Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.
стр. 13931
٣- منهاج أهل السنة في العقيدة والعمل: ألقاها فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين. مساء يوم ٧/٣/١٤٠٣ هـ
٤- شبابنا بين الأصالة والتقليد: ألقاها الدكتور محمد السيد الوكيل الأستاذ المساعد بكلية الحديث. مساء يوم ١٤/٣/١٤٠٣هـ
٥- طريق الخلاص: ألقاها الشيخ أبو بكر الجزائري الأستاذ المشارك بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإِسلامية. مساء يوم ٣/٥/١٤٠٣ هـ.
٦- صور من الحياة الإِسلامية في أمريكا الجنوبية: ألقاها الشيخ عبد العزيز المسند. مساء ١٠/٥/١٤٠٣ هـ.
٧- العقوبات الشرعية: أسسها وأهدافها: ألقاها الشيخ محمد بن ناصر السحيباني الأستاذ المساعد وعميد القبول والتسجيل بالجامعة الإِسلامية. مساء١٧/٥/١٤٠٣ هـ.
٨- ندوة مفتوحة اشترك فيها كل من سعادة أمين المدينة المنورة الشيخ صدقة خاشقجي، وسعادة مدير مرور المدينة المنورة الرائد إبراهيم الردادي. حضرها عدد غفير من أهالي المدينة المنورة وعلمائها ومفكريها وطلاب الجامعة الإسلامية وأساتذتها. أجاب فيها كل من سعادة أمين المدينة ومدير مرور المدينة على الأسئلة التي توجه بها الحضور فيما يتصل بمشاريع المدينة ونظام المرور. وكان ذلك مساء يوم ٢٤/٥/١٤٠٣ هـ.
٩- الجزاء الحق: هذا هو عنوان المحاضرة التي ألقاها الشيخ علي الحذيفي. مساء يوم ٢/٦/١٤٠٣ هـ.
١٠- معاوية بن أبي سفيان بين المنصفين والمتعسفين: ألقاها فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد رئيس المجلس العلمي بالجامعة الإِسلامية. مساء يوم ٩/٦/١٤٠٣ هـ.
١١- واجب الإِنسان الذي كلف به من الله: ألقاها الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان. مساء يوم ١٠/٦/١٤٠٣ هـ.
١٢- مكانة أهل الحديث: ألقاها الدكتور ربيع هادى مدخلي الأستاذ المساعد بالجامعة الإِسلامية. مساء يوم ٢٣/٦/١٤٠٣هـ.
стр. 13932
١٣- جاء الإِسلام ليبقى: ألقاها الدكتور جمعة الخولي الأستاذ المشارك ورئيس قسم الدعوة بالجامعة الإِسلامية. مساء يوم ٤٠٣٣٠/٦/١٤٠٣هـ.
١٤- أعرفت أنك بالمدينة: ألقاها الشيخ عبد الفتاح العشماوي عضو هيئة التدريس بالجامعة. مساء يوم ٧/٧/١٤٠٣هـ.
صياغة الشيخ محمود محمد سالم
стр. 13933
حَديثُ تفرُّق الأمَّةِ
للشيخ عبد الكريم مراد
أستاذ مشارك بكلية الشريعة
قال الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ".
إسناد الحديث: وهب بن بقية شيخ أبي داود هو وهب بن بقية بن عثمان أبو محمد الواسطي ويقال له: وهبان، ثقة من العاشرة روى عنه: مسلم وأبو داود والنسائي وخلق، ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٢٣٩ هـ) .
وخالد: هو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان أبو الهيثم ويقال أيضاً أبو محمد المازني مولاهم، ثقة ثبت من الثامنة روى له الجماعة، ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة (١٨٢ هـ) .
ومحمد بن عمرو: هو محمد بن عمرو بن علقمة الليثى المدني، صدوق له أوهام من السادسة روى له الأربعة والبخاري مقرونا بغيره ومسلم في المتابعات ومات سنة خمس وأربعين ومائة (١٤٥ هـ) .
وأبو سلمة: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل اسمه: عبد الله وقيل إسماعيل، ثقة مكثر من الثالثة روى له الجماعة ومات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) .
وأبو هريرة: هو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الدوسي اليماني ﵁ حافظ الصحابة. اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً وكان اسمه في الجاهلية: عبد شمس ومات سنة سبع وخمسين (٥٧ هـ) .
قال ابن إسحاق في مغازيه: حدثني بعض أصحاب أبي هريرة أنه قال:"كان اسمي في الجاهلية: عبد شمس بن صخر فسميت في الإسلام: عبد الرحمن ". رواه الحاكم في مستدركه.
стр. 13934
تخريج الحديث: أخرج حديث أبي هريرة هذا: الترمذي في باب افتراق الأمة. وابن ماجة مختصراً في باب افتراق الأمم. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في مستدركه. وأحمد بن حنبل في مسنده. والآجري في الشريعة. وأبو يعلى في مسنده. من طرق كلها عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: والترمذي والحاكم رحمهما الله معروف تساهلهما في التصحيح ومحمد بن عمرو ابن علقمة من المشهورين بالصدق ولكن لم يكن من أهل الضبط والإتقان فحديثه حسن وسبق أن البخاري روى له مقروناً بغيره ومسلم في المتابعات.
وحديث افتراق الأمة روى عن جماعة من الصحابة منهم: معاوية بن أبي سفيان وعوف بن مالك وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو.
أما حديث معاوية ﵁ فأخرجه أبو داود والحاكم وأحمد بن حنبل بسند جيد ولفظه عند أبي داود: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ".
وفي رواية له: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ".
وأما حديث عوف بن مالك ﵁ فأخرجه ابن ماجة في باب افتراق الأمم بسند جيد ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة ".
стр. 13935
وأما حديث أنس بن مالك ﵁ فأخرجه ابن ماجة بلفظ: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة".
وفي إسناده: أبو عمرو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو ضعيف.
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فأخرجه الترمذي والحاكم ولفظه عند الحاكم: "ليأتينّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثلٍ حذو النعل بالنعل حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله. وإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة فقيل ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وفي رواية الترمذي: "وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف فتحسين الترمذي للحديث لاعتضاده بما روى في الباب من أحاديث.
وقال الحافظ ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن: حديث أنس رواه أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الله ابن غزوان عن عمرو بن سعد عن يزيد الرقاشي.
قلت: يزيد بن أبان الرقاشي ضعيف وعبد الله بن غزوان وشيخه عمرو بن سعد مجهولان. كذا في الميزان.
وقال السخاوي في المقاصد الحسنة بعد ما نقل قول الحاكم في مقدمة مستدركه: إنه حديث كبير الأصول وقد روى عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك.
قال: وروى عن أنس بن مالك وجابر وأبي أمامة وعلي وعمرو بن عوف وعويمر أبي الدرداء ومعاوية بن أبي سفيان وواثلة بن الأسقع كما بينتها في كتابي الفرق.
شرح الحديث: افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة الخ٠ هذا شك من الراوي وقد ورد ذلك في حديث معاوية وحديث عبد الله بن عمرو من غير شك وقد تقدما.
стр. 13936
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، هذا من دلائل نبوته ﷺ لأنه أخبر عن غيب وقع كما قال.
والمعنى أن الأمة تفترق فرقا تتدين كل فرقة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى. والمراد من (أمتي) أمة الإجابة.
وليس المراد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه وإنما المقصود بالذم من خالف أهل الحق في التوحيد والقضاء والقدر وشروط النبوة والرسالة وموالاة الصحابة وما جرى مجرى ذلك لأن المختلفين في هذه الأمور يكفر بعضهم بعضاً بخلاف الفروع الفقهية فإنهم مختلفون فيها من تكفير ولا تفسيق للمخالف فيها.
فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف [١] .
قلت وإلى ذلك يومئ قوله ﷺ في حديث معاوية: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب [٢] بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ".
وفيه إشارة أيضًا إلى أن الأهواء والبدع إذا تمكنت من النفس واستحكمت بها فصاحبها على خطر عظيم قد لا يوفق للتوبة منها كما أن داء الكلب إذا تمكن من صاحبه واستحكمت به فهو على خطر من الهلاك قد لا يشفى منه.
قال الخطابي في معالم السنن: "في الحديث دليل على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين إذ جعلهم النبي ﷺ من أمته. وفيه دليل على أن المتأول لا يخرج عن الملة وإن أخطأ في تأويله ". أهـ٠
قلت: وفي الجهمية قولان للعلماء هل هم من أهل القبلة أم لا؟ وممن قال إن الجهمية ليسوا من فرق الأمة: عبد الله بن مبارك ويوسف بن أسباط [٣]
وجاء في حديث غير أبي هريرة في فرق الأمة، زيادة: كلها في النار إلا واحدة كحديث أنس بن مالك ومعاوية وعوف بن مالك وعبد الله بن عمرو وغيرهم.
стр. 13937
والحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره ولذا قال الحاكم بعد ما ساق حديث معاوية في ١/١٢٨: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث ووافقه الذهبي.
وأما ما قاله الشوكاني في فتح القدير ٢/٥٦: أما زيادة: كلها في النار إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين بل قال ابن حزم: إنها موضوعة.
وكذلك ما نقله زاهد الكوثري عن ابن الوزير أنه قال في كتابه: العواصم والقواصم: إياك أن تغتر. بزيادة: كلها في النار إلا واحدة، فإنها فاسدة ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة
وقد قال ابن حزم:"إن هذا الحديث لا يصح ".
فقد تولى الإجابة عن ذلك محدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله في السلسلة الصحيحة بما ملخصه:
-ولا أدرى من الذين أشار إليهم الشوكاني بقوله: فقد ضعفها جماعة،؟ فإني لا أعلم أحداً من المحدثين ضعف هذه الزيادة بل إن الجماعة قد صححوها وقد سبق ذكر أسمائهم. وأما ابن حزم فقد راجعت كتابه الفصل في الملل والنحل وقلبت مظانه فلم أعثر عليه ثم إن النقل عنه مختلف فابن الوزير قال عنه: إن الحديث لا يصح والشوكاني قال عنه: إنها موضوعة، وشتان ما بين النقلين.
فإن صح عنه ذلك فابن حزم ﵀ معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد فلا ينبغي أن يحتج بقوله عند تفرده فكيف إذا خالف جماعة المحدثين؟
وأما ابن الوزير فقد صحح حديث معاوية في كتابه القيم: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ص ٢٦٢.
وقد روى حديث افتراق الأمة مقلوب السند والمتن بلفظ: "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا واحدة. قالوا يا رسول الله من هم؟ قال: الزنادقة وهي القدرية". أخرجه العقيلي وابن عدي.
قال أهل العلم: هذا الحديث وضعه الأبرد بن أشرس وسرقه يسين الزيات فقلب إسناده وخلط والمعروف بلفظ: كلها في النار إلا واحدة.
стр. 13938
قال في الميزان: قال ابن خزيمة: أبرد بن أشرس كذاب وضاع ويسين بن معاذ الزيات قال ابن حبان: يروي الموضوعات وقال البخاري: منكر الحديث٠
وقد أشكل حديث افتراق الأمة على بعض الناس من جهة معناه.
والإشكال في قوله: كلها في النار إلا واحدة، ومن المعلوم أن أمته ﷺ خير الأمم والمرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود كما جاء ذلك في الأحاديث فكيف يتمشى هذا؟
وقد أجاب عن ذلك الشيخ صالح بن مهدي المقبلي في كتابه: العلم الشامخ في الرد على الآباء والمشائخ ص ٤١٤.
بما ملخصه: إن الناس عامة وخاصة فالعامة آخرهم كأولهم مثل النساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليسوا من أمر الخاصة في شيء فلا شك في براءة هؤلاء من الابتداع.
وأما الخاصة فمنهم مبتدع أحدث البدعة واتخذها ديناً وبلغ في تقويتها كل مبلغ وجعلها أصلاً يرد إليه نصوص الكتاب والسنة. ثم تبعه قوم من نمطه في الفقه والتعصب وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها ولكنه إمامهم المقدم. وهؤلاء هم المبتدعة حقاً.
ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف ولكنه في نفسه راجع إلى الحق وقد دس تلك الأبحاث نقوضها في مواضع على وجه خفي. ولعل هذا تخيل مصلحة دنيئة أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية نفسه. فهذا عرف الحق من الباطل وتخبط في تصرفاته وحسابه على الله إما أن يحشره مع من أحب بظاهره أو يقبل عذره.
وما تكاد تجد أحداً من هؤلاء النظار وأهل الكلام إلا وقد فعل ذلك.
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق ولا هيئ للهجوم على الحقائق وقد تدرب في كلام الناس وعرف أوائل الأبحاث وحفظ كثيراً من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حجاب.
стр. 13939
وهؤلاء الأكثرون عدداً والأرذلون قدراً فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة ولا أدركوا سلامة العامة.
فالقسم الأول مبتدع قطعاً والثاني ظاهر الابتداع والثالث له حكم الابتداع.
وإذا حققت ما ذكرنا لك لم يلزمك السؤال المحذور وهو هلاك معظم الأمة لأن الأكثر عددا قديماً وحديثاً هم العامة. وكذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة.
ولعل القسمين الأوسطين وكذلك من خفت بدعته من القسم الأول تنقذهم رحمة ربك من الانتظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية. ورحمة ربك أوسع بكل مسلم٠ اهـ.
أصول فرق أهل الأهواء:
أصول فرق أهل الأهواء والبدع ثمانية:
الأول المعتزلة: ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية وهم عشرون فرقة.
والثاني الشيعة الشنيعة: وهم اثنتان وعشرون فرقة ترجع في الأصل إلى ثلاث فرق: الغالية والإمامية وهم الرافضة والزيدية.
والثالث الخوارج: ويسمون الحرورية والنواصب والشراة بضم الشين وهم عشرون فرقة٠
والرابع المرجئة: والإرجاء له معنيان:
أ- التأخير، تقول: أرجأت الأمر إذا أخرته.
ب- إعطاء الرجاء، تقول: أرجيت فلاناً إذا أعطيته الرجاء.
والهمزة على الأول أصلية وعلى الثاني منقلبة عن حرف العلة.
وتسمية الجماعة مرجئة على المعنى الأول صحيح لأنهم يؤخرون العمل عن النية وعقد القلب لقولهم: إن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وبما جاءت به من عند الله فقط والعمل ليس بإيمان. وتسميتهم مرجئة على المعنى الثاني واضح لقولهم: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. فقد أعطوا المؤمن العاصي الرجاء في ثواب الله. والمرجئة خمس فرق.
والخامس النجارية: ويسمون الحسينية أتباع أبي عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجار، وافقوا أهل السنة في خلق أفعال العباد ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات. وهم ثلاث فرق.
стр. 13940
والسادس الجبرية: وهم الجهمية في الصفات أتباع جهم بن صفوان السمرقندي. والجبرية لا تثبت للعبد قدرة ولا فعلاً وتقول: نسبة الأفعال إلى العبد مجاز والفاعل حقيقة هو الله تعالى. وهم فرقة واحدة.
والسابع المشبهة: وهم غلاة المثبتة الذين شبهوا الخالق بالمخلوق حكى عن بعضهم أنه قال: أعفوني عن الفرج واللحية واسألوا عما وراء ذلك. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. والمشبهة فرقة واحدة.
