← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

وبينا له أننا إنما جئنا إليه طمعاً في أن ينقذه الله تعالى بالإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضى الله به غيره وأن رسالة هذا الدين عالمية يجب على كل الناس الإيمان بها وأن الحجج والبراهين المقنعة قد قامت على كون هذا الدين هو الحق وما سواه باطل. كما قامت على صحة رسالة الرسول ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، وأن هذا القرآن حق منزل من عند الله تحدى الله به الأنس والجن أن يأتوا بمثله فلم يقدروا على ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة، وأن سبيل الجنة التي يطمع فيها أهل الأديان كلها هو هذا الدين فقط وأن النجاة من النار لا تكون إلا لأهله وأن كل جزئية من جزئيات الإِسلام تدل على أنه حق، ويكفي أن الأمم التي حاربته قد دخلت فيه ولا يزال المنصفون من أعداء الإسلام ينطقهم الله بالحجة إلى أنفسهم. ولذلك فنحن رغبة في إنقاذكم من النار ودخولكم الجنة أنتم وأتباعكم جئنا ندعوكم إلى الله والدخول في هذا الدين حتى يكون لكم أجركم وأجر أتباعكم ولا تتحملوا وزركم ووزرهم بعدم الدخول في هذا الدين.

стр. 13862

وقلت له:" إن هذا الرجل- يعنى الشيخ عبد القوي- يحفظ القرآن كله وهناك آلاف المسلمين يحفظونه كما أنزله الله لا تحريف فيه ولا يقدر أحد على تحريمه ولو كنت تفهم اللغة العربية وسمعت منه وصف الجنة ونعيم أهلها ووصف النار وعذاب أهلها لطرت شوقاً إلى الأولى بلا اله إلا الله محمد رسول الله، وهربت خوفاً من الثانية بترك عبادة غير الله تعالى ونحن نرغب أن تدخلوا في دين الله في أسرع وقت لأن الإنسان لا يدري متى يقتاده الموت إلى قبره والموت على غير الإسلام يورث الحسرة والألم والخلود في النار ونرغب في أن نكون أمة واحدة ندعوا إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكان يظهر السرور بكل ما يسمع وأجاب أنه قد قرأ ترجمة القرآن الكريم ووجد أن ما تقوله له موجود في القرآن وأنه يعرف أنه حق وقال: إنني أتابع الآذان وتعجبني ألفاظه وقال إننا نأسف لقصر زيارتكم وكنا نود لو تأخرتم عندنا أكثر. فاعتذرنا بارتباطنا وإننا إذا جئنا مرة أخرى إلى أندونيسيا سنحاول زيارته ووعدنا ببعث كتب إسلامية إليه مترجمة وغير مترجمة. وهنا يجب أن نقولها صريحة: أن المؤسسات الإسلامية- على الرغم مما تبذله من جهود في سبيل الدعوة إلى الله- مقصرة في التخطيط والتنظيم والتنفيذ لهذه الدعوة وأن بعث دعاة حكماء مدربين ملمين بالأديان المقارنة مزودين بالحجج المقنعة مثقفين ثقافة عصرية مع الفقه في الدين يلتقون بأمثال هذا الزعيم مع حمل الكتب المترجمة إلى اللغة المحلية لأي بلد لجدير بفتح الباب أمامهم للدخول في دين الله تعالى.

стр. 13863

وإذا لم يدخلوا في أول الأمر فيمكن عقد صلات معهم تكون سبباً للدخول فيه مستقبلاً وأن على الدعاة إلى الله أن يكونوا أعزة بدينهم يدعون إليه العظماء في قومهم كالسوقة كما كان يفعل الرسول ﷺ وما الذي يمنع الداعية المسلم من دعوة رؤساء الأديان بل وزعماء الحكومات ماداموا ضالين عن منهج الله لعل الله يشرح صدورهم لهذا الدين. وقد بعثنا لهذا الزعيم ترجمة المصحف الكريم وتفسيره باللغة الأندونيسية وسنوالي مراسلته لعل الله تعالى يهديه. وهذا عنوانه ينقل مما كتبه في مذكرتي بيده: ثم ودعناه قائلين: السلام على من اتبع الهدى (لم تترجم له هذه) وكان وداعه لنا حاراً نسأل الله له الهداية والتوفيق. وغادرنا مدينة سنجاراجا في الساعة العاشرة إلا عشرين دقيقة ووصلنا إلى مدينة دمباسار في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً في دكان عم عبد الله باهرمز أخي أبيه. ثم خرجنا إلى المطار في الساعة الواحدة والنصف. وفي الساعة الثانية والنصف صعدنا إلى الطائرة. التدخين سم قاتل

стр. 13864

المدمنون على شرب الدخان بشراهة زائدة يعرضون رئتهم للتلف المبكر ويصابون بهبوط في وظائف الرئة وهبوط في القلب ... والنتيجة معروفة حتماً ... وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التدخين يسبب تهيجاً في الأغشية المخاطية للشعب الهوائية فيحدث النزلات الشعبية المزمنة وبنسبة حدوث النزلات الشعبية بين المدخنين أضعاف أَضعاف نسبتها لدى غيرهم. كما ثبت أن التدخين يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الدم، كما يزيد من تركيز الدهنيات في الدم ويؤدي إلى الإصابة بتصلب الشرايين عامة والشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب بوجه خاص والتدخين فوق كل هذا يرفع ضغطاً الدم ويحدث إسراعاً في نبض القلب ولذلك فهو يجهده ويزيد عمله وفي أولئك المصابين بتصلب الشرايين التاجية قد يسبب التدخين حدوث آلام الذبحة الصدرية وذلك ما يسمى بـ: ذبحة النيكوتين. كرة القدم يلفت النظر في جمهور كرة القدم حبه الشديد للفريق الذي يشجع وتضحياته الكبيرة من أجله.. أي أنه جمهور منتمي.. والإنتماء إلى فريق معناه التضحية بالمال والنفس.. ونحن نسمع أن فلاناً تبرع لناديه بكذا مليون ريال ليقيله من عثرته، بينما لا نجد اسم هذا الفلان في قوائم المتبرعين للجمعيات الخيرية أو المجاهدين الأفغان وهذه تضحية بالمال. ونسمع أن علانا لا يبالي أن ينزل إلى وسط ملعب الكرة في وقت الشدة ليضرب الحكم أو يضرب اللاعبين حتى لوأدت تلك الغارة الهوجاء بحياته، وهذه تضحية بالنفس، بينما لا يمارس معظم الناس أو بعضهم حبهم لبلادهم بتلك القوة وبتلك التضحيات.

стр. 13865

ويلفت النظر في جمهور كرة القدم أيضاً.. أنه جمهور غيور فهو لايقبل أن ينتهك قانون الكرة مطلقاً، فهو يثور ويهز الملعب إذا ارتكب لاعب خطأ في غفلة من الحكام، ويقف في وجه الحكم ويقول له لا.. إذا تغاضى عن خطأ، بينما يقف الناس يتفرجون على أولئك الذين يغتالون قواعد القانون العام أو يعبثون بمصالح البلاد والعباد. فمثلاً نحن نرى الناس في أسبوع النظافة وغير أسبوع النظافة يقذفون ببقايا الساندويتشات وعلب البيبسى من نوافذ سياراتهم في وسط شوارع المدينة الكبيرة ولا نجد أحدنا يقول لهذا المعتدي على نظافة المدينة.. عيب، ونرى الناس يخالفون أبسط قواعد المرور، وبإمكاننا أن نلفت أنظار هؤلاء إلى خطأ ما يفعلون ولكن أحد منا لا يكلف نفسه عناء أن يقول لهؤلاء عيب. في الأسبوع الماضي أردت أن أمارس دور المواطن الصالح أوقفت سيارتي لأعتب على أحدهم وهويهم باقتلاع غرسة من حديقة عامة.. استسلم المخطيء لقولي وأخذ ينفض الطين من يديه ويعود إلى سيارته.. لكن بعض الوقوف من الناس تساءلوا على مسمع.. فيما إذا كنت من رجال البلدية.. أو من.. وحين لا أكون كذلك فمعنى موقفي أني إنسان فضولي أو متطفل. أتمنى أن يكون اندفاع الناس في حب بلادهم وتضحياتهم من أجلها كاندفاعهم في حب الكرة ونحوها. محمد عمر العامودي

