Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الطريق الجديدة
(قصة قصيرة)
بقلم الشيخ: محمد سعيد المولوي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
كان كل شيء ذلك اليوم رائعا وجميلا في نظري, فالشمس مشرقة دافئة حلوة تحن الأرض إلى أشعتها تنفض بها عن شعرها قطرات الندى التي صبها عليها الليل قبل أن يرحل وكانت الأشجار تهتز طرية فرحة على أنغام الطيور والعصافير, وقد اكتست من خضرة الثوب ما راق وتوشى بدنانير الذهب ورق الخريف, وكان النسيم يهب ناعما رقيقا لينا وكأنه أم تمر بيدها على خد وليدها تداعبه وتخشى عليه, وكانت دمشق لا تزال تستقبل الوافدين إليها للالتحاق بجامعتها فتفتح لهم يديها وتضمهم إلى صدرها ضمة حنان ورأفة فتمسح عنهم غبار السفر وتضفي عليهم من رونقها ما يأخذ بالعقول ويسرح الألباب.
وكانت السيارة تنطلق بنا منحدرة من تلال الزبداني تعجب من حال شباب ما عرفوا في حياتهم سوى الضحك والمزاح، وما حملوا من هموم الحياة شيئاً وما أدركوا معنى المسئولية, وأصوات هؤلاء الشباب تعلو وتنخفض مع كل ضحكة لطيفة ونكتة حتى وصلت بنا إلى مشارف دمشق ثم مالت نحو الجنوب لتقف أمام مستشفى المجتهد، ثم تقذف ما في صدرها فتتعالى أصداء الضحكات وبقايا الابتسامات أمام باب المستشفى ثم تخفت لتنتقل إلى الردهة الخارجية حيث كان يقف صف طويل من الشباب ينتظرون نتائج فحوص صدورهم الشعاعية.
وقفت في الرتل الطويل، وكنت لا أزال أضحك وأفرح وأعلق على كلام أصدقائي وأنا انتظر دوري حتى صرت أمام الكوة الصغيرة ودفعت بالورقة المرقومة إلى الموظف وأنا مطمئن النفس إلى أنه سيمهرها بخاتمه كما يمهر غيرها وأنطلق مع الأصحاب عائدين ولكن الموظف قلب أوراقا أمامه ثم قال: انتظر قليلاً.
стр. 1367
أحسست ببعض القلق في نفسي، ومال عليّ صديقي فاروق يقول: "ما باله؟ "قلت: "لست أدري ولكنه طلب أن أنتظر قليلاً", قال: "لا بأس سنسبقك إلى نادي الجامعة ونلقاك هناك"قلت: "حسناً", وبقيت أنتظر قرابة نصف ساعة وكلما أطللت على الرجل كان يستمهلني حتى ضاق صدري وفرغ صبري, وأخيراً جاءني رجل يلبس قميصاً أبيض فنادى علي باسمي ولبيت متلهفاً وأخذني جانباً ثم قال: أتسعل؟
- نعم, عندما أصاب بالبرد, قال: ليس ذلك أعني.
- ماذا تعني إذن..
- هل تسعل سعلاً خفيفاً متقطعاً؟
- لا..
- لابد..
- لكن ذلك لا يحصل.
- هل تحس بوجع في خاصرتك؟!
- لا..
- أبداً..
- أحياناً عندما أركض وأكون أكثرت من شرب الماء..
- ليس هذا ما أعني.
- إذن ماذا..؟
- هل تؤلمك خاصرتك في الليل؟
- لا.
- هل تعرق..؟
- نعم, في الصيف وعندما أو عندما ألعب الملاكمة أو كرة القدم..
- أيضا ليس هذا ما أريد..
- ماذا تريد..هل تعرق في الليل..؟
- ليس دائما وإنما في وقت الحر.
وضاق ذرع الرجل بي فتركني ومال على نافذة صغيرة فأخذ منها علبة زجاجية صغيرة ثم قال: خذ هذه وابتعد جانباً ثم تقشع فيها.
وما فهمت كلامه فقلت: وما معنى تقشع؟
- أسعل سعالاً شديداً ثم ابصق فيها ما تخرجه من صدرك.
- ولكن كيف أسعل وأنا لا أحس بحاجة للسعال..
- جرب..
وانتحيت جانباً وتساعلت حتى تعبت ثم أتيته بما وضعته في العلبة.
فقال: هذا لعاب.. ولا يصلح.
قلت: وما أصنع هذا ما استطعته؟
- انتظر، ثم أخذ ملقطاً حديدياً بيده اليسرى وآخر بيده اليمنى قد لقط قطناً ثم أمسك لساني بالأيسر ودس القطن في سقف حلقي، وأخرجه يحافظ عليه كما يحافظ على جوهرة ثم رمى به في علبه زجاجية صغيرة.
стр. 1368
كان صبري قد فرغ وبدأت أحس أن الأمر جد وأنه لابد لي معرفة ما يريد.. فقلت: قل لي ما الأمر..؟
- قال: لاشيء إلا أننا نشك أن تكون مصاباً بالسل..
ضحكت ضحكة صفراء ولكني أحسست أن الأرض قد مادت من تحت قدماي ونظرت إلى الرجل أمامي فرأيته يترنح يمنة ويسرة فأمسكت بالحائط واستندت عليه وتماسكت أنفاسي، حتى إذ هدأت قليلاً قلت: ولكن هذا غير معقول فمن أين يأتيني السل؟ فإن البيئة التي أعيش فيها بيئة صحية وبيتنا لا تغيب عنه الشمس من الصباح حتى المساء وطعامي جيد، وأيامي أمضيها بالرياضة والسرور.
وأجابني الرجل بجفاء: لا ندري، وعلى كل حال فسنصور لك صدرك صورة شعاعية كبيرة للتثبت، وقد أخذنا من حلقك جراثيم سنزرعها لتحقق من الأمر..
ثم التفت وقال: اتبعني..
سرت وراءه وقد عقدت يدي وراء ظهري وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع. أيمكن أن يكون ما يقوله حقيقة..؟
لا, هذا غير معقول.. ولكن من أين له أن يتهمني بمثل هذا الاتهام لولم يكن صحيحاً.. لا.. لا أصدق.. وقطع على تصوراتي أمره لي بخلع ملابسي والوقوف وراء لوحة التصوير.
كانت الغرفة مستورة النوافذ في ستائر سوداء جعلتني أحس برهبة في نفسي فأحسست بالضيق يملأ على أنفاسي فكدت أختنق ووقفت وراء اللوحة وأنا شارد الذهن مسلوب الإرادة، وأصبحت كالآلة, فما انتهيت حتى لبست ملابسي ثم وقفت بجانبه أنتظر منه الأمر.. وخطر لي أمل في الرجاء فقلت: السنة الماضية كنت مسجلاً بالجامعة وقد أجريت الفحص الشعاعي فما قالوا لي شيئاً.
قال: ليس شرطاًً ثم إن قسمنا حديث التأسيس وآلاتنا جديدة.
وقطع بحديثه خيط العنكبوت ونظرت إليه فأردف: اليوم السبت تحضر يوم الأربعاء لأخذ النتيجة ثم التفت ودخل الحجرة.
стр. 1369
خرجت من المستشفى وأنا لا أكاد أصدق ما حصل ورحت أفرك عيني هل أنا في حلم؟.. لا فهي الحقيقة، وزال كل جمال للدنيا من عيني فما عدت أرى أمامي إلا سواداً ومشيت وأنا أترنح يمنة ويسرة ونظرت إلى الشمس فإذ هي لا تثير بي إحساساً ولا تحرك شعوراً وكان جبل قاسيون يجثم أمامي شامخاً فأحسست به وكأنه على صدري وحاولت أن أستنشق الهواء فإذا الهواء جامد قاسي لا يدخل رئتي واندفع سعال بسيط يهز كياني كله.. لقد كان الرجل صادقاً فها أنا أسعل سعالاً خفيفاً.. ولكن مدافعة عنيفة ثارت في نفسي.. لا يمكن أن يكون هذا.. وكان ثقل رأسي قد بلغ مني مبلغه وكأن مطارق عنيفة تهوى على جمجمتي تكاد أن تحطمها.
كان منظر الأشجار أصفر باهت تعلوه سمة الموت ومغادرة الحياة!.. وكانت زقزقة العصافير ضوضاء مزعجه ترهق الشعور وتدعوا إلى الضيق، وكان النسيم بارداً ثقيلاً تمجه الصدور وتخشاه، وكانت سحن الناس كئيبة مقترة لا تفتر عن بسمة ولا تنم عن تفاؤل.
وصلت البيت فأدرت المفتاح ودخلت كان البيت موحشاً مقفراً لا أثر فيه للحياة أو الحركة، فالأهل كلهم في الزبداني، وأكببت على فراشي وترغرغت الدموع في عيني، وغلبني سعال خفيف، وأحسست بعرق غزير يبل جسدي, فبكيت وبكيت.. وقمت فوقفت أمام المرآة أنظر في وجهي.. وثارت في نفسي تساؤلات: أيمكن أن يكون هذا الوجه الأزهر وجه مسلول.. وجاء الجواب: ألا ترى الشمعة قبل أن تذوي يشتد لهيبها. أيمكن أن يكون هذا الصدر الذي ينم عن قوة، وهذان الساعدان المفتولان قطعة من جسمي المسلول.. وكان الجواب: كم من أشياء ننخدع بها في الحياة، أنسيت أنك في مسبح بولدان في الأسبوع الماضي شعرت بوهن وضيق في صدرك شديد، وأن أصدقائك عزوا ذلك إلى شدة برودة الماء.
стр. 1370
وانهزمت مقاومتي واقتنعت أنني مسلول.. وعدت إلى فراشي فاستلقيت على ظهري ورحت أحدق في السقف.. وقفزت إلى ذهني أسماء أصدقائي الذين ماتوا فمأمون دهسته السيارة ونحن نلعب الكرة أمام المدرسة, وموفق غرق في مسبح المزة، وسالم أصيب بالتهاب السحايا.. وطن في أذني صوت راح يعلو ويعلو حتى صرت لا أسمع غيره, وغداً سيقولون: يونس مات بالسل عليه رحمة الله.
