيهم مع إصرارهم عليها، ومنها أنهم كانوا إذا جاءهم المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له به مدعين أنه كتاب الله. وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ أيضا: يوبخهم الله على افترائهم وأكاذيبهم تلك التي كانوا يزعمون أنها في كتاب الله، على حين يعلمون أنها ليست فيه، فقد قرءوه كرة بعد كرة، ووقفوا على ما فيه مرة بعد مرة.

стр. 13236

وأكتفي من إعراب هذه الصيغة ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ﴾ بما يلي: (ميثاق) نائب فاعل، و (الكتاب) مضاف إليه، و (أن) حرف مصدري ينصب الفعل المضارع و (لا) نافية، و (يقولوا) مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو ضمير الجماعة فاعل مبني على السكون في محل رفع، و (على الله) جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (إلا) أداة حصر حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (الحق) مفعول به ليقولوا، والمصدر المؤول من (أن) المصدرية والفعل الذي دخلت عليه في محل رفع عطف بيان لميثاق، وقيل بدل منه، وقيل المصدر المؤول في محل نصب مفعول من أجله على معنى لئلا يقولوا إلا الحق، وجملة ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب. الاستفهام الخامس: (أفلم ييأس الذين آمنوا) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ الآية ٣١ من الرعد.

стр. 13237

هذا الاستفهام: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ يفيد الإنكار: ينكر الله على الذين آمنوا بالله ورسوله وبأن الله جل وعلا لو يشاء لهدى الناس جميعا ينكر عليهم أن لم يقنطوا من إيمان كفار قريش المعاندين لله ورسوله، ذلك أنه لما سأل هؤلاء الكفار المعاندين نزول آيات غير القرآن ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَة﴾ اشتاق المؤمنون إلى هذه الآيات، وأحبوا نزولها طمعا في إيمان هؤلاء الذين علم الله أنهم لا يؤمنون ولو نزلت هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. الآية. أختي (هل) : ذهب كثير من المفسرين إلى أن (ييأس) في هذا الاستفهام بمعنى يعلم، وليس هناك - فيما يبدو لي - ما يدعو إلى إخراج هذه الكلمة عن بابها وهو القنوط، ولا إلى حملها على لغة بعض قبائل العرب وجعلها بمعنى يعلم، فاستعمالها بمعنى العلم قليل جدا، بل إن الكسائي والفراء قد أنكراه. أما إعراب هذه الصيغة ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ فأكتفي منه بإعراب ما يلي:

стр. 13238

﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (أنْ) مخففة من الثقيلة، وهي مصدرية تفيد التوكيد، تنصب المبتدأ على أنه اسمها وترفع الخبر على أنه خبرها، وهي حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، واسمها ضمير الشأن محذوف والتقدير أنه. و (لو) حرف يدل على انتفاء الجواب لانتفاء الشرط، والمعنى أنه تعالى لم يهد الناس جميعا لأنه لم يشأ ذلك، و (يشاء) فعل مضارع مرفوع ولفظ الجلالة (الله) فاعله، و (لهدى) اللام واقعة في جواب لو، و (هدى) فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر يعود على لفظ الجلالة (الله) ، و (الناس) مفعول به منصوب، و (جميعا) حال من الناس منصوب، وجملة ﴿لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ جواب لولا محل لها من الإعراب، والجملة المؤلفة من لو وشرطها وجوابها في محل رفع خبر أنْ المخففة من الثقيلة، والمصدر المؤول من أن المخففة وجواب لو في محل جر بالباء المقدرة، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (آمنوا) ، والتقدير: أفلم ييأس الذين آمنوا بهداية الله للناس جميعا لو يشاء، ويجوز أن يكون هذا المصدر المؤول في محل نصب على نزع الخافض، ومتعلق ييأس الذي هو مفعول به في المعنى محذوف لدلالة السياق عليه، والتقدير: أفلم ييأس الذين آمنوا بهداية الله للناس جميعا لو يشاء أفلم ييأسوا من إيمان هؤلاء الكافرين. الاستفهام السادس: (أو لم ننهك عن العالمين) في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات (٦٧-٧٠) من سورة الحجر. هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يفيد التقرير والإنكار.

стр. 13239

التقرير على معنى الإخبار أي قد نهيناك من قبل عن تضييف أحد من الناس، ويفيد الإنكار على معنى ما كان ينبغي لك بعد هذا أن تصيف هؤلاء وتقول لنا لا تفضحوني ولا تخزوني، وأنت الذي تعرض نفسك للفضيحة والخزي من جراء مخالفتك ما قد نهيناك عنه، وإعراب الصيغة واضح. الاستفهام السابع: (ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ الآيات (٧٣-٧٩) من سورة طه. لما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فعون إلى جانب الطور الأيمن حيث كان موعد أن يكلم الله جل وعلا موسى، رأى موسى أن يسارع وحده مبادرا إلى الطور، واستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، وطلب منهم أن يسيروا على أثره إلى جانب الطور.

стр. 13240

ولما انتهى موسى ﵇ من مناجاة ربه جل وعلا سأله عن سبب العجلة ومجيئه وحده دون أن يكون معه قومه، فأجاب موسى: هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى، فأخبره الله ﵎ بما كان من الفتنة من بعده في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا على ما صنعه قومه من بعده ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ . وهذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ يفيد التقرير والتوبيخ. التقرير على معنى الإخبار أي قد وعدكم الله ﵎ وعدا حسنا، أما التوبيخ فتوبيخ موسى لقومه على مخالفتهم ما يستوجبه هذا الوعد الحسن، وكانت هذه المخالفة بعبادتهم العجل وتصديق ما قاله السامري من أن هذا العجل هو إلههم وإله موسى على حين كان واجبا عليهم أن يقيموا على ما تركهم عليه موسى من الإيمان بالله تعالى وعبادته وحده لا شريك له. وإعراب ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ : (يعدكم) (يعد) فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون على آخره، وهذا الفعل يأخذ مفعولين والضمير (كم) هو المفعول الأول مبني على السكون في محل نصب، أما المفعول الثاني فمحذوف، وقد اختلف العلماء في تقديره، فمنهم من قدره (أن يعطيكم التوراة) ومنهم من قدره (الوصول إلى جانب الطور اليمن) ومنهم من قدره (أن يسمعكم كلامه) ومنهم من قدره (المغفرة عمن تاب وعمل صالحا) . (ربكم) (رب) فاعل مرفوع، و (كم) ضمير في محل جر بالإضافة، (وعدا حسنا) (وعدا) مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، و (حسنا) صفة لهذا المصدر، ويجوّز بعضهم أن يطلق الوعد ويراد به الموعود فيكون هو المفعول الثاني، وجملة ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ في محل نصب مفعول به لقال ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ .

стр. 13241

الاستفهام الثامن: (أفلم يدبروا) في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ الآية (٦٨) من سورة المؤمنون. وهذا الاستفهام ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ للإنكار والتوبيخ. ينكر الله على المشركين ويوبخهم أن لم يتفهموا القرآن العظيم، ولم يتفكروا فيما جاء به من العبر، فيعرفوا حجج الله التي احتج بها عليهم فيه، ويعلموا أنه المعجز الذي لا يمكن معارضته، فيصدقوا به وبمن جاء به. وإعراب هذه الصيغة ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ واضح، وأصل يدبروا (يتدبروا) أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال، وهذا الإبدال جائز، وقد جاءت التاء غير مبدلة في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن﴾ (٨٢ السناء) (٢٤ محمد) . الاستفهام التاسع: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) في قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ (الآيات١٦-٢٢) من الشعراء.

