← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وكأن بعض هذه الحوادث كانت تقول له قبل مبعثه: لست وحدك, ولا لنفسك وإنما أنت للذي يعدك ويرعاك لتكون امرأ غير الآخرين, وإن في غدك لأمرا فترقبه, فتبعث فيه تساؤلا وتطلعا وترقبا, وربما كان من شأنها أن حببت إليه العزلة والتحنث في حراء. واستقبل أولاها وهو طفل مسترضع في بني سعد يوم جاءه الملكان فشقا صدره واستخرجا قلبه وغسلاه بالثلج والبرد. حادثة فوق إمكان العقل الإنساني ولكنها على الله هينة لذلك لم يكد أبواه في الرضاع يستمعان خبرها من فم الطفل البريء الصادق حتى طارا به إلى أمه في مكة فزعا أن يكون بدأ به عرض مرضي إذ لم يستطيعا أن يصدقا طفلا في أمر لم يألفاه. ومن أدراهما أن من بين أيديهما نبي منتظر؟ ولكن الطفل لم ينس الحادثة, ومرت في شعوره خفيفة الوقع وهو صغير, فلما شب على الأيام تألقت في ذاكرته وإحساسه, ولا شك أنها شغلت تفكيره حتى مبعثه, فلما جاءه الملك ليلة الإسراء, وشق صدره للمرة الثانية وغسل قلبه بماء زمزم استعدادا للسفر به إلى الملأ الأعلى والمثول بين يدي الله تيقن أن حادثة الطفولة كانت إحدى براهين النبوة ليتعرفها في نفسه, وليثبت يوم يزعزع كيانا في غار حراء والملك يفته ويقول ﴿اقْرَأْ﴾ [١٩] ويوم يقول لخديجة ﵂: "مالي أي شيء عرض لي؟ لقد خشيت على نفسي" [٢٠] في هذه الساعات من الزعزعة الحيرة كان تذكر هذه الحادثة وما أشبهها أنفع شئ في الثبات واليقين, وتستبين حقائق الحاضر بدلائل من الماضي. وقد عرف رسول الله ﷺ مغزاها الكامل إذ سئل خبرنا عن نفسك يا رسول الله [٢١] فجعلها ﵊ إحدى أربع علامات للنبوة عرفها في نفسه. ومن يدري؟ ربما ظل رسول الله ﷺ طوال حياته يستشعر العذوبة والراحة النفسية التي أحس بها عندما استخرج الملكان من قلبه علقة سوداء وغسلاه بالثلج والبرد: إننا لنسمعه يقول في دعاء له "اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج,

стр. 1402

والماء, والبرد" [٢٢] وثمة حوادث تقصد مع تنبيه النفس إلى حينانتها وحياطتها من الوسط الجاهلي. وللبيئة أثر في النفس لا يدفع, وقد تولى حفظ نفس نبيه ﷺ من أقذارها وإخطارها, حتى يتم له الطهر ويسلم له النظر السليم, والإحساس اليقظ وليفرق بين القيم الحقيقة التي هي كمال الإنسان وبين القيم التي هي النقص والخسران ولقد شاء الله - ومشيئته حق ونور - أن تتمايز هذه النفس عن محيطها لتبصر مساوئه وتنقده نقدا دقيقا عادلا حرا تنقده وهي تنظر فيه بنور الله نقدا لا يعرف الادهان ولا أنصاف الحلول فإن الحق لا يتجزأ أو لا يجزئ بعضه عن بعض؛ إننا لنجد الله قد حمى نبيه أن ينكشف إزاره عن العورة إذا تعرى الصبيان أو الرجال وهم يحملون الأحجار للعب أو لبناء الكعبة [٢٣] وفي هذا صيانة لنفسه النبوية من أن تتأذى بما يبعث في النفس من أحاسيس غير كريمة. وحماه من حضور مجالس اللهو والغناء وكان حييا. وكانت الكعبة تزخر بالأصنام وقريش تذبح لها في الأعياد, فحال الله بين نبيه وبينها فلم يمس حياته صنما ولم يحظر عيدا لها. لقد فارق قومه في باطلهم مفارقة كبيرة عرفتها عشيرته فيه قبل النبوة, ومن أعجبها وقوفه بعرفة مع الناس, على حين كانت قريش مما يقفون في المزدلفة. ذلك أن الله أنعم عليه بالحس السليم الذي يميز بين الحق والباطل فكان رسول الله ﷺ إذا وجد في قومه فضلا نوَّه به ومِنْ هذا ثناؤه على حلف الفضول الذي تعاقدت قريش فيه على رد الحقوق للمضطهدين وعلى حماية الضعفاء منها ومن غيرها, فقال فيه: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" [٢٤] ولعل هذه العدالة في الحكم ظاهرة الدلالة في قوله: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق" [٢٥] .

стр. 1403

هذه الحوادث وإضرابها من إرهاصات النبوة لم يمنحها المحدثون من كتاب السيرة ما تستحق من عناية وبحث فتجاوزا عن كثير منها, ولم يتلبثوا عندها إلا يسيرا. ولو أمعنوا النظر وتتبعوا أحوال المصطفين والأنبياء لو جدوا فيها سنة من سنن الله في أعداد أنبيائه. فمن ذلك رؤيا آمنة بنت وهب حين حملت برسول الله ﷺ إنه: "خرج منها نور أضاء لها قصور الشام" [٢٦] . وحدثت آمنة وحيدها وأثيرها محمدا ﷺ برؤياها قريرة متفائلة بمستقبل ولدها. فلما أوحي إليه أدرك أنها إحدى أمارات النبوة فحدث بها [٢٧] . فهل نجد ما يشبه هذه البشارة لدى أمهات الأنبياء والرسل؟ هل كانت تصدر إليهن الإشارات الإلهية بمستقبل الصغير المنتظر؟ نعم, كانت هذه الإشارات إلى بعضهن أبلغ في الدلالة وأجلى في الصراحة, بل كانت إعلاما وإخبار مكشوفا. فأخبر الله أم موسى ﵇ وموسى في أيامه الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [٢٨] وأعلم الصديقة مريم بمستقبل عيسى قبل أن تلقى إليها الكلمة. . ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [٢٩] ولا شك أن وضع الصديقة الفريد كان أحوج إلى وضوح الإعلام من آمنة ومن أم موسى, إذ كانت تحتاج إلى أن تصدق نفسها في أمرها حتى تقوى على الصمود في وجه تكهنات الناس وتخرصاتهم. ومن ثم حمل عيسى ﵇ معه آيه خلقه ونبوته عندما نادى أمه من تحتها حين وضعته [٣٠] وفي مخاطبته المجتمع المستنكر المتهم وهو في المهد [٣١] . كذلك بشرت الملائكة نبي الله زكريا بحيي ﵇ [٣٢] , ومن قبل جاءت إبراهيم البشرى بإسحاق ويعقوب [٣٣] .

стр. 1404

هذه الدلائل هنا صريحة ولإعلام أم موسى بها, ومريم وزكريا وإبراهيم وزوجه إعلاما مكشوفا, أسباب لا تخفى, ولم يكن سبب منها لآمنة. فكان رؤياها النور الذي أضاء لها القصور من بصرى الشام رمزا للمستقبل. ولو أن الأمر يتطلب ما فوق الرمز لجاءها من الله بيان. ولكنها أعطيت ما يكفيها لتتنبه لشأن وليدها. ولم يعترض حياتها وحياة وليدها من الظروف النادرة أو الخطرة أو المغايرة للمألوف - كظرف إبراهيم وزكريا - ما يقتضي الوحي. فكان الرمز هو القدر المناسب الكافي ليبعث في نفس آمنة التوقع والتفاؤل. ب- التمهيد التاريخي للرسول: وتلك التوطئات غرضها إعداد الرسول لقبول الرسالة ليطمئن بها قلبه, وليعلم أنه قد جاءه الحق من ربه. وهي لا تعدو في أثرها نفس الرسول ولا تستهدف غيره ولكن محمدا ﷺ قد سبق أمر الله أن تختم به الرسالات, وأن يقضي على آثار المرسلين أجمعين, وأن يجعل دعوته عامة لكل عاقل على ظهر الأرض. وهو أمر لم يكتمه الله عن البشر. وإنما هيأ له الأذهان, ووجه إليه الأنظار منذ زمن بعيد, إعلاء لشأنه وإظهارا لأهمية رسالته, وليكون الناس معها على وعد غير مكذوب ولتشرئب نفوسهم إلى الكمال المرتقب وليتشرفوا إلى الانتساب إلى الرسالة الخالدة, وليعلموا أن كمال النبوة وتمام الحق فوق ما حضرهم أو عرفوا من أمر الأنبياء والرسل وليحيي الأمل نفوسا كانت تألم وتتأذى من جهل منتشر وباطل مستمر. وإرسال الأنبياء عموما أمر لم يكتمه الله عن خلقه, فأعلنه لهم منذ أبيهم آدم وأخبرهم أنه قارب الإنقاذ والنجاة. قال تعالى لما اقترف آدم الخطيئة وهبط من الجنة: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [٣٤] ثم أصدر الله لرسله إعلاما غيبيا بمبعث نبي يتمم به الله الرسالات فكان هذا إرهاصا وتمهيدا تاريخيا لمحمد ﷺ .