فهذه اثنتان وسبعون فرقة كلهم في النار والفرقة الناجية هم أهل السنة الملتزمون اتباع سنة نبيهم ﷺ في القليل والكثير.
واعلم أن افتراق الأمة واختلافها في أصول العقيدة قد حدثت بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى فقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه ثم شيئاً بعد شيء إلى أن تكاثرت الفرقة الضالة.
وقد رسم النبي ﷺ الطريق التي يسير عليها المؤمن ووضع ﷺ الميزان الصحيح الذي تعرض عليه المعتقدات ليبين صحيحها من مفاسدها فما خالف منها ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه.
وذلك يقتضي من كل مؤمن أن لا يأبه لما تزعمه كل فرقة وتدعيها لنفسها من أنها الناجية ومن عداها هالك.
فما من فرقة حتى الذين ألهوا البشر إلا وتتبجح بأنها على الحق.
فاعرض يا أخي المؤمن كل ما تسمع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما وافقهما فهو الحق الذي يجب أن تعض عليه بالنواجذ ولا تفارقه إلى أن تلقي ربك سبحانه. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه إنك ولي ذلك والقدير عليه.
وصلى الله وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
العلم والمال
стр. 13941
كان على بن أبى طالب ﵁ يقول:
"العلم خير من المال، لأن المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه ... مات خزَان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة ... "
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الفرق بين الفرق للبغدادي ص٩.
[٢] الكلب: بفتح الكاف. داء يصيب الكلب بجنون وعلامته أن تحمر عيناه. وإذا عقر هذا الكلب إنساناً عرض له من دلك أعراض رديئة. .
[٣] شرح العقيدة الطحاوية.
стр. 13942
مكانة أهل الحديث ومآثرهم
وآثارهم الحميدة في الدّين
للدكتور ربيع هادي المدخلي
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد- فإن الله بعث محمداً- ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرين.
وإن أسعد الناس بهديه واتباعه وحبه ومولاته ونصرة ما جاء به من الحق هم صحابته الكرام ومن اتبعهم بإحسان من القرون المفضلة. ومن سلك سبيلهم وترسم خطاهم إلى يوم الدين.
ثم إن من يدرس أحوال السابقين واللاحقين من الفرق المنتسبة إلى أمة محمد- ﷺ ويدرس مناهجهم وعقائدهم وأفكارهم بإنصاف وفهم وتجرد يجد أن أهل الحديث هم أشدُّ الناس أتباعاً وطاعة وتعلقاً وارتباطاً بما جاءهم به نبيهم محمد- ﷺ كتاباً وسنة في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم ودعوتهم واستدلالهم واحتجاجهم وهم على غاية من الثقة والطمأنينة بأن هذا هو المنهج الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الطريق السليم والصراط المستقيم.
وما عدا ذلك من المناهج والسبل فأمر لم يشرعه الله ولم يرض به ولا يؤدي إلا إلى الهلاك والعطب٠
فمن هم أهل الحديث إذا؟
هم من نهج نهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان في التمسك بالكتاب والسنة والعض عليهما بالنواجذ وتقديمهما على كل قول وهدي سواء في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق أو السياسة والاجتماع.
стр. 13943
فهم ثابتون في أصول الدين وفروعه على ما أنزله الله وأوحاه على عبده ورسوله محمد ﷺ .
وهم القائمون بالدعوة إلى ذلك بكل جد وصدق وعزم. وهم الذين يحملون العلم النبوي وينفون عنه تحريف المغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
فهم الذين وقفوا بالمرصاد لكل الفرق التي حادت عن المنهج الإسلامي، كالجهمية والمعتزلة والخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، وكل من شذ عن منهج الله واتبع هواه في كل زمان ومكان لا تأخذهم في الله لومة لائم.
هم الطائفة التي مدحها رسول الله- ﷺ وزكاها بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ".
هم الفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه رسول الله- ﷺ وأصحابه، الذين ميزهم رسول الله- ﷺ وحددهم عندما ذكر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال:"من كان على ما أنا عليه وأصحابي".
لا نقول ذلك مبالغة ولا دعاوى مجردة، وإنما نقول الواقع الذي تشهد له نصوص القرآن والسنة، ويشهد له التاريخ وتشهد به أقوالهم وأحوالهم ومؤلفاتهم.
هم الذين وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣) .
وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) . فكانوا أشد الناس بعداً عن مخالفة أمر رسول الله ﷺ وأبعدهم عن الفتن.
وهم الذين جعلوا دستورهم ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥) .
стр. 13944
فقدروا نصوص القرآن والسنة حق قدرها وعظموها حق تعظيمها فقدموها على أقوال الناس جميعاً وقدموا هديها على هدى الناس جميعاً واحتكموا إليها في كل شأن عن رضى كامل وصدور منشرحة بلا ضيق ولا حرج وسلموا لله ولرسوله التسليم الكامل في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم.
هم الذين يصدق فيهم قول الله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١) .
هم بعد صحابة رسول الله جميعا وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون هم سادة التابعين وعلى رأسهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن الحنفية وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومحمد ابن شهاب الزهري ثم أتباع التابعين وعلى رأسهم مالك والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عينة وإسماعيل بن علية والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان.
ثم أتباع هؤلاء وعلى رأسهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والإمام محمد بن إدريس الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وعفان بن مسلم.
ثم تلاميذ هؤلاء الذين سلكوا منهجهم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني.
ثم تلاميذهم كالبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة وأبي داود والترمذي والنسائي.
ثم من جرى مجراهم في الأجيال بعدهم كابن جرير وابن خزيمة والدارقطني في زمنه والخطيب البغدادي وابن عبد البر النمري٠
وعبد الغني المقدسي وابن قدامة وابن الصلاح وابن تيمية والمزي والذهبي وابن كثير وأقران هؤلاء في عصوهم ومن تلاهم واقتفى أثرهم في التمسك بالكتاب والسنة إلى يومنا هذا. هؤلاء الذين أعنى به أهل الحديث
стр. 13945
جهودهم في خدمة السنة عموماً:
وتدوين أسماء رواتها وبيان أحوالهم من عدالة وضبط وإتقان أو ضعف وكذب وتدليس وغير ذلك من أحوالهم من أنواع الجرح والتعديل مما يتعلق بالأسانيد والمتون بدون مجاملة لأحد لا تأخذهم في الله لومة لائم وتلك ميزة خاصة لأمة محمد- ﷺ امتازت بها على سائر الأمم حققها الله على أيدي أئمة أهل الحديث الذين أبدوا من الكفاءات العلمية المدهشة ما لا يلحقهم ولا يدانيهم فيها أهل أي علم من العلوم.
وبرهنت أعمالهم وجهودهم وما خلفوه من تراث عظيم على عبقريات عظيمة وقرائح متوقدة وعقول خصبة قادرة على تشقيق علوم الحديث وتنويعها إلى حد تحار فيه الألباب.
من هذا الإنتاج العظيم أنواع المؤلفات اللاتي ذكرها:
١ - الجوامع.
٢- المسانيد.
٣- والصحاح.
٤- السنن.
٥- المستخرجات.
٦- كتب مفردة في أبواب مخصوصة.
ككتب في رؤية الله في الآخرة وكتب في الإخلاص والتوحيد. والطهور والسواك والأذان وصفة الصلاة.
٧- كتب مفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب.
٨- كتب في التفسير.
٩- كتب في المصاحف والقراءات.
١٠- كتب في الناسخ والمنسوخ.
١١- كتب في الأحاديث القدسية.
١٢- كتب في المراسيل.
١٣- الأجزاء عندهم تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم.
١٤- الفوائد.
١٥- الوحدانيات.
