← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.

стр. 13266

من سياقها وواقعها ولا ينبغي لصحفنا ولا للصحف التي تحترم نفسها أن تنشر مثل هذه الخرافات ونسأل الله أن يطهر صحفنا وصحف المسلمين من كل باطل وأن يكبت الخداعين والماكرين ويفضحهم ويكفي المسلمين شرهم وأن يوفق جميع المسلمين للفقه في دينه والثبات علي هـ إ نه سبح انه خير مسؤول. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الملقب بجمال الدين. إمام التصوف في عصره المولود عام ٣٧٦هـ والمتوفى عام ٤٦٥هـ. [٢] حققه وشرحه الأستاذ عبد المنعم عبد السلام الحلواني. [٣] أقول يشير القشيري بقوله: أهل الظاهر: إلى عقيدة أهل التصوف الذين يقولون إن الإسلام له وجهان: وجه ظاهر، ووجه باطن: فالوجه الظاهر هو النصوص ويسمونه الشريعة، ويسمون الذين يتمسكون بالنصوص أهل الظاهر وأهل الشريعة، والوجه الباطن هو المعاني البعيدة الخفية للنصوص التي لا يعلمها أهل الظاهر، ويسمون هذا الباطن الحقيقة، ويسمون الذين يعرفونها أهل الحقيقة وهم في نظرهم الصوفية وهذا كلام باطل لأن الإسلام ليس له ظاهر وباطن، بل إن ظاهره كباطنه، يشير إلى هذا قول الرسول الله ﷺ : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ". [٤] أقول: يقصد بالقوم: الصوفية. [٥] أقول: يقصد أنهم يغيبون عن عالم الشهادة، وهذه هي عقيدة الفناء في الله، وهي من عقائد الصوفية الخبيثة الباطلة.

стр. 13267

[٦] أقول: هذا كلام خبط لا سند له، فكم من الكلمات أولها يخرج من أقصى الحلق وآخرها يخرج من الشفتين ولا يشير إلى ابتداء ولا انتهاء مثل (هُبْ) ، و (هُفْ) وما شكل ذلك، فليس لمخارج الكلمات مُعَوَّل في المعنى، إضافة إلى ذلك فإن كلمة (هو) إنما هي ضمير يدل على الغائب, وليس اسماً، فضلاً عن أن يكون اسماً لله تعالى - ويجب أن يعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية يوقف فيها عندما ورد النص به ولا مجال للاجتهاد فيها - ولم يرد نص في الكتاب والسنة على أن (هو) اسم من أسماء الله تعالى، وإنما ذلك من تلبيسات إبليس الني أوحى بها إلى أعوانه فيما سول لهم وأملى لهم. [٧] أقول: وهذه الحكاية فضلاً عن نسبتها إلى مجهولين بدون إسناد، فإنها نوع من خيال المبتدعة المبطلين الذين يعيشون مع الأوهام التي تنسجها لهم الشياطين. [٨] أقول: يقصد بأهل الإشارة: الصوفية. [٩] أقول: قوله كاشف بقوله (هو) ليس دليلا على أن اسمه سبحانه (هو) . بل إن (هو) ضمير يدل عليه سبحانه كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . فهل قال أحد بأن كلمة (أنا) اسم من أسماء الله تعالى؟ ما قال بذلك أحد، بل قال الجميع: إن هذه الكلمة ضمير يدل على المتكلم - فما الفرق إذن بين الضمير المتكلم (أنا) والضمير الغائب (هو) ؟ لا إله إلا الله إله إلا الله إله إلا الله فرق بينهما في كون كل منهما ضميراً، وليس واحد منهما اسماً من أسماء الله تعالى على الإطلاق. ودليلنا في هذا عدم ورود النص في الكتاب والسنة بشيء من ذلك. والله سبحانه أعلم. [١٠] شرح أسماء الله الحسنى للقشيري ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣.

стр. 13268

[١١] أقول: يقصد المحقق الشارح بأرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهد: أهل الطرق الصوفية. ذلك بأن عقيدة هؤلء الضالة الباطلة أن غاية التصوف: إنما هو الكشف والمشاهدة، بمعنى أن يكشف لأحدهم اللوح المحفظ فيقرأ فيه ما كان وما سيكون، وأن يشاهد الله تعالى فيراه رأي العين. ويقرر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين جزء ٢ ص١٦٦ أن المشاهدة تتم أثناء الخلوة إذ يقول: " الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم، فإن لم يكن له مكان مظلم، فيلف رأسه بجيبه أو يدثر بكساء أو ازار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية " - وعقيدة المشاهدة باطلة. والحق فيها ما اعتقده أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى ادخر رؤيته سبحانه للمؤمنين في الجنة. فتكون هذه الرؤية لهم في وضوحها كما يرون القمر ليلة البدر. وتكون أعظم ما ينالون. بل أعظم من الجنة. وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس٢٦) .والحسنى هي الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجه الله . ومن ثم فرؤية الله في الدنيا لم يمكن عباده منها بل ادخرها للمؤمنين في الجنة. ومن هذا يتضح بطلان عقيدة الصوفية في المشاهدة في الدنيا. [١٢] أقول: يقصد الشارع عقيدة المشاهدة الباطلة. [١٣] أقول: يشير الشارح إلى عقيدة أخرى من عقائد الصوفية الزائغة وهي عقيدة وحدة الوجود. ويعنون بها أن الله حل في كل شيء. فأصبحت الموجودات كلها لا حقيقة لوجودها غير الله فكل شيء هو الله. وذلك يظهر من قول قائل الصوفية: فيا هو قل أنت أنا ويا أنا قل أنت هو ما في الوجود غيرنا أنا وهو وهو وهو وقوله: وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه وقول الزنديق محيى الدين بن عربي: الربٌ عبدٌ والعبد ربٌ يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ

стр. 13269

أو قلت ربٌ أنَّي يكلف؟ وقوله كذلك: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة وهذا الهراء معناه أن الله جَلَّ في العبد، وفي الكلب، وفي الخنزير، وفي كل شيء، وصار كل شيء في الوجود هو الله ... تعالى الله عما يقول أولئك المجرمون عُلُوّا كبيراً. [١٤] الرجع السابق ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣. [١٥] الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٤٢. [١٦] مختار الصحاح في مادة (ق د س) . [١٧] المعجم المفهرس ص ٥٣٨. [١٨] تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٣٤٤. [١٩] جامع البيان الجزء ٢ ص ٣٥٠. [٢٠] فتح القدير الجزء ٥ ص ٢٠٧. [٢١] تيسير الكلام الرحمن الجزء ٨ ص ١٠٧. [٢٢] صحيح مسلم بشرح النووي - الجزء ٤ ص ٢٠٣ - ٢٠٥. [٢٣] المعجم الفهرس ص ٣٥٦. [٢٤] تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٣١. [٢٥] تفسير ابن كثير - الجزء ٤ ص ٣٤٤. [٢٦] جامع البيان - الجزء ٢ ص ٣٥٠. [٢٧] صحيح مسلم.

стр. 13270

مسابقة القرآن الكريم الدولية شهدت مكة المكرمة في أوائل شهر جمادى الثانية عام ١٤٣هـ مسابقة القرآن الكريم الدولية الخامسة، وقد أقيمت هذه المسابقة تحت رعاية الملك فهد بن عبد العزيز حيث أناب جلالته صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز في افتتاحها في مهبط الوحي ومتنزل القرآن. وألقى الأمير ماجد كلمة جاء فيها: "في بلد الله الحرام حيث أشرق ضياء القرآن على هذا العام فبدد الظلام، وأزال الجهل، وقضى على العصبيات التي تقوم على رابطة الدم والنسب، وكوّن القرآن من المجتمع الإسلامي إخوة متحابين روادا للبشرية في الطريق إلى الله". وأشار سموه إلى أن بعثات المسلمين الأولى إلى شتى أنحاء العالم لم تقدم جديدا في الرقي المادي، ولا جديدا في فنون الصناعة والتجارة - ولكنها حملت (أعظم هدية وأرقى مدنية تليق بهذا الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض) . نعم، إن الفاتحين المسلمين حملوا رسالة القرآن ومنهجه في صنع المجتمعات، وأخذوا بهذا المنهج يربون الأمم فأنقذوها مما (كنت) تعانيه من ضيق النفس والظلم وتعاسة الأيام وأعادوا لها حياة الاستقرار والكرامة والعزة.. وإذا بالمجتمعات الإسلامية يسودها الترابط والمحبة. (ولنا.. في رسول الله أسوة حسنة وفي أصحابه قدوة، وإننا لن نستطيع أن نقدم سوى ما قدم هذا الرسول الكريم وأصحابه الأطهار.. ألا وهو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى نكون بحق خير أمة أخرجت للنا) . وهذه المسابقة التي تقام مرة كل عام نبتت فكرتها في مهرجان تونس الذي انعقد قبل بضع سنين، وكان أن تقرر فيه إقامة مهرجان دولية ومسابقات لتلاوة كتاب الله. وحقق (المملكة العربية السعودية) السبق في تبني هذه الفكرة في نطاق وزارة الحج والأوقاف، وأقيمت أربع مسابقات: المسابقة الأولى عام ١٣٩٩هـ (١٩٧٩م) المسابقة الثانية عام ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) المسابقة الثالثة عام ١٤٠١هـ (١٩٨١م)