ووضعت إصبعي في أذني، وعبثاً حاولت أن أخلص من هذه الهواجس ومر أمامي شريط حياتي قصيراً. سريعاً فما وجدت فيه ما يسر.. وكدت أصيح وأصرخ وغلبني الخوف والرهبة وقمت مسرعاً وفتحت الباب وانطلقت إلى الشارع. كان اليأس قد ملك على نفسي وحرت أين أذهب، وقررت أن أعود إلى الزبداني وخطر في بالي أن أصدقائي قد يكونون بانتظاري بالجامعة وأحسست بقرف شديد ونفور عنيف من الجامعة ومن فيها، وأي أمل لي وراءها.. وبدأت أشعر بالكراهية لها، فلولاها لما عرفت أنني مسلول.. لو بقيت جاهلاً ما أنا عليه لكان خيراً لي فإنني سأبقى متمتعاً بالحياة.. ولكن الآن انتهى كل شيء ولم يبق من الحياة إلا القليل.
وسرت وكأني أجر رجلي حتى وصلت منطلق السيارات وامتطيت واحدة وجلست بجانب النافذة, وأسندت رأسي إلى الزجاج..
стр. 1371
لست أدري كم بقيت منتظراً, ومتى سارت السيارة, لكن الذي لا أزال أذكره أن المستقبل.. كان يبدو أمامي مظلماً قاتماً, فكم سمعت أن المسلول يعيش شهرين أو ثلاثة ثم يموت.. وقفزت إلى ذهني جنازة ابن جارنا صلاح الذي مات مسلولاً وهم يخرجونها من الدار وأخوه محمد متهالك القوى وأبوه منكس الرأس وأمه تصيح من النافذة يا ولدي صلاح وتكاد تلقي بنفسها، ثم غابت لتظهر بدلا منها صورة جنازتي وهم يخرجونها من الدار ووالدي المسكين يتكئ على عصاه ودموعه تنهمر على لحيته وأمي تصيح من وراء الباب وأخوتي قد انتفشت شعورهم، وأصدقائي ينكسون رؤوسهم يتظاهرون بالحزن والأسى.. ورسخ في نفسي أن النهاية قريبة لابد منها وتنوعت الأفكار التي اعترضتني، فإني فيما تبقى لي من الآيام سأعتزل الناس والأصدقاء وسأجعل لي صحنا خاصا وملعقة خاصة وسأمنع أمي وإخوتي من القرب مني، وسأترك الدنيا وما فيها، ولكن ماذا أصنع بهذه الآيام المتبقية ستبدو مملة متعبة لا أرى فيها جمالاً، ولا متعة ولا روعة! ولم أجد جواباً، كنت أدور بذهني وأدور ثم أعود إلى نفس الأفكار حتى وصلت السيارة الزبداني فترجلت منها، وسرت نحو البيت..
لم يعد مصيف الزبداني الآن يعني لي شيئاً وقد كان بالأمس الروضة الغناء، والجمال الطبيعي الرائع، والمتعة المتفجرة والسعادة المتجددة. كان انعدام المسؤولية والبحث عن اللهو, كان الرحلة والغناء والضحكة، كان المرأة الجملية والنكتة الحلوة، والسير اللطيف كان الهواء العليل، والماء البارد وثمار الطبيعة اللذيذة، كان الجبل في شموخه والجدول في خريره والمغارة في سرها والدرب بترابه، والغصن في ترنحه وميلانه، والآن كلمة الزبداني كلمة فارغة لا معنى لها.
وصلت البيت وقرعت الباب وفتحت لي أمي ونظرت في وجهي، وانحنيت على يدها أقبلها.. وأحست بجمودي.. قالت: ما بك؟ .. وأجبت بانكسار وضعف: لا شيء ابتعدي عني..
- ما بك هل جرى شيء..؟
стр. 1372
- لا.. أتركيني, وغلبني البكاء وهرعت إلى والدتي تضمني إلى صدرها بحنان وتكرر السؤال عليّ, وأنا أدفعها برفق وأسعى ألا أجعل أنفاسي تلاقي وجهها.. وبعد حين:
- قلت: إنني مصاب بالسل..
- ونظرت أمي إليّ نظرة هي نسيج من الحنان والشفقة والاستغراب، ثم قالت: ومن قال لك ذلك..
- الطبيب..
- أعوذ بالله.. لا يا بني لا تستمع إلى هذا الكلام فمن أين يأتيك السل.
- لقد قالوا لي ذلك في المستشفى وهم يعتمدون على التصوير الشعاعي.. ورحت أقص على أمي ما جرى.. وأنا مضطرب أرتجف وكان خطان من الدموع يغادران عينيها، وبصمت ليرسما طريق الحنان والمحبة على وجنتيها.
ومدت أمي يدها إلى صدري فوضعتها عليه ثم راحت تقرأ سورة الانشراح وما حفظت من الأدعية والتعويذات ورأسي موضع على صدرها في اطمئنان فلما انتهت أمسكت وجهي بيديها ثم قبلتني في رأسي وقالت:
إسمع يا ولدي.. إن ما قيل لك كلام فارغ لا تصدقه فليس بك شيء وإن كنت تثق بي فصدقني، ثم لو كان بك شيء فلا تذكر ذلك لأحد فسأكون في خدمتك وسأقدم إليك ما تحتاجه من طعام مغذ وأستأجر لك دارا في الشتاء هنا وسأوفر لك سبل الراحة حتى يشفيك الله.. ألا تعرف ابنة خالتي سلمى لقد كانت مثلك زهرة في مقتبل العمر وأصيبت بالسل.. بسبب سوء التغذية والحياة البائسة التي كانت تحياها والتعب الشديد الذي كانت تقوم به لسد نفقات أسرتها.. لقد بذلت أمها كل ما تستطيع من أجلها، فمنعتها عن الناس وقدمت لها كل ما تحتاجه من طعام ودواء حتى باعت أكثر ما تملك ولم يبق سوى الفراش الذي تنام عليه البنت وقد شفاها الله، وهي في صحة جيدة.. ألم ترها.
كان كلام أمي مقنعا ولكنه انزلق في أذني ليخرج من الثانية وأجبتها إرضاء.. نعم رأيتها..
стр. 1373
لست أدري كيف أمضيت يومي ذاك فقد انعزلت في فراشي وامتنعت عن الطعام وأبعدت عني إخوتي ورحت أفكر في كل لحظة في ثلاثة أشياء: السعال، العرق، ألم الخاصرة.. وما أن أظل المساء حتى كانت فكرة خطيرة قد سيطرت عليّ وملأت عليّ تفكيري، لا أمل في الحياة فلم أتحمل العذاب بقية عمري لم لا أنتحر! إن مغارة النابوع التي كنا نتباهى فيها بإطلاق الرصاص منذ يومين قريبة من البيت ومسدس أخي لا يزال في مكانه الذي وضعته فيه بعد أن استعرته منذ يومين لأفتخر أمام أصحابي أني أحسن إطلاق الرصاص، وإذا انتحرت هناك فلن يراني أحد ولن يحس بي أحد فنادراً ما يدخل المغارة إنسان.
مضى علي الليل طويلاً كئيباً مملا متعبا، كنت أسعى إلى النوم فلا أستطيع وأتقلب يمنة ويسرة بلا فائدة، حتى ضجرت، فقمت من فراشي وخرجت من الغرفة.. كان سهل الزبداني مغموراً بضوء القمر الساطع الذي يحتجب أحياناً بمرور بعض الغيوم البسيطة، وكانت الأرض تتبدد متنوعة الظلال والألوان ولكن ذلك لم يثر بي إحساساً مع أني كم أمضيت من الليالي ساهراً أرقب مثل هذا المنظر وأتمتع به وأتمتم بأغنية أو أستمع إلى المذياع.. وهبت نسمة باردة لفحت صدري فأهويت بيدي على منامتي أجمعها على صدري، ثم عدت إلى الغرفة.
جلست على طرف السرير وأطرقت برأسي إلى الأرض وتساءلت: كم بقي للصباح؟ ثم نظرت في ساعتي, لا يزال بيني وبين الفجر أربع ساعات.. ما أطولها.. مع انقضائها سأستريح.. سأنتحر.. سأموت..
وانتفض جسدي عند ذكر الموت وبدا لي وحشا فظيعا فاغرا فمه يريد أن يبتلعني.. ولكن تماسكت وتصوّرت وقع النبأ على أمي وأبي, والحزن والأسى الذي يسيطر عليها وترغرغت الدموع بعيني، وتصورت أصدقائي يحفون بالجنازة ويقفون على القبر والخطباء يؤنبونني وتصورت مجالس الصحب وقد عادت إلى ما كانت عليه من الهرج والمرج وقد خلا مكاني فيها فلا يذكرني أحد إلا نادراً.
стр. 1374
وأحسست بجسدي منهكاً والتعب يأخذ مني مأخذه فاضطجعت على طرف السرير وأخذتني سنة من النوم ثم أفقت ضيق الصدر مكروب النفس مظلم الإحساس ونظرت في ساعتي فإذا الفجر قريب، وتذكرت الموت فأحسست بالعرق يغمر جسدي.. وطاف في ذهني.. ألم يسألك الطبيب: هل تعرق؟ .. ها هو ذا العرق.. وأحسست بألم في خاصرتي، وانطلق من صدري سعال خفيف ضعيف.. لا ريب أنها كل العلامات والإشارات.. فلا مجال للمراهنة.. إذن لابد من الموت.
وراعني خاطر الموت.. كيف أموت وإلى أين أمضي.. إلى المقبرة. أيصبح هذا الجسد الغض الطري تحت التراب تلعب فيه الديدان، تتوسد التراب ليس له من كساء إلا قطعة من كفن أبيض رخيص, وإذا نزل المطر ورشحت قطراته على وجهي فمن يزيح تلك القطرات.. وهاتان العينان الجميلتان من يبعد عنهما القذى، وهذا الشعر المصفف الحلو الذي كنت أقضي زمناً طويلاً أمام المرآة أمشطه وأرجّله وأتباهى به بين الأصدقاء من سيزيح عنه التراب وينظف شعراته؟.