١٦- الثنائيات والثلاثيات إلى العشاريات.
١٧- كتب في الشمائل والسير والمغازي.
١٨- كتب في أحاديث شيوخ مخصوصين.
١٩- كتب في جمع طرق بعض الأحاديث.
٢٠- كتب في رواة بعض الأئمة أو في غرائب حديثهم٠
٢١- كتب في الأحاديث الأفراد.
٢٢- كتب في المتفق والمفترق وفي المؤتلف والمختلف. وكتب في المتشابه.
٢٣- كتب في معرفة الأسماء والكنى والألقاب.
стр. 13946
٢٤- كتب في مبهم الأسانيد أو المتون.
٢٥- كتب في الأنساب.
٢٦- كتب في معرفة الصحابة.
٢٧- كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم.
٢٨- كتب المعاجم.
٢٩- كتب الطبقات.
٣٠- كتب في علوم الحديث أي مصطلحه٠
٣١- كتب في الضعفاء وكتب في الثقات وكتب فيهما.
٣٢- كتب في العلل.
٣٣- كتب في الموضوعات.
٣٤- كتب في بيان غريب الحديث.
٣٥- كتب في اختلاف الحديث.
٣٦- كتب في الأمالي.
٣٧- كتب في رواية الأكابر عن الأصاغر.
٣٨- كتب في أدب الرواية.
٣٩- كتب في العوالي.
٤٠- كتب في الأطراف أي أطراف الأحاديث٠
٤١- كتب في الزوائد.
٤٢- كتب في الجمع بين بعض الكتب- الحديثية
فهذه هي بعض المجالات التي كان يخوضها علماء الحديث والأثر تأليفاً ودراسة وهو يدل على همم عالية وعقول متفتحة خصبة واسعة الأفاق وإذا كان يحق للأمة أن ترفع رؤوسها وتعتز بأسلافها فبهؤلاء العباقرة وبعلومهم الواسعة النافعة وعقولهم النيرة المتفتحة، في الوقت الذي كان غيرهم ولا يزال يبذلون جهودهم في الحجر على العقول ودفع الأمة إلى الجمود القاتل المؤدي إلى الهلاك والضياع والفناء٠
جهودهم الخاصة بالعقيدة والدعوة إلى الكتاب والسنة والتثبيت عليهما والدفاع عنهما:
стр. 13947
كان الصحابة- رضوان الله عليهم- ومن سلك منهجهم واتبعهم بإحسان في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم، مؤمنين إيماناً كاملاً بما جاء في كتاب الله المجيد وسنة رسوله المطهرة في باب أسماء الله وصفاته المقدسة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل وكذلك في الإيمان بالقدر والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه وسائر المعتقدات التي حصل فيها الانحراف من بعض الفرق والله الخالق العليم الحكيم- قد فطر الناس وأعدهم وهيأهم وأعطاهم عقولاً تناسب الحق وتوافقه وأنزل إليهم كتباً تتضمن من العقائد والشرائع ما يوافق العقول السليمة والفطر الصحيحة التي سلمت من الانحراف والفساد٠ فيتلقى حواريو الأنبياء ومن ورثهم بحق واتبعهم بإحسان ما جاء به الرسل والكتب بالإيمان والتسليم.
وهذا كان موقف الصحابة الكرام ومن اتبعهم بإحسان.
ولما ذرت قرون شياطين البدع وقفوا لهم بالمرصاد فضللوهم وبدعوهم وكفروا من يستحق التكفير وقتلوا بعض رؤساء البدع والفتن والزندقة ثم ردوا في مقالاتهم ومؤلفاتهم على أهل البدع وبينوا خطرها وضررها على الإسلام والمسلمين.
وثبتوا المسلمين على كتاب ربهم وسنة نبيهم وبينوا لهم أن الواجب عليهم الإعتصام بكتاب ربهم وسنة نبيهم- ﷺ ومنابذة الأهواء وأهلها. إيمانا منهم أن القرآن والسنة كافيان غاية الكفاية في كل ما يجب على المرء الإيمان به واعتقاده كفيلان بهداية الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وأن الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة في مخالفتهما فاستناداً إلى ما جاء في الكتاب والسنة من وجوب اتباع الرسول- ﷺ وطاعته والانقياد له وإيجاب رد ما تنازع الناس فيه إلى الله والرسول والوعيد الشديد لمن خالف هذا المنهج وشرع في الدين ما لم يأذن به الله.
стр. 13948
ومن تحذير رسول الله- ﷺ من البدع وذمه لها وحكمه على كل بدعة أنها ضلالة وأنها مردودة لا يقبلها الله.
قام من لحقتهم هذه الفتن من الصحابة بقمع أهلها والرد عليهم فقام علي- ﵁ بقتل الخوارج وروى هو وغيره من الصحابة عن رسول الله ما يحض على قتلهم وأنه من أفضل ما يقرب إلى الله.
وأحرق غلاة الشيعة بالنار حينما غلوا فيه ورفعوه إلى درجة الألوهية.
ولما بلغ عبد الله بن عمر- ﵁ أن قوماً ينفون القدر وأن الأمر عندهم أنف قال لمن اخبره بهم: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني براء منهم وأنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
وسئل مالك عمن يقول: "القرآن مخلوق"، قال: "هو عندي كافر فاقتلوه". وعن ابن المبارك والليث بن سعد وابن عيينة وهشيم وعلي بن عاصم وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح مثله [١] ومثله عن النووي ووهب بن جرير ويزيد بن هارون [٢] ٠ وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق.
فقال: "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله أرى أن يستتابوا وإلا ضربت أعناقهم" [٣] ٠
وقال الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي:"لما كلم حفص الفرد الشافعي فقال حفص القرآن مخلوق فقال له الشافعي- ﵁ " كفرت بالله العظيم " [٤] .
وسئل مالك عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا صاحب بدعة وأمر به فأخرج وكان يقول: إن الله في السماء. وأخرج رجلاً من حلقته لأنه مرجيء"٠
وقال سعيد بن عامر: "الجهمية أشر قولاً من اليهود والنصارى. قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله ﵎ على العرش وقالوا هم: ليس على العرش شيء" [٥] .
стр. 13949
وقال ابن المبارك:"لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ها هنا بل على العرش استوى".
وقيل له: كيف نعرف ربنا؟
قال:"فوق سماواته على عرشه... وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية" [٦] .
وقال البخاري: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم [٧] ".
ونقل الإمام البخاري أقوال كثير من الأئمة في تضليل وتكفير الجهمية في إنكارهم أن الله في السماء وفي قولهم إن القرآن مخلوق٠ (راجع خلق أفعال العباد له)
وخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".
وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال:"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي- ﷺ وأصحابه وفارق الجماعة لأنه وصف الرب بصفة لا شيء".
وأخرج ابنا أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (انظر فتح الباري) (١٣/٤٠٦- ٤٠٧) .
وروى الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ في جامعه حديث أبي هريرة- ﵁ "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد".
وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 13950
وروى عن عائشة عن النبي- ﷺ نحو هذا ثم قال: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا قالوا قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف؟.
هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينه وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر. فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده"وقالوا:"إن معنى اليد هاهنا القوة".
وقال إسحاق بن إبراهيم:"إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه".
وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهاً.
وهو كما قال الله تعالى: في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الترمذي كتاب الزكاة عقب حديث ٦٦٢ جـ٣ ص ٤٣ طبعة الحلبي) .
وروى أيضا حديث الحسن البصري عن أبي هريرة مرفوعاً في السماوات والمسافات بينها وأن العرش فوقها وذكر الأرضيين والمسافات بينها ثم قال هذا حديث غريب من هذا الوجه. ثم اثبت استواء الله على عرشه فقال:
"وهو على العرش"كما وصف في كتابه (٤٨- كتاب التفسير حديث ٣٢٩٨) (٥/٤٠٤) طبعة الحلبي.