стр. 13271

المسابقة الرابعة عام ١٤٠٢هـ (١٩٨٢م) . وكان عدد المتسابقين في الأعوام الأربعة التي مصت كبيرا، وهذا العام بلغ عدد المتسابقين (١٣٤) متسابقا يمثلون (٢٥) دولة و (٣١) جمعية. وقد قسمت المسابقة إلى خمسة فروع بحيث تستوعب الحافظين والمجودين والمرتلين والمفسرين للقرآن، وهذه الفروع هي: ١- فرع حفظ القرآن كاملا مع التجويد وتفسير الجزء الثاني، وتسابق فيه ١٠ أشخاص. ٢- فرع حفظ القرآن كاملا مع التجويد وبه ١٧ شخصا. ٣- فرع حفظ عشرين جزءا من القرآن مع التجويد وبه ١٧ شخصا. ٤- فرع حفظ عشرة أجزاء من القرآن وبه ٣١ شخصا. ٥- فرع ترتيل القرآن مع حسن الصوت وحفظ جزء واحد منه وبه ٤٠ شخصا. وهدفت المسابقة من هذا التوزيع شدّ الشباب للمشاركة في هذه الفروع حسب طاقة كل منهم وظروفه. وبفضل الله تتوسع المسابقة عاما بعد عام ويزيد الإقبال عليها من كل مكان. ووزارة الحج والأوقاف بالمملكة العربية السعودية معنية بهذا التوسع، ودعم المسابقة والقيام بكل ما يساعد على تحقيق غاياتها الخيرة. والمأمول أن يأتي اليوم الذي يكون فيه مبنى الأمانة العامة للمسابقة حقيقة يشاهدها المسلمون كدليل جديد على رعاية حكومتنا الرشيدة لكل ما له صلة بالقرآن وتدارسه وحفظه. والمأمول كذلك أن ينشأ قريبا معهد القراءات وعلوم القرآن رافدا من روافد المسابقة، يمدها بالمتسابقين المتدبرين لآيات الكتاب الحافظين له بحفظ الله.

стр. 13272

النقد الأدبي ومقاييسه خلال عهد الرسول ﷺ وعصر الخلافة الراشدة للدكتور محمد عارف محمود حسن المدرس في كلية اللغة العربية - جامعة الأزهر لا يستطيع أحد أن ينكر ما أحدثه الإسلام من ثورة شاملة في جميع نواحي الحياة وجوانبها: الدينية، والسياسية، والعقلية، والاجتماعية، والأخلاقية ... وكانت الناحية العقلية - أو الفكرية - من الجوانب التي أثر فيها الإسلام تأثيرا بالغا، وهذا يعني أن اللغة العربية التي عبر بها الإسلام عن مبادئه ومعتقداته قد تأثرت تأثرا شديدا بهذا الدين الجديد، تأثرت به أسلوبا وموضوعا، أو لفظا ومعنى، وينسحب هذا التأثر على جميع الفنون والعلوم العربية، سواء أكانت شعرا، أم نثرا، أو لغة، أو نقدا ... ويعنينا في هذا المقام أن نعرف الآثار التي أحدثها الإسلام في النقد الأدبي، وإلى أي مدى كان تأثر النقد به؟ وما الأسس والمقاييس التي سار عليها النقد في عصر صدر الإسلام؟. الرسول ﷺ والنقد الأدبي: الرسول ﷺ هو صاحب هذا الدين الجديد، وحامل لواء الدعوة إليه، ولذا فمن المهم أن نتعرف على موقف الرسول ﷺ من الشعر، وعلى موقفه من النقد الأدبي، ودوره فيه، وأن نستعرض جوانب من نقداته ﷺ ، لنتعرف من خلالها على الأسس والأصول التي كان بمقتضاها ينقد الرسول ﷺ الشعر ويحكم عليه.

стр. 13273

على الرغم من أن الرسول ﷺ لم يقل الشعر ولم يعلمه الله إياه، إلا أنه لم يكن يتحرج منه ويتألم بالقدر الذي يظنه كثير من الناس، بل كان يعجب له ويطرب له إعجاب وطرب العربي صاحب الذوق السليم؛ فالرسول ﷺ عربي، وقد وهبه الله من صفاء الذهن، وسلامة الذوق، والقدرة على تمييز الحسن من القبيح من الكلام - ما فاق العرب جميعا، وهو ذوو بصر بصناعة الكلام، فيعجب الرسول ﷺ بشعر النابغة الجعدي، ويقول له: "لا يفضُض الله فاك"، وبلغ من استحسانه لقصيدة (بانت سعاد) أن صفح عن كعب وأعطاه بردته، واستمع إلى الخنساء واستزادها مما تقول، وتأثر تأثرا رقيقا لشعر قُتيلة بنت النضر.. [١] . بل إن الأمر ليتعدى حد الإعجاب إلى الدعوة إليه؛ إذ دعا الرسول ﷺ شعراء المسلمين إلى الدعوة إلى الإسلام، وإلى هجاء المشركين الذين وقفوا في وجه الدعوة الإسلامية، فالشعر ما زال سلاحا ماضيا من الأسلحة العربية التي لا يستغني عنها صاحب دعوة. إننا نعلم من التاريخ الإسلامي أن معركة كلامية دارت بين المسلمين والمشركين بجانب المعركة الحربية، وأن شعراء المسلمين كانوا يقفون في صف واحد أمام شعراء المشركين، كي يردوا عليهم افتراءاتهم وأباطيلهم التي كانوا يرمون بها الإسلام والمسلمين، لا سيما وأن الدعوة الإسلامية كانت بحاجة إلى من يدافع عنها ويرد عنها أعداها؛ لذلك لا نعجب إذ دعا رسول الله ﷺ شعراء المسلمين من أمثال حسان بن ثابت [٢] ، وكعب بن مالك [٣] ، وعبد الله بن رواحة [٤]- إلى الدفاع عن الإسلام، وإلى الدعوة إليه، والإشادة بذكره وبمبادئه، وهجاء الكفر والكفار، ولا عجب - لكل هذا - إذ رأينا رسول الله ﷺ يستحسن الشعر، ويستنشده أصحابه ويمدح به، ويثيب عليه، بل ينقده ويصلح منه.

стр. 13274

أما دعوته ﷺ شعراء المسلمين إلى الدعوة إلى الإسلام، وهجاء المشركين فيدل عليها ما روي أنه: لما كان عام الأحزاب، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، قال الرسول ﷺ : "من يحمي أعراض المسلمين؟ " فقال كعب بن مالك: أنا يا رسول الله! وقال عبد الله بن رواحة: أنا يا رسول الله! وقال حسان: أنا يا رسول الله! فقال ﵊: "نعم اهجهم أنا (يعني حسانا) فإنه سيعينك روح القدس". وروي أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت عبد الله بن رواحة، فقال وأحسن وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسن بن ثابت فشفى واشتفى" [٥] . وأما نقد الرسول الكريم للشعر، وإصلاحه منه، فسوف نورد الأمثلة والشواهد ما يدل عليه، ولكن قبل أن نورد هذه الأمثلة وتلك الشواهد ينبغي أن نقرر الأساس الذي قام عليه نقد الرسول للشعر، ليسهل بعد ذلك تطبيق هذا الأساس على ما سنورده من الأمثلة. المقاييس النقدية عند الرسول ﷺ :

стр. 13275

ينبغي أن نلاحظ أن الرسول الكريم قد جاء بدين قويم يدعو إلى الفضائل، وينهى عن الرذائل، ويدعو - قبل ذلك وبعده - إلى عبادة إله واحد لا شريك له، وإذا لاحظنا ذلك علمنا أن المقاييس النقدية التي كان على أساسها يحكم الرسول على الشعر ويبني نقده وتوجيهه له - هي المقاييس والأسس الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم، من التسامح والتواضع والعدل والإحسان والخلق الحسن، وهي الأسس والمقاييس العربية التي أقرها الإسلام، كالكلام والشجاعة والنجدة وحفظ الجوار، وهذه الأسس هي أسس تتصل بالمعاني التي يجب يدور حولها الشعر، وإذا كان الرسول الكريم قد اتخذ من المعاني الإسلامية والتوجيهات الخلقية لهذا الدين مقياسا وأساسا ينقد الشعر على أساسه، ويصلح منه - فإنه ﷺ قد اتخذ من القرآن الكريم - أيضا - أسلوبا ولفظا ونظما أساسا له ومنهاجا؛ لما امتاز به من سماحة في القول، وسلامة في التعبير، وطبعية في الأسلوب، وبعد عن التكلف والغلو. ولا نعجب إذ رأينا شعراء المسلمين يتمثلون القرآن الكريم في شعرهم - على اختلاف فنونه وأغراضه - يتمثلونه معنى وموضوعا، وأسلوبا ونظما، فيبنون فخرهم ومدحهم وهجاءهم.. على أسس من المبادئ الإسلامية، والقيم الأخلاقية الرفيعة التي استحدثها الدين الإسلامي، في هذا المجتمع الجديد، وعلى دعامة من الفضائل العربية التي أقرها الإسلام، كما كانوا يتخذون من بلاغة القرآن وسحر بيانه أساسا لنظمهم ودعامة لبيانهم ... ولعلنا نلاحظ - من خلال ما تقدم - أن هناك أساسين أو مقياسين كان على أساسهما يحكم الرسول على الشعر وينقده، هذان الأساسان أو المقياسان هما: المقياس الديني الإسلامي، والمقياس البياني. - المقياس الديني الإسلامي:

