Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13826–13865 · переход к 13831.
стр. 13826
وقد ذكر الشيخ العيني عشرات الروايات عن الصحابة الآخرين لإثبات عدد ركعات النبي ﷺ وخرج منها بأنه ما كان يزيد عن ثمان ركعات، ويزيد وينقص من ركعات الوتر ما شاء، وذهب الشيخ ابن الهُمام- من محققي الحنفية- إلى أن الثماني ركعات سنة، والبقية مستحبة، وأنكر عليه المشايخ الحنفية القائلون بسنية العشرين [٣٥] .
القول الثاني: ركعات التراويح عشرون ركعة:
استند أصحاب هذا القول بالأثر المروى عن عمر بن الخطاب ﵁ بأنه جمع الناس وراء أبي بن كعب على عشرين ركعة كما استندوا أيضاً بحديث مرفوع إلا أنه ضعيف بالاتفاق، فلذا نرى أن المحققين من أصحاب المذاهب لم يذكروا هذا الحديث المرفوع في الاستدلال لما ذهبوا إليه كالشيخ ابن قدامة وغيره.
ولو كان هذا الحديث صحيحاً لكان حجة قاطعة على أصحاب القول الأول، ولتبادر المحققون إلى ذكره، ومع ذلك فنحن نذكر هذا الحديث ثم نتبعه الآثار المروية عن عمر بن الخطاب ﵁ بهذا الخصوص.
الحديث المرفوع: قال الإمام الزيلعي: "روى ابن أبي شيبة في مصنفه [٣٦] ، والطبراني في معجمه [٣٧] ، وعنه البيهقي [٣٨] ، من حديث إبراهيم بن عثمان أبي شيبة عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر".
قال الحافظ الزيلعي:"وهو معلول بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه ولينه ابن عدى في الكامل ثم أنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة...... فذكر حديثها " [٣٩] . انتهىَ كلام الزيلعي.
وقال الهيثمى:"رواه الطبراني [٤٠] في الكبير والأوسط وفيه: أبو شيبة وهو ضعيف [٤١] .
وقال الحافظ في التقريب:"أبو شيبة إبراهيم بن عثمان متروك "، وقال الشيخ ابن الهمام:"أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ضعيف" [٤٢] .
стр. 13827
وقال البيهقي: "تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي وهو ضعيفة" [٤٣] .
فسند هذا الحديث يدور على أبي شيبة لأن كل من خرجه فطريقه ينتهي إليه فلا يغرنك إذا قال أحد إن لهذا الحديث سنداً آخر، فإن الطبراني والبيهقي صرحا بأن أبا شيبة تفرد بهذا الحديث، وذكر الحافظ الذهبي في الميزان وقال:"إنه من مناكير أبي شيبة"، وكذا الحافظ مع علمه الغزير لم يجد لهذا الحديث سنداً آخر، فقد جزم وقال: "وأما ما رواه أبو شيبة من حديث ابن عباس فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين مع كونها أعلم بحال النبي ﷺ ليلاً من غيرها" [٤٤] .
ومع وجود هذه التصريحات من الأئمة والمحققين؟ ومنهم علماء الحنفية جاء الشيخ يوسف البنوري رحمه الله تعالى الحنفي غاضباً وثائراً على من يقول: إن عدد ركعات التراويح ثمان ورماهم بالسفسطة والعجرفة في القول والبيان والزيغ في المعتقد والبغض مع صلحاء الأمة ثم قال: " ويدفع القول الأول بأنه وإن كان ضعيفاً _أي إبراهيم بن عثمان أبو شيبة _ ولكن يؤيد روايته تعامل الأمة في عهد الفاروق ومن بعده، ويدفع الثاني بالحمل على اختلاف الأحوال كما أشار إليه الحافظ في سياق آخر، وقد يعمل بالضعيف لتقويته بالتعامل وغيره [٤٥] .
وقال بعد ذلك _ ويبدو أنه متعب جداً لعدم نجاحه في محاولاته الكلامية -: "العشرون لا بد أن يكون لها أصل في المرفوع وإن لم يبلغ إلينا بالإسناد القوي " [٤٦] .
وهي قاعدة مخترعة تنم عن العجز من الإتيان بالأدلة المعقولة.
دراسة الآثار المروية عن عمر بن الخطاب ﵁ بخصوص عدد ركعات صلاة التراويح:
стр. 13828
روى الإمام البخاري في صحيحه [٤٧] عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال:"خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ". انتهى.
هذا الحديث الذي ذكره الإمام البخاري معلقاً وقال: عن ابن شهاب وهو في الحقيقة عطف على ما سبق من الإسناد ورواه مالك في موطئه بإسناده نحوه.
شرح بعض الكلمات: (أوزاع) بسكون الواو، بعدها زاي معجمة، أي جماعة متفرقون، وقوله في الحديث: متفرقون: تأكيد لفظي.
(أمثل) أي أفضل كان عمر بن الخطاب ﵁ استنبط من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك.
(فجمعهم على أبي بن كعب) أي جعله إماماً. قال الحافظ:"كأنه اختاره عملاً بقوله ﷺ "يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله "، وقد قال عمر:" أقرؤنا أبي ".
(ثم خرجت معه ليلة أخرى) فيه إشارة إلى أن عمر ما كان يصلي مع الجماعة وراء أبي، لأنه يرى أن الصلاة في آخر الليل في البيت أفضل، فإنه قال في آخر الحديث:"والتي تنامون عنها أفضل ".
وقد روى محمد بن نصر من طريق طاوس، عن ابن عباس قال:" كنت عند عمر في المسجد فسمع هيعة الناس فقال: ما هذا؟ قيل: خرجوا من المسجد، وذلك في رمضان فقال: ما بقي من الليل أحب إلي مما مضى ". انتهى.
(الهيعة) قال في النهاية: الصياح والضجة.
стр. 13829
(قول عمر: نعم البدعة) وجاء في بعض الروايات: نعمت البدعة. والبدعة أصلها ما أحدث على غبر مثال سابق.
وتطلق في الشرع: في مقابل السنة، وتكون ممنوعة.
قال الحافظ:"والتحقيق في ذلك أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح " [٤٨] .
وقال الحافظ ابن الأثير: البدعة بدعتان، بدعة هوى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن النبي ﷺ قد جعل له ثواباً فقال:"من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها " وقال في ضده:"ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها " وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ . ومن هذا النوع قول عمر بن الخطاب:"نعمت البدعة هذه " [٤٩] .
ونرجع إلى الحديث أصل الموضوع فنقول:
إن الإمام البخاري لم يذكر عدد الركعات التي جمع عليها عمر بن الخطاب وفي هذا إشارة إلى أن الآثار التي وردت في ذكر عدد الركعات لم تصح عنده. أو أنه يرى أن عمر لم تتجاوز على ثماني ركعات فذكر عقب قصة عمر حديث عائشة ﵂ التي تقول:"ما كان رسول الله ﷺ يزيد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره، يصلي أربعاً فلا تسال عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلى أربعاً فلا تسال عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلى ثلاثاً ".
لذا وقع الخلاف بين الرواة في ذكر عدد الركعات، وإليكم بعض هذه الآثار:
стр. 13830
١- في موطأ مالك [٥٠] : عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال:"أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة "قال:"وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر ".
وبطريق مالك رواه البيهقي [٥١] وصرح فيه بأن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد.
ورواه سعيد بن منصور في سننه بوجه آخر عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد.
وإسناده صحيح. فإنما محمد بن يوسف الكندي المدني الأعرج ثقة ثبت مات في حدود الأربعين ومائة وهو شيخ مالك واحتج به الشيخان.
والسائب بن يزيد صحابي معروف حج مع النبي ﷺ وهو صبي ثم إن هذا الحديث موافق لحديث عائشة ﵂ وحديث جابر بن عبد الله إلا أن الحافظ ابن عبد البر يقول: "روى غير مالك في هذا الحديث (إحدى وعشرون) وهو الصحيح ولا أعلم أحداً قال فيه إحدى عشرة إلا مالكاً، ويحتمل أن يكون ذلك أولاً ثم خفف عنهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين إلا أن الأغلب عندي أن قوله: إحدى عشرة وهْمٌ ". انتهى.
ورد الزرقاني بقوله: ولا وهم مع أن الجمع بالإحتمال الذي ذكره قريب، وبه جمع البيهقي أيضاً، وقوله إن مالكاً انفرد به ليس كما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف مثل قول مالك [٥٢] انتهى.
وقال النيموني في آثار السنن:"ما قاله ابن عبد البر من وهم مالك فغلط جداً لأن مالكاً تابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند سعيد بن منصور، ويحيى بن سعيد القطان عند أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه، وكلاهما عن محمد بن يوسف وقالا:"إحدى عشرة ".
стр. 13831
وهذه الروايات التي رويت عن عمر بن الخطاب في غاية من الصحة، وفيها ذكر لإحدى عشرة ركعة، لأن عبد العزيز بن محمد الدراوردي من الثقات أيضاً أخرج له أصحاب الستة، ويحيى بن سعيد القطان إمام في الحفظ والضبط والإتقان.
وزاد الألباني في رسالة التراويح [٥٣] فقال:" وأيضاً تابع مالكاً إسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد ومحمد بن إسحاق عند النيسابوري وإسماعيل بن جعفر المدني عند ابن خزيمة في حديث ابن حجر كلهم قالوا عن محمد بن يوسف به. انتهى.
٢- أخرج عبد الرزاق في مصنفه [٥٤] عن داود بن قيس وغيره، عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقرأون بالمئين وينصرفون عند بزوغ الفجر.
قال الشيخ المباركفوري:"إن عبد الرزاق انفرد برواية إحدى وعشرين ركعة ولم يخرجه أحد غيره فيما أعلم، وعبد الرزاق وإن كان ثقة حافظاً فقد عمي في آخر عمره فتغير كما صرح به الحافظ في التقريب، وأما الإمام مالك فبقي إماماً لدار الهجرة " [٥٥] .