كنت سارحاً في تأملاتي حين فجأني صوت المؤذن يصيح من على المئذنة: يا أرحم الراحمين..
كنت كمن مس شريطاً من الكهرباء فاختلج جسدي كله.. وثاب عقلي: يا أرحم الراحمين.. يا أرحم الراحمين, ووجدتني أقولها وأرددها، وانتبهت إلى نفسي فأين كنت؟ السل.. الانتحار.. هل نسيت رحمة الله؟ هو الذي خلقني وهو الذي يتصرف بي وأين الرضا بالقضاء؟، ثم ما هي نتيجة الانتحار.. جهنم وهل أطيقها.. أخر الدنيا والآخرة..وهل الانتحار مما يخلصني مما أنا فيه؟.
стр. 1375
ثاب إلى عقلي وأدركت أن ما كنت فيه كان للشيطان فيه حظ كبير, صحيح قد أكون مريضا.. ولكن أليس الله هو الشافي ألم يسأله أيوب الشفاء فشفاه, أوليس هو الذي شفى الأبرص والأكمه.. ثم إذا لم يشفني أو ليس المرض كفارة للذنوب وإذا كنت سأموت بعد بضعة أشهر من الداء واستعجلته الآن فما هو الكسب أخاف من الموت لأقع فيه سريعا، والنظرة الباسمة إلى الحياة أليست تنبع من الداخل وكذلك النظرة المظلمة البائسة.. فكثير من التصورات والأفكار تكون انعكاسا لرأي ثابت أو عاطفة خاصة أو حالة معينة للإنسان..ثم من أين أحدد أنني سأموت في غضون أشهر وهل أعطاني الله علمه في هذا، ولكن..ربما يكون السل قد بلغ مبلغه وأكون على أبواب الوفاة؟!
стр. 1376
ولمع في ذهني خاطر برقت له جوانب نفسي وأضاءت ظلمات قلبي وأحسست بالراحة الشديدة وكنت كالمجنون الذي أحس بالهواء أو كالغريق تحسس يد المنقذ.. لم لا أتوب إلى الله وأستغفره مما فرطت فيه وأستأنف حياة جديدة تقوم على التقى والعبادة وتمثل أوامر الله.. وثار سؤال في نفسي.. وهذه الذنوب الكثيرة والمعاصي ماذا تصنع بها وأنت لا تتوب للتوبة وإنما خروجا مما أنت فيه.. وعرفت بفطرتي أن هذا السؤال من عمل الشيطان.. وتذكرت قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ , وملأ قلبي نور القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وتبسمت ثم انفجرت باكياً وأنا أرفع يدي عاليا وأقول: الحمد لله.. الحمد لله يا أرحم الراحمين. رضيت بقضائك يا أرحم الراحمين, وعلا صوت المؤذن يصيح: الله اكبر فانتفضت وقلت: الله أكبر الله اكبر.. ثم قمت فاتجهت نحو البحرة المتوسطة لباحة الدار فتوضأت ثم قلت: اللهم إني قد أسرفت من الذنوب الكثير وأنت الغفور الرحيم..اللهم إني أعاهدك وأشهدك أنني استغفرك وأتوب أليك.. ثم اتجهت نحو الغرفة أريد ردائي ومفتاح الدار.. ووقعت عيني على الكوة التي وضعت فيها المسدس فأشحت بوجهي عنها، وقلت: أستغفرك اللهم.. كانت المرة الأولى في الزبداني التي أهبط فيها المسجد مصليا صلاة الصبح، دخلت المسجد الرحب فأحسست بالنور يملأ نفسي والبهجة تغمر قلبي, والسعادة تسيطر علي.. وطفرت الدموع من عيني فتركتها تسيل وأردتها أن تشفع لي ذنوبي ووقفت خاشعاً متذللا فصليت السنة ثم انطلقت في الدعاء وغلبني الوجد فيما شعرت بنفسي ولا بمن حولي.. غير أن يداً نحيلة لجسد شيخ متهدم كانت تربت على كتفي لتقول: بارك الله فيك يا بني.. لا تنسني من دعائك.
стр. 1377
مضى ذلك اليوم على خلاف أمسه فقد عمدت إلى الطعام كما كنت أصنع قديما، وبديت باشا ضاحكا أمام أمي وإخوتي، ولعلهم استغربوا حالي, إلا إنهم رأوا مني عزوفا عن مزاح بارد كنت أعكف عليه, وأغنيات تافهة كنت أرددها, ورأوا مني منظرا ما عهدوه في حياتي إلا قليلا، ذلك أني صاحبت المصحف وعنيت بالتزام صلاة الجماعة.
وعادت السيارة بعد أيام لينطلق بي منحدرة من تلال الزبداني نحو مدينة دمشق، فموعد الصورة الجديدة الصوري وزرع الجراثيم في هذا اليوم, لكن السيارة كانت هادئة فلم يكن فيها صخب ولا هرج ولا مرج، وإنما تمتمة بسيطة لشاب هادئ وادع يسرج نظره في المصحف حينا وفي المناظر حينا آخر.
كان كل شيء ذلك اليوم رائعا وجميلا في مظهري، فالشمس باسمة مشرقة دافئة حلوة تحن الأرض إلى أشعتها تنفض بها عن شعرها قطرات الندى التي صبها عليها الليل قبل أن يرحل, وكانت الأشجار تهتز طربة فرحة على أنغام الطيور والعصافير, وقد اكتست من خضرة الثوب ما راق, وتوشي بدنانير الذهب وورق الخريف, وكان النسيم يهب ناعما رقيقا لينا, وكأنه أم تمر بيدها على خد وليدها تداعبه وتخشى عليه.. دخلت المستشفي وقلبي تسيطر عليه السكينة التي يدافعها الأمل بالشفاء والخوف من المرض، ووقفت على كوة الموظف فدفعت إليه بالورقة المقومة للصورة.. وأخرج الرجل ظرفا كبيرا، راح يقرأ ما كتب على غلافه باللغة الأجنبية، ثم استأذنني قليلا ودخل غرفة الطبيب.
стр. 1378
انتابني شعور من القلق يشابه ما ينتاب الطالب الذي ينتظر نتيجة امتحانه، فلا يزال هناك أمل يتردد قد يخبو فقد لا أكون مصابا إصابة شديدة، ولكن الأمل بالله قائم ورحت أرقب الباب بلهفة من ساعات عديدة، وأخذت أتحرك قليلا فلا أكاد أغادر النافذة حتى أعود إليها وعيناي مسمرتان على الباب لا تفارقانه. وظهرت قامة الرجل فاتحا الباب فحدقت في وجهه لكنه لم يعرني انتباها وإنما صاح على الخادم أن يذهب إلى المختبر وأن يحضر تقرير الطبيب الجرثومي, ثم عاد إلى الغرفة ومر الخادم بعد قليل يحمل ورقة بيده فاخترق ألي الغرفة المغلقة ... كان قلبي يدق.. وكانت نفسي مضطربة، ومع هذا فكنت أحس براحة شديدة، فتعلقي بنتيجة التصوير والفحص لم يذهب طمأنينتي إلى الله, ورحت أتضرع إلى الله وأدعو وأتذلل, وكنت في حالة من الانكسار ندر أن تمر في حياة الإنسان وندر أني مررت بها.
وأخيرا جاء الرجل.. ونظرت إلى شفتيه كما ينظر المتهم المظلوم إلى شفتي قاض ظالم ونظر إلي باسما ثم قال: اطمئن.. فلقد فحصنا الصورة الكبيرة فما وجدنا بها شيئا وقد كبرناها مقاطع مقاطع فما وجدنا شيئا ونظرنا في نتيجة الزرع الجرثومي فوجدناها سلبية فاذهب واطمئن..
وقلت: لكن كيف تعلل الصورة الأولى وما فيها؟..
ضحك, وقال: لا هذه قضية بسيطة فكثيرا ما يتفس الإنسان وقت لقط الصورة فتأتي مشوشة وقد تفسد عند تحميضها فنضطر إلى إجراء ما رأيت للتأكد من المرض والسلامة..
لست أدري ماذا انتابني وأنا أسمع كلام الرجل بسلامتي، كدت أصفق، أصيح, أقفز, أنادي على الناس ليشهدوا أني معافى, أضمه, وأقبله, أبكي, عواطف متعددة اجتاحتني.. ولكني تذكرت فضل الله علي فخررت على الأرض ساجدا, وقلت: الحمد لله والدموع تترغرغ في عيني..ثم انطلقت مسرعا أريد أن أخرج على الناس والأهل والصحب ليعلموا أن ما قيل عني كان غير صحيح..
стр. 1379
انطلقت من باب المستشفى والسعادة تغمرني, والطرب مسيطر عليّ يستفزني, وكانت خطواتي سريعة غير متزنة, وانتبهت إلى نفسي أنني أدندن بأغنية قديمة.. وتوقفت عن الغناء وقلت: أستغفر الله, فالوقت وقت حمد واستغفار ثم انطلقت أتمتم: الحمد الله.. الحمد الله.
وصلت البيت وكان فارغا كما تركته منذ أربعة أيام فلا يزال الأهل في الزبداني, ومدت يدي إلى جيبي أبحث عن المفتاح, ولاحت مني نظرة إلى شباك سلوى, صديقة الأيام الماضية, وابتسمت ولوّحت لي بيديها كعادتها وأحسست أن يدي ترتفع لترد على التحية, وأن شفتي بدأتا تفتران عن ابتسامة وفي نفس اللحظة كان صوت المؤذن لأذان الظهر قد انطلق: الله أكبر.. وتذكرت التوبة وعهدي لله.. فارتخت يدي.. وجمد وجهي وقلت: الله أكبر ثم نظرت نحو المسجد فرأيت مئذنة سامقة في الجو تذكر بالصعود والتسامي والارتفاع عن كل ما في الدنيا من مغريات.. رددت مرة أخرى: الله اكبر, فقد وضحت الطريق وظهرت السبيل.. فلا مجال للعودة أو التردد وتركت المفتاح في جيبي وأدرت ظهري لسلوى وما تعنيه من مغريات الدنيا ثم اتجهت نحو المسجد للصلاة فما أحلى التوبة, وما أحلى الطريق الجديدة!!