стр. 13242

حين أتى موسى وهارون ﵉ فرعون وقالا له إنا رسول رب العالمين عرف فرعون موسى لأنه نشأ في بيته و ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ، وهذا الاستفهام يفيد التقرير والامتنان والتحقير والتوبيخ والتعجب على معنى: قد ربيناك فينا وبي بيتنا على فراشنا مذهب كنت رضيعا حتى بلغت مبلغ الرجال، أنعمنا عليك هذه السنين الطويلة، ولكنك قابلت إحساننا إليك بتلك الفعلة التي فعلتها، فقتلت منا رجلا وكفرت بنعمتنا عليك، لقد حدث هذا كله، ثم هاأنت ذا تدعي أنك رسول رب العالمين، فيا عجبا أنى لك هذه الرسالة؟! ومتى كان ذلك؟!. ولقد أجاب موسى ﵇ عما تضمنه سؤال فرعون فقال: لقد قتلت ذلك الرجل وأنا من الجاهلين بأن تلك الوكزة ستقضى عليه، لقد كان قتلي إياه خطأ وليس بالعمد. وأما هذا العجب من أكون رسولا فإن الله ربي هو الذي وهب لي حكما وجعلني من المرسلين بعد أن خفتكم وفررت منكم أنشد النجاة والأمن. وأما تلك النعمة التي تمنها عليّ فما كانت بالنعمة، ولمن تكون ذات يوم، وكيف تراني أعدها نعمة وأعتدها إحسانا وأنا الذي كنت أرى وأنا أعيش في بيتك، أرى قومي بني إسرائيل يلاقون على يديك ضروب التعبيد والإذلال، لقد أهنت قومي، ومن أهين قومه فقد ذل. وأما تربية موسى في بيت فرعون - من حيث إنها حادثة واقعة لا من حيث إنها نعمة يمن بها - فقد سكت موسى عن ذكرها، وسكوته إقرار واعتراف بها. وإعراب هذه الصيغة: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ :

стр. 13243

(نربك) فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء من آخره، والكاف ضمير المخاطب مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، (وليدا) حال من ضمير المخاطب قبله وهو الكاف، وجملة ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ في محل نصب مفعول به لقال. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (من عمرك) الجار والمجرور يتعلقان بمحذوف حال مقدم من سنين أو هما في محل نصب على الحال، و (سنين) ظرف زمان متعلق بالفعل الماضي (لبث) ، وهو منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. وجملة ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ معطوفة على ﴿نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ فتكون داخلة في حيز الاستفهام والنفي المتقدمين، على معنى: ألم نربك فينا وليدا، أو ما لبثت فينا من عمرك سنين؟ ويجوّز بعضهم أن تكون معطوفة على ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ باعتبار معناها الخبري، أي: قد ربيناك فينا وليدا ولبثت فيها من عمرك سنين. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (فعلتك) (فعلة) مفعول مطلق منصوب، والكاف في محل جر بالإضافة، (التي) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لـ (فعلة) و (فعلت) فعل فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، الرابط الذي يربط الصلة بالموصول ضمير محذوف والتقدير: فعلتها، (وأنت من الكافرين) الواو حالية، (أنت) ضمير مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، (من الكافرين) جار ومجرور في محل رفع خبر، أو متعلقان بمحذوف هو الخبر. وجملة ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ في محل نصب حال، وصاحب الحال ضمير المخاطب (تَ) في فعلت الثانية، ورابطة جملة الحال بصاحبها الواو والضمير (أنت) معا. وجملة ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ معطوفة على ما عطفت عليه الجملة التي قبلها، وهي مثلها في محل نصب مفعول به لقال.

стр. 13244

الاستفهام العاشر: (أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ الآية (٤٨) من سورة القصص. هذا الاستفهام ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ يفيد التوبيخ والتقرير: أما التقرير فعلى معنى الإخبار أي لقد كفر هؤلاء اليهود الذين أمروا قريشا أن يسألوا محمدا ﷺ أن يؤتى مثل ما أوتي موسى؛ لقد كفروا هؤلاء اليهود بما أوتي موسى من قبل. أما التوبيخ والتقريع فعلى معنى أن الله يوبخ هؤلاء اليهود ويقرعهم على أن يعلِّموا قريشا حجة هي أن يطلبوا إلى محمد ﷺ أن يؤتى مثل ما أوتي موسى، مع أنهم لم يؤمنوا بهذه الحجة وكفروا به من قبل، وقالوا عن التوراة والقرآن: سحران تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر وإنا بكل واحد منهما كافرون. وإعراب هذه الصيغة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ سهل واضح. الاستفهام الحادي عشر: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا) في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (٥٧) من سورة القصص. هذا استفهام معناه التقرير والتكذيب: التقرير على معنى الإخبار، أي (قد وطأنا لهم بلدا حرّمنا على الناس سفك الدماء فيه، ومنعناهم من أن يتناولوا سكانه فيه بسوء، وأمنا على أهله أن يصيبهم به غارة أو قتل أو سباء، ورزقناهم فيه، وجعلنا الثمرات من كل أرض تجبى إليهم) .

стр. 13245

والتكذيب على معنى أن قولهم للرسول هو قول كاذب، وأن اعتذارهم عن اتباع الهدى هو اعتذار زائف غير قويم، قالوا للرسول ﷺ : "إننا نخشى إن اتبعنا الهدى معك أن يقصدنا العرب المشركون من حولنا بالأذى والحرب، وأن يتخطفونا من أرضنا". وهذا قول مردود وادعاء باطل، فالله قد جعل لكم الحرم آمنا وأنتم على الكفر والشرك، فكيف يجعله غير آمن إذا اتبعتم الهدى والإسلام؟!. ومن هذه الصيغة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ أكتفي بإعراب ما يلي: (رزقا) حال من ثمرات منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، (من لدنا) من حرف جر ظرف مكان مبني على السكون في محل جر، والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف صفة لـ (رزقا) ولدن مضاف و (أنا) مضاف إليه ضمير مبني على السكون في محل جر. وجملة ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ في محل نصب نعت ثان لـ (حرما) . وجملة ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب. الاستفهام الثاني عشر: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ الآيتان (٣٦-٣٧) من فاطر.