стр. 13866

ردود ومناقشات إِنكار الجِنِّ للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم مدرس بالمعهد الثانوي من شطحات التفسير الموضوعي للقرآن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين. وبعد فإن هناك شطحات أشد غرابة في التفسير الموضوعي للقرآن أوضحها فيما يلي: عندما تعرض الدكتور لتفسير سورة الجن اصطدم إنكاره بآيات هذه السورة التي كشفت بوضوح تام عن موقف الجن من الإِسلام ويتلخص ذلك الموقف فيما يلي: ١- أن الرسول ﷺ أوحى الله إليه بما كان من أمر الجن عندما استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن. ٢- استماع النفر من (الجن) للقرآن. ٣- إيمانهم بوحدانية الله وتبرؤهم من الشرك الذي كانوا عليه من قبل وإذعانهم برسالة المصطفى ﷺ . ٤- انطلاقهم إلى قومهم دعاة منذرين.

стр. 13867

إذن فالأمر هنا ليس قاصراً على ورود كلمة (الجن) ولو كان الأمر كذلك لكان من اليسير على الدكتور أن يصرفها عن معناها الحقيقي إلى شيء من المعاني المبتكرة التي ادعاها لكلمة الجن ولكن الأمر هنا ليس سهلاً فكيف يصنع الدكتور ليوفق بين إنكاره للجن وهذه السورة التي سميت بهم وتكلمت عن عالمهم بكل هذا الوضوح؟ لابد إذن من تفكير وتدبير لكي يصل الدكتور إلى مخرج- وأعمل فكره ثم أعمل خياله وبدا له أنه وجد الإِنقاذ في فكرة عَنَّت له فسرعان ما أبرزها بل واعتبرها نظرية لم يسبق إليها وكأنى به قبل أن يصل إلى إبراز نظريته يتساءل لماذا لا يفترض أن الجنَّ قسمان جن (أصلي) وجن (ملحق به) أو سمه مجازياً أو مزيفاً.. ولندع الدكتور يوضح لنا قصة الجن في نظره.

стр. 13868

يقول: "الجن موجود قطعاً وهم قوى مخلوقة من نار صافية ولذا كانوا قوى روحية. وعالم الجن قائم إلى يوم البعث لا مرية فيه"لقد ظننت عندما قرأت هذين السطرين أن الدكتور رجع من الإنكار إلى الإقرار ولكن سرعان ما تبدد هذا الظن عندما قرأت السطر الثالث وما تلاه. قال الدكتور:"أما موجوداته الأصلية فهي طبائع الملائكة وهي العناصر الخيرة، وطبيعة إبليس كذلك وهو العنصر الشرير"إذن فهذا هو عالم (الجن) الأصلي وليس هناك عالم ناري عاقل سوى ما ذكر الدكتور!! وما هو الجن (الملحق) أو المزيف- كما ينبغي أن يوصف؟ فيجيبنا الدكتور: "ويدخل في عالم الجن- ملحقاً بطبائعه الأصلية مَنْ يتخفى مِن عالم الإِنسان في إيمانه وكفره وفى خيره وشره باعتبار أن هذا الذي يتخفىَّ غير ظاهر وغير مرئي وذلك كشياطين الجن. فإنهم من الإِنسان، يخفون شرهم وكيدهم لدين الله وللمؤمنين به، وصدهم عن سبيل الله. وجاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ أي الشيطان وهو إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أي هو وأعوانه من الشياطين ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ لأن إبليس بحكم طبيعته من عالم الجن، وأعوانه بحكم تخفيهم في الشر ألحقوا بهذا العالم وأصبحوا شياطين الجن. ومثل هذا الفريق الشرير من الناس في إلحاقه بعالم الجن لتخفيه في الكفر والإِيذاء والإغراء، فريق آخر من الناس أيضاً تخفى في إيمانه ولم يظهر في تعرفه على الهداية وفى تبشيره بالدَعوة لدين الله هو هذا الفريق الذي أعلن عنه الوحي في سورة الجن في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ أي من العالم غير المرئي. ولكن ليس من القوى النّارية ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ انتهى كلام الدكتور في صفحتي ٨ و٩ تفسير سورة الجن طبعة دار

стр. 13869

الفكر. ومن الواضح أن الدكتور يزعم بأن الذين نزلت فيهم (سورة الجن) وآية الأحقاف ليس المراد بهم (الجن) الحقيقيين أي المخلوقات العاقلة النارية التي تختلف عن الملائكة كما تختلف عن الإنس بل المراد بهم جماعة من البشر الذي يخفى إيمانه (ولم يظهر في تعرفه على الهداية وفي تبشيره لدين الله) تفسير سورة الجن ص ٩. ويرجح الدكتور أن هذا النفر الذي أنزلت فيه سورة الجن وآية الأحقاف كان من أهل يثرب ثم يتحدث عن ثلاث قضايا أنها أدلة على أن المراد بالجن البشر. القضية الأولى: إيمان هذا الفريق بوحدة الله في الألوهية. القضية الثانية: حكم هذا الفريق على القرآن بعدما سمعوا منه بعض آياته بأنه كتاب مصدق لما بين يديه من التوراة. القضية الثالثة: دعوة هذا الفريق إلى الإِسلام بين قومه. وهذه القضايا الثلاث تختص- في رأي الدكتور- برسالة البشر فالبشر وحدهم المكلفون باتباع رسالة الله، راجع ص ١٠ من تفسيره المذكور. ولن أطيل في مناقشة هذه القضايا ولا النتيجة التي وصل إليها الدكتور وذلك لأنها لا تعدو أن تكون مقدمات أو قضايا لا يحكم ارتباطها بما وصل إليه من نتيجة إلا مجرد الوهم والإِدعاء والنتيجة وهي (اختصاص البشر وحدهم بالتكليف) لا دليل عليها بل الدليل يقوم على تأييد أن الرسالة والتكليف للإنس والجن. وما نحسب أن أحداً من أهل العلم الذين يعتد بهم يؤيد ما ذهب إليه الدكتور ويكفي- في رد هذا الإختصاص سواء قال به الدكتور أو غيره- قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .

стр. 13870

ولنعد إلى نظرية الدكتور عن نوعي الجن الأصلي والملحق فنقول: إن الدكتور يخلط خلطاً عجيباًَ بين الملك والجني فيدعى بأنهما عنصر واحد خلق من مادة واحدة وله طبيعة واحدة فالملائكة هم الجن والجن هم الملائكة وهذا هو الجن الأصلي أما الملحق أو الذي يسمى (تبعاً) بالجن فهم البشر المتخفون. وقد سبق أن أوردت في المقالة الأولى أن حديث رسول الله ﷺ حدَّد أن الأصل لخلق الجن هو (النار) وأن الأصل لخلق الملائكة هو (النور) وبناء على مفهوم هذا الحديث الواضح فإن الجن والملائكة نوعان مختلفان وعالمان متمايزان وكلام الدكتور حول اتحاد جوهر النار والنور لا يقدح في كونهما عالمين ذلك لأن الخلق لنوعين أو أكثر من جوهر واحد أو عنصر متحد ليس مثيراًَ للإستغراب مادام الخلق بقدرة الخالق الباريء المصوِّر . ولعلنا نستأنس ببيتي الشاعر: من نطفة ومن علق سبحان الذي خلق من حماة الطين (الحدق) سبحانه مصوراً فما أبعد ما بين كدر الطين وصفاء العين ولكنها قدرة الله الذي قال في كتابه ﴿هَذَا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (لقمان: ١١) . الجن عالم والملائكة عالم آخر:

