← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13966–14005 · переход к 13971.

стр. 13966

ومن ثم ينبغي عليك- أيها الإنسان- أن تكون مؤمناً (بالمؤمن) سبحانه، وأن تجرد له أعمالك جميعاًَ، ليطمئن به قلبك وتأمن به نفسك، وينتشر الأمن في كل كائن من حولك، وحينئذ ستشعر بلذة الحياة الآمنة الوادعة الطيبة التي تختفي فيها المعاصي ومشكلاتها، وتبرز فيها الطاعات وثمراتها، ويكون الله ورسوله فيها أحب إليك مما سواهما، والحب سبيل الطاعة، والطاعة سبيل الفوز العظيم في الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ] الأحزاب آية ٧١ [. المُهَيْمِنُ: هو اسم من أسماء الله . وهو الرقيب. وقيل: الشاهد. وقيل: المُؤتَمَن. وقيل: القائم بأمور الخلق. - وقيل أصله: مؤتَمِن، فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مُفَيعِلٌ من الأمانة [١٥] . . وقد ورد اسم (المهيمن) جل وعلا في القرآن الكريم مرة واحدة فقط [١٦] ، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ... ﴾ ] الحشر آية ٢٣ [. - وقد قيل في معنى (المُهَيمنُ) في هذه الآية: الشهيد أو الأمين. قاله ابن عباس ﵄. أو المصدِّق لكل ما حدث، قاله ابن زيد ثم قرأ ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [١٧] وقال:" فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدث عما مضى في الدنيا، وما بقي، وما يحدث في الآخرة" [١٨] . - وقيل: (المُهيمن) الرقيب على كل شيء الحافظ له. مُفَيْعِل من الأمن إلا أَن همزته قلبت هاء. [١٩] - وقيل (المُهَيْمنُ) : فيه أربعة أقوال: ا- أنه الشهيد: قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائى. قال الخطابي: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْه﴾ ] المائدة ٤٨ [- فالله تعالى: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل. ٢- أنه الأمين: قاله الضحاك.

стр. 13967

وقال الخطابي: وأصله: مُؤَيْمنٌ، فقُلبت الهمزة هاء، لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة- ولم يأت: مُفَيعِل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف: (مُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومهَيمِن) وقد ذكر في سورة الطور آية ٣٧ عن أبى عبيدة أنها خمسة أحرف: في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ إنه لم يأت في كلام العرب اسم على مُفَيْعِل إلا خمسة أسماء: مهَيْمِن- ومجيمر- ومُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومُبَيْقِر. فالمهيمن: الله الناظر، المحصى، الذي لا يفوته شيء- ومجيمر: جبل- ومسيطر: مسلَّط- ومبيطر: بَيْطار- ومبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال: بَيْقَر إذا خرج من بلد إلى بلد. ٣- أنه المُصدِّق فيما أخبر- قاله ابن زيد. ٤- أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له،- قاله الخليل والخطابي. وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له ثم قال: مُهَيْمِنُهُ التاليه في العرف والنكر ألا إن خير الناس بعد نبيه يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم [٢٠] ٠ وقيل: (المُهَيْمنُ) : الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم كقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ - قاله ابن عباس ﵄ وغيره [٢١] ٠ - وقيل: (المُهَيْمِن) : الرقيب المطلع على السرائر [٢٢] ٠ - وقيل: (المُهَيْمنُ) : الشهيد على عباده بأعمالهم، الرقيب عليهم- قاله مجاهد وقتادة ومقاتل. يقال: هَيْمَن يُهَيْمن فهو مُهَيْمن: إذا كان رقيباً على الشيء. وقال الواحدي:"وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤَيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن- والأول أولى" [٢٣] .