стр. 13246

هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ معناه التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي قد عمرناكم أيها الكافرون أعمارا تتمكنون فيها من التدبر واتابع الحق فالعمل الصالح لو أردتم ذلك ومنتم ممن تنفعه الذكرى، وما تركناكم لأنفسكم، بل جاء الأنبياء ينذرونكم لقاء يومكم هذا. والتوبيخ لهم على أن لم ينتفعوا في حياتهم الدنيا بما ينجيهم من هذه النار التي يصطرخون فيها من هول العذاب، وعلى أن ضيعوا هذه الفرصة المواتية للإيمان بالرسل وللعمل الصالح، وجاءوا الآن بعد أن ذاقوا العذاب في الآخرة يطلبون الرجعى إلى دار الدنيا كي يؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ويعملوا ما أمرهم به الأنبياء، ذلك رجع بعيد. أما إعراب هذه الصيغة: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فيكفيك منه ما يلي: (ما يتذكر فيه من تذكر) : (ما) نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب ظرف زمان متعلق بالفعل المضارع قبله وهو (نعمر) ، والتقدير: أو لم نعمركم وقتا يتذكر فيه من تذكر، (مَنْ) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل للفعل المضارع الذي قبله وهو يتذكر، و (تذكر) فعل ماضي وفاعله ضمير مستتر يعود على مَنْ، وهذا الضمير هو الرابط الذي يربط جملة الصلة بالموصول، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ في محل نصب نعت لـ (ما) ، وجملة ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب.

стр. 13247

الاستفهام الثالث عشر: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الآيات (٥٤-٦١) من سورة ياسين. بعد أن وصفت هذه الآيات الكريمة في يوم القيامة وما يجازى به المؤمنون من جنة ونعيم، وصفت حال الكافرين بأنهم يخاطبون بـ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي تميزوا من المؤمنين وانفردوا أيها الكافرون بالله، فإنكم واردون غير موردهم وداخلون غير مدخلهم، ثم يقول الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ، وهذا استفهام معناه التقرير والتوبيخ والتقريع: التقرير على معنى الإخبار أي قد أوصيتكم وأمرتكم في الدنيا ألا تطيعوا الشيطان فإنه لكم عدو مبين، وقد عهدت إليكم أيضا وأوصيتكم أن تعبدوني وحدي لا تشركون بي شيئاً، تفعلون ما آمركم به وتنتهون عما أنهاكم عنه، وهذا هو الدين الصحيح والصراط المستقيم.

стр. 13248

ويفيد هذا الاستفهام التوبيخ والتقريع أيضا: توبيخ هؤلاء الكافرين وتقريعهم على مخالفتهم لما عهده الله جل وعلا إليهم، فقد أطاعوا الشيطان فأضلهم، وأشركوا به وعصوه فكانوا مجرمين. ولن أطيل عليكم في إعراب هذه الصيغة ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ، سوف أكتفي بإعراب ما يلي: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (أن) حرف مصدري ناصب للفعل المضارع الذي بعده (لا) حرف نفي، (تعبدوا) فعل مضارع منصوب بأن المصدرية وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعل ضمير مبني على السكون في محل رفع، (الشيطان) مفعول به منصوب. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ الواو حرف عطف (أن) حرف مصدري، (اعبدوني) مؤلفة من فعل أمر مبني على حذف النون لا محل له من الإعراب، وواو الجماعة ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل، والنون نون الوقاية حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، والياء ياء المتكلم ضمير مبني على السكون في محل نصب مفعول به. و (أن) المصدرية وما دخلت عليه في كل من الموضعين المتقدمين في تأويل مصدر، وهذا المصدر في محل نصب على نزع الخافض، وتقدير هذين المصدرين: عدم عبادتكم للشيطان (بنصب عدم) وعبادتكم إياي (بنصب عبادتكم) . وجملة ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب.

стр. 13249

الاستفهام الرابع عشر: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الآية (١٦) من سورة الحديد. هذا الاستفهام معناه الاستبطاء والعتاب والتحذير: استبطأ الله من المؤمنين أن تخشع قلوبهم وتخضع وترق وتلين لذكر الله، وأن تسمع وتطيع وتنقاد لما ينزل من آيات كتاب الله، استبطأ ذلك منهم وعاتبهم عليه وحذرهم من أن يكونوا مثل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل أن يرسل محمد ﷺ إلى العالمين، فطال عليهم الزمن بعد أنبيائهم، فقست قلوبهم وسكنت إلى المعاصي، وكان كثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب خارجين عن دينهم، رافضين لما جاء في كتابهم. وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ : (يأن) فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء من آخره، وأصله قبل الجزم (يأني) (للذين آمنوا) اللام حرف جر، و (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل المضارع (يأن) ، (آمنوا) فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة لا محل له من الإعراب، وواو الجماعة ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة من الفعل والفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والرابط الذي ربط جملة الصلة بالموصول هو واو الجماعة.

стр. 13250

﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (أن) حرف مصدري ناصب للفعل المضارع الذي بعده، (تخشع) فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على آخره، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل المضارع (يأن) والتقدير: ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم، (قلوبهم) قلوب فاعل، وهم ضمير مبني على السكون في محل جر (لذكر الله) جار ومجرور ومضاف إليه، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (تخشع) ، (وما نزل من الحق) الواو عاطفة و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ذكر، (ونزل) فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على اسم الموصول (ما) ، (من الحق) من حرف جر وهي بيانية، والحق مجرور بمن، والجار والمجرور في محل نصب حال من (ما) وجملة (نزل من الحق) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والرابط الضمير المستتر في نزل.

стр. 13251

﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ الواو عاطفة، و (لا) نافية، (يكونوا) فعل مضارع معطوف على الفعل المضارع (تخشع) المنصوب بأن والمعطوف على المنصوب منصوب وعلامة نصبه حذف النون، والواو ضمير جمع اسم يكون مبني على السكون في محل رفع، (كالذين) الكاف يجوز على رأي بعض النحاة أن تكون اسما بمعنى مثل، فهي مبنية على الفتح في محل نصب خبر يكون، والكاف مضاف والذين اسم موصول مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، وأما على رأي جمهور النحاة فالكاف على أصلها حرف جر والذين اسم موصول مجرور بالكاف مبني على الفتح في حل جر، والجار والمجرور في محل نصب خبر يكون، (أوتوا الكتاب) أوتوا أصلها أوتيوا (بياء مضمومة قبل واو الجماعة) ، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذف الضمة للثقل فسكنت الياء فالتقى ساكنان: الياء وواو الجماعة، فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، ثم ضمت التاء المسكورة لمناسبة واو الجماعة فصارت الكلمة أوتُوا، فهي فعل ماض مبني على الضم المقدر على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين لا محل له من الإعراب، والواو ضمير الجماعة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل، ونائب الفاعل هذا كان في الأصل هو المفعول الأول فلما بني الفعل الماضي للمجهول صار نائبا عن الفاعل، و (الكتاب) مفعول به ثان منصوب، (من قبل) من حرف جر، وقبل ظرف زمان مبني على الضم في محل جر، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (أوتوا) ، ويكون تقدير الكلام مع تأويل المصادر: ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق عدمُ كونهم كالذين أوتوا الكتاب من قبل. الاستفهام الخامس عشر: (ألم نهلك الأولين) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ الآيات: (١٦-١٩) من سورة المرسلات.