والمعروف أن الحكم في المختلطين أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يؤخذ حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنهم قبل الاختلاط أو بعده، فمسألة عبد الرزاق هي من القسم الثالث وخاصة إذا خالف الثقات.
ثم هذه الرواية مخالفة للحنفية فإنه يستلزم أن يقولوا بأن التراويح ثماني عشرة ركعة، أو أن الوتر ركعة واحدة.
وأما داود بن قيس فهو الصنعاني ذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه الحافظ:"مقبول ".
стр. 13832
٢- وأخرج محمد بن نصر المروزي [٥٦] ، عن السائب بن يزيد بدون الإسناد وفيه ذكر لعشرين ركعة ومثله عند البيهقي [٥٧] بطريق أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدنيوري، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، أنبأنا عبد الله محمد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي بن الجعد، أنبأنا ابن أبى ذئب، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد..
قال صاحب مرقاة المفاتيح:"أما رواية يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد فهي عند البيهقي بوجهين في أحدهما أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، وفي الآخر أبو عبد الله الحسين بن فنجويه، ولم أقف على ترجمتهما ولم يعرف حالهما ". انتهى [٥٨] .
أقول: أما وجه أبى عثمان عمرو بن عبد الله البصري فلم أجده في السنن الكبرى وأما قوله في أبى عبد الله الحسين بأنه لم يقف على ترجمته فهو صحيح، فإني بعد البحث لم أقف على أكثر ما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمة (تمام بن أبى الحسين) اسمه فقط بدون أن يقول عنه شيئاً [٥٩] .
وقال الحافظ [٦٠] :" روى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة، وتبعه الشوكاني [٦١] فقال: رواه مالك في الموطأ والظاهر أنهما قد سهوا في ذلك فإن مالكاً لم يرو رواية يزيد بن خصيفة هذه في الموطأ ".
وقد ذكر النووي حديث يزيد بن خصيفة وعزاه إلى البيهقي وغيره ولم يعزه إلى مالك [٦٢] وهذا لا يمنع أن يروى مالك هذه الرواية في غير الموطأ، بالإضافة إلى ذلك فقد قال الإمام أحمد عن يزيد بن خصيفة: منكر الحديث مع توثيقه له في رواية الأثرم عنه [٦٣] .
ومعنى هذا أن يزيد بن خصيفة انفرد برواية هذا الأثر وهو مخالف لما رواه زملاؤه الآخرون فيكون الضعف في روايته من أجل مخالفته فقد قال الحافظ في مقدمة الفتح [٦٤] في ترجمته: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب من أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلهم. انتهى.
стр. 13833
فرواية يزيد بن خصيفة غريبة وشاذة مع صحته كما زعم به النووي [٦٥] . لأنها تخالف روايات الثقات لأن ابن خصيفة ومحمد بن يوسف كلاهما ثقتان يرويان عن السائب بن يزيد، فالأول يقول في روايته (إحدى وعشرون) والثاني (إحدى عشرة ركعة) ، فيرجح القول الثاني لأنه أوثق من صاحبه، لذا اقتصر الحافظ في وصف يزيد بن خصيفة في التقريب بقوله: "ثقة "بينما قال في وصف محمد بن يوسف "ثقة ثبت "وأيضاً محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد فلأجل قرابته للسائب يكون أعرف الناس في حديث السائب من غيره.
هذه هي خلاصة الخلاف بين يزيد بن خصيفة ومحمد بن يوسف، وقد حمل بعض علماء الحنفية على علماء أهل الحديث فنسبوا إليهم القول بتضعيف يزيد بن خصيفة معتمدين على قول أحمد فرموهم بالجهل والتعصب، والحق أن علماء أهل الحديث لم يضعفوا يزيد بن خصيفة بل رجحوا رواية محمد بن يوسف على روايته للأسباب التي مر ذكرها.
فلم ينجح في محاولة من أراد تقديم حديث يزيد بن خصيفة أو تصحيحه كما يظهر هذا جلياً من قول الشيخ اللكنوي في (الرفع والتكميل) ومنه الدكتور نور الدين عتر في (منهج النقد في علم الحديث) في باب (منكر الحديث) والله الهادي إلى سواء السبيل.
٤-روى مالك في الموطأ [٦٦] عن يزيد بن رومان أنه قال:"كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة "إلا أن فيه انقطاعا، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر بن الخطاب فإنه توفي سنة ثلاثين ومائة فلم يلق إلا صغار الصحابة كابن الزبير وأنس وعبيد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر، ولم يذكر الحافظ في (التهذيب) ، ولا السيوطي في (إسعاف المبطأ برجال الموطأ) أنه التقى بعمر بن الخطاب.
وقد نص الزيلعي [٦٧] بأنه لم يدرك عمر بن الخطاب وقال العيني [٦٨] :" سنده منقطع ".
стр. 13834
٥ - روى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أمر رجلاً يصلي بهم عشرين ركعة [٦٩] ، ويحيى بن سعيد لم يدرك عمر بن الخطاب فقد قال ابن المديني:"لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس " [٧٠] .
٦- وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن عبد العزيز بن رفيع قال:"كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث " [٧١] .
وعبد العزيز بن رفيع لم يدرك أبي بن كعب، فإنه توفي سنة (١٩ هـ) ، أو سنة (٣٣ هـ) ، وعبد العزيز توفي سنة مائة وثلاثين على أنه لم يذكر أي واحد في ترجمته أنه روى عن أبي بن كعب، إنما يروى عن صغار الصحابة وكبار التابعين [٧٢] .
٧- وروى محمد بن نصر المروزي في قيام الليل قال:"قال الأعمش: كان ابن مسعود يصلي عشرين ركعة ويوتر بثلاث، إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود ".
٨- وروى البيهقي [٧٣] عن أبو الحسناء أن علي بن أبى طالب أمر رجلاً أن يصلى بالناس خمس ترويحات، عشرين ركعة. قال البيهقى:"وفي هذا الإسناد ضعف ". انتهى.
أقول: لأن فيه أبا الحسناء وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب [٧٤] .
٩- وروى البيهقي من وجه آخر من طريق حماد بن شعيب، عن عطاء بن السائب، عن أبى عبد الرحمن السلمي، عن علي قال:"دعا القراء في رمضان فأمر منهم رجلاً يصلي بالناس عشرين ركعة وكان يوتر بهم "، وفيه حماد بن شعيب ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره [٧٥] ، وقال البخاري:"فيه نظر" [٧٦] .
وقد ذكرت آثار غير هذه ولكن يظهر من دراستها أنها لا تخلو من ضعف، فإن الآثار الصحيحة عن عمر بن الخطاب تدل على أنه أمر أبي بن كعب أن يصلي بالناس ثمان ركعات وهي موافقة لفعل النبي ﷺ ، وأما ما زاد على هذه فهي كلها ضعيفة، أو مقطوعة غير صحيحة.
стр. 13835
١.- وروى أبو داود في سننه عن الحسن أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلى لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، فإذا كانت العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته، فكانوا يقولون: ابق أبى [٧٧] ، وبطريقه رواه البيهقي [٧٨] ، وكذا ذكره الزيلعي [٧٩] عن أبي داود، بأن أبياً صلى بهم عشرين ليلة.
ثم تعمد بعض من لا أمانة له ولا ديانة، فأثبت في حاشية بعض نسخ أبي داود المطبوعة في الديار الهندية بأنه توجد في نسخ أخرى: عشرين ركعة بدلاً من عشرين ليلة، وظهر ذلك أول مرة في حاشية الشيخ محمود الحسن على سنن أبي داود وهو إمام الحنفيين في جامعة دار العلوم بديوبند، ثم جاءت خطوة أخرى فأثبتوا في المتن (عشرين ركعة) وقالوا في الحاشية "وفي نسخة عشرين ليلة"وذلك في شرح فخر الحسن على سنن أبي داود.
وأمامي الآن نسخة بذل المجهود المطبوعة في لبنان على طبع الهندية، وفي هامشها "في نسخة بدله ركعة "، كذا في نسخة مقروءة على الشيخ مولانا محمد إسحاق رحمه الله تعالى [٨٠] .
ثم هذا السند الذي ساقه أبو داود فيه انقطاع لأن الحسن البصري لم يدرك عمر بن الخطاب فإنه ولد في سنة إحدى وعشرين، ومات عمر في أواخر سنة ثلاث وعشرين أو في أوائل المحرم سنة أربع وعشرين.
١١- وعند مالك رواية أخرى عن داود بن الحصين أنه سمع لأعرج يقول:"ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان قال: وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف ".
قال ابن عبد البر:"أدرك الأعرج جماعة من الصحابة وكبار التابعين ".
وأما داود بن الحصين فهو أبو سليمان المدني الأموي مولاهم، وثقه ابن معين، وضعفه أبو حاتم وقال:"لولا أن مالكاً روى عنه لترك حديثه " [٨١] .
стр. 13836
قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات وغيرها:"قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك (يعني به رواية محمد بن يوسف، عن جده السائب بن يزيد قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة) وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ من الليل" [٨٢] .
وهذا الذي نرجحه لأنه يوافق فعل النبي ﷺ . والمسألة فيها خيار، كما قال الإمام الشافعي:"رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق "، وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ ".
القول الثالث: وهو قول الإمام مالك بأن صلاة التراويح ست وثلاثون ركعة.
وجد أهل المدينة على ذلك: وقيل: ثمان وثلاثون، فقد روى محمد بن نصر المروزي، عن ابن أيمن، عن مالك هكذا، وقال مالك:"وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة "، ثم يقول مالك:"وليس في شيء من ذلك ضيق ".
