Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13511–13550 · переход к 13516.
стр. 13511
قال الإمام الشافعي: وإنما تركناه لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد الصلاة ما على الإمام. وكذلك أصل الفرض في الصلاة على الناس واحدة في العدد.
وحديث ابن عباس من جملة الأحاديث التي ذكرها الشيخ ابن الهمام في معرض أدلة أبي حنيفة مع أنه لا يصلح أن يكون دليلاً له لأنه لا يقول بالشطر الأخير من الحديث وهو قوله: وفي الخوف ركعة.
٣. حديث عمر بن الخطاب قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد رسول الله ﷺ .
.رواه النسائي وابن ماجة [١٢] عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عمر بن الخطاب قال النسائي: إن فيه انقطاعاً لأن أبي ليلى لم يسمع من عمر انتهى.
قال الشيخ ابن الهمام: " وإعلاله بأن عبد الرحمن لم يسمع من عمر مرفوعاً بثبوت ذلك. حكم به مسلم في مقدمة كتابه " [١٣] . انتهى
стр. 13512
يقصد به الشيخ ابن الهمام قول مسلم في مقدمة صحيحه وهو (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وحفظ عن عمر بن الخطاب..وصحب علياً, عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ حديثاً (والقضية معروفة بين أهل العلم وهي رواية المعنعن فذهب الإمام مسلم إلى أن لروايته تحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي، أو أمكن ولم يثبت بالتصريح مع احتمال الإرسال وذهب المحققون من أهل العلم كعلي بن المديني والبخاري وغيرهما إلى تضعيف رواية المعنعن إذ لم يثبت لقاءه بمن روى عنه في عمره ولو مرة واحدة. وذلك كما قال النووي: " دليل هذا المذهب المختار أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع، ثم الاستقراء يدل عليه فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه إلا المدلس ولهذا رددنا رواية المدلس فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعتى موجوداً فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز العمل على الاتصال ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله " [١٤] انتهى.
وأما سماع ابن أبي ليلى فقد اتفق يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي على أنه لم يسمع من عمر بن الخطاب ولذا روى أبو يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن عن الثقة عن عمر بن الخطاب. فإنه جعل بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وبين عمر واسطاً [١٥] .ولا ندري من هو هذا الثقة.
٤. حديث ابن عمر: قال إن رسول الله ﷺ أتانا ونحن ضلاّل، فعلمنا فكان فيما علمنا ان الله أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.
رواه النسائي. هكذا عزاه صاحب المنتقي به ولم يقل الشوكاني شيئاً في شرح المنتقي ولم أجده في السنن للنسائي وكذا قال أيضاً الزيلعي [١٦] .
стр. 13513
٥. حديث ابن عمر أيضاً: قال: صحبت النبي ﷺ وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك. متفق عليه.
وقول ابن عمر يقضي أن النبي ﷺ لم يتم في طول حياته في السفر. وليس فيه دليل لمن ذهب إلى الوجوب لأن النبي ﷺ عمل بالرخصة لبيان الجواز وكذلك ليس فيه حصر بأن النبي ﷺ لم يتم طول حياته لأن ابن عمر لم يلازمه في جمع أسفاره وسوف يأتي من عائشة ما يخالف هذا
٦. حديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : " المتم للصلاة في السفر كالمقصر في الحضر ".
رواه الدارقطني [١٧] عن شيخه أحمد بن محمد المغلس وهو كذاب. وفيه أيضاً بقية من الوليد وهو مدلس وقد عنعن عن أبي يحيى المديني.
أدلة الجمهور على أن القصر ليس بواجب:
قال الإمام الشافعي: قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (النساء. الاية ١ ٠ ١) . قال: فكان بيناً في كتاب الله تعالى أن قصر الصلاة في الضرب والخوف تخفيف من الله عن خلقه. لا أن فرضا عليهم أن يقصروا كما كان قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (البقرة الآية: ٢٣٦) رخصة لا أن حتماً عليهم أن يطلقوهن في هذه الحال.
стр. 13514
وكما كان قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة. الآية ١٩٨) يريد والله تعالى أعلم: أن تتجروا في الحج، لا أن حتماً عليهم أن يتجروا، كما كان قوله ك ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ (النور، الآية ٦.) وكما كان قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ لا أن حتماً عليهم أن يأكلوا من بيوتهم, ولا بيوت غيرهم.
ثم قال: " والقصر في الخوف والسفر بالكتاب ثم بالسنة, والقصر في السفر بلا خوف سنة, والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من الله لا أن حتماً عليهم أن يصقصروا كما ذلك في الخوف والسفر " انتهى [١٨] .
كأن الإمام الشافعي يشير إلى أن لفظة ((جناح)) تستعمل في المباحات والمرخصات دون العزائم والفرائض.
وإليكم بعض الأدلة من سنة رسول الله ﷺ :
١-عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب إنما قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ (النساء. الاية ١ ٠ ١) .
فقد أمن الناس قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " [١٩] .
فقول التبي ﷺ ((صدقة)) يدل صراحة بأنه ليس بعزائم. والمعلوم أن المتصدق عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة وردها. والأمر في قوله.
стр. 13515
فاقبلوا صدقته، أمر ندب لا أيجاب، ولا تناقض بين هذا الحديث, والحديث المتقدم " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر " أي غير ناقص في الأجر والثواب لمواظبة النبي ﷺ وأمره بذلك ما فيه من العلة.
قال الخطابي: " وفي هذا حجة لمن ذهب إلى أن الاتمام هو الأصل، ألا ترى أنهما قد تعجبا من القصر مع عدم شروط الخوف, فلوا كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك ". انتهى.
قال الربيع: " قال الشافعي: فدل قول رسول الله ﷺ على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله، والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصروا ".
ودل على أن يقصروا في السفر بلا خوف إن شاء المسافر، وأ ن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول الله ﷺ أتم في السفر وقصر " [٢٠] .
وقد روى أبن مردويه عن ابن عمر أنه قال: الركعتين في السفر رخصة نزلت من السماء فإ ن شئتم فردوها [٢١] .
وحديث عمر بن الخطاب هذا أولى بالقبول لأنه لا يحتمل كما يحتمل قول عائشة فإن فيه التصريح بأنه سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية الكريمة فقال: " إن القصر في السفر رخصة وكان مشرطاً في بداية الإسلام بالسفر والخوف وبعد ذهاب الخوف هي هدية من الله فمن شاء قبلها, ومن شاء ردها بينما يحتمل قول عائشة ﵂ بأن يكون ذلك من فقهها أو اجتهادها كما قال العياض وغيره. قال البغوي قوله – صدقة تصدق الله بها عليكم – دليل على أن القصر رخصة وإباحة لا عزيمة " [٢٢] .
٢-حديث انس بن مالك (رجل من بني عبد الله بن كعب) .
стр. 13516
قال أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فوجدته يتغذى فقال: " أدن فكل. فقلت أني صائم فقال: أدن أحدثك عنة الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة, وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام. والله لقد قالها النبي ﷺ كليهما أو أحدهما. فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي ﷺ [٢٣] .
قال الترمذي: " حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد. انتهى. نقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
وأنس بن مالك هو القشيري الكعبي الأنصاري المشهور الذي خدم النبي ﷺ وكان أحد المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ .
وفي الحديث دليل صريح لمن قال بأن الصلاة في السفر لم تفرض ركعتين وإلا لما قال النبي ﷺ بأن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة. فكان الأصل هو الاتمام والقصر رخصة من الله.
٣-حديث عائشة: أخرج النسائي في سننه عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: " يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت، وأتممت وأفطرت وصمت فقال أحسنت يا عائشة " وما عاب علي [٢٤] .
стр. 13517
وقال الزيلعي [٢٥] : " العلاء بن زهير قال فيه ابن حيان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به كذا قال في كتاب الضعفاء وذكره في كتاب الثقات أيضاً فتناقض كلامه فيه انتهى. وزهير ابن العلاء ممن وثقه ابن معين وغيره فلم يأخذ العلماء فيه بقول ابن حبان، كما قال الذهبي: العبرة بتوثيق يحيى. ويقال أيضاً إن في متن هذا الحديث نكارة فغن النبي ﷺ لم يعتمر في رمضان قط كما أخرج الشيخان عن قتادة عن أنس قال: "حج النبي ﷺ حجة واحدة واعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجه ".
ويمكن أم يجمع بين هذا وذاك بأن خروجه من المدينة كان في أواخر رمضان ووصوله إلى مكة كان في أوائل ذي القعدة. إلا أنه بعيد لطول المدة.
أو يقال لعل عائشة كانت فيمن خرج مع النبي ﷺ في سفره عام الفتح وكان سفره ذلك في رمضان ولم يرجع من سفره ذلك حتى اعتمر عمرة الجعرانة فأشارت بالقصر والإتمام والفطر والصيام.
إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال إن هذا كذب على عائشة ﵂ فإنها لم تكن لتصلي بخلاف صلاة النبي ﷺ وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون، كيف والصحيح عنها أنها قالت: إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف النبي ﷺ والمسلمين معه " [٢٦] .
ولكن الصحيح أنها أتمت ولو بعد وفاة النبي ﷺ كما سبق ذكره.
وقد روى الدارقطني [٢٧] بإسناد صحيح قال: ثنا الحاملي، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب ثنا أبو عاصم، ثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أنها قالت: " كان النبي ﷺ يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم ".
стр. 13518
وبطريق الدارقطني رواه البيهقي [٢٨] ووافق على تصحيح الدارقطني وقال أيضاً: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمرو. وكلهم ضعيف. انتهى.
ونقل الزيلعي تصحيح الدارقطني والبيهقي وأقره أيضاً إلا أنه قال: وقد يعارض هذا بحديث ابن عمر أنه قال صحبت رسول الله ﷺ في السفر...الخ. وقد أجيب عنه.
٥-حديث ابن عمر: قال قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ".
رواه أحمد [٢٩] قال ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ورواه أيضاً ابن خزيمة [٣٠] وابن حبان في صحيحهما إلا أنهما زادا حرب بن قيس بين عمارة ونافع وبهذا الوجه رواه الخطيب البغدادي [٣١] إلا أن شيخ أحمد فيه علي بن عبد الله وهو الوجه الثاني عند أحمد وعلي بن عبد الله هو ابن المديني. يقال لعل الدراوردي حفظ الاسنادين وهو ما يسمى المزيد في متصل الأسانيد. واسناد أحمد على شرط مسلم.
وللحديث شواهد منها:
١-حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. [٣٢]
وأما شواهد أخرى فهي ضعيفة. مثل حديث عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وغيرهم. انظر مجمع الزوائد.
في هذا الحديث دليل على أن الإتيان بالرخص مثل العمل على العزائم فمداومة النبي ﷺ وأصحابه على قصر الصلاة لا تدل على الوجوب بل كانت مداومة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 13519
على الرخص مثل عمله على العزائم. وأما الأحاديث التي استدل بها الإمام أبو حنيفة فهي أكثر ما تدل فتدل على أن القصر أفضل لمداومة النبي ﷺ وأصحابه.
وأما قول عائشة ﵂ وغيرها بأن الصلاة في السفر فرضت ركعتين فله عدة معاني:
منها: فرضت صلاة السفر ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم.
ومنها: وقيل معناه أقرت على ما كانت عليه من الوجوب. ومعنى زيد في صلاة الحضر أي نسخ كونها ركعتين لأن زيادة الركعتين يمنع من الاكتفاء بالركعتين فوقع النسخ في صلاة الحضر.
ومنها: المنسوخ في السفر هو وجوب الركعتين وجعلهما سنة والمنسوخ في الحضر وجوب الركعتين إلى الأربع.
ومنها: فرضت بمعنى قدرت لأن الفرض بمعنى التقدير في اللغة. ومنها قول الطبري: المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه. وكذلك اختلف الناس أيضاً في تأويل عثمان. وأصح تأويل في هذا ما ذكره النووي والمحققون وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. بأن عثمان وعائشة رأيا القصر جائزاً والاتمام جائزاً فأخذا بأحد الجائزين وهو الاتمام [٣٣] .
ويحمل على هذا قصة ابن مسعود التي رواها عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتان (متفق عليه) .
فكان ابن مسعود أيضاً ممن يرى الجواز وإن كان الأولى عنده القصر وإلا لما كان له أن يصلي الركعات أكثر من الوجوب لأن زيادة الركعات علي الوجوب لا تجوز بحال من الأحوال وأما أنه ترك الأولى فذلك لدفع الشر والفتنة فإن الخلاف شر ووقع التصريح في رواية البيهقي: أني لأكره الخلاف [٣٤] .
стр. 13520
وفي رواية أبي داود [٣٥] : " الخلاف شر " وكذا ذكره الإمام الشافعي في الأم [٣٦] .
وقد صرح الحافظ بأن ابن مسعود لم يكن يعتقد بأن القصر واجب ولو كان اعتقد غير هذا لما تعمد ترك الفرض [٣٧] وقد ذكر العلماء عدة تأويلات غير أنها كلها منتقدة [٣٨] .
وقد احتج الشافعي على عدم وجود القصر بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعاً باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم [٣٩] .
المسألة الثانية: مسافة القصر:
فيها عدة أقوال للعلماء جعلها ابن المنذر وغيره أكثر من عشرين قولاً ولكن أهما كالأتي:
١. مذهب ابن حزم: أقل مسافة القصر هو الميل لما رواه ابن أبي شيبة باسنا صحيح عن ابن عمر، وأيضاً إطلاق قول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ . والسنة لم تخصص سفر دون سفر. وإنما لم يسم دون الميل قصراً لما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يخرج إلى البيقع لدفن الموتى، وإلى الفضاء لقضاء الحاجة وما كان يقصر الصلاة. قال رحمه الله تعالى بعد ن قل الأخبار الكثيرة عن الصحابة: " وبه يقول أصحابنا في السفر إذا كان على ميل فصاعداً في حج أو عمرة أو جهاد وفي الفطر، في كل سفر " [٤٠] .
٢. مذهب الظاهرية: مسافة القصر ثلاثة أميال لحديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ (شك شعبة) صلى ركعتين [٤١] .
стр. 13521
وشك شعبة في هذا الحديث يبطل استدلال الظاهرية به فإن الفرسخ ثلاثة أميال، فإن قال ثلاثة فراسخ فيكون تسعة أميال. والمعروف الأخذ بالكثير أحوط لأن القليل يندرج تحت الكثير. إلا أن يقال أنهم أخذوا بالقليل واستأنسوا في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري أنه قال: " إن النبي ﷺ إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة ". رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وسعيد بن منصور [٤٢] .
ولا دليل لهم في حديث أنس، قال: "صليت الظهر مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعاً، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين " [٤٣] . لأنه على ابتداء القصر، وجميع الأحاديث التي ذكروها تحمل على ذلك.
٣. وذهب الشافعي ومالك وفقها، أصحاب الحديث وغيرهم: إلى أنهم لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين وهي ثمانية وأربعون ميلاً هاشمياً. والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعاً معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معتدلات.
وروى مثل هذا ابن قدامة عن الإمام أحمد أيضاً، وقدره هذه المسافة بمسيرة يومين وهو تقدير ابن عباس فإنه قدر مسيرة يومين من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جدة إلى مكة.
أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: " سألت ابن عباس فقلت أقصر الصلاة إلى عرفة أو إلى منى قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصروا الصلاة إلا في اليوم التام ولا تقصروا فيما دون اليوم. فإن ذهبت إلى الطائف أو إلى جدة أو إلى قدر ذلك من الأرض، إلى أرض لك أو ماشية فاقصر الصلاة فإذا قدمت فأوف ".
ولكن هذه الرواية مخالفة لرواية مسيرة يومين التي أشار إليها ابن قدامة.
стр. 13522
هذا هو مذهب المعروف عن الأئمة الثلاثة جميعاً قالوا لا تقصر الصلاة الإ في مسير يومين كما نقله النووي والحافظ والبغوي. إلا أن صاحب الهداية نسب إلى الإمام الشافعي مسيرة يوم واحد بالسير الوسط وقدر بالفرسخ مثل تقدير اليومين وهو ستة عشر فرسخاً أو ثمانية وأربعون ميلاً. فالذي يظهر من هذا أن العبرة بالفرسخ لا بالأيام والله تعالى أعلم
٤. وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أن مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها سير الابل ومشي الأقدام لقوله ﷺ : " يمسح المقيم كمال يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها " هكذا قال صاحب الهداية.
قال الشيخ ابن الهمام: " أما تقدير إحدى وعشرين فرسخاً أو ثمانية أو خمسة عشر فهي على اعتقاد مسيرة ثلاثة أيام ولا يصح هذه التقديرات بل العبرة بثلاثة أيام " [٤٤] وقال الكاساني: " ومن مشائخنا من قدر بخمسة عشر فرسخاً. وجعل لكل يوم خمس فراسخ ومنهم من قدر بثلاثة مراحل " [٤٥] .
يقال إن في هذا لبياناً لأكثر من مدة المسح وليس فيه ما يدل على أن المسافر لا يكون مسافرا إلا بعد ثلاثة أيام.
٥. وذهب الإمام البخاري: إلى أن مسافة القصر مسيرة يوم وليلة. هكذا بوب في صحيحه إلا أته ذكر تحت الباب حديثين أحدهما حديث ابن عمر ولفظه: " لا تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم " [٤٦] .
والحديث الثاني حديث أبي هريرة ولفظه " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة ".وهو موافق لترجمة الباب.
قال الحافظ: إن البخاري اختار أن أقل مسافة القصر يوم وليلة [٤٧] .
стр. 13523
وأما هذه الأقوال المتعارضة المختلفة نحا المحققون إلى بيان الراجح بعدة وجوهات. منها ما قاله الشيخ الكاساني الحنفي: " ولنا ماروينا من الحديثين. ولأن وجوب الإكمال كان ثابتا بدليل مقطوع به فلا يجوز رفعه إلا بمثل. وما دون الثلاث مختلف فيه. والثلاث مجمع عليه. فلا يجوز رفعه بما دون الثلاث " [٤٨] .
وقال الخرقي: " ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة. لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة. ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي ﷺ وفعله. وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكره بوجهين:
أحدهما: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها. ولظاهر القران، لأن ظاهره اباحة القصر لمن ضرب في الأرض لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ولقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، فتبقى ظاهر تلاية متناولا كل ضرب الأرض.
وقول النبي ﷺ : " يسمح المسافر ثلاثة أيام " جاء لبيان أكثر مدو المسح، فلا يصح الاحتجاج به هاهنا. وعلى أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي ﷺ سفراً فقال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم.
والثاني: أن التقدير بابه التوقيف. فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه. والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن يتعقد الإجماع على خلافه " [٤٩] .
وبهذا يصح أن يقصر المسافر في كل سفر يسمى سفراً في العرف بدون قيد مسافة معينة وبدون نظر الى نوعية السفر ووسائله كالطائرة والقطار والسيارة وغير ذلك والله تعالى اعلم بالصواب.
стр. 13524
وأما الموضع الذي يقصر منه: فقال ابن النذر " أجمعوا على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها " [٥٠] .
وهو رأي مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور. وحكي ذلك عن جماعة من التابعين [٥١] .
وحكي عن عطاء بن موسى أنهما أباحا القصر في البلدان لمن نوى السفر، وعن الحارث ابن أبي ربيعة أنه أراد سفراً فصلى بهم في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد، وغيره من أصحاب عبد الله [٥٢] .
وروى عبد الرزاق عن عطاء بطريق ابن جريج قولاً مثل الجمهور ولفظه " إذا خرج الرجل حاجاً فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وما سمعت في ذلك من شيء " [٥٣] .
المسألة الثالثة: جمع تأخير دون تقديم:
حديث أنس بن مالك قال: " كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب " [٥٤] .
وفي الحديث جواز على جمع تأخير دون تقديم وهو رأي ابن حزم.
جمع تقديم وتأخير:
حديث معاذ بن جبل قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعاً ".
رواه مسلم [٥٥] عن زهير وأبو داود [٥٦] والنسائي [٥٧] عن مالك، وابن ماجة [٥٨] عن سفيان الثوري كلهم عن أبي الكبير، عن أبي الطفيل عامر عن معاذ.
ثم روى مسلم أيضاً باسناده عن قرة بن خالد: حدثنا أبو الزبير نحوه وفيه " فقلت ما حمله على ذلك: قال: أراد أن لا يحرج أمته ".
стр. 13525
وروى أبو داود [٥٩] فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي الهمداني، حدثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير بهذا الاسناد، ولفظه " أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر حتى ينزل العصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وأن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما ".
قال أبو داود: رواه هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ . نحو حديث المفضل والليث.
ثم روى أبو داود [٦٠] والترمذي [٦١] كلاهما عن قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بإسناده ولفظه:" أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليها جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ".
قال أبو داود: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده. وقال الترمذي: حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره. وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل عن معاذ: " أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر، وبن العصر وبين المغرب والعشاء " رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك، وغير واحد عن أبي الزبير المكي. انتهى.
стр. 13526
أقول: لقد زال تفرد قتيبة برواية أبي داود عن الرملي، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي [٦٢] .لكنه قال: عن الليث بن سعد: " فجعل الليث شيخ المفضل وإنما هو قرينه ". ولم ينتبه الحافظ ابن القيم فقال: " فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم أن قتيبة صرح بالسماع فقال: حدثنا ولم يعنعن، فكيف يقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة، والحفظ، والثقة، والعدالة " [٦٣] انتهى
والصواب: أن الذي تابع قتيبة إنما هو الرملي لكنه خالف في اسناده فقال: الليث عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، فإما أن يصار إلى الجمع فيقال الليث بن سعد فيه اسنادان عن أبي الطفيل روى أحدهما قتيبة والآخر الرملي، وأما يصار إلى الترجيح فيقال: قتيبة أجل وأحفظ من الرملي فروايته أصح، والجمع أولى [٦٤] .
وأما أشار إليه الترمذي من حديث قرة بن خالد فرواه مسلم كما سبق ذكره، ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده [٦٥] وحديث مالك رواه أبو داود كما سبق ذكره ورواه مالك في موطئه أيضاً [٦٦] .
وقد أطال العلماء الكلام في رواية قتيبة بن سعيد وملخص هذه الأقوال كما ذكره الشوكاني هي خمسة:
أحدها: أنه حسن غريب كما قال الترمذي.
الثاني: أنه محفوظ صحيح قاله ابن حبان.
الثالث: أنه منكر قاله أبو داود.
الرابع: أنه منقطع قاله ابن حزم.
الخامس: أنه موضوع. قاله الحاكم. انتهى [٦٧] .
أقول: هذه الأقوال تدور حول علتين. إحداهما تفرد قتيبة بن سعيد، والثانية عنعنة يزيد بن أبي حبيب ويجاب عن الأولى بأن قتيبة بن سعيد ثقة ثبت كما قال الحافظ، فلا يضر تفرده كما هو معلوم في علم الحديث وتخطيئة الثقات بالظن أمر مرفوض لأنه يؤدي إلى الشك في جميع الثقات.
стр. 13527
ويجاب عن الثانية بأن يزيد بن حبيب غير معروف بالتدليس، وقد أجرك أبا الطفيل حتماً، فإنه ولد سنة ٥٣ ومات سنة ١٢٨،وتوفي أبو الطفيل سنة ١٠٠هـ أو بعدها وعمر يزيد حينئذ ٤٧ سنة [٦٨] .
وأما دعوى الحاكم [٦٩] بأنه موضوع فباطل قال الحافظ في التهذيب [٧٠] إن البخاري قال: قلت لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل. قال: مع خالد المدائني: قال محمد بن إسماعيل: وكان خالد المدائني هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. وقال أبو سعيد يونس لم يحدث به إلا قتيبة، ويقال إنه غلط وإن الصواب عن أبي الزبير، ثم قال الحافظ: " وما اعتمده الحاكم من الحكم على ذلك بأنه موضوع فليس بشيء. فإن مقتضى ما استأنس به من الحكاية التي عن البخاري أن خالداً أدخل هذا الحديث عن الليث ففيه نسبة الليث مع إمامته، وجلالته. إلى الغفلة حتى يدخل عليه خالد ما ليس من حديثه، والصواب ما قاله أبو سعيد بن يونس أن يزيد بن أبي حبيب غلط من قتيبة، وأ ن الصحيح عن أبي الزبير، وكذلك رواه مالك وسفيان عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لكن في متن الحديث الذي رواه قتيبة التصريح بجمع التقديم في وقت الأولى وليس في حديث مالك، إذ أجاز أن يغلط في رجل من الإسناد فجائز أن يغلط في لفظة من المتن، والحكم عليه مع ذلك بالوضع بعيد جداً " وهذه الغلطة التي نسبها الحافظ إلى قتيبة بن سعيد غير مسلم لأنه من الثقات. فإذا زاد في روايته ولم ينكر عليها أحد من زملائه فلا يحكم عليه بالغلط، بل هو من قبيل زيادة الثقة وهي مقبولة.
ولحديث معاذ من طريق قتيبة بن سعيد في جمع تقديم شاهد من حديث ابن عباس. وهو الآتي:
стр. 13528
٢-حديث ابن عباس: قال: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر قال قلنا بلى قال: " كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينهما وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب، حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما " [٧١]
فقه الحديث: هذا الحديث يدل على جواز الجمع مطلقاً بسبب السفر وهو اختيار الإمامين الشافعي وأحمد. وبه قال جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى، وابن عمر وابن عباس وغيرهم. وهو لرأي جماعة من التابعين منهم: عطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وربيعة، وأبو الزناد ومحمد بن المنكدر. وصفوان بن سليم، وهو رأي الثوري، وإسحاق، وأبن ثور، وابن المنذر، ومن المالكية أشهب وغيرهم.
والنظر يشهد له ذلك فإن الله أباح للمسافر أن يقصر من الصلوات بسبب السفر الذي هو مظنة للمشقة. فالجمع أولى بالرخصة فإن الصلوات في أوقاتها أعظم مشقة في السفر.