стр. 13252

هذا الاستفهام ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ﴾ معناه التقرير والتخويف والوعيد: التقرير على معنى الإخبار أي قد أهلكنا الأولين الذين كانوا يكذبون بالرسل قبلكم إهلاك عذاب ونكال. والتخويف والوعيد لكفار قريش بأن الله جل وعلا سوف يهلككم بتكذيبكم لرسول الله ﷺ كما أهلك المكذبين بالرسل قبلكم، سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والويل لمن يكذب بهذا الإهلاك ويجحد قدرة على ما يشاء. وإعراب هذه الصيغة سهل واضح. الاستفهام السادس عشر: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ الآيات (٢٠-٢٢) من سورة المرسلات. هذا الاستفهام يفيد التقرير والتحقير والتخويف: التقرير على معنى الإخبار، أي قد خلقناكم من ماء مهين. والتحقير على معنى علام هذا التكبر والعناد والإعراض وقد خلقناكم من ماء ضعيف حقير؟! والتخويف على معنى خلقناكم أول مرة ونحن قادرون على أن نعيد خلقكم مرة أخرى يوم القيامة، وويل يومئذ للمكذبين بهذه القدرة وللمنكرين هذه الإعادة. وإعراب هذه الصيغة سهل واضح. الاستفهام السابع عشر: (ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى) في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ الآيات (١-٨) من سورة الضحى.

стр. 13253

بعد أن وعد الله جل وعلا رسوله محمداً ﷺ هذا الوعد الشامل الجليل ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ، وهذا الاستفهام يفيد التقرير والتذكير والامتنان. يفيد التقرير على معنى الإخبار، أي قد وجدك يتيما قد مات أبوك وأنت حمل، ثم ماتت أمك وأنت طفل صغير؛ فجعل لك مأوى تأوي إليه عند جدك عبد المطلب، ثم عند عمك أبي طالب، ووجدك ضالا ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ فهداك الله تعالى إلى ما أنت عليه، ووجدك فقيرا ذا عيال فأغناك الله تعالى عمن سواه. ويفيد التذكير تذكير رسوله ﷺ بهذه النعم الثلاث التي أنعمها الله جل وعلا عليه في حال نشأته، وكانت النعمة الأولى ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ وكانت الثانية ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ، وكانت الثالثة: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ . ويفيد الامتنان الامتنان على رسول الله ﷺ بهذه النعم الثلاث المتقدمة، ولكنه امتنان التكريم والتعظيم وليس امتنان التحقير والإزراء كامتنان فرعون على موسى ﵇، ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ . وإعراب هذه الصيغة سهل واضح، و (يجد) و (وجد) في هذه الصيغة بمعنى يعلم وعلم، فالفعل متعد إلى مفعولين: الكاف الضمير هو المفعول الأول، والاسم الظاهر بعده هو الاسم الثاني. الاستفهام الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيات: (١-٤) من سورة الشرح. هذا الاستفهام كالاستفهام الذي تقدم في سورة الضحى يفيد التقرير والتذكير والامتنان:

стр. 13254

التقرير على معنى الإخبار، أي قد شرحنا لك صدرك للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق، وليّنا لك قلبك وجعلناه وعاء للحكمة، وغفرنا لك ما تقدم من ذنبك الذي أثقل ظهرك وجهدك، ورفعنا لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وذلك قول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) . أما التذكير فتذكير رسول الله ﷺ بنعم ثلاث أنعمها الله ﵎ عليه: الأولى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ والثانية: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ والثالثة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . أما الامتنان فامتنان الله جل وعلا على رسوله محمد ﷺ بهذه النعم الثلاث، وهو امتنان تكريم وتعظيم، وليس امتنان تحقير وتذميم. وإعراب هذه الصيغة سهل واضح. أختي العزيزة (هل) : مع انتهاء هذه الرسالة تنتهي الكتابة عن همزة الاستفهام الداخلة على (لم) النافية الجازمة للفعل المضارع. سوف أكتب إليك في الرسالة القادمة - إن شاء الله تعالى - عن همزة الاستفهام الداخلة على (لا) النافية لهذا الفعل. أسأل الله - جل وعلا - أن يهب لي القدرة على أن أكتب، وأن يهب لي السداد فيما أقول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أختك همزة الاستفهام مراجع هذه الرسالة: ١- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة - الرياض: ١- (ج٧ ص٤٣) ٢- (ج٧ ص٢٩٨) ٤- (ج٤ ص٢٨٠) ٥- (ج٤ ص٤١٦) -٦ (ج٥ ص٣٩١) ٧- (ج٥ ص٤٩٢) ٨- (ج٦ ص٢٦٨) ٩- (ج٦ ص٤١٣) ١٠- (ج٧ ص١٢٣) ١٢- (ج٧ ص١٢٦) ١٣- (ج٧ ص٣١٦) ١٤- (ج٧ ص٣٤٣) ١٥- (ج٨ ص٢٢٢) ١٦- (ج٨ ص٤٠٥) ١٧- (ج٨ ص٤٨٦) ١٨- (ج٤٨٧ ص) اهـ ٢- تفسير أبي السعود - الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد - القاهرة:

стр. 13255

١- (ج٧ ص٤٣) ٢- (ج٨ ص١٩) ٣- (ج١ ص٢٥٦) ٤- (ج٣ ص٢٢١) ٥- (ج٣ ص٢٨٨) ٦- (ج٥ ص٢٢) ٧- (ج٥ ص٨٥) ٨- (ج٦ ص٣٥) ٩- (ج٦ ص١٤٣) ١٠- (ج٦ ص٢٣٨) ١١- (ج٧ ص١٧) ١٢- (ج٧ ص١٩) ١٣- (ج٧ ص١٥٤) ١٤- (ج٧ ص١٥٧) ١٥- (ج٨ ص٢٠٨) ١٦- (ج٩ ص١٧٠) ١٧- (ج٩ ص١٧٢) اهـ ٣- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين، الناشر: الحلبي بمصر: ١- (ج٣ ص٣٨٠) ٢- (ج٤ ص٥٠) ٣- (ج١ ص٣٥٨) ٤- (ج٢ ص٢٠٦) ٥- (ج٢ ص٥٠٦) ٦- (ج٢ ص٥٥١) ٧- (ج٣ ص١٩٧) ٨- (ج٣ ص٢٧٤) ٩- (ج٣ ص٣٥٤) ١٠- (ج٣ ص٤٩٧) ١١- (ج٣ ص٥٢١) ١٢- (ج٤ ص٢٩١) ١٣- (ج٤ ص٤٦٦) ١٤- (ج٤ ص٥٥١) ١٥- (ج٤ ص٥٥٤) اهـ ٤- تفسير الطبري، الناشر: الحلبي بمصر، الطبعة الثالثة: ١- (ج٢١ ص٦) ٢- (ج٢٥ ص٥) ٣- (ج٣ ص٥٠) ٤- (ج٩ ص١٠٧) ٥- (ج١٣ ص١٥١) ٦- (ج١٤ ص٤٣) ٧- (ج١٦ ص١٩٦) ٨- (ج١٨ ص٤١) ٩- (ج١٩ ص٦٥) ١٠- (ج٣ ص٤٣) ١١- (ج٢٠ ص٩٣) ١٢- (ج٢٢ ص١٤٠) ١٣- (ج٢٣ ص١٧) ١٤- (ج٢٧ ص٢٧٧) ١٥- (ج٣٠ ص٢٣٢) اهـ ٥- تفسير ابن كثير: الناشر: الحلبي بمصر: ١- (ج٤ ص١٠٥) ٢- (ج١ ص٣١٥) ٣- (ج٢ ص٢٦٠) ٤- (ج٢ ص٥٥٥) ٥- (ج٣ ص١٦٢) ٦- (ج٣ ص٣٤٩) ٧- (ج٣ ص٣٣٢) ٨- (ج٣ ص٣٩٥) ٩- (ج٣ ص٥٥٨) ١٠- (ج٣ ص٥٧٦) ١١- (ج٤ ص٣١٠) ١٢- (ج٤ ص٤٦٠) ١٣- (ج٤ ص٥٢٣) ١٤- (ج٤ ص٥٣٤) اهـ ٦- الكشاف للزمخشري - الناشر الحلبي بمصر: ١- (ج٣ ص٢٠٩) ٢- (ج٢ ص٧٣) ٣- (ج٢ ص١٢٨) ٤- (ج٢ ص٣٦٠) ٥- (ج٢ ص٣٩٥) ٦- (ج٣ ص١٠٨) ٧- (ج٤ ص٦٤) ٨- (ج٤ ص٢٠٣) ٩- (ج٤ ص٢٦٤) ١٠- (ج٤ ص٢٦٦) اهـ ٧- تفسير القرطبي الطبعة الثالثة المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة: ١- (ج١٥ ص٣٧٥) ٢- (ج٣ ص٣٠٠) ٣- (ج٩ ص٣١٩) ٤- (ج١٣ ص٠٣) ٥- (ج١٩ ص١٥٩) ٦- (ج٢٠ ص٩٦) ٧- (ج٢٠ ص١٠٤) اهـ ٨- تفسير الفخر الرازي - الناشر: دار الكتب العلمية بطهران - الطبعة الثانية: ١- (ج٧ ص٤٠) ٢- (ج١٩ ص٥٣) ٣- (ج٢٤ ص١٢٤) ٤- (ج٢٩ ص٢٢٦) ٥- (ج٣٠ ص٢٧٢) ٦- (ج٣١ ص٢١٣) اهـ