أما المؤلفات في نصرة العقيدة والرد على أهل البدع فهو كثيرة لا تحصى نذكر منها ما يأتي:
ألف الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والحديث المتوفى سنة ٢٤١ هـ: كتاب: الرد على الجهمية والزنادقة ٠ وألف كتاب: السنة. وألف ابنه عبد الله كتاب: السنة.
стр. 13951
وألف أبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ كتاب: الإيمان.
وألف الإمام البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ: كتاب: خلق أفعال العباد ضمنه الرد على الجهمية المعطلة لصفات الله والقائلين بخلق القرآن٠
وضمن كتابه الجامع الصحيح ثلاثة كتب في هذا المجال: كتاب: الإيمان وضمنه الرد على المرجئة. وكتاب: التوحيد وضمنه الرد على معطلة الجهمية. وكتاب: الاعتصام وضمنه وجوب اتباع الكتاب والسنة وضمنه الرد على أهل الرأي المفرقين في القياس والرد على منكري حجية خبر الآحاد.
وألف أبو داود كتابه: السنن وأدخل فيه كتاب السنة وضمنه الرد على القدرية والمرجئة والجهمية المعطلة وهو يضع تراجم واضحة بأسماء هذه الفرق كقوله بباب الرد على الجهمية في موضعين من كتاب السنة في الموضوع الأول رد عليهم إنكار استواء الله على العرش وفي الموضوع الثاني رد عليهم إنكار النزول.
ووضع الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة مقدمة لكتابه السنن في اتباع سنة رسول الله- ﷺ استغرقت ٩٨ صفحة وضمنها ستة وستين حديثاً ومائتي حديث. وضمنها أبواباً كثيرة من جملتها باب فيما أنكرت الجهمية ذكر فيه إنكارهم الرؤية والكلام والاستواء على العرش وساق أحاديث في الرد عليهم وذكر الخوارج وغيرهم من المبتدعة وعقد باباً في اجتناب الرأي.
وألف عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٠ هـ كتاب: الرد على الجهمية. وكتاب: الرد على بشر المريسي.
وصنف أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي المتوفى سنة ٢٩٢ هـ كتاب: السنة.
وصنف أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ هـ كتاب: الشريعة. وكتاب: التصديق بالنظر إلى وجه الله وما أعد لأوليائه.
وألف أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشافعي الطبراني صاحب التصانيف المتوفى سنة ٣٦٠ هـ كتاب: السنة.
стр. 13952
وألف الإمام أحمد بن محمد بن هانىء أبو بكر الأثرم المتوفى سنة ٢٧٣ هـ كتاب: السنة.
وألف الإمام أبو علي حنبل بن إسحاق الشيباني ابن عم الإمام أحمد بن حنبل وتلميذه المتوفى سنة ٢٧٣ هـ كتاب: السنة.
وألف الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال مؤلف علم أحمد وجامعه المتوفى سنة ٣١١ هـ كتاب: السنة وهو في ثلاث مجلدات.
وألف الإمام أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني ذو التصانيف المتوفى سنة ٣٦٩ هـ كتاب: السنة.
وألف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل الشيباني المتوفى سنة ٢٨٧ هـ كتاب: السنة.
وصنفه أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين الحافظ الكبير ذو التصانيف العجيبة المتوفى سنة ٣٨٥ هـ كتاب: السنة ٠
وصنف الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة ٣٢٤ هـ كتاب: الإبانة وكتاب: الموجز على طريقة أهل الحديث في إثبات الصفات وضمنه الرد على الجهمية وغيرهم من فرق التعطيل.
وألف الإمام الحافظ خشش بن أصرم المتوفى ٢٥٣ هـ كتاب: الاستقامة والرد على أهل البدع.
وألف إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ كتاب: التوحيد وإثبات صفات الرب .
وألف إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ عقيدة على منهج أهل الحديث وجرى في تفسيره الكبير الشهير على المنهج نفسه٠
وصنف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة الحافظ الرحال المتوفى سنة ٣٠١ هـ كتاب: السنة.
وصنف الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الشافعي النيسابوري المتوفى سنة ٣٤٢ هـ المعروف بالصبغي كتاب: الأسماء والصفات. وكتاب: الإيمان بالقدر.
وألف أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال الأصبهاني المتوفى سنة ٣٤٩ هـ كتاب: السنة.
стр. 13953
وألف أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ كتاب: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع.
وصنف الإمام الحافظ الكبير أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ كتاب: الصفات. وكتاب: النزول. وكتاب: الرؤية.
وألف الإمام الحافظ عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧ هـ كتاب: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، والإبانة الصغرى، والسنة.
وألف الإمام الحافظ الجوال صاحب التصانيف الكثيرة محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة المتوفى سنة ٣٩٥ هـ كتاب: التوحيد، وكتاب الإيمان.
وألف الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي المتوفى سنة ٤٩٠ هـ كتاب: الحجة في مجلد.
وألف الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي محدث بغداد المتوفى سنة ٤١٨ هـ كتاب: شرح أصول السنة.
وألف الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٣٨ هـ رسالة في إثبات الاستواء والفوقية.
وألف الإمام الكبير أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفى سنة ٤٨١ هـ كتاب: الفاروق في صفات الله. وكتاب: ذم الكلام.
وألف الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي المتوفى سنة ٤٩٠ هـ كتاب: الحجة في مجلد.
وافتتح الإمام محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي المتوفى سنة ٥١٦ هـ كتابه: شرح السنة. بكتاب الإيمان من ص ٧- ٢٣١ ضمنه الأبواب الآتية:
١- باب الإيمان بالقدر ٣٠- باب وعيد القدرية٠ ٣- باب الرد على الجهمية٠ ٤- باب الرد على من قال بخلق القرآن٠ ٥- باب الاعتصام بالكتاب والسنة٠ ٦- باب رد البدع والأهواء٠ ٧-باب مجانبة أهل الأهواء.
стр. 13954
ونهج في كتابه التفسير نهج أهل الحديث والسنة في إثبات الصفات ومخالفة أهل الأهواء في ذلك٠
وألف العلامة أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب شيخ الإسلام الهروي المتوفى سنة ٥٣٢ هـ عقيدة على منهج السلف.
وألف الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطلحي الأصبهاني المتوفى سنة ٥٣٥ هـ كتاب: الحجة في بيان المحجة على منهج أهل الحديث.
وألف الإمام الحافظ محدث الإسلام عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي الحنبلي، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٦٠٠ هـ كتاباً في الصفات في جزأين تذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٤ ٠
وألف الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية- ﵀ المتوفى سنة ٧٢٨ هـ عدداً من الكتب في: العقيدة والدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، ومحاربة البدع، كالعقيدة الواسطية، والعقيدة الحموية، والعقيدة التدمرية، واقتضاء الصراط المستقيم، ومنهاج السنة، والرد على البكري، والرد على الاخنائي، والفتاوى، وكلها تهدف إلى العودة بالأمة الإسلامية إلى الكتاب والسنة وإلى منهج السلف الصالح.
وألف تلميذه الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية- ﵀ المتوفى سنة ٧٥١ هـ كتاب: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وكتاب: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية. والقصيدة النونية في مجال العقيدة. وأعلام الموقعين في باب الاعتصام بالسنة.
وألف الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ كتاب: العلو للعلي الغفار جمع فيه نصوص الكتاب والسنة في علو الله وما بلغه من أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الحديث وأئمة الفقه وأتباعهم إلى عصره.