стр. 13276

حينما نستعرض نقدات الرسول الكريم التي وجهها إلى الشعر والشعراء، نلاحظ أن الجوانب الدينية والمعاني الإسلامية كانت المحور الأساسي، لنقد الرسول الكريم، ولعلنا نستطيع أن نرى هذا المقياس بوضوح في النقدات الآتية: روي أن الرسول ﷺ قال: "أصدق كلمةٍ قالها شاعر قول لبيد [٦] : ألا كل ما خلا باطل". ونلاحظ من هذا الحكم الذي حكم به الرسول ﷺ على قولة لبيد أن الرسول ﷺ قد رأى فيها ما يتسق مع الروح الإسلامية، ويترجم عن وحي الإسلام. وحينما ينشده النابغة الجَعدي [٧] قصيدته التي مطلعها: خليلَيّ عُوجا ساعة وتهجَّرا ولُوما على ما أحدَث الدهر أو ذرا [٨] يُعجب الرسول هذا الشعر، وحينما يبلغ قوله: بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا وإنا لنرجو فوقَ ذلك مَظهرا يظهر الغضب في وجه الرسول ﷺ ، ويقول للنابغة: "إلى أين أبا ليلى؟ " فقال: إلى الجنة، فيقول الرسول - وقد اطمأن إلى أنه حين عبّر بمجد جدوده المتطاول قد انتهى إلى التطلع في ظل الإسلام إلى ما هو أعظم -: "نعم إن شاء الله". ويمضي النابغة قائلا: ولا خير في حِلمٍ إذا لم تكن له بوادرُ تحمي صَفوَه أن يُكدَّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا فيزداد ارتياح الرسول الكريم إلى ما يسمع من وحي الروح الدينية، ومن التوجيه الخلقي الرشيد، ويقول له: "لا يَفضُض الله فاك" [٩] . ويطرب الرسول لشعر كعب بن زهير حين يمدحه بقصيدته التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وحين يبلغ كعب قوله: إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الهند مسلول مهند من سيوف الهند مسلول يصلح له الرسول قوله هذا ويجعله: ................................

стр. 13277

مهند من سيوف الله مسلول ونلمح من خلال هذا النقد النبوي ما انطوى عليه من تعديل وجّه كعبا إليه، حيث الرأي الصائب والقول السديد، وهو أن سيوف الله هي التي لا تفل، ولا تنبو ظباتها، ولا تحيد عن مواطن الحق، أما غيرها من السيوف فهي تفل وتنبو وتتلثم، وهذا معنى إسلامي جميل. خرج رسول الله ﷺ يوما على كعب بن مالك، وهو ينشد، فلما رآه كعب بدا كأنه انقبض، فقال الرسول: "ما كنتم فيه؟ " قال: كنت أنشد، فقال له: "أنشد"، فأنشد حتى أتى على قوله: مَجالِدنا عن جِذْمِنا [١٠] كل فخمة فقال له الرسول ﷺ : "أيصح أن تقول: مَجالِدنا عن ديننا كل فخمة؟ قال: نعم، فقال له: "فهو أحسن". وواضح من هذا التوجيه الذي أسداه الرسول ﷺ إلى كعب أن الجلاد والقتال إنما ينبغي أن يكون عن الدين، لا عن الأصل والنسب. ٢- المقياس البياني: ونعني به قياس النتاج الأدبي، وتقويمه على أساس ما ينبغي أن يكون عليه النظم أو الكلام من جمال الأسلوب وروعة الأداء، وحسن النظم، وهو ما نسميه بالبيان والبلاغة، ويتصل بهذا المقياس، سلامة القول وسلامة التعبير والتزام الصدق، والبعد عن التكلف. وحينما نتصفح نقدات الرسول الآتية، نجدها قائمة على هذا الأساس واضحة خير ما يكون الوضوح.

стр. 13278

روي أن الرسول ﷺ سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر، فقال عمرو: مانع لحوزته مطاع في عشيرته، فقال الزبرقان: أما إنه قد علم أكثر مما قال، لكنه حسدني شرفي، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق العَطَن، زَمِن المروءة، لئيم الخال، حديث الغِنى، فلما رأى الإنكار في عيني الرسول بعد أن خالف قوله الآخر قوله الأول، قال: يا رسول الله! رضيتُ فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمتُ، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان سحرا، وإن من الشعر لحكمة". وقد انطلق حكم الرسول الكريم هذا على قول عمرو بن الأهتم لما يحويه هذا القول من أسلوب جميل وأداء رائع، يأسر النفس ويفعل بها فعل السحر، ولما فيه من حكمة ومعنى حسن. كان رسول الله ﷺ يستحسن قول طرفة بن العبد ويتمثل به، وهو قوله: ستُبدي الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد [١١] وروي أن الرسول ﷺ أمر في دية الجنين بغُرّة [١٢] ، فقال أحدهم: يا رسول الله! أأدي [١٣] من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يُطل [١٤] ، فترك رسول الله ﷺ جانبا، واتجه إلى المتكلم، فأنكر عليه أسلوبه ومنطقه، وقال له: "أسجعا كسجع الكهان"؟!. وما أنكر الرسول ﷺ هذا القول إلا لأن صاحبه آثر السجع المتكلف وابتعد عن سهولة الأسلوب وسلاسته، وانطلاقا من مبدأ السلامة في التعبير والسلاسة في القول، والبعد عن التكلف والغلو والتشدق، كان رسول الله ﷺ يقول: "إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون [١٥] ، المتشدقون [١٦] ، المتفيهقون [١٧] "، ويقول: "إياكم والتشادق"، ويقول: "إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها".

стр. 13279

ولم يقف نفقد الرسول للشعر والنثر عند حدّ النقد العلمي الذي أوردناه منه آنفا بعض الأمثلة، بل كان الرسول كثيرا ما يتعدى ذلك إلى لون آخر من النقد، وهو النقد التوجيهي، الذي يتمثل في إرشاد الأدباء والشعراء وتوجيههم إلى ما يحسن به أدبهم، ويرتفع باتباعه شعرهم، من تلك الأقوال والنصائح، حتى يُعينهم اتباعها على تحسين أعمالهم، وبلوغها حدّ الكمال والجمال الأدبي، من ذلك ما أوردنا آنفا من نصائح، يضاف إليها قوله ﷺ : "نضر الله وجه رجل أوجزَ في الكلام، واقتصر على حاجته". وقوله ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي [١٨] : "يا جرير إذا قلت فأوجز، وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف". ومنها قول ﷺ : "لا تكّلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوهم أصلها فتظلموهم". وفي أقوال الرسول ﷺ السابقة - بما تحمل من توجيهات وإرشادات - نقدات أدبية غاية في الأهمية، فهي تدعو إلى الصدق في القول، وعدم التكلف والغلو فيه كما تدعو إلى ترك التظاهر بالبلاغة والتشادق بالفصاحة، وترك السجع المتكلف؛ لأن هذه الأمور الأخيرة المنهي عنها، قد تبهم المعنى، وتضيع الحقيقة، وقد تلبس الباطل ثوب الحق. هذه النقدات الأدبية بشقيها: الفعلي والتوجيهي، التي وجهها رسول الله ﷺ إلى الشعراء والأدباء، والتي وقفنا على طرف منها فيما أوردنا من أمثلة - هذه النقدات تمثل تطورا لتلك المحاولات النقدية التي بدأت منذ العصر الجاهلي، وهي محاولات تعتمد على الذوق والفطرة والطبع وصحة الفهم وسعة الرواية، والخبرة المستفادة من المعارف العامة، مستظلة بروح الدين وتعالميه وآدابه، متجهة إلى اللفظ والمعنى والأسلوب والغرض.

стр. 13280

كما يلاحظ - أيضا - من نقد الرسول الكريم استعمال المصطلحات النقدية؛ فلأول مرة تستعمل في محيط النقد الأدبي ألفاظ تتصل بهذا الفن، لتدل على سير هذا الفن خطوات إلى الأمام، فاستعمل لأول مرة لفظ (البيان) في قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرا"، ولفظ البلاغة مشتقا منه لفظ (البليغ) في قوله ﷺ : "إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها" [١٩] ، والرسول يعني بالبليغ: الذي يتقن الصنعة بقصد تزوير القول. ونظرة إلى الأحكام النقدية التي وجهها رسول الله ﷺ إلى الشعر والشعراء نرى أنها أحكام اتسمت بالعموم والإيجاز، كإعجابه بقول لبيد، وطربه لشعر النابغة الجعدي، واستحسانه لبيان عمرو بن الأهتم، وتعديله للمعاني التي أتى بها كل من كعب بن زهير، وكعب بن مالك، من تلك النقدات التي عرضناها من قبل. كما يلاحظ القارئ أنها أحكام اتسمت بالجزئية، فنقده ﷺ كان متجها إلى اللفظ أو المعنى دون غيرهما من الجوانب النقدية الأخرى، فإعجابه بقول لبيد كان متجها للمعنى، فالمعنى عند لبيد جميل وشريف لانسجامه مع الروح الإسلامية، وكذلك طربه لمعنى النابغة يجري مع غاية ما يطمح إليه المؤمن، حينما جعل نهاية مطمحه الجنة. واستحسان الرسول لبيان عمرو بن الأهتم في قوله عن الزبرقان بن بدر راجع إلى ما يحويه من رائع اللفظ وحسن البيان، وتعديله لشعر كعب بن زهير وشعر كعب بن مالك منصرف إلى المعنى، حيث وجههما الرسول إلى ما ينبغي أن يكون عليه المعنى من تلاق مع الروح الإسلامية، فسيوف الله أكثر اتساقا مع روح الإسلام من سيوف الهند، والمجالدة عن الدين أحسن وأفضل من المجالدة عن الأصل والنسب.