стр. 13968

- وقيل: (المهيمن) : الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل من الأمن بقلب همزته هاءً [٢٤] ٠ - وقيل: (المُهَيْمِن) : الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل بقلب همزته هاء ً، وإليه ذهب غير واحد- وتحقيقه كما في الكشف: أن أَيْمَنَ على فَيْعَل مبالغة أمن العدو للزيادة في البناء- وإذا قلت: أمن الراعي الذئب على الغنم مثلاً، دل ذلك على كمال حفظه ورقبته. فالله تعالى أمن كل شيء سواه سبحانه على خلقه وملكه، لإحاطة علمه، وكمال قدرته ، ثم استعمل مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء في غير ذكر المفعول بلا واسطة للمبالغة في كمال الحفظ. كما قال تعالى ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وجعله من ذلك أولى من جعله من الأمانة، نظراً إلى أن الأمين على الشيء حافظ له، إذ لا ينبىء عن المبالغة ولا عن شمول العلم والقدرة. وجعله في الصحاح اسم فاعل من: آمنه الخوف على الأصل، فأبدلت الهمزة الأصلية باء كراهة اجتماع الهمزتين، وقلبت الأولى هاءًَ كما في هراق الماء. وظاهر كلام الكشف: أنه ليس من التصغير في شيء. وقال المبرد:"إنه مُصَغَّر- وقد أخطأ في ذلك، فإنه لا يجوز تصغير أسماء الله [٢٥] ٠ - وقيل: (المهيمن) : القائم على الوجود، المسيطر على كل ذرة فيه [٢٦] . أقول:"في اسم: (المهيمن) سبحانه، ذكر المفسرون المعاني التي عرضت جانبا منها، وأجملها في أن المراد بمعنى (المُهَيْمِن) جل وعلا: القائم بأمور الخلق- الرقيب الحافظ لكل شيء، الشهيد على عباده، المطلع على أعمالهم وأسرارهم، الأمين، المصدق فيما أخبر ولكل ما حدث.

стр. 13969

والذي يبدو لي أن اسم (المُهَيْمِن) ﷻ ، يتضمن معناه شمول الهيمنة بمعنى السيطرِة المطلقة لله على كل كائن في هذا الكون، إيجاداً وإعداماً، وتحريكاً، وتسكيناًَ، بعلمٍ محيطٍ، وعدلٍ مطلقٍ، وقدرةٍ شاملةٍ، ومشيئةٍ نافذةٍ، وقدرٍ سابقٍ، فلا راد لمشيئته، ولا معقب لقدره، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد. وما أراد وقوعه في كونه سبحانه- وما دونه في اللوح المحفوظ غيبَه عن خلقه، واستأثر بعلمه وحده، وهذا الاستئثار أثر من آثار هيمنته سبحانه. ومن أمثلته قوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ] الأنعام آية ٥٩ [. ثم أنه سبحانه مع هذه الهيمنة التي من مقتضاها قهر عباده سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ] الأنعام آية ١٨ [، لم يهمل عباده بل يراقبهم، ويشهد كل أقوالهم وأعمالهم، بل ويطلع على أسرارهم وما تُكِن صدورهم، ويوالى إمدادهم بكل ما يحتاجون لعمارة هذه الأرض، وما يصلح لهم في دنياهم وأخراهم، ويرسل إليهم ملائكة حفظة لهم بإذن الله طول حياتهم حتى تنتهي آجالهم، كما قال سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ] الرعد آية ١١ [، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ] الأنعام آية ٦١ [.

стр. 13970

ومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء، لأنهم في ملكه، والمالك من حقه أن يتصرف في ملكه بكافة أنواع التصرفات. ومن نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تعالى تنبيهاً لنا وتذكيراً باستمرار وشمول هيمنته على خلقه سبحانه قوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ. قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ] الأنعام آية ٦٣- ٦٥ [. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ] الأنعام آية ٤٦، ٤٧ [.

стр. 13971

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ] الأنعام آية ٩٥- ٩٩ [٠ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ] الرعد آية ١٢، ١٣ [.

стр. 13972

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ. وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ] الحجر آية ١٦-٢٥ [. وقِوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ] النحل آية ٥-٨ [.

стр. 13973

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً. ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾ ] الفرقان آية ٤٥-٤٩ [. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ ] الفرقان آية ٥٣-٥٤ [٠ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ] القصص آية ٧١- ٧٣ [٠

стр. 13974

وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. ِ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ] الواقