← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13791–13830 · переход к 13796.

стр. 13791

نقده بقوله: أقللت جفانك وسيوفك (لأن الجفنات هي الجمع لأدنى العدد، أما الكثرة فتجمع على جفان، وكذلك الأسياف لأدنى العدد، والكثرة سيوف) وقلت: (يلمعن في الضحى) ولو قلت: يبرقن في الدجى لكان أبلغ، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت: (يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم. ومنها ما روى أن أهل المدينة نقدوا شعر النابغة الذي وقع فيه (الإِقواء) [٢٥] وهو قوله: عجلان ذا زاد وغير مزود [٢٦] من آل مية رائح أو مغتد وبذاك خبرنا الغراب الأسود [٢٧] زعم البوارح أن رحلتنا غداً وقوله: فتناولته واتقتنا باليد [٢٨] سقط النصيف ولم ترد إسقاطه عنم يكاد من اللطاف يعقد [٢٩] بمخضب رخص كأن بنانه ويروي أبو عمرو [٣٠] بن العلاء أن الذبياني، لما قدم يثرب على الأوس والخزرج - وكان أهل الحجاز من المعجبين بشعره، وكانوا قد عرفوا الإِقواء في شعره- دسّوا له قينه (جاريه) تغنيه به، فغنته ومدت صوتها بالقوافي، فظهر الإختلاف في حركتها؛وتنبه النابغة لما جاء منها مضموماً، وهى مكسورة كلها، فأصلحه على الوجه الآتي: وبذاك تنعاب الغراب الأسود زعم البوارح أن رحلتنا غداً عنم على أعضائه لم يعقد بمخضب رخص كأن بنانه وقال: "قدمت الحجاز وفي شعري هنة، ورحلت عنه وأنا أشعر الناس" [٣١] . ومنها نقد طرفة [٣٢] بن العبد لقول المتلمس: [٣٣] بناج عليه الصيعرية مكدم [٣٤] وقد أتناسى الهم عند ادكاره نقده بقوله: (استنوق الجمل) [٣٥] يعني طرفة أن الشاعر قد وصف الجمل بما توصف به الناقة، لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا الجمل. ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد- أيضاً- ما روى أن الحطيئة سئل: من أشعر العرب؟ قال: الذي يقول: يفره ومن لا يتق الشتم يشتم [٣٦] ومن يجعل المعروف من دون عرضه

стр. 13792

يقصد بهذا زهيراً، وسئل: ثم من؟ قال الذي يقول: وسائل الله لا يخيب من يسأل الناس يحرموه يقصد عبيد بن الأبرص [٣٧] . وليس ما تقدم من نظرات جاهلية نقدية- من نظر الشاعر في شعره، ومحاولته تهذيبه وتثقيفه، ومن نظره- أحياناً- إلى شعر غيره والحكم عليه- ليس ما تقدم هو كل ما قام به النقد الجاهلي من دور في تقويم الشعر العربي الجاهلي، والوصول به إلى درجة من الكمال الفني ... بل إن النقد الجاهلي قد ساهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة بالشعر العربي، هذا اللون هو المفاضلة أو الموازنة بين الشعراء. وتروي كتب الأدب أن النابغة الذبياني، كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، حيث يفد إليه الشعراء يعرضون عليه نتاجهم، فإذا به يستمع إليهم جميعاً، ثم يحكم في النهاية لمن نالت قصيدته الرضا والاستحسان. وقد ساعد على هذا اللون من النقد، وعمل على وجوده دواع كثيرة، ومواقف متعددة، منها (تلك المواسم والأسواق، والمجامع الجامعة، والمحافل الحافلة، التي كان العرب يحضرونها بما لديهم من المفاخر، يتبادلون عندها المنافع، ويتناشدون الأشعار، متباهين بجودتها، وقد جلس للحكم بينهم وتفضيل بعضهم على بعض فيها سادة مقدمون، ولسن معاول [٣٨] ) ومنها تلك المواقف التي كثيراً ما (يلتقي فيها شاعران على بساط المنافسة الأدبية، أو يجريها اللجاج حول بعض الأمور إلى التماس الفوز عن طريق الحكم لأحدهما بالأصالة والمنزلة الشعرية) [٣٩] . وتروى لنا كتب الأدب مشهداً من تلك المشاهد التي كانت بين النابغة والشعراء في عكاظ، أنشده الأعشى مرة، ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم شعراء من بعده، ثم الخنساء أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر التي منها:- كأنه علم في رأسه نار وإن صخراً لتأتم الهداة به

стр. 13793

فأعجب بالقصيدة، وقال لها:"لولا أن أبا بصير- يعني الأعشى- أنشدني لقلت: إنك أشعر الجن والإِنس ". فالأعشى إذن أشعر الذين أنشدوا النابغة، والخنساء تليه منزلة وجودة شعر [٤٠] . ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد الذي يقوم على المفاضلة بين الشعراء ما روى أن رهطاً من شعراء تميم اجتمعوا في مجلس شراب، وهم: الزبرقان [٤١] بن بدر، والمخبل [٤٢] السعدي، وعبدة [٤٣] بن الطبيب، وعمرو [٤٤] بن الأهتم، اجتمعوا قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي ﷺ ، وتذاكروا أشعارهم، وقال بعضهم:"لو أن قوماً طاروا من جودة الشعر لطرنا "، فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي أو غيره في رواية، وقالوا له:"أخبرنا أينا أشعر؟ "فقال:"أما عمرو فشعره برود يمنية تطوى وتنشر، وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت، فأخذ من أطايبها، وخلطه بغير ذلك، أو قال له: شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل، ولا ترك نيئاً فينتفع به، وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده، وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء" [٤٥] وفي رواية أخرى أنه قال لعمرو: "وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرود حبر، يتلألأ فيها البصر، فكلما أعيد فيها النظر نقص البصر، وقال للمخبل: وأما أنت يا مخبل، فإن شعرك قصر عن شعرهم وارتفع عن شعر غيرهم، وقال لعبدة: وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمزادة أحكم خرزها، فليس تقطر ولا تمطر" [٤٦] . ومن الأمثلة على هذا اللون- أيضاً- ما روي أن امرؤ القيس [٤٧] كان جالساً بخبائه، وعنده زوجه (أم جندب) الطائية، فجاءه علقمة [٤٨] بن عبدة التميمي، وتذاكرا أمر الشعر، وادعى كل منهما لنفسه فيه ما ليس عند صاحبه، فاتفقا على أن ينشدا، وتحكم بينهما (أم جندب) فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها: نقضي لبانات الفؤاد المعذب خليلي مرا بي على أم جندب

стр. 13794

ومنها في وصف جواده: وللزجر منه وقع أفرج منعب [٤٩] فللسوط ألهوب وللساق درة وقال علقمة يعارضه: ولم يك حقاً كل هذا التجنب ذهبت من الهجران في كل مذهب ووصف فيها جواده فقال: يمر كمر الرائح المتحلب [٥٠] فأدركهن ثانياً من عنانه فلما فرغا قضت (أم جندب) لعلقمة على امرىء القيس، فسألها:" بم فضلته علي؟ "فقالت: "فرس ابن عبدة أجود من فرسك، فأنت زجرت وحركت ساقيك، وضربت بسوطك، أما علقمة فأدرك بفرسه غرضه، ثانياً من عنانه، لم يضربه بسوط ولم يجهده ". مقاييسه: ولسائل أن يسأل ويقول: على أي نحو كان هذا النقد الجاهلي؟ أكانت له أصول وأسسه يتم على أساسها تقويم الشعر الجاهلي، أم كان مجرد نقدات فطرية، ونظرات ذوقية؟ نستطيع أن نقول: إن النقد الذي مارسه قدامى النقاد العرب- في بدايات النقد وأولياته- لم تكن له أصول معروفة، ولا مقاييس مقررة، بل كان مجرد لمحات ذوقية، ونظرات شخصية، تقوم على ما تلهمهم به طبائعهم الأدبية، وسليقتهم العربية، وأذواقهم الشاعرة، وحسهم اللغوي الدقيق بلغتهم، وإحاطتهم بأسرارها، ووقوفهم على ما للألفاظ من دلالات وإيحاءات في شتى صورها، بالإضافة إلى ما تزودهم به الطبيعة العربية الجاهلية من معارف وتقاليد، تساعدهم كثيراً في لمحاتهم النقدية، ونظراتهم الشعرية. وحينما نحاول تطبيق هذه المقاييس الذوقية الفطرية التي على أساسها كان الناقد الجاهلي يستلهم أحكامه، ويبنى نقده..- حينما نحاول تطبيق ذلك على ما تقدم من لمحات نقدية، نجد ذلك واضحاً تمام الوضوح. فنقد النابغة الذبياني لشعر حسان بن ثابت- والذي أوردناه من قبل- كان مستمداً من فهم النابغة لطبيعة اللغة العربية، ومعرفته التامة بدلالات الألفاظ، وما توحي به أبنية الكلمات من معان وإيحاءات.