فكان يرى أن الأمر موكول إلى المصلي فهو يختار العدد المناسب حسب نشاطه، وقد قال الترمذي في سننه:"أكثر ما قيل أنها تصلى إحدى وأربعين ركعة "- يعني بالوتر-.
ولكن نقل ابن عبد البر: عن الأسود بن يزيد:"تصلى أربعين ويوتر بسبع ".
وسبب اختيار أهل المدينة ستاً وثلاثين ركعة أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافاً ويصلون ركعتين، ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة فصار المجموع ستاً وثلاثين ركعة. ذكره النووي [٨٣] وغيره. والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البيهقي: ٢/٤٩٧.
[٢] انظر المستدرك: ٢/٤١.
[٣] الكاشف: ٣/.١٦٧.
[٤] المغني: ٢/.١٤١
стр. 13837
[٥] رواه أحمد (١/١٩١-١٩٥) . والنسائي (٤/١٥٨) . وابن ماجة (١/٤٢١) .
[٦] التقريب (٢/ ٣١١
[٧] انظر: نيل الأوطار: ٢/٦.
[٨] انظر: فتح الباري: ٤/٢٥٢.
[٩] انظر: شرح معاني الآثار: ١/٣٥١.
[١٠] انظر: شرح معاني الآثار: ١/٣٤٩.
[١١] انظر: شرح فتح القدير: ١/٣٣٤.
[١٢] انظر المدونة: ١/٢٢٢.
[١٣] متفق عليه.
[١٤] شرح السنة: ٤/١١٨
[١٥] رواه أصحاب السنن: الترمذي (٢/١٦.) ، وأبو داود (٢/١.٥) ، والنسائي (٣/٨٣) ، وابن ماجة (١/٤٢.) ، كلهم بطرق عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر.
قال الترمذي: حسن صحيح.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
[١٦] انظر: تحفة الأحوذي: ٢/٥٢١.
[١٧] رواه أبو داود (٢/ ١.٦) ،وقال: ليس هذا الحديث بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف. انتهى.
قال الذهبي في الكاشف (٣/١٤.) وثّق، وضعفه أبو داود لكثرة غلطه.
وقال الحافظ في التقريب: فقيه صدوق كثير الأوهام.
[١٨] انظر: قيام الليل: (ص ١٥٥) ، بطريق خالد بن مسلم ولم يقل فيه شيئا. .
[١٩] انظر: فتح الباري: ٤/٢٥٢.
[٢٠] متفق عليه:ففي البخاري مع الفتح (٣/٣٣) ،وفي مسلم (١/٥.٩) من طبعة فؤاد عبد الباقي.
[٢١] صحيح ابن خزيمة: (٣/ ٣٤١ (
[٢٢] السنن الكبرى للبيهقي: (٣/٤٩٥ (
[٢٣] انظر: مجمع الزوائد: ٣/١٧٢.
[٢٤] فتح الباري: ٣/١٢.
[٢٥] التلخيص: ٣/٢١.
[٢٦] انظر: صلاة التراويح ص ٢١.
[٢٧] المعجم الصغير: ١/١٩. .
[٢٨] انظر: ميزان الاعتدال: ٣/٣١١.
[٢٩] انظر: الكاشف: ٢/٣٦٦.
[٣٠] انظر الخلاصة للخزرجي: ٣/١٨٢.
[٣١] انظر الكاشف ٣/٢٩٢.
[٣٢] انظر: ٢/٤٢. من فيض الباري.
стр. 13838
[٣٣] انظر: مرقاة المفاتيح ٢/٢٢٤-٢٢٥.
[٣٤] انظر عمدة القارئ ٧/٢.٤.
[٣٥] انظر شرح فتح القدير ١/٣٣٤.
[٣٦] صنف ابن أبي شيبة ٢/٣٩٤.
[٣٧] الكبير ١١/٣٩٣.
[٣٨] البيهقي ٢/٤٩٦.
[٣٩] انظر: نصب الراية ٢/١٥٣.
[٤٠] انظر المعجم الكبير ١١/٣٩٣.
[٤١] انظر مجمع الزوائد: ٣/١٧٢.
[٤٢] انظر شرح فتح القدير: ١/٣٣٣.
[٤٣] انظر سنن البيهقي ٢/٤٩٦.
[٤٤] انظر فتح الباري ٤/٢٥٤.
[٤٥] انظر معارف السنن ٥/٥٤٧.
[٤٦] المصدر السابق ٥/٥٥.
[٤٧] انظر فتح الباري ٤/٢٥.
[٤٨] انظر فتح الباري ٤/٢٥٣.
[٤٩] انظر النهاية في غريب الحديث: ١ / ١. ٦.
[٥٠] الموطأ مع شرحه التنوير ١/١. ٥
[٥١] السنن الكبرى ٢/٤٩٦
[٥٢] شرح الموطأ للزرقاني ١/٣٥٤
[٥٣] صلاة التراويح: ص ٥٣.
[٥٤] المصنف: ٤/٢٦. .
[٥٥] انظر تحفة الأحوذي: ٣/٥٢٧.
[٥٦] انظر: قيام الليل: ص ١٥٧.
[٥٧] السن الكبرى: ٣/٤٩٦.
[٥٨] ٢ / ٣٣٣.
[٥٩] انظر: تذكرة الحفاظ: ٣ / ١.٥٧.
[٦٠] انظر. فتح الباري: ٤/٢٥٣.
[٦١] انظر، نيل الأوطار:٣ / ٦٣.
[٦٢] انظر: شرح المهذب: ٣ / ٥٢٧.
[٦٣] انظر: ميزان الاعتدال: ٤/٤٣..
[٦٤] ص ٤٥٣.
[٦٥] شرح المهذب ٣/٥٢٧.
[٦٦] الموطأ: ١/١.٥ مع التنوير
[٦٧] نصب الراية: ٢/١٥٤
[٦٨] انظر عمدة القارئ: ١١/١٢٦
[٦٩] المصنف: ٢/٣٩٣
[٧٠] تهذيب التهذيب: ١١/٢٢٣
[٧١] المصنف: ٢/٣٩٣.
[٧٢] راجع ترجمتهما في تهذيب التهذيب. وتهذيب الكمال.
[٧٣] السنن الكبرى: ٢/٤٩٧.
[٧٤] التقريب: ٢/٤١٢
[٧٥] انظر الجرح والتعديل: ١/٢/١٤٢.
[٧٦] التاريخ الكبير: ٢/١/٢٥.
стр. 13839
[٧٧] أبو داود: ٢/١٣٦باب القنوت في الوتر.
[٧٨] السنن الكبرى: ٢/٤٩٨.
[٧٩] أنظر نصب الراية: ٢/١٢٦.
[٨٠] انظر بذل المجهود في حل أبي داود: ٧/٢٥٢.
[٨١] انظر الجرح والتعديل: ١/٢/٤.٩.
[٨٢] انظر فتح الباري: ٤/٢٥٤.
[٨٣] انظر: شرح المهذب: ٣/٥٢٧.
стр. 13840
في المشارق والمغارب
للشيخ عبد الله بن أحمد قادري
(الحلقة الخامسة)
إلى سورابايا:
ودعنا الأخوة بعد زيارة معهد المسلمين متجهين إلى مدينة سورابايا التي تبعد عن معهد كونتور مائتي كيلومتر وكانت طريقنا- كالعادة- في وسط الغابات والمزارع والقرى منتشرة بين المدن وكأننا نسير في مدينة واحدة لكثرتها وكان الشارع مزدحماً بالسيارات على اختلاف أشكالها كأننا في شارع داخل مدينة والفلاحون يعملون. هذا يحرث وهذا يحصد وهذا يغرس وهذا يزرع وهذا يحمل.
والفواكه على جانبي الطريق لا تلتفت يمنة ويسرة إلا وترى أشجاراً موقرة بأنواع منها المعروف ومنها غيره والأنهار الجارية منها الكبير ومنها الصغير. وكنا مع كثرة التعب تارة نتمتع بتلك المناظر الطيبة وتارة نتمتع بالنوم. وقد استغرقت هذه الرحلة ساعتين وخمسة عشرة دقيقة وكان وصولنا في الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً. ونزلنا في فندق (....) وكان بقية يومنا هذا يوم راحة لحاجتنا إليها.
لا بأس بتبادل المنافع:
١٢ /٩/١٤٠٠هـ.
في الساعة التاسعة صباحاً تجولنا في أسواق سورابايا، ثم انقسمنا إلى قسمين:
قسم فشل في الرجوع إلى الفندق هو أنا والشيخ عبد القوي. وقسم فضل زيارة حديقة الحيوان، وهو الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز والابن عبد البر، وجاءنا عبد الله بالنكتة التالية قال: كان عبد البر يتفرج على القرود وكانت القرود تتفرج على عبد البر قلت كيف كانت الثانية؟
قال كانت ملابس الناس كلهم عادية عند القرود أما لباس عبد البر: الثوب الطويل والطاقية والغترة فكانت غريبة ولذلك كانت القرود لا تلتفت إلى الناس بل صوبت أبصارها إلى عبد البر. قلت: لا بأس بتبادل المنافع.
خواطر ومقترحات:
في هذا اليوم والذي قبله جالت بذهني بعض الخواطر والمقترحات أسجلها فيما يلي:
стр. 13841
١- ينبغي أن تقوم بعض المؤسسات الإسلامية كالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتأليف كتب في تعليم اللغة العربية لغير العرب وتَسجيلها في أشرطة (كاسيت) أو اسطوانات أو أشرطة فيديو. وإهدائها للمؤسسات الإسلامية المهتمة بتعليم اللغة العربية.
٢- القيام ببرنامج مستمر لتعليم اللغة العربية في إذاعة تخصصها المملكة العربية السعودية يستفيد منها العالم الإسلامي في كل مكان، وكذلك في التليفزيون وتهدى أفلامه إلى تلك المؤسسات الإسلامية.
٣- إهداء كتب إسلامية باللغة العربية وغيرها للجامعات الإسلامية والمعاهد والمدارس الإسلامية.