стр. 1405

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [٣٥] فصار الناس بذلك على موعد مع الزمان بمبعث نبي نوه الله بذكره, وأخذ العهد له عليهم منذ الزمن السحيق. وفي الآية دلالة بينة على علو مكانة النبي الموعود به, والحقبة الزمنية المبعوث فيها. ومن ثم ألح بدعوته منذ أجيال وأجيال. وبهذا يجعل الله ميعاد مبعثه منارة تاريخية, يجمل أن نتخذه حدا فاصلا في التاريخ البشري؛ ما كان منه قبل محمد وما يكون منه بعد محمد ﷺ . وكان احتفاء الله به عظيما؛ لأنه في تقديره وتوقيته له, حدث ثقيل في حياة البشر ومستقبلهم. وكيف لا يكون شيئا ثقيلا وحاضرهم في الدنيا, ومستقبلهم الأخير يوم القيامة مرهونان بما حققا من اقتراب منه, وتصديق به, أو ابتعاد عنه وتكذيب. وبهذا يتجلى المعنى التاريخي الإنساني العظيم في الآية التي تلاها رسول الله ﷺ على الناس, على جبل الرحمة, في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [٣٦] كان يوما مشهودا فاضلا تمت فيه الكلمة الإلهية والنعمة الرحمانية على بني آدم. وكان الله جعل من هذا اليوم قبلة زمانية اتجهت إليها أفئدة الأنبياء والمؤمنين بهم, إقرارا منهم على أنفسهم بأن كلا منهم مرحلة في تاريخ النبوات, وحلقة في سلسلة المرسلين. وشاء الله فأتم السلسلة بمحمد ﷺ فجاءت رسالته لا يجهلها المؤمنون الصادقون من أهل الكتاب, يعرفونها ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ , وهي تحمل الإيمان بالرسل

стр. 1406

السابقين, والتقدير لجهودهم في تبليغ الكلمة الربانية إلى الناس, والثناء على صدقهم, وتضحياتهم في سبيل إنقاذ الإنسان من براثين الشيطان, وباركت جهادهم, وحيث إخلاصهم: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٣٧] . ويبدو أن الأنبياء الذين بعثوا في الزمن المبكر, لم يتجاوز علمهم بالنبي ﷺ سوى الإخبار بمبعثه, وأخذ العهد عليهم, أو دعوة حارة تجري على لسان إبراهيم ﵇ فتفتح لها أبواب السماء, وتلتقي بما قدر الله منذ الأزل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [٣٨] فلما تأخر الزمان وأنزلت التوراة والإنجيل, توضحت الإشارات وذكرت العلامات, وصار الذين عندهم علم الكتاب على بينة من مجيء رسول ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [٣٩] لا يخطئونه. إن رأوه أدركوا يومه. فقد وضح الله لهم كثيرا من علاماته؛ مكان بعثه, مهاجرة, وصفاته. ثم أتى على التوراة والإنجيل ما أتى من التبديل والتغير. وأفسدت الوثنية الدين الذي جاء به عيسى, ودخل أتباعه من بعده في الشرك إذ قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. واختفى دين التوحيد فلم يستمسك به إلا رهبان أو أساقفة قلة, منقطعون في الصوامع, أو الكنائس يتجافون عن الناس في شركهم, وفساد عقيدتهم, ولا يجرؤون على النعي عليهم خوفا من بطشهم وتنكيل الحكام بهم. وأغلب الظن أن هؤلاء النفر القليل احتفظوا بصفاء دين عيسى ﵇, بما خبؤوا في صوامعهم من صحف الإنجيل الذي كان أقرب شيء إلى الأصل الذي أنزل على نبي الله عيسى ﵇. قال ابن هشام لما ذكر الراهب بحيرى: "فلما نزل الركب المصري من أرض الشام, وبها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية, ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب, إليه يصير علمهم

стр. 1407

عن كتاب فيها, فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر" [٤٠] . ويلتقي هذا الحديث بحديث سليمان الفارسي ﵁ الذي تقلب في كنائس عدد من الأساقفة الصالحين قبل أن يصير إلى أرض العرب قبيل مبعث محمد ﷺ إذ قال له أسقف عمورية وهو على فراش الموت, وكان آخر أسقف رافقه: "والله ما أعمله أصبح اليوم أحد على مثل ما كان عليه الناس, آمرك به أن تأتيه, ولكنه قد أظل زمان نبي, وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇, يخرج بأرض العرب, مهاجره إلى أرض بين حرتين فيهما نخل به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل". فكان هؤلاء ينتظرون الوعد الحق؛ ظهور النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [٤١] . وكانت القراءة المجردة عن الهوى في التوراة والإنجيل كافية لأن تحمل أهل الكتاب على إيمان: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [٤٢] . لقد نزلت التوراة والإنجيل يحملان الشهادة التاريخية الواضحة الثابتة على سر من أسرار الغيب العظمى لم يكتمه الله, ولم يجمله, عن اليهود والنصارى أعذارا لهم, وليكونوا السابقين إليه. ومن أولى بنصر كلمه الله ممن يعرفها؟ ولكنهم كانوا قوما فرقوا دينهم شيعا وأحزابا وأتت عليهم عصور من الحسد والبغضاء والعصبية فلم يفلحوا في التجرد من ذلك, والإخلاص للحق المنزل, فمنَّ الله بالدين على قوم أميين سلمت فطرهم من رسوبات الخلاف الديني ومن العقد النفسية, والصيغ المنطقية الموات, فلم يلبثوا أن صاروا به خير الأمم- والحمد لله والمنة -. ج- التهيئة الاجتماعية:

стр. 1408

هذه توطئات بالنبوة, منها نفسية ذاتية, ومنها تاريخية لتعد النفس النبوة والفكر الإنساني الديني فلا يبدو الوحي غريبا للموحى إليه. ولا إلى الذين عرفوا الكتب المقدسة قبل, فهي بذلك تصل النبي ﷺ بالأفق العلوي وتجعله على شفا الوحي والرسالة, وتضعه حيث وضعه الله في السلم الزماني من تاريخ النبوات. غير أن الرسالة لابد لها من ظرف اجتماعي تملؤه وتتحرك في أنحائه, وتنتشر فيه. ومن ثم كانت التوطئة الاجتماعية, وإعداد من حول النبي للتصديق بنبوته أمرا يتسق والتوطئة النفسية والتاريخية.

стр. 1409

ولو نظرنا باقي المجتمع القرشي, قبل المبعث لوجدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم, ملحوظ المكانة فيه, ظاهر الشخصية, مرضي السيرة, مرجوا للخير, يدل علي ذلك لقب (الأمين) الذي أضفوه عليه. وهو لقب - لو سبرنا بعيد مدلولاته - ضخم المحتوي, فالأمانة سجية تجمع لصاحبها سلامة السريرة والسلوك, وصدق الطوية والفعل, فلا تناقض بين مظهره ومخبره, بل يصدق فعله قوله, ويصدق قوله وجدانه وخبيئة نفسه. فالأمانة أول معني لها الاطمئنان والثقة؛ اطمئنان الآخرين إلى شخص الأمين, وثقتهم بما يصدر عنه. وهي سجية لا يشهد بها لامرئ إلا بعد التجربة والاختبار المتواتر [٤٣] المستمر. ويمكن أن يقال بحق: إن الأمين من أمن الناس لسانه ويده. وهكذا كانت قريش قبل المبعث لا تخشى من رسول الله ﷺ معرة, ولا يتخوفون منه كذبا, ولا يتوقعون منه إلا استقامة, وخطة حميدة, ولا يعرفون فيه إلا نبلا وشرفا ووفاء. ولا نكاد نجد لقبا أجمع لخصال المروءة والرجولة والعدالة من لقب الأمين. وهي خلال ترشح صاحبها لسيادة الرئاسة والزعامة. وهو لقب ينطوي خصال نابعة من الذات, ومن جوهر النفس ولا ينم عن صفة جسدية - كلقب أبي لهب مثلا - أو على خصلة وحيدة غالبة, منفصلة عن مجموع الخصال التي تؤلف التكامل في الخلق والنفس, - كلقب الفيض والفياض مثلا للكريم المترف - ولا أظن أنه لقِّب في قريش غير محمد بهذا اللقب. ولم يكن محمد ﷺ في قومه زعيما, ولا طالب زعامة, ولم تعرف له - قبل النبوة - فئة تدعمه ولا شاعر يمدحه. فيكون لقبه منهم وإنما هو لقب فاز به بإجماع قريش كلها رجل كان أبعد الناس عن حياة ذات قصد نفعي, أو إشادة بالذات, وأزهد الناس في تقدم الصفوف, بلد الرئاسة والشرف. وبهذا يكون مجتمع مكة قد شهد على نفسه, وشهد عليه التاريخ بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي كان وحيد قومه في خصال الخير, وأسباب الفضل والعدل,

стр. 1410

ومؤهلات الزعامة. ولو تحرينا الإنصاف قلنا: إن محمدا ﷺ كان ولم يزل وحيد الناس, قاطبة, فيها. ونحن الذين نؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا لا نطلب الدليل على صدق ذلك. ولكن الله أقام الأدلة - على ما ذكرناه - في أحداث اجتماعية هامة, لمن شاء أن يتفكر ويتدبر لتظهر هذه المزايا على حقيقتها في مجال التطبيق والعمل في أصدق مظهر في الواقع. وخير حادثة اجتماعية يحيط إطارها بهذه المزايا حادثة الاحتكام إلى رسول الله ﷺ في رفع الركن إلى مكانه من الكعبة, عند تجديد بناءها قبل المبعث بخمس سنوات.