стр. 13795

ونقد أهل المدينة لشعر النابغة، لما فيه من إقواء، كان نابعاً من فهم العربي لطبيعة الشعر العربي، ولما ينبغي أن يكون عليه من انسجام في الوزن، واتساق في النغم، الأمر الذي يتطلب- ضمن ما تتطلبه قواعد الشعر العربي- وحدة حركة الروى، التي تكسب الشعر اتساقاً وانسجاماً، ولذا كان اختلاف حركة الروى- الإقواء- في شعر النابغة مذهباً لروعة الوزن، واتساقه، بل محدثاً لنوع من التنافر في النغم، مما جعله غير متسق ولا منسجم. ونقد طرفة لشعر المتلمس لوصفه الجمل بصفة الناقة، كان مبنياً على فهم واع بطبيعة البيئة العربية ومعرفة تامة بالسمات والصفات، التي تتميز بها الحيوانات العربية، لاسيما الحيوانات التي كانت مرتبطة بحياة العربي، وكان العربي مرتبطاً بها. وعلى الرغم من وضوح تلك الحقيقة- وهي أن العربي الجاهلي كان خبيراً بلغته، عالماً بأسرارها ولطائفها- على الرغم من ذلك نلاحظ بعض نقادنا المعاصرين، يحاولون التشكيك في صحة ما نسب إلى بعض نقاد العرب القدامى من أحكام نقدية، خاصة تلك التي نسبت إلى النابغة الذبياني في نقده لحسان بن ثابت بدعوى أن ما فيه ينضح بالروح العلمية، والنظرة الدقيقة، التي تتسم بدقة التحليل والقدرة على الإستنباط، وتلك أمور تأباها طبيعة العصر الجاهلي، الذي يعتمد نقده على الذوق وحده. يقول المرحوم الأستاذ/ طه أحمد إبراهيم: "ملكة النقد عند الجاهلين هي الذوق الفني المحض، فأما الفكر وما ينبعث عنه من التحليل والإستنباط، فذلك شيء غير موجود عندهم. وبعيد كل البعد عن الروح الجاهلي، وعن طبيعة العصر الجاهلي ما يضيفه بعض الرواة إلى قصة النابغة مع حسان في عكاظ ...

стр. 13796

عيب على حسان أن يفتخر فلا يحسن الافتخار، وأن يؤلف بيته من كلمات غيرها أضخم معنى منها، وأوسع مفهوماً: ترك الجفان، والبيض، والإِشراق، والجريان، واستعمل الجفنات، والغر، واللمعان، والقطر، وهى دون سابقاتها فخراً، وعيب عليه غير ذلك، وتختلف القصة طولاص وقصراً، وتختلف فيها وجوه النقد، وكل ذلك تأباه طبيعة الأشياء، وكل ذلك يرفض رفضاً علمياً من عدة وجوه [٥١] ". ومن هذه الوجوه التي ذكرها قوله: "فلم يكن الجاهلي يعرف جمع التصحيح وجمع التكسير، وجموع القلة والكثرة، ولم يكن له ذهن علمي يفرق بين هذه الأشياء، كما فرق بينها ذهن الخليل وسيبويه، ومثل هذا النقد لا يصدر إلا عن رجل عرف مصطلحات العلوم، وعرف الفروق البعيدة بين دلالات الألفاظ، وألم بشيء من المنطق " [٥٢] . ومنها- أيضاً- قوله: "ولو أن هذه الروح- يقصد روح النقد التي اتسم بها نقد النابغة- جاهلية؛ لوجدنا أثرها في عصر البعثة، يوم تحدى القرآن العرب وأفحمهم إفحاماً، فلقد لجأوا إلى الطعن عليه طعناً عاماً، فقالوا: "سحر مفترى"، وقالوا:"أساطير الأولين"، ولو أن لديهم تلك الروح البيانية، لكان من المنتظر أن ينقدوا القرآن على نحوها، وأن يفزعوا إليها في تلك الخصومة العنيفة التي ظلت نيفاً وعشرين عاماً " [٥٣] .

стр. 13797

أما بالنسبة للوجه الأول فنقول: إن هذه الدعوى التي أطلقها هذا الناقد- وهى أن العربي الجاهلي لم يكن يعرف جمع التصحيح وجمع التكسير ... - إن هذه الدعوى، فيها تجن على مقدرة العقل العربي الذي كان يعرف- بلا شك- دلالات الألفاظ والفروق الدقيقة بينها، وذلك بمنطق الفطرة والطبيعة، التي فطر عليها، لا بمنطق العلم ومصطلحاته، والعربي الجاهلي لم يكن- في استعمالاته لكلمات لغته- بحاجة إلى هذه المصطلحات التي وضعها من بعد علماء اللغة والنحو، بدليل أنه كان يرفع الفاعل، وينصب المفعول، ويجر المضاف إليه بفطرته وسليقته، دون أن يدرك هذه المصطلحات: الفاعل، المفعول، المضاف إليه، الرفع، النصب، الجر. إذن فالعربي الجاهلي لم يكن بحاجة في استعمالاته للغته لهذه المصطلحات: جموع القلة والكثرة، والتصحيح والتكسير وما إليها، ولم يكن استعماله لها متوقفاً على معرفته بها، كي يدرك دلالات الألفاظ والفروق الدقيقة بينها. وأما بالنسبة للوجه الثاني فنقول: إن هذه- أيضاً- دعوى، تحمل بين طياتها إنكار كون العرب قد أوتوا حظاً من الفصاحة والبلاغة والبيان، ولو كان الأمر كذلك لما تحداهم الله بالقرآن، وهو المعجزة البيانية الرائعة، إذ كيف يتحدى الله بالبلاغة قوماً لا حظ لهم منها؟! وإذ تحداهم الله بالبيان في قرآنه العظيم، فهذا دليل على مبلغ بلاغتهم، وطول باعهم في صناعتها.

стр. 13798

أما عدم ردهم على القرآن بنحو بلاغته وفصاحته، فهذا دليل واضح، وسلطان بين على مبلغ إدراكهم لبلاغة القرآن، وأنهم لن يستطيعوا أن يجاروه فيها، ولذا لم يكن أمام عجزهم الواضح عن ملاحقة بلاغة القرآن، والرد عليها بنحوها أو مثلها إلا قولهم العاجز:"سحر مفترى"،" أساطير الأولين". ولعل قصة الوليد بن المغيرة، حينما تلا عليه الرسول ﷺ صدراً من سورة (فصلت) وكيف سجد لفصاحة القرآن. وقال فيه قولته الشهيرة: "والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً، ما هو بكلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه " [٥٤] لعل هذه القصة خير دليل على مدى فهمهم للبلاغة، وقوة بيانهم، وإلا فكيف أدرك الوليد هذه البلاغة القرآنية، لو لم تكن لديهم هذه الروح البيانية، التي ينكرها عليهم ويسلبها منهم هذا الناقد!! إن هذه دعوى تنقصها الحجة الواضحة، وتنقضها مخالفة الواقع، بل فيها مماراة مكشوفة، وظلم للعقل العربي الجاهلي! طبيعة أحكامه: لعلنا نستطيع- من خلال ما تقدم من حديث عن ملامح النقد الجاهلي ومقاييسه- أن نستشف طبيعة الأحكام النقدية في هذا العصر، وأن نقف على سماتها وملامحها. وأول سمة لهذه الأحكام: هي سمة العموم: ونعنى بها أن يطلق الناقد- في أحيان كثيرة- أحكامه، ويرسل آراءه، دون أن يذكر سبباً، أو يردف علة، وخير مثل لذلك قول الحطيئة- وقد سئل عن أشعر العرب-: أشعر العرب الذي يقول: يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن يجعل المعروف من دون عرضه يقصد زهيراً. وسئل: ثم من؟ قال الذي يقول: وسائل الله لا يخيب من يسأل الناس يحرموه ومن ذلك حكمهم على بعض القصائد بأنها بالغة منزلة عليا في الجودة بالموازنة بغيرها، كقولهم في قصيدة سويد [٥٥] بن أبى كاهل اليشكري التي مطلعها:

стр. 13799

فوصلنا الحبل منها ما اتسع بسطت رابعة الحبل لنا قولهم عنها أنها من خير القصائد، ودعوها اليتيمة [٥٦] . وكقولهم عن قصيدة حسان اللامية التي مدح بها أبناء (جفنة) ، والتي قال فيها: يوماً بجلق في الزمان الأول لله در عصابة نادمتهم قولهم عنها إنها من أحسن ما قيل في المدح، وتسميتهم لها بالبتارة، لأنها بترت المدائح [٥٧] . وقولهم عن قصيدة علقمة بن عبدة التي يقول فيها: هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ قولهم عنها: إنها سمط الدهر. فلما أنشد قصيدته التي مطلعها: بعيد الشباب عصر حان مشيب طحا بك قلب في الحسان طروب قالوا: هاتان سمطا الدهر [٥٨] . إلى غير ذلك من الأحكام العامة، التي لا توضح علة، ولا تذكر سبباً. السمة الثانية: الإيجاز: ونعني بها أن الناقد كثيراً ما يغلف حكمه النقدي بعبارة موجزة، يفهم منها ما يراد، ولكن دون شرح أو تفصيل، وذلك يتضح من نقد طرفة لشعر المتلمس السابق، حينما قال:"استنوق الجمل"فهذه عبارة موجزة تحمل حكماً نقدياً، عيب به شعر المتلمس الذي وصف الجمل بسمة الناقة. السمة الثالثة: الجزئية: ونقصد بها تناول الناقد لجزئيات من الجوانب الفنية للقصيدة، كجانب الألفاظ أو جانب المعاني، أو جانب الوزن، مثلاً، دون تناوله للقصيدة كلها تناولاً متكاملاً كما يتجه إلى ذلك النقد الحديث. فيتناول الناقد الجاهلي لفظة، أو ألفاظاً، فيصفها- مثلاً- بالسلاسة أو الجزالة، أو يتناول معنى أو معاني وردت في القصيدة، فيسمها بالصحة أو الخطأ، أو بالوضوح أو الغموض، وخير ما يمثل ذلك مما قدمنا من أمثلة: نقد طرفة لشعر المتلمس، فقد استهدف فيه طرفة جانب المعنى، ونظر فيه فوجده خطأ.