стр. 13871

وما كنت أحسب أنني في حاجة إلى التفريق بين الجن والملائكة لأن هذا الأمر لا يشك فيه أحد ولكنَّ دعاوى الدكتور محمد البهي جعلت الحاجة ماسة للإستدلال في كتاب الله سبحانه ومن السنة النبوية على اختلاف عالمي الجن والملائكة، وسأورد الآيات والأحاديث التي تفصل وتبين أن لكل عالم من العالمين المتمايزين صفات تناقض صفات الآخر مناقضة تامة وليس هناك سمة مشتركة ولا طبيعة متحدة بين العالمين عالم الملائكة وعالم الجن الذي منه الشياطين وأعوذ بالله منهم وإلى قاريء هذا المقال أولاً الآيات التي جاء فيها وصف الملائكة وتليها الأحاديث ولا أشك في أن القاريء يعرف هذه الأدلة فلتكن له من باب التذكير. قال الله تعالى مخبراً عن لزوم الملائكة لطاعته: ﴿لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦) . وقال سبحانه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٦، ٢٧) فهل عالم الجن بما فيهم الشياطين تنطبق عليهم هذه الصفة؟! يقول الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في كتابه (عقيدة المؤمن) :"إن الملائكة منزهون عن الأغراض البشرية كالجوع والمرض والأكل والنوم والتعب وما إلى ذلك فقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك بدلالة الالتزام إذ أخبر الله تعالى عنهم بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٠) ولازم ذلك أنهم لا ينامون ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتعبون " [١] . فهل يرى الدكتور شبهاً بين الملائكة الذين يسبحون الله ليلاً ونهاراً وبين الجن ومنهم الشياطين قبيل إبليس؟!

стр. 13872

والملائكة منهم حملة العرش المسبحون بحمد ربهم المستغفرون للمؤمنين قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: ٧) فهل يحمل الجن العرش، ويسبحون الله ويحبون التائبين عن المعاصي ويستغفرون لهم؟! فهل يرى الدكتور في الشياطين أحباباًَ للمؤمنين؟! والملائكة يلعنون الكافرين الذين ماتوا بكفرهم.. يقول الشيخ الجزائري في عقيدة المؤمن: "وإنهم ليلعنون من لعنه ربهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة: ١٦١) (عقيدة المؤمن ٢٠١) فهل ترى لهذه الصفة مكاناً بين الشياطين؟!

стр. 13873

والملائكة تقاتل مع المؤمنين في سبيل الله. يقول الشيخ عمر سليمان الأشقر في كتابه (عالم الملائكة الأبرار) صفحة ٦٢ "وقد أمدَّ الله المؤمنين بأعداد كثيرة من الملائكة في معركة بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: ٩) ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ, إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ, بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٣-١٢٥) ويقول الأشقر في صفحة ٦٣ "وقد حاربت الملائكة في مواقع أخرى ففي غزوة الخندق أرسل الله ملائكته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ (الأحزاب: ٩) والمعنى بالجنود التي لم يروها الملائكة كما ثبت في الصحاح وفي غيرها أن جبريل جاء الرسول ﷺ بعد رجوع الأحزاب وعلى ثنايا جبريل النقع (الغبار) وكان الرسول ﷺ يغتسل فقال للرسول ﷺ : "أوضعتم سلاحكم فإنا لم نضع سلاحنا بعد"فقال:" إلى أين؟ "فأشار إلى بني قريظة"فهل يمكن أن تتصف الجن والشياطين بما تقدم من جهاد وتثبيت للمؤمنين في حربهم مع الكافرين؟! وإذا كانت الملائكة تتنزل على المرسلين فإن الشياطين تتنزل على كل أفاك أثيم. وبعد هذا نذكر قليلاً من الأحاديث التي تكشف عن صفات الملائكة وأعمالهم وأخلاقهم وذلك لأن الأحاديث في هذا الباب كثيرة فإلى القاريء بعضها.

стр. 13874

١- يقول الأشقر في كتابه (عالم الملائكة الأبرار) :"وكل الله بكل إنسان قريناً من الملائكة وقريناً من الجن ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ :"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا:"وإياك يا رسول الله ". قال:"وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"ولعل هذا القرين من الملائكة غير الملائكة الذين أمروا بحفظ أعماله قيضه الله ليهديه ويرشده. وقرين الإنسان من الملائكة وقرينه من الجن يتعاوران الإنسان - هذا يأمره بالشر ويرغبه فيه وذاك يحثه على الخير ويرغبه فيه فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٨) . فهل يمكن أن يختلط أمر الملائكة بالشياطين بعد هذا الكلام المبين؟! وهل يمكن أن يكون الإيعاد بالشر ثم الإيعاد بالخير فعل مخلوق واحد أو صفة مخلوقات من عنصر واحد ونوع واحد أم هما عنصران ونوعان.

стр. 13875

والملائكة يُحبون المؤمنين يقول الشيخ أبو بكر الجزائري في صفحة ٢٠١ من عقيدة المؤمن: "إن الملائكة تحب حباً يليق بحالهم، وحسب ذواتهم فقد دل الدليل الشرعي على أنهم يحبون ففي الصحيحين "إن الله تعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل إن الله قد أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض" اللؤلؤ والمرجان (٣/ ٢٠٥-٢٠٦) والبخاري (٩/ س ١٧٣-١٧٤) ومسلم (٨/٤٠-٤١) . أما عالم الجن فهو (نوعان شياطين لا خير فيهم البتة وجن منهم الصالح ومنهم الفاسد فحالهم كحال الناس منهم البر والفاجر ومنهم المؤمن ومنهم الكافر بيد أن الشياطين أصله من الجن وذلك لأن إبليس كان من الجن لإخبار القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... الآية﴾ (الكهف: ٥٠) . ولما أبلس الشيطان وطرد من الرحمة الإلهية وانقطع عن الخير كلية كانت ذريته مثله بحكم الوراثة لا خير فيهم أصلاً فلا يعرفون إلا الشر ولا يدعون إلا إليه"عقيدة المؤمن ص ٣ ٢١.

стр. 13876

والشيطان ليس فرداً واحداً هو إبليس بل معه ذريته وقبيله من الشياطين وليس هناك مبرر على الإِطلاق يسوغ للدكتور تأويل معنى (الذرية والقبيل) بما ذكره في ص ١٧ من تفسير سورة الجن (شياطين الجن وهم من البشر تخفُّوا ويتخفون في مباشرة الشر للناس، والصد عن سبيل الله وهؤلاء شياطين الجن هم أعوان إبليس وقبيله وهو معهم يرون الناس والناس لا يرونهم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: ٢٧) وشياطين الجن أشبه بالخلايا السرية التي تعمل تحت الأرض وفي الخفاء على تقويض الإِيمان بالله، والكيد للمؤمنين فهم من الناس ولكنهم متخفون في مباشرتهم للكيد والصد عن سبيل الله) وبهذا التأويل الذي يجنح للتحريف المقصود أوّل الدكتور قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ وإنما لجأ الدكتور لكل هذا (التخريف) بالخاء المعجمة ليدعم نظرية الجن الأصلي والجن الملحق لأن هذه النظرية الغريبة هي الأساس الموهوم الذي يبنى عليه دعوى إنكار الجن كعالم موجود ومقابل لعالم الملائكة والإنس. ولنمض في تمييز عالم الجن عن الملائكة والإنس بما وصفه به خالقه ومصوره وبما وصفه به الرسول الكريم في أحاديثه ﷺ يقول الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ فالآية نص على أن إبليس من الجن وليس من الملائكة كما قال الدكتور في حديثه عن موجودات عالم الجن الأصلي ص ٨ من تفسيره.