стр. 1411

لما بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بيت الله الحرام، وأذن إبراهيم في الناس بالحج, وجاءه المؤمنون من كل فج عميق, وعبرت على ذلك قرون, احتلت الكعبة مكانها الأقدس في قلوب العرب, وعلت مكانة الذين حولها يتعهدون الحجابة, والسقاية, والرفادة, والعمارة والشعائر. وتمتعوا بنفوذ وسلطان وأمن, وأصابوا سؤددا وغنى. فتنافس المتنافسون من جرهم ثم خزا عة على مكة وبيتها الحرام, واستضعفوا أبناء إسماعيل, وغلبوهم على أمر البيت. فاعتزل أبناء إسماعيل السلطة والحكم, وصاروا قطعا حلولا وصرما في قومهم بني كنانة [٤٤] في السهول والبوادي والجبال, فيما حول مكة, يكاثرون, ويظهرون على مناوئيهم حتى رث أمر خزاعة, فجمع أحد رجالهم الأشداء, قصي بن كلاب, القبائل من فهر, وهي التي تؤلف بمجموعها قريشا, واستعان بقوة من اليمن [٤٥] , وضرب خزاعة ضربة قاصمة خلصت مكة بعدها له، وانتهي إليه الحكم فيها بغير منازع. وكان قصي بن كلاب أول جد قرشي، لرسول الله ﷺ حكم مكة فاجتمع له ما للملوك من أسباب الملك، ومن المهابة والسلطان، فدانت له قريش كلها بالسمع والطاعة وجمع في يده السلطة السياسية والدينية فأتاح ذلك لأبنائه [٤٦] فرصاً للنبوغ والظهور والشرف والثراء. ولم يكن له في قريش كلها منافس، وما كان أبناؤه يخشون من بعده مزاحماً، وبدأ البيت الحاكم في مكة في أحسن أحواله منعة جانب، واتحاد رأي ومذهب. ولكن قصياً قبل وفاته أحدث فيه أول زعزعة، إذ جعل الأمر من بعده لابنه عبد الدار، وهو أقل أولاده حظاً من شرف وسؤدد. وكانت الأنظار تتجه إلى عبد مناف لما أصاب من شرف في حياة أبيه، ولكن الأخوة أذعنوا لأمر الأب المهيب، والأمر الحازم، فقد كان قصي لا يخالف ولا يرد عليه بشيء صنعه. واستطاعت هيبة قصي، ومراعاة أبنائه لحقه، واحترامهم لكلمته فيهم ولذكراه أن تحفظ الأمر بينهم من بعده كما أراده أبوهم من غير شقاق أو خصام، وحكم عبد الدار

стр. 1412

واكتنفته أخوته يساعدونه يعملون لبيتهم ولأنفسهم، لا خلاف ولا نزاع، ولكن أبناءهم من بعدهم لم يكونوا مثلهم في ضبط النفس، والحفاظ على وحدة الحكم فحمي وطيس المنافسة بين أبناء العمومة: بين بني عبد مناف وبين بني عبد الدار. وكان لكل فريق أنصار، ومؤيدين متكافئون وأتى على قريش يوم إذا البيت الحاكم فيه بيتان، وإذا القبيلة قبيلتان، قد تعاقد كل فريق على الموت والفناء فلم يبق إلا السيف والدم، وكانت هذه اللحظة شديدة الحرج، بالغة الخطورة في حياة قريش، ومستقبلها كله، فكان الضياع والخسران والغدر الماحق في انتظارهم جميعاً. وإذا تكافأت القوى المتصارعة وخاف الخطر الناس جميعاً أتيح للعقل دور، وللحكمة مكان. وهكذا كان إذ تداعى الفريقان إلى الصلح، وانتهى الاتفاق إلى إشراك بني عبد مناف في حكم مكة. ثم لم يلبث بنو عبد مناف أن عزوا بني عبد الدار بمكارمهم ومآثرهم، فأخملوا ذكرهم وانصرفت السيادة لبني عبد مناف، وارتفع المجد والشرف بهم. وتعلقت بهم قلوب قريش من غير إكراه وظفروا بتقدير واحترام غيرهم من الأمم بما أوتوا من كياسة وخطة حكيمة نفعوا بها بلدهم وقومهم. والحق أن البيت المنافي ظهر فيه شخصيات لم يظهر لها نظائر في بيوتات قصي الأخرى. كان هاشم بن عبد مناف من أقواها، وعبد المطلب بن هاشم من أعلاها قبل الإسلام. وقد أقرت قريش كلها بالسيادة لهما. ولكن النزاع الأول خلف وراءه مضاعفات نشأت منها أعراض خطيرة في قريش: لا شك أن قريشاً عند النزاع لم تختلف فيما بينها على زعامة آل قصي إذ كانت تسلم بزعامة هذا البيت تسليما، وما كان فيها أحد على مستوى المنافسة، وإنما كان الخلاف على أبناء قصي يكون زعيماً. ولكن الخلاف بعث في قريش حركة سياسية: دبت خفية، ثم حبت خفيفة. ثم سمعت عاملة نشيطة:

стр. 1413

لما انقسمت قريش حول أبناء قصي فريقين يختصمان فيهم، كان هذا - ولأول مرة - إشراكاً فعلياً لها في السياسة الداخلية للحكم، وإسهاماً عمليا في اختيار الزعيم، أو الاتفاق عليه. وقد وقف كل بطن منها في السلاح في وجه الآخر يوم ذاك وحمل هذا معه روح الانشقاق والتنافس.. وإذا كان الصلح قد رد السيوف في أغمادها، فإنه لم يرد إلى القلوب صفاءها ورضاها، وأصبح من العسير أن يرضى بطن من البطون، بحظ من الشرف والمكانة أقل من حظ خصومه، فنشطت حركة من التنافس الداخلي بين بطون قريش، ظلت في غلوائها حتى فتح الله على محمد ﷺ مكة المكرمة، وقد دفع أحقاد قصي وهاشم وإخوته هذا التنافس الاجتماعي قدماً في طرق مأمونة، ففتحوا لقومهم مجالات السعي والكسب الوافر، وعقدوا لهم الاتفاقيات التجارية مع الأمم المجاورة ومهدوا لهم السبل، ونظموا لهم رحلة الشتاء والصيف، فانطلقت قريش من قبيلة تكتسب من التبادل المحلي، إلى بيوتات تجارية يضربون في الآفاق وتنصب في أوعيتهم الأموال. وتفتحت مواهبهم، واتسعت مداركهم وعرفوا الخطأ من المجتمعات. ورفع هذا من قدرهم عند العرب جميعاً، وصرفهم هذا السعي الخارجي عن التنازع والصداع في الداخل. فلم تلق قريش من تسويد أبناء قريش إلا خيراً ولم تنازعهم على ما في أيديهم من أمر البيت، بل أولتهم أمورها، ورضيت عن سياستها فيها، وأجلت قريش بعد قصي رجلين من أحفاده هاشماً، وابنه عبد المطلب، أقرت لهما بالسيادة وأعظمت مكانهما. وأتت على قريش في تطورها الاجتماعي عشرات السنين، تبدلت فيها المنازل الاجتماعية تبدلاً ملحوظاً - كما هو الشأن في التطور الاجتماعي لكل أمة - فاغتنى كثير كانوا فقراء، وافتقر قوم كان أهلوهم ذوي مال. ونبه من كان خاملاً، وتقدم إلى القمة كثيرون لم يكونوا شيئاً مذكوراً. وصارت أكثر بطون قريش أفراس رهان، وقد نزلوا كلهم إلى الحلبة بعد موت عبد المطلب - آخر سيد في قصي قبل الإسلام - ولم

стр. 1414

يستطع ولده أبو طالب من بعده أن يحتل مكان أبيه (فكانت أمور البيت بينه وبين أخيه العباس) وإن كانت قريش تجل مكانه، وترعى جانبه، وتعلي قدره. فكان أبو طالب سيد بني هاشم وبني عبد مناف. ولم تكن سيادته في قريش كلها. بشهد بذلك أن أبا جهل استطاع أن يؤلب عليه قريشاً، ففرضت عليه الحصار الاقتصادي، والعزلة الاجتماعية في الشعب، حين استشرى العداء بين رسول الله ﷺ وبين المشركين. لقد ظهرت أزمة سياسية حادة بعد موت عبد المطلب نتيجة الحركة السياسية الاجتماعية السابقة، هي أزمة الزعامة: لمن السيادة في مكة بعد عبد المطلب؟ كان كثير من البطون على قدر متقارب من الوجاهة الاجتماعية، مما جعل الأزمة عسيراً حلها. وهذه الأزمة وإن لم تعلن عن نفسها في شعر أو ندوات أو تكتلات سياسية، فقد كانت كامنة في الأنفس على أهبة الظهور، عند أية بادرة، فيها للتنافس مجال. وهذا ما حدث حقاً عندما اختصمت قريش فيمن يرفع الركن إلى موضعه، وهم يبنون الكعبة؟ إن من يرفع الركن يوم ذاك هو السيد المطاع. ربما ما كانوا ليختلفوا على عبد المطلب لو كان حياً ولكن قريشاً فقدته ولم تتفق على غيره، وكانت أزمة حادة قسمت مرة أخرى قريشاً إلى فريقين، وكادوا يحتكمون إلى السيوف، لقد فقدوا السيد الزعيم، وودوا لو يظفرون به حتى لا تراق دماءهم على جدران الكعبة المقدسة المشرفة، وانتظروا، وقلبوا بينهم أمرهم، وقالوا: ليقض بيننا أول من يطلع علينا من باب الصفا. وطلع عليهم الزعيم؛ طلع محمد بن عبد الله. وكان صوت واحد مجلجل، كله فرح ورضا وقبول: "هذا الأمين رضينا، هذا محمد" [٤٧] . لقد كان محمد بن عبد الله - إذ كان رجل مواقف - كان الزعيم المرتجى؟ فما سبب هذا الرضا الجماعي؟