الجمع بين الصلاتين إذا جد به السير:
١-حديث ابن عمر: "قال رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب، حتى يجمع بينهما وبين العشاء " [٧٢] .
٢- حديث أنس بن مالك: قال: " إن النبي ﷺ كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء حين يغيب الشفق " [٧٣] .
فقه الحديث: والحديث يدل على الجمع بين الصلاتين لمن جد به السير وهو قول مشهور عن مالك، وبه قال أسامة بن زيد وابن عمر.
стр. 13529
قال مالك: " لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر إلا أن يجد به السير، فإن جد به السير بين الظهر والعصر يؤخر الظهر حتى يكون في آخر وقتها، ثم يصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى يكون في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصليها في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصلي العشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق. ث م قال: والأمر عندنا في الجمع بين الصلاتين لمن جد به السير " [٧٤] هذا هو رأي مالك في الجمع بين الصلاتين، وأما ما نقله ابن قدامة بأن الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم ومنهم مالك [٧٥] فهو مخالف لمذهب المدونة. ولكن يبدو من أقوال الأئمة المالكيين المتأخرين ان الجمع يجوز مطلقاً. ففي حاشية الدسوقي: جواز الجمع مطلقاً سواء جد في السير أم لا، كان جده لإدراك أمر أم لأجل قطع المسافة والذي حكي تشهيره هو الإمام ابن رشد [٧٦] ثم الصورة التي بينها الإمام مالك والأئمة المالكيون أنها جمع صوري، لا جمعاً حقيقياً.
والقيد في حديث ابن عمر وأنس بن مالك لمن جد به السير للغالب وليس شرطاً للجمع لما نرى إطلاق المر في أحاديث الجمع.
وذهب الإمام أبو حنيفة وصاحباه إلى أن الجمع خاص بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن وابن سيرين، وبه قال ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ .
قال ابن عباس أي مفروضاً [٧٧] .
وقال ابن مسعود: إن الصلاة كوقت الحج [٧٨] .
ثم بجميع أحاديث المواقيت مثل أمامة جبرائيل وغيره.
وقالوا: لا يجوز أن نترك ما يثبت بالتواتر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ بخر الآحاد.
стр. 13530
وذكروا أيضاً تحذير النبي ﷺ لمن يفرط في أداء الصلوات في أوقاتها مثل حديث رواه مسلم عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ".
وبحديث ابن عمر قال: " ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة " [٧٩] .
وفي اسناده: عبد الله بن نافع وهو أبو محمد المخزومي مولاهم الصائغ يروي عن أبي مودود عن سليمان بن أبي يحيى عن ابن عمر.
قال البخاري: " يعرف حفظه وينكر " وقال أبو حاتم: " ليس بالحافظ وهو لين يعرف حفظه وينكر ووثقه ابن عمر ".
وقال أبو داود بعد رواية الحديث: وهذا يروي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفا على ابن عمر أنه لم ير ابن عمر جمع بينهما قط إلا تلك الليلة يعني ليلة استصرخ على صفية. وروى من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين انتهى.
وقد حمل العلماء الحنفية هذا الحديث على تقدير صحته الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة.
وأما الأحاديث التي مر ذكرها فقالوا عنها على ثلاثة أقسام: " يدل على الجمع الفعلي وبعضها يوهم الجمع الوقتي وبعضها يدل على مطلق الجمع ".
وأول من أجاب عن هذه الأحاديث بعد تسليم صحتها هو الإمام أبو جعفر الطحاوي فقال: " هو تأخير الأولى وتعجيل الآخرة [٨٠] وهو المعروف بين الحنفية بجمع صوري أو بجمع فعلي ".
وقد أجاب المحدثون عن هذه الاشكا لا ت وأطالوا البحث فيها فقال الخطابي: " الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه الخاصة فضلاً عن العامة [٨١] .
стр. 13531
وقال ابن قدامة: " وهذا فاسد لوجهين: أحدهما أنه جاء الخبر صحيحاً في أنه كان يجمعها في وقت إحداهما. والثاني: أن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم حرجاً من الاتيان بكل صلاة في وقتها، لأن الاتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده كما وصفناه، ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، والعشاء والصبح، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، والعمل بالخبر على الوجه السابق إلى الفهم منه أولى من هذا التكلف الذي يصان كلام رسول الله ﷺ من حمله عليه " [٨٢] .
والدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: " أراد أن لا يحرج أمته " رواه مسلم.
وأما من خص الجمع بمن جد به السير فيرد عليه بما وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل: " أن النبي ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاًثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جمعاً " [٨٣] .
قال الإمام الشافعي: " قوله: دخل ثم خرج: لا يكون إلا هو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلا ومسافرا ". وقال ابن عبد البر: " في هذا أوضح دليل على الرد من قال:
لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس " [٨٤] .
وأما قول العلماء الحنفية: " لا يجوز أن نترك ما ثبت بالتواتر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ بخبر الآحاد ".
فيجاب ليس هناك ترك لما في الكتاب والسنة وإنما هو تخصيص، وتخضيض المتواتر يجوز بالحديث الصحيح وهو معلوم من أصول الدين. ويبدو أن المحققين من العلماء الحنفية لما وجدوا صعوبة حمل الأحاديث الصحيحة على الجمع الصوري رجعوا عما كانوا عليه.
стр. 13532
فهذا الشيخ عبد الحي اللكنوي المحقق الحنفي يقول: " حمل أصحابنا يعني الحنيفية الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري. وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار ولكن لا أدري ماذا يفعل بالرويات التي وردت صريحاً بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت. وهي مروية في صحيح البخاري وسنن أبي داود. وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التمييز لهم فظنوا قرب خروج الوقت فهذا بعيد عن الصحابة الناصين على ذلك. وأن اختير ترك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بلأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن الجمع بينهما بحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر " انتهى [٨٥] .
وهذا هو الحق في هذا الموضوع والله تعالى أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البدائع والصنائع: ١/٢٨٣
[٢] رواه البخاري (٢ / ٥٦٩ مع الفتح) ومسلم (٢/٤٧٨) وأبو داود (٢/٥) .
[٣] انظر شرح مسلم للنووي (٥/١٩٥) .
٢/٤٣٠.
[٤]
٣/١٤٣.
[٥]
[٦] الفتح (٢/٥٧١) .
[٧] رواه مسلم (١/٤٧٩) وأبو داود (٢/٤٠) والنسائي (٣/١٦٩) وابن ماجه (١/٣٣٩) وأبو عوانه (٢/٥٣٣) كل بطريق أبي عوانة عن بكير بن اخنس عن مجاهد, عن ابن عباس. إلا أن ابن ماجه لم يذكر قوله ((وفي الخوف ركعة)) .
[٨] هامش سنن أبي داود (٢/٣٩) .
стр. 13533
[٩] رواه أبو داود (٢/٣٨) والنسائي (٣/١٦٧) . قال أبو داود: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله, ومجاهد, عن ابن عباس عن النبي ﷺ , وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ , ويزيد الفقير وأبو موسى (رجل من التابعين وليس بالأشعري) جميعاً عن جابر عن النبي ﷺ . وقد قال بعضهم عن شعبة في حديث يزيد الفقير: إنهم قضوا ركعة أخرى. وكذلك رواه سماك الحنفي عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وكذلك رواه زيد بن ثابت عن النبي ﷺ قال: فكانت للقوم ركعة. وللنبي ﷺ ركعة انتهى.
يقول بعض العلماء: إنما ذلك عند شدة الخوف كما روى عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول: الركعتان في السفر ليستا بقصر انما القصر واحدة عند القتال.
[١٠] رواه النسائي (٢/١٦٨) واسناده حسن.
[١١] انظر شرح مسلم للنووي: ٥/١٩٧.
[١٢] النسائي (٣/١١٨) وابن ماجة (١/٣٣٨) كما رواه أيضاً أحمد (١/٣٧) وابن حبان (موارد الظمآن ١٤٤) كل بطرق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
[١٣] انظر شرح فتح القدير (١/٣٩٦) .
[١٤] انظر شرح مقدمة مسلم للنووي (١/١٢٨) .
[١٥] انظر تفسير ابن كثير (١/٣٥٠) .
[١٦] انظر نصب الراية (٢/١٩٠) .
[١٧] لم أجد هذا الحديث في سنن الدارقطني في مظانه لكنه عزاه الزيلعي في نصب الراية (٢/١٩٠) إليه.
[١٨] الأم: ١/١٧٩.
[١٩] رواه مسلم (١/٤٧٨) وأبو داود (٢/٧) وابن ماجة (١/٣٣٩) وأحمد (١/٢٥-٢٦) والشافعي في الأم ((١/١٧٩) كلهم بطرق عن عبد الله بن عمار. عن عبد الله بن باباه. عن يعلى بن أمية. وعبد الله بن باباه: بموحدتين بينهما ألف ساكنة, ويقال: بابيه بتحتانية بدل الألف , ويقال بحذف الهاء وهو من الثقات.