стр. 13800

ومنه- أيضاً- نقد أهل المدينة لشعر النابغة، فهو نقد استهدف جانب الوزن- أو الشكل الموسيقي- ورأى فيه نشازاً في الوزن، حيث اختلفت حركة الروى في الأبيات، فأحدثت هذا النشاز في الوزن، والتنافر في النغم، مما آذى السمع، وأذهب بشيء غير يسير من روعة الوزن. وكذلك نقد النابغة لبيت حسان السابق الذكر، كله منصرف إلى ألفاظ وكلمات دون تناول النقد للنص كعمل فني متكامل. وذلك لأن الشعر عند نقدته من الجاهليين صياغة وفكرة، كان نظماً محكماً أو غير محكم، ومعنى مقبولاً أو غير مقبول، فمعنى المتلمس فاسد، لأنه أسند صفة لغير ما تسند إليه، ومعاني المهلهل التي غالى فيها فاسدة، لأنها فوق المعقول، وشعر الزبرقان يجمع بين الطيب والرديء، أو هو ألفاظ مرصوصة، لا قوة في معانيها، ولا روح تؤلف بينها، وشعر عبدة بن الطبيب قوي الأسر، متين النظم، متماسك متلاحم، فالصياغة والمعاني، هي ما ينتقد في الشعر الجاهلي ... فإن لم يتعرض الجاهلي في النقد للشعر تعرض للشاعر، فآثره على غيره، أو وازنه بغيره من الشعراء ... هذان هما الميدانان اللذان جال فيهما النقد حولات خفيفة في العصر الجاهلي: الحكم على الشعر والتنويه بمكانة الشعراء، فأما غير ذلك من البحث في طريقة الشاعر، أو مذهبه الأدبي، أوصلة شعره بالحياة الاجتماعية، فذلك ما لم يعرفه العصر الجاهلي، وغاية نقدهم أن يأخذوا الكلام منقطعاً عن كل مؤثر، بل منقطعاً عن بقية شعر الشاعر، ويتذوقونه وفاقاً لسليقتهم، ثم يفصحون عن رأيهم..) [٥٩] .

стр. 13801

السمة الرابعة: التأثرية والذاتية: ونعنى بهما أن الأحكام النقدية كثيراً ما تكون قائمة على إحساس الناقد بأثر الشعر في نفسه، وعلى مقدار وقع الكلام عنده، فالحكم مرتبط بهذا الإِحساس قوة وضعفاً، وإحساس العربي بأثر الشعر إحساس فطري، وتذوقه له طبيعة وجبلة، ومن هنا يكون حكمه- في كثير من الأحايين- قائماً على ذوقه وفطرته، فهما اللذان يهديانه إلى الجيد من فنون القول، وإلى المبر زمن الشعراء. وهذا يعنى أنه ليست لديه مقاييس مقررة، ولا أصول معروفة للحكم على الجيد من الكلام، أو المبر زمن الشعراء، ليس لديه غير طبعه وذوقه، وإلا فعلى أي أساس كانت قريش تقبل من الأشعار ما تقبل، وترد ما ترد؟ وما الخصائص الفنية في قصيدتي علقمة حتى تكونا نفيستين؟ وما الذي كان رائعاً في قصيدة الخنساء حتى فضلت على حسان؟ وماذا حوت قصيدة حسان في أبناء (جفنة) حتى بترت جميع المدائح؟ تلك أحكام لا تقوم على تفسير أو تعليل، ولا تستند على قواعد مقررة، وليس لها من دعامة إلا الذوق العربي المحض [٦٠] . وبعد: فمهما يكن من شيء فإن هذه اللمحات النقدية الأولية، التي مارسها النقد في العصر الجاهلي، قد لعبت دوراً لا بأس به في تقويم الشعر العربي القديم وهدايته ومعاونته على الوصول إلى الكمال، أو على الأقل إلى أولى درجات الكمال، وأنها أشارت- أيضاً- إلى أن كلاً من الشاعر العربي والناقد العربي الجاهليين، كان يعرف الأسرار الدقيقة لهذا الفن الأدبي، فأهل يثرب (المدينة) يعرفون الإقواء، والنابغة الذبياني يلحظ- في دقة- الفرق بين جموع القلة وجموع الكثرة، وإن كانوا جميعاً يعرفون ذلك ذوقاً وفطرة لا علماً وفناً. ولاشك في أن هذا التحليل الدقيق، إنما هو لون من ألوان النقد الأدبي الصحيح، الذي يقرب النص الأدبي، إلى الملتقي ويقدمه إليه، وإلى صاحبه نفسه- كذلك- بعد شرحه وتفسيره.

стр. 13802

وليس كل ما تقدم هو كل ما قام به النقد الجاهلي، من دور في تقويم الشعر العربي والوصول به إلى درجة عالية من الكمال الفني- بل إن هذا النقد، قد أسهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة بالشعر العربي، هذا اللون هو المفاضلة، أو الموازنة بين الشعراء. وكان من ثمرة هذا اللون الذي ولد في العصر الجاهلي أن سرى تيار المفاضلة بين الشعراء والموازنة بينهم، وهيمن على نتاج أدباء القرن الرابع، وزخرت المكتبة العربية - بفضله- بروائع الموازنات بين الشعراء، من أمثال: (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) للآمدي [٦١] ، و (الوساطة بين المتنبي وخصومه) للجرجاني [٦٢] بالإضافة إلى كتب (نقد الشعر) لقدامة، و (العمدة) لابن رشيق وغيرها من الكتب التي حوت كثيراً من هذه الموازنات. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أساس البلاغة. [٢] دلائل الإعجاز: ١٩٦. [٣] هو قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب البغدادي، كان أدبياً ومؤلفاً، ألف كتباً كثيرة، لم يصلنا منهاج سوى كتابي: (نقد الشعر) و (الخراج) توفي سنة ٣١٠ هـ. [٤] هو أبو على الحسن بن على بن رشيق الأزدي القيرواني، ناقد وأديب وشاعر، ومن مؤلفاته: (قراضة الذهب في نقد أشعار العرب) ، و (الغرائب والشذوذ في اللغة) بالإِضافة إلى كتابه الشهير (العمدة) توفي عام ٤٥٦ هـ. [٥] هو زهير بن أبى سلمة- ربيعة- بن رياح المزني، أحد الشعراء الثلاثة المشهورين والمقدمين في الجاهلية، وهم امرؤ القيس وزهير والنابغة. مات قبل الإسلام بزمن طويل. [٦] هو كعب بن زهير بن أبى سلمى، شاعر مخضرم، كان من أكثر الشعراء هجوا للنبي ﷺ ، ثم جاء وأسلم، ومدحه بقصيدته الشهيرة (بانت سعاد) توفي سنة ٢٤ هـ.

стр. 13803

[٧] الحطيئة: هو جرول بن أوس من بنى قطيعة بن عبسي، يكنى أبا مليكة، وكان راوية كعب بن زهير، وهو جاهلي إسلامي، من فحول الشعراء وفصحائهم، متين الشعر، متصرف في جميع الفنون، ولكنه اشتهر بفن الهجاء، توفي سنة ٣٠ هـ. [٨] القوافي: الأشعار. شانها من يحوكها: ألحق بها العيب من يتصدى لصنعها ونسجها. ثوى، فوز: مات. جرول: الحطيئة. [٩] يقوها: يهذبها ويقع معوجها. المتون: جمع متن، وهو القهر، أي تستقيم كما يريد. ما يتمثل: ما يشتهر كالمثل [١٠] لأغاني: ٢/ ١٩٦. [١١] يعجمه: يجعله كالأعجمي، غير مفصح ولا مبين. ويعجمه معطوف على يريد. [١٢] البيان والتبيين: ١/ ٢٠٤ (تحقيق عبد السلام هارون) . والمحكك: الذي فحص وأختبر وعولج. [١٣] هو عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع، من عاملة: شاعر كبير من أهل دمشق، كان معاصراً لجرير، مهاجياً له، مقدماً عند بنى أمية، مداحاً لهم، خاصاً بالوليد بن عبد الملك، لقبه أبن ثويد في كتاب (الإشتقاق) بشاعر أهل الشام توفي نحو ٩٥هـ [١٤] هو سويد بن كراع العكلي، من بنى الحارث بن عوف: شاعر فارس مقدم، كان في العصر الأموي صاحب الرأي والتقدم توفي نحو ١٠٥ هـ. [١٥] هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبى حفصة: شاعر مجيد، عاصر الدولتين: الأموية والعباسية، ظهر نجمه في الأخيرة خاصة عند المهدي والهادي والرشيد، وكان شاعرهم الأول، اشتهر بالمديح طلباً للنوال. توفي سنة ١٨٢ هـ. [١٦] السناد- هنا-: العيب في الشعر. [١٧] المنآد: المعوج. [١٨] البيان والتبيين: ٢/ ١٢، ١٣. [١٩] أصادي: أراجي وأخاتل. النزع: جمع نازع، وهو الغريب. [٢٠] أكالئها: أراقبها. التعريس: النزول في وجه السحر. [٢١] الحريد: التام الكامل. [٢٢] الخصائص: ١/ ٣٢٤، ٣٢٥ (تحقيق: محمد على النجار، ط دار الهدى للطباعة والنشر. بيروت.