стр. 13877

ويقول الله سبحانه مخبراً عن الجن الذين استمعوا للقران من رسول الله ﷺ ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً, وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ فهل يصلح هذا الوصف (للملائكة) ؟ هل منهم القاسطون الذين يكونون لجهنم حطباً؟ وهل تصلح آيات سورة الجن التي وصفت ما كان عليه عالم الجن قبل أن يسلموا لله ولرسوله ﷺ لعالم الملائكة؟ أو هل تصلح لأن تكون وصفاً لمن سماهم الدكتور بالملحقين بعالم الجن من (البشر) الأوس والخزرج كما ادعى؟ يقول سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾ ويقول : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ويقول: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ اللهم إنها ليست وصفاً لملائكة ولا لبشر. ولقد اتعب الدكتور نفسه في التحريف عندما تعرض لتأويلها وسنعرض بعض تأويله فيما يأتي بمشيئة الله سبحانه. ولكنني أسأل هل كان رجال من الإِنس (الأوس) يعوذون بجهنم؟! وهل كانوا يلمسون السماء ويقول الله في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ... ﴾ (الأعراف: ٢٧) . ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ (فاطر: ٦) . ويقول الله في كتابه مبيناً عداوة إبليس وذريته من الشياطين لبني آدم ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (الكهف:٥٠) . فهل يفتن الملائكة الناس في دينهم؟ وهل يعادى الملائكة الناس؟ وهل يحذر الله المؤمنين من الملائكة ويأمرهم بعداوتهم؟ ولماذا؟ اللهم ليس هذا من صفات الملائكة الذين يحبون المؤمنين ويستغفرون للتائبين.

стр. 13878

ولقد بيَّن الله أن لكل إنسان قريناً وأوضح الرسول ﷺ هذا الأمر في أحاديثه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (مريم: ٨٣) وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (الحجر: ٣٩-٤٠) وجاء بيان الرسول ﷺ لأمر القرين وافياً شافياً وذلك في أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ "ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"قالوا:"وإياك يا رسول الله". قال:"وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير" (مسلم: ٨/١٣٩) فهل لهذا علاقة ما بملك من ملائكة الرحمن الذين لا يعصون الله ما أمرهم؟ وقد بينت الأحاديث أن من صفات الملائكة الحياء وأن من سماتهم أنهم يكرهون الروائح الخبيثة كرائحة البصل والثوم وغيرهما مما له رائحة كريهة ونهى الرسول ﷺ عن دخوله بيوت الله بمثل هذه الروائح التي يتأذى منها الملائكة كما يتأذى منها بنو آدم كما بينت الأحاديث أنهم لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة أما الشياطين فيسكنون الأماكن القذرة ويعملون لإيذاء الإِنسان في نفسه ولإضلاله عن الطريق السوي يقول الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه عقيدة المؤمن: "الغاَلب في الجن والشياطين أنهم يسكنون الخرائب والحشوش والمزابل والقمائم لحديث أبى داود "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث". والشياطين توسوس في صدور الناس بالشر وتغريهم بالمعاصي ولذا أمرنا الله سبحانه أن نستعيذ به من شرهم في سورتي الجن والناس فهل كل ما ذكر يمكن أن يكون له صلة بملائكة الرحمن يا دكتور.

стр. 13879

بعض الأمثلة لتفسير سورة الجن: يقول الدكتور في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنّ﴾ أي أنصت إلى القرآن فريق من الغرباء أومن العالم غير المرئي وهو ما يطلق عليه اسم الجن ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ أي قرآناً عظيماً ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ وهو طريق التوازن والإعتدال، وعدم الإِسراف والسفه ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فاستقر في نفوسنا الإيمان برسالته فيما جاء فيه من عقيدة ومن منهج للحياة ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ ثم يقول الدكتور من الذي يعلن الإيمان بالله وعدم الشرك به غير الإِنسان المكلف بالرسالة الإِلهية؟ فالملك ليس مكلفاًَ والرسل لا تأتي بالرسالة لغير الناس وإذا كان هناك- على سبيل الافتراض- غير الملك وغير الإنسان مكلف برسالة إلهية فرسلهم لابد أن تكون من نوعهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤) ولهذا كان الفريق الغريب المتخفي الذي قدم إلى مكة واستمع إلى القرآن وآمن به وأعلن أنه لا إله إلا الله هو فريق من الناس مكلف- ككل البشر- باتباع الرسالة الإلهية، والتي قوامها عبادة الله وحده ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) وليس من طبيعة أخرى غير طبيعة الإِنسان ولكنها طبيعة متخفية فقط) تفسير سورة الجن ٢٩-.٣.

стр. 13880

وإنني أسأل الدكتور إذا كان المراد بهذا النفر من (الجن) بشراً ذا طبيعة متخفية فلماذا لم يرهم الرسول ﷺ وهم بقربه يستمعون إليه؟ ولماذا أوحى إليه بأمرهم؟ وهل إرادة إخفاء (الإيمان) من شأنها أن تجعل جسم صاحبها يختفي فلا تراه العيون؟! ولماذا تجاوز الدكتور كلمة (أوحي) فلم يشر إلى المقصود منها؟ ويقول الدكتور في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ أي كما كنا نلمسها قبل نزول القرآن ادعاء ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ ولكن لم نستطع الاقتراب منها والقعود للتسمع كما كنا نفعل لأن أبوابها قد أوصدت وعليها حرس قوي بالإضافة إلى أن من يقترب منها يرمى بالشهاب وهو شعلة النار الساطعة. ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أي وقبل ذلك- وهو قبل نزول القرآن ورسالة الرسول ﵇ كما كنا نتمكن من الاقتراب من السماء والقعود بجوارها منها وبذلك كما كنا نتمكن من السمع ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ولكن الآن وبعد أن نزل الوحي بالقرآن فمن يحاول الاقتراب من السماء والسماع لما يدور فيها لا يمكنه ذلك إذ ترقبه الشهب النارية وتنتظره فتصيبه حتماً لو اقترب. وهذا تعبير مجازي قصد منه الحيلولة وعدم التمكن من استراق السمع كما كان يدعي سابقاً"تفسير سورة الجن ص ٣٧. تفسير ابن عباس لسورة الجن:

стр. 13881

أما حبر الأمة فيفسر قوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ بما يؤكد وجود عالم الجن الذي أثبته خالقه وأجمعت الأمة علماؤها ومفسروها عوامها وخواصها سلفها وخلفها على الإِيمان بوجود الجن وبكل ما أخبر الله به عنهم في كتابه الكريم وليرجع من يريد الرجوع إلى تفسير ابن عباس وتفسير الطبري تفسير ابن كثير تفسير الزمخشري، تفسير القرطبي تفسير الجلالين أو تفسير النسفي أو الألوسي الخ التفاسير التي تعد مراجع للمفسرين بل وليرجع من شاء إلى التفاسير التي كتبها المعاصرون ليجد الإِجماع الكامل على الإيمان بما في كتاب الله من الأخبار عن الجن وليجد التصديق الجازم بما أخبر به الرسول ﷺ عنهم. وقد فسر ابن عباس ﵄ قوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ بأن القصد أن يقول: قل لكفار مكة، يا محمد: أوحي إليّ أنزل إليّ جبريل فأخبرني ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ تسعة نفر (من الجن) جن نصيبين باليمن ﴿فَقَالُوا﴾ بعد أن آمنوا ورجعوا إلى قومهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ تلاوة قرآن عجيب كريم شريف يشبه كتاب موسى وكانوا أهل توراة ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ إلى الحق والصواب لا إله إلا الله... ثم يقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ﴾ يتعوذون ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ بذلك ﴿رَهَقاً﴾ عظمة وتكبراً وفتنة وفساداًَ وذلك أنهم إذا سافروا سفراً واصطادوا صيداً من صيدهم أو نزلوا وادياً خافوا منهم فقالوا:"نعوذ بسيِّد هذا الوادي"من سفهاء قومه فيأمنون بذلك منهم فيزيد رؤساء الجن بذلك عظمة وتكبراً على سفلتهم والجن ثلاثة أجزاء جزء في الهواء وجزء ينزلون ويصعدون حيثما يشاءون وجزء مثل الكلاب والحيات [٢] . ثم يقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ انتهينا إلى السماء قبل أن آمنا