[٢٠] انظر سنن البيهقي: ٣/١٤١.
[٢١] نظر تفسير ابن كثير: ٢/٣٤٨.
[٢٢] انظر شرح السنة (٤/١٦٩) .
стр. 13534
[٢٣] رواه الترمذي (٢/٨٥) وأبو داود (٢/٧٩٦) والنسائي (٤/١٧٨ في سياق آخر عن النمري) وابن ماجة (١/٥٣٣) وأحمد (٤/٣٤٧) .
[٢٤] النسائي (٣/١٢٢) وكذا رواه البيهقي (٣/١٤٢) والدارقطني (٢/١٨٨) .
قال البيهقي: عبد الرحمن بن الأسود قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق. وروي بطريق آخر عن العلاء بن زهير, عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة وقال: هذا متصل واسناده حسن.
[٢٥] انظر نصب الراية (٢/١٩١) .
[٢٦] انظر زاد المعاد (١/٤٦٤) .
[٢٧] الدارقطني (٢/١٨٩) .
[٢٨] سنن البيهقي. ١٤٢: ٢.
[٢٩] أحمد في مسنده ١٠٨: ٢.
[٣٠] صحيح ابن خزيمة٣: ٢٥٩.
[٣١] تاريخ بغداد ٣٤٧: ١٠.
[٣٢] مجمع الزوائد١٦٢: ٣.
[٣٣] ذكر النووي بعض هذه المعاني في شرحه لمسلم ١٩٥: ٥.
[٣٤] السنن١٤٤/٣.
[٣٥] لم أجده في مظانه في السنن ولكن عزاه الحافظ إليه في الفتح (٥٦٤/٢) وجاء في رواية البيهقي أيضاً.
[٣٦] انظر الأم ١٨٠/١.
[٣٧] الفتح: ٢/٥٦٤ , ٥٦٥.
[٣٨] انظر زاد المعاد: ١٠/٤٦٩ – ٤٧١.
[٣٩] الأم: ١/١٨٠.
[٤٠] المحلى: ٥/١٣.
[٤١] رواه مسلم (١/٤٨١) وابو داود (٢/٨) عن محمد بن جعفر عندر , عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال سألت أنس بن مالك عن قصرة الصلاة.
[٤٢] ذكره الحافظ في التلخيص (٤٧/٢) وعزاه لسعيد بن منصور فقط ولم يتكلم عليه بشيء. وفيه أبو هارون العبدي وهو عمار بن جوين قال عنه في التقريب متروك. ومنهم من كذبه وكان شيعياً.
[٤٣] رواه البخاري (٥٦٩/٢مع الفتح) ومسلم (٤٨٠/١ – ٤٨١) وأبو داود (٢/٩) والترمذي (٢/٤٢١) كلهم عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس. ورواه النسائي (١/٢٣٧) باسناد آخر.
[٤٤] انظر شرح فتح القدير ١: ٣٩٢.
[٤٥] انظر البدائع والصنائع ١: ٢٨٧-٢٨٨.
[٤٦] البخاري – مع الفتح ٥٦٦: ٢.
стр. 13535
[٤٧] انظر فتح الباري ٥٦٦: ٢.
[٤٨] انظر البدائع والصنائع ٢٨٩: ١.
[٤٩] انظر المغني: ٢/٢١٢.
[٥٠] الاجماع ص٤٣.
[٥١] المغني ٢١٤: ٢.
[٥٢] المصدر السابق.
[٥٣] مصنف عبد الرزاق ٥٣١: ٢.
[٥٤] رواه البخاري (٢/٥٨٢ , ٥٨٣) ومسلم (١/٤٨٩) والنسائثي (١/٢٨٤) كلهم عن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا المفصل بن فضالة عن عقيل ,عن ابن شهاب عن أنس بن مالك. ثم روى البخاري أيضاً عن شيخهحسان الواسطي (وهو ابن عبد الله بن سهيل الكندي المصري) عن الفضل نحوه. ورواه ايضاً عن عمرة الناقد, حدثنا شبابة بن سوار المديني, حدثنا ليث بن سعد, عن عقيل بن خالد , باسناده ولفظه " كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل العصر, ثم يدخل وقت العصر، ثم يجمع بينهما " وروى أيضاًعن أبي الطاهر , وعمرو بن سواد قالا: أخبرنا ابن وهب , حدثني جابر بن إسماعيل عن عقيل باسناده ولفظه " أن النبي ﷺ إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر, فيجمع بينهما, ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء, حين يغيب الشفق ".
وروى أبو داود (٢/١١ – ١٢) عن قتيبة وابن وهب قالا: حدثنا مفضل بن عقيل (كذا الصواب وفي نسخة أبي داود: مفضل بن عقيل) باسناده نحو روايةالشيخين.
ثم روى أيضاً فقال حدثنا سليمان بن داود المهري , حدثنا ابن وهب , أخبرني جابر بن إسماعيل عن عقيل باسناده نحو رواية مسلم)) .
١/٤٩٠.
[٥٥]
١٠/٢.
[٥٦]
١/١/٢٨٥.
[٥٧]
١/٣٤٠.
[٥٨]
٢/١٢.
[٥٩]
٢/١٨.
[٦٠]
٢/٤٣٨.
[٦١]
[٦٢] البيهقي: ٣/١٦٢.
[٦٣] زاد المعاد: ١/٤٧٩.
[٦٤] انظر ارواء الغليل: ٣/٣٠.
[٦٥] مسند أحمد: ٥/٢٢٨ -٢٢٩.
[٦٦] موطأ مالك: ١/١٢٢ – ١٢٣ مع التنوير.
[٦٧] انظر نيل الأوطار: ٣/٢٦٢.
стр. 13536
[٦٨] انظر ارواء الغليل: ٣/٣٠ وقد أطال الشيخ الألباني في الرد على من يضعف هذا الحديث.
[٦٩] لقد أطال الحاكم الكلام على هذا الحديث في كتابه علوم الحديث وحكم عليه بأنه موضوع وعلل ذلك ((بأنه شاذ الاسناد والمتن, ولا نعرف له علة نعلل بها)) مع اعترافه بأن رواته أئمة ثقات. ص١١٩-١٢١ والمعروف ليس شاذ ما انفرد به الثقة بل إنما الشاذ أن يخالف الراوي وغيره ممن هو أحفظ منه وأوثق.
٨/٣٦٠
[٧٠]
[٧١] رواه الشافعي (١/١١٦) وأحمد (١/٣٦٧ – ٣٦٨) والدارقطني (١/٣٨٨) والبيهقي (٣/١٦٣) من طرقهم عن ابن جريج عن حسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وكريب كلاهما عن ابن عباس.
وحسين ضعيف. قال الحافظ في التلخيص (٢/٤٨) واختلف عليه فيه وجمع الدارقطني في سننه بين وجوه الاختلاف فيه, إلا ان علته ضعف حسين, ويقال إن الترمذي حسنه وكان باعتبار المتابعة, وغفل ابن العربي فصحح اسناده لكن له طريق أخرى أخرجهما يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عن أبي خالد الأحمر, عن الحجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس, وروى إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عم سليمان بن بلال , عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس نحوه)) انتهى.
قال الشيخ الألباني: " فالحديث صحيح عن ابن عباس بهذه المتابعات والطرق, وقواه البيهقي بشواهد فهو شاهدآخر لحديث معاذ من رواية قتيبة تدل على حفظه, وقوة حديثه " راجع ارواء الغليل (٣/٣٢)
стр. 13537
[٧٢] رواه البخاري (٢/٥٧٢ مع الفتح) ومسلم (١/٤٨٨) والنسائي (١/٢٦٧) كلهم عن ابن شهاب عن سالم, عن ابن عمر ومالك (١/١٢٣ مع التنوير) عن نافع عن ابن عمر , كما رواه مسلم أيضاً عن يحيى, والترمذي (٢/٤٤١) عن غبدة بن سليمان, كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر إذا كان ج د به السير بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق وكان يقول: " هكذا فعل رسول الله ﷺ ". قال الترمذي حسن صحيح.
[٧٣] رواه مسلم (١/٤٨٩) والنسائي (١/٢٨٧) وأبو داود (٢/١٨) كلهم عن جابر بن إسماعيل , عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس. إلا أن أبا داود لم يذكر قوله ((إذا عجل عليه السير)) .
[٧٤] انظر المدونة: ١/١١٦ – ١١٧.
[٧٥] انظر المغني: ٢/٢٢٣.
[٧٦] حاشية الدسوقي علي الدردير: ١/٣٣٩.
[٧٧] انظر تفسير ابن كثير سورة النساء: ١٠٣.
[٧٨] انظر تفسير ابن كثير سورة النساء: ١٠٣.
[٧٩] رواه أبو داود٢: ١٣.