стр. 13804

[٢٣] هو زياد بن معاوية من ذبيان من قيس، أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء في العصر الجاهلي، توفى سنة ٦٠٤ م. [٢٤] هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، شاعر جاهلي إسلامي، وقد عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام مثلها، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٤ هـ. اشتهر في الجاهلية بمدح ملوك غسان والحيرة، واختص بعد الإِسلام بمدح النبيَ ﷺ والدفاع عنه. [٢٥] الإقواء: اختلاف حركة الروى عما بنيت عليه القصيدة من حركة. [٢٦] راح: جاء أو ذهب في الرواح، وهو العشى. المغتدى: المبكر. [٢٧] البوارح: جمع بارح. وهو الطير يمر عن يمينك إلى شمالك، وكانوا يتشاءمون به. [٢٨] النصيف: كل ما غطئ الرأس. [٢٩] المخضب: المصبوغ بالخضاب، وهي الحناء. الرخص: اللين الناعم. البنان: طرف الإِصبع. العنم: شجر بالحجاز. له ثمر مستطيل أحمر، يشبه به البنان المخضب. [٣٠] أبو عمرو بن العلاء، هو زبان بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحسن التميمي المازني، أحد القراء السبعة، كان من الشيوخ العلماء بالرواية واللغة والأدب، ظل طول حياته يجمع أشعار العرب القدماء، ولاسيما أشعار الجاهلية، توفى سنة ٤٥اهـ. [٣١] المرشح: ٣٨ (المطبعة السلفية سنة ١٣٤٣ هـ) . [٣٢] هو أبو عمرو طرفة بن العبد من بكر وائل من ربيعة، ابن أخي المرتس الأصغر، وابن أخت المتلمس، وقد نبغ في الشعر من حداثته، حتى صار يعد من الطبقة الأولى، وهو من أصحاب المعلقات، وتوفى صغير السن سنة ٥٥٠ م. [٣٣] هو جرير بن عبد المسيح- وقيل ابن عبد العزى- الضبعي، ولعله ولد وثنياً فتنصر، وهو خال طرفة بن العبد. [٣٤] الناجي: الجمل السريع. المكدم: الصلب. [٣٥] الموشح: ٧٦، ٧٧. [٣٦] يفره: يحفظه وافراً.

стр. 13805

[٣٧] هو عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم بن عامر بن مالك بن زهير، ينتهي نسبه إلى بنى أسد من مضر، وكان عبيد شاعراً جاهلياً قديماً، من شعراء الطبقة الأولى، قديم الذكر، عظيم الشهرة، توفى سنة ٥٥٥ م. [٣٨] في النقد الأدبي عند العرب: ٦٨ للدكتور: محمد طاهر درويش (دار المعارف) . [٣٩] في النقد الأدبي عند العرب: ٦٨ للدكتور: محمد طاهر درويش (دار المعارف) . [٤٠] تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١٢ للأستاذ: طه أحمد إبراهيم (دار الحكمة- بيروت) . [٤١] هو حصين بن بدر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن زيد مناة. كان خطيباً وشاعراً، استعمله النبي على صدقات قومه. [٤٢] هو ربيع بن مالك بن ربيعة بن قتال بن أنف الناقة، ينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، شاعر مشهور، عمر في الجاهلية والإِسلام عمراً طويلاً، ومات في خلافة عمر أو عثمان- ﵄ وهو شيخ كبير. [٤٣] هو عبدة بن الطبيب- يزيد- بن عمرو بن وعلة بن أنس، وينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، شاعر مجيد، ليس بالمكثر، وهو مخضرم، أدرك الإِسلام فأسلم. [٤٤] هو عمرو بن سنان- الأهتم- بن سمي بن سنان، وينتهي نسبه إلى زيد مناة، كان خطيباً بليغاً وشاعراً. [٤٥] تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١٤. [٤٦] الموشح:٧٥. [٤٧] هو امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور- كندة- يعده الرواة شيخ الشعراء في الجاهلية ويعدونه مبتدعاً لكثير من المعاني التي سطا عليها الشعراء من بعده، توفى نحو سنة ٥٦٠ م. [٤٨] هو علقمة بن عبدة بن النعمان بن ناشرة بن قيس، ينتهي نسبه إلى زيد مناة، شاعر جاهلي مجيد، وكان من صدور الجاهلية وفحولها، توفى سنة ٥٦١ م. [٤٩] الدرة- هنا-: العدو الشديد. الأفرج: واسع ما بين الرجلين. المنعب: الفرس الجواد يمد عنقه في العدو كالغراب، والذي يسطو برأسه.

стр. 13806

[٥٠] المتحلب: السائل. كأنه لسرعته لا يجري، بل يسيل سيلاناً. [٥١] تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١٨، ١٩. [٥٢] المرجع نفسه: ١٩. [٥٣] المرجع نفسه:١٩، ٢٠. [٥٤] صفوة التفاسير: ٣/ ٤٧٦ للأستاذ: محمد علي الصابوني (دار القران الكريم- بيروت) . [٥٥] هو سويد بن أبى كاهل- غطيف أو شبيب- بن حارثة الذبياني اليشكري، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإِسلام، أشهر شعره هذه العينية التي كانت تسمى في الجاهلية (اليتيمة) توفى بعد سنة ٦٠ هـ. [٥٦] المفضليات (هامش) : ١٩ (تحقيق: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون- ط ثانية. دار المعارف) . [٥٧] تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١٤. [٥٨] المرجع نفسه: ١٣. [٥٩] تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١٦، ١٧. [٦٠] المرجع نفسه: ١٨ (مع بعض التصرف) [٦١] هو أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، كان كاتباً لأبى جعفر هارون بن محمد الضبي، وكان شاعراً أيضاً، وجه عنايته إلى دراسة أشعار المتقدمين ونقدها، ومن تصانيفه: (المؤتلف والمختلف) و (معجم الشعراء) و (الأمالي) توفي سنة ٣٧١ هـ. [٦٢] هو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، كان أديباً ممتازاً، له عدة تصانيف، منها كتابه المشهور: (الوساطة بين المتنبي وخصومه) توفي سنة ٣٦٦ هـ.

стр. 13807

صفحة لغة قل.. وَلاَ تَقُل للشيخ ضياء الدين الصابوني الموجه التربوي للغة العربية بالجامعة الإسلامية ولا تقل: سفَلَة قل: السَّفلة ١ السَّفِلة: بكسر الفاء: السُقّاط من الناس، يقال: هو من السَّفِلة. ولا تقلْ: هو سفِلة لأنها جمع. وفي الأساس: (هو من السَّفِلة) استعير من سفِلَة الدابة: ا. هـ والعامة تقول: رجل سفِلَة من قوم سفِل. وبعض العرب يخفف فيقول: فلان من سفلة الناس، فينقل كسرة الفاء إلى السين جاء في لسان العرب في مادة سفل ما يلي: "وسَفِلة الناس وسِفْلتهم: أسافلهم وغوغاؤهم. قال ابن السكيت:"همُ السفِلة الأرذال من الناس ". وقال الجوهري:"السفِلة: السُفَّاط من الناس"، يعني هو من السفِلَة وسأل رجل الترمذي فقال له: "قالت لي امرأتي يا سفلة! فقلت لها: إن كنتُ سفِلة فأنت طالق"، فقال له:"ما صنعتك؟ "قال:" سمّاك، أعزّك الله "، قال:"سفِلَة، والله ". قال: فظاهر هذه الحكاية أنه يجوز أن يقال للواحد سفِلة. (جزء٢ ص ١٥٩) ولا تقل: شِغَاف قل: شَغَاف ٢ الشَّغَاف: بالفتح: غلاف القلب، وهو جلدة دونه كالحجاب، وسويداؤه يقال: شغفه الحبُ: أي بلغ شَغَافه. وقرأ ابن عباس ﵄: ﴿قد شَغَفَها حباً﴾ وقال:" دخل حبه تحت الشَّغَاف "، وقيل: غشّى الحب قلبها، وقيل: أصاب شَغافها. وأنشد أبو عبيدة: في سَوَاد الفؤاد وَسْط الشّغَاف يعلم الله أن حبَّك منيِ وقال ابن السكيت:"الشّغاف هو الخِلب، وهي جليدة لاصقة بالقلب "، ومنه قيل: خلَبه إذا بلغ شَغَاف قلبه. وقال الشاعر: كيف أسلو والحب هاج اضطراماً حبها مالك شَغَاف فؤادي ولا تقل: نُكاتَ قل: نِكاتْ ٣