стр. 13256

مفهوم الأسماء والصفات خرافة يجب تكذيبها مفهوم الأسماء والصفات فضيلة الشيخ / سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية يقول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَأن اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . تشمل الآيات الكريمات على ستة عشر اسما من أسماء الله الحسنى، هي: الله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - القدوس - السلام - المؤمن - المهيمن - العزيز - الجبار - المتكبر - الخالق - البارئ - المصور - الحكيم. وقد أسلفت الكتابة في حلقات سابقة بما يسر الله لي ون بعض أسمائه: الله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - العزيز - البارئ - الحكيم.. وأحاول بحول الله وقوته - أن اكتب في هذه الحلقة شيئاً مما ييسر الله تعالى لي فهمه من معأني باقي الأسماء في الآيات الشريفات المذكورات. وقبل أن ادخل في هذا البحث أود أن أشير إلى أول كلمة في هذه الآيات وهي قوله تعالى: (هو) ذلك أن بعض الذين شرحوا أسماء الله الحسنى، ذكروا أن هذه الكلمة أنما هي اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا مسلك عجبت له كثيرا، لهذا أردت أن أبين خطأ هذا الفهم لقيامه على غير دليل. (هو) ليس اسماً من أسماء الله الحسنى: من الذين قالوا أن (هو) اسم من أسماء الله الحسنى أبو القاسم عبد الكريم القشيري [١] في كتابه

стр. 13257

(شرح أسماء الله الحسنى) [٢] . وكأن نص ما قاله ما يأتي: أعلم أن (هو) اسم موضوع للإشارة، وهو عند الصوفية إخبار عند نهاية التحقيق، وهو يحتاج عند أهل الظاهر [٣] إلى صلة تعينه ليكون الكلام مفيداً، لأنك إذا قلت: هو ثم سكتَّ, فلا يكون الكلام مفيداً حتى تقول: هو قائم أو قاعد، أو هو حي أو هو ميت وما أشبه ذلك. فأما عند القوم [٤] فإذا قلت هو، فلا يسبق إلى قلوبهم غي ذكر الحق فيكتفون عن كل بيأن يتلونه لاستهلاكهم في حقائق القرب باستيلاء ذكر الله على أسرارهم وأنمحائهم عن شواهدهم فضلاً عن إحساسهم بمن سواه [٥] ، وكأن الإمام أبو بكر بن فروك ﵁ يقول: هو حرفأن هاء وواو فالهاء تخرج من آخر الحلق وهو آخر المخارج والواو تخرج من الشفة وهو اول المخارج، فكأنه يشير إلى ابتداء كل حادث منه وأنتهاء كل حادث إليه وليس له ابتداء ولا أنتهاء، وهو معنى قوله سبحأنه (هو الأول والآخر) ،فقوله: (هو الأول) : إخبار عن قدمه، وقوله (الآخر) إخبار عن استحالة عدمه ". [٦] ثم قال القشيري: " وقد حكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعض الوالهين، فقلت ما اسمك؟ فقال: هو، قلت من أنت؟ فقال: هو، قلت: من أين جئت؟ فقال: هو، قلت: من تعني بقولك: هو؟ فقال: هو، فما سألته عن شيء إلا قال: هو. فقلت: لعلك تريد الله، قال: فصاح وخرجت روحه [٧] " ثم قال القشيري: " وقال أهل الإشارة [٨] : أن الله تعالى كاشف الأسرار بقوله: هو، وكاشف القلوب بما عداه من الأسماء، وقيل كاشف المحبين بقوله: هو، وكاشف المُتَيَّمينَ بقوله: الله، وكاشف العلماء بقوله: أحد، وكاشف العقلاء بقوله: الصمد، وكاشف العوام بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، وقيل: كاشف الخواص بإلهيته، وكاشف خاصة الخاصة بهويته ... الخ " [٩] . هذا ما قاله القشيري في معنى (هو) [١٠] .

стр. 13258

وأعجب مما كتبه القشيري، ما كتبه محقق وشارح كتابه في هامشه، إذ قال: " هو: اسم من أسماء الله، له هيبة وجلال عند أرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهدة [١١] . ومخرجه من باطن القلب، وله حرارة تزكي الجسد والروح، ومعناه حاضر لا يغيب، لا يشتمل عليه زمأن، ولا يحويه مكأن، منزه عن مشابهة الحوادث، قريب من عبده في أي زمأن ومكأن، الإله هو ولا إله إلا هو، إلى أن قال: هو مصدر الجلال والجمال لأهل النور الذاتي والمعنوي [١٢]- ثم قال: هو هو، ولا مشهود غيره [١٣] . ثم قال: وهو الضمير الدال على اسم الله، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام " [١٤] . وهكذا يبين لنا مما كتب أولئك الصوفية، أنهم يزعمون أن ضمير الغائب (هو) هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولذلك ينادونه سبحأنه بقولهم: (يا هو) كقول قائلهم: (فيا هو قل أنتَ أنا ويا أنا قل أنت هو) كما تجد أولئك القوم يذكرون الله تعالى في أذكارهم وحضراتهم بهذا الضمير على أنه أحد أسمائه الحسنى سبحأنه، فنسمعهم يقولون: (هُو -هُو -هُو -هُو) ويرددون هذه الكلمة مئات المرات زاعمين أنهم يذكرون الله باسم من أسمائه الحسنى. وقد كذبوا على الله تعالى، وسمَّوه بما لم يسمِّ به نفسه، وشرعوا له ما لم يشرعه سبحأنه، وقالوا عليه بغير علم، والله تعالى حرم ذلك فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف آية ٣٣) .