стр. 1415

لن تتعب أنفسنا بالتنويه بنسبة العريق. وهو وإن كان من أسباب الرضا. لكنه لم يكن السبب الأساسي فلو كان ذلك، فإن أبا طالب كان بين ظهرانيهم، وهو أسن منه، وسيد عشيرته يوم ذاك، ولكن السبب في شخصه لا في نسبه - مع إحترامنا البالغ لنسبه الزكي ﷺ . لقد قالوا: "هذا الأمين"فأشاروا إليه باللقب، ولم يشيروا إليه بالنسب. كانت الأمانة سر الرضا، وهي صفة أوضحنا مدلولها ومضمونها، وتفرد رسول الله بها. وكانت قريش تبتغي حكماً، مجرداً من الهوى، قادراً على أن يلقي عواطفه العصبية جانباً، وأن يعلوا على خصومتهم، فيقضي بينهم ولا يدخل فيها. ولم يكن رسول الله ﷺ إلا قرشياً هاشمياً من البيت الذي يلي شؤون الكعبة، وما هو بالغريب عن قضايا قومه، وما يحزبهم، ومع ذلك رأت فيه مختلف البطون من قريش ضالتها المنشودة، ومفتاح الفرج في أزمتها العصبية، فهذا الأمين في اعتبارها إذن فوق العصبية المحلية؛ رجل يستطيع كل قرشي أن يجد عنده الإنصاف والعدل والنزاهة. لا يخشى منه تحيز، ولا ميل عن الحق إلى القريب، أو صديق، أو نصير. حقاً قد احتكمت قريش إلى رجل منها، ولكنه في هذا التقدير فوقها كلها؛ رجل لا يعبد ما تعبد، وليس من دينها في شيء هو عندها مثال العدالة والاستقامة والصدق. وعرف رسول الله ﷺ ما في نفوس القوم، وما هم فيه من خلاف، وحضره الحل المرضي توفيقاً من الله وعوناً. أمر بثوب، فبسط ووضع الركن فيه، وجعل ممثلي البطون على أطرافه، وأمرهم أن يرفع كل من ناحية، حتى إذا حاذوا مكانه، رفعه بيديه الطاهرتين، ووضعه في مكانه وبنا فوقه. لقد كان رافع الركن إلى موضعه ابن إبراهيم ﵇، الذي دعا ربه مخلصاً ﴿ربنا وأبعث فيهم رسولاً منهم﴾ [٤٨] فوضعه محمد ﷺ في المكان الذي وضعه فيه أبوه من قبل أول مرة عندما رفع البيت.

стр. 1416

ورضيت قريش أن يفوز كل منها من الشرف بنصيب، وبردت بذلك أكبادها ولكنها رضيت بأمر أعلى وأبعد مغزى؛ رضيت أن يفوز بالشرف كله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إذ كان هو الرافع للركن حقيقة. لقد كان في هذه الحادثة معتبر، لو استطاع خصوم رسول الله ﷺ أن يردعوا نفوسهم بعد المبعث، وأن يحكموا المنطق والعقل، كما فعلوا عند تحكيم رسول الله ﷺ ، ولكنهم أطلقوا لغرورهم ولهواهم العنان، وركبوا الشر، فانتهى من لم يسلم منهم إلى سوء المصير. إن الدرس البليغ الذي كان بإمكان قريش أن تتعلمه من نجاح رسول الله، ﷺ في حل أزماتها في الجاهلية هو أن هذه القبيلة ذات الحيوية والإمكانات لا يمكن أن يستقيم أمرها وتتحد كلمتها، وتبلغ الفلاح، حتى تتخلى عن العصبية الضيقة وتذعن للحق وتنقاد للناصح الأمين، ولقد دعاها رسول الله ﷺ بعد سنوات ثمان من بناء الكعبة إلى الحق، فاستنفرت عنه، فذاقت ما ذاقت من الويل والخسارة، ولم يصلح شأنها ولم تبلغ عزها الحق إلا عندما أسلمت له يوم الفتح وانقادت والتفت حوله كما التفت حوله يوم رفع الركن. ٤- القدوة: ولكن لم خص الله أنبياءه بتلك العناية الكبرى والحفاوة العظمى، وصنعهم كما أراد، كما قال لموسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [٤٩] . لأي دور عظيم أعدهم الله إذا صاغهم الصياغة النبوية الفريدة؟ لو علمنا جلال المهمة الملقاة إليهم لعرفنا بعض السر. لقد ألقى إليهم واجب ثقيل ليس مثله في المهمات العظام شيء أبداً، إنه الواجب الذي يملي عليهم أن يبدؤوا عصراً جديداً ملءه النور، ومدنية محدثة شعارها العلم والتقدم وأن يكونوا أمة هادفة إلى إنقاذ الإنسان وإسعاده بالبلوغ به مرضاة ربه. إن الله يختار للنهوض بهذه المهمة التي تنوء بأمم الأرض كلها رجلاً فرداً.

стр. 1417

فكيف أدى النبي ما عهد به إليه، وأنفذه على وجهه، فتوفاه الله وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة فجعله في الخالدين؟ إن الإلمام بذلك يعين سبلاً وحدها تسلك، وطرقاً وحدها تتبع في إحياء حضارة الإنسان بالعلم والإيمان، وما من مؤمن يطلع على مواقف الرسول الخالدة ﷺ في القرآن والسيرة إلا يتقن أن استيعاب روح هذه المواقف وتمثلها هو الخطة الوحيدة في تكوين مجتمع إسلامي صحيح سليم. إنه وجب الاقتداء إذ ثبت الاصطفاء وإذا كان العسير علينا أن نحيط بتلك المواقف في هذه العجالة فلإشارة إلى بعضها كافية: أ - الاقتراب: وأول هذه المواقف وأعظمها خطراً هو انفصال الرسول ﷺ نفسياً وروحياً عن عصر الجاهلية والاتجاه بالقلب والنفس إلى العالم الأعلى، إلى الله، وهذا المسلك مبدأ الانطلاق في تكوين الأمة وبزوغ حضارة الإسلام وقد سمى الله تعالى هذه الطريقة بالاقتراب. قال تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [٥٠] ويغدوا النبي بانفصاله عن الوقع الجاهلي مركز إشعاع متجدد ويجتذب إليه عناصر مجبولة على الخير نافرة من أذى الجاهلية فتسبح في فلك النبي وتخضع لجاذبيته وتستلم منه القيم، والمثل فتتفجر إمكانياتها بتأثيره في طريق الخير، وتنصرف قلوبها إلى الله تريد وجهه. إنهم الرجال المعرفون بالصحابة الذين صنعوا بقيادة الرسول ﷺ لهم تاريخ الدعوة الأول، وقد صدر الأمر الإلهي للنبي ﷺ بالتزام هذه الفئة التي هي نواة المجتمع الإسلامي: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [٥١] .

стр. 1418

وأوصى الله نبيه والمؤمنين بالانقطاع إليه فقال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [٥٢] فكان التبتل فعال الأثر في سيرة الرسول الكريم إذ جعله في منأى عن الزلل والخطأ. فجاءت سيرته ﵊ وحياته في المقام الأسمىمن الكمال والتمام، والبعد عن النقصان والانحراف. ولم يفارق هذه التبتيل مرحلة من مراحل الدعوة وموقفاً من مواقف الرسول ﷺ العامة، والخاصة، ألم تكن قرة عينه في الصلاة ألم يكن يقوم الليل حتى تتورم قدماه؟ ولقد سرت هذه الروح إلى الصحابة، رضوان الله عليهم فحققوا خالد المآثر وكانت عندهم شيئاً قليلاً فيما عرفوا الله من حق عليهم. ومن ثم لا تبعث الروح الإسلامية وقادة كما كانت في الصدر الأول إلا بجلاء النفوس وتنقيتها وإعدادها لاستقبال الإشعاع الثاقب الحي، الذي نتلقاه من الرسول ﷺ ، إن أوغلنا في سيرته وعشنا في ظل مواقفه، وفي صميم مبادئه ومقاصده ولا ينشأ جيل كالجيل المحمدي الأول إلا إذا جليت القلوب من صدأ القرون، ومن أوزار المبادئ الدخيلة، والأفكار الغازية، والمفاهيم المخالفة للفطرة، فإذا نجحنا في التحرر والاقتراب من مركز الإشعاع الروحي أحيا الله فينا ما أحياه في الصحابة، وبعث منا جيلاً كجيلهم، ولهذا نرى في فترات متباعدة من تاريخنا رجالاً متميزين لا يشبهون غيرهم، يعيشون كالأغراب، في عصورهم روحهم وأسلوبهم روح الصحابة وأسلوبهم لا يخافون بأساً ولا يخشون رهقاً، يُرهبون ولا يرهبون ينتصرون ولا يُهزمون، وإن ضاقت بهم أنفس الطغيان فسجنتهم أو عذبتهم، أو قتلتهم فإن في موتهم النصر إذ يسجلون بذلك على الطاغية هزيمته النفسية أمام مبادئ الإسلام والحق والعدل. إن أبا جهل لما غيب حربته في حشا سمية أم عمار بن ياسر ﵃ كان قد تردى من الهزيمة النفسية في (غور) سحيق.