стр. 13882

﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً﴾ من الملائكة ﴿شَدِيداً﴾ كثيراًَ ﴿وَشُهُباً﴾ نجماًَ مضيئاً يدحرهم عن الاستماع ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ من السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ للاستماع قبل أن يبعث محمد ﷺ ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ بعد ما بعث محمد ﷺ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَاباً﴾ نجماً مضيئاً ﴿رَصَداً﴾ من الملائكة يدحرونهم عن الاستماع) تفسير ابن عباس سورة الجن ... وكيف يكون التعبير في هذه الآية ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ ... ﴾ مجازياًَ قصد منه الحيلولة وعدم التمكن من استراق السمع كما كان يدعي سابقاًَ؟ كيف يكون كذلك وهذا تفسير ابن عباس حبر الأمة ومن بعده المفسرون يقول إن استراق الشياطين للسمع قبل الرسول ﷺ كان حقاً واقعاً ويؤكد هذا حديث البخاري٤/ ١٣٥ "إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم" ومن غير الدكتور قال بهذا التفسير المنحرف؟! (تفسير القادياني للجن) : لقد سبق أن أوردنا كلام القرطبي عن إنكار الفلاسفة وبعض أهل الإعتزال للجن وهذه فئة المنكرين قديماً أما فئة المنكرين حديثاً فمنهم الفلاسفة الماديون وطائفة القاديِانية يقول محمد علي اللاهوري القادياني:"والمراد بالجن في قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ طائفة من البشر اجتمعوا بالنبي ﷺ في الخفاء وليس المراد به نفوس لا يقع عليها البصر وقد جاءوا من الخارج وكانوا أجانب وغرباء ولذا سموا جناً "بيان القرآن ج ٣ ص ٦٧١١ (من كتاب القاديانية دراسة وتحليل للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي مدير ندوة العلماء بالهند وعضو المجلس العلمي العربي بدمشق.

стр. 13883

وليس هذا الكلام في حاجة إلى تعليق ولكنني أزيده إيضاحاً ليعرف المسلمون مصادر الدكتور ومراجعه وليدركوا من أين يستقي؟ يقول من يسميه القاديانيون بمولاهم محمد علي اللاهوري:"في قوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ليس محمولاً على الحقيقة بل هو مبالغة في السرعة وقد كان بإذن العفريت والذي عنده علم من الكتاب مباراة فكان العفريت- وهو الرجل الذي يخوض في أمر بخبث وشده ويوصله إلى الكمال- ممثلاً للقوة البدنية وكان يحتاج إلى وقت أطول في إحضار هذا العرش، وكان صاحب العلم يستطيع أن يكمل مهمته في وقت قصير مع أنه لم يكن على جانب عظيم من القوة والمقصود ترجيح العلم على القوة"بيان القرآن ج ٣ ص ٤١٦ ا-١٤١٧ عن كتاب القاديانية للشيخ أبي الحسن علي الحسن الندوي. وليرجع القاريء إلى تفسير الدكتور لسورة الجن ص ٩ وإلى تفسيره لسورة النمل ص ١٩ وليوازن بين ما نقلناه من تفسير محمد علي اللاهوري وما كتبه الدكتور. (إنكار عموم رسالة الرسول ﷺ تبعاً لإِنكار الجن) : وإن من المؤسف حقاً أن يجحد الدكتور عموم رسالة الرسول ﷺ الإِنس والجن، وأن يدافع بحرارة عن هذا الجحود وكأنه يدافع عن حق! يقول الدكتور:"وإذن بناء على جميع هذه الإفتراضات وهي: ١- أن عالم الجن مستقل خلق من نار كما خلقت الملائكة من نور وكما خلق الإنسان من طين. ٢- وأن الجنَّ اختبر في طاعته وفى عبادته لحظة أن اختبرت الملائكة، واختبر آدم وحواء، أو بعد هذه اللحظة أو قبلها فظهر: أنه في حاجة إلى هداية إلهية كما اتضحت حاجة الإِنسان إليها.

стр. 13884

٣- وأن الجن كلفوا باتباع رسالة من الله لهدايتهم، كما كلف بنو آدم باتباع رسالة الله يأتي بها رسل منهم. وإذن بناء على جميع هذه الإفتراضات فإنَّ الرسول الذي يحمل رسالة الله إليهم، هو منهم، وليس بغريب عن عالمهم أي ليست ملكاً ولا إنساناً، وبالتالي ليس هو محمد بن عبد الله ﵊" ص ٢٤-٢٥ من تفسير سورة الجن. أرأيت ما يسميه (بالإفتراضات) ٩ وإلى النتيجة التي بناها عليها على (فرض) صحتها؟! يقول الله سبحانه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً فَآمَنَّا بِهِ﴾ فيقول الدكتور لا ليس هذا موافقاً للمنطق اليوناني وبالتالي فلابد من تأويله ولابد من اعتبار كل خبر يؤكد تكليف الجن ويثبت وجودهم لابد من اعتباره مجرد افتراض! وهل يصح من مسلم أن يعتقد مثل هذا؟! أصل البلاء: وأصل البلاء الذي تنطلق من ناحيته النكباء هو التفسير بالرأي، هو الإعتداد بالرأي مقابلاً للنصوص بل ومعارضاً لها. يقول ابن تيمية في كتابه (مقدمة في أصول التفسير) :"أما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام حدثنا مؤمل حدثنا سفيان حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"ص ١٠٥. ويقول في صفحة ١٥٨:"ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق: "أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم ".

стр. 13885

ويقول الدكتور محمد حسين الذهبي: "وإذا أردنا أن نرجع الخطأ في التفسير بالرأي إلى دوافعه وأسبابه أمكننا أن نرد ذلك- في الغالب- إلى عاملين اثنين: العامل الأول أن يعتقد المفسر معنى من المعاني ثم يريد أن يحمل ألفاظ القرآن على ذلك المعنى الذي يعتقده. العامل الثاني أن يفسر القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب وذلك بدون نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به"الإتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن دوافعها ودفعها ص ٨ ا-١٩. وضرب الدكتور الذهبي للعامل الأول أمثلة نختار منها اثنين: ١- تفسير ابن عربي للآية ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ يقول ما نصه:"واذكر ربك الذي هو أنت أي اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله" (تفسير ابن عربي ١٦) (الإتجاهات ص ٢٠) .

стр. 13886

٢- تفسير بعض المعتزلة لقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢-٢٣) يقول (إلى) واحد الآلاء بمعنى النعم فيكون المعنى ناظرة نعمة ربها على التقديم والتأخير وذلك ليصرف الآية عن دلالتها على رؤية الله في الآخرة.. (أمالي المرتضى ج ٢ ص ٢٨) (الإتجاهات ص ا ٢) . وهكذا فعل الدكتور ولسنا في حاجة إلى زيادة التنبيه إلى خطر هذا الإتجاه ويكفى ما تقدم في مناقشة شطحات التفسير الموضوعي ولكني اثبت هنا فتوى ابن تيمية في عموم رسالة الرسول ﷺ الإِنس والجن كما أوردها عمر سليمان الأشقر في كتابه (عالم الجن والشياطين) يقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٩/ ٩) : "وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم أجمعين"يدل على ذلك تحدى القرآن الجن والإِنس ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإِسراء: ٨٨) . ثم ذكر النفر الذي استمع القرآن وآمن به ونزلت بشأنه سورة الجن وآية الأحقاف. وذكر رواية البخاري ومسلم لقصتهم. ص ٤٤-٤٥ من كتاب الأشقر. ولعل القاريء يعلم بما تحكم به الشريعة في (إنكار الجن) ودونه فتاوى العلماء من أمثال النسفي في تفسير سورة الجن، وابن تيمية في الفتاوى والشيخ أبو بكر الجزائري في (عقيدة المؤمن) وغيرهم من العلماء ولعل القاريء يعلم أيضاً أن إنكار المغيبات هو الإتجاه الذي يدعمه ويعمل على نشره أعداء الإسلام في الماضي وفى الحاضر. يقول عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) بعد أن ذكر جملة من دعاوى الباطنية الباطلة في إبطال الشريعة (وقد قال القيرواني في رسالته إلى سليمان بن الحسن:"إني أوصيك بتشكيك الناس في القرآن والتوراة