стр. 13955
وألف العلامة القاضي صدر الدين علي بن علي بن أبي العز الحنفي الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ رسالة سماها الإتباع موضوعها وجوب اتباع السنة كما شرح العقيدة الطحاوية على منهج أهل الحديث في الصفات والقرآن والقدر وغيرها من العقائد الإسلامية.
ثم كانت حركات الدعوة إلى الكتاب والسنة وتصحيح العقائد ومحاربة البدع في العالم الإسلامي. كحركة الصنعاني والشوكاني في اليمن.
وحركة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وحركة أهل الحديث في الهند امتداداً لدعوة أهل الحديث ومنهجهم وهي لا تزال قائمة إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة ".
يرزق الله العلم السعداء ويحرمه الأشقياء
عن عبد الرزاق، قال:
سمعت سفيان الثوري يقول لرجل من العرب:
"ويحكم، أطلبوا العلم، فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فيصير إلى غيركم، فتذلون ...
أطلبوا العلم، فإنه شرف في الدنيا وشرف في الآخرة "
وعن أبي الدرداء ﵁، قال:
"يرزق الله العلم السعداء، ويحرمه الأشقياء ".
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه:
"يا بني، تعلموا العلم، فإن استغنيتم كان لكم كمالاً، فإن افتقرتم كان لكم مالاً "
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول:
"زيادة العلم: الابتغاء، ودرك العلم: السؤال ... فتعلم ما جهلت، واعمل بما عملت " ٠٠٠
(جامع بيان العلم وفضله)
قال رسول الله ﷺ :
стр. 13956
" لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام وراحلته عند رأسه فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها فلم يقدر عليها حتى أدركه الموت من العطش، فقال: والله لأرجعن فلأموتن حيث كان رحلي، فرجح فنام، فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح "
متفق عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] شرح السنة للبغوي (١/١٨٧) .
[٢] خلق أفعال العباد ص ١١٩ تحقيق على سامي النشار.
[٣] شرح السنة للبغوي (١/١٨٧) .
[٤] شرح السنة للبغوي (١/١٨٧) .
[٥] خلق أفعال العباد ص ١٢٠.
[٦] خلق أفعال العباد ص ١٢٠.
[٧] خلق أفعال العباد ص ١٢٢.
стр. 13957
بَيَانُ مَذهَبِ أهلِ السُّنةِ في الاستواء وَسَائِر الصِّفاتِ
لسَمَاحة الشيخ عبد العزيز بن بَاز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت أخيراًَ على ما نشر في مجلة البلاغ بعددها رقم ٦٣٧ من إجابة الشيخ أحمد محمود دهلوب على السؤال الآتي: ما تفسير قوله تعالى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وجاء في هذه الإجابة جملة نسبها إلى السلف وهي قوله: "وقال أهل السلف استوى على العرش استوى عليه وملكه كقولهم:
من غير سيف أو دم مهراق
استوى بشر على العراق
وحيث إن هذه النسبة إلى السلف غلط محض. أحببت التنبيه على ذلك لئلا يغتر من يراها فيظنها من قول العلماء المعتبرين. والصواب أن هذا التفسير هو تفسير الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم في نفي الصفات وتعطيل الباري سبحانه وتعالى عما وصف به نفسه من صفات الكمال. وقد أنكر علماء السلف ﵏ مثل هذا التأويل وقالوا إن القول في الاستواء كالقول في سائر الصفات وهو إثبات الجميع لله على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الإمام مالك ﵀:"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
стр. 13958
وعلى هذا درج علماء السلف من أهل السنة والجماعة ﵏. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة الحموية: "فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها ثم عامة كلام الصحابة والتابعين ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى وهو فوق كل شيء وهو عالٍ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء مثل قوله تعالى: ﴿إليْهِ يَصْعدُ الِكَلمُ الطَيبُ والعَملُ الصَالحُ يَرفَعهُ﴾ . ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾ . ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ . ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً حَاصباً﴾ . ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ . ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ . ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ . ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ . ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . في سبعة مواضع إلى أن قال إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصي إِلا بالكلفة. وفى الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إِلا بالكلفة مثل قصة معراج الرسول إلى ربه ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إِليه وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليَل والنهار. "فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم"وفي الصحيح في حديث الخوارج "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء" إلى أن قال: "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله, مما هو أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علماً يقيناً من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام
стр. 13959
إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبَلغ مئين أو ألوفاً"الخ ا. هـ٠
وبما ذكرناه يتضح للقراء أن ما نسبه أحمد محمود دهلوب إلى السلف من تفسير الاستواء بالاستيلاء غلط كبير وكذب صريح لا يجوز الالتفات إليه، بل كلام السلف الصالح في ذلك معلوم ومتواتر، وهو ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من تفسير الاستواء بالعلو فوق العرش، وأن الإيمان به واجب، وأَن كيفيته لا يعلمها إلا الله سبحانه. وقد روى هذا المعنى عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀ وهو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول أهل السنة والجماعة بلا ريب. وهكذا القول في باقي الصفات من السمع والبصر والرضى والغضب، واليد والقدم والأصابع والكلام والإرادة وغير ذلك. كلها يقال فيها إنها معلومة من حيث اللغة العربية، فالإيمان بها واجب والكيف مجهول لنا لا يعلمه إلا الله سبحانه مع الإيمان أن صفاته سبحانه كلها كاملة، وأنه سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه، فليس علمه كعلمنا ولا يده كأيدينا ولا أصابعه كأصابعنا ولا رضاه كرضانا إلى غير ذلك كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ والمعنى أنه لا أحد يساميه سبحانه أي يشابهه وقال : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة والواجب على المؤمن التمسك بما أخبر الله به ورسوله ودرج عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، والحذر من مقالات أهل البدع الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة وحكموا أفكارهم وعقولهم فضلوا وأضلوا. والله المسئول أن
стр. 13960
يحفظنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن وأن يعيذنا وسائر المسلمين من نزغات الشيطان واتباع خطواته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 13961
مَفهُومُ الأسمَاء والصِّفات
سَعد نَدَا
المدرس بالجامعة الإسلامية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبع هديه ووالاه، وبعد:
فإذا توهم بعض الناس أن الكتابة في أسماء الله أمر لا أهمية له وزعموا أنهم جميعاً يعرفون الله تعالى، ولا حاجة لهم إلى مثل هذه الموضوعات.
فأقول: وهل يعرف ربه من يجهل ربه بأسمائه الحسنى وصفات كماله العليا التي اختارها هو سبحانه لنفسه وجعلها لنا سبيلاً إلى التعرف عليه جل وعلا؟
وهل يستطيع أن يعبد ربه ويجرد له عبادته من لم يتعرف على ربه ولم يعلم له اسما ولا صفة؟
وإلا فليدلني أولئك الزاعمون: ممن يطلب الواحد منهم الرزق مثلاً إن لم يكن يعرف أن من أسماء ربه سبحانه: الرزاق، ومن صفاته صفة الرزق؟ وممن يطلب المغفرة إن لم يكن يعرف أن من أسماء ربه سبحانه: الغافر والغفار، ومن صفاته صفة المغفرة؟ وهكذا.
إن معرفة العبد أسماء ربه الحسنى وصفات كماله العليا له شأن عظيم، ومن روائع ما ذكره الإمام ابن القيم- ﵀ في أهمية التعرف على الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله قوله: "لا حياة للقلوب، ولا سرور، ولا لذة، ولا نعيم، ولا أمان، إلا بأن تعرف ربها، ومعبودها، وفاطرها، بأسمائه وصفاته، وأفعاله، ويكون ذلك أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه. ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ذلك على التفصيل، فاقتضت حكمةُ العزيز العليم بأن بعث الرسل به مُعَرِّفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاحَ دعوتهم وزبدةَ رسالتهم معرفةَ المعبود سبحانه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وعلى هذه المعرفة تنبني مطالبُ الرسالة جميعها، فإن الخوفَ والرجاء، والمحبة والطاعةَ والعبوديةَ تابعةٌ لمعرفة المرجُوّ، المخّوف، المحبوب، المُطاع، المعبُود.