стр. 13281

كما أن استهجان الرسول لقول بعضهم وقد غلب عليه السجع المتكلف راجع إلى اللفظ، حيث وجهه الرسول إلى ما ينبغي أن يكون عليه النظم من سلاسة في التعبير، وسلامة في المنطق، بعيدا عن السجع المتكلف، والتشادق المقصود، وهكذا. الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ والنقد الأدبي: إذا ما خطونا بالنقد الأدبي - أو بالمحاولات النقدية في عصر صدر الإسلام - إلى الأمام قليلا في عصر الخلفاء الراشدين نجد أن النقد قد سار على النهج الذي ارتضاه الرسول الكريم، وسنه في نظرته إلى الشعر، وإلى ما ينبغي أن يتضمنه من معان وقيم إسلامية، وما يجب أن يكون عليه الأسلوب من سلاسة وسلامة في التعبير، وصدق في القول، وبعد عن التكلف والإغراق. يضاف إلى هذه الأسس ما تميز به كل ناقد من موهبة شخصية، ونزعة ذاتية، وذوق فني. ولقد لمع في مجال النقد الأدبي من الخلفاء الراشدين الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ ولذا سنقصر الحديث عليه -؛ فله في هذا المجال لمحات نقدية ونظرات أدبية ذوقية، تدل على حاسته الفنية الدقيقة، وعلى مدى فهمه للبيان العربي على أحسن ما يكون عليه الفهم، ولعلّ ما يدل على ذلك خير دلالة رأيه الذي أعلنه في الشعر والشعراء، يقول عمر: "خير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته، يستميل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم" [٢٠] . ويقول ﵁ لأبي موسى الأشعري: "مرْ مَن قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب" [٢١] . وكتب الأدب والنقد تزخر بصور وأمثلة لنقداته ﵁، تلك النقدات التي تدل على نظرة صادقة وفهم دقيق واعٍ للأدب العربي؛ ذلك لما أضافه ﵁ إلى الأحكام النقدية من أسباب موضوعية مفصلة وعلل وأصول واضحة.

стр. 13282

ومن نقدات الخليفة عمر ﵁ الأدبية: ما روي أنه قال ليلة لابن عباس: "أنشدني لشاعر الشعراء: قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ابن أبي سلمة، قال: وبم صار كذلك؟ قال: لأنه لا يتبع حُوشيّ [٢٢] الكلام، ولا يعاظل [٢٣] في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه، أليس هو الذي يقول: إذا ابتدرت قيس بن عيلان غايةَ من المجد من يسبق إليها يسوَّد سبقت إليها كل طلق مبرَّز سبوق إلى الغايات غير مزنّد ولو كان حمدٌ يخلد الناس لم يمت ولكن حمد الناس ليس بمخْلِد" [٢٤] والناظر في هذا النقد الفني الذي حكم به عمر ﵁ على زهير بن أبي سلمى من خلال تذوقه لشعره يجد أن أساس حكمه قائم على الأساس نفسه الذي توخاه الرسول الكريم في نقده للشعر، حينما دعا إلى ترك التشادق، والبعد عن التكلف، وإلى السلاسة في التعبير وإلى الاتزام الصدق في القول، وتلك هي الأمور التي انتهجها زهير في شعره، وعلى أساسها مدحه عمر، إلا أننا نلمح في نقد عمر شيئاً جديدا لم يعهد من قبل عمر، وهو اتباع الحكم النقدي بدواعيه وأسبابه، فعمر لم يحكم على زهير بأنه أشعر الشعراء فقط، بل أتبع هذا الحكم - كما قلت - بأسبابه وعلله، وهي علل وأسباب تصبح أساسا للأحكام النقدية، وقاعدة ومعيارا يقوّم الشعر والأدب به. وهذا الحكم النقدي وما تبعه من أسباب وعلل، أقيم على جوانب ثلاثة: جانب الألفاظ، وجانب المعاني، وجانب المنهج الذي التزم به الشاعر؛ فمن ناحية الألفاظ وصف عمر ﵁ ألفاظ زهير بالسماحة والألفة وأسلوبه بالوضوح والجمال والسلاسة، والخلو من التعقيد والتركيب والتوعر. ومن ناحية المعاني فقد وصف عمر معانيه بالصحة والصدق. ومن ناحية منهج الشاعر فقد وصف عمر زهيرا بالتزام الحق والصدق، والاعتدال والقصد، والتباعد من الإفراط والعلو.

стр. 13283

ومن ذلك - أيضا - ما روي أن عمر ﵁ كان يكثر من ترديد بيت زهير: فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء [٢٥] متعجبا من علمه بالحقوق، وتفصيله بينها، واستيفائه أقسامها، وكان يقول: "لو أدركت زهيرا لوليته القضاء لمعرفته" [٢٦] ، وأية معرفة في دائرة الحق واقتضاء الحقوق أدق من التقاء فكر زهير في جاهليته مع ما ارتضاه الإسلام قاعدة بعد ذلك، وما قرره من مبدأ: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" [٢٧] . واستحسان عمر لبيت زهير قائم على أساس ديني؛ لأنه - أي بيت زهير - يلتقي مع أصل من أصول التشريع الإسلامي. وشبيه بهذا الاستحسان - في قيامه على أساس ديني - نقده لشعر سحيم عبد بني الحَسحاس حين أنشد عمر قصيدته التي مطلعها: عُميرة ودّع إن تجهّزت غازيا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا - وذلك بقوله: (لو كنتَ قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك) . وهنا يضع عمر في حكمه ما تقتضيه متطلبات الدين الجديد التي تفرض على الإنسان أن يقدم الدين على كل ما عداه. ومثله - أيضا - نقده للحطيئة حين يقول: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجدْ خير نار عندها خير موقِد [٢٨] وذلك بقوله: "كذب، بل تلك نار موسى نبي الله ﷺ " [٢٩] . فالشاعر هنا جانب الصدق، وزعم أن نار ممدوحه خير نار، وأنه خير موقد، وفي هذا مخالفة للحقيقة، والتزام الشاعر بالصدق في شعره مقياس نقدي سبق أن انتهجه زهير، وعلى أساسه فضله عمر على سائر الشعراء. ومن نقدات عمر التي تدل على ذوقه وفهمه الدقيق لأساليب الشعر العربي، ما روي أن النجاشي [٣٠] الشاعر قد هجا تميم [٣١] بن أبيّ بن مقبل وقومه بني العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب، فاستنشدهم ما قال فيهم، فقالوا: إنه يقول: إذا الله عادى أهل لؤم ورقة فعادي بني العجلان رهط ابن مقبل

стр. 13284

فقال عمر: إنه دعا، فإن كان مظلوما استجيب له، وغن كان ظالما لم يستجب له، قالوا: إنه يقول: قُبيّلة لا يغْدِرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل فقال عمر: ليت آل الخطاب كذلك! قالوا: وقد قال: ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوُرّاد عن كل منهل قال عمر: ذلك أقل للِّكاك [٣٢] ! قالوا: وقد قال أيضا: تعافُ الكلابُ الضاريات لحومهم وتأكل من كعب وعوف ونهشل فقال عمر: أجَنّ القوم موتاهم، فلم يضيعوهم! قالوا: وقد قال: وما سًمِي العجلان إلا لقيلهم خذ القعب واحلبْ أيها العبد واعجل [٣٣] فقال عمر: خير القوم خادمهم، وكلنا عبيد الله! [٣٤] . ولعلّ في هذا الحوار الذي دار بين رهط بني العجلان وعمر، ما يدل على مدى قدرة عمر على فهم الشعر وتذوقه وإدراك معانيه وعلمه بمراميه. وعلى الرغم من فقه عمر وفهمه للشعر وتذوقه له على النحو الذي ذكرنا، إلا أنه بعث إلى حسان بن ثابت والحطيئة - وكان محبوسا عنده - فسألهما عن شعر النجاشي في تميم بن مقبل ورهطه، فقال حسان مثل قوله في شعر الحطيئة الذي هجا به الزبرقان بن بدر، فهدد عمر النجاشي، وقال له: إن عدت قطعت لسانك! [٣٥] . وفي ندب عمر الخبراء من الشعراء ما يدل على مدى إيمانه بالتخصص؛ إذ لم يكن ذلك الندب لعجزه عن البت فيما عرض عليه بل كان سنا لقاعدة رشيدة، وهي الرجوع إلى أهل الذكر في كل فن من رجاله المنقطعين له قبل القضاء فيه؛ ليكون ذلك أصح للرأي، وآكد في صواب الحكم. وعلى الرغم من أن أحكام عمر النقدية قد اتسمت بالجزئية فاتجهت إلى الصياغة، أو المعاني، ولم يتطرق إلى جوانب أخرى في النص الأدبي.. شأن الأحكام النقدية التي سبقته إلا أننا نجد في نقد عمر شيئاً جديدا لم يألفه القارئ من قبل عمر، وهو أن نقده كان موسوما بالتعليل، ومشفوعا بذكر الدواعي والأساليب في غالبيته.