стр. 13259

وأهل السنة يؤمنون بأسماء الله الحسنى التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة، فهي توقيفية يُوقَفُ عند ما نص عليه، وقد خلصت له الأسماء السنية، فكأنت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كأن منها خليا، ولا اسماً كأن منه بريّاً، ﵎ [١٥] . ومن ثم فليس لأحد - كائناً من كأن - أن يسمى الله تعالى بما لم يسمَّ به نفسه، أو يشرع غير ما شرع الله. بعد أن أنتهت من هذا المبحث، أدخل الأن في إتمام عرض ما ييسر الله تعال لي من معأني باقي الأسماء في الآية التي صدرت بها هذه الحلقة، وذلك فيما يلي: القُدُّس: هو اسم من أسماء الله . وهو بضم القاف (قُدُّس) على وزن (فُعُّل) وهو صيغة مبالغة من (القُدْس) وهو الطهارة. ولكن سيبويه كأن يرى أنه بالفتح (قَدُّس) على وزن (فَعُّل) لأنه ليس عنده في الكلام (فُعُّل) أصلاً. وقال ثعلب: كل اسم على (فُعُّل) فهو مفتوح الأول مثل سَفُّد وكَلُّب وسمُّ وشَبُّط وتَنُّور إلا السُّبُّح والقُدُّوس فغن الضم فيهما أكثر، وقد يُفتحأن [١٦] . واسم (القُدُّس) سبحأنه متضمن لكمال طهارته من جميع صفات النقص والعيب. · وقد ورد اسم (القُدُّس) جل وعلا في القرأن الكريم مرتين فقط [١٧] : مرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية٢٣) ،ومرة في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة آية ١) . وقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى (القُدُّس) قوله: قال وهب بن منبه: الطاهر، وقال مجاهد وقتادة: المبارك، وقال ابن جريج: تُقَدِّسه الملائكة الكرام. [١٨] وقال صاحب جامع البي ان في معنى (القُدُّوس) : الطاهر البليغ في النزاهة عن كل نقصأن [١٩] .

стр. 13260

وقال الإمام الشوكأني في معنى (القُدُّوس) : الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص. والقُدُّوس بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأوأني التي يُستخرج بها الماء، وقرأ الجمهور (القُدُّوس) بضم القاف، وقرأ، وقرأ أبو ذر وأبو السماك بفتحها، وكأن سيبويه يقول (سَبُّح قَدُّوس) بفتح أولهما. [٢٠] وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى (القُدُّوس) : المقدس من كل عيب ونقص المعظم الممجد، لأن (القُدُّوس) يدل على التنزيه من كل نقص والتعظيم لله في أوصافه وجلاله [٢١] . · أقول: واسم (القُدُّوس) أفهم منه أنه من أسماء الله الحسنى الذي يدل على ابلغ الطهارة المطلقة من كافة صفات النقص لله ، إذ قد تنزه سبحأنه عن جميع النقائص ونفاها عن نفسه، فوجب على المؤمن أن ينزه خالقه جل وعلا عن كل عيب ونقص، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بأن يثبت لله تعالى ما أثبته له رسول الله ﷺ من الأسماء الحسنى وصفات الكمال العليا، دون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وأن ينفي عن الله جل وعلا عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص، كما أثبت السلف الصالح رضوأن الله عليهم ونفوا إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، أنطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى آية ١١) السُّبُوح: وهو اسم من أسماء الله على صيغة (فُعُّول) وهو صيغة مبالغة - ولم يرد ذكر هذا الاسم في القرأن الكريم، وأنما ورد في السنة المشرفة: فقد روى الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير أن عائشة ﵂ نبأته أن رسول الله ﷺ ك ان يقول في ركوعه وسجوده " سُّبُوح قُدُّوس ربُّ الملائكةِ والرُّوح ".

стр. 13261

وقد ذكر الإمام النووي أن قوله (سُّبُوح قُدُّوسٌ) بضم السين والقاف وبفتحهما والضم أفصح وأكثر، وأن المراد بالسُّبُوح القُدُّوس: المُسبُّح القُدُّس فكأنه قال: مُسَبَّح مُقَدَّسٌ رب الملائكة والروح، ومعنى سُّبُوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق، قُدُّوس: المُطهر من كل ما لا يليق بالخالق. وقال القاضي عياض أنه قيل فيه: " سُّبُوحاً قُدُّوساً على تقدير أُسِبِّح سُبُّحاً، أو أذكر، أو أعظم، أو أعبد. وأن قوله: ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ قيل: الروح ملك عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇ وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة والله سبحأن وتعالى أعلم " [٢٢] . · أقول واسم (السبوح) أفهم منه أن الله هو المستحق وحده أن ينزه عن جميع النقائص والعيوب، إذ أنه ﵎ وحده صاحب صفات الكمال، ونعوت الجلال المطلقة التي لا حدود لها. وعلى المؤمن أن يؤمن بذلك إيمأناً كاملاً ولو أن المؤمن آمن بأن الله سبح انه هو (السُّبُوح القُدُّوسٌ) واستقر ذلك الإيم ان خالصاً في قلبه، وبدا أثره على لس انه وجوارحه، لما فتر عن تسبيح خالقه وتنزيهه تنزيهاً كاملاً عن النقائص جميعاً، ولحرص على تطهير قلبه من الأرجاس والشركيات والدنايا، والتزم توحيد الله ، ولما صدر عن قلبه إلا العمل الخالص الطاهر، لن الأناء لا ينضح إلا بما فيه، ومن ثم يقبل الله عمله، ويدخله في رحمته ورضو انه. السَّلاَم: هو اسم من أسماء الله تعالى، وهو وصدر كالسلامة من سَلمَ أي بريء من العيوب ٠ · وقد ورد اسم (السَّلاَم) في القرأن الكريم مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية ٢٣) . وقد ذكر أبو إسحاق الزجاج في معنى (السَّلاَم) : أنه هو الذي سلم من عذابه من لا يستحقه [٢٣] .

стр. 13262

وذكر الإمام ابن كثير في معنى (السَّلاَم) : أي من جميع العيوب والنقائص لكمالها في ذاته وصفاته وأفعاله [٢٤] . وذكر صاحب جامع البيأن في معنى (السَّلاَم) : أي ذو السلامة من كل نقص [٢٥] . وذكر الإمام الشوكأني في معنى (السَّلاَم) : أي الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل المسِّلم على عباده في الجنة كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال: المسلم لعباده. وهو مصدر وصف به للمبالغة [٢٦] .