стр. 1419

إن استشهاد رجال الحق يزيد شعلة الإيمان توهجاً، وليل الطغيان وحشة وهولا. -------------------------------------------------------------------------------- ١ ** سورة طه، الآية: ٤٠ ٢ ** ابن هشام: السيرة م١ ص٥١. ٣ ** ابن هشام: السيرة م١ ص ٤٣. ٤ ** المصدر نفسه: م١ ص ٤٣. ٥ ** المصدر نفسه: م١ص٤٦ ٦ ** المصدر نفسه: م١ ص٤٦ ١ ** المصدر نفسه: م١ ص٤٧ ٢ ** الأنفال: الآية ٦٣. ١ ** السيرة لأبن هشام: م٢ ص١٧٢ والقائل هو أبو سفيان بن حرب. [١] آل عمران: ١٠٣. [٢] السيرة لابن هشام م١ ص٥٠٠. [٣] المصدر نفسه. وكان التحدي أعظم إذ قال له أبرهة: "ما كان ليمتنع مني". فقال له عبد المطلب: "أنت وذاك". [٤] سورة الفيل. [٥] سورة ق: ٣٧. [٦] الضحى: ٦- ٧. [٧] البقرة: ١٢١. [٨] السيرة لابن هشام: م١ ص٢٦٦. [٩] النحل: ١٢٠. [١٠] الحج: ٧٥. [١١] الأنعام: ١٢٤. [١٢] آل عمران: ٢٤. [١٣] ابن كثير في البداية والنهاية: ج٢ ص٢٥٦ عن صحيح البخاري. [١٤] البداية والنهاية ج٢ ص٢٥٦ لابن كثير: عن صحيح مسلم. [١٥] السيرة لابن هشام م١ ص١٦٦ رواه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد. وقال فيه ابن كثير في المرجع السابق: هو إسناد جيد. [١٦] البداية والنهاية ج٢ ص٢٥٦ رواه الزهري عن عروة عن عائشة. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ابن عباس: "ولدت من لدن آدم من نكاح غير سفاح". [١٧] المصدر نفسه ص٢٥٧. [١٨] آل عمران: ٣٧. [١٩] سورة العلق: ١. [٢٠] البداية والنهاية لابن كثير: ج٣ ص٧. [٢١] ابن هشام: م١ ص١٦٦.

стр. 1420

[٢٢] الأذكار للنووي: ص٤٣. ومن هذا القبيل ما كان يومئ بالرسالة المقبلة بصريح اللفظ. قال عليه الصلاة ولسلام: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" رواه مسلم وصدق رسول الله فإن تسليم الحجر عليه قبل الوحي كان لتنبيه فكره وإثارة شعوره وتوجيهه إلى استشراف ما هو غيبي المصدر. [٢٣] تقرأ البداية والنهاية ج٢ ص٢٨٧. [٢٤] السيرة لابن هشام: م١ ص١٣٤. [٢٥] رواه مالك في الموطأ في ص ٩٠٤ تحقيق فؤاد عبد الباقي وهو حديث مدني صحيح متصل في وجوه صحاح. [٢٦] السيرة لابن هشام: م١ ص١٦٦. [٢٧] المصدر نفسه. [٢٨] القصص: ٧. [٢٩] آل عمران: ٤٥. [٣٠] مريم ٢٣: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ . [٣١] مريم ٣١: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ . [٣٢] آل عمران ٣٩: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . [٣٣] هود ٧١: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ . [٣٤] البقرة: ٢٨. [٣٥] آل عمران ٨١. [٣٦] المائدة: ٣. [٣٧] الصافات: ١٨١. [٣٨] البقرة: ١٢٩. [٣٩] الصف: ٦. [٤٠] السيرة لابن هشام: ص١٨١. [٤١] المصدر نفسه: ص٢١٨. [٤٢] البقرة: ١٢١. [٤٣] لما وقف رسول الله ﷺ على الصفا وقال لقريش: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ "قالوا: "نعم". من حديث رواه ابن كثير في البداية والنهاية ج٣ ص٣٨ عن الإمام أحمد.

стр. 1421

[٤٤] ابن هشام: م١ ص١١٧. [٤٥] قضاعة وكان عليها رزاح بن ربيعة أخو قصي لأمه. انظر ابن هشام م١ ص١١٨. [٤٦] انظر ابن هشام: م١ ص١٣٠- ١٣٧. [٤٧] ابن هشام م١ ص١٩٧. [٤٨] البقرة: ١٢٩. [٤٩] طه: ٣٩. [٥٠] العلق: ١٩. [٥١] الكهف: ٢٨. [٥٢] المزمل: ٨.

стр. 1422

بين التفوق والنجاح بقلم: الدكتور محمود بابللي الفرق الواضح بين التفوق والنجاح، لأن التفوق أبعد غاية من النجاح، ولأن تأمين النجاح لا يعني تحقيق التفوق إن لم يصل النجاح إلى مرتبة عليا تقصر عنها المتقاعسين. والنجاح أمر مرغوب فيه عند طلاب النجاح في كل ما ينشدونه من أمورهم الحياتية، وحدود النجاح قد تكون قريبة المنال من كل مجد ودؤوب، غير أن التفوق لا يناله إلا من أصاب حظاً كبيراً من النجاح. وإذا ضربنا مثلاً على الفارق بين التفوق والنجاح علامات المتخرجين من أحد المعاهد العليا نجد أن من يحصل على نسبة ٥٠% يعتبر ناجحاً. وقد يحصل المتفوق على نسبة أعلى إذ قد تقارب أحياناً العلامات التامة. فهل يصح التساوي بين النجاح وبين من قارب الغاية في التفوق؟ إن هذه المقدمة توضح أن النجاح أمر نسبي وأن التفوق أمر نسبي، وشتان ما بينهما وأن مثلهما في المدرسة أو المعهد مثل قياسي يراد منه تقريب المفهوم لمعنى التفوق ومعنى النجاح. فهنالك من يفرض نفسه فرضاً بتفوقه في ميدان اختصاصه وهنالك من يجر نفسه جراً. ليدرك أدنى مستوى للنجاح. وشتان بين الاثنين. وشبابنا في ميدان العلم والعمل إن لم يكن التفوق غايتهم فإن واقعنا سوف لا يتغير كثيراً عما نحن عليه، لأنهم أمل المستقبل وبناته، ولهم من مثلهم الأعلى - وهو الإسلام - خير حافز لأن يدفع بهم إلى أعلى المستويات في كل منطلق وفي كل ميدان.

стр. 1423

والأمة هي مجموعة الأفراد الذين تتألف منهم، فإن تحقق في هؤلاء الأفراد ما يرتفع بهم عن المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى ارتفعت الأمة بهم وعرفها الجميع بأنها أمة مجدة عاملة ذات مستوى عال ومقام محترم، وتمكنت هذه الأمة من فرض احترامها على الغير بما يتحلى به أفرادها من صفات سامية وهمم عالية ومثل أعلى رفيع المنال بعيد الغاية. والأمة الإسلامية اليوم في بداية يقظة وقد أدركت أنها متخلفة عن ركب الحضارة, وأن منطلقها إن لم يكن بمثل القوة التي تدفع بالغير للتفوق في ميادين العلم والعمل، بقيت مستذلة مستضعفة، لأن العلم - بمفهومه الواسع - يحتاج إلى شباب يؤمنون بضرورته، ويعملون على تحقيقه لينتج أثره فيهم. ولن يتم لهم ذلك إن لم يكن التفوق مبتغاهم وهدفهم في كل حقل وفي كل ميدان. والتفوق يحتاج إلى همم عالية وعزم شديد وإقدام ودأب، ويجب أن لا يكون التفوق مقصوراً على فئة دون أخرى أو على ناحية دون ناحية، لأن أمور الحياة متشابكة ومتداخلة، ولابد من التفوق في كل ميدان وفي كل منطلق حتى نتدارك ما فات، ونلحق بالركب الحضاري ومن ثم نكون له هداة ومثلاً أعلى. وبداية المنطلق في خط التفوق تبدأ في كل طالب وعامل، فإن جعل هدفه قريب المنال تباطأت همته وقصرت خطواته وإن جعله بعيد المنال وعزم على أن يناله اطرح الملاذ والشهوات جانباً وعمل بجد ودأب، وبإخلاص وعزم وإذا به بعد فترة من الزمن يجد نفسه مقصراً، وهو المجد، ويجد نفسه أنه لا يزال جاهلاً وهو الذي قطع شوطاً كبيراً في التعلم، لأن بعد الغاية يستتبع التعالي على الدنايا والنظر إلى ما سبق من جهد أنه قليل ولابد من مضاعفته، وهكذا تنطلق الأمة بانطلاق أفرادها في كل ميدان إذ كانت غايتهم تحقيق المثل الأعلى وهو التفوق والوصول إلى أعلى مراتب النجاح في شتى المنطلقات.

стр. 1424

ولما كانت الأمم هي الصورة الصادقة لواقع أفرادها، لذلك فإن مثل الأفراد ينطبق على الأمم، فإن كانت الأمة مقصرة في إدراك ما تبتغيه يكون التقصير من هؤلاء الأفراد، لأنهم لم يعملوا في رفع مستوى أمتهم لهبوط مستواهم. لذلك نجد أن بعض الأمم إذ تحاول أن تدرك خطا من النجاح تدفع بأفرادها إلى أن يعملوا بوعي ودأب، وبمقدار ما يتكون عندهم مثل هذا الوعي والدأب يتحقق للأمة إدراك بعض مستويات النجاح، فما هو مقياس التفوق وما هو مقياس النجاح بين الأمم؟! إن النجاح يمكن أن نعبر عنه بأنه إدراك أولى مستويات الحياة الحرة، ومن هنا يخرج من نطاق البحث الأمم المستذلة أو المستضعفة، إذ أن حياة الأمم رهن بحريتها وبمقدار ما تحققه لأبنائها من مستويات النجاح، وهذا يعني أن الأمة لا بد لها أولاً من الحرية لكي يعمل أبنائها في مصلحة أنفسهم ولابد لها ثانياً من العمل لإدراك بعض مستويات النجاح. وهنالك من الأمم - الحرة طبعاً - من قطعت أشواطاً بعيدة في مستويات النجاح وبلغت درجة من التفوق لم تدانيها فيها أمة أخرى، فمثل هذه الأمة تبقى سيدة نفسها وسيدة كثير من الأمم ما دامت - هذه الأمم - في حاجة إليها. وليس النجاح إلا مفتاحاً للتفوق فيما ذا كان المثل الأعلى للأمة أبعد شوطاً من أن يتحقق بسهولة، لأن بعد الغاية يستتبع بعد الهمة، وعلو الهمة من الإيمان، وليس أتفه في نظر (الهمام) من أن يجد نفسه قد حقق بغيته، وانقطعت غايته، لأنه بذلك يقضي على قوة الاندفاع فيه ويخمد جذوة هذه القوة ويعود القهقرى فيهرم ويموت. وهذا المثل ينطبق على الأمة أيضاً فما هو نصيب أمتنا من التفوق أو قل من النجاح؟.