٤- تسجيل أناشيد إسلامية تتضمن شرح مبادئ الإسلام أو تثير الحماس في نفوس أبناء المسلمين، وشراء الكتب والدواوين التي تشتمل على أمثال تلك الأناشيد أو طبعها وتوزيعها كذلك على المؤسسات الإِسلامية لتكون مادة حفظ النصوص الشعرية لأن الشباب يرغب في ذلك وفيه صرف له عن سماع ما لا يليق كالموسيقي والأغاني التي وجدنا الشعب الإندونيسي مغرماً بها وعن طريقها يستميل أعداء الإِسلام الشباب لإِغوائه.
٥- توزيع المصاحف المسجلة للمؤسسات الإِسلامية والمساجد.
٦- بناء قاعات محاضرات عامة ملحقاً بها مرافق نشاطات مختلفة ومساجد ومدارس ووقفها على المسلمين للاستفادة منها. وقطع الطريق على النصارى الذين يغرون الشباب بأمثالها من مرافق النشاط عندهم.
٧- فتح مراكز لتعليم اللغة العربية في المدن الكبرى على غرار المركز العربي السعودي لتعليم اللغة العربية في جاكرتا التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية.
٨- تخصيص مدرسين لبعض الجامعات الإسلامية حكومية كانت أو أهلية باسم مدرس اللغة العربية ممن يكونون مؤهلين في اللغة العربية والمواد الإسلامية للنهوض بتلك الجامعات والمعاهد في هذا المجال.
стр. 13842
٩- إقامة دورات تدريبية لمدرسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية في بلدانهم.
١٠- استضافة بعض المدرسين من الجامعات الإسلامية والمعاهد ولا سيما مدرسي اللغة العربية والمواد الإِسلامية للإحتكاك بمدرسي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ومثيلاتها والوقوف على مواد الكليات والمعاهد هنا وحضور الدروس في الفصول وإقامة ندوات خاصة بهم للإستفادة منها.
١١- بعث أعداد كبيرة من المصحف الكريم لتوزيعه على القراء أو طبع تلك الإعداد في البلد الذي يراد توزيعه على أهله لأنه أقل تكلفة وأضمن توزيعاً.
١٢- البحث عن الكتب المترجمة إلى اللغات المحلية من الكتب الإِسلامية النافعة وطبعها في داخل البلد وتوزيعه.
١٣- الإستعانة ببعض طلبة الجامعات في ترجمة بعض الكتب العربية إلى لغاتهم لطبعها وتوزيعها.
١٤- منح بعض المؤسسات الإِسلامية حافلات لنقل طلابها إلى المدارس والمعاهد والجامعات وفي الرحلات ...
١٥- بناء مساكن وفصول دراسية للمعاهد الإِسلامية لإيواء الطلاب ودراستهم.
١٦- توزيع فتاوى ابن تيميه على الجامعات والمكتبات.
في مسجد الفلاح:
في الساعة الخامسة جاءنا الأستاذ مصري واصطحبنا إلى مسجد الفلاح واستقبلنا مدير المسجد الشيخ عبد الكريم فتناولنا الإفطار وصلينا المغرب ثم ذهبنا إلى منزل الحاج عبد الكريم لتناول طعام العشاء، وقد أخبرنا بعض العلماء هناك إن منزل الحاج عبد الكريم يعتبر مأوى للعلماء والزوار لسورابايا من داخل إندونيسيا وخارجها وكان الرجل من كبار تجار إندونيسيا وعضواً في مجلس الشعب وهو الآن مرتاح لأنه كبير وقد أصيب بكسور في حادث في المملكة العربية السعودية في إحدى حجاته.
وأخبرنا أن ابن أخيه طبيب وهو الآن في سجن جاكرتا- ويرقد في المستشفى- وكان سبب سجنه غيرته على دينه وعدم صبره على انتهاك حرمات هذا الدين.
стр. 13843
وبعد أن تناولنا طعام العشاء ذهبنا إلى المسجد فصلى بنا إمام المسجد العشاء وصلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح. ثم طلب مني أن ألقي محاضرة فكان عنوانها: كيف ربى رسول الله ﷺ أصحابه (وكان المقصود بها الشباب) .
١- رباهم على العبودية الكاملة لله ومحبة الله ورسوله وطاعتهما المطلقة.
٢- التضحية بالنفس والمال في سبيل الله، وضربت لذلك أمثلة:
أ- مصعب بن عمير مدرساً وحاملاً لراية الجهاد وشهيداً.
ب- أسامة قائد الجيش فيه أبو بكر وعمر.
ج- ابنا عفراء اللذان قتلا أبا جهل.
د- الفدائيون الذين قتلوا رؤس الكفر ابن أبى الحقيق، وعبد الله بن عتيك وكعب بن الأشرف.
هـ- محمد بن القاسم فاتح السند.
ثم ذكرت الشباب (وأغلب المصلين وهم يملؤون المسجد شباباً) بواجبهم في تحمل المسئولية والإقتداء بهؤلاء الفتية في رفع كلمة الله، وأنه لا يجوز أن يقتدي بالشباب الفاسد الذي رباه الغرب على عداوة الله ورسوله وأصحابه ودين الإسلام الذين يستحون أن يذكر الإِسلام عندهم وأن المسلم عكس ذلك يفتخر أن يكون مسلما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وكان من بين الحاضرين معنا في منزل الحاج عبد الكريم وفي المسجد الحاج باى عارفين وهو من العلماء المشهورين في إندونيسيا ذو حماس وغيرة على الإِسلام وذو تأثير في نفوس الشباب كما حكى لنا غير واحد وله ما يزيد على ثلاثين مؤلفاً إسلامياً في موضوعات مختلفة تهتم بتوعية الشباب وتثقيفهم، وقد أهدى لنا بعض تلك المؤلفات ومنها ترجمة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وطلب منا الحاج عبد الكريم أن نتناول طعام السحور في منزله أيضاً وأن ألقى محاضرة بعد صلاة الفجر في نفس المسجد فلبينا طلبه.
مفهوم العبادة في الإسلام
١٣/٩/١٤٠٠هـ
стр. 13844
تناولنا الطعام السحور في منزل الشيخ عبد الكريم وصلينا الفجر في مسجد الفلاح صلى بنا الشيخ عبد القوي ثم طلب أن يقرأ على المنبر بعد صلاة الفجر، ثم ألقيت محاضرة تتضمن مفهوم العبادة الشامل الذي جاء به القرآن والسنة وفهمه الصحابة والسلف الصالح بعدهم وأنه يترتب على هذا المفهوم الإستكثار من الطاعة وعظيم ثواب الله وأن هذا المفهوم الشامل قد ضاق عند كثير من الناس فترتب عليه أن حرموا أنفسهم من الإستكثار من طاعة الله ومن عظيم الثواب.
وماذا أفعل إذا كان البحر نزل؟.
стр. 13845
كنت في كل مدينة يقع البحر بجوارها- أوهي تقع على شاطئه- أحاول ألا أغادر تلك المدينة إلا بعد الخروج إلى البحر لأرسم لها وله صورة في ذهني فاتفقنا على أن نذهب إلى شاطئ البحر في الساعة الثالثة والنصف وكان هذا الوقت وقت خروج الفترة الثانية من طلبة المدارس لأن كثرة الإندونيسيين تضطرهم لذلك: فوج يدرس في الصباح وآخر في المساء فكانت الشوارع مزدحمة ازدحاماً جعل سيارتنا كأنها غاصت في رمال خبت البقر (وهي صحراء ذات رمال مثل الجبال في جنوب المملكة العربية السعودية الغربي مشهورة من قديم الزمان بالخطر على المسافرين مشاة وركاباً لقلة مياهها وسكانها وطول مسافتها نسبياً حتى قال أحد المسافرين بعد أن نجا من الموت لشدة العطش والجوع: إذا أعدتك- أي إذا عدت إليك- يا خبت البقر سمنى الثور) . كانت السيارات كثيرة والدراجات العادية والنارية والعربات التي تجرها الخيول وعندما وصلنا إلى البوابة التي يدخل الناس منها إلى الشاطئ استقبلتنا فتاة قبض الضرائب فأخذت مالها، فلم نجد إلا سبخة جافة لا يرى ماء البحر على مدى البصر، فقلت لعبد الله باهرمز: أهكذا تتعبنا في هذا الزحام وتدفع ضريبة ثم نأتي فلا نجد البحر؟ قال: وماذا أفعل إذا كان البحر نزل- فرجعنا نتذكر المثل: أحشفاً وسوء كيله. وكان عبد القوي يضحك مرتاحاً، لأني أنا السبب في هذا السفر الطويل إلى بحر لم نجده.
زيارة مسجد المجاهدين:
أسس هذا المسجد سنة (١٩٥٣ م) وتتبعه مدارس تبدأ بالروضة (روضة الأطفال) ثم الثانوية العامة والثانوية الدينية والعالية الدينية.
وبعد صلاة العشاء ألقيت محاضرة (بعنوان: الجليس الصالح وجليس السوء) ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي صلاة التراويح واجتمعنا مع المسئولين في هذا المسجد وذكر لنا أن ثلاث مقاطعات في إندونيسيا يستبسل أهلها في نصرة الإِسلام والدفاع عنه أكثر من المقاطعات الأخرى وهى:
стр. 13846
١ - أتشه في سومطرة الشمالية.
٢- بوقس فى سولاديس (ومنها الحاج عبد الكريم) .
٣- مادورات في جاوة الشرقية.
ثم زرنا الحاج عبد الكريم وودعناه لأنا عزمنا على السفر غداً صباحاً.