стр. 13887

والزبور والإنجيل وبدعوتهم إلى إبطال الشرائع، وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور وإبطال الملائكة في السماء، وإبطال الجن في الأرض، وأوصيك بأن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير فإن ذلك عون لك على القول بقدم العالم"ص ٢٩٦. هذا في القديم وأما في الحديث فقد أوردت فيما سبق قول القاديانية في تفسير مولاهم محمد علي اللاهوري. وإليك ما يورده الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان في كتابه (منظمة الايجا محمد الأمريكية) يقول عن إيمان الإِيجا محمد بالملائكة: "فإن الإيمان بالملائكة لا يتفق ومبادئه الدينية والفلسفية ويزيد هذا المعنى تأكيداً دعواه أن الرسول محمد بن عبد الله ﷺ تلقى القرآن مباشرة من الله" يقول الدكتور عبد الوهاب وفي هذا دلالة واضحة على إنكاره الإِيمان بوجود الملائكة التي تنزل بالوحي من عند الله. ص ٧٢ من الكتاب. وهل هناك منزلق أشد إهلاكاً من هذا. وكل هذا أدى إليه الإعتداد بالرأي في التفسير. أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وصلى الله على عبده ورسوله الكريم محمد وعلى آله وصحبه. من أسباب النصر خرج الصديق ﵁ يمشي مودعاً جيش يزيد بن أبى سفيان، وهو متوجه للفتح، وكان مما أوصاه به: - لا تكثرن الكلام فإن بعضه ينسى بعضاً، وأصلح نفسك يصلح الناس لك. - لا تجعل سرك مع علانيتك فيمزج عملك، وإذا استشرت فأصدق الخبر تُصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتُؤُتى من قبل نفسك. - إذا قدمت عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت الذي تلي كلامهم.

стр. 13888

- إذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها حتى تعانيها، واستر في عسكرك الأخبار، وأذْكِ حرسك وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، واصدق اللقاء إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن من سواك ... -------------------------------------------------------------------------------- [١] عقيدة المؤمن. ص هـ٠ ٢٠ [٢] ثبت ذلك في حديث رواه الطبراني والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح (صحيح الجامع ٣/ ٨٥) .

стр. 13889

آراء فقهيِّة منحَرفة والرَّد عَليهَا فجأة خرج الدكتور محمد سعاد جلال المؤلف المصري المعروف على الناس ببعض الآراء الفقهية الجديدة التي استطاعت أن تثير الآراء المعارضة بين فقهاء وعلماء الدين في مصر... فقد ذهب الدكتور سعاد في حديث منشور بجريدة الأحرار (لسان حزب الأحرار المعارض) إلى أنه للمرأة أن تكشف عن وجهها ويديها وذراعيها أيضاً، كما ذهب إلى أن المبالغة في التحجب ليست من الإسلام وأن المكياج ليس محرماً على المرأة بين العامة وأن رجم الزاني ليس حكماً شرعياً. يقول الدكتور جابر حمزة مسؤول الإعلام بالأزهر: كانت المرأة في الجاهلية تظهر بلا حجاب ولا تتسم بالحشمة أو الوقار، فلما جاء الإسلام صان المرأة وحفظ لها كرامتها ففرض الحجاب صيانة لها وحماية من العبث والاعتداء قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ .

стр. 13890

فهذه الآية الكريمة تحدد لنا بوضوح لزوم المرأة بالمكث في بيتها وعدم الخروج إلا لضرورة، كما نهت عن التبرج وإظهار الفتنة والزينة.. وقد نهى الله بالنص الصريح في القرآن على إظهار الفتنة وإبراز المفاتن، وقد حرم الله ونهى عن أن تضرب برجلها على الأرض حتى لا يسمع الرجال الأجانب رنين خلخالها: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ ومن هنا نرى أن المرأة كلها عورة.. ولكن الإسلام دين الحياة أباح للمرأة أن تخرج للعمل عندما تدعو الضرورة لذلك فهي تبيع وتشتري وتتعلم وتشهد أمام القاضي، كما أباح النظر إلى الوجه والكفين عند الخطبة، ومن أجل الزواج- وهذا الاستثناء يدل على أن الأصل هو التحريم، ويقول بعض العلماء بأن تغطية الوجه هو أكثر أجزاء الجسد إثارة أما بالنسبة للمكياج: فلا يجوز للمرأة بحال من الأحوال! أن تتزين لغير زوجها ومحارمها (كالأب والعم والخال والابن والأخ) .. ويقول النبي ﷺ :"أيما امرأة خرجت من بيتها متزينة متعطرة فمرت بقوم من الرجال وأصابهم عطرها فهي زانية.. زانية.. زانية وكل عين تنظر إليها زانية". وبالتالي يكون المكياج في الخارج وفي الشارع وفي الطرقات حراماً ومن أكبر الكبائر.. ثم أقول لهؤلاء الذين ينادون بالتحلل مخالفين رأي الدين بأنهم يتجاوزون حدود الله، وليعلموا بأن عظمة الشعوب لا تظهر في تبرج نسائها وإنما تكمن عظمتها في التمسك بدينها والحفاظ على تقاليدها.

стр. 13891

أما تدريس الجنس في المدارس والجامعات: وهو إقحام للشباب وغمس لهم في مجال الشهوة، كما أن فيه إزالة للحياء الذي يجب أن يتحلى به المسلم والمسلمة، وقد أمرنا الإسلام بغض البصر وعدم النظر إلى المرأة الأجنبية! وحرم ذلك حتى لا ينحرف الإنسان إلى أغراء الشيطان، وقد أمر النبي ﷺ الشباب ودفعهم إلى الزواج المبكر صيانة لهم عن ارتكاب المنكر أو الوقوع في الفاحشة فقال في الحديث الصحيح""يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أي صيانة وحصانة- ثم أمرنا الشرع بطاعة الله ودعانا إلى الصلاة التي فرضها علينا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.. وتدريس الجنس أمام المراهقين والمراهقات أمر خطير لم يرد في كتاب الله وسنة رسول الله، والدعوة إلى تدريس ذلك مثلها كمثل المستجير من الرمضاء بالنار، فهذه دعوة للإباحية والإنحلال، وهبوط إلى درك الحيوانية والبهيمية. ويرد (الشيخ عطية صقر) على القول بأن رجم الزاني ليس حكماً شرعياً- قائلاً:

стр. 13892

الزنى من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش وأقبح القبائح لما فيه من معصية الله والخروج عن تعاليم الدين، ولما فيه من انتهاك للحرمات واختلاط للأنساب مما يتنافى مع المجتمع الطاهر السليم، ولقد حرم الله الزنى ووضع له حداً رادعاً.. وقد قسم الإسلام الزاني إلى قسمين (الزاني المحصن والزاني غير المحصن) والمراد بالإحصان هو الزواج وما يترتب عليه، فالزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، والزاني غير المحصن حده الجلد مائة جلدة والزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى الموت كما ورد في السنة الصحيحة وجميع كتب الفقه.. أن النبي ﷺ رجم ماعزاً والغامدية أمام جمع من أصحابه. وقد روت السيدة عائشة ﵂ أنها قالت:"كان فيما نزل من القران: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله.. والله عزيز حكيم.."فهذه الآية نسخت تلاوة وبقيت حكماً، ولعل قائلاً يقول:"كان الأولى أن يأتي في القرآن حكم الزاني المحصن والمحصنة"، والرد على ذلك أن وقوع الزنى يكون من الشباب غير المتزوجين غالباً، والحكم يكون على الكثير الغالب، علماً بأن حد الزنى لا يثبت بسهولة، بل لابد لإثباته بشهود أربعة (شهود عدل) فضلاً عن الشروط الأخرى الموجودة في كتب الفقه.. ويقول الدكتور الحسيني أبو فرحة: كلام الدكتور سعاد مغالطات، فالنقاب حجاب شرعي لكنه ليس واجباً- أما ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين فهذا واجب يحرم تركه.. والكلام عن كشف غير الوجه والكفين، فهذه عند الضروريات وبين المحارم فقط وليس في مجال العمل فالإسلام يبيح العمل للمرأة بشرط أن تكون في زي إسلامي وبآداب الإسلام - وللمرأة أن تتزين في بيتها لزوجها، أما الخروج بالزينة خارج البيت وبين الرجال الأجانب فهذا يحرم شرعاً، لأنها من مثيرات الفتنة، وذلك التحريم ضرورة هامة لصيانة الأعراض.