стр. 1425

إن هذا النصيب أمر موضع نظر, وليس أدل على ذلك من واقع التخلف الذي نعيشه بالنسبة للنهضة المعاصرة. ومقياس التفوق لا يقصر على الحضارة المادية فقط، لأن مدلوله يشمل مفاهيم الحياة بجميع مرافقها. وأمامنا الآن منظمات عالمية منبثقة عن هيئة الأمم المتحدة لها أوسع النشاطات في المجالات التنظيمية والتوجيهية اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وما إلى ذلك من الشؤون الأخرى التي توليها عنايتها الخاصة. وهذه المنظمات فيها ممثلون عن بعض الأمم المنضمة إلى هيئة الأمم المتحدة وفيها عاملون مختصون متفرغون لإدارة أمور هذه المنظمات. وإذا تعرفنا على عناصر هؤلاء العاملين المختصين في هذه المنظمات نجد نسبة ضئيلة جداً تعمل فيها من أبناء أمتنا ونجد غالبية العاملين من العناصر الأخرى. وقد قيل بأن نسبة العاملين من الصهاينة في هذه المنظمات كبيرة جداً، ومن هذه النسبة نستطيع أن نستنتج أثر هؤلاء في هذه المنظمات وما يمكن أن يفعلوه أو يقدموه لأمتهم من خدمات، وما يمكن أن يحصلوا عليه من عون أو تأييد لدى الكثير من الأمم (المتخلفة أو النامية) التي يكثر فيها أمثال هؤلاء الخبراء، وما لهم من أثر ونفوذ لدى الدول المتقدمة الأخرى. فهل توصل هؤلاء الخبراء إلى إشغال هذه المناصب الحساسة دون جدارة أو تفوق؟ أن الأصل في تحقيق الهدف صحة المنطلق، ويعني هذا القول أن وصول أمثال هؤلاء إلى مثل هذه المناصب قد تم في بداية أمره نتيجة لما عندهم من كفاءات واختصاصات عالية، ومن ثم قد يكون من المحتمل وقوع مساعدة أو مساندة هؤلاء المتفوقين الأوائل لبعض عناصرهم بغية تقريبهم وجلبهم إلى هذه المنظمات مع العمل على استبعاد غيرهم.

стр. 1426

وهذا أمر واقعي ومؤكد، وهو في مصلحة هؤلاء الصهاينة، لأنهم يهدفون من ورائه توسيع دائرة نفوذهم في هذه المنظمات، والوصول من وراء هذا النفوذ إلى تحقيق أغراضهم عن طريقه. وإذا أردنا تقليص نفوذ هؤلاء الصهاينة من هذه المنظمات، فهل من الممكن أن يكون مردود هذا التقليص في مصلحة أبنائنا، أو أنه بإمكان أبنائنا إشغال مناصبهم؟ إن الواقع يجعلنا نستبعد هذه الفرضية، إذ أن إمكانات أبنائنا العلمية لا تؤهلهم لأن يملؤوا فراغ هؤلاء، ولابد لإِشغال هذه المناصب من عناصر علمية أخرى، لذلك فسيتقدم إليها من تتحقق فيه الشروط المطلوبة من أية أمة من الأمم الأخرى. وبعض أبناء الأمم الأخرى قد لا يقل عداؤهم لأمتنا عن عداء الصهاينة، وقد تكون الصهيونية ذات نفوذ عليهم أيضاً، لأن عناصر التفوق اليهودي في عالم المادة بارزة في كل نشاطات الأمم، لذلك فإن المشكلة تبقى دون حل. وإن أقرب طريقة لكي تفرض نفسك على الغير وتفرض عليهم احترامك هو أن تكون كفؤا لهذه المناصب وأجدر بها من غيرك, وأن يكون عندك من التفوق ما يساعدك على التقدم عن غيرك, وإزاحة كل من يحرص على منافستك على هذه المكانة. وهذا أمر لا يتحقق إن لم يكن في أمتنا علماء كثيرون جداً، وأن يبرز فيهم نبغاء متفوقون تعترف لهم الأمم الأخرى بهذا التفوق، وترى أنها بحاجة لأمثالهم حتى نتمكن من إشغال هذه المناصب الحساسة الخطيرة. وهل يتحقق لنا ذلك، إن كانت غاية شبابنا من الدراسة أن ينجحوا - جراً - أو أن يحصلوا على الشهادة المطلوبة في أدنى الدرجات، وأن تنتهي دراستنا عند انتهاء تقديم الفحص إلى هذه الشهادة، وأن نتوقف عن كل نشاط علمي بعد نيل هذه الشهادة وأن لا يدفع بنا علو الهمة إلى متابعة الدراسات العلمية والإسهام فيها بكل ما هو جديد ونافع؟!

стр. 1427

إن واقع امتنا - علي ما فيه من مظاهر اليقظة - واقع مؤلم. وقد يدعو إلى اليأس أحيانا؛ لأن مظاهر الحضارة التي تغمر بلادنا لا تعنى أننا أربابها، وإنما نحن من المستهلكين لنتاج هذه الحضارة. ولو انقطع عنا مورد هذا النتاج لعدنا إلى تخلفنا السابق حتى في مظاهر هذه الحضارة لأننا ما دمنا بعيدين عن الإبداع وجاهلين مبادئ الإيجاد والصنع، فنحن عالة على غيرنا حتى ننتقل من هذه الحالة إلى حاله تمكننا من الاعتماد على أنفسنا عند الملمات. ولإيضاح هذه الفكرة أورد مثلاً عليها: حالة ألمانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإن هذه البلاد قد تهدمت منشآتها ومصانعها وتضررت في مواردها واقتصادياتها، وحتى في أبنائها الشيء الكبير فهل ماتت هذه الأمة أم أنها عادت إلى الحياة أقوى مما كانت عليه من قبل؟ إن واقع القوة الألمانية يؤكد أنها استعادت مكانتها الأولى، وأنها تفوقت حتى على المتغلبين عليها في شتى الميادين العلمية إلا في النواحي الممنوعة عليها بحكم شروط المنتصر. فلو أن هذه الأمة كانت صفراً من ناحية الإبداع الفني والتطبيق العلمي وكان جل أبنائها منصرفين إلى القيل والقال، وإلى إضاعة الوقت والمال في اللهو والعبث، وإلى قتل حيوية شعبها في التافه من الأمور، فهل كانت حققت منجزاتها العلمية الحالية؟ وكذلك أمة اليابان التي تسابق دول العالم في التقدم العلمي والصناعي، باستثناء ما هو محظور عليها، فهل تقهقرت لخسرانها الحرب العالمية الثانية وخضوعها للولايات المتحدة الأمريكية. إن واقع الأمة اليابانية يؤكد أن مبدأ التفوق عندها هو الأصل حتى استطاعت أن تتغلب على الصعوبات العديدة التي اجتاحتها أثناء الحرب وبعدها بزمن قليل.

стр. 1428

ولولا الجد والإخلاص في العمل والوعي الصادق عند أبناء هاتين الأمتين وتحقيق التفوق في ميدان العلوم والفنون لما كانت توصلت هاتان الدولتان إلى هذه المكانة العلمية الفريدة بين الأمم. إن التفوق ليس أمنية تبتغي فحسب وإنما هو غاية تقصر عن تحقيقها بغاث الطير، ولابد لتحقيق هذا التفوق من نفوس كبار وعزائم جبارة وتعاون مثمر وإخلاص صادق وتفان وبذل، وإيثار وتضحية. وليست هذه كلمات مثالية يصعب تحقيقها، وإنما هي مفتاح النهضات عند كل أمة تبتغي الحياة لأبنائها، وعندما تحلت بها أمتنا في غابر أيامها حققت التفوق على من يعاصرها من الأمم، وحققت معنى ما جاء في الأثر من قول رسول الله ﷺ : "أنتم بين الأمم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود أو كالشامة السوداء في جلد البعير الأبيض". فهذا التمايز الواضح الصارخ لما أرادنا الرسول أن نكون عليه هو التفوق المقصود في بحثنا هذا في أن نكون متفوقين في كل شيء. وأن لا نكون عالة على غيرنا من الأمم ولولا ذلك لما صح معنى هذا التمايز مطلقاً. والتفوق في شتى الميادين لا بد له من منطلق, وأولى منطلقاته هو العلم [١] والتزود منه بخير زاد، لأن العلم هو أساس كل نهضة وحضارة وصدق الله العظيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . والعلم لا يأتي بمجرد التمني والمزاعم، وإنما لابد له من عمل, ولابد له من إخلاص, ولابد له من همة من تعب وسهر, ولابد له من أخلاق, ولابد له من سلطان يأطر الناس عليه أطراً. وإن لم يتحقق في أمتنا مفهوم التفوق فستبقى دون غيرها من الأمم وسيتغلب عليها من يسلك سنن الحياة، وسنكون مستذلين مستضعفين عاجزين عن أن نتبوأ المكانة اللائقة بنا كخير أمة أخرجت للناس.