وارتاح المؤتمرون:
نشر في إحدى الجرائد المسيحية أن الرئيس سوهارتو افتتح المؤتمر المسيحي البروتستانتي الدولي الذي بلغ عدد وفوده ستة آلاف وفد وأنه صرح في كلمته بأن لكل صاحب دين الحق أن يدعو إلى دينه بكامل الحرية أهل الأديان الأخرى وأن المؤتمرين ارتاحوا لهذا التصريح وصفقوا كثيراً له وأنه بذلك ألغى قراراً لوزير الشئون الدينية أصدره قبل سنة يمنع فيه أن يدعو صاحب دين آخر إلى دينه أو تغيير صاحب دين دينه إلى دين آخر وكان المسيحيون آنذاك قد صرحوا بأنهم لا يستطيعون الإلتزام بقرار وزير الشئون الدينية لأنهم مكلفون بهداية القطعان الضالة.
خاطرتان:
١- العرب يتحملون مسئولية عظيمة أمام الله تعالى في التمسك بالإسلام والقدوة الحسنة للآخرين، لأن أبناء الشعوب الإِسلامية من غير العرب يحسنون الظن بهم كثيراً، ولذلك رأيناهم يرغبون رغبة شديدة في قراءة أي كتاب يصدر ويجدونه باللغة العربية وكذلك الجرائد والمجلات التي ينتشر في كثير منها السم الفكري والمبادئ الهدامة وهي صادرة من بلدان غربية منحرفة نظمها عن عقيدة الإسلام ومبادئه.
٢- زيارة علماء المملكة العربية السعودية للمسلمين في البلدان الإِسلامية أو غيرها ترفع معنوياتهم، ولذلك ينبغي تكرر هذه الزيارات، وينبغي أن يصحبها مساعدات مادية، لأن أهل الأديان الأخرى يقدمون إعانات ملموسة.
إلى بالى:
стр. 13847
أقلعت بنا الطائرة من مطار سورابايا إلى جزيرة بالى (مطار مدينة دمباسار) في الساعة العاشرة صباحاً- بدلاً من التاسعة- وكان الجو صحواً يتخلله قزع من السحاب والأرض كلها خضراء مليئة بالقرى التي تتناثر مساكن أهلها بين المزارع والغابات. وبدت جبال مرتفعة تغطيها الغابات كنا نقعد في مقدمة الطيارة. وكان الباب المؤدى إلى غرفة القيادة مفتوحاً، فجعلت أنظر إلى القائد وهو يمد يده يمنة ويسرة حتى استوت الطائرة فإذا هو يفك رباطه، وأخذ يكتب وكأنه على مكتبة في الأرض وكنت أود أن استمر في النظر إلى الغرفة بما فيها من أدوات وما يصنع القائد في بعض الأحيان، ولكن المضيفة قفلت الباب بعد أن قدمت له طعام الإفطار، فلما اقفل الباب رجعت أطل من النافذة كعادتي لأرى عجائب صنع الله، فكنت أرى الجبال والبحار والجزر والغابات والقرى وكانت مدة الطيران من سورابايا إلى مطار دمباسار في جنوب جزيرة بالى ثلاثين دقيقة. وصلنا المطار في الساعة العاشرة والنصف.
واستقبلنا في المطار أبو عبد الله: سعيد بن عبد الرحمن باهرمز، وهو حضرمي الأصل من مواليد اندونيسيا ذكر لنا أن أباه هاجر إلى هذه البلاد ثم ذهب إلى بلاده (حضرموت) وتوفي هناك. والشيخ سعيد يتكلم اللغة العربية بطلاقة قال: كان أبي عالماً وداعية وقال أني قليل العلم ولي أمل في أن يخلف عبد الله جده وأشكركم على العناية به وبتعليمه وتربيته وأني سأبعث إليكم أخاه ليتلقى العلم والتربية في المدينة المنورة كأخيه.
стр. 13848
ولما كنا في طريقنا للفندق كان هو وابنه عبد الله يشيران لنا إلى معابد الهندوك حيث يوجد في كل بيت معبود من دون الله وسألناه عن حالة هؤلاء الوثنيين فقال: إنهم متعصبون لدينهم ولكنهم يظهرون تسامحاً مع المسلمين ويأخذون ببعض العادات الإسلامية وأنهم نشطون جداً في العمل، فهم يزرعون السهول والجبال وأن مثقفيهم بدأوا يشكون في صحة دينهم ولو وجد الدعاة المسلمون الأكفاء لدخل كثير منهم في دين الإسلام وقال: إن المحافظ أصبح الآن منهم (أي من الهندوك) بعد أن كان من قبل من المسلمين ويبلغ عدد المسلمين في هذه الجزيرة ستة في المائة (٦%) فقط والنصارى (١%) واحد في المائة والأكثرية هم الهندوك. ورأينا في شوارع المدينة السائحين الأجانب (وهم من أوربا وأمريكا واستراليا واليابان والصين وغيرها) . بكثرة رجالاً ونساءً ويمشون شبه عرايا لا يلبسون إلا السراويل القصيرة. وكانت الفنادق كذلك مزحومة، فقد اختير لنا النزول بأحد الفنادق فلم نجد فيه مكاناً واتصل الأخ عبد الله بعدد من الفنادق فلم نجد إلا في فندق القصر فنزلنا فيه.
وكنا نرى الصور المجسمة تنتشر في كل مكان: على الشوارع العامة والشوارع الفرعية، وأمام المنازل والفنادق وفي داخل القاعات بأشكال مختلفة، وبعض الأوثان المعبودة يلبسونها بالأقمشة بإزار وخمار.
واتصل الأخ عبد الله باهرمز ببعض المسلمين وأخبرهم أنا موجودون وأننا نحب زيارتهم فاتصل أحد الأشخاص هاتفياً فأجابه الشيخ عبد القوي فقال له: إن خطاب عبد الله قادري سيكون الليلة في مسجد النور.
وبعد أن أفطرنا زكى عبد الله باهرمز أحد المطاعم فقال: انه مطعم إسلامي وزكاه كذلك بان طعامه لا يكثر فيه الفلفل.
стр. 13849
فذهبنا إلِى هذا المطعم فوجدنا التزكية الأولى صحيحة بدليل أن المطعم لا يرتاده إلا عدد قليل جداًَ، أما التزكية الثانية فقد استعجل عبد الله هداه الله، وبعد تناول طعام العشاء في هذا المطعم رجعنا إلى الفندق فجاءنا بعض الشباب من المسلمين بسيارتهم لنقلنا إلى مسجد النور وكان قائد السيارة وصاحبها هو الشاب موسى حسين سرو يعمل في تجارة النظارات وكنا متفقين مع الأخوة أن فضيلة الشيخ عبد القوي يصلى التراويح (وكان هدفنا من صلاة الشيخ بالناس هو تعليمهم كيفية الصلاة والقراءة، لأن كثيراً من الناس يسرعون في صلاتهم ويقرأون سوراً قصيرة) وكان أئمة المساجد التي نزورها يقدمونه بأنفسهم عندما يعلمون أنه حافظ لكتاب الله ويجوده ويفرحون بذلك ولكن إمام هذا المسجد رفض التنازل للشيخ عبد القوي- وله الحق في ذلك لأنه إمام المسجد ونحن ما كنا نطلب من الناس التنازل ولكنهم كانوا هم يرغبون وقد ينبه بعض الناس الإمام فيلبى- ولكن عندما تقدم الإمام يصلى بالناس التراويح بدا لي السبب في رفضه، فقد كان سريعاً في صلاته يتكلف أن يقرأ قراءته جيدة وأخطاؤه كثيرة وكان يقرأ بعد الفاتحة سورة قصيرة في الركعة الأولى وكذلك في الثانية إلا أنها غير مرتبة فيقرأ مثلاً سورة الماعون في الركعة الأولى وفى الثانية سورة النصر وفى الثالثة سورة الهمزة وفى الرابعة سورة الكوثر وهكذا. وبعد أن صلى بالناس أخذ الميكرفون وجعل يتحدث مرحباً بالضيوف مرة باللغة العربية وأخرى بالإندونيسية ويكرر نفس الكلام لمدة لا يقل عن نصف ساعة ثم طلب مني أن أتقدم لإلقاء الخطاب كما قال وأراد أن يترجم ولكني رفضت لأن لغته العربية ركيكة جداً وأسلوبه ثقيل على النفس فقلت له: إن الأخ عبد الله باهرمز هو المترجم فوافق وكنت محرجاً في إلقاء هذه الكلمة لأنه قد أطال على الناس وهم ينتظرون بعد اللقاء كلمتي صلاة التراويح.
стр. 13850
وكان الحديث متضمناً بيان دعوة الرسل وأنها لتثبت عقيدة التوحيد وعبادة الله وحده ونفى الشرك عنه وأن الذي منحه الله هذه العقيدة عليه مسئولية عظيمة في إنقاذ غيره من ظلمات الكفر، إقتداءً بالرسل ﵈ الذين كان الصراع بينهم وبين أممهم سببه هذه الدعوة وأن محمداً ﷺ كان خاتمهم ولذلك فقد أصبحنا نحن المسئولين عن البشرية كلها لإخراجها من الظلمات إلى النور وأن على المسلمين في هذه البلاد أن يقووا إيمانهم وإيمان أبنائهم بالله وبرسوله وأن يحصنوهم من الشرك بالله والمعاصي وأن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله ويبينوا للوثنين فساد الأديان الأخرى غير دين الإِسلام.
وبعد صلاة التراويح قال الإمام: ألآن يتقدم عبد القوي ليقرأ آيتين- وسكت قليلاً ثم قال- فأكثر فهمنا أن الرجل ما كان يريد أن يسمع الناس غير قراءته لأنه يخشى أن تقل مرتبته عندهم وكان هذا فهماً خطأً منه هداه الله.
مذهب الشيخ في التبرك بآثار الصالحين:
أخذ الناس يتزاحمون علينا لمصافحتنا، وأراد أحدهم أن يتبرك ببعض آثار الشيخ عبد القوي (وهي الحقيبة التي في يده وكان بها الجوازات والتذاكر وجميع شيكاتنا ونقود نفقاتنا) فأخذ هذا الرجل يجر الحقيبة وأخذ الشيخ جزاه الله خيراً يتمسك بهذه الحقيبة فلم ينجح ذلك المخرف في تخريفه ولو نجح في تبركه لعطل حركتنا كلها فالحمد لله رب العالمين.