стр. 13893

وبالنسبة للدعوة لتدريس الجنس فإنني أقول إن الإثارة الجنسية حرام، ولكن تدريس الأمور التي وردت في الفقه الإسلامي كوجوبات الغسل أو غيرها فهي جائزة بل وضرورة ويتعلمها الطالب في الأزهر من سن صغير. ويقول الدكتور (جمال الدين محمود) أمين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: هذا الذي يثار رغم اختلافي معه ليس وقته الآن، بل إنني اعتبره عندما يأتي من عالم كبير تمييعاًَ لقضايا المسلمين والعالم الإسلامي في حاجة إلى وعي أكبر في كل ما يحيط العالم الإسلامي من مخاطر ونكبات مثل الذي يحدث في أفغانستان والعراق وإيران وطلب أماكن أخرى كثيرة تهدد وحدة العالم الإسلامي، وحمايته من المخاطر التي تتهدده هي القضية الكبرى التي يجب أن نقف عندها جميعاً. ويقول الدكتور (الطيب النجار) رئيس جامعة الأزهر: "لقد أفتى الدكتور (سعاد) فتوى باطلة، فالمرأة لا يجوز لها أن تكشف إلا الكفين والوجه، وهذا تطبيقاً لقوله الرسول ﷺ الذي ترويه السيدة عائشة ﵂: "إذا بلغت المرأة المحيض لا يصح أن يري منها إلا هذا وذاك"وأشار إلى الوجه والكفين والآية الكريمة تقول ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ وأما الأذرع والسيقان فهي عورة يجب أن تستر بالنسبة للمرأة ". وبالنسبة (للمكياج) يقول الدكتور الطيب النجار: "المكياج نوع من الزينة والله قال ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ..﴾ إلى أخر الآية الكريمة. وفي هذه الآية يذكر الله إنه لا تبدي الزينة إلا للمقربين للمرأة (وهم الآباء والأبناء والإخوة والأخوات) وهكذا.. أما من يحل له زواج المرأة وهم سائر الأجانب فيحرم إبداء الزينة لهم ". - وعن قول الدكتور (محمد سعاد جلال) إن رجم الزاني المحصن ليس حكماً شرعياً- يقول الدكتور الطيب النجار:

стр. 13894

"هذا افتراء لا موضع له من الدين لأن الرسول ﷺ قد رجم رجلاًَ يدعى (ماعزاً) لأنه اعترف بجريمة الزنا، وكذلك رُجمت امرأة لأنها اعترفت بجريمة الزنا.. وهذا قاطع في أن الرجم بالنسبة للمرأة المحصنة والرجل المحصن حكم شرعي أوجبه الله ... " التحرير: عجباً لأولئك الذين ينتسبون إلى العلم، ويتصدون للفتوى، وهم علماء ضلال وسوء وهؤلاء هم الأئمة المضلون الذين خاف على أمته منهم- الذين اتخذوا إلههم هواهم ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله﴾ (الجاثية) . اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك- وأختم لنا بخاتمة إيمان.

стр. 13895

عُلومُ المادة في خدمَة الدِّين د. أبو الوفاء عبد الآخر صيدلي كيمائي أود أن أقرر قاعدة علمية هي: خصائص المكونات لا تذوب في خليط الأطعمة والمشروبات، ويظل النجس بحالته كما يظلل الطاهر بحالته كذلك. وقد اطلعت على سؤال منشور بصحيفة الأهرام القاهرية الصادرة بتاريخ١٧/١٢/١٩٨٢م تحت عنوان: ما رأي الدين في الأطعمة والمشروبات التي تلحقها مواد محرمة؟ ووجدت إجابته كما يلي: "إذا أضيفت بعض المواد المحرمة إلى المأكولات أو المشروبات أو العطور بشكل تذوب فيه خصائص هذه المادة المحرمة فإن الأشياء المضافة إليها هذه المادة تحتفظ بطهارتها وحلها، بل إنها تحول النجاسة في المادة المحرمة إلى طهور على مذهب الإمام أبى حنيفة، لأن التحول عنده وسيلة من وسائل التطهير. وعلى ذلك يحكم بطهارة الصابون إذا أضيفت إليه مادة غير طاهرة، وكذلك السمن الصناعي، وبعض أنواع الحلوى وكذلك الجبن المعقود بمادة محرمة، أو العجين الذي يخمر بإضافة خميرة البيرة وما يشبهها، والعطور التي يدخل فيها الكحول.. فإن التحول الذي يذيب خصائص الشيء المحرم يجعله طاهراً، وكذلك الحال إذا تحولت الخمر إلى خل فيصير الخل حلالاًَ ". هذا هو السؤال وهذا هو جوابه. وإني أعرض قدراً من المعلومات التي يمكن الاستئناس بها عندما نريد التعرف على رأي الدين فيما ورد من التساؤل، وفيما يشابهه حيث يكون لعلوم المادة دور في الإيضاح. ويا حبذا لو أن مثل هذه الأقضية والمشكلات، شارك في دراستها مع علماء الدين- علماء الماديات من صيادلة وكيميائيين وغيرهم من أصحاب التخصصات المناسبة، حتى يقوموا بوضع المعلومات العلمية أمام رجال الدين لمساعدتهم على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية في مثل هذه التساؤلات. أولاً: معلومات من علوم الكيمياء: عند إضافة المواد بعضها إلى بعض فإنها تخضع لواحدة من حالتين:-

стр. 13896

(١) الخلط: وفيه تتداخل أجزاء مادة في مادة أخرى فيتكون: الخليط أو المستحلب أو المحلول. الخ وتظل كل مادة محتفظة بصفاتها الطبيعية والكيمائية، وبآثارها داخل الجسم الإنساني، كما أنها تمر داخل الجسم بعمليات التمثيل الغذائي كما لو كانت غير مختلطة بغيرها من المواد. وذلك بصرف النظر عماً يصبح عليه الخليط من صفات طبيعية مشتركة لوناً أو طعماً أو رائحةً أو مذاقاً.. الخ. هي محصلة الصفات الطبيعية للمكونات نفسها. والأمثلة على ذلك: خليط الملح والسكر، خليط شحم الخنزير، ودهن البقر، خليط الكحول والزيوت العطرية، خليط الدقيق وشحم الخنزير. فلا تحول يحدث لهذه المواد في الخليط، ولا تذوب خصائصها ويظل النجس بحالته والطاهر بحالته، ويظل الحرام بحالته والحلال بحالته.

стр. 13897

أما إذا كان المعنى المقصود بالتحول وذوبان الصفات هو ما يطرأ على المادة النجسة من تغيير في صفاته الطبيعية من لون وطعم ورائحة وقوام عند إضافتها إلى مواد أخرى أو إضافة مواد إليها، فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل أوامر التحريم وأحكام النجاسة، ويفتح الباب على مصراعيه أمام استعماله المواد النجسة أو الحرام ولو في خليط تكون فيه المواد النجسة أكثر من المواد الطاهرة، فما من مادة تخلط بمادة أخرى إلا ويطرأ على كلا المادتين تغييرات في الصفات الطبيعية تجعلها مختلفة عن المادة الأصلية المنفردة. فشحم الخنزير يختلف عن شحم الخنزير مخلوطاً بشحوم أخرى، كما أن شحم الخنزير بمفرده يختلف عن شحم الخنزير إذا أضيفت إليه مواد مكسبة للطعم أو الرائحة أو اللون. ومن السهل تغيير الصفات الطبيعية للحم الخنزير به وإخفاء لحم الخنزير تماماً وذلك بفرمه وخلطه بأطعمة ومواد أخرى وبلحوم أخرى وتقديمه باسم (لحم الخنزير) أو تحت أي اسم آخر معروف أنه لطعام يحتوي على لحم الخنزير فلو أننا أخذنا بالمعنى السابق للتحول وذوبان الصفات، لجاز للمسلمين أن يأكلوا لحم الخنزير، وشحم الخنزير، وكل حرام بهذه الحالات المقنعة، ولما بقي عليهم محرماً إلا لحم الخنزير أو شحم الخنزير أو الميتة بحالتها المفردة، وهي حالة يمكن الاستغناء عنها، وبهذا يتعطل تحريم أكل النجاسات والمحرمات، ويصبح أكلها ممكناً ومباحاً بهذه الصور المقنعة باسم التحول وإذابة الصفات بالمفهوم المطلق المذكور سابقاً.