[٨٠] شرح معاني الآثار: ١/١٦٦.
[٨١] الفتح: ٢/٥٨٠.
[٨٢] المغني: ١/٢٢٤.
[٨٣] رواه مالك في الموطأ: ١/١٢٣ مع التنوير.
[٨٤] انظر فتح الباري.
[٨٥] التعليق الممجد: ١٢٩.
стр. 13538
العدد ٥٩
فهرس المحتويات
١- كلمة التحرير: زادُ اِللّقاءِ الكَرِيم: للشيخ سَعد نَدَا
٢- كَيفيَّة الدَّعوَة إِلى الله: للشيخ أبو بكر الجزائري
٣- فقه السنة صَلاةُ التَّراويحِ: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
٤- حَديثُ تفرُّق الأمَّةِ: للشيخ عبد الكريم مراد
٥- مكانة أهل الحديث ومآثرهم وآثارهم الحميدة في الدّين: للدكتور ربيع هادي المدخلي
٦- بَيَانُ مَذهَبِ أهلِ السُّنةِ في الاستواء وَسَائِر الصِّفاتِ: لسَمَاحة الشيخ عبد العزيز بن بَاز
٧- مَفهُومُ الأسمَاء والصِّفات: سَعد نَدَا
٨- الفقه وأصوله: سَمَاحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٩- نظامُ الإثبات في الفقه الإسلامي: للدكتور عوض عبد الله أبو بكر
١٠- شرعيَّة المعاملات التي تقوم بها البنوك الإسلامية المعاصرة: للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
١١- الغزو الفكريّ ووسائله: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
١٢- حديث عن الدورة وأثرها على المجتمع الذي أقيمت فيه: للدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي
١٣- مِنْ مَنْهَجِ الْقُرْآنِ الْعَظِيْم في التربيَة والتعلِيم: للشيخ محمد المجذوب
١٤- تعدد زوجات الرسول ﷺ : للدكتور ملك غلام مرتضى
١٥- الرَّسَائِلُ الحَرْبِيِّة في عصر الدّوْلة الأيوبيَّة: للدكتور محمد نغش
١٦- مَذَابحُ بشرِيَّة جَمَاعِيَِّة لِلمُسلِمينَ: لِلشيخ محمود محمد سَالم
١٧- نصائح: للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي
١٨- اَلْكَعْبَة البَيت الحَرَام وتطبيقات رسول الإسلام ﷺ : للدكتور عبد العظيم حامد خطاب
١٩- جهادُ المسلِمِينَ ضِدّ الصَّلِيبيِّّينَ: للدكتور جَاد محمد أحمد رَمضان
٢٠- لماذَا كانَت الهِجرَة إلى الحبشة؟ : للشيخ عبد الكريم عبد السلام
٢١- مُوجَز لتاريخ القدس حَتى الفتح الإسلاَمي: للدكتور شفيق جاسر أحمد محمود
٢٢- يوسف بن تاشفين في الأندلس: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل
٢٣- تحقيق جزء الضعفاء والمتروكين للإمام الدارقطني: للشيخ عبد الرحيم محمد القشقري
٢٤- ظاهِرةُ التَّقَارُضِ في النّحوِ العَرَبِّي: للدكتور أحمد محمد عبد الله
٢٥- مَلامِحُ النّقد الأدبي وَمقاييسهُ في العصر الجاهِلِيِّ: د. محمد عارف محمود حسين
٢٥- صفحة لغة: قل.. وَلاَ تَقُل: للشيخ ضياء الدين الصابوني
٢٧- وَإن مِّن شيءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ: للشيخ يوسف الهمزاني
٢٨- تَحِيَّة وَندَاءٌ: د. محمود عبد المحسن
٢٩- أنشودة الأرواح حول الكعبة المشرفة: شعر محمد المجذوب
٣٠- في المشارق والمغارب: للشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٣١- ردود ومناقشات: إِنكار الجِنِّ: للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم
٣٢- آراء فقهيِّة منحَرفة والرَّد عَليهَا
٣٣- عُلومُ المادة في خدمَة الدِّين: د. أبو الوفاء عبد الآخر
٣٤- حُكمُ الإِحدَادِ عَلى الملُوك والزعماء: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٣٥- كتاب عنوانه المسلمون في الاتحاد السوفيتي
٣٦- تاريخ مجيد لخلاوي القرآن في السودان
٣٧- العدو يستخدم المواد الكيميائية والأشعة لإخصاء المواليد العرب
٣٨- بمناسبة الاحتفال بالذكرى الألفية للأزهر الشريف
٣٩- أخبَارُ الجَامعَةِ: إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 13539
كلمة التحرير
زادُ اِللّقاءِ الكَرِيم
للشيخ سَعد نَدَا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبع هديه ووالاه.
وبعد: فإن المؤمن ذا البصيرة إذا أخطأ أدرك سريعا خطأه، ولجأ إلى الله تعالى يستغفره، ويستعينه، ليبصره، فيصلح.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ] الأعراف [.
وحين يبصر المؤمن طريقه، يدرك عثراتها فيتجنبها، وينتبه إلى معوقاتها فيتقيها، فيسلم حينئذ من مخاطرها، ويتجاوز في يسرٍِ عقباتها.
ولابد للمؤمن أن يقوم دائما على إيقاظ قلبه، حتى يرهفه، فيفيء إلى أمر الله، وَيعْجَل إلى ربه فيرضى. عندئذ يوالى المؤمن مراقبة ربه تعالى ومحاسبة نفسه، ليخلص ما يعلق بقلبه مما يقترف من آثام. والله جل وعلا يتيح لنا كثيراً من فرص الخير في الزمان والمكان، لتتوافر لنا أسباب نيل المثوبة. ثم هو سبحانه يفتح لنا أبواب التوبة على مصاريعها ليلجها كل راغب صباح مساء. فعن أبى موسى عن النبي ﷺ قال: "إن الله يَبْسُطُ يَدَهُ بالليل ليتوبَ مسيء، النهار، ويبسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" أخرجه مسلم. وعن أبى هريرة ﵁ عن الني ﷺ قال: "ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقَى الثلثُ الآخر، فيقول: "مَنْ يَدْعُوني فَأَسْتجيب له؟ من يسألُنِي فأعطيه؟ من يستغفرُني فَأغْفر له؟ " متفق عليه.
стр. 13540
ومن فرص الخير الطيبة شهر رمضان، فيه الصيام، وفيه القيام، وفيه الجود، وفيه الإحسان، وفيه قراءة القرآن العظيم، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، وفيه يُعطى المرء الأجرَ الجزيلَ بالعمل القليل، وفيه تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتسلسل الشياطين، وُينادى العبادُ كل ليلة ليكثروا من الخير، وليمسكوا عن الشر. فعن عرفجة قال: "عدنا عتبة بن فرقد، فتذاكرنا شهر رمضان، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: شهر رمضان". قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تُفتح أبوابُ الجنةِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ النِار، وتُغلُّ فيه الشياطينُ، وينادِى منادٍ كلَّ ليلة: ياباغىَ الخير هَلمَّ وياباغىَ الشرِّ أقْصِرْ"رواه أحمد وابن ماجه.
بَيْدَ أن عباد الله جميعا لا يغتنمون ما رصد الله من فرص الخير. فكل الناس يغدو، فمنهم بائعٌ نفسه فمعتِقُها، وذلك هو من باع نفسه لله، فيعدُّ له جنات النعيم، ومنهم بائعٌ نفسه فموبِقُها، وذلك هو من باع نفسه للشيطان، الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
فإلى أي الجانبين يتجه المؤمن؟ وإلى أي المصيرين يتمنى أن يكون؟ ٠
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ] الليل [.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ] الشمس [.
وإن من سُبُل ذلك أن يحسن المؤمن محاسبة نفسه في ختام كل يوم، فإن وجد خيراً فليحمد لله وليسأله المزيد، وإن وجد غير ذلك فليتب إلى الله وليستغفره، وليسأله العفو، والعافية، والتوفيق.
стр. 13541
وبهذا يُعِدُّ المرءُ ما يحمله عند لقاء ربه من زاد يصلح مع هذا اللقاء الكريم، وهذا ما أمرنا ربنا سبحانه أن نَجِدَّ لتحقيقه لنكون من أهل السعادة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ] الحشر [.
فيا باغي الخير أقْبلْ، وياباغى الشر أَمْسِكْ، أَلا إلى الله تصيرُ الأمورُ.
وصلى الله وسلَم وبارك على عبده ورسوله الكريم محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 13542
شرعيَّة المعاملات
التي تقوم بها البنوك الإسلامية المعاصرة
للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
الكويت
هذه كلمة من محب لكم ولأمتنا الإسلامية أسديها لكم تبرئة للذمة ونصحاً للأمة، وحساب الجميع على الله . ولأن موضوع البنوك الإِسلامية طويل ومتشعب، ولأنه لا يسدْى في هذه العجالة تفصيل هذا الأمر، فإنني سأضع بين أيديكم خطوطاً عريضة محددة لما يجب أن يدور عليه البحث ولما أحب أن ألفت نظركم إليه.