стр. 13962
ولما كان مفتاحُ الدعوة معرفةَ الربِّ تعالى، قال أفضلُ الداعين إليه رسولُ الله ﷺ لمعاذ بن جبل، وقد أرسله إلى اليمن: "إنك تأتى قوماً من أهل الكتاب، فليكنْ أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... الحديث".
وهو في الصحيحين- واللفظ لمسلم [١] ٠
ثم قال الإمام ابن القيم- ﵀: "والمقصود أن الله تعالى أكمل للرسول ولأمته به دينهم، وأتم عليهم به نعمته. ومحال مع هذا أن يَدَعَ ما خُلِقَ له الخلقُ، وأُرسلت به الرسلُ، وأُنزِلت به الكتبُ، ونُصِبَتْ عليه القِبْلةُ، وأسِّسَتْ عليه المِلَّةُ، وهو باب الإيمان بالله، ومعرفته ومعرفة أسمائه، وصفاته، وأفعاله ملتبساً مشتبِهاً حقُّهُ بباطله، لم يتكلم فيه بما هو الحق بل تكلم بما هو الباطل، وأن الحق في إخراجه عن ظاهره. فكيف يكون أفضل الرسلِ وأجلُّ الكتب غيرَ وافٍ بتعريف ذلك على أتم الوجوه؟ مبين له بأكمل البيان؟ موضح له غاية الإيضاح؟ مع شِدَّة حاجة النفوس إلى معرفته، وهو أفضل ما اكتسبته النفوس، وأجلُّ ما حصلته القلوب؟ [٢] ".
بعد هذا التقديم، أعود إلى إتمام ما بدأته من الكلام على أسماء الله الحسنى، سائلا الله أن يلهمني الرشاد. فأقول:
المؤمن:
هو اسم من أسماء الله . وهو من (آمن) عباده من أن يظلمهم. وأصل (آمَنَ) : (أأمَنَ) بهمزتين لُيِّنت الثانية [٣] .
وقيل: المؤمن: هو الذي يَصْدُق عبادَه وعْدَه: فهو من الإيمان: التصديق، أو يؤمنهم في القيامة من عذابه، فهو من الأمان، والأمْن ضد الخوف [٤] ٠
. وقد ورد اسم (المؤمن) جل وعلا في القرآن الكريم مرة واحدة فقط [٥] . في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ... ﴾ [الحشر آية ٢٣]
стр. 13963
- وقد قيل في معنى (المؤمن) في هذه الآية: أنه سبحانه الذي يؤمن خلقه من ظلمه. المصدِّق الموقن: بمعنى أن الناس آمنوا بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريمُ لهم بإيمانهم. صدقهم [٦] .
- وقيل المؤمن: هو واهب الأمن [٧] .
- وقيل: المؤمن: فيه ستة أقوال:
١- أنه- سبحانه- الذي أمن الناسُ ظلمَه، وأَمِنَ مَنْ آمَنَ به عذابَه. قاله ابن عباس ومقاتل.
٢- أنه المجير- قاله القرظي.
٣- أنه الذي يُصَدِّق المؤمنين إذا وحدوه- قاله ابن زيد.
٤- أنه الذي يصدِّق عباده وعدَه- قاله ابن قتيبة.
٥- أنه الذي وحَّد نفسه لقوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران آية ١١٨]- قاله الزجاج.
٦- أنه الذي يُصدِّق ظُنون عباده المؤمنين ولا يُخيب آمالهم، كقول النبي ﷺ "أنا عند حسن ظن عبدي بي"- حكاه الخطابي- وهذا الحديث جزء من حديث قدسي رواه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما بتمامه ولفظه عند البخاري بتمامه عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلىَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإنْ تقرب إلىَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة".
والحديث يرشد إلى تحسين الظن بالله ، وهذا لا يكوِن إلا لمن تاب، وندم، وأقلع، وأَتبع السيئة الحسنةَ، واستقبل بقية عمره بوسائل النجاة فمَن فعل ذلك ثم أحسن الظن، فقد أحسن وحلَّ محلَّه، وأما مَنْ أساء وأصر على الكبائر، فوَحْشَةُ المعاصي لا يجامِعها إِحسان الظنِّ بالله تعالى [٨] .
- وقيل: المؤمن: هو المُصَدِّقُ لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدِّق الكافرين ما أوعدهم من العقاب [٩] .
стр. 13964
أو هو الذي يؤمِّن أولياء من عذابه، ويؤمِّن عبادَه من ظلمه، فيقال: آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف، كما قال تعالى ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش آية ٤] ، فهو سبحانه المؤمن [١٠] .
- وقيل: المؤمن: أمن خلقه من أن يظلمهم- قال الضحاك عن ابن عباس.
أو: أنه صدَّق عباده المؤمنين في إيمانهم به- قاله ابن زيد [١١] .
- وقيل: المؤمن هو المصدق لنفسه ولرسله ﵈ فيما بلغوه عنه سبحانه، أو بخلق المعجزة.
أو: هو واهب عباده الأمن من الفزع الأكبر.
أو: هو مؤمنهم منه إِما بخلق الطمأنينة في قلوبهم، أو بإخبارهم بأنهم لا خوفٌ عليهم.
أو: أنه المصدق للمؤمنين أنهم آمنوا- قاله ثعلب.
أو: أنه المصدق للمؤمنين في شهادتهم على الناس يوم القيامة [١٢] .
وقيل: المؤمن هو الطاهر الذي لا تعلق به شائبة. ومنه سمي المؤمن مؤمناً [١٣] .
وقيل: المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آيةٍ وبرهانٍ يدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به [١٤] .
أقول:
стр. 13965
"وإذا كان علماء التفسير- على مدى العصور- قد ذكروا تلك المعاني السامية الرائعة لاسم (المؤمن) سبحانه، فإنه يبدوا لي أن هذا الاسم الكريم يعنى- بإِجمال هذه المعاني- أنه- جل وعلا- الطاهر الذي لا تعلق به شائبة ولا نقيصة، لأنه الكامل في كل صفاته كمالا مطلقا، وهو الذي يهب الأمن لعباده، فيؤمنهم جميعاً من الظلم لأنه سبحانه يتنزه عنه، ويؤمن قلوب المرسلين والمؤمنين بهم بما أنزل من الحق، ثم يؤمنهم من عذابه، لأنهم أولياؤه الذين آمنوا به ووحدوه وجردوا له العبادة، ويؤمنهم في الدنيا من كل خوف وحزن، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ] يونس آية ٦٢ [، ويؤمنهم في الآخرة من الفزع الأكبر كما قال سبحانه: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ] الأنبياء آية ١٠٣ [بل سيجعلهم شهداء على الناس ويجعل الرسول ﷺ شهيداً عليهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ] الحج آية ١٧٨ [٠"
فاسم (المؤمن) - سبحانه- يشمل كل حسن وجمال وخير، يشيع أثره في هذا الكون:
أنظر إلى الأمن الذي يغشى الناس في أسرابها، والطيور في أوكارها، والأسماك والحيتان في بحارها، والزواحف في جحورها، وأسراب النمل في شقوقها، وجماعات النحل في بيوتها: حين تأكل، وحين تشرب، وحين تنام، وحين تتزاوج، وحين تتوالد. أنظر إلى الأمن السائد في كل المخلوقات، والطمأنينة المبسوطة على كل الكائنات، لتجد أن ذلك كله من آثار اسم (المؤمن) ﷻ ، الذي يهب الحياة لخلقه، ويهب الأمن للأحياء.