من أساليب الدعوة:
ثم خرجنا مع الأخوة نتجول في السوق بالسيارة وما كان عندهم شيء يشيرون إليه إلا معابد الهندوك فسألناهم هل عندكم خطة لدعوة هؤلاء إلى الإِسلام؟ فقالوا: نعمل جهدنا ومن خططنا أن نزوج بعض شبابنا من بناتهم بصدد دخولهن في الإِسلام. فإذا أسلمت الفتاة وتزوجها الشاب المسلم أثر ذلك على أقاربها فيسلم بعضهم.
стр. 13851
وكذلك نذهب إلى القرى فندعوهم إلى الإِسلام فيدخل بعضهم في الإِسلام ولكن ذلك قليل والجهود غير كافية.
وسألناهم كيف يكون حال من دخل في الإسلام؟ قالوا: أن كثيراً منهم يكونون أكثر تعصباً للإسلام بعد إسلامه من بعض المسلمين. وكنت قلت للشيخ عبد القوي أن هذه البلاد في حاجة إلى وقت أطول ولو كان عندنا فسحة من الوقت لكان البقاء أفضل فقال: نعم ولكن مهما كان هذا الوقت الذي نقضيه لا يؤدي واجب الدعوة إلا إذا كان لمدة سنتين فأكثر يعلم فيها الشباب الإِسلام ويدرب على كيفية الدعوة حتى يطمأن على تمسكهم ونجاحهم في ذلك ثم يتركون وينتقل الداعية إلى مكان آخر وهكذا. وهذا ما يفعله المسيحيون إذ يصل القسيس إلى المنطقة التي يكون أهلها شبه عرايا متوحشين كما في جنوب السودان، فيلبس مثلهم ويشاركهم في عاداتهم ثم يأخذ في بث أفكاره فيهم بالتدرج حتى يقنعهم بالتخلي عنها شيئاً فشيئاًَ ولا يخرج حتى يفتح مدرسة لأبنائهم ويستمر تعليمهم فيها ثم ينتقل إلى مكان آخر فيعمل فيه ما عمله في المكان الأول وهكذا ... أما نحن وأمثالنا ممن يكون نزولهم في الفنادق وزياراتهم عابرة فإن فائدتهم في الدعوة قليلة جداً وهذا الذي قاله الشيخ عبد القوي حق وهذا يحمل المؤسسات الإِسلامية مسئولياتها تجاه تدريب الدعاة وأعدادهم لتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الله، وفى الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام مجمد بن سعود الإسلامية عدد كبير من أبناء العالم الإسلامي والبلدان كلها يمكن أن يقوموا بهذه المهمة في بلدانهم وبلغات أقوامهم. إذا اُعِدوا إعداداًَ صالحاً وربوا تربية صحيحة.
من أحق بذلك نحن أم هم؟.
стр. 13852
وذكر لنا الأخوة أن الزلازل تكثر في هذه البلاد وأنها تحدث خسائر في الأرواح والممتلكات وتهدم البيوت وقد تذهب بعض القرى وإذا حدث شئ من ذلك يأتي المسيحيون من استراليا وأمريكا وأوروبا فيقدمون المساعدات لإخوانهم المسيحيين وقد يساعدون أيضاً بعض المسلمين ولكن المسلمين لا يرون أحداً يأتي لمواساتهم ومساعدتهم، قال بعض الأخوة: إلا أن المملكة العربية السعودية عندما حدث زلزال ١٩٧٦ م في بالى ساعدت كل مسجد من المساجد المتضررة بألفي ريال تقريباً.
قلت: من أحق بالبر والبذل والمواساة نحن المسلمين أم أولئك الكفار الذين يمدون يد العون حتى لإخواننا المسلمين؟.
ومن أجدر بالدعوة العملية في المواساة أهل الدين الحق أم أهل الأديان المنحرفة؟.
إلى سنجا راجا
١٥/٩/١٤٠٠ هـ.
في الساعة العاشرة من صباح اليوم غادرنا مدينة دمباسار في جنوب جزيرة بالى إلى مدينة سنجا راجا في شمالي الجزيرة في سيارة يقودها شاب كان شيعياً ولكنه تاب من مذهب الشيعة وانضم إلى السنة وأسمه محمد، وكنا نرى في شوارع مدينة دمباسار قبل خروجنا منها الأوثان التي يأتي إليها الهندوك بالفواكه والزهور يضعونها على رفوف عمد قريبة من الوثن تقرباً إليه ويومئون برؤسهم وأيديهم وبعد الخروج من المدينة دخلنا في المزارع التي لا يرى الرائي الشمس إلا نادراً منها لكثرة الأشجار (وأغلبها مثمرة) على جانبي الطريق وينتشر باعة الفواكه بجانبي الطريق وهي أنواع كثيرة لا نعرف إلا القليل منها.
стр. 13853
فوقفنا عند أحد الباعة وقد مد طاولته الخشبية بجانب الطريق أمام منزله ووضع على الطاولة عينات من الفواكه الموجودة عنده والأشجار المثمرة بجانبه تتدلى بها الفواكه ويخير المشتري إن أراد أن يأخذ من الفواكه المقطوعة التي على الطاولة وإن شاء أن يختار من الفواكه التي لازالت معلقة في أشجارها وكان من الفواكه الموجودة شجر الباباى ذي النكهة اللذيذة المفضلة عندي وكانت إحدى شجراته تحمل ما يزيد عن خمسة وعشرين حبة وسألت كم تحمل الشجرة من هذه الحبات؟ ... فقالوا: منها ما يحمل عشرين ومنها ما يحمل ثلاثين وبعضها قد تحمل خمسين حبة. والحبة تختلف في الصغر والكبر قد تزن الحبة الواحدة عشرة كيلوجرام. وأخذنا منه ما نريد ثم واصلنا السير.
стр. 13854
ثم دخلنا بعد ذلك في غابات كثيفة وجبال شاهقة تكسوها تلك الغابات وكانت السحب تغازل تلك الغابات وتعانقها في قمم الجبال، وتلتف حولها في الأسفل وكأنها تطمئن تلك الغابات وتبشرها بالخير والمطر المدرار في وقته الذي يأذن الله به وكان قائد السيارة يشير إلى بعض الأشجار التي يعرف أسماءها ونحن نعرف قليلاً وأكثرها لا نعرفه ومما عرفناه البن والقرنفل. ثم قربنا السائق في طريق جانبي على اليمين إلى ساحة كبيرة بين الجبال مملوءة بالماء فقلنا ما هذا؟ ... قالوا: هذا حوض. قلت: هل تتجمع هذه المياه من سيول هذه الجبال؟ قالوا: بل ينبع الماء من القعر ويتبقى هكذا طول الوقت وفيه قوارب صغيرة يستعملها السائحون ورغب الابن عبد البر في الركوب ولكني قلت له: أنى أكره الوقوف في هذا المكان لأن الأجانب يرتادونه بكثرة وبملابس غير لائقة وقال عبد الله في داخل هذا الماء أشجار شبيهة بالحيوان إذا لمست جسم أحد انطوت عليه وأنزلته إلى القعر فيكون قبره وكنت أظن ذلك خرافة ولكنهم أيدوا ذلك كلهم. وكانت الطريق تتلوى بنا مثل الثعبان حتى كنا في دقائق نسير إلى الجهات الأربع حيث نمشى إلى جهة ثم نكر راجعين إلى الجهة المقابلة وهكذا كانت الطريق:-
نمشى حتى نكاد نلتقي بالنقطة التي كنا فيها ثم نرجع حتى نكاد نلتقي بالنقطة الأخيرة وهكذا. وكانت خطيرة بسبب ذلك وبسبب ضيق الطريق إلا أن السيارات كانت قليلة فيها وليست مزدحمة كما هي العادة في مناطق أخرى من أندونيسيا وفى رأس الجبل وجدنا سوقاً تباع فيه الفواكه والزهور المختلفة بأسعار رخيصة جداً وقفنا قليلاً ثم واصلنا السير وكان الطقس بارداً كأنه مكيف.
ألا تصدقوني:؟
стр. 13855
مررنا بمكان تنتشر فيه القردة بجانبي الطريق كباراً وصغاراً ولا تفر من السيارات ولا من الناس، بل تبقى في مكانها تأكل الثمار، والناس يتفرجون عليها، فقال الابن عبد البر: أبويه- أي يا أبي- أريد آخذ قردة فقلت: ماذا تريد به؟ قال: آخذه إلى المملكة أربيه هناك. فقلت لا داعي لذلك. فقال عبد الله بن سعيد باهرمز. لا تأخذ فإنها ستتبعنا إلى سنجاراجا، قلت له كيف ونحن في السيارة وهى تسير بسرعة يصعب على القرود متابعتها وكنا في منتصف الطريق تقريباً بيننا وبين سنجاراجا ما يقرب من أربعين كيلومتراً قال: تجرى حتى تلحق بنا. فقلت: ما أظن. فقال منفعلاً منكراً: أما تصدقوني؟ قلنا: صدقناك.
لا أبالي:
كان قائد السيارة يتحدث تارة باللغة العربية قلت له: أين تعلمت اللغة العربية؟.
قال: في معهد كونتور ولكن لم أكمل الدراسة. قلت له: من أي طوائف الشيعة أنت. قال: من بوهرة ولكني لا أتبع مذهبهم بل ارتضيت مذهب أهل السنة قلت: وأهلك. قال لا يرغبون منى ذلك ولكن بعضهم أيضاً ارتضى مذهب أهل السنة وترك مذهب الشيعة وأنا لا أبالي إني لا أعتقد أنهم على حق.