أولاً: البنوك الإِسلامية غاية وهدف:
من تحصيل الحاصل الآن أن أذكر أن البنوك الإسلامية غاية إِسلامية وهدف وأمل لكل مسلم صادق وأن كل مسلم مطالب بأن يسعى إِلى إقامة هذه المصارف الإسلامية على النحو الذي يحقق للمسلم طيب المطعم والكسب، ولأمة الإسلام النصر والعزة، ولاشك أنه يبرأ من الإِسلام من يريد أن يحول بين المسلمين وبين إِقَامة نظام اقتصادهم وفق الشريعة ومن يريد تعطيل مسيرة البنوك الإسلامية لتطبيق شريعة الله.
ثانياً: نظرة إلى الوراء:
من جانب الحرص على المصارف الإسلامية كتبنا مقالات مطولة في عدم شرعية كثير من المعاملات الجارية الآن فيها، وقد كان لنا بحمد الله شرف الدعوة والعمل من أجل إِقامة هذه المصارف وذلك منذ عام ١٩٦٦ مقتدين ومساعدين لأستاذنا في هذا الصدد الدكتور عيسى عبده ﵀ الذي هو بحق رائد ومنشئ أول مصرف إسلامي فجزاه الله عن المسلمين خيراً وأفسح له في جنان الخلد.
ثالثاً: الغاية التي من أجلها تنشأ المصارف الإِسلامية:
стр. 13543
لا يخفى عليكم أن المصرف الإسلامي يختلف عن المصرف الربوي في شيء أساسي هو أن المصرف الإسلامي هو التاجر والصانع والزارع والمؤجر، والذي يعمل في الصيد واستخراج المعادن، وباختصار هو الذي يقوم بكل الأعمال المشروعة للكسب وهذا بعكس البنك الربوي الذي يقوم بدور الوسيط فقط بين صاحب المال وبين صاحب المشروع الزراعي أو الصناعي أو التجاري. فالمصرف الربوي في حقيقته وكيل عن المودع في أنه يقرض ماله بالربا بفائدة معلومة دون أن يتحمل شيئا من الخسارة، وأما المصرف الإسلامي فإنه يأخذ المال من المودعين ليزرع هو، ويصنع هو، ويبنى هو، ويؤجر هو، وبالتالي يكسب أو يخسر ويشارك المودع في الربح والخسارة.
وليس بخاف على أحد اليوم أن المصارف الإسلامية جميعها لم تقم بشيء يذكر مما أسست من أجله فلم تفتح بنفسها زراعة أو صناعة أو تجارة أو صيداً أو استخرج معادن. اللهم إلا خمسة في المائة فقط من الأموال المودعة عندها ذهبت إِلى هذا الصدد وأما بقية الأموال المودعة فإنها تتعامل فيها بطريقة ربوية لا شبهة فيها بتاتاًَ أنها ربوبية تحايلية. وذلك فيما يسمون ببيع المرابحة، وكذلك في الإعتمادات المستندية.
ففي بيع المرابحة المزعوم يشترى المصرف الإسلامي في الظاهر لنفسه وفى الحقيقة للمشترى الذي تعاقد معه وباع له، والمصرف هنا ليس مشترياً حقيقة وإِنما هو وسيط ربوي ضامن للربح غير مخاطر بشيء فهو يبيع ويشترى في وقت واحد ويسلم البضاعة وهى ما زالت في مصانعها أوفى البحر أوفى مخازن التاجر البائع. وهذا تحايل صارخ على الربا وليس من البيع في شيء وقد فصلنا هذا الأمر بحمد الله في مقالات عديدة، ورددنا ردوداً شافية على كل الذين حاولوا الدفاع عن هذا البيع الزائف الذي يسمونه (بيع المرابحة) وما هو من بيع المرابحة المعروف في الإِسلام في شيء.
стр. 13544
وأما الاعتمادات المستندية فهو نوع من ضمان وصول مستندات البيع إلى المشترى، وهو خدمة تتقاضى عليها البنوك أجراًَ وهذا جائز إلا أن البنوك الربوية إذا سددت عن عميلها وتأخر في السداد فإنها تحسب عليه فائدة ربوية على كل يوم تأخير، وأما المصارف الإِسلامية فقد وجدت من يتحايل لها أيضا ويضع نسبة تصاعدية على العميل المشتري فالذي يسدد في ثلاثة أشهر يدفع ٥ , ا % والذي يسدد في ستة أشهر يدفع ٣% والذي يسدد في سنة يدفع ٦% وهذا هو عن المداينة بربح معلوم، ولا يفيد هذا القول بأن الدين مختلط مع عقد آخر هو الوكالة عن المشترى في استلام المستندات، لأن أخذ الأجرة على تسليم المستند معلومة ويمكن فصلها عن المداينة. ولذلك فلا فرق بتاتاً بين ما تصنعه المصارف الإسلامية الآن في الإعتمادات المستندية. وما تصنعه البنوك الربوية. وهذه القضية أيضاً قد فصلناها في مذكرة ورفعناها إلى بيت التمويل الكويتي عندما طلب منا أحد العلماء إفتاءه فيها.
رابعاً: ليس المهم أن نرفع شعاراً إِسلامياً بل المهم أن تطبق الإِسلام الحقيقي:
стр. 13545
أظن أنه ليست بخاف عليكم أنه ليس المهم أن يرفع المسلم شعاراً يقول أنه مسلم ثم يمارس بعد ذلك ما يحلو له، وإنما المهم الآن- والآن بالذات أن نظهر الإِسلام الحقيقي وأن نقدم الإسلام حقيقة للناس. وقد ذكرت في معرض ردودي السابقة عليه قضية (بيع المرابحة) أنه بهذا الطريق من التحايل نستطيع أن نزاول كل الربا الموجود في الأرض الآن عن طريق ما يسمى (بيع المرابحة) فهذا النوع من التعامل قد يسر إجراء أي معاملة ربوية على أي صورة عن طريق ما يسمى (بيع المرابحة) وهذا معناه أن لا يوجد الآن ربا في الأرض فقط بل أي معاملة ربوية نستطيع أن نجعلها (شرعية) إلا بأن نغير شكل الكتابة فقط، فبدلاً من أن أقول أخذت ديناً بفائدة كذا وكذا أقول إنني لست مشترياً ولا بائعاً وإنما أنا قد أسلفت نقودي لغيره بفائدة معلومة لزمن معلوم.
خامساً: انظروا عمن توقعون؟
وختاماً أقول للمجتمعين اليوم انظروا عمن توقعون. إنكم توقعون عن الله. فإن قلتم إن هذا حلال فإنكم تعنون أن الله قد حرم هذا، ولاشك أن تحليل الحرام كتحريم الحلال. وأن الربا إحدى وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم. فانظروا أين تضعون أنفسكم، واعلموا أن الله سائلكم غداً عما ستوقعون عليه اليوم.
стр. 13546
وفى الختام أذكر هذه الحادثة لأوضح لكم إلى أي مدي أنتم مسئولون: فقد سألت بعض القائمين على المصارف الإسلامية: لماذا لا تؤسسون مشروعات صناعية وزراعية وتجارية وهذه هي المهمة التي من أجلها أسست البنوك الإسلامية؟ فقال لي: لا نستطيع ذلك فقلت: شاركوا بعض الشركات القائمة اشتروا شركات ناجحة. فقال: لم نجد من نستأمنه؟ ونخاف أن نخاطر بأموال المودعين. فقلت له: هذه هي نفسها حجة المرابين. أنهم لا يريدون المخاطرة. ولكن أليس الذين أودعوا نقودهم عندكم من المسلمين الذين فروا من الربا. وأنهم دخلوا وأودعوا أموالهم عالمين أنها قد تتعرض للربح والخسارة؟ فلماذا تخافون إذن من المخاطرة؟. ولم أسمع لليوم جواباً.
فيا إخواني الأعزاء هذه مسئوليتكم: فإن وجهتم المصارف الإسلامية اليد إلى العمل الإسلامي الصحيح توجهت. وكان لكم الفضل بعد الله .، وإن أقررتم ما هو حاصل الآن من المعاملات الربوِية كرستم الظلم والغش والربا وكانت المصارف الإسلامية القائمة اليوم وجهاً جديداً تحايلياًَ للمصارف الربوية فاختاروا اليوم ما تشاءون واللهم هل بلغت. اللهم فأشهد.
متى يكون بيع المرابحة حلالاً ومتى يكون حراماً؟
من المعلوم قطعاً أن كل عمل محرم إذا ألبس الصورة الشرعية فإنه يبقى على تحريمه بل يزداد حرمة لأنه يأخذ صورة الحيلة للتوصل إلى ما حرمه الله سبحانه. ولا شك أن المقاصد والنيات لها دخل كبير في الحكم على العمل هل هو حرام أم حلال.