стр. 1429

ولكل مجتهد نصيب، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن سار على الدرب وصل، والله الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] وردت في هذا المقال بعض المصطلحات العامة الشائعة كـ (العلم) و (النهضة) و (الحضارة) , ولاشك أن مدلول هذه المصطلحات في الثقافة الغربية يختلف عنه في ثقافتنا, ولاشك - أيضاً – أن كاتبنا يكتب بروح إسلامية, ومن هنا فهو حينما يتحدث عن (العلم) و (النهضة) و (التخلف) و (الحضارة) , فهو يقصد مضمونها الإسلامي البعيد عن كل شوائب المادية والإنحراف. وحبذا لو حدد علماؤنا وكاتبنا مصطلحاتهم, إذن لخرجنا من دائرة اللبس والتشابه. ودخلنا في دائرة الوضوح والإحكام.

стр. 1430

تتمة - النبوة: اصطفاء وقدوة للشيخ محمد مختار البزرة لقد كان لكل من هؤلاء الأبطال عالم مستقل, منفصل عن حاضرهم متصل بعالم الرسول والصحابة. حققوه بإخلاصهم وانقطاعهم إلى الله. ب - الحب: والاقتراب كما أوضحنا عملية نفسية خالصة لا بد في استمرارها من قوة في القلب ذات ديموية وتوهج وهذه القوة هي الحب؛ حب الله والرسول حبا يغمر سائر العواطف والنزاعات ويتألق صدقا ونقاء. وهو حجر الأساس في الإيمان, قال ﵊: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده, ووالده, والناس أجمعين" [١] . ذلك أن حب الرسول هو حب للعقيدة التي أمر بنشرها في الأرض وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [٢] . إن حب العقيدة في الإسلام فوق حب النفس والحياة. ج - العقيدة فوق الثروة والمال: فلا غرو من أن يجعل الله العقيدة فوق المادة والدعوة فوق المال.

стр. 1431

إن الثروة والموارد الاقتصادية لا بد منها في الإنشاء والتعمير اللذين هما ثمرة من ثمار العقيدة. ولكن الله يرد أن يهيمن الدين على القوى المادية وأن يسخرها فيما ينفع الناس ويأبى أن يعلو الشغف بالثروة على حب الله والرسول ويغضب أن يتخذ الدين مطية استغلال يصرفه أصحاب المصالح الخاصة فيما يعود عليهم بنفع شخصي. ولعل هذا يفسر لنا حكمة الله في اختيار الأنبياء والقادة من غير ذوي الثروات الذين يرفعون المصلحة الخاصة على العقيدة والمصلحة العامة وينفصلون عن الأمة في قضيتها الكبرى. ولهذا قال نبي بني إسرائيل لأغنيناهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [٣] وكان منهم ما توقعه إذ اعترضوا على ملكية طالوت ولم يعرهم الله اهتمامه فنصر عبده طالوت من غير مدد فيهم ومن غير ثرواتهم. وإن بعضهم ليحارب النبي المختار حفاظاً على مصلحته أو مصلحة عشيرته وهل يسفر موقف أبي سفيان قبل الفتح، وموقف أبي جهل بغير هذا؟.

стр. 1432

والإسلام لا يحرم الغنى ولا يزهد فيه ولكن يجعله في خدمة العقيدة، وقد رضي الله الغني لبعض أنبيائه والملوك الصالحين عندما جعل نفوسهم فوق المال، فخلت قلوبهم من محبة الثروة، وسمت على المادة فجعلوا العقيدة فوقها وكانت عندهم للدين خادماً وتبيعاً. هذا نبي الله سليمان سأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه العجب العجاب، وفجر الكنوز بين يديه واستخرجت له الثروات من جوف الأرض، ومن قاع البحار فكانت عنده كلها خارج قلبه، ولم يشغله إلا بحب الله وكلمة التوحيد ولم تستطيع هذه الأموال الخلابة أن تظفر من قلبه بشيء وكان هذه ابتلاء لسليمان أيما ابتلاء. وظهر هذا جلياً في موقفين من مواقفه: أولاً إذ جاءه وفد بلقيس بهدية ثمينة ظناً منها أن سليمان ملك كسائر الملوك يرضي المال طموحه فكان جوابه.. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [٤] ولو كان سليمان جماعاً شَرِهاً لارتضى بها، فإن من تسلط عليه حب المال لا يشبعه إلا التراب. والموقف الثاني: إذ لام نفسه على انشغاله باستعراض خيل الجهاد حتى توارت الشمس بالحجاب أو فاتته الصلاة فأدب نفسه أيما تأديب؛ أكب بنفسه على سوق الخيل وأعناقها وكان قد أجهدها الجري والسباق ونضحت بالعرق فطفق يمسحه عنها، يفعل ذلك وهو الملك بين يديه الإنس والجن تخدمه، قهراً لنفسه التي استمتعت بالخير برهة فنسيت ذكر ربها وإذلالا لها وتأديبا.

стр. 1433

وتتجلى هذه الظاهرة أيضاً في موقف الفاتح الصالح ذي القرنين إذ عرض عليه أهل ما بين السدين مالاً عظيماً يؤدونه سنوياً له ليبني لهم سداً يحميهم من غارات يأجوج ومأجوج فرفض العرض ودعاهم إلى الاعتماد على أنفسهم ومساعدته بالرجال والمعادن لينفعهم بخبرته ويقيم لهم ردماً خير من السد: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ [٥] . لقد كان سليمان وذو القرنين ﵉ أغنى أهل الأرض في يومهم وكان المال لا يدخل في حسابهما في شيء إلا بما ينفع عباد الله وبما يرضي الله. واختاره الله محمداً ﷺ نبياً لا نشب عنده ولا متاع وقال الأثرياء من العرب: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [٦] ولما رأوا الدعوة تنتشر انتشار البرق علموا أن ليس معدن العظمة المال، وأن العظمة الحقيقية في القيم الربانية وفي الشرع الإلهي الذي يستقر في قلب ويجري عملا صالحاً وقد تدفقت الأموال على رسول الله ﷺ فلم يعلق بقلبه شيء منها ولا تزود بغير زاد سنة. نهض مرة بعد التسليم مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته قال: "ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته" [٧] . ورأت أمهات المؤمنين الأموال تحمل إلى رسول الله ﷺ فتاقت نفوسهن إلى التوسعة ورغبن فيها إلى رسول الله ﷺ وأبى الرسول إلا أن يكون هو وبيته مثلاً على الرضا بالكفاية وجاءهن من الله التخيير؛ إما الصبر على رسول الله على ما أراد الله له من تقديم الآخرة على الدنيا وإما التسريح والتمتيع، فاخترن الله ورسوله.

стр. 1434

ومن ثم كانت دعوة الأنبياء خالصة لله لم يبتغوا بها منفعة لأنفسهم أو جزاء دنيويا. وما من رسول إلا قال لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلآَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٨] . د - الصبر والثبات والبطولة: وإن تأنس بالرسل فلتأنس بما كانوا عليه من صبر وثبات وإقدام. رجل أعزل نازل وحده أمه حتى انقادت له على الإسلام. فبأي سلاح فرق النبي صفوف الخصوم الألداء؟ إنه الصبر والثبات وإني لأحسبه أمضى سلاح في دك أسوار الجاهلية والوثنية. كانت معركة الرسول ﷺ بين فئتين غير متكافئتين كما قضت حكمة الله أن ينازل الرسول وحده قوة مناوئة ذات عدد، فلابد من الصمود في وجهها صموداً باسلاً يكشف عن ثبات الحقيقة التي يدعو إليها. ويفضح زيف العقائد التي يتشبث بها الجاهليون وما من نبي إلا جعل الله في عزيمته من الثبات ما تزول منه الجبال وما يزول؛ موقف راسخ، ملءه الحزم والتصميم والإقدام يريد أن يفتح قلوباً مغلقة، وأن ينفذ إلى ضمائر مظلمة وفي نفسه قوة لا تقهر وإرادة لا تنثني، إذ آمن أن الله معه، هذا التحدي نجده في إنذار هود قومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ, إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٩] .

стр. 1435

فالصبر إذا ميدان التجربة، وهو الكاشف الحقيقي للأفكار المتصارعة وفائدتها الكبرى هو هذا الالتحام والنزال بين العقيدتين وكان من الهين على رسول الله أن ينسحب بالفكرة، والرسالة إلى أرض، لا يلقي فيها مقاومة ولكنه عندئذ لا يربح المعركة، وما يكون كسب المعركة إلا باللقاء, ولهذا أمر محمد ﷺ بنوع خاص من الصبر هو الصبر الجميل. وهذا الصبر جميل في أسلوبه وفي عواقبه اتصال بالمناوئين وهجوم على قلوبهم بالعقيدة ومجابهتهم بالحق، بما لدى الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة حتى إذا طاشت أحلامهم وثاروا به ثبت لهم ولم يتراجع حتى يرهبهم صبره وتهزمهم عقيدته ولا أبلغ من تصوير هذا الواقع من انهزام الكفار انهزام عقيدة ونفس من قوله تعالى فيهم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ, كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ, فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [١٠] . ومن ثم تبدو مواقف النبي ﷺ خارجة عن طاقة أي إنسان، ولو كان شديدا ولعل هذه البطولة هي التي تكسبه الأنصار بل تنتزع الرجال من صفوف الخصوم إلى صفوف الأنصار تأخذهم روعة الموقف البطولي، فيعبرون البرزخ إلى معسكر النبي ﷺ . ألم يعبر عمر وخالد وغيرهما البرزخ جهارا. إن هذه المواقف الخالدة في عالم البطولة فرضت احترام النبي على الأعداء، فقال فيه أحد معارضيه: "هو القرم الذي لا يقدع أنفه" [١١] وهي التي بعثت الإعجاب في عمه أبي طالب وعشيرته، فاحتملوا من أجله ما احتملوا.