ثم أخذنا في الإنحدار من الجبل إلى الأسفل وبدأت الحرارة ترتفع وكان وصولنا إلى سنجاراجا في الساعة الواحدة ونزلنا في فندق (جارودا) وهو بناء شعبي عادي، يكثر به البعوض الذي أقل راحتنا على الرغم من حاجتنا إليها.
على شاطئ البحر:
стр. 13856
وبعد صلاة العصر جاء إلينا الأخ عبد الله باهرمز الذي أعطي فرصة لزيارة أهله لمدة ثلاث ساعات تقريباً لأن هذه المدينة مسقط رأسه وبها منزله وأسرته، وخرجنا إلى شاطئ البحر وهو قريب جداً من الفندق، وأقرب إلى منزل عبد الله فمكثنا هناك إلى غروب الشمس ثم رجعنا لتناول طعام الإفطار في منزل عبد الله وفى طريقنا إلى البحر رأينا الهندوكيين وهم يحملون قرابينهم على رؤوسهم إلى أحد أصنامهم يقدمونها له ويعبدونه من دون الله، وهذا ما دفعنا لمذاكرة أمر دعوتهم ثم زيارة زعيمهم في المدينة كما سيأتي إن شاء الله الحديث عنه.
في منزل الشيخ سعيد باهرمز:
وبعد أن صلينا المغرب جاء إلينا بعض الطلبة الأندونيسيين الذين يقومون بالدعوة إلى الله في هذه الجزيرة الوثنية بين إخوانهم الشباب من المسلمين فتحدثنا معهم وشرحوا لنا ما قاموا به ولازالوا مستمرين فيه وإقبال أبناء المسلمين على الدعوة واستجابتهم لها. وأن الجهل يسيطر عليهم ولكن عواطفهم تدفعهم للإستفادة العاجلة.
وإن من أساليب دعوتهم أنهم يجمعون الشباب في المساجد ويتحدثون معهم ويلقون فيهم محاضرات ويقرؤنهم القرآن ويعلمونهم الصلاة وبعض الأذكار باللغة العربية ويختارون من يرونه أسرع استيعاباً ويجتهدون في تعليمه أكثر من غيره ليقوم هو بتعليم أهله وزملائه وأنهم وزعوا بعض الكتب الإسلامية، وشكا الإخوة من عدم وجود ما يساعدون به أهل البلدة من شراء بعض الأخشاب وبناء مساجد صغيرة أوترميم مساجد متهدمة فقلنا لهم:عليكم أن تجتهدوا في التعليم وإثارة الحماس في نفوس الناس لدينهم وسيوفقهم الله لمساعدتكم في البناء بأنفسهم وكانت هذه تسلية للإخوة الذين يشاهدون آثار مساعدة المسيحيين لقومهم القلة في هذه البلدة.
стр. 13857
وكان أن الحاضرين معنا في هذه الجلسة المدعو عبد الله بن أحمد معاشر وهو حضرمي الأصل- وغيره من أهل المدينة الذين هم من أصل عربي- وتذاكرنا موضوع الحفاظ على أبناء المسلمين من الذوبان في هذا المجتمع الوثني فذكر الأخ عبد الله معاشر- وهو على علم بمبادئ الدين طيب ويرغب في المذاكرة والقراءة قال: إن المحاولة حاصلة ولكنها ليست على المستوى المطلوب وأملنا- بعد الله- في خريجي الجامعة الإسلامية كبير بأن يقوموا بالدعوة والتعليم ونحن نقوم ببعض الدروس في الأسبوع وكذلك في الإحتفالات الدينية كالإسراء والمعراج والمولد النبوي وغيرها فقلنا لهم إن واجبكم الإستمرار في التعليم والدعوة وينبغي أن تكون الدروس في المساجد مستمرة وأن تتعاونوا في إغراء أبنائكم بحضور هذه الدروس وأن تعقدوا احتفالات عامة- على شبه ناد أو ندوات تدعون إلى حضورها أبناءكم والهندوكيين يسمعوا كلمة الإِسلام وتقوم الحجة عليهم بشرح أركانه ومبادئه لأن دعوتهم واجبة وهم يعبدون الأوثان. فذكروا لنا أن اجتماعات تعقد لأهل االأديان الأربعة هنا وهي، الإسلام والهندوكية والبوذية والنصرانية، وكل جماعة يشرحون دينهم. قلت لهم: ولكن عليكم أن تبينوا لهؤلاء الناس أن دينكم هو الدين الذي لا يقبل الله سواه من الأديان لأنها كلها باطلة وأن تقيموا الحجة على ذلك لتنقذوا هؤلاء الضالين من الشرك بالله.
ثم حضرنا المسجد المسمى بالتقوى فصلينا العشاء وألقيت محاضرة في الحاضرين تضمنت شرح كلمة التوحيد التي دعا إليها كل الرسل وأن علينا أن نفهمها ونعمل بمقتضاها وأن نمكن نفوس أبنائنا من فهمها والعمل بها وأن ندعوا إليها الآخرين وأن على الآباء والعلماء أن يعلموا أبناءهم وعلى الأبناء أن يجتهدوا في تعلم الدين من آبائهم وأساتذتهم وكان الحاضرون في غاية الإنصات والتأثر.
стр. 13858
ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح وقرأ بعد ذلك ما تيسر من القرآن بطلب منهم وقام إمام المسجد فأبدى سروره بهذه الزيارة وشرح مبدأ جماعة المسجد وهو التمسك بالإِسلام الذي ينبني على الكتاب والسنة ونبذ الخرافات وقال: أننا سنحاول تطبيق نصائحكم وطلب منا إبلاغ المسئولين في المملكة العربية السعودية أن أبناء هذه البلاد ينتظرون منهم المساعدة بالكتب والمدرسين والمساعدة في بناء المدارس ووضع المناهج.
أعيدوا النظر يا دعاة الإِسلام:
إن الجهود المبذولة للدعوة إلى الله في أرض الله- وإن كانت قليلة ويجب بذل الوسع في المزيد منها- هذه الجهود ظهر لنا أنها تسير بدون تخطيط علمي دقيق وبدون تنظيم مفيد وتنفيذها عشوائي في الغالب وكذلك يجب على المؤسسات الإسلامية أن تعيد النظر في أساليبها المتخذة حالياً للدعوة إلى الله بإتباع الأمور التالية:
١ ـ ينبغي أن تنسق المؤسسات الإِسلامية فيما بينها في إطار مجلس واحد يسمى مجلس شئون الدعوة الإسلامية- مثلاً- يمثل هذا المجلس كل المؤسسات الإِسلامية في داخل المملكة العربية اَلسعودية بداية لمجلس دعوة عالمي هذه المؤسسات هي الجامعة الإِسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي وجامعة أم القرى وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويكون مقر عام يختار له رجال أكفاء مهمتهم جمع المعلومات عن العالم الإسلامي، وتنسيقها وترتيبها في بحوث يرجع إليها عند الحاجة.
стр. 13859
٢ ـ يختار عدد من الأساتذة والطلبة ويبعثون في الإجازات الصيفية إلى بلدان العالم الإسلامي لجمع المعلومات ومعرفة أحوال المسلمين والجمعيات الإِسلامية المتمسكة بالإسلام، والمؤسسات الإِسلامية التي تحتاج إلى مساعدة، والبلدان التي يوجد بها دعاة والبلدان التي لا يوجد بها أحد منهم. ومعرفة المدن والقرى التي تحتاج إلى بناء مساجد أو ترميمها والإطلاع على الجهات التي توجد بها جامعات ومعاهد ومدارس وحاجة هذه الجامعات والمعاهد والمدارس إلى مدرسين أو كتب أو وضع مناهج أو منح دراسية والجهات التي توجد بها مدارس ويمكن إنشاء مدارس فيها لأبناء المسلمين.
٣ ـ التخطيط لبعث الدعاة والمدرسين المقيمين والمساعدات المادية وغيرها والبدء بالأهم وبذلك يمكن إيصال الدعوة إلى أغلب البلدان الإِسلامية وغير الإِسلامية على خطط علمية مدروسة وتنظيم دقيق:
٤ ـ ينبغي أن تعقد دورات في كل قطر للدعاة إلى الله الذين يبتعثون من المملكة على رأس كل سنتين على الأقل يقوم بهذه الدورات علماء الدعوة الإِسلامية من داخل المملكة وخارجها ليطلعوا على ما يقوم به هؤلاء الدعاة في الأقطار ويوجهوهم ويحلوا لهم مشكلاتهم وبذلك يكون المؤسسات على علم بما يقوم به الأفراد التابعون لها وإذا لم يمكن إقامة دورات في تلك الأقطار فيمكن إقامتها في إحدى الجامعات بالمملكة.
٥ ـ يجب أن لا يكدس الدعاة في بلد واحد وفى مؤسسة واحدة مع وجود فراغ في بلدان أخرى أو مؤسسات، بل ينبغي توزيعهم لتقوم الحجة بهم في كل مكان قدر الإستطاعة.
أين الإسعاف؟
стр. 13860
والمسلمون في سنجاراجا بالذات يبلغ نسبتهم ٤٠% من السكان ولهم بعض المدارس الأهلية التي كان الطلبة المسلمون مقبلين إليها حتى فتحت المدارس الحكومية التي يوجد فيها من النظام والإمكانات البشرية والمادية مالا يوجد في الأولى وعندئذ بدأوا يتركون المدارس الأهلية وينضمون إلى المدارس الحكومية. وإذا لم تسعف هذه المدارس الإسلامية بتحسين المباني ووضع المناهج الجيدة التي تجمع بين المواد الإِسلامية والمواد الحكومية المفيدة، وكذلك بالأساتذة الذين يقومون بالتدريس متفرغين فإنها يخشى عليها أن تتوقف، فأين الإسعاف؟
دعوة زعيم الهندوكيين في سنجاراجا إلى الإِسلام:
أكد لنا الأخوة المسلمون في جزيرة بالى تسامح الهندوكيين معهم واحترامهم ومساعدتهم مادياً في بعض شئونهم كبناء المساجد وترميمها والإحتفالات الدينية قالوا وكثير من عامتهم مقتنعون بالإِسلام ولكنهم يتمسكون بدينهم تقليداً لمتبوعيهم ويصرح بعضهم بأنهم إذا دخل زعيمهم في الإِسلام فإنهم سيدخلون فيه أيضاً. وأثنوا على زعيمهم في هذه المدينة بأنه يتعاطف كثيراً مع المسلمين. فطلبت منهم أن يضربوا لنا معه موعداً في هذا اليوم لنلتقي به ونشرح له الإِسلام وندعوه إلى التوحيد ونشكره على تعاطفه مع المسلمين.