стр. 13808

نِكات: بالكسر، جمع نُكتة، بضم النون بوزن نُقطة، وجمعها نُكت ونِكات، وقولهم: نُكات: بضم النون لحن. وجاء في مختار الصحاح ما يلي: وقولهم (نُكات) عامية، وفي الصحاح النكتة كالنقطة (جزء ١ ص ٢٦٩) وفي المعجم الوسيط (جزء١ ص ٩٥٩) . ولا تقل: مواضيع قل: موضوعات ٤ يخطئ بعض الكتاب في استعمال جموع لا صحة لها، منها كلمات (مشروع، موضوع، مكتوب) فيجمعها على (مشاريع، مواضيع، مكاتيب) على وزن مفاعيل، جمع تكسير. والصحيح أن تجمع على مفعولات (أي جمع مؤنث سالماً) فتقول: (مشروعات، موضوعات، مكتوبات) . قال العلامة الصبَّان في حاشيته على شرح الأشموني لألفية ابن مالك في أعقاب باب جمع التكسير، عند قوله: جمع ما فوق الثلاثة ارتقي في وبفعالل وشُبهه أنطقا فائدة (لا يجمع جمع تكسير نحو مضروب (أي ما كان على وزن مفعول) وشذّ (ملاعين) جمع ملعون. ذكره ابن هشام في شرح (بانت سعاد) : وإليك ما كتبه ابن هشام في شرحه لبيت: إلا العتاق النجيبات المراسيل أمستْ سعاد بأرض ما يبلغها وإنما تمنع الصفة المبدوءة بالميم من التكسير في مسألتين: إحداهما: أن تكون على وزن مفعول كمضروب، وشذّ نحو (ملاعين ومشائيم) . والثاني: أن تكون الميم مضمومة (مُختار، مُنقاد) فتجمع جمع مذكر سالماً (مختارون، منقادون) ، وقد أشار العلامة الصبّان إلى جموع الكلمات: (مكتوب، مشروع، موضوع، مفهوم، وأمثالها) بأنها تجمع جمع تصحيح لا جمع تكسير. ومثال ذلك يقال في جمع مثل (مضروب ومكتوب) فتجمع على (مضروبون، مكتوبون) .

стр. 13809

قال تعالى في سورة الشعراء ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (جمع مسجون) . وقال أيضاً في نفس السورة: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ آية ١١٦ (جمع مرجوم) . فنحن نجمعها جمع مؤنث سالماً فنقول: (مكتوبات، مشروعات، موضوعات، مفهومات) . جمع تصحيح لمؤنث ... والله أعلم. احذروا الانبهار الغربي سألت الدكتور جيري مور عن رأيه بالطلبة العرب هناك ودراستهم في أمريكا فقال: - هناك الكثير من الطلبة العرب وأنا شخصياً أتعامل معهم وهم نوعيات فهناك الطلبة المجدون وهناك عكسهم ممن لا يحترم العلم ولا يهتم بالجهود والأموال التي تصرفها دولته عليه- وللأسف فهناك من ينبهر بالمجتمع الأمريكي انبهاراً كبيراً فيتأثر به رغبة بالتطور والتقدم فيفقد نجاحه ويفشل فشلاً ذريعاً وهنا أرجو من الأخوة الطلبة المبتعثين ملاحظة ذلك والانتباه من الانحراف نحو المجتمع الأمريكي- الذي أنا منه- والذي وللأسف أصبح مجتمعاً سيئاً- لأن الانحلال الأخلاقي وصل إلى درجة مزعجة. وهناك مشكلة المجتمع الأمريكي نفسه والذي يجهل المجتمعات الخارجية ولا يحسن التعامل معها فتحدث بعض المشاكل أستاذ جامعي

стр. 13810

وَإن مِّن شيءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ للشيخ يوسف الهمزاني مدرس بالمعهد الثانوي يطيب به العيش ما رُدِّدا نشيد على الدهر لن ينفدا وتهدى النفوس ترى المقصدا يفيض به الخير تحيا القلوب وتلقى العوالم فيه الهدى حداء تسير به الكائنات ونبض القلوب فكيف اهتدى خطا الكون تمضى بإيقاعه فلم يفتروا ركعاً سجدا لدى الملأ الغر ذاع النشيد أفاض البيان وعى واقتدى وجاوبهم ناطق مفصح يردده صادحاً منشدا وأعجم سار به لا يمل فما أعجب الصوت والموعدا يزف به الديك بشرى الصباح على الفضل والنور كم أشهدا أذان يجلجل في العالمين وحب الحصيد وقطر الندى تغني به الطير في أيكه ولولا الحجاب سمعنا الصدى وتشدو الجبال على صمتها لكل قبيل ترى منتدى وشاركت الكونَ ذراتُه كما أعجز العين أن تشهدا ويعجز آذاننا سمعها يسبحه ما أتى أو غدا فلا شيء إلا شدا باسمه وكيف نلقى ولا نحمدا نشيد المحامد للذاكرين ولله سوف نعود غدا من الله جئنا ولم نك شيئاً من العمر فيه المنى والهدى وما بين ذلك شوط طويل ولست بمحص بها ما بدا ترى أنعم الله لا تنقضي ورمت العلاج لعز الفدا ولو حجب الله عنك اليسير وهل يبلغ الصنع بعض المدى فلا يتعاظمك ما قد صنعت من الشكر فضلاً له مُفردا

стр. 13811

فلن توفى الله مهما بذلت ولكن يمن علينا الهدى ولسنا نمن عليه الصلاح فأعرف قصدي لكي أرشدا أليس من الحزم ضبط الأمور إلى أمد ينقضى حُدِّدا ولا أتلهى بأني تركت لكي أستقل وكي اُفردا أأجهل أن ليس لي أي أمر ومهما تَخَفَّت فلن تُفقدا وخلف البوادي توارت غيوب وهذى العجائب لن تنفدا فهذى الحياة وهذا الممات ـر ما يستحيل وما جُددا وكيف بجسمك تجري المقاديـ ولا معمل أو خبير بدا تحاليل قد حيرت دقة أمورك تقضي ولن تشهدا وما كنت حتى لتدري بها أخذنا المنى أفننسى الهدى هل الروح نعرف ما سرها وقد رفعت هل ترى اعمدا وهذى النجوم بأفق السماء من الذر أعجب مما عدا ومثل النجوم ترى عالما وفيها الشموس نأت مرصدا تناهى بها صغر فانطوت بأفلاكها أين تلقى المدى تدور كواكبها دائباتٍ ينادى به خالقا أوحدا ففي كل شيء ترى أمره ويرضى له غيره مقصدا! فهل ينزل العبد في ملكه وأطمعه الفضل فاستبعدا ولكنه اللؤم عز اللئيم ويدعو الدعاوى فخابت يدا يهم بما لا تنال يداه ـغ مهما استطال ومهما عدا ألا خسىء اللؤم ماذا سيبلـ وقيل الحساب حَمِدْنا الهدى إذا ما أتت ساعة الاقتضاء خداع التمني جزاه الردى ولا تنقضى حسرات اللئيم

стр. 13812

تَحِيَّة وَندَاءٌ د. محمود عبد المحسن أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف مثل النسيم رقيقة ونديه لأئمة الإِسلام خير تحية والله نعم الأسوة المرضية حدث عن السلف الكريم فإنهم كالشمس في كبد السماء عليه كانوا هداة مهتدين أعزة بين الخلائق أمة وسطية كانوا دعاة فاتحين أئمة مثل النجوم الطالعات جليه طلعوا على الدنيا بهدي نبيهم قولاً وفعلاً بكرة وعشيه ورثوا النبي عقيدة وشريعة أنتم مصابيح الأنام بهية يا أيها السلف الرضى هداية الناسكون عبادة شرعيه الأعلمون الأسلمون عقيدة بدلائل الحق الصريح زهيه المرشدون الراشدون حقيقة المرتضون شمائلاً خلقيه الخالصون المخلصون لدينهم الطالبون رضى الإِله عطيه الصادعون بكل حق حسبة وسيوفهم في الحق جد فتيه يجْلُون ليل المعضلات بحقهم نهجا لمحو مساويء البدعيه تخذوا الكتاب ونور هدى نبيهم حفظاً ومن شر الغلاة نقيه حفظوا العقيدة من أباطيل العدى لعبادتي وعقيدتى القلبيه فأجبتهم ورضيت نهج سلوكهم صدقاً وعدلاً مخلصاً للنيه أنا لا أحيد دقيقة عن نهجهم بالمنهج السلفى جد حريه إن السعادة والسلامة والهدى أكرم بها من سيد البشريه شهد الرسول بفضلهم ونجاتهم خير القرون دليل كل مزيه يا أيها السلف الرضى عقيدة للنص لا رأي ولا عصبيه سعد الذي بكم اقتدى مستسلماً واستسلمت لمدارس عقليه

стр. 13813

شقيت شعوب الأرض حين تخاذلت وتفننوا في جلب كل دنيه واستوردوا السم الخبيث ضلالة أمم وربى كالغثاء شقيه فتخرجت أمم تدين بجهلهم وتجهموا للسنة النبويه قد عطلوا القرآن سر ظهورهم وعبادة الأهواء شر غويه نبذوا الهدى المهدي واتبعوا الهوى للطامعين الكافرين شهيه وتفرقوا شيعاً فصاروا أكلة بشراذم الحمقى بكل أذيه ديست كرامتهم وريع حماهمو حلت بكل المعتدين عتيه أدب من الله العلي ونقمة للحق يبغون الحياة أبيه فعساهمو يوماً تفيء قلوبهم لهدى الكتاب وسنة مرضيه يا أمة الإِسلام هل من أوبة من يعتصم يحيى الحياة هنيه فهما الصراط المستقيم حقيقة من يعتصم ينصر على الهمجيه وهما الحضارة والسيادة عزة قد أخرجت للناس جد زكيه صنعاً من الصحراء أكرم أمة بين العباد عدالة وسويه سارت كسير الشمس في عليائها سبل العلى وقيادة البشريه عودوا إلى الدين الحنيف تعد لكم