стр. 1436

ولكني - معذرة - إذا أطلقت اسم البطولة على صبر النبي ﷺ ، فلم أظفر بكلمة أبلغ في الدلالة منها، فإن بطولة محمد والأنبياء ﵈، ليست كبطولة الرجال الممتازين الأقوياء ليست كبطولة القياصرة والأباطرة، وقادة الجيوش من قيصر روما ونابليون إلى مونتغمري ورومل وغيرهم، فإن أمثال هؤلاء كانوا أبطالاً لأنفسهم. صفق لهم الناس لحظات، فما زالوا أو سقطوا لم يبق منهم إلا أشباح باهتة، ولم يبق من بطولاتهم إلا ذكرى كالصدى الضائع في مجاهيل الأرض، أما محمد ﷺ فلم يكن بطلاً لنفسه، وإنما لخير الإنسانية وهداها، فما في بطولته صلف، ولا كبرياء، ولا طغيان ولا تمجيد لذاته بل كانت بطولته العدالة، والحق والإنصاف والتقوى. ولذلك ما زالت مواقف صبره وجهاده، تفيض من القيم الإنسانية البطولية، ولم تستطع العصور، ولن تستطيع أن تفقدها من جدارتها شيئاً. وخير من كلمة البطولة اسم النبوة؛ فالنبوة فوق البطولة، وما بينهما، كما بين الأرض والسماء، ولأمر ما لقبه أحد كتاب الغرب "بطل الأبطال" [١٢] . هـ - المسؤولية والعهد: كان استبسال الرسل في نشر الدعوة، والتمكين، وفاء منهم بعهد الله، ذلك لأنهم قد واثقوا الله على الإخلاص له ومنح حياتهم كلها للرسالة قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ . وعلى هذا لم يعرفوا لوجودهم معنى ولا غاية غير إنفاذ كلمة الله على أتم وجه وأصدق أداء وهذه المسؤولية في الحفاظ على الدين والاستمساك به ونشره في الأرض، تنتقل إلى المؤمنين من بعدهم قال تعالى بعد تلك الآية: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .

стр. 1437

والمؤمنون الصادقون لا يدخرون جهداً في اتباع الطريقة المثلى لإعلاء كلمة الله، والوفاء بعهده حتى يفدوا الدين المأثور الخالد والمطلب الأسنى لهم. به يحيون ومن أجله يحيون، فأي تضييع لجانب منه خسارة لا تعوض، فيكون الجهد الإيجابي البناء في حياة الأمة أن يحتفظوا بالدين صافياً خالصاً لا ينفصلون عنه في صغيرة أو كبيرة من شؤون دنياهم أو آخرتهم حتى لا يرتدوا إلى النقصان وفي النقصان الانحطاط والخسران. إن العقيدة الإسلامية تبعث في نفوس أتباعها تسامياً رائعاً يدركون به معنى إنسانيتهم وتكاملها الصاعد في سبيل الله، لذلك كان أشد ما يخشاه الأنبياء هو الابتعاد أو التراجع أو انتهاء الحياة على غير شريعة الله، فتكون في ذلك مأساة الإنسان الحقيقية، مأساة ضلاله وضياعه وخسرانه في دار الابتلاء فكانت وصية إبراهيم لأبنائه أن يستمسكوا بالدين حتى الرمق الأخير، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٣] . لقد تمت نعمة الله على الإنسان بالإسلام، به يعرف غاية وجوده وسبيله إلى الفوز والكمال، فإن أنف منه واستعلى على نعمة الله أضاع حقيقته وخسر نفسه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [١٤] . وكان مما يقلق بال رسول الله ﷺ أن ينحدر المسلمون في سلم القيم الربانية التي بلغوها بالإسلام فكان يقول: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" [١٥] .

стр. 1438

وربما كان مصدر هذا القلق ما علمه الرسول من أن المؤمنين في موقف دقيق، يتطلب منهم أن يقيموا التوازن العادل بين تعاليم الله ورغبات النفوس، فإن أي ترجيح للأهواء ينتهي إلى تغلب قيم الأرض على قيم السماء فكان ﵊ ينبه إلى الأعراض الخطيرة التي تنشأ من ذلك في حياة المسلمين فقال: "ما نقض قوم عهد الله ورسوله إلا تسلط عليهم عدو من غيرهم، يأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" [١٦] . ولا يعوزنا الدليل في حياتنا الحاضرة على صدق الخبر. فلم كتب علينا أن نقاسي سريعاً مما صنعته أيدينا، وجلبناه على أنفسنا؟ ألسنا بمسلمين، ألسنا أحق الناس برحمة الله ورأفته؟ بلى، ولكن الله قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [١٧] وإن الله قد وعد هؤلاء رفيع المنزلة، وسنى الجوائز وعالي المقامات وعظيم الثواب، ولكن ليس وعداً جزافاً، إن هو إلا جزاء الواجبات العظيمة والمهمات الشاقة التي كلف بها المؤمنين. إننا نجد في شرع الله كله أن هؤلاء الذين حباهم ربهم بالفضل العظيم والمسؤولية الكبرى في موقف بالغ الدقة والحساسية، وإن أساءوا عوقبوا ضعفين، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً, وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [١٨] . ذلك أن الله يجعل الثواب والعقاب مكافئاً لأحوال المكلف ومقدار التكليف، والإحسان أو الإساءة فيه.

стр. 1439

ألا ترى أن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [١٩] لأنه المسؤول عن استخفافه قومه، وإيرادهم النار! , وأن امرأة فرعون بنى الله لها قصراً في الجنة، إذ استطاعت أن تنجو بقلبها من الوسط الكافر، وهو أمر لا بد فيه من الجهد والعناء، ومكافحة الموانع والحوائل مكافحة مريرة، في سبيل استنقاذ النفس من براثن الكفر الحاكم؟ لقد استبان الأمر، إذ حصحص الحق، إننا عهد إلينا بالقوامة على الناس والشهادة عليهم في اتباع شرع الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [٢٠] . لقد كرمنا الله بمسؤولية الشهادة على الناس ما حكمنا بشريعة الله والرسول. فبذلك نكون من المحسنين ومن رحمة الله قريبين، وأجرنا بإذن الله أجران: أجر الإسلام وأجر القيام على الناس بالإسلام. فإن أبينا الكرامة وتخلينا عن الواجب وقع علينا ما أنذرنا الله به ورسوله نالتنا عقوبة الله مضاعفة وخسرنا خسرانا كبيراً خسرنا أنفسنا وخسرنا حق الشهادة على الناس، فلم يعترف لنا به الأمم، بل صرنا موطئ أقدامهم وقصعة أكلهم، وموضع المهانة والإذلال إن اصطفاء الأمة الإسلامية لرسالة الله، تضعها في هذا الموقف الدقيق الحساس، وتجعل منها أمة نسيج وحدها: أمة من شجرة مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية تولي وجهها شطر المسجد الحرام، فلا تدور في فلك أحد، بل تدور في فلكها الأمم، لأنها منحت دور الشهيد في تنفيذ شرع الله، والقائم بهذه المهمة لا يستوحي من غيره، ولا يقبل خضوعا، ولا تبعية، ولا تتم له الرسالة إلا بالاستقلال عن المؤثرات الغريبة، وبامتلاك قوة التأثير والتوجيه. خاتمة:

стр. 1440

وهكذا يتحقق الاقتداء بالأخذ من عالم الاصطفاء والتأثر بالمصطفين الأخيار تأثراً يتفاوت عمقاً بتفاوت استعداد المتأثرين وإخلاصهم، وحرصهم على التمثل والانفصال والضرب من المثل المصطفى، ثم تجري عملية التمثل الذاتي والتربية الوجدانية، يأخذ المؤمن بها نفسه. فإذا انتقلت إليه الصفات والأخلاق وصارت في سلوكه وأفعاله ظهر أثرها في المجتمع وانتفعوا بها، واصطبغت بها أعمال الأمة إذا كثر المعتقدون، وغلبوا على الخبث، وبهذا ترتقي الأمة، وتبدأ عصراً جديداً ومدنية جديدة، أركانها الأخلاق والمبادئ الإلهية التي لا تحد من نشاط الإنسان ولا تضيق عليه المجال بل تفتح ملكاته وإمكانياته، على ما في هذا الوجود من الأسرار والعجائب ليزداد يقينا على يقين، وتقدما على تقدم وكمالا على كمال. لا هزيمة في الاسلام عن علي ﵁ قال: "لما انجلى الناس عن رسول الله صلى لله عليه وسلم يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى ولكن أرى الله غصب علينا بما صنعنا فرفع نبيه فمالي خير من أن أقاتل حتى أقتل, فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم بأفرجوا إلي فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم". -------------------------------------------------------------------------------- [١] رواه مسلم والبخاري والإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة. [٢] آل عمران: ٣١. [٣] البقرة: ٢٤٦. [٤] النمل: ٢٦. [٥] الكهف: ٩٥. [٦] الزخرف: ٣١. [٧] رواه البخاري. انظر رياض الصالحين ص٥٧. [٨] الشعراء: ١٠٩. [٩] هود: ٥٦. [١٠] المدثر: ٥٠. [١١] ينسب هذا القول لأبي سفيان قبل إسلامه وينسبه بعضهم لورقة بن نوفل وكان من المشجعين للرسول. انظر لسان العرب ق. ع.
следующие страницы →