ومن المعلوم قطعاً أيضًا كون البيع مباحاً ولكن هذه الإباحة ليست على إطلاقها فإن ثمة شروطاًَ لابد من توافرها ليكون البيع حلالاً وثمة موانع تمنع صحة البيع لابد من الابتعاد عنها.
وقد أجاز فقهاؤنا الأقدمون نوعاً من البيع سموه بيع المرابحة ولكنه اتخذ في بعض المعاملات الجارية والحادثة الآن صورة شرعية زائفة لعمل ربوي صريح.
стр. 13547
فبيع المرابحة المشروع هو أن يقول البائع للمشترى اشتريت هذه السلعة بكذا وأربحني فيها كذا وأبيعك إياها سواءً باعه هذه السلعة حاضراً أم بأجل وهذا لا خلاف في مشروعيته بين الفقهاء. ومازال المسلمون يتعاملون في أسواقهم بمثل هذا البيع، فكثيراً ما يقول لك التاجر "هذه السلعة وقفت علي بكذا أربحني كذا وأبيعك إياها ".
والبيع هنا صحيح سواء كذب البائع أو صدق فكذبه هنا حرام عليه لا يمنع صحة البيع وإن كان في هذا إثم عظيم لقوله ﷺ :"ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: وذكر منهم رجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له لقد اشتراها بكذا وكذا وإذا وهو على غير ذلك " رواه البخاري.
ولكن الصورة المحرمة من صور المرابحة والتي لاشك أنها تحايل على الربا، هو ما يصنعه الكثيرون ممن يلجأون إلى المصارف الإسلامية، أو الممولين فيقولون لهم "اشتر لي الأرض الفلانية أو السيارة الفلانية وأنا أشتريها منك "وهولا يلجأ إلى المصرف أو الممول إلا من أجل أن يبيعه مؤجلاً ومن أجل الحصول على المال، فبدلا من أن يقترض بربا ويشترى السلعة يلجأ إلى هذه الحيلة فيأخذ الممول أو المصرف وسيطاً لا من أجل الشراء وإنما من أجل الحصول على المال. والبنك الإسلامي لا يشترى السلعة لنفسه وإنما من أجل أن يبيعها لذلك المشترى، فالمقاصد هنا معلومة قطعاً وصورة الشراء الأول والبيع الثاني ما هي إلا غطاء شرعي زائف لعمل غير مشروع يقيناً وهو الربا. ومن أجل ذلك تتهم البنوك الربوية المتعاملين بمثل هذا البيع مع البنوك الإسلامية بأنه لا فرق بين عمل هذه البنوك وتلك، وإن كان في البنوك الربوية صريحاً والبنوك اَلِإسلامية ملفوفاً.
стр. 13548
وعليه فإننا نقول في الحلال فسحة وأبواب الرزق المشروعة أكبر وأعظم من أبواب الرزق المحرمة. ولا يجوز تحليل هذه المعاملة لأنها تحايل واضح على الربا يتم في صورة البيع. ولا علاج لذلك إلا بأن يشترى البنك الإسلامي لنفسه ثم يبيع لمن شاء دون أن يكون هنا اتفاق أو وعد سابق على الشراء والبيع قطعا لمادة الربا، وبعدا عن الشبهات، والحلال بين والحرام بين، ولاشك أن بيع المرابحة بهذه الصورة من الحرام البين الذي لا يحتاج إلى كبير بيان.
القول الفصل في بيع المرابحة
أولاً- صفة بيع المرابحة (المشروع) :
بيع المرابحة الشرعي هو أن يذكر البائع للمشترى الثمن الذي اشترى به السلعة فيقول وقفت علي بكذا ربحني فيها كذا وأنا أبيعك إياها: وفي هذا يقول ابن قدامة في المغنى: "معنى بيع الرابحة هو البيع برأس المال وربح معلوم ويشترط علمهما برأس المال فيقول رأس مالي فيه. أو هو علي بمائة (مثلاً) بعتك بها وربح عشرة فهذا جائز لا خلاف فيه ولا نعلم فيه عند أحد كراهة " (ا. هـ) .
ويقول صاحب بدائع الصنائع (فقه حنفي) هو أن يبيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. (ص ٢٢ ج ٥ ط أولى) وهذا البيع مازال معمولا به في أسواق المسلمين جميعاً إلى اليوم فأنت تأتى إلى التاجر فيقول لك هذه الشاة مثلاً اشتريتها بخمسين ديناراً ربحني فيها خمسة دنانير وأنا أبيعك إياها.
ثانياً- صفة (بيع المرابحة) المعمول بها في بعض البنوك الإسلامية:
стр. 13549
وأما المعاملة التي يسمونها في البنوك الإسلامية بيع مرابحة فهي تختلف عما قدمنا شكلاً وموضوعاً ونية وقصداً، فإن البنك لا يملك السلعة والمشتري الذي يلجأ إلى البنك لا يقصد خدمة البنك في أن يشتري له وإنما يلجأ إلى البنك من أجل المال لأنه ليس لديه مال حاضر وهو يريد شراء سلعة ما (أرضاً مثلاً أو سيارة) فيأتي إلى صاحب الأرض (البائع الحقيقي) ويتفق معه على السعر ثم يذهب إلى البنك الإسلامي ويقول له اشتروا لي هذه الأرض الفلانية ويوقع معهم عقدا يسمونه (وعد بالشراء) . ثم يذهب موظفوا البنك ويحضرون البائع ويتفقون معه على أن يبيعوا له بثمن أكثر نسيئة أعنى إلى أجل ويسمون هذه (الدورة الطويلة) بيع مرابحة.
أوجه تحريم هذه المعاملة:
(أ) قصد الربا:
ولا شك أن هذه المعاملة ليست من البيع والشراء في شيء فإن المشتري الحقيقي ما لجأ إلى البنك إلا من أجل المال، والبنك أيضاً لم يشتر هذه السلعة بقصد أن يبيعها بأجل إلى المشترى وهذه المقاصد لا يستطيع أحد أن يكابر فيها.
(ب) بيع ما لا يملك.
ولاشك أيضاً أن البنك الإسلامي عند ما يأتيه مشتر ويقول: اشتر لي السلعة الفلانية فإن البنك يساومه على البيع ويشترط عليه إذا اشتراها له أن يشتريها بربح كذا وكذا، وهنا يكون البنك قد باع ما ليس عنده. وقد جاءت النصوص بتحريم ذلك بل إجماع الأمة كلها على هذا كما قال ابن قدامة في المغنى: "ولا يجوز أن يبيع عيناًَ لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها رواية واحدة"أحمد بن حنبل "وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً لأن حكيم بن حزام قال للنبي ﷺ :"إن الرجل يأتيني فيلتمس من البيع ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك " (ا. هـ ص ١٥٥ ج ٤ المغنى) .
стр. 13550
ومعلوم يقيناًَ أن البنك يبيع ما ليس عنده باتفاقه مع المشتري الذي يسمونه وعداً بالبيع، والحال أنه تعهد مكتوب موقع عليه يلتزم به المسلم على الأقل أخلاقياًَ وأدبياًَ ولا يجوز للمسلم أن يخلف وعده حقاًَ إن البنك لا يقاضي من يتخلف عن هذا الوعد ويطالبه أمام المحاكم بإنجاز ما وعد [١] ولكنه يكبله بتوقيع ووعد يلزمه أخلاقياًَ على الأقل أن يشتري، وهل هناك بيع أظهر من هذا وأوضح.
(جـ) بيعتين في بيعة:
هذه المعاملة التي يتبايعون فيها في البنوك الإِسلامية هي بيعتان في بيعة. وقد جاءت النصوص وكلام السلف بالنهي عن ذلك فقد صح أن النبي ﷺ قد نهى عن بيعتين في بيعة. قال الإِمام ابن تيمية: "وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال لمن باع بيعتين في بيعة "فله أوكسهما أو الربا " وهذا إن تواطأ على أن يبيع ثم يبتاع فما له إلا الأوكس وهو الثمن الأقل أو الربا"أ. هـ فتاوى ج ٢٩ ص ٤٤٧ ولاشك أن الشراء الأول للبنك ثم البيع ما هما إلا عمليتان اثنتان في صفقة واحدة قصد بها التحايل على الربا.
(د) القضية كلها تحايل لأخذ الربا:
وهذه المسألة برمتها ما هي إلا دورة طويلة، القصد منها التوصل إلى الربا بغطاء شرعي. ولهذا قال ابن قدامة بعد أن ساق بعض المعاملات التي ظاهرها الشرع وباطنها التوصل إلى محرم: قال: "والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاًَ يريد به محرماً مخادعة، وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك، قال أيوب السختيانى: "إنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبياً، لو كانوا يأتون الأمور على وجهه كان أهون علي "أهـ.
следующие страницы →