فرحب بالزيارة عندما بلغوه رغبتنا، وزرناه في الساعة التاسعة صباحاً في مكتبه، وشكرناه على حسن معاملته للمسلمين وأخبرناه بموقف النجاشي من المسلمين عندما هاجروا إلى بلاده من إيذاء قومهم إياهم في بدء الرسالة في مكة وأن الرجل أسلم وحسن إسلامه وصلى الرسول ﷺ عليه صلاة الغائب وأن ذوي العقول النيرة إذا شرح لهم دين الإِسلام تقربه عقوله ويدخلون فيه وقد كان هذا على مدار تاريخ الإِسلام واقعاً فقد أسلم كثير من أهل الكتابين في القديم والحديث وكذلك الوثنيون في فارس والهند وغيرها.
стр. 13861
وبينا له أننا إنما جئنا إليه طمعاً في أن ينقذه الله تعالى بالإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضى الله به غيره وأن رسالة هذا الدين عالمية يجب على كل الناس الإيمان بها وأن الحجج والبراهين المقنعة قد قامت على كون هذا الدين هو الحق وما سواه باطل. كما قامت على صحة رسالة الرسول ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، وأن هذا القرآن حق منزل من عند الله تحدى الله به الأنس والجن أن يأتوا بمثله فلم يقدروا على ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة، وأن سبيل الجنة التي يطمع فيها أهل الأديان كلها هو هذا الدين فقط وأن النجاة من النار لا تكون إلا لأهله وأن كل جزئية من جزئيات الإِسلام تدل على أنه حق، ويكفي أن الأمم التي حاربته قد دخلت فيه ولا يزال المنصفون من أعداء الإسلام ينطقهم الله بالحجة إلى أنفسهم.
ولذلك فنحن رغبة في إنقاذكم من النار ودخولكم الجنة أنتم وأتباعكم جئنا ندعوكم إلى الله والدخول في هذا الدين حتى يكون لكم أجركم وأجر أتباعكم ولا تتحملوا وزركم ووزرهم بعدم الدخول في هذا الدين.
стр. 13862
وقلت له:" إن هذا الرجل- يعنى الشيخ عبد القوي- يحفظ القرآن كله وهناك آلاف المسلمين يحفظونه كما أنزله الله لا تحريف فيه ولا يقدر أحد على تحريمه ولو كنت تفهم اللغة العربية وسمعت منه وصف الجنة ونعيم أهلها ووصف النار وعذاب أهلها لطرت شوقاً إلى الأولى بلا اله إلا الله محمد رسول الله، وهربت خوفاً من الثانية بترك عبادة غير الله تعالى ونحن نرغب أن تدخلوا في دين الله في أسرع وقت لأن الإنسان لا يدري متى يقتاده الموت إلى قبره والموت على غير الإسلام يورث الحسرة والألم والخلود في النار ونرغب في أن نكون أمة واحدة ندعوا إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكان يظهر السرور بكل ما يسمع وأجاب أنه قد قرأ ترجمة القرآن الكريم ووجد أن ما تقوله له موجود في القرآن وأنه يعرف أنه حق وقال: إنني أتابع الآذان وتعجبني ألفاظه وقال إننا نأسف لقصر زيارتكم وكنا نود لو تأخرتم عندنا أكثر. فاعتذرنا بارتباطنا وإننا إذا جئنا مرة أخرى إلى أندونيسيا سنحاول زيارته ووعدنا ببعث كتب إسلامية إليه مترجمة وغير مترجمة.
وهنا يجب أن نقولها صريحة: أن المؤسسات الإسلامية- على الرغم مما تبذله من جهود في سبيل الدعوة إلى الله- مقصرة في التخطيط والتنظيم والتنفيذ لهذه الدعوة وأن بعث دعاة حكماء مدربين ملمين بالأديان المقارنة مزودين بالحجج المقنعة مثقفين ثقافة عصرية مع الفقه في الدين يلتقون بأمثال هذا الزعيم مع حمل الكتب المترجمة إلى اللغة المحلية لأي بلد لجدير بفتح الباب أمامهم للدخول في دين الله تعالى.
стр. 13863
وإذا لم يدخلوا في أول الأمر فيمكن عقد صلات معهم تكون سبباً للدخول فيه مستقبلاً وأن على الدعاة إلى الله أن يكونوا أعزة بدينهم يدعون إليه العظماء في قومهم كالسوقة كما كان يفعل الرسول ﷺ وما الذي يمنع الداعية المسلم من دعوة رؤساء الأديان بل وزعماء الحكومات ماداموا ضالين عن منهج الله لعل الله يشرح صدورهم لهذا الدين.
وقد بعثنا لهذا الزعيم ترجمة المصحف الكريم وتفسيره باللغة الأندونيسية وسنوالي مراسلته لعل الله تعالى يهديه. وهذا عنوانه ينقل مما كتبه في مذكرتي بيده:
ثم ودعناه قائلين: السلام على من اتبع الهدى (لم تترجم له هذه) وكان وداعه لنا حاراً نسأل الله له الهداية والتوفيق.
وغادرنا مدينة سنجاراجا في الساعة العاشرة إلا عشرين دقيقة ووصلنا إلى مدينة دمباسار في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً في دكان عم عبد الله باهرمز أخي أبيه. ثم خرجنا إلى المطار في الساعة الواحدة والنصف. وفي الساعة الثانية والنصف صعدنا إلى الطائرة.
التدخين سم قاتل
стр. 13864
المدمنون على شرب الدخان بشراهة زائدة يعرضون رئتهم للتلف المبكر ويصابون بهبوط في وظائف الرئة وهبوط في القلب ... والنتيجة معروفة حتماً ... وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التدخين يسبب تهيجاً في الأغشية المخاطية للشعب الهوائية فيحدث النزلات الشعبية المزمنة وبنسبة حدوث النزلات الشعبية بين المدخنين أضعاف أَضعاف نسبتها لدى غيرهم. كما ثبت أن التدخين يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الدم، كما يزيد من تركيز الدهنيات في الدم ويؤدي إلى الإصابة بتصلب الشرايين عامة والشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب بوجه خاص والتدخين فوق كل هذا يرفع ضغطاً الدم ويحدث إسراعاً في نبض القلب ولذلك فهو يجهده ويزيد عمله وفي أولئك المصابين بتصلب الشرايين التاجية قد يسبب التدخين حدوث آلام الذبحة الصدرية وذلك ما يسمى بـ: ذبحة النيكوتين.
كرة القدم
يلفت النظر في جمهور كرة القدم حبه الشديد للفريق الذي يشجع وتضحياته الكبيرة من أجله.. أي أنه جمهور منتمي.. والإنتماء إلى فريق معناه التضحية بالمال والنفس.. ونحن نسمع أن فلاناً تبرع لناديه بكذا مليون ريال ليقيله من عثرته، بينما لا نجد اسم هذا الفلان في قوائم المتبرعين للجمعيات الخيرية أو المجاهدين الأفغان وهذه تضحية بالمال.
ونسمع أن علانا لا يبالي أن ينزل إلى وسط ملعب الكرة في وقت الشدة ليضرب الحكم أو يضرب اللاعبين حتى لوأدت تلك الغارة الهوجاء بحياته، وهذه تضحية بالنفس، بينما لا يمارس معظم الناس أو بعضهم حبهم لبلادهم بتلك القوة وبتلك التضحيات.
стр. 13865
ويلفت النظر في جمهور كرة القدم أيضاً.. أنه جمهور غيور فهو لايقبل أن ينتهك قانون الكرة مطلقاً، فهو يثور ويهز الملعب إذا ارتكب لاعب خطأ في غفلة من الحكام، ويقف في وجه الحكم ويقول له لا.. إذا تغاضى عن خطأ، بينما يقف الناس يتفرجون على أولئك الذين يغتالون قواعد القانون العام أو يعبثون بمصالح البلاد والعباد. فمثلاً نحن نرى الناس في أسبوع النظافة وغير أسبوع النظافة يقذفون ببقايا الساندويتشات وعلب البيبسى من نوافذ سياراتهم في وسط شوارع المدينة الكبيرة ولا نجد أحدنا يقول لهذا المعتدي على نظافة المدينة.. عيب، ونرى الناس يخالفون أبسط قواعد المرور، وبإمكاننا أن نلفت أنظار هؤلاء إلى خطأ ما يفعلون ولكن أحد منا لا يكلف نفسه عناء أن يقول لهؤلاء عيب.
في الأسبوع الماضي أردت أن أمارس دور المواطن الصالح أوقفت سيارتي لأعتب على أحدهم وهويهم باقتلاع غرسة من حديقة عامة.. استسلم المخطيء لقولي وأخذ ينفض الطين من يديه ويعود إلى سيارته.. لكن بعض الوقوف من الناس تساءلوا على مسمع.. فيما إذا كنت من رجال البلدية.. أو من.. وحين لا أكون كذلك فمعنى موقفي أني إنسان فضولي أو متطفل.
أتمنى أن يكون اندفاع الناس في حب بلادهم وتضحياتهم من أجلها كاندفاعهم في حب الكرة ونحوها.
محمد عمر العامودي
следующие страницы →