стр. 13814

أنشودة الأرواح حول الكعبة المشرفة شعر محمد المجذوب فيه من الأبحر الأمواج والزبدُ بحرٌ من الخلق لا يُحصى له عددُ إذا مضى مدد منه أتى مدد يطوف بالبيت سيلاً لا نفاد له فكل شيء به نشوان يرتعد تسري ضراعته في الأفق لاهبةً يحيلها الشوق أنوارا فتتقد تكاد في غمرها الأجساد من لَهَفٍ هنا القلوب.. فيالله ما تجد! (يارب..) انشق الأرواح تعزفها يكفّ جريته الحرّى ولا جلد والدمع من لذعها هام، فلا خجل سيقت إلى العرض لا عون ولا سند تذكرت شأنها يوم الحساب، وقد ولا ألم بها مال ولا ولد تود لو أنها في الأرض ما وجدت سوى النجاة وقد أودى بها الكمد فاستصرخت: رب نفسي، غير سائلةٍ تكاد تبصر غير الهول يحتشد يذكي لواعجها طيفُ الذنوب فما فتستقر بُعَيْدَ اللوعة الكبد وتنجلي نفحات العفو عن كثب من أسرها فغدت روحاً ولا جسد والنفس في غمرة النجوى قد انطلقت - سوى المليك الذي قد صاغها- أحد شفّت فما يتراءى في بصيرتها تعيا بلمح سناها الأعين الرمدُ فيا لها جلواتٍ من فيوض هدىً وافته تبغى رضاه- الواحد الصمد بها تجلّى على تلك الوفود- وقد

стр. 13815

فقه السنة صَلاةُ التَّراويحِ للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف ١- التراويح لغة: جمع ترويحة: أي ترويحة النفس وهي استراحتها. وفي القاموس: (منها ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات- يقال: استروح أي وجد الراحة) انتهى. ثم غلب اسم التراويح على الصلوات التي تصلى في ليالي رمضان. ويجلس الإمام بعد كل أربع ركعات، ولذا يقال: ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة. وقد روي الإمام البيهقي في سننه بسنده عن المغيرة بن زياد الموصلي عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي أربع ركعات في الليل ثم يتروح فأطال حتى رحمته فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً ". قال البيهقي: تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي. انتهى [١] . ووثقه ابن معين، وصحح الحاكم بعض أحاديثه [٢] . إلا أن الذهبي لم يوافقه على ذلك فقال: المغيرة: صالح الحديث. وتركه ابن حبان. وقال في الكاشف: وثقه ابن معين وجماعة، وقال أحمد: منكر الحديث [٣] . ويرى بعض العلماء أن الاستراحة تكون بعد خمس تسليمات، والأمر فيه وسع، فقد سئل الإمام أحمد عن قوم صلوا في رمضان خمس تراويح لم يتروحوا بينها فقال: لا بأس [٤] . ٢- الترغيب في قيام رمضان: الحديث الأول: حديث أبي هريرة. قال: "كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفِر له ما تقدم من ذنبه". رواه الجماعة.

стр. 13816

شرح الحديث: قول أبي هريرة: "من غير أن يأمر فيه بعزيمة"فيه التصريح بعدم وجوب القيام. قال الإمام النووي: معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتم بل أمر ندب وترغيب، ثم قال: اجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب. ومعنى قوله: "من قام رمضان" أي مصلياً، ويحصل هذا بمطلق ما يصدق عليه القيام وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، قال النووي: "إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح ". الحديث الثاني: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: إن النبي ﷺ قال: "إن الله فرض صيام رمضان، وسننت قيامه فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" [٥] . إلا أن في إسناده النضر بن شيبان الحداني- بضم المهملة وتشديد الدال- قال الحافظ:"لين الحديث " [٦] . ٢- حكم صلاة التراويح بالجماعة: القول الأول: صلاة التراويح بالجماعة في المسجد أفضل. وبه قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة وبعض المالكية، وبالغ الطحاوي من الحنفية فقال:"إن صلاة التراويح بالجماعة واجبة على الكفاية ". هكذا نقل الشوكاني عن الطحاوي [٧] وسبقه الحافظ [٨] ، وهو مخالف تماماًَ لما قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار، وما نقل عنه الشيخ ابن الهمام في شرح فتح القدير، يقول الطحاوي: "فهؤلاء الذين روينا عنهم ما روينا من هذه الآثار كلهم يفضل صلاته وحده في شهر رمضان على صلاته مع الإمام، وذلك هو الصواب".انتهى [٩] . وقد قارن قبل هذا بين أدلة الفريقين فقال: "ذهب قوم إلى أن القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، واحتجوا في ذلك بقول رسول الله ﷺ : "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قنوت بقية ليلته".

стр. 13817

وقال: خالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وحجتهم في ذلك حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" وذلك لمّا قام لهم ليلة في رمضان فأرادوا أن يقوم بعد ذلك فقال لهم هذا القول. ثم وفق بين الروايتين فقال: "يوجب الحديث الأول- (حديث أبي ذر) - إن من قام مع الإمام يكتب له قنوت بقية ليلته، ويوجب حديث زيد بن ثابت أن ما فعل في بيته هو أفضل من ذلك، حتى لا يتضاد هذان الأثران ". انتهى [١٠] وقال الشيخ ابن الهمام: "إن الطحاوي روى عن ابن عمر، وعروة، تخلف بعض الصحابة ونقل عن القاسم، وإبراهيم، ونافع، وسالم، وأبي يوسف، إن أمكنه أداؤها في بيته مع مراعاة سنة القراءة وأشباهها فيصليها في بيته إلا أن يكون فقيها كبيراً يقتدى به لقوله ﷺ : "عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" انتهى [١١] . القول الثاني: الأفضل أن يصلي الرجل صلاة التراويح في البيت. وبه قال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، فقد سئل مالك عن قيام الرجل في رمضان فقال:"إن كان يقوى في بيته فهو أحب أليّ وليس كل الناس يقوى على ذلك، فقد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله وكان ربيعة ينصرف، وعدد غير واحد من علمائهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس وأنا أفضل ذلك " [١٢] . واستدل هؤلاء بقول النبي ﷺ : "أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" [١٣]- من حديث زيد بن ثابت، قال النبي ﷺ هذا القول لما اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها حتى اجتمع عليه ناس ثم فقدوا صوته ليلة وظنوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح إليهم فقال: "ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا في بيوتكم. فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".

стр. 13818

والعجب من الألباني أنه لم يذكر هذا الحديث في كتابه (صلاة التراويح) وهو أقوى دليل للقول الثاني. فلم يستثن رسول الله ﷺ من الصلوات إلا الفرائض، وصلاة التراويح ليست منها. وورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده ﷺ فإذا كانت صلاة التراويح في البيت أفضل حتى من مسجد رسول الله ﷺ ! فكيف في مسجد غيره؟ ! ولكن بعد عهد عمر بن الخطاب ﵁ صارت صلاة التراويح من شعائر الإسلام، وواظب المسلمون على ذلك، لذا أجمع العلماء على أفضليتها في أدائها في المساجد وذكروا في ذلك الأدلة التالية: (١) حديث عائشة: قالت:"إن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسوله الله ﷺ فلما أصبح قال: "رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم"وذلك في رمضان"متفق عليه. شرح الحديث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ صلى صلاة التراويح بالجماعة ولم يمنعه من الاستمرار بالجماعة إلا تخوفه أن تكتب على الأمة. فإن قيل: كيف كان يفرض عليهم وقد أكمل الله الفرائض ورد الخمسين إلى الخمس؟

стр. 13819

أجاب البغوي على هذا السؤال قائلاً:"كانت صلاة الليل واجبة على النبي ﷺ ، وأفعاله الشرعية كان الإقتداء به فيها واجباًَ، فكان لا يأمن إن هو واظب على الصلاة بهم أن يلزمهم الإقتداء به فيه، فالزيادة من جهة وجوب الإقتداء به. لا من جهة إنشاء فرض مستأنف على أن الإنسان قد يكلف نفسه ما لم يوجبه الشرع ثم تلحقه اللائمة بتركه كما لو نذر صلاة تلزمه وكما أخبر الله عن فريق من النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية لم يكتبها عليهم، ثم قصروا فيها، فلحقتهم اللائمة، فقال : ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فأشفق النبي ﷺ ذلك فترك العمل"انتهى [١٤] . ونقل الحافظ عدة أقوال عن العلماء في شرح قول النبي ﷺ "خشيت أن يفرض عليكم" ونسب هذا القول الذي مر آنفاً إلى الخطابي، وذكر احتمالا آخر عن الخطابي، وهو: أن الله فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت مما استعفى لهم نبيُهم ﷺ منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم، ثم قال الحافظ: وتلقي هذين الجوابين من الخطابي جماعة من الشراح، كابن الجَوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه ﷺ وعلى وجوب الإقتداء بأفعاله وفي كل من الأمرين نزاع، ثم نقل الحافظ أقوال العلماء الآخرين فقال: ١- قال المحب الطبري:" يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم: فأحب التخفيف عنهم فترك المواظبة". وقال:"ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت". وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب.