стр. 13966
ومن ثم ينبغي عليك- أيها الإنسان- أن تكون مؤمناً (بالمؤمن) سبحانه، وأن تجرد له أعمالك جميعاًَ، ليطمئن به قلبك وتأمن به نفسك، وينتشر الأمن في كل كائن من حولك، وحينئذ ستشعر بلذة الحياة الآمنة الوادعة الطيبة التي تختفي فيها المعاصي ومشكلاتها، وتبرز فيها الطاعات وثمراتها، ويكون الله ورسوله فيها أحب إليك مما سواهما، والحب سبيل الطاعة، والطاعة سبيل الفوز العظيم في الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ] الأحزاب آية ٧١ [.
المُهَيْمِنُ:
هو اسم من أسماء الله . وهو الرقيب. وقيل: الشاهد. وقيل: المُؤتَمَن. وقيل: القائم بأمور الخلق.
- وقيل أصله: مؤتَمِن، فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مُفَيعِلٌ من الأمانة [١٥] .
. وقد ورد اسم (المهيمن) جل وعلا في القرآن الكريم مرة واحدة فقط [١٦] ، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ... ﴾ ] الحشر آية ٢٣ [.
- وقد قيل في معنى (المُهَيمنُ) في هذه الآية: الشهيد أو الأمين. قاله ابن عباس ﵄. أو المصدِّق لكل ما حدث، قاله ابن زيد ثم قرأ ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [١٧] وقال:" فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدث عما مضى في الدنيا، وما بقي، وما يحدث في الآخرة" [١٨] .
- وقيل: (المُهيمن) الرقيب على كل شيء الحافظ له. مُفَيْعِل من الأمن إلا أَن همزته قلبت هاء. [١٩]
- وقيل (المُهَيْمنُ) : فيه أربعة أقوال:
ا- أنه الشهيد: قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائى. قال الخطابي: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْه﴾ ] المائدة ٤٨ [- فالله تعالى: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل.
٢- أنه الأمين: قاله الضحاك.
стр. 13967
وقال الخطابي: وأصله: مُؤَيْمنٌ، فقُلبت الهمزة هاء، لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة- ولم يأت: مُفَيعِل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف: (مُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومهَيمِن) وقد ذكر في سورة الطور آية ٣٧ عن أبى عبيدة أنها خمسة أحرف: في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ إنه لم يأت في كلام العرب اسم على مُفَيْعِل إلا خمسة أسماء: مهَيْمِن- ومجيمر- ومُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومُبَيْقِر.
فالمهيمن: الله الناظر، المحصى، الذي لا يفوته شيء- ومجيمر: جبل- ومسيطر: مسلَّط- ومبيطر: بَيْطار- ومبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال: بَيْقَر إذا خرج من بلد إلى بلد.
٣- أنه المُصدِّق فيما أخبر- قاله ابن زيد.
٤- أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له،- قاله الخليل والخطابي.
وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له ثم قال:
مُهَيْمِنُهُ التاليه في العرف والنكر
ألا إن خير الناس بعد نبيه
يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم [٢٠] ٠
وقيل: (المُهَيْمنُ) : الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم كقوله:
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ - قاله ابن عباس ﵄ وغيره [٢١] ٠
- وقيل: (المُهَيْمِن) : الرقيب المطلع على السرائر [٢٢] ٠
- وقيل: (المُهَيْمنُ) : الشهيد على عباده بأعمالهم، الرقيب عليهم- قاله مجاهد وقتادة ومقاتل.
يقال: هَيْمَن يُهَيْمن فهو مُهَيْمن: إذا كان رقيباً على الشيء.
وقال الواحدي:"وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤَيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن- والأول أولى" [٢٣] .
стр. 13968
- وقيل: (المهيمن) : الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل من الأمن بقلب همزته هاءً [٢٤] ٠
- وقيل: (المُهَيْمِن) : الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل بقلب همزته هاء ً، وإليه ذهب غير واحد- وتحقيقه كما في الكشف: أن أَيْمَنَ على فَيْعَل مبالغة أمن العدو للزيادة في البناء- وإذا قلت: أمن الراعي الذئب على الغنم مثلاً، دل ذلك على كمال حفظه ورقبته. فالله تعالى أمن كل شيء سواه سبحانه على خلقه وملكه، لإحاطة علمه، وكمال قدرته ، ثم استعمل مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء في غير ذكر المفعول بلا واسطة للمبالغة في كمال الحفظ. كما قال تعالى ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وجعله من ذلك أولى من جعله من الأمانة، نظراً إلى أن الأمين على الشيء حافظ له، إذ لا ينبىء عن المبالغة ولا عن شمول العلم والقدرة. وجعله في الصحاح اسم فاعل من: آمنه الخوف على الأصل، فأبدلت الهمزة الأصلية باء كراهة اجتماع الهمزتين، وقلبت الأولى هاءًَ كما في هراق الماء.
وظاهر كلام الكشف: أنه ليس من التصغير في شيء.
وقال المبرد:"إنه مُصَغَّر- وقد أخطأ في ذلك، فإنه لا يجوز تصغير أسماء الله [٢٥] ٠
- وقيل: (المهيمن) : القائم على الوجود، المسيطر على كل ذرة فيه [٢٦]
. أقول:"في اسم: (المهيمن) سبحانه، ذكر المفسرون المعاني التي عرضت جانبا منها، وأجملها في أن المراد بمعنى (المُهَيْمِن) جل وعلا: القائم بأمور الخلق- الرقيب الحافظ لكل شيء، الشهيد على عباده، المطلع على أعمالهم وأسرارهم، الأمين، المصدق فيما أخبر ولكل ما حدث.
стр. 13969
والذي يبدو لي أن اسم (المُهَيْمِن) ﷻ ، يتضمن معناه شمول الهيمنة بمعنى السيطرِة المطلقة لله على كل كائن في هذا الكون، إيجاداً وإعداماً، وتحريكاً، وتسكيناًَ، بعلمٍ محيطٍ، وعدلٍ مطلقٍ، وقدرةٍ شاملةٍ، ومشيئةٍ نافذةٍ، وقدرٍ سابقٍ، فلا راد لمشيئته، ولا معقب لقدره، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد. وما أراد وقوعه في كونه سبحانه- وما دونه في اللوح المحفوظ غيبَه عن خلقه، واستأثر بعلمه وحده، وهذا الاستئثار أثر من آثار هيمنته سبحانه.
ومن أمثلته قوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ] الأنعام آية ٥٩ [.
ثم أنه سبحانه مع هذه الهيمنة التي من مقتضاها قهر عباده سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ] الأنعام آية ١٨ [، لم يهمل عباده بل يراقبهم، ويشهد كل أقوالهم وأعمالهم، بل ويطلع على أسرارهم وما تُكِن صدورهم، ويوالى إمدادهم بكل ما يحتاجون لعمارة هذه الأرض، وما يصلح لهم في دنياهم وأخراهم، ويرسل إليهم ملائكة حفظة لهم بإذن الله طول حياتهم حتى تنتهي آجالهم، كما قال سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ] الرعد آية ١١ [، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ] الأنعام آية ٦١ [.
стр. 13970
ومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء، لأنهم في ملكه، والمالك من حقه أن يتصرف في ملكه بكافة أنواع التصرفات. ومن نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تعالى تنبيهاً لنا وتذكيراً باستمرار وشمول هيمنته على خلقه سبحانه قوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ. قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ] الأنعام آية ٦٣- ٦٥ [.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ] الأنعام آية ٤٦، ٤٧ [.
следующие страницы →