стр. 1380
النبوة: اصطفاء وقدوة
للشيخ أحمد مختار البزرة
المدرس بكلية الدعوة
إن العالم يتطلع في هذا العصر إلى أمة تتحمل الواجب المقدس في الدفاع عن الإنسان، هذه الأمة يجب أن تصير قدوة، ولا تصير قدوة إلا إذا عرفت في تاريخها مثلاً يحتذى.
المحاضرة الرابعة في الموسم الثقافي لعام ٨٩-٩٠ الذي تقيمه الجامعة الإسلامية بالمدينة. وقد ألقاها المحاضر على جمع غفير من رجال العلم والحجاج وطلاب الجامعة بمقر دار الحديث.
يعيش إنسان العالم المعاصر أياماً شداداً؛ تظله غيوم التشاؤم، ويملأ نفسه اليأس، إنه في عالم العصر الحديث؛ عصر المدنية الغربية الذاهبة شرقاً وغرباً؛ مدنية المعجزات العلمية والمخترعات الباهرات، مدنية شقَّ صانعوها أجواء الفضاء وحزموا الحقائب للسفر إلى الكواكب؛ مدنية فتحت لأعينها آيات رائعات على عظمة قدرة الله الخالق ودلائل على البارئ المقدر الحكيم! ومع ذلك فإن إنسان هذه المدنية في قنوط وعجز وخوف؛ خوف من مدنيته التي شيدتها يداه، ينظر في كل مكان فيرى رؤوس القنابل النووية في البر والبحر والجو مشرعة تريد أن تنقضَّ، فيغمض عينيه ويهرب بنفسه إلى دنيا الوجوديين والعراة والخنافس والمخدرات؛ خوف على خوف إذا وضع يده على قلبه أنكره. إنسان هذه المدنية يلوك خيبة مريرة، لقد قضى قروناً بحثاً عن السعادة والمعرفة والحق والخير والجمال، وأقام دهراً طويلاً يتشدق بالحرية والعدالة والمساواة، لكنه أخفق في تحصيلها، وأخذ بنفسه وبالآخرين لما فرض نفسه وحضارته عليهم دليلاً وقيما. فأشقى نفسه وألقى على أمم الأرض الشقاء.
стр. 1381
إنسان هذه المدنية - على عديد تجاربه في الحياة وضخامة وسائله وإمكاناته - ليس كالإنسان الذي كرمه الخالقة أول مرة وأمر الملائكة بالسجود له. إنه إنسان فقَدَ نقاء الفطرة، وانحط عن مرتبة الكمال الأمثل، إنسان رضي بالأرض قسما وباع السماء بيعة وكس، وقطع بينه وبينها الأسباب وعاش في الأرض للأرض لا لربه ولا لنفسه، ومنها اشتق معناه الوجودي معنى مادياً بحتاً، ووزن نفسه بترابها؛ بذهبها أو حديدها أو نحاسها أو زينتها أو حبها فلم يعرف لنفسه قدراً وقيمة إلا بمقدار ما جمع منها وما حاز. وكان الوزن عند الله الحق والعدل والخير والأمانة.
كان هذا انحرافا كبيراً عن الصراط المستقيم الذي هدى الله إليه الإنسان؛ انحرافاً قذف به إلى الجانب المظلم الداكن من الحياة؛ إلى الخوف بعد الأمن.. إلى الظلم بعد العدل.. إلى العبودية بعد الحرية.. إلى الشقاء بعد السعادة.. إلى القلق بعد الطمأنينة.. إلى الكفر بعد الإيمان.. إلى الحرب بعد السلام.
ويقف هذا الإنسان وقد أعد كل شيء للحرب والفتك ليخادع نفسه كما خدعها مراراً وليبحث ويتحدث في السلام.
يالها من أغنية حلوة عذبه! كذلك يتغنى السجناء بأناشيد الحرية من وراء القضبان.
قالت خديجة ﵂: "الله السلام ومنه السلام" ١. وحق ما قالت، فمن أراد السلام فليلتمسه في حمى الله؛ في شريعته ومبادئه.
وأية جدوى في البحث عنه في قلوب خاوية من تعاليم الرب لم تبق فيها شهوة المادة شعاعاً من نور، ولا نبضة من رحمه؟.
إن السلام ينبثق من المحبة، والمحبة تتفجر من الإيمان. وأن الحرب تلدها البغضاء، والبغضاء سليلة الكفر والإلحاد. إذن لا أمل للإنسانية في سلام ونجاة وللكفر والإلحاد في الأرض دولة وسلطان.
стр. 1382
إن خلاص الإنسانية الحقيقي أن تجد سبيلاً إلى محبة؛ محبة خالصة منزهة وليست هي في المادة! فإن المادة تستولي على قلب الإنسان ولا تورثه إلا أثرة وشحناء. وليست المحبة في الإلحاد، فإن الإلحاد في حقيقته حقد جاحد؛ حقد مخلوق متكبر على الخالق المنعم. وكيف يعطى قلب خلا من الإيمان جاحد بموجده، حاقد على ربه محبة صادقة نقية معينة؟ وهل يجتمع نقي الحب وأسود الحقد في قلب واحد؟.
إن مستنقع الحقد لا ينبت فيه إلا الخبيث، وإن الإلحاد فحمة الحقد على نور السماء.
تعيش البشرية هذه الأيام الشداد، وعلى الذين يستطيعون أن يقدموا لها شيئاً في إنقاذها أن يسرعوا في أداء واجبهم قبل أن تحق من الله كلمة العذاب.
إن الدول الكبرى قدَّمت ما عندها للآخرين؛ القوة المادية الجبارة التي لا ترحم وقالت هذه الدول كلمتها "البقاء والحق للأقوى"فقضت بذلك على آمال الإنسانية التاريخية بالعدالة والإخاء لقد قالت هذه الدول كلمتها الأخيرة، وما في كلمتها إلا الاستعباد والظلم والاضطهاد وخنق الروح والضمير. وإن الواجب يفرض على أولئك الذين عرفوا في تاريخهم وشريعتهم قانوناً غير مظلم والاستعباد أن يقولوا كلمتهم.
إن الدول الكبرى قالت كلمتها، وحيل بيننا نحن المسلمين وبين كلمتنا أن نقولها في حاضرنا ومستقبلنا وفي حاضر الإنسانية ومستقبلها. وأني لأقول - وما قولي بادعاء - ما على ظهر الأرض أمة غيرنا عندها للحق بيان ومنهج، فإن كتابنا يحتفظ بكلمة السماء في صفائها الأزلي الأوَّلي، وإن تاريخنا يشهد بواقع تطبيقي حسن لهذه الكلمة.
стр. 1383
إن العالم يتطلع في هذا العصر المضني إلى أمة تتحمل الواجب المقدس في الدفاع عن الإنسان وإخراجه من الظلام إلى النور؛ أمة تستطيع بما فيها من ذخر روحي، وما عندها من قيم إلهية أن تكون أرقى بني الإنسان فكرا وشعورا وأنبله غاية وهدفا، وأقدره على تسلم القيادة في معمع الأخطار. هذه الأمة يجب أن تصير قدوة ولا تصير قدوة إلا إذا عرفت في تاريخها مثلا يقتدى، فريدا كاملا من البشر؛ كاملا في إنسانيته، في حبه الخير وبغضه الشر، لا عوج في طريقته ولا انحراف في شخصيته، تجده كتلة من المعاني الخالدة المتجسدة كلمات وعمل وتنظيم. إذا اتبعته أمته، وتبنت أهدافه ورفعت شعاره، وانطلقت في دروب سيرته صارت حياتها أشبه شيء بحياته.
هذه الأمة التي تستطيع ذلك بإذن ربها هم المسلمون، وذلك المثال الرفيع هو محمد ﷺ .
إنه لم يبق لنا في هذه الأيام الشداد إلا أن نعود على نبع الفطرة الصافي نستقي منه؛ إنه لابد من العودة إلى الأنبياء.
ولقد جاء كبار الرسل أممهم على حال لا تختلف بما فيها من قلق وظلم وفساد والإلحاد وانحدار في القيم الإنسانية عن عصرنا. فلنقف إذن لحظات مع:
١- مع عصر النبوة.
ولننظر:
٢- في اصطفاء الذات النبوية.
ولنتأمل:
٣- في إعداد الله للرسول:
أ- إعداداً نفسياً.
ب- التمهيد لظهوره تاريخياً.
ج- والتهيئة له اجتماعيا.
فإذا أحطنا بذلك بدت لنا
٤- ضرورة القدوة.
عصر البعثة النبوية:
стр. 1384
لا مراء في أن عصر البعثة النبوية عصر ممتاز بين الأعصر الزمنية له في علم الله ميعاد معلوم كسر من أسرار الغيب, حتى يأذن الله بإنزال رسالته على عبده المختار. (ولوددت لو يتسع للقول مجال للحديث عن خصائص عصر النبوة, لكن المحاضرة تضيق عن هذا القصد. حتى الحديث الفائض عن عصر البعثة المحمدية يزيد على حظنا من الوقت. ومن ثم أجتزئ بالكلام عن العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله علية وسلم, لعلنا نظفر بفائدة وحكمه) .