стр. 13285

(فعمر هو أول ناقد تعرض نصا للصياغة والمعاني، وحدد خصائص لهذه وتلك، وهو أول من أقام حكما في النقد على أصول متميزة.. فأسند رأيه في زهير إلى أمور محسّة، وأسباب قائمة) [٣٦] . خلاصة: ونخلص من هذا إلى القول بأن النقد في عصر صدر الإسلام - عصر الرسول وعصر الخلافة الراشدة - قد خطا خطوات رشيدة، وترسم مناهج وطرقا أكثر تحديدا، وأوضح أحكاما من سابقتها في العصر الجاهلي، ونخلص - أيضا - إلى أن المقاييس والمعالم النقدية التي اتسم بها النقد الأدبي في هذا العصر، كانت تبدو في المقاييس والمعالم الآتية: أولاً: مقياس الدين: ونعني به - في إيجاز - قياس النتاج الأدبي، وميزانه وتقويمه على أساس من روح الدين وتعالميه التي جاء بها، وهذا يعني أن الناقد الأدبي كان يستحسن من النتاج الأدبي ما جاء متفقا مع الدين وروحه في بناء المجتمع الجديد، كما كان - بالطبع - يستهجن ما جاء مخالفا لهذا الدين ولروحه وآدابه. وقد بدا هذا المقياس واضحا في نقد الرسول ﷺ لشعر لبيد واستحسانه إياه، وفي إعجابه واستحسانه لشعر النابغة الجعدي، وفي تعديله لشعر كعب بن زهير، وكعب بن مالك، مما أوردناه آنفا. كما اتضح أيضا في نقد عمر ﵁ لشعر الحطيئة وسحيم وتوضيحه لما ينبغي أن يكون عليه الشعر من معنى صحيح أو شريف يلتقي مع الروح الإسلامية، ويبدو - أيضا - في استحسانه لشعر زهير ولبيته الذي بين فيه الحقوق؛ وذلك لالتقائه مع أصل من أصول التشريع الإسلامي.. إلى غير ذلك. ثانياً: المقياس البياني: ونعني به - أيضا - قياس النتاج الأدبي، وتقويمه على أساس ما ينبغي أن يكون عليه الأسلوب من سهولة في التعبير وسلاسة في الألفاظ، ووضوح في التركيب، وبعد عن التكلف والتصنع، على أساس أن التعبير المنطلق السلس أقرب إلى البلاعة والبيان من العمل المحكك المنمق.

стр. 13286

وقد بدا هذا المقياس واضحا في استحسان الرسول لشعر طرفة، وإعجابه الشديد بقول عمرو بن الأهتم، كما بدا - أيضا - في استهجانه ﷺ للسجع المتكلف الذي أنكره على قائله. وظهر - كذلك - في توجيهاته ﷺ التي تمثلت في ذم التكلف والغلو والتشادق والتفيهق، كما اتضح هذا المقياس على نحو محدد في نقد عمر حينما أبدى رأيه في زهير في شعره. ثالثاً: تحديد الأسباب وذكر العلل: اتسم النقد الأدبي في هذا العصر، باتجاهه نحو الدقة في إصدار الأحكام، والوضوح في ذكر الأسباب والتفصيل في تبيان العلل، التي بمقتضاها يتم الحكم على العمل الأدبي وتقويمه، وقد رأينا هذا واضحا جليا في نقدات عمر ﵁. رابعاً: استعمال المصطلحات النقدية: لأول مرة تستعمل في محيط النقد الأدبي ألفاظ تتصل بهذا الفن؛ لتدل على سير هذا الفن خطوات إلى الأمام فاستعمل لأول مرة لفظ (البيان) في قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرا"، ولفظ (البلاغة) مشتقا منه لفظ البليغ في قوله ﷺ : "إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال..". خامساً: التوجهات النقدية: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يوجه الأدباء والشعراء إلى ما يحسن به أدبهم ويرتفع باتباعه شعرهم، من تلك التوجيهات النقدية، حتى يعينهم اتباعها على تحسين أعمالهم، وبلوغها حد الكمال الأدبي من تلك التوجيهات التي أوردنا طرفا منها آنفا. سادسا: مقياس التخصص:

стр. 13287

ويتضح هذا المقايس مما سبق أن ذكرناه من استعانة عمر بن الخطاب ﵁ بحسان بن ثابت في الحكم على شعر النجاشي حين هجا تميم بن مقبل وقومه من بني العجلان، وذلك على الرغم من فهم عمر للشعر وتذوقه له، إيمانا منه بمبدأ الرجوع إلى المتخصصين في هذا الفن، فعمر يأبى أن يصدر في حكومة حول الشعر برأيه، ويستدعي من يعدهم نقادا متخصصين ويأخذ برأيهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع: تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص٢٨ للدكتور طه أحمد إبراهيم، ط دار الحكمة بيروت. [٢] هو: حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، شاعر جاهلي إسلامي، اختص بعد الإسلام بمدح النبي والدفاع عنه، توفي عام ٥٤هـ. [٣] هو: كعب بن مالك الأنصاري، من الشعراء الذين كانوا ينافحون عن الإسلام والمسلمين، ويقفون أما شعراء المشركين ويهجونهم. [٤] هو: عبد الله بن رواحة، صحابي جليل، وشاعر مخضرم، كان - مع حسان بن ثابت وكعب بن مالك - أحد المنافحين عن الإسلام والرسول والمسلمين، استشهد في غزوة مؤتة العام الثامن للهجرة. [٥] حسان بن ثابت: ٤٧، للدكتور سيد حنفي حسنين - (من سلسلة أعلام العرب) . [٦] هو: لبيد بن ربيعة العامري، من شعراء الجاهلية وفرسانهم، أدرك الإسلام وأسلم مع وفد بلاده إلى الرسول، توفي في أول خلافة معاوية. [٧] هو: عبد الله بن قيس، من جعدة بن كعب بن ربيعة، وكان يكنى أبا ليلى، وعمّر كثيرا، ومات وهو ابن مئتين وعشرين سنة. [٨] جمهرة أشعار العرب: ٢٧٥، ط بيروت. [٩] الشعر والشعراء ١/٢٩٥ تحقيق الأستاذ أحمد شاكر. [١٠] الجذم: الأصل. [١١] يروى أن الرسول ﷺ كان ينطق الشطر الأخير من البيت هكذا: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. [١٢] الغرة: العبد أو الأمة.

стр. 13288

[١٣] أي: أدفع الدية. [١٤] يطل: يهدر ويبطل. [١٥] الثرثارون: هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق. [١٦] المتشدقون: هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط ولا احتراز، وقيل: إنهم المستهزئون بالناس يلوون أشداقهم بهم وعليهم. [١٧] المتفيهقون: وهم المتوسعون في الكلام والمتنطعون. [١٨] هو: جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قد على النبي ﷺ سنة عشر في رمضان، وبايعه وأسلم، توفي سنة ٥٤هـ. [١٩] الباقرة: البقرة، والمعنى: أن الله يبغض البليغ الذي يفخم لسانه بالكلام ويلفه كما يلف البقرة الكلأ بلسانها لفا. [٢٠] البيان والتبيين ٢/٩٩، تحقيق السندوبي. [٢١] العمدة: ١/١٠، تحقيق محيي الدين، ط بيروت. [٢٢] حوشي الكلام: غريبه. [٢٣] المعاظلة في الكلام: تصعيب الكلام وتعقيده، بأن يركب بعضه بعضا، ويتداخل حتى يثقل نطقه وسماعه. [٢٤] طلق: سبّاق، المزند: البخيل. [٢٥] يعني: يمينا، أو نفارا إلى حاكم يقطع البينات، وهو بيان وبرهان يجلو به الحق وتتضح الدعوى. [٢٦] خزانة الأدب: ٢/١٨٢. [٢٧] في النقد الأدبي عند العرب: ٨٤، للدكتور محمد طاهر درويش، ط دار المعارف - مصر. [٢٨] تعشو: تقصد في الظلام. [٢٩] الأغاني" ٢/٢٠٠، ط (دار الكتب المصرية) . [٣٠] هو: قيس بن عمرو بن مالك، من بني الحرث بن كعب، كان شاعرا هجاء، كما كان فاسقا رقيق الإسلام. [٣١] هو تميم بن أبي مقبل، من بني العجلان، كان جاهليا إسلاميا، أدرك الإسلام فأسلم، وبلغ مئة وعشرين سنة. [٣٢] اللكاك: الزحام. [٣٣] القعب: القدح الضخم الغليظ الجافي. [٣٤] الشعر والشعراء: ١/٣٣٧، ٣٣٨. [٣٥] الشعر والشعراء: ١/٣٣٨. [٣٦] تاريخ النقد العربي عند العرب: ٣١.