стр. 13263

أقول واسم (السَّلاَم) سبحأنه أفهم منه أنه جل وعلا سالم من جميع صفات النقص، ومتصف بجميع صفات الكمال - وقد سلَّم (السلام) أولياءه من المرسلين وغيرهم من العيوب، فسلَّ المرسلين منها في قوله (وسلام على المرسلين) أي أنه سبحأنه سلَّم رسله في أقوالهم: فلا يقولون على الله إلا الحق، ولا يُبَلِّغون أممهم إلا بالحق، وسلَّمهم كذلك في أعمالهم: فلا يشكرون بالله شيئاً. وكذلك يسلِّم (السَّلاَم) أولياءه غير المرسلين، فقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ﴾ . (النمل آية ٥٩) ، فتسلم أقوالهم وأعمالهم من كل عيب وشرك، ولهذا وصف الرسول الله ﷺ المسلم بما يعني ذلك: فقد أخرج الإمام مسلم بسنده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أي المسلمين خير؟ قال: " مَنْ سلم المسلمون من لسأنه ويده " [٢٧] , وسلامة اللسأن واليد آية على طهارة القلب، إذ أن القلب هو المحرم، وبصلاحه يصلح الجسد كله - كما أن (السَّلاَم) سبحأنه يهدي عباده المؤمنين سبل السلام، فقال تعالى: ﴿جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ (المائدة آية ١٦) ، ويجعل تحيتهم يوم لقائه، فقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (الأحزاب آية ٤٤) . ويدخلهم الجنة التي سماها دار السلام، فقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام آية ١٢٧) ، ويجعل دخولهم فيها بسَلاَم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر آية ٤٦) ، ويجعل تحيتهم فيها السَّلاَم، فقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ (يونس آية ١٠) ، وطَيَّب لهم الإقامة فيها فلا يسمعون

стр. 13264

فيها إلا السَّلام، فقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ (الواقعة آية ٢٦) . ولا يبلغ أحد الجنة إلا إذا أسلم وجهه لله وحده، وأسلم قلبه لله دون غيره، واستمر على ذلك حتىيلقاه سبحأنه، ونجد معنى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمأن أية ٢٢) ، وقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء آية ٨٩) ، وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج آية ٣٤) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمرأن آية ١٠٢) . وتحقيقاً لهذه السلامة - فوق ما تضمنته هذه الآيات الكريمات وغيرها - فقد جعلها الرسول الله ﷺ من ذكره - المتضمن لطلبها من ربه سبحأنه - دبر كل صلاة - فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن ثوب ان قال: كأن رسول الله ﷺ إذا أنصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: " اللهمَّ أنت السَّلاَم ومنك السَّلاَم تباركتَ ذا الجلال والإكرام " وفي رواية: (ياذا الجلال والإكرام) . اسأل الله جل وعلا أن يخلص أعمالنا لوجهه، وأن يسلم قلوبنا إليه، وأن يُثَبِّتها على دينه، وأن يختم لنا بعقيدة التوحيد ختام الإيم ان. (يتبع) خرافة يجب تكذيبها لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13265

اطلعت على ما نشرته جريدة عكاظ في عددها (رقم: ٥٩٧٧) الصادر في يوم الاثنين الموافق ٢٤/١٢/١٤٠٢ هـ- ص (٢٠) نقلا من صحيفة السياسة الكويتية عن الرجل المدعو محمد المصري الذي يزعم أنه أغ مي عليه يوم الأربعاء وظن أنه ميت ودفن يوم الأربعاء وأخرج من قبره يوم الجمعة وما أرى من العجائب والغرائب.. الخ.. ونظرا إلى كون هذه الحكاية قد تروج على بعض الناس صحتها رأيت التنبيه على بطل انها وأنها خرافة لا تروج على عاقل بل هي كذب بحت زورها من سمى نفسه محمد المصري أو غيره لأغراض خسيسة حملته على ذلك ومن المعلوم أن من يسمع كلام أهله وكلام الطبيب وكلام المشيعين لجنازته لا تخفى حياته لا على الطبيب ولا على غيره ممن ينظر إليه ويقلبه ثم كيف يكون مغمى عليه وهو يعي ويحفظ كل ما دار حوله ومن المعلوم أيضا أن سنة الله في عباده أن من جعل في محل مكتوم ضيق لا يعيش مثل هذه المدة من المعلوم شرعا أن ملكي القبر لا يأتي ان إلى الحي إذا وضع في القبر وإ نما يأتي ان إلى الميت والله سبح انه يعلم الأحياء والأموات وهو الذي يرسل الملكين إلى الميت لسؤاله ثم هذا الرجل الكذاب وصف الملكين بما يدل على أنهما رج لا ن لا ملك ان ثم الملك ان لا يخبر ان الميت لا بحسناته ولا بسيئاته وإ نما يس ألا نه عن ربه ودينه ونبيه ف إ ن أجاب جواباً صحيحاً فاز بالنعيم وإ ن أجاب بالشك عذب ثم ما ذكره بعد ذلك من ال م ناظر الغريبة إ نما قصد بذلك ترويج باطله وايهام الناس أنه من الناجين حتى يعطفوا عليه ويساعدوه بما طلب منهم أو يعطفوا عليه بدون طلب وقد يكون من قصده الشهرة بين الناس حتى يطلب في كل مك ان ليسأل عما رأى ويحصل له بعض ما يريد ومن جهله قوله (وتشاء الصدف أن ك ان أهلي قد جاؤا لزيارة قبري) ومثل هذا الكلام لا يجوز والصواب أن يقال (ويشاء الله) لأن الصدف لا مشيئة لها. والخلاصة أن هذه الحكاية موضوعة مكذوبة لا أساس لها من الصحة كما يتضح ذلك

стр. 13266

من سياقها وواقعها ولا ينبغي لصحفنا ولا للصحف التي تحترم نفسها أن تنشر مثل هذه الخرافات ونسأل الله أن يطهر صحفنا وصحف المسلمين من كل باطل وأن يكبت الخداعين والماكرين ويفضحهم ويكفي المسلمين شرهم وأن يوفق جميع المسلمين للفقه في دينه والثبات علي هـ إ نه سبح انه خير مسؤول. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الملقب بجمال الدين. إمام التصوف في عصره المولود عام ٣٧٦هـ والمتوفى عام ٤٦٥هـ. [٢] حققه وشرحه الأستاذ عبد المنعم عبد السلام الحلواني. [٣] أقول يشير القشيري بقوله: أهل الظاهر: إلى عقيدة أهل التصوف الذين يقولون إن الإسلام له وجهان: وجه ظاهر، ووجه باطن: فالوجه الظاهر هو النصوص ويسمونه الشريعة، ويسمون الذين يتمسكون بالنصوص أهل الظاهر وأهل الشريعة، والوجه الباطن هو المعاني البعيدة الخفية للنصوص التي لا يعلمها أهل الظاهر، ويسمون هذا الباطن الحقيقة، ويسمون الذين يعرفونها أهل الحقيقة وهم في نظرهم الصوفية وهذا كلام باطل لأن الإسلام ليس له ظاهر وباطن، بل إن ظاهره كباطنه، يشير إلى هذا قول الرسول الله ﷺ : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ". [٤] أقول: يقصد بالقوم: الصوفية. [٥] أقول: يقصد أنهم يغيبون عن عالم الشهادة، وهذه هي عقيدة الفناء في الله، وهي من عقائد الصوفية الخبيثة الباطلة.