فليس من شك إذن أن الله يختار للنبي عصره, ويؤقت له: ميلاده, ومبعثه, ووفاته. ولقد قال تعالى لموسى ﵇ بعد أن ذكره بأطوار ماضيه وكلاءته له فيه ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ ١ وكذلك فإن ميلاد محمد ﷺ على قدر وموعد إلهي مع الزمان, وكان عام الفيل الذي ولد فيه عاما حافلا في تاريخ الإنسانية, عاما مليئا بالأحداث الضخام. أقبل فيه أبرهة الأشرم يريد هدم الكعبة بعد أن نجح الأحباش في احتلال اليمن. وكان أبرهة قائداً جلدا طموحا بعيد الأهداف, قد أزمع أن يجعل من اليمن قاعدة ملك له تنطلق منها عساكره للسيطرة على جزيرة العرب سيطرة سياسية وعسكرية واقتصادية, وأن يشد إليه قبائل العرب المتنافرة المتدابرة بخيوط وأوتار يحركها ويضرب عليها كيفما شاء. وأعمل أبرهة الفكر وكان ذا نظرة استعمارية داهية, لا يعوزها شيء من حنكة المتخصصين باستعمار الشعوب في العصر الحديث, فصمم خطته لتحويل العرب تحويلا دينيا يجعل الطريق أمامه معبدا ذللا لتحقيق أغراضه الاستعمارية. وهو أمر لا يختلف في عن الغزو الفكري وأهدافه الذي يستهدف العرب والمسلمين اليوم.
وكان أبرهة نصرانيا فأراد حمل العرب على اعتناق النصرانية بالمكر والسيف, فكان صاحب أول حمله صليبيه في التاريخ على بلاد العرب.
стр. 1385
وهذا ما أدركه العرب واضحا من غرض تحركاته العسكرية, وأفصح عنه عبد المطلب وهو أخذ بحلقة باب الكعبة يستغيث الله:
لاهم أن العبد يمنع
رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم
ومحالهم غدوا محالك ٢
وكانت الكعبة منذ أغوار الزمن مثابة العرب وأمنهم ومهوى أفئدتهم يلتفون حولها بمشاعرهم وشعائرهم في جو من الرضا العضوي والتقديس لمقام إبراهيم من منزلة في قلوبهم, وارتقت مطامع أبرهة إلى القضاء على أسباب وحدة العرب الروحية المجتمعة في الكعبة واستبد به التفكير في تهديمها فجاءت خطته تعد في الحقيقة تغيير جذري في مرافق العرب ومستقبلهم (خطة لا تختلف في كثير عن خطة اليهود في تحريق المسجد الأقصى وزعزعة قواعده لقطع صله المسلمين بمسجد يشدون إليه الرحال) . وقدَّم أبرهة لهذه الخطة النكراء ببناء القليس - كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض - ٣ وأوضح الغرض منها في تقرير أرسله إلى سيده ملك الحبشة يقول فيه: "لست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب" ٤ ولما عرضها للعرب لم تهو إليها أفئدتهم وأنكروا مضاهاتها لمقام إبراهيم ﵇, وأحدث بناؤها رد فعل عنيف في نفوسهم تجلى في إعراضهم عنها ونهوض بعضهم للتعبير عن سخطهم ونقمتهم وهوانها عليهم بأساليب خاصة فردية فأيقن أبرهة بإفلاس القليس ما دام للعرب حول الكعبة مقام فبيَّت غزو مكة وتهديم كعبتها المشرفة, وعبأ جيشه وأعلن بالزحف.
стр. 1386
ولم يكن طريقه إلى مكة لا أشواك فيه, إذ من العسير على العرب أن يتسامعوا بغزو بيت الله الحرام فلا يستثارون ولا يثورون. فهب فريق ممن أوتوا حمية وغيرة يعترضون جيش أبرهة اللجب. وكانت أولى المقاومة من قوة يمانية على رأسها الملك ذو نفر ٥ صمد لأبرهة بقبيلته وجماعات من العرب، ولم يكن ثمة تكافؤ بين الفريقين، فأحاط به أبرهة وأسره وكبَّله وسيره في الجيش تشهيراً وتخويفاً وردعاً للآخرين. على أن مصير ذي نفر لم يمنع قوة عربية أخرى للمقاومة من قبيلة خثعم بقيادة سيدها نفيل بن حبيب ٦ فلم يلبث إلا يسيرا حتى أسر وأدني للقتل ولكنه أعلن ولاءه وولاء قبيلته الكبيرة لأبرهة وتطوع أن يكون دليله في طريق مخوف، فرضي أبرهة من ذلك ليأمن ظهر الجيش وليستفيد من حصر القوى العربية معه. وكان من خطته أن يتحاشى سفك الدماء ما استطاع حتى يأمن الثارات والحزازات ويضمن للمستقبل صفاء القلوب، ولما حاصر ثقيفاً في الطائف خرجوا إليه وأعلنوا الطاعة والعبودية لأبرهة ورضوا بأن يهدم بيت الله على أن يسلم لهم بيت اللات ١ وقد كشف إخفاق المقاومة العربية عن نواح خطيرة في واقع العرب:
١- عظم مكانة الكعبة في نفوسهم واستعداد العرب للقتال في سبيل بقائها. ولكن هذه النية الحسنة لم تظفر بالقدرة المنفذة.
٢- عجز قوى المقاومة عن اجتماع بعضها البعض وتنسيق خططها.
стр. 1387
٣- انشغال غالبية العرب في الجزيرة وخارجها بخصومتهم المحلية، وعداوتهم القبلية وأحقادهم التاريخية عن الاحتشاد لقضية كبرى في حياتهم ومستقبل وجودهم، وجعلها فوق العداء القبلي والخصومات السياسية. وقد عانت جزيرة العرب قبل الإسلام عبر أمد مديد حروباً وغزوات فيما بين القبائل، فاستنزفت قواها في غير طائل، وغرقت في الحروب حتى كادت تتفانى، ولهذا، ولم تستطع أن تتناسى الخصام العنيد والعداء المميت وأن تنسلخ من أضعاف وأحقاد تتوارثها جيلاً بعد جيل. فبات تلاقيها أمراً مستحيلاً استحالة التقاء الماء والنار. ولعل هذه الحال تكشف عن معنى العظيم في معجزة الله في قوله لنبيه ﷺ : ﴿) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢ هكذا كانوا يوم أصحاب الفيل في استعصاء على الالتقاء في سبيل أية قضية حتى ألفت بينهم كلمة التوحيد ورسالته الله.
٤- ضعف القوة المعنوية وانخفاض المستوى النفسي لدى المقاومين منهم؛ إذ سرعان ما ألقوا بأيديهم إلى الاستسلام وحرصوا وكانوا أشد حرصاً على الحياة، ورضوا بأن يكونوا عبيداً وأعواناً وعملاء في صفوف الأعداء يكشفون لهم الطريق ويتحسسون لهم أحوال القبائل الأخرى مما يدل على أن الحياة لديهم كانت بشكلها الرفيع أو الوضيع، الذليل أو العزيز أحب إليهم وأغلى عندهم من أية قضية لهم، بل لا أجحد التاريخ إذا قلت أن العرب قبل محمد صلى الله علية وسلم لم يكن لهم قضية يضحون في سبيلها إلا قضايا خفيفة جزئية تأكل منهم ولا تعطيهم، قضايا العداء والثأر المحلي.
стр. 1388
ويظهر جلاء الأمر إذا قابلنا بين موقفهم من أبرهة وموقف العرب المسلمين من أعدائهم الكفرة؛ قيل لزيد ابن الدثنة وهو يقدَّم للقتل: "أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة. . تؤذيه، وأني جالس في أهلي" ١.
وكان قياصرة الروم أحياناً يروزون حرص المسلمين على دينهم فيغرونهم الإغراء المذهل ليفتنوهم، فما ينفصمون من دينهم شعرة فيلبس القياصرة من ثباتهم ويقينهم، ذلك أن صار للعرب قضية يعيشون لها، ولا يجدون شيئاً باهظاً أن يستشهدوا في سبيلها. ولا يفلح عرب ولا مسلمون لا قضية لهم، وخير القضايا طراً قضية السماء.
стр. 1389
٥- الانقسام والسطحية في العقيدة: ولعل أفدح العوامل في مأساة العرب عام الفيل - وفي كل مأساة من مآسي تاريخهم كله - خمود نيران الحمية الدينية في القلوب, وفقدان الأشداء من المؤمنين: أعمدة الثبات والتثبيت في الملمات والحروب. فبينما كان أعداءهم الأحباش يتقدمون إلى بيت الله الحرام بحمية صليبيه طاغية, كانت أفئدة العرب خلواً من شعور ديني مقدس دفاق قادر على دحر الموجة الصليبية. ولو فتشنا قلوبهم يوم ذاك لما وجدنا فيها حقيقة من حقائق الدين, ولا معنى واضحا من معانية يعتصبون به وينطلقون منه. كل ما فيها يوم ذاك ظلال من دين إبراهيم غمرها من الوثنية غبار كثيف. . أفسدت عليهم الأصنام دين التوحيد وباعدت بين معتقداتهم وقلوبهم وألقت البغضاء بينهم إذ ذهبت كل قبيلة بصنم, تعبده دون القبائل الأخرى, فكان هذا الانقسام في الدين عاملا خطيرا في تفتيت وحدتهم كأمة لها دور في التاريخ. حتى صارت بعض القبائل لا تجد ضيرا في تهديم الكعبة إذا سلم لها إلهها كما رضيت ثقيف بذلك على أن تبقى لها اللات وجرى العرب في عبادة الأوثان على تقليد ذميم وليس لها في طباعهم وتفكيرهم أصالة واستقرار. ولم يكن في مقدور الأوثان أن تلهب القلوب بحمية ما. فاجتمع لهم إلى الانقسام السطحية في الدين, وهو داء عياء خذال قتال في المواقف الكبرى التي يتقرر فيها المصير, وكان العرب يوم ذاك بما هم عليه من هذا على شفا الضياع والهلاك؛ لئن لم يخلعوا الأصنام التي قسمتهم والوثنية التي أماتت شعورهم وحميتهم ذهبوا وضاعوا وهلكوا. ولهذا لما أراد الله بهم خيرا بدلهم بعقائدهم المشتتة الباهتة المميتة عقيدة التوحيد المجمعة المتألقة بالنور الدفاقة بالحياة. قال تعالى يذكرنا بهذه النعمة الكبرى والمنة العظمى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ
стр. 1390
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [١] , ولا غرو أن المعجزة الرائعة التي حققها المسلمون في مجال الفتوح والدعوة ما كانت لتنجز على أيديهم لولا العقيدة الجديدة؛ عقيدة التوحيد التي وحدت القلوب والصفوف والخطط والعمل.