стр. 13289

رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار انتهاء سريان الرخصة: تنتهي رخصة الفطر بانقطاع صفة السفر عن المسافر , وذلك بدخوله إلى المكان الذي يجمع الإقامة به مدة تقطع حكم السفر كما بيناها سابقا , إذ كان دخوله إلى هذا المكان قبل طلوع الفجر , فإذا تحقق هذان الشرطان - وهما: نية الإقامة والدخول قبل الفجر - وجب عليه انشاء نية الصوم لليوم الذي يشهد طلوع فجره مقيما وهذا باتفاق اهل العلم , لأنه شهد بعضاً من الشهر صحيحاً مقيماً وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . فإن علم أنه سيدخل إلى محل الإقامة بعد الفجر فلا يجب عليه أن يبيت نية الصوم بل له أن يدخل إلى دار الإقامة بنية الفطر. وهذا أيضاً باتفاق أهل العلم.. لكن الخلاف بين العلماء فيمن وصل بالفعل إلى دار الإقامة قبل الزوال وكان على نية الفطر , فالمالكية والشافعية , يجيزون له الاستمرار على الفطر بدون كراهة عند المالكية وعلى الأصح عند الشافعية. ووجه هذا القول: أنه كان وقت إنشاء النية - وهو طلوع الفجر - مسافراً , وقد عمل بالرخصة التي تبيح له الفطر , وما دام قد انتهى وقت إنشاء النية , فمن حقه أن يستمر على فطره , وله أن يفعل كل ما يفعله المفطر من أكل وجماع وغير ذلك , إلا أن الشافعية استحبوا له ألا يظهر الفطر عند من يجهل عذره حتى لا يهتم ويعاقب ... ورواية مرجوحة عند أحمد؟ يمنع مثل هذا الشخص من الجماع أثناء فطره هذا.. أما الحنيفية؟ فقد أوجبوا على من وصل إلى دار إقامته قبل الزوال: أن يمسك بقية يومه؟ ووجهتهم على هذا القول؟ أن هذا الشخص قد انقطعت عنه الرخصة بوصوله إلى دار إقامته في وقت يصح فيه إنشاء نية الصوم وهو ما قبل الزوال , لذلك وجب عليه إنشاء نية الصوم [١] . مبنى كل من الرأيين:

стр. 13290

اعتبار علماء الحنفية أن وقت إنشاء نية الصوم لا ينتهي بطلوع الفجر بل يستمر إلى ما قبل الزوال؟ إنما يرجع لحديث عائشة ﵂ " دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلت: لا. قال: فإني صائم , ثم أتانا يوماً آخر , فقلت يا رسول الله أهدى لنا حيس , فقال: " أرينه فلقد أصبحت صائما " فأكل " [٢] . لكن الفرق شايع بين إنشاء النية في صوم واجب كرمضان وبين إنشائها في صوم التطوع , فإن النية في صيام رمضان يجب أن تكون من طلوع الفجر وتستمر إلى غروب الشمس قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقر: الآية ١٨٧) . فأوجب تعالى الإمساك للصوم من طلوع الفجر. وبما أن صيام رمضان واجب فإن الإمساك من طلوع الفجر فيه واجب.. وهذا بخلاف صوم التطوع؟ فإنه مبني على المسامحة , فقد سئل مجاهد عن المعنى المراد من حديث عائشة ﵂ فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها رواه مسلم في صحيحه , وقد جاء هذا القول مرفوعاً متصلا بحديث عائشة المتقدم عند النسائي عن طريق مجاهد أيضاً [٣] .. أما القول بأن النية في صيام رمضان لا بد أن تكون من طلوع الفجر فهو يتمشى مع صريح القران الكريم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ - ومع ما جاء في الحديث الشريف من رواية حفصة ﵂ " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " [٤] قال صاحب التحفة: وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين , وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري , وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات , وصحح البخاري والنسائي وقفه على ابن عمر. [٥]

стр. 13291

لكن ما قاله صاحب التحفة عن موقف النسائي من هذا الحديث؟ يحتاج إل وقفة: فقد أورد النسائي أربع روايات متصلة مرفوعة عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ , ثم أورد له ست روايات عن ابن عمر عن حفصة , ثم رواية عن حفصة وعائشة برواية ابن شهاب عنهما ثم أورد له روايتين عن ابن عمر [٦] فلا أدري لماذا اختار أن يعبر عن موقف النسائي من الحديث: بأنه اختار صحة الوقف على ابن عمر مع كل هذه الروايات عن النبي ﷺ وعن حفصة؟ وقال الترمذي تعليقاً على الحديث السابق , وإنما معنى هذا عند بعض أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان , أو في صيام نذر , إذا لم ينوه من الليل لم يجزه [٧] . لذلك كله أقول: إن المختار: هو رأي هذا الفريق الذي يرى ضرورة إجماع النية على الصيام من طلوع الفجر , فإذا ما وصل المسافر بعد طلوع الفجر إلى دار الإقامة فلا يجب عليه الإمساك بقية يومه , بل له ان يستمر مفطرا حنى انتهاء هذا اليوم الذي وصل فيه , كما أن له إن يفطر على ما شاء مما أحله الله له والله أعلم. بيان الآثار المترتبة على الأخذ بهذه الرخصة: اتفق أهـ ل العلم على أن المسافر إذا اجتمعت لديه شروط الأخذ بالرخصة - حسب ما بيناه سابقا - وأفطر تبعا , فإنه يجب عليه قضاء الأيام التي أفطر فيها , إلا أنهم اختلفوا في عدد من المسائل المتعلقة بذلك ... وفيما يلي بيان بأهم المسائل المختلف فيها وآرائهم حولها ومستند كل رأي , بيان مدى قربه أو بعده من السنة المطهرة. ونعقد لذلك عدداً من المطالب نبدؤها بالمطلب الأول فنقول: هل يجب التتابع في قضاء الأيام الني أفطرها في سفره: اختلف أهل العلم في وجوب التتابع في قضاء الأيام التي أفطرها المسلم أثناء سفره عملا بالرخصة. على فريقين:

стр. 13292

الفريق الأول: يرى وجوب التتابع في القضاء. وقد حكى هذا الرأي , عن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة ابن الزبير والنخ عي وداود الظاهري.. وقد نقل عن داود قوله: هو - أي التتابع - واجب غير شرط , بمعنى أن تاركه يأثم لكن مع ذلك يعتد بما صامه شرعا [٨] .. وأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي: ١- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة , قال: قال رسول الله ﷺ : " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه " [٩] . وقد نوقش هذا الاستدلال , بما نقله البيهقي عن يحيى بن معين والنسائي والدارقطني من تضعيفهم لعبد الرحمن بن إبراهيم أحد رجال هذا الحديث [١٠] .. وقد رد على هذه المناقشة بما نقل عن بعض أصحاب الحديث من توثيقهم لعبد الرحمن هذا , فقد وثقه البخاري في تاريخه كما وثقه ابن معين. ونقل عن أحمد بن حنبل , أنه قال: لا بأس به , وقال أب وزرعة: لا بأس به أحاديث مستقيمة , وع ن الدارقطني , أنه وثقه في هذا الحديث وقال ابن عدي: لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به , وقال ابن القطان: هو مختلف فيه والحديث من روايته حسن [١١] . وأخيراً قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ متقن [١٢] . ٢- عن عائشة ﵂ , قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت متتابعات [١٣] .. فهذا اللفظ (متتابعات) الذي نزل متعلقا بأيام أخر يوضح الحالة التي ينبغي أن يكون عليها قضاء هذه الأيام الأخر وهي: أن يكون القضاء متتابعا.. ولكن يناقش هذا الاستدلال بأن السند الذي روى به هذا القول عن عائشة ﵂ , وهو عبد الرزاق , عن ابن جريح , عن ابن شهاب , وعن عروة , روى به أيضا تأويل قولها " سقطت ": بأنها تريد: نسخت. لا يصح له تأويل وغير ذلك. [١٤]

стр. 13293

ويرد على هذه المناقشة , بأن النسخ قد يكون نسخا للتلاوة مع بقاء الحكم , وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معا , وليس في هذه الرواية ما يدل على إرادة أحد هذين الأمرين. ٣- ما روى من قول علي ﵁: من أن " قضاء رمضان متتابعا " [١٥] . ويناقش هذا , بأنه من رواية الحارث الأعور , وهو ضعيف بل وروى عن طريقه أيضاً عن علي ﵁ " أنه كان لا يرى به متفرقا بأسا " [١٦] . ٤- مشابهة القضاء للأداء: أي بما أن الأداء لا يصح الا متتابعا , فالقضاء كذلك , إذ لا فرق بين الأداء والقضاء , كما هو في قضاء الصلاة.. ويناقش هذا الاستدلال , بالفرق بين الأمر الصادر من المشروع بالأداء وبين الأمر الصادر بالقضاء , حيث جاء الأمر بالأداء مقرونا ببيان تحديد الوقت الذي يجب فيه الصيام تحديدا واضحا. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . أما الأمر الصادر بالقضاء فقد جاء بصيغة النكرة الواقعة في سياق الإثبات قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وهذه الأيام الأخر مطلقة.فيجوز القضاء في أي وقت مفرقا أو متتابعا.. كما أنه يفارق الصلاة؟ لأن الصلاة ملاحظ فيها دائما , في الأداء والقضاء قوله ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي ". كما أن الصلاة إذا تركها المرء عددا قليلا من الأوقات كخمس أوقات فأقل فكثير من الفقهاء يوجب الترتيب بينها , أما أكثر من ذلك فلا , وهذا موضع مختلف فيه بين الفقهاء. الفريق الثاني:

стр. 13294

نقل عدم وجود التتابع عن عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء , منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبة هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور. [١٧] أهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وقد أوضحنا وجه الدلالة من هذه الآية قريبا ويتخلص في: أن الله قد أمر بقضاء أيام الفطر بسبب المرض والسفر في أيام أخر بعد انتهاء رمضان دون قيد.. ويرد على هذا الاستدلال , بما جاء من قول عائشة ﵂ السابق من أن هذه الاية كانت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقط لفظ متتابعات.. ويجاب , بأن السقوط , قد فسر بالنسخ , والنسخ محتمل لنسخ الحكم والتلاوة معا ولنسخ التلاوة دون الحكم , ومعلوم أن الدليل إذا تطرق غليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وعل ذلك فبقيت الآية محكمة , وقد فهمها الصحابة على هذا النحو: أ – فقد سئل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ عن قضاء رمضان , فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصى العدة واصنع ما شئت [١٨] .. ب - وسئل معاذ بن جبل ﵁ عن قضاء رمضان , فقال: أحصي العدة وصم كيف شئت. وقد نقل مثل هذا القول وبهذا اللفظ عن ابن محيريز [١٩] .. ج - وعن ابن عباس ﵄: قال: يقضيه متفرقا , فإن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [٢٠] . د - وعن أنس بن مالك , أنه كان لا يرى به بأسا ويقول: إنما قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [٢١] ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس [٢٢] ..