стр. 13898

(٢) التفاعل: وفيه تتفاعل المواد مع بعضها تفاعلاً كيميائياً مما يترتب عليه تحول هذه المواد، وتكوين مواد أخرى لها صفات تختلف بدرجات متفاوتة عن المواد الأصلية. وفي هذه الحالة تذوب خصائص المكونات الأصلية، والأمثلة على ذلك: تفاعل المعادن والقلويات مع الأحماض لتكوين الأملاح وتحول المادة إلى مادة أخرى تختلف عنها في الصفات كتحول (الكحول إلى خل) . وفي (الكيمياء العضوية) نجد تحضير المواد بعضها من بعض يكون عن طريق التحويل، إما بتحويل جزيئات المادة إلى جزيئات أكبر لتكوين مادة جديدة ذلك عن طريق ما يعرف (بالتشييد الكيميائي) أو العكس وذلك عن طريق ما يعرف (بالتحليل) إلى غير ذلك من طرق التحويل المعروفة في علوم الكيمياء العضوية. ثانياً: معلومات في الصناعة والإنتاج: وفي مجال الصناعة والإنتاج، ومن خلال المنظور الإسلامي، نجد تجهيز الأطعمة. والمشروبات وما يستعمله الإنسان في معاشه، يخضع لواحدة من الحالات التالية: (١) - تجهيزات تبدأ بمواد حلال وتنتهي بمواد حلال: والأمثلة على ذلك: ١- تحويل (عصير العنب) غير المتخمر إلى شراب العنب (الطلاء) الخالي من الحرام. ٢- تحويل (عصير القصب) إلى العسل الأسود، أو سكر القصب. ٣- تحويل (اللبن) بواسطة (الأنفحة) [١] الحلال إلى (الجبن) . ٤- تحويل (العجين) بواسطة (الخميرة) التي هي مجرد نباتات فطرية إلى (خبز) . (٢) تجهيزات تبدأ بمواد حلال وتنتهي بمواد حرام: كما هو الحالة في عمليات (التخمير الكحولي) التي تبدأ بالأطعمة الحلال والمشروبات الحلال، وتنتهي بالمشروبات الحرام (الخمر) . (٣) تجهيزات تبدأ بمواد حرام وتنتهي بمواد حلال: كما هو حاصل في تحويل (الخمر) إلى (خل) وتحويل (عصير العنب) إلى (شراب العنب) الخالي من الخمر. (٤) تجهيزات تبدأ بمواد حرام وتنتهي بمواد حرام: كتقطير (الخمر) الأقل قوة للحصول على (الخمر) الأكثر قوة.

стр. 13899

(٥) تجهيزات تبدأ بمواد حلال ومواد حرام وتنتهي بهما معاً: والأمثلة على ذلك: ١- تجهيز بعض أنواع السمن الصناعي، بإضافة دهن البقر (الحلال) إلى شحم الخنزير (الحرام) . ٢- تجهيز بعض أنواع الحلوى والفطائر وذلك باستخدام المواد الحلال كالدقيق والسكر مع شحم الخنزير الحرام. ٣-الفطائر المضاف إليها (الخمر) والشكولاته المحشوة (بالخمر) . ٤- الزيوت العطرية الحلال المخلوطة (بالكحول) روح الخمر النجس، وذلك لتجهيز بعض مستحضرات التجميل ومن أشهرها ما يسمى (بالكلونيا) . ٥- عصائر الفواكه (الحلال) يضاف إليها (الخمر) الحرام. لتجهيز خليط منهما. (٦) – تجهيزات تبدأ بمواد حرام ومواد حلال وتنتهي بمواد حلال: كما يحدث في صناعة بعض المواد الطبية، حيث يستخدم (الكحولي) الحرام لاستخلاص المواد الفعالة من النباتات الطبية، ثم يطرد (الكحول) تماماً من الخليط للحصول على (خلاصة جافة) أو (مواد فعالة) خالية من الكحول. ومما سبق ذكره من حالات التجهيزات الست ننتهي إلى ما يلي: الحالة الأولى: تجهيزاتها حلال، وهي تمثل الجزء الأكبر من التجهيزات الست. الحالة الثانية: تجهيزاتها حرام. الحالة الثالثة: تحكمنا فيها أحاديث صحيحة وآثار صحيحة: فمن الأحاديث الصحيحة: عن أنس بن مالك ﵁، قال:" إن رسول الله ﷺ سئل عن الخمر:"أتتخذ خلاً؟ " قال: " لا " أخرجه مسلم والترمذي وهذا الحديث رواه أيضاً أحمد وأبو داود. ومن الآثار الصحيحة والتي تعتبر أثاراً مطلقة: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵄، فسأله عن العصير؟ فقال:"اشربه ما كان طرياً ". قال:"إني أطبخه وفي نفسي منه شيء"قال:"أكنت شاربه قبل أن يطبخ؟ "قال:" لا "، قال:"فإن النار لا تحل شيئاً قد حُرِّمَ ". الحالة الرابعة: تجهيزاتها حرام.

стр. 13900

الحالة الخامسة: تجهيزاتها حرام حيث أن المواد الحرام تظل كما هي محتفظة بخواصها دون تحول، كما لا تذوب خصائصها وتظل نجاستها قائمة. الحالة السادسة: تجهيزاتها بها شبهة، ويمكن قياسها على الحالة الثالثة. ثالثاً: العلوم المادية من المنظور الإسلامي: يوجد بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية والآثار، كثير من اللطائف والدقائق والحقائق والتوجيهات العلمية التي يجب البحث عنها والوقوف عليها والإستفادة منها والعمل بها وتطبيقها على أمور الحياة ومتطلباتها. ولقد وضحت الحقائق لسلفنا الصالح من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها الذين عنوا بأمور الأبدان ومطالب العيش كالإمام ابن القيم ﵀ وغيره، وذلك لاستنارتهم بنور الإيمان وهدي النبوة. وفيما يلي نعرض بعض الأمثلة لنبين أسلوب البحث والإستنباط الذي يمكن به الحصول- من القرآن الكريم والسنة المشرفة- على الفوائد في مجال علوم المادة وفي مجال الصناعة والإنتاج. مثال: (الخل) : (١) لقد وردت الأحاديث الصحيحة التي تحرم اتخاذ الخل من الخمر- ومنها الحديث السابق ذكره. (٢) وردت أحاديث صحيحة تفيد بأن رسول الله ﵊ كان يأكل الخل ويقول عنه: "نعم الإدام الخل". وبالنظر إلى هذه الأحاديث نرى أننا كمسلمين أمام (أسلوب إنتاج حرام) وهو تحويل (الخمر الحرام إلى خل) . كما أننا أمام إنتاج حلال وهو (الخل) الذي يأكله الرسول ﵊ وصحابته ﵃. فإذا كان تخليل (الخمر) حراماً، فمن أين يكون (الخل) الحلال؟ وبالدراسة المتكاملة للأحاديث وبفقهها يجئ الجواب الذي ينبني عليه العمل الحلال كالآتي: (١) إن الخل الحلال تكون صناعته من (عصير العنب) الطازج غير المتخمر والذي يكون حلالاً، وذلك كنقطة ابتداء في الصناعة، ليمر بمراحل التحول وينتهي إلى (الخل) الذي يكون (خلاً) حلالاً.
следующие страницы →