стр. 13820

والى هذا نحا القرطبي فقال: قوله (فتفرض عليكم) أي تظنونه فرضا فيجب على من ظن ذلك؛ كما إذا ظن المجتهد حل شئ أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به. قال:"وقيل: كان حكم النبي ﷺ إنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم ". وعلق على هذا الحافظ فقال:"ولا يخفي بعد هذا الأخير، فقد واظب النبي ﷺ على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض ". ٢- قال ابن بطال:"يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ﷺ وبين أمته في العبادة ". قال:"ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصى من تركها بترك اتباعه ﷺ ". ٣ – وقال الكرماني:"إن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَي﴾ الأمن من نقص شيء من الخمس ولم يتعرض للزيادة ". ٤- وقال البعض:"إن الزمان كان قابلا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض وعلق عليه الحافظ بقوله:"وفيه نظر، لأن قوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَي﴾ خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح ". ٥- قال الحافظ: وقد أجاب في فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى: أحدها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.

стр. 13821

ثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائداً على الخمس،بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة. فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان. وفي رواية سفيان بن حسين: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الأشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة فلا يكون ذلك قدراً زائداً على الخمس. قال الحافظ: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري: الأول. انتهى. الحديث الثاني: حديث أبي ذر، قال:"شهدنا مع رسول الله ﷺ شهر رمضان فلم يقم في شيء من الشهر حتى كانت ليلة سابعة بقيت فقام بنا إلى نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا ليلة سادسة بقيت، فلما كانت ليلة خامسة بقيت قام بنا إلى نحو من شطر الليل، فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ فقال: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، ثم لم يقم بنا ليلة رابعة بقيت، فلما كان ليلة ثالثة بقيت قام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح قال: السحور. قال: فكان يوقظ في تلك الليلة أهله وبناته ونساءه" [١٥] . شرح الحديث: قوله "لو نفلتنا "أي لو جعلت بقية الليل زيادة لنا على قيام الشطر، وهو من التنفيل، وفي النهاية: لو زدتنا من الصلاة النافلة، سميت بها النوافل لأنها زائدة على الفرائض، وتقديره: لو زدت قيام الليل على نصفه لكان خيرا لنا، ولو " للتمني " [١٦] . وقال الشوكاني: المراد هنا لو قمت بنا طول ليلتنا ونفلتنا من الأجر الذي يحصل من ثواب الصلاة، انتهى. وفي الحديث دليل على مشروعية الجماعة لصلاة التراويح.

стр. 13822

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة قال:"خرج رسول الله ﷺ فإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال:"ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي، وهم يصلون بصلاته، فقال النبي ﷺ : أصابوا، ونعم ما صنعوا " [١٧] . وروى هذا الحديث أيضاً محمد بن نصر المروزي [١٨] . والمحفوظ في هذا أن عمر بن الخطاب جمع الناس وراء أبي بن كعب كما جزم الحافظ وغيره [١٩] . هذه بعض الأحاديث التي رويت في مشروعية الجماعة في صلاة التراويح. وأما قول النبي ﷺ : "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فحمل العلماء على صلاة التهجد كما خصصوا من هذا العموم بعض الصلوات التي شرع فيها الجماعة كالعيدين والكسوف والاستسقاء وكذلك صلاة التراويح، ولذلك لما أمن عمر بن الخطاب ﵁ من افتراض صلاة التراويح أمر بإقامتها في المسجد جماعة، واستمر هذا العمل منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا فصارت صلاة التراويح في شهر رمضان من شعائر الإسلام، إلا أن من ترك التراويح جماعة في المسجد، وأقامها في البيت لا يذم ولا يلام. ٣- عدد ركعات صلاة التراويح: ففيه ثلاثة أقوال للعلماء: القول الأول: ركعات التراويح ثمانية – وهو قول المحدثين والمحققين. القول الثاني: ركعات التراويح عشرون ركعة – وبه قال الأئمة الثلاثة: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد. القول الثالث: ركعات التراويح ست وثلاثون – وبه قال الإمام مالك. وإليكم بعض الأدلة للقول الأول: ١- حديث عائشة ﵂ قالت:"ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً لا تسأل عن طولهن وحسنهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن طولهن وحسنهن. ثم يصلي ثلاثاً " [٢٠] .

стр. 13823

وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه [٢١] باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان فذكر هذا الحديث، كما ذكره إلبيهقي في سننه [٢٢] في باب ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان. ويبدو أن الجميع استمسكوا به لمعرفة عدد ركعات النبي ﷺ في رمضان وغيره، كما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عقب صلاة التراويح وسوف يأتي ذلك قريبا إن شاء الله. ٢- حديث جابر بن عبد الله قال:"صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثماني ركعات وأوتر ... "رواه أبو يعلى، والطبراني في الصغير، كما قال الهيثمي وفيه: عيسى بن جارية وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين [٢٣] . وقال الحافظ في الفتح: [٢٤] رواه ابن خزيمة وابن حبان، وعزاه في التلخيص [٢٥] لابن حبان فقط ولم يتكلم على إسناد الحديث مع وجود عيسى بن جارية في إسناد ابن حبان كما في موارد الظمآن. وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث ونسبه لابن نصر والطبراني وقال:"سنده حسن " [٢٦] . ولم يتكلم على عيسى بن جارية. والطبراني ذكر هذا الحديث في المعجم الصغير [٢٧] بإسناده عن يعقوب بن عبد الله القمي عن عيسى بن جارية،عن جابر بن عبد الله قال:" صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج، فلم نزل حتى أصبحنا ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا البارحة في المسجد ورجونا أن تصلي بنا؟ فقال: إني خشيت أن يكتب عليكم ". قال الطبراني:"لا يروى عن جابر بن عبد الله إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب وهو ثقة، ولم يتكلم عن عيسى بن جارية ". وذكر الذهبي هذا الحديث وقال: إسناده وسط [٢٨] .

стр. 13824

أقول: عيسى بن جارية: هو الأنصاري المدني، قال الحافظ:"فيه لين ". وقال الذهبي:"روى عن جرير وجابر، وعنه أبو صخر حميد بن زياد، ويعقوب القمي مختلف فيه "قال ابن معين:"عنده مناكير " [٢٩] . وفي الميزان: قال النسائي:"منكر الحديث "وجاء عنه:"متروك "، وقال أبو زرعة:"لا بأس به "، وأما يعقوب بن عبد الله القمي فهو – بضم القاف – أبو الحسن الأشعري، سبق أن وثقه الطبراني وقال النسائي:" ليس به بأس "، وقال الدارقطني:"ليس بالقوي " [٣٠] . وحكم عليه الذهبي بأنه صدوق [٣١] . ويبدو من هذا أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن، ولذا سكت عليه الحافظ، وحسنه الألباني، وقال الذهبي:"إسناده وسط ". والمعروف أن الذهبي من أهل الإستقراء. ثم أخرج الإمامان الجليلان وهما ابن جبان وابن خزيمة في صحيحيهما إضافة إلى ذلك أنه موافق لحديث عائشة. وبهذين الحديثين أخذ المحققون من علماء أهل الحديث والفقه. فإن أحداً منهم لم يقل بأن النبي ﷺ صلى أكثر من ثماني ركعات في رمضان أو في غير رمضان، وإنما الخلاف في الطول، والقراءة، والوقت، والجماعة، وغير ذلك.

стр. 13825

وأما التراويح، وقيام رمضان، وصلاة الليل، وصلاة التهجد في رمضان: فهي عبارة عن شيء واحد، قال الشيخ عبيد الله المباركفوري: "اعلم أن التراويح وقيام رمضان وصلاة الليل وصلاة التهجد في رمضان عبارة عن شيء واحد، واسم لصلاة واحدة، وليس التهجد في رمضان غير التراويح لأنه لم يثبت من رواية صحيحة ولا ضعيفة أن النبي ﷺ صلى في ليالي رمضان صلاتين إحداهما التراويح، والأخرى التهجد، فالتهجد في غير رمضان هو التراويح في رمضان كما يدل عليه حديث أبي ذر وغيره، وإليه ذهب صاحب فيض الباري [٣٢] . (الشيخ أنور شاه الكشميري) من الحنفية حيث قال: "المختار عندي أن التراويح، وصلاة الليل واحد، وإن اختلفت صفتاهما كعدم المواظبة على التراويح وأدائها بالجماعة، وأدائها في أول الليل تارة، وإيصالها إلى السحر أخرى بخلاف التهجد فإنه كان في آخر الليل، ولم تكن فيه الجماعة. وجعل اختلاف الصفات دليلاً على اختلاف نوعيها ليس بجيد عندي بل كانت تلك صلاة واحدة، إذا تقدمت سميت باسم التراويح، وإذا تأخرت سميت باسم التهجد. ولا بدع في تسميتها باسمين عند تغاير الوصفين فإنه لا حجر في التغاير الاسمي إذا اجتمعت عليه الأمة، وإنما يثبت تغاير النوعين عن النبي ﷺ أنه التهجد مع إقامته بالتراويح [٣٣] . انتهى. وقد جزم أيضاً الشيخ بدر الدين العيني وهو من كبار العلماء الحنفية أن قول عائشة إن النبي ﷺ كان إذا دخل في العشر الأواخر في رمضان يجتهد ما لا يجتهد في غيره، المقصود منه التطويل في الركعات والسجود والقيام والقعود بدون الزيادة في العدد [٣٤] .