стр. 13295

قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ .. حيث جاء أسلوب المطالبة بالأداء مغاير لأسلوب المطالبة بالقضاء , فالداء قد حدد فيه زمن الصوم تحديدا كاملا , أما في جانب القضاء , فاكتفى في المر به بذكر المماثلة في العدد بين الأيام الي أفطر فيها والأيام التي سيقضيها بدلا عنها , دون أن يحدد وقت معين لقضاء هذه الأيام.. قد يقال: أن أمر القضاء وان جاء مطلقا في الآية وفإن حديث أبي هريرة قد قيد هذا الاطلاق.. فيجاب بأن ما قيل في سند هذا الحديث حتى مع ترجيح جانب الصحة فيه يجعله غير صالح لتقييد مطلق الكتاب.. المختار: هو قول من يرى عدم وجوب التتابع , لأن الأمر في الرخص مبني على التخفيف والمسامحة , ةلأن فهم الصحابة للآية والذي اتضح من استدلالهم بها على عمومها , أقوى من الاحتمالات الواردة في حديث عائشة ﵂ الا أن الأفضل هو التتابع - كما يقول الجمهور - للجمع بين الأدلة من جهة , وللمسارعة في اسقاط الواجب وإبراء الذمة من جهة أخرى. والله أعلم. هل يجوز للمسافر الصوم في قضاء لرمضان سابق عليه؟ يرى ابن حزم للمسافر في شهر رمضان جواز الصيام أثناء سفره قضاء لأيام كانت عليه من رمضان السابق [٢٣] .. وجهة ابن حزم في الجواز: يقول ابن حزم: إ ن الله : منع المسلم المسافر من صيام رمضان أثناء سفره , ولكن لم يمنعه من أي صيام آخر غير هذا الشهر , سواء كان هذا الصيام - الآخر - نذرا أو تطوعا أو قضاء لرمضان سابق عليه وهذا فلا مانع من صيا رمضان السابق , للمسافر خلال رمضان الذي يسافر فيه ولقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهذه الأيام الأخر لم يحدد لها وقت فيجوز آداؤها في كل وقت [٢٤] .. من يرى عدم الجواز:

стр. 13296

يرى أكثر الفقهاء عدم جواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال سفره في رمضان التالي له. وقد حكى ابن المنذر هذا الرأي عن سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق وأبي ثور , كما أنه رأى مالك والشافعي وجمهور الفقهاء [٢٥] .. ولم يذكر مستند لأصحاب هذا الرأي لكني وجدت أثرا منقولا عن عطاء , في رجل أفطر رمضان ثم أقام ولم يقضه حتى ألقاه رمضان المقبل مسافرا , أيفطر إن شاء , قال نعم , ثم يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا [٢٦] .. لكن من الواضح: أن عطاء هنا , أجاز الفطر ولكنه لم عن صيامه قضاء عن رمضان السابق , كما يقول المجيز فليس فيه ما يفيد المنع.. إلا أننا حينما نلاحظ الحكمة من رخصة الفطر للمسافر , وهي تخفيف المعاناة التي يجدها المسافر خلال سفره , ثم نلاحظ أن الأخذ بهذه الرخصة ليس محتما - كما أوضحنا ذلك سابقا - كانت النتيجة: أن من كانت لديه قدرة على تحمل مشقة السفر , أو كانت ظروف سفره تساعد على تخفيف هذه المشقة إلى قدر المحتمل عادة، كان الأولى به , هو صيام الفرض الحاضر اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه , فقد ثبت مما تقدم أنهم كانوا يصومون خلال شهر رمضان وأن هذا الصيام كان عن رمضان الحاضر الذي يكونون فيه , وأما الادعاء بأنهم كانوا يصومون تطوعا أو نذرا أو قضاء لرمضان سابق عليهم فهي دعوى جاءت على خلاف الأصل وعلى مدعيها إقامة الدليل على إثباتها.. ومجمل القول في هذه المسالة , أن القول بجواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال شهر رمضان التالي له في أثناء سفره فيه , هذا القول قد يتفق مع مذهب ابن حزم الذي يمنع المسافر من الصيام خلال سفره في شهر رمضان..

стр. 13297

أما عند الجمهور الذين يجيزون الفطر والصوم للمسافر خلال شهر رمضان بل ويعتبرون الصيام أفضل لمن قوى عليه - لحديث أبي سعيد المتقدم وغيره مما أسلفنا - فهذا العمل فيه مخالفة عندهم لما كان عليه ﷺ وأصحابه حيث لم يثبت ذلك عن أحد منهم بالرغم من كثرة أسفارهم. كما أن ابن حزم مع كثرة استيعابه وجمعه للسنن والآثار لم يستطع ايراد سنة واحدة أو أثر واحد يدلل به على ما ذهب إليه , كل ما في المر أنه بنى على رأيه في هذه المسألة على الأصل الذي تثبت به من قبل وهو حرمة الصيام على المسافر خلال شهر رمضان. ولما وجد كثرة النصوص التي تثبت صيام النبي ﷺ وصيام أصحابه , قام بثنى عنان كل هذه النصوص ,على أن الصيام الثابت فيها لم يكن عن رمضان الحاضر , بل كان عن غيره , من نذر أو تطوع أو قضائه لرمضان السابق وهكذا. غفر الله لنا وله.. هل يجب ال إ طعام على من فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر؟ أكثر أهل العلم على أن المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر في سفره خلال شهر رمضان - كله أو بعضه - ثم استمر في سفره - أو شغل عنه بمرض ونحوه من الأعذار القاهرة - حتى أدركه رمضان الثاني , ف إ نه لا يجب عليه ال إ طعام وإنما يلزمه بعد انتهاء سفره أو الشفاء من مرضه أن يقضي رمضان السابق ثم التالي له بالترتيب. وقد نقل هذا الرأي عن طاوس والحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وإسحاق وأحمد وأبي حنيفة والمزني ودواد ... وقد اختار هذا الرأي البيهقي واستدل له بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [٢٧] .. وقد حكى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة , أن مثل هذا الشخص: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر ويفي عن الغائب ب إ طعام كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه [٢٨] .

стр. 13298

ولم أجد مستندا لهذا القول. وعموم قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يرد عليه: إ ذ عموم الآية يوجب القضاء في أيام أخر ولم يعين وقتاً لهذه الأيام الأخر فهي تشمل العمر كله ... أما من أقام بعد انتهاء سفره ولم يقض الأيام التي أفطرها خلال سفره حتى أدركه رمضان الآخر , فجمهور الفقهاء على أنه يجب عليه حينما يقضي هذه الأيام - من رمضان السابق - أن يطعم مع كل يوم مسكينا وقد قال بذلك: ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق إ لا أن الثوري: قال بوجوب مدين عن كل يوم. وقد نقلت بذلك نصوص كثيرة من الصحابة والتابعين في المصنف والسنن الكبرى [٢٩] .. والحكمة من قول وجوب الإطعام؟ أن مثل هذا الشخص يعتبر مفرطا في القضاء في الأيام التي يجب عليه القضاء فيها والتي تنتهي بنهاية شهر شعبان التالي له أو هي ما بين الرمضانين , لذلك استحق أن يجازي بإطعام كل يوم مسكينا مع القضاء بالصيام ... ويرى الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود: أن عليه القضاء بالصيام فقط ولا فدية عليه [٣٠] .. وقد نقل عن داود قوله في هذا الصدد: من أوجب الفدية على كل من أخر ليس معه حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع [٣١] . وهو كما قال: إلا أنه يقال أيضاً: أن من نفى وجوب الفدية عليه ليس له مستند من كتاب أو سنة أو إجماع؟. أما العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فهو يفيد جواز القضاء في أي أيام أخر قبل رمضان التالي أو بعده ليس إلا. أما الطعام فهو أمر زائد على القضاء فلا تثنيه الآية ولا تنفيه..

стр. 13299

وإذا تساوى القولان من هذه الناحية؟ ف إ نه ينظر إلى الآثار المروية عن الصحابة ﵃, إذ هم قريبو العهد بالتنزيل وأدرى بمواقع النصوص. فقد روى البيهقي بسنده إل ى ابن عباس ﵄ في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر؟ قال يصوم هذا ويطعم عن ذاك كل يوم مسكينا ويقضيه.. كما روى أيضا بسنده إلى أبي هريرة: أنه قال: في رجل تتابع عليه رمضانان ففرط فيما بينهما , يصوم الذي حضر ويقضي الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا [٣٢] ... والواقع أن الموقف الذي اتخذه جمهور الفقهاء هنا بالتفرقة بين شخصين: أحدهما شغل عن القضاء بالسفر أو المرض حتى أدركه رمضان الآخر فجعلوه معذورا يكتفي منه بالقضاء فقط. والآخر الذي كانت لديه فسحة من الوقت ولم ينتهزها وفرط في القضاء ولم يهتم بالإسراع لأداء الواجب الذي شغلت به ذمته حتى وافاه رمضان الآخر , فأوجبه عليه الإطعام مع القضاء لرمضان الأول. هذا الموقف يتفق مع النصوص الشرعية ولا يتعارض معها , وهو وإن لم يكن فيه نص صريح في الموضوع لكن نصوص الشريعة متوافرة في التفرقة بين المحسن والمسىء وقد قال ﷺ فيمن منع زكاة ماله: " إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ... " الحديث [٣٣] . الحكم فيمن شغل عن القضاء حتى مات من سافر وأخذ بالرخصة فأفطر ولم يقض ما عليه حنى مات: له حالتان: الحالة الأول: من اتصل عذره بالموت: المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر واستمر في سفره حتى مات أو عاد من سفره ولكن لم تتح له الفرصة للقضاء فاستمر مشغولا بالمرض أو غيره حتى مات , فيرى أهل العلم بما يشبه الاجماع , أنه لا شئ عليه ولا يصام عنه ولا يطعم , لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا َّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: الآية ٢٨٦) .