لما كر أبرهة الأشرم في الطائف إلى مكة يتقدمه أبو رغال الثقفي دليلا علم أن قد صفى المقاومة العربية بأدنى وأبخس ثمن. والحق أن أبرهة لم يعوق مسيره من اليمن إلى مكة حرب ضروس, وإنما مناوشات يتبعها استسلام وخضوع وتبعية.
стр. 1391
ورضي أبرهة عن هذه النتائج أيما رضا إذا وفرت عليه الوقت والجهد والدماء، ولم يخامره شك في أنه أوفى على بلوغ مأربه عندما أنزله أبو رغال بالقرب من مكة. وقد طمع أن يظفر من قريش بمثل ما ظفر من ثقيف وغيرها، بتسليم كلي ليبلغ ما أراد من تهديم الكعبة برضا من أهل الحرم على مشهد من العرب وعلى أسمع العالم وبصره ليدعي هوان أمره على أهله، إمعانا في الامتهان لسكانه والمهانة لحجاجه وقاصديه. وانطلاقا من هذا القصد أرسل دورية تأديبية هجمت على أموال لقريش فساقته إلى المعسكر، ثم بعث رسولاً إلى قريش يطلب إليهم أن يرسلوا إليه بسيدهم لمباحثته. فوجهت إليه بسيدها عبد المطلب بن عبد مناف بن هاشم، شيخ وقور مهيب جاوز المئة من عمره، جرب الأيام وجربته فطن يضع القول مواضعه مخلص للبيت ولرب البيت، فسلك أبرهة مسلكاً لإرهابه وإدخال الوهن على نفسه ليسهل فرض رغباته وطلباته عليه، فأعوز إلى رجاله أن يطوفوا بعبد المطلب على الأسرى من أسياد العرب وملوكهم، فأدخل على ذي نفر وكان في حديد، ورأى نفيلاً الحنفي وآخرين مقهورين على أمرهم يقومون بخدمة أبرهة ورجاله، فحزت المرارة في نفسه إذ رأى رجالات العرب قد هزموا نفسياً وعسكرياً. وعرف عبد المطلب أنه مقبل على معركتين مع أبرهة؛ نفسية وعسكرية. وأيقن أن الثانية لا نفع في خوضها فرغب عنها غير مستسلم وأما الأولى فصمم على الثبات فيها. ولما أذن له بالدخول على أبرهة دخل ميدان الحرب النفسية ونظر أبرهة في وجه عبد المطلب بحثاً عن معاني الخوف والفرق والتخاذل فلم يجد شيئاً ووجد مهابة وصرامة وحفاظاً. وفرضت شخصية الشيخ المهيب الثابت الوقور نفسها على الغازي فانحط عن عرشه وجلس على البساط وأجلس سفير قريش وسيدها إلى جانبه، لعل اللين والتواضع أجدى إذ لم ينفع التخويف والترهيب.
стр. 1392
كانت هذه مظاهر من الحفاوة والإكرام اصطنعها الداهية ليستميل إليه عبد المطلب وليبعث فيه ثقة واطمئناناً إذ بدا لأبرهة أن مقدرات مكة وكعبتها أمست بين أنامله وأن قريشاً في قبضته؛ رجالها ونساءها وأموالها، وإن جيشه قادر على الفتك وإنزال العار. وكان أبرهة يريد الكعبة لا قريشاً وأستقدم عبد المطلب ليهب أبرهة له قريشاً وليأخذ منه الكعبة فيظفر بما أراد وقد من على قريش وسيدها وأفضل. وأما عبد المطلب فقد جاء أبرهة وهو يحمل معه أمانتين؛ أمانة الله فهو حاجب الكعبة وساقي الحجيج, وأمانة قومه فهو نائب قريش وصاحب كلمتها في هذا الموقف الصعب. ولقد توقع أبرهة أن يتهالك عبد المطلب على كرسيه يطلب رحمته كما فعل من قبله, وأدرك عبد المطلب ما في نفس أبرهة فصمت, ولم يفتح الحديث تجاهلا منه للأمر العظيم الذي يريده أبرهة, وتحاشيا أن يطلب مطلبا يتخذ منه أبرهة ركيزة للمساومة على الكعبة. لقد كان عبد المطلب في موقف ضنك فإن أية كلمة تحمل معنى الاسترحام لقريش والإبقاء عليها تنطوي على تنازل خطير في حق بيت الله الحرام. ومن ثم آثر ألا يتكلم في منجاة قومه حتى ألا يضيَّع أمانة الله ولما ضاق أبرهة بصمته سأله عن حاجته فقال: "حاجتي أن يرد علي الملك مئتي بعير أصابها لي"أهذا المَطْلَب كان همَّ عبد المطلب ومصدر قلقه؟ ألهذا طيف به في الجيش وعلى الأسارى واستقدم إلى الملك؟ وماذا يفعل بالشاء والبعير ومكة كلها في خطر داهم, كلا لم يكن هذا المطلب من واقع الحساب في شيء, ولكن عبد المطلب عمد إلى تجاهل مراد أبرهة تجاهلا تاما ليعلمه أن لا تنازل عنده في حق بيت الله الحرام ولو قيد شعرة, وأن التسليم بتهديمه ليس موضوع بحث على الإطلاق ولا مساومة فيه. وفهم أبرهة ما في طلب القرشي من معنى فاستشاط غضباً وعمد إلى إثارة الموضوع من قبله قائلا - وهو مغيظ -: "قد كنت أعجبتني حين رأيتك, ثم زهدت فيك حين كلمتني, أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك,
стр. 1393
وتترك بيتاً هو دينك, ودين آبائك قد جئت لهدمه, لا تكلمني فيه [٢] وأجاب عبد المطلب بقول مرهف حاسم لا مجال بعده لجدال أو ادهان: "إني أنا رب الإبل, وإن للبيت ربا سيمنعه" [٣] . وخرج من عند أبرهة إلى قومه خرج من المعركة النفسية منتصراً, ولم يظفر منه بطائل, ولقد كان في الكلمات الموجزة الحادة كل ما أراد عبد المطلب أن يفصح عنه وأن يفهم الغازي. قال له: "أنا رب الإبل؛ الإبل مال اكتسبتُه واكتسبتْه قريش فلي ولهم الحق أن يطلبوه. وإذا كان لي ولهم الحق في طلب أو مباحثة أو جدل فيما هو ملك لنا ومن حقنا. وأما البيت فهو بيت الله وليس لي ولا لأحد فيه من الحق كما في الإبل, ولا يحل لي بحال من الأحوال أن أتكلم فيه, أو أساوم عليه, أو أتذلل لك في أمره فإن ربه أولى به وبحمايته". إن عبد المطلب قد أوضح في هذا القول البليغ الحدود التي تقف عندها صلاحيات الزعامة, والموقف العدل الحق الذي إن التزمه الزعيم كان من الموفقين. فبيَّن فيه أن ثمة حقوقا كبرى في حياة الأمة وذمما تاريخية وإلهية لا يحق لأي ذي سلطان أو نفوذ أن يمسها وأن يجعل في مهب أهوائه ومصالحه إن شاء أخفرها أو ساوم عليها. وإن التاريخ يشهد بأن النصر يقف دائما حيث يقف أولئك الزعماء الذين يلتزمون الحق الأعلى لا يجاوزنه ولا يقبلون به عدلا أو حلا وسطا. وقد رضي الله لعبد المطلب صلابته في حرمة بيت الله وثباته فأرسل على الغزاة العتاة جنداً من السماء: ﴿طَيْراً أَبَابِيلَ, تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ, فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [٤] وما كان هذا التوفيق الإلهي في تلك الساعة لعبد المطلب نفسه وإنما لجنين في رحم آمنة بنت وهب قد بلغ منه سبعة أشهر وكان أبوه في تلك الأثناء في يثرب يلفظ أنفاسه الأخيرة وأمه تجلس في بيتها تنتظر عودة زوجها الغائب وتترقب مع الناس قلقة أوبة حميها في معسكر أبرهة: هذا الجنين الذي أذن الله له أن يتنسم أنسام مكة بعد خمسين يوما
стр. 1394
من غزوة أصحاب الفيل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب, به قد وفق الله جده وأكرمه وأكرم العرب والعالمين.
كانت هزيمة أصحاب الفيل وما زالت آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته جعلها بين يدي مبعث رسول الله ﷺ , وكانت المنة بها على أهل مكة عظيمة, ولكن القوم كانوا في جاهلية ظلماء فما أن ذهب عنهم الروع وفزع عنهم حتى عادوا يسدرون في غيهم ومظالمهم ومفاسدهم. ولم تكن الإشارة التي حملتها المعجزة لتنزعهم من الغي والضلال, فأتم الله عليهم وعلى العالمين فضله بمعجزة أعلى وأسمى فأرسل إليهم محمداً ﷺ ليبوئهم مكانا عزيزا كريما؛ في عام الإنقاذ هذا ولد المنقذ الأكبر محمد رسول الله ﷺ فجاء العرب وهم أعجز الناس عن حماية حوزتهم وحرمهم ورد الغزاة فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى صنع الله منهم فاتحي العالم ومنائر الحق والحكمة.
هكذا كان ماضي أجدادنا عام الفيل ما أردنا من تفصيل الحديث فيه إلا الذكرى والاعتبار. وأيم الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [٥] .
٢- اصطفاء الذات النبوية.
الاصطفاء انتخاب الله صفوة البشر ليكونوا المثال الواقعي الحي للمثل الإلهية والقيم الربانية التي ارتضاها للبشرية شرعة ومنهاجا, تخوض بها تجربة الحياة والابتلاء بغية النجاة والظفر بمرضاة الله تعالى.