стр. 13826

وقد ذكر الشيخ العيني عشرات الروايات عن الصحابة الآخرين لإثبات عدد ركعات النبي ﷺ وخرج منها بأنه ما كان يزيد عن ثمان ركعات، ويزيد وينقص من ركعات الوتر ما شاء، وذهب الشيخ ابن الهُمام- من محققي الحنفية- إلى أن الثماني ركعات سنة، والبقية مستحبة، وأنكر عليه المشايخ الحنفية القائلون بسنية العشرين [٣٥] . القول الثاني: ركعات التراويح عشرون ركعة: استند أصحاب هذا القول بالأثر المروى عن عمر بن الخطاب ﵁ بأنه جمع الناس وراء أبي بن كعب على عشرين ركعة كما استندوا أيضاً بحديث مرفوع إلا أنه ضعيف بالاتفاق، فلذا نرى أن المحققين من أصحاب المذاهب لم يذكروا هذا الحديث المرفوع في الاستدلال لما ذهبوا إليه كالشيخ ابن قدامة وغيره. ولو كان هذا الحديث صحيحاً لكان حجة قاطعة على أصحاب القول الأول، ولتبادر المحققون إلى ذكره، ومع ذلك فنحن نذكر هذا الحديث ثم نتبعه الآثار المروية عن عمر بن الخطاب ﵁ بهذا الخصوص. الحديث المرفوع: قال الإمام الزيلعي: "روى ابن أبي شيبة في مصنفه [٣٦] ، والطبراني في معجمه [٣٧] ، وعنه البيهقي [٣٨] ، من حديث إبراهيم بن عثمان أبي شيبة عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر". قال الحافظ الزيلعي:"وهو معلول بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه ولينه ابن عدى في الكامل ثم أنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة...... فذكر حديثها " [٣٩] . انتهىَ كلام الزيلعي. وقال الهيثمى:"رواه الطبراني [٤٠] في الكبير والأوسط وفيه: أبو شيبة وهو ضعيف [٤١] . وقال الحافظ في التقريب:"أبو شيبة إبراهيم بن عثمان متروك "، وقال الشيخ ابن الهمام:"أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ضعيف" [٤٢] .

стр. 13827

وقال البيهقي: "تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي وهو ضعيفة" [٤٣] . فسند هذا الحديث يدور على أبي شيبة لأن كل من خرجه فطريقه ينتهي إليه فلا يغرنك إذا قال أحد إن لهذا الحديث سنداً آخر، فإن الطبراني والبيهقي صرحا بأن أبا شيبة تفرد بهذا الحديث، وذكر الحافظ الذهبي في الميزان وقال:"إنه من مناكير أبي شيبة"، وكذا الحافظ مع علمه الغزير لم يجد لهذا الحديث سنداً آخر، فقد جزم وقال: "وأما ما رواه أبو شيبة من حديث ابن عباس فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين مع كونها أعلم بحال النبي ﷺ ليلاً من غيرها" [٤٤] . ومع وجود هذه التصريحات من الأئمة والمحققين؟ ومنهم علماء الحنفية جاء الشيخ يوسف البنوري رحمه الله تعالى الحنفي غاضباً وثائراً على من يقول: إن عدد ركعات التراويح ثمان ورماهم بالسفسطة والعجرفة في القول والبيان والزيغ في المعتقد والبغض مع صلحاء الأمة ثم قال: " ويدفع القول الأول بأنه وإن كان ضعيفاً _أي إبراهيم بن عثمان أبو شيبة _ ولكن يؤيد روايته تعامل الأمة في عهد الفاروق ومن بعده، ويدفع الثاني بالحمل على اختلاف الأحوال كما أشار إليه الحافظ في سياق آخر، وقد يعمل بالضعيف لتقويته بالتعامل وغيره [٤٥] . وقال بعد ذلك _ ويبدو أنه متعب جداً لعدم نجاحه في محاولاته الكلامية -: "العشرون لا بد أن يكون لها أصل في المرفوع وإن لم يبلغ إلينا بالإسناد القوي " [٤٦] . وهي قاعدة مخترعة تنم عن العجز من الإتيان بالأدلة المعقولة. دراسة الآثار المروية عن عمر بن الخطاب ﵁ بخصوص عدد ركعات صلاة التراويح:

стр. 13828

روى الإمام البخاري في صحيحه [٤٧] عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال:"خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ". انتهى. هذا الحديث الذي ذكره الإمام البخاري معلقاً وقال: عن ابن شهاب وهو في الحقيقة عطف على ما سبق من الإسناد ورواه مالك في موطئه بإسناده نحوه. شرح بعض الكلمات: (أوزاع) بسكون الواو، بعدها زاي معجمة، أي جماعة متفرقون، وقوله في الحديث: متفرقون: تأكيد لفظي. (أمثل) أي أفضل كان عمر بن الخطاب ﵁ استنبط من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك. (فجمعهم على أبي بن كعب) أي جعله إماماً. قال الحافظ:"كأنه اختاره عملاً بقوله ﷺ "يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله "، وقد قال عمر:" أقرؤنا أبي ". (ثم خرجت معه ليلة أخرى) فيه إشارة إلى أن عمر ما كان يصلي مع الجماعة وراء أبي، لأنه يرى أن الصلاة في آخر الليل في البيت أفضل، فإنه قال في آخر الحديث:"والتي تنامون عنها أفضل ". وقد روى محمد بن نصر من طريق طاوس، عن ابن عباس قال:" كنت عند عمر في المسجد فسمع هيعة الناس فقال: ما هذا؟ قيل: خرجوا من المسجد، وذلك في رمضان فقال: ما بقي من الليل أحب إلي مما مضى ". انتهى. (الهيعة) قال في النهاية: الصياح والضجة.

стр. 13829

(قول عمر: نعم البدعة) وجاء في بعض الروايات: نعمت البدعة. والبدعة أصلها ما أحدث على غبر مثال سابق. وتطلق في الشرع: في مقابل السنة، وتكون ممنوعة. قال الحافظ:"والتحقيق في ذلك أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح " [٤٨] . وقال الحافظ ابن الأثير: البدعة بدعتان، بدعة هوى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن النبي ﷺ قد جعل له ثواباً فقال:"من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها " وقال في ضده:"ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها " وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ . ومن هذا النوع قول عمر بن الخطاب:"نعمت البدعة هذه " [٤٩] . ونرجع إلى الحديث أصل الموضوع فنقول: إن الإمام البخاري لم يذكر عدد الركعات التي جمع عليها عمر بن الخطاب وفي هذا إشارة إلى أن الآثار التي وردت في ذكر عدد الركعات لم تصح عنده. أو أنه يرى أن عمر لم تتجاوز على ثماني ركعات فذكر عقب قصة عمر حديث عائشة ﵂ التي تقول:"ما كان رسول الله ﷺ يزيد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره، يصلي أربعاً فلا تسال عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلى أربعاً فلا تسال عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلى ثلاثاً ". لذا وقع الخلاف بين الرواة في ذكر عدد الركعات، وإليكم بعض هذه الآثار:

стр. 13830

١- في موطأ مالك [٥٠] : عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال:"أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة "قال:"وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر ". وبطريق مالك رواه البيهقي [٥١] وصرح فيه بأن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد. ورواه سعيد بن منصور في سننه بوجه آخر عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد. وإسناده صحيح. فإنما محمد بن يوسف الكندي المدني الأعرج ثقة ثبت مات في حدود الأربعين ومائة وهو شيخ مالك واحتج به الشيخان. والسائب بن يزيد صحابي معروف حج مع النبي ﷺ وهو صبي ثم إن هذا الحديث موافق لحديث عائشة ﵂ وحديث جابر بن عبد الله إلا أن الحافظ ابن عبد البر يقول: "روى غير مالك في هذا الحديث (إحدى وعشرون) وهو الصحيح ولا أعلم أحداً قال فيه إحدى عشرة إلا مالكاً، ويحتمل أن يكون ذلك أولاً ثم خفف عنهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين إلا أن الأغلب عندي أن قوله: إحدى عشرة وهْمٌ ". انتهى. ورد الزرقاني بقوله: ولا وهم مع أن الجمع بالإحتمال الذي ذكره قريب، وبه جمع البيهقي أيضاً، وقوله إن مالكاً انفرد به ليس كما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف مثل قول مالك [٥٢] انتهى. وقال النيموني في آثار السنن:"ما قاله ابن عبد البر من وهم مالك فغلط جداً لأن مالكاً تابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند سعيد بن منصور، ويحيى بن سعيد القطان عند أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه، وكلاهما عن محمد بن يوسف وقالا:"إحدى عشرة ".
следующие страницы →