стр. 13300

كما أنه شبيه بالحج , فمن لم يستطع أداء الحج من وقت بلوغه حتى مات فلا ش يء عليه س [٣٤] .وقد نقل عن طاوس وقتادة , أنه يطعم عن كل يوم مسكين لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم. ولكن رد عليهما , بأن الشيخ الهرم عامر الذمة بخلاف الميت الذي تنتهى ذمته بالموت عند أكثر الفقهاء , كما أن الشيخ الهرم من أهل العبادات بخلاف الميت الذي تنقطع أهليته بالموت [٣٥] . الحالة الثانية: من فرط بترك القضاء حتى مات: إذا عاد المسافر من سفره صحيحا واستمر كذلك ولم يحدث له مانع يمنعه من القضاء حتى أدركه الموت , فقد قال عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء , أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد. وممن قال بذلك , ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه. إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك , لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية , ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله [٣٦] . أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من اتلحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري , أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان [٣٧] . وقد احتج لهذا الفريق الذي يرى الإطعام على من فرط حتى مات بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقض: قال: " يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر " [٣٨] . قال البيهقي - بعد سرده لهذا الحديث - هذا خطأ من وجهين: أحدهما: رفعه الحديث للنبي ﷺ وإنما هو من قول ابن عمر. والآخر: قوله نصف صاع وإنما قال ابن عمر: مدا من حطة [٣٩] .

стр. 13301

وقد نقل النووي كلام البيهقي هذا واحتج به [٤٠] . لكن صاحب الجوهر النقي تعقب كلام في تضعيف هذا الحديث وقال: إ ن البيهقي فهم: أن محمدا , الذي روى عنه أشعث هو ابن أبي ليلى. وكذا صرح به الترمذي. وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. ثم قال: فإن صح هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى , فلقائل: أن يمنع الدعوى بوقف هذا الحديث على ابن عمر ﵄ [٤١] . ورواية ابن ماجة التي أشار إليها صاحب الجوهر النقي , جاءت بلفظ: " من مات وعليه شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " [٤٢] . وقد نقل السندي تعليقا للمزي في الأطراف جاء فيه: قوله - يشير إلى ابن ماجه - عن محمد بن سيرين: وهم , فإن الترمذي: رواه ولم ينسبه ثم قال الترمذي. وهو عندي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى [٤٣] . ولا أدري هل المزي هو الواهم في نسبته ابن ماجه إلى الوهم , حيث اعتمد على تصريح الترمذي , بأن روايته للحديث عن طريق محمد بن عبد الرحمن ن فاعتبر أن كل طرقه تدور عليه وأن من روى خلاف ذلك , يعتبر واهما. وقد يكون الأمر على خلاف ذلك , بأن يكون ابن ماجه رواه عن طريق محمد بن سيرين , فيكون متابعا , وقد قال ابن ماجه قد وهم في نسبته إلى محمد بن سيرين. والله أعلم بالصواب. ٢- عن عبادة بن نسى ﵁ قال النبي ﷺ : " من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه " [٤٤] . هذا الحديث في سنده ابن أرطأة وهو مدلس , فلا يصلح للاحتجاج به. ٣- عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح قال في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت , قال: ليس عليه شىء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة [٤٥] .

стр. 13302

٤- روى ال إ طعام بسند صحيح عن عمر بن الخطاب والزهري والحسن والنخعي وعطاء [٤٦] . أن الشخص المفرط في القضاء حتى مات مثله مثل الشيخ الفاني الذي عجز عن الصيام في آخر عمره فإنه يجب في حقه ال إ طعام ويسقط عنه الصوم وإنما جازت المماثلة هنا لأن قضاء الصيام عن التراخي باتفاق أكثر الفقهاء ما عدا داود. الا أن بعضهم يوجب الفدية في حالة التفريط وبعضهم لا يوجبها [٤٧] . مقدار الفدية: الفدية عند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضا عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر [٤٨] . أما الفدية عند أكثر الفقهاء , فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد , وسواء كان التأخير لعام أو لعامين , وهناك وجه عند الشافعية , أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم, اذا كان قد مضى عليه رمضانان , وصححه المتاخرون منهم [٤٩] . أما الفرق الثاني: فيرى: أن من فرط في قضاء الصيام , فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه. وقد قال بذلك: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود , وهو قول الشافعي في مذهبه القديم , وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية [٥٠] . وقد استدل لهذا الفريق بما يلي: ١- حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : " من مات وعليه صيام , صام عنه وليه " [٥١] . وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث بما روى عن عمارة بن عمير ع ن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم , قالت: يطعم عنها وروى عنها من وجه آخر عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم [٥٢] . وقد أجاب البيهقي , بأن ما ذكر لا يوجب ضعفا في الحديث , فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه , وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر [٥٣] .

стр. 13303

وقد عقب صاحب الجوهر على دعوى البيهقي في قوله: وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر , فقال قد صح ذلك عنها , ثم ذكر ما جاء عند أبي جعفر الطحاوي بسنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة أن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها , فقالت: لا ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك , ثم قال: هذا سند صحيح [٥٤] . وقد قال بعض أهل العلم إذا أفتى الصحابي بغير ما روى عن رسول الله ﷺ فالعبرة بروايته لا بفتواه. وعلى ذلك فإرشاد عائشة ﵂ إلى الإطعام بدلا عن الصيام أو نهيها عن الصيام وأمرها بالإطعام لا يؤثر على صحة الحديث. وعلى قوة الاحتجاج به. ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها , فقال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها. قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى " [٥٥] . وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أيضا: " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال: " أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم. قال: " فدين الله أحق بالقضاء " [٥٦] . وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث , بما رواه عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه [٥٧] . وبما رواه البيهقي بسنده إلى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عباس في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر نذر. وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس ورواية أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في صيام شهر رمضان أطعم عنه وفي النذر قضى عنه وليه. ثم قال البيهقي: وفي نسبة ذلك إلى ابن عباس نظر [٥٨] .

стр. 13304

وقد أجاب صاحب الجوهر , على تشكك البيهقي حول نسبة الإطعام إلى ابن عباس بدلا من الصيام , بما رواه النسائي في سننه.. عن عطاء عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد , ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين خلا ابن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم [٥٩] . ومن جهة أخرى , فإن الشافعي , قد اعتذر عن العمل بحديث ابن عباس الوارد في القضاء بالصيام عن الميت , وقال: إ نه أشبه ألا يكون محفوظا. وذلك لأن الزهري قد حدث عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ : نذرا ولم يسمه [٦٠] . مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس يغير ما في حديث عبيد الله , أشبه ألا يكون محفوظا , فإن قيل أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس وقيل نعم [٦١] .. فقد أجيب عن ذلك بأن الظاهر تعدد القصة , أي أن القصة التي سئل فيها ﷺ عن الصوم تصريحا , غير قصة سعد بن عبادة التي سأل فيها عن المنذر مطلقا.ويتأيد ذلك بحديث عائشة في الصحيحين والذي أوردنا في صدر أدلة هذا الفريق. ٣- عن بريدة قال: بينا أنا جالس عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة , فقالت: يا رسول الله: إني تصدقت على أبي بجارية , وأنها ماتت. فقال: وجب أجرك وردها عليك بالميراث. قالت: يا رسول الله , انه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: " صومي عنها ". قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: " حجي عنها " [٦٢] . ٤- عن ابن عباس ﵄: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إ ن نجاها الله أن تصوم شهرا فنجاها الله , فل تصم حتى ماتت , فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها " ورجاله رجال الصحيح [٦٣] .

стр. 13305

أما الفريق الثالث: فيرى أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه , فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان. وقد قال بهذا الرأي: أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس [٦٤] . ومن أهم الأدلة استند إليها هذا الفريق: ١- ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من مات وعيه صيام صام عنه وليه " وقد أشرنا من قبل إلى أنه مروى في الصحيحين. إلا أن موضع الشاهد هنا: أن أبا داود بعد أن ذكر هذا الحديث في سننه عقبه بقوله: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل [٦٥] . وهذا القول منه , تخصيص لعموم الحديث حتى يتفق مدلوله مع الأدلة الأخرى التي نص فيها على أن الميت إ ن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه والأصل في النصوص الشرعية العامة أنها تبق ى على عمومها حنى تقوم قرينة تفيد التخصيص. ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله , إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها , فقال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى " وقد أشرنا من قبل إلى أن هذه الرواية متفق عليها بين الشيخين بنفس اللفظ. أما رواية ابن عباس الثانية " أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إ ن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: " أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم. قال: " فدين الله أحق بالقضاء ".
следующие страницы →