стр. 1395
إن تجسيد القيم في أفعال وخطط يعطيها معناها الإمكاني الحق إذ يتعرف الناس على هذه المثل في واقع حياتي حي, فلتلتحم الفكرة العلوية بصورتها الأرضية, وتجري الأفكار والتعاليم الإلهية ملموسة دفاقة في الأرض جريان السيل لا ظن ولا توهم ولا مراء. ومن ثم ينتخب لها أولئك الذين تبدو العقيدة فيهم رائعة الجلاء والنقاء كما ينم البلور ذو الصفاء عما حوى, حتى إنك لا تميز بين الوعاء وما وعى. هؤلاء الصفوة يتولى الله سبحانه اختيارهم وهو العليم الخبير، ويجعل فيهم بقدرته ومشيئته الاستعداد للنبوة ليكونوا حقائق العقيدة المتحركة على الأرض. هذه النخبة يمكن أن يقال فيها: "أنها ليست وليدة بيئتها ولا من صنع مجتمعها, أنها جنس منفصل وجد كالغريب في بقعه نائية. وأنها لتحس بغربتها قبل أن يأتيها خبر السماء وتتجافى عن ضلال الناس كأن عالمها غير عالمهم وكأن قوة علوية تجتذبها إليها -تلمس آثارها وتشعر بتأثيرها فيما يجري لها ولكن تبقى محجوبة عن السر حتى يكشف الحجاب ويأتيها الوحي - فيتصل حبلها المقطوع بالعالم الذي كانت تستشعر وجوده ولا تدري كنهه, وتجد نفسها بعد ضلال ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى, وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [٦] وتعرف حقيقتها ومهمتها فيزول عنها الإحساس بالغربة, وتستشعر نفسها وكيانها بقوة وتمكن, وتأخذ في التلقي من الله تلقيا تلقائيا آنيا فلا تتردد ولا تتحرج ولا تجادل ولا تماري, وإنما تستجيب للأمر وتتمثل للأمر للكلمة الإلهية آنيا كما ينبثق النور آنيا لا يدري أول شعاعه من أخره لسرعته تلك الاستجابة التي تلمس حقيقتها في إبراهيم. . ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٧] ولم لا يسلم للحظته وقد بحث طويلا عن ربه في ملكوت السموات والأرض فلما اجتباه ربه وكشف حيرته وهدى ضلاله لم يبق إلا الامتثال والتلبية. عندها يعلم المصطفى المختار أسباب عزوفه عن قومه ونفوره من
стр. 1396
تقاليدهم وعباداتهم, ويوقن أن عناية الله كانت تلاحظه قبل الوحي الصريح والخبر الوثيق فيلجأ إلى ربه ليستمد منه وليستضيء بنوره ويغرف من معين هديه. وتتمايز نفسه تمايزا كليا عما حولها وتصبح قوة فعاله تأتي بالمعجزات ولا تبالي بالمعوقات. فلا تهاب أن تدخل معبد الوثنين الفأس بيدها تهزأ بالأصنام وتجعلها جذاذ ثم تقف وحدها تتحدى صخب الجمهور الضال, وطغيان الحاكم الجبار والتحريق بالنار, وتقابل التحدي صخب العجاج بتحد صليب مرهف نافذ. ولا عجب أن تقف وحدها على الصفا لتقول كلمتها المأمورة بها وتبلغ رسالته المنوطة بها, وليس عجيبا أن تقول: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري, على أن أترك هذا الأمر, حتى يظهره الله, أو أهلك فيه, ما تركته" [٨] لأنها أيقنت أن معنى وجودها هو أداء رسالة الله, فإن لم تؤديها فلا معنى لبقائها. ولهذا تبلغ في الاستبسال مدى لا تحتمله النفوس الأخرى, وفي الصبر شأوا يعجز عنه أولو العزم في غير الأنبياء, وتصبح شجاعتها وصبرها موضع الدهشة من الخصوم. وهذا التحدي المنتصر؛ تحدى فرد وحده لأمة أو مم لا يصدر عن أفراد عاديين, إذ لا يملك فرد مستضعف أعزل أن يغير نظام العقيدة, والمجتمع والتاريخ لأُمة إلا إذا أيدته قوة قاهرة على القوى فاستمد من ذخرها للصمود والهجوم والانتصار إن هؤلاء الأفراد الذين اختارهم الله وخلق فيهم هذه القدرات والإمكانيات هم وحدهم أمم, فإن كلا منهم مبدأ أمة جديدة وتاريخ محدث, جمع الله له في نفسه القوى اللازمة للمستقبل الجديد, فسرت منه إلى قلوب الأجيال قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [٩] .
стр. 1397
وفي القران الكريم إشارات واضحة إلى تلك الصفوة المختارة في ملايين البشر المبعوثين في الأرض قال تعالى مخبرا عن طريقته في الإرسال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [١٠] وهو يعلم أولئك الذين يطيقون النهوض بتبعاتها إذ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [١١] ومن ثم كان اصطفاؤه لأفراد مخصوصين متميزين ذهبوا بخلود الذكر في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ, ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [١٢] .
стр. 1398
وهؤلاء الأصفياء - على تباعد الزمان فيما بينهم - بعضهم من بعض, فإن بينهم نسبا هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله للبشر منذ أبيهم آدم, ولما بعث خاتم الأنبياء وسيد المرسلين كان اختياره من صفوة الصفوة؛ إن محمدا ﷺ خير نسمة برأها الله بين سابق البشر ولاحقهم. إن أكمل الرسالات وخاتمتها تستلزم رسولا هو أكمل ما خلق الله من بشر وأطهر. وهذا أمر هيأ الله له الأسباب منذ آدم ﵇, قال ﵊: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت في القرن الذي أنا فيه" [١٣] وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري دلالة كافية على انتخاب إلهي مستمر خلال أجيال البشرية حتى استخرج منهم محمدا ﷺ وكان استخراجه من بيت أوله النبوة قال ﵊ -في حديث رواه مسلم-: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة, واصطفى من بني كنانة قريشا, واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" [١٤] وكان علية الصلاة والسلام يقول: "أنا دعوة أبي إبراهيم" [١٥] فجاء رسول الله ﷺ ملء نفسه وجسده الطهر, إذ اختاره ربه من أطهر نطفة في الأصلاب. روي عن عائشة رضى الله عنها قوله ﷺ : "ولدت من نكاح غير سفاح" [١٦] وثبت في الصحيح قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر" [١٧] ولا عجب فهو مصطفى الأصفياء: طاهر مطهر, وسيد الأنبياء.
٣- إعداد الله لعبدة للرسالة:
стр. 1399
إذا كان لبعث النبي عند الله ميعاد معلوم فإن أحواله وأوضاعه في مختلف مراحل حياته جارية على تقدير وتدبير من الله العزيز الحكيم؛ يختار له الوسط الذي يكتنفه, والمؤثرات التي تحيط به, ويفاعل بين نفسه وبين ما وضعه فيه, فيخلق فيها ردود الفعل المناسبة للمستقبل القريب. إن الله هو الذي يصنع الأنبياء, وينشئهم النشأة المواتية للرسالة, إنه رب العالمين الذي تقبل مريم: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [١٨] وهو الذي صنع موسى على عينه, ووضعه في قصر فرعون آية كبرى من آيات التحدي لطغيان سادر, غير مرعو, لينشأ في حجور الجبابرة, ويخرج من عندهم أكبر ناقم, وأشد ساخط على الظلم وتعبيد الشعوب.
ومن ثم لم يكن شئ في حياة محمد ﷺ قبل المبعث إلا بتدبير الله الخالص وتهيئته وقد يبدو أن كلامنا هذا تحصيل حاصل فكل ما في الوجود إنما هو بتقديره . ولكن قلنا ما قلناه لنوجه الأنظار إلى أهميه الظروف والحوادث التي عاشها نبينا محمد ﷺ لنكتنه مغزاها العميق ,ولنطيل الفكرة في هذه التنشئة التي انتهت إلى تفجير الحكمة الخالدة في فوائده تلك الحكمة التي رفعها الله نبراسا هاديا مشعا للبشرية إلى يوم الدين.
إن حياة تتفتح عن الحكمة الكلية الأخيرة للإنسانية لجديرة بالتفكر والتدبر والاعتبار وبأن تتأمل في شكلها ومضمونها والأحداث التي صنعت مادتها.
أ- الإعداد النفسي:
стр. 1400
كان أول وحي نزل على رسول الله ﷺ في غار حراء شديد الوطأة. لقد عانى حادثة غير عادية ولا مألوفة , خفية العلة, ولا يفسر حدوثها بسب من الأسباب الظاهرة (كما ينشأ الغيث في السحاب , مثلا) فإن مصدرها ليس عالم الشهادة بل عالم الغيب. هنالك لا يسع الإنسان إلا أن يتلقى بالقبول المطلق والتصديق الكلى , لأن أحداثه فوق منطق الأرض المحدود بالسبب والنتيجة. لذلك لا يقدر على احتمال الوحي إلا الأنبياء الذين أعدهم الله للثبات عند رؤية الملاك, وتصديق ما جاءهم من خبر السماء. ولم يصادف الوحي من رسول الله ﷺ نفسا لم تهيأ لاستقباله , بل جاءه بعد إعداد طويل من رب العالمين, عرف فيه حوادث غيبية المنشأ, لم يدر لها علة ظاهرة. فكانت مقدمة صالحة لاستقبال الوحي, رفقا من الله برسوله, ورحمة بنفسه البشرية.