стр. 13267

[٦] أقول: هذا كلام خبط لا سند له، فكم من الكلمات أولها يخرج من أقصى الحلق وآخرها يخرج من الشفتين ولا يشير إلى ابتداء ولا انتهاء مثل (هُبْ) ، و (هُفْ) وما شكل ذلك، فليس لمخارج الكلمات مُعَوَّل في المعنى، إضافة إلى ذلك فإن كلمة (هو) إنما هي ضمير يدل على الغائب, وليس اسماً، فضلاً عن أن يكون اسماً لله تعالى - ويجب أن يعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية يوقف فيها عندما ورد النص به ولا مجال للاجتهاد فيها - ولم يرد نص في الكتاب والسنة على أن (هو) اسم من أسماء الله تعالى، وإنما ذلك من تلبيسات إبليس الني أوحى بها إلى أعوانه فيما سول لهم وأملى لهم. [٧] أقول: وهذه الحكاية فضلاً عن نسبتها إلى مجهولين بدون إسناد، فإنها نوع من خيال المبتدعة المبطلين الذين يعيشون مع الأوهام التي تنسجها لهم الشياطين. [٨] أقول: يقصد بأهل الإشارة: الصوفية. [٩] أقول: قوله كاشف بقوله (هو) ليس دليلا على أن اسمه سبحانه (هو) . بل إن (هو) ضمير يدل عليه سبحانه كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . فهل قال أحد بأن كلمة (أنا) اسم من أسماء الله تعالى؟ ما قال بذلك أحد، بل قال الجميع: إن هذه الكلمة ضمير يدل على المتكلم - فما الفرق إذن بين الضمير المتكلم (أنا) والضمير الغائب (هو) ؟ لا إله إلا الله إله إلا الله إله إلا الله فرق بينهما في كون كل منهما ضميراً، وليس واحد منهما اسماً من أسماء الله تعالى على الإطلاق. ودليلنا في هذا عدم ورود النص في الكتاب والسنة بشيء من ذلك. والله سبحانه أعلم. [١٠] شرح أسماء الله الحسنى للقشيري ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣.

стр. 13268

[١١] أقول: يقصد المحقق الشارح بأرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهد: أهل الطرق الصوفية. ذلك بأن عقيدة هؤلء الضالة الباطلة أن غاية التصوف: إنما هو الكشف والمشاهدة، بمعنى أن يكشف لأحدهم اللوح المحفظ فيقرأ فيه ما كان وما سيكون، وأن يشاهد الله تعالى فيراه رأي العين. ويقرر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين جزء ٢ ص١٦٦ أن المشاهدة تتم أثناء الخلوة إذ يقول: " الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم، فإن لم يكن له مكان مظلم، فيلف رأسه بجيبه أو يدثر بكساء أو ازار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية " - وعقيدة المشاهدة باطلة. والحق فيها ما اعتقده أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى ادخر رؤيته سبحانه للمؤمنين في الجنة. فتكون هذه الرؤية لهم في وضوحها كما يرون القمر ليلة البدر. وتكون أعظم ما ينالون. بل أعظم من الجنة. وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس٢٦) .والحسنى هي الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجه الله . ومن ثم فرؤية الله في الدنيا لم يمكن عباده منها بل ادخرها للمؤمنين في الجنة. ومن هذا يتضح بطلان عقيدة الصوفية في المشاهدة في الدنيا. [١٢] أقول: يقصد الشارع عقيدة المشاهدة الباطلة. [١٣] أقول: يشير الشارح إلى عقيدة أخرى من عقائد الصوفية الزائغة وهي عقيدة وحدة الوجود. ويعنون بها أن الله حل في كل شيء. فأصبحت الموجودات كلها لا حقيقة لوجودها غير الله فكل شيء هو الله. وذلك يظهر من قول قائل الصوفية: فيا هو قل أنت أنا ويا أنا قل أنت هو ما في الوجود غيرنا أنا وهو وهو وهو وقوله: وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه وقول الزنديق محيى الدين بن عربي: الربٌ عبدٌ والعبد ربٌ يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ

стр. 13269

أو قلت ربٌ أنَّي يكلف؟ وقوله كذلك: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة وهذا الهراء معناه أن الله جَلَّ في العبد، وفي الكلب، وفي الخنزير، وفي كل شيء، وصار كل شيء في الوجود هو الله ... تعالى الله عما يقول أولئك المجرمون عُلُوّا كبيراً. [١٤] الرجع السابق ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣. [١٥] الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٤٢. [١٦] مختار الصحاح في مادة (ق د س) . [١٧] المعجم المفهرس ص ٥٣٨. [١٨] تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٣٤٤. [١٩] جامع البيان الجزء ٢ ص ٣٥٠. [٢٠] فتح القدير الجزء ٥ ص ٢٠٧. [٢١] تيسير الكلام الرحمن الجزء ٨ ص ١٠٧. [٢٢] صحيح مسلم بشرح النووي - الجزء ٤ ص ٢٠٣ - ٢٠٥. [٢٣] المعجم الفهرس ص ٣٥٦. [٢٤] تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٣١. [٢٥] تفسير ابن كثير - الجزء ٤ ص ٣٤٤. [٢٦] جامع البيان - الجزء ٢ ص ٣٥٠. [٢٧] صحيح مسلم.

стр. 13270

مسابقة القرآن الكريم الدولية شهدت مكة المكرمة في أوائل شهر جمادى الثانية عام ١٤٣هـ مسابقة القرآن الكريم الدولية الخامسة، وقد أقيمت هذه المسابقة تحت رعاية الملك فهد بن عبد العزيز حيث أناب جلالته صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز في افتتاحها في مهبط الوحي ومتنزل القرآن. وألقى الأمير ماجد كلمة جاء فيها: "في بلد الله الحرام حيث أشرق ضياء القرآن على هذا العام فبدد الظلام، وأزال الجهل، وقضى على العصبيات التي تقوم على رابطة الدم والنسب، وكوّن القرآن من المجتمع الإسلامي إخوة متحابين روادا للبشرية في الطريق إلى الله". وأشار سموه إلى أن بعثات المسلمين الأولى إلى شتى أنحاء العالم لم تقدم جديدا في الرقي المادي، ولا جديدا في فنون الصناعة والتجارة - ولكنها حملت (أعظم هدية وأرقى مدنية تليق بهذا الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض) . نعم، إن الفاتحين المسلمين حملوا رسالة القرآن ومنهجه في صنع المجتمعات، وأخذوا بهذا المنهج يربون الأمم فأنقذوها مما (كنت) تعانيه من ضيق النفس والظلم وتعاسة الأيام وأعادوا لها حياة الاستقرار والكرامة والعزة.. وإذا بالمجتمعات الإسلامية يسودها الترابط والمحبة. (ولنا.. في رسول الله أسوة حسنة وفي أصحابه قدوة، وإننا لن نستطيع أن نقدم سوى ما قدم هذا الرسول الكريم وأصحابه الأطهار.. ألا وهو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى نكون بحق خير أمة أخرجت للنا) . وهذه المسابقة التي تقام مرة كل عام نبتت فكرتها في مهرجان تونس الذي انعقد قبل بضع سنين، وكان أن تقرر فيه إقامة مهرجان دولية ومسابقات لتلاوة كتاب الله. وحقق (المملكة العربية السعودية) السبق في تبني هذه الفكرة في نطاق وزارة الحج والأوقاف، وأقيمت أربع مسابقات: المسابقة الأولى عام ١٣٩٩هـ (١٩٧٩م) المسابقة الثانية عام ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) المسابقة الثالثة عام ١٤٠١هـ (١٩٨١م)
следующие страницы →