стр. 1401
وكأن بعض هذه الحوادث كانت تقول له قبل مبعثه: لست وحدك, ولا لنفسك وإنما أنت للذي يعدك ويرعاك لتكون امرأ غير الآخرين, وإن في غدك لأمرا فترقبه, فتبعث فيه تساؤلا وتطلعا وترقبا, وربما كان من شأنها أن حببت إليه العزلة والتحنث في حراء. واستقبل أولاها وهو طفل مسترضع في بني سعد يوم جاءه الملكان فشقا صدره واستخرجا قلبه وغسلاه بالثلج والبرد. حادثة فوق إمكان العقل الإنساني ولكنها على الله هينة لذلك لم يكد أبواه في الرضاع يستمعان خبرها من فم الطفل البريء الصادق حتى طارا به إلى أمه في مكة فزعا أن يكون بدأ به عرض مرضي إذ لم يستطيعا أن يصدقا طفلا في أمر لم يألفاه. ومن أدراهما أن من بين أيديهما نبي منتظر؟ ولكن الطفل لم ينس الحادثة, ومرت في شعوره خفيفة الوقع وهو صغير, فلما شب على الأيام تألقت في ذاكرته وإحساسه, ولا شك أنها شغلت تفكيره حتى مبعثه, فلما جاءه الملك ليلة الإسراء, وشق صدره للمرة الثانية وغسل قلبه بماء زمزم استعدادا للسفر به إلى الملأ الأعلى والمثول بين يدي الله تيقن أن حادثة الطفولة كانت إحدى براهين النبوة ليتعرفها في نفسه, وليثبت يوم يزعزع كيانا في غار حراء والملك يفته ويقول ﴿اقْرَأْ﴾ [١٩] ويوم يقول لخديجة ﵂: "مالي أي شيء عرض لي؟ لقد خشيت على نفسي" [٢٠] في هذه الساعات من الزعزعة الحيرة كان تذكر هذه الحادثة وما أشبهها أنفع شئ في الثبات واليقين, وتستبين حقائق الحاضر بدلائل من الماضي. وقد عرف رسول الله ﷺ مغزاها الكامل إذ سئل خبرنا عن نفسك يا رسول الله [٢١] فجعلها ﵊ إحدى أربع علامات للنبوة عرفها في نفسه. ومن يدري؟ ربما ظل رسول الله ﷺ طوال حياته يستشعر العذوبة والراحة النفسية التي أحس بها عندما استخرج الملكان من قلبه علقة سوداء وغسلاه بالثلج والبرد: إننا لنسمعه يقول في دعاء له "اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج,
стр. 1402
والماء, والبرد" [٢٢] وثمة حوادث تقصد مع تنبيه النفس إلى حينانتها وحياطتها من الوسط الجاهلي. وللبيئة أثر في النفس لا يدفع, وقد تولى حفظ نفس نبيه ﷺ من أقذارها وإخطارها, حتى يتم له الطهر ويسلم له النظر السليم, والإحساس اليقظ وليفرق بين القيم الحقيقة التي هي كمال الإنسان وبين القيم التي هي النقص والخسران ولقد شاء الله - ومشيئته حق ونور - أن تتمايز هذه النفس عن محيطها لتبصر مساوئه وتنقده نقدا دقيقا عادلا حرا تنقده وهي تنظر فيه بنور الله نقدا لا يعرف الادهان ولا أنصاف الحلول فإن الحق لا يتجزأ أو لا يجزئ بعضه عن بعض؛ إننا لنجد الله قد حمى نبيه أن ينكشف إزاره عن العورة إذا تعرى الصبيان أو الرجال وهم يحملون الأحجار للعب أو لبناء الكعبة [٢٣] وفي هذا صيانة لنفسه النبوية من أن تتأذى بما يبعث في النفس من أحاسيس غير كريمة. وحماه من حضور مجالس اللهو والغناء وكان حييا. وكانت الكعبة تزخر بالأصنام وقريش تذبح لها في الأعياد, فحال الله بين نبيه وبينها فلم يمس حياته صنما ولم يحظر عيدا لها. لقد فارق قومه في باطلهم مفارقة كبيرة عرفتها عشيرته فيه قبل النبوة, ومن أعجبها وقوفه بعرفة مع الناس, على حين كانت قريش مما يقفون في المزدلفة.
ذلك أن الله أنعم عليه بالحس السليم الذي يميز بين الحق والباطل فكان رسول الله ﷺ إذا وجد في قومه فضلا نوَّه به ومِنْ هذا ثناؤه على حلف الفضول الذي تعاقدت قريش فيه على رد الحقوق للمضطهدين وعلى حماية الضعفاء منها ومن غيرها, فقال فيه: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" [٢٤] ولعل هذه العدالة في الحكم ظاهرة الدلالة في قوله: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق" [٢٥] .
стр. 1403
هذه الحوادث وإضرابها من إرهاصات النبوة لم يمنحها المحدثون من كتاب السيرة ما تستحق من عناية وبحث فتجاوزا عن كثير منها, ولم يتلبثوا عندها إلا يسيرا. ولو أمعنوا النظر وتتبعوا أحوال المصطفين والأنبياء لو جدوا فيها سنة من سنن الله في أعداد أنبيائه.
فمن ذلك رؤيا آمنة بنت وهب حين حملت برسول الله ﷺ إنه: "خرج منها نور أضاء لها قصور الشام" [٢٦] .
وحدثت آمنة وحيدها وأثيرها محمدا ﷺ برؤياها قريرة متفائلة بمستقبل ولدها. فلما أوحي إليه أدرك أنها إحدى أمارات النبوة فحدث بها [٢٧] .
فهل نجد ما يشبه هذه البشارة لدى أمهات الأنبياء والرسل؟ هل كانت تصدر إليهن الإشارات الإلهية بمستقبل الصغير المنتظر؟ نعم, كانت هذه الإشارات إلى بعضهن أبلغ في الدلالة وأجلى في الصراحة, بل كانت إعلاما وإخبار مكشوفا. فأخبر الله أم موسى ﵇ وموسى في أيامه الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [٢٨] وأعلم الصديقة مريم بمستقبل عيسى قبل أن تلقى إليها الكلمة. . ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [٢٩] ولا شك أن وضع الصديقة الفريد كان أحوج إلى وضوح الإعلام من آمنة ومن أم موسى, إذ كانت تحتاج إلى أن تصدق نفسها في أمرها حتى تقوى على الصمود في وجه تكهنات الناس وتخرصاتهم. ومن ثم حمل عيسى ﵇ معه آيه خلقه ونبوته عندما نادى أمه من تحتها حين وضعته [٣٠] وفي مخاطبته المجتمع المستنكر المتهم وهو في المهد [٣١] .
كذلك بشرت الملائكة نبي الله زكريا بحيي ﵇ [٣٢] , ومن قبل جاءت إبراهيم البشرى بإسحاق ويعقوب [٣٣] .
стр. 1404
هذه الدلائل هنا صريحة ولإعلام أم موسى بها, ومريم وزكريا وإبراهيم وزوجه إعلاما مكشوفا, أسباب لا تخفى, ولم يكن سبب منها لآمنة. فكان رؤياها النور الذي أضاء لها القصور من بصرى الشام رمزا للمستقبل. ولو أن الأمر يتطلب ما فوق الرمز لجاءها من الله بيان. ولكنها أعطيت ما يكفيها لتتنبه لشأن وليدها. ولم يعترض حياتها وحياة وليدها من الظروف النادرة أو الخطرة أو المغايرة للمألوف - كظرف إبراهيم وزكريا - ما يقتضي الوحي. فكان الرمز هو القدر المناسب الكافي ليبعث في نفس آمنة التوقع والتفاؤل.
ب- التمهيد التاريخي للرسول:
وتلك التوطئات غرضها إعداد الرسول لقبول الرسالة ليطمئن بها قلبه, وليعلم أنه قد جاءه الحق من ربه. وهي لا تعدو في أثرها نفس الرسول ولا تستهدف غيره ولكن محمدا ﷺ قد سبق أمر الله أن تختم به الرسالات, وأن يقضي على آثار المرسلين أجمعين, وأن يجعل دعوته عامة لكل عاقل على ظهر الأرض. وهو أمر لم يكتمه الله عن البشر. وإنما هيأ له الأذهان, ووجه إليه الأنظار منذ زمن بعيد, إعلاء لشأنه وإظهارا لأهمية رسالته, وليكون الناس معها على وعد غير مكذوب ولتشرئب نفوسهم إلى الكمال المرتقب وليتشرفوا إلى الانتساب إلى الرسالة الخالدة, وليعلموا أن كمال النبوة وتمام الحق فوق ما حضرهم أو عرفوا من أمر الأنبياء والرسل وليحيي الأمل نفوسا كانت تألم وتتأذى من جهل منتشر وباطل مستمر.
وإرسال الأنبياء عموما أمر لم يكتمه الله عن خلقه, فأعلنه لهم منذ أبيهم آدم وأخبرهم أنه قارب الإنقاذ والنجاة. قال تعالى لما اقترف آدم الخطيئة وهبط من الجنة: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [٣٤] ثم أصدر الله لرسله إعلاما غيبيا بمبعث نبي يتمم به الله الرسالات فكان هذا إرهاصا وتمهيدا تاريخيا لمحمد ﷺ .
стр. 1405
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [٣٥] فصار الناس بذلك على موعد مع الزمان بمبعث نبي نوه الله بذكره, وأخذ العهد له عليهم منذ الزمن السحيق. وفي الآية دلالة بينة على علو مكانة النبي الموعود به, والحقبة الزمنية المبعوث فيها. ومن ثم ألح بدعوته منذ أجيال وأجيال. وبهذا يجعل الله ميعاد مبعثه منارة تاريخية, يجمل أن نتخذه حدا فاصلا في التاريخ البشري؛ ما كان منه قبل محمد وما يكون منه بعد محمد ﷺ . وكان احتفاء الله به عظيما؛ لأنه في تقديره وتوقيته له, حدث ثقيل في حياة البشر ومستقبلهم. وكيف لا يكون شيئا ثقيلا وحاضرهم في الدنيا, ومستقبلهم الأخير يوم القيامة مرهونان بما حققا من اقتراب منه, وتصديق به, أو ابتعاد عنه وتكذيب. وبهذا يتجلى المعنى التاريخي الإنساني العظيم في الآية التي تلاها رسول الله ﷺ على الناس, على جبل الرحمة, في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [٣٦] كان يوما مشهودا فاضلا تمت فيه الكلمة الإلهية والنعمة الرحمانية على بني آدم. وكان الله جعل من هذا اليوم قبلة زمانية اتجهت إليها أفئدة الأنبياء والمؤمنين بهم, إقرارا منهم على أنفسهم بأن كلا منهم مرحلة في تاريخ النبوات, وحلقة في سلسلة المرسلين. وشاء الله فأتم السلسلة بمحمد ﷺ فجاءت رسالته لا يجهلها المؤمنون الصادقون من أهل الكتاب, يعرفونها ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ , وهي تحمل الإيمان بالرسل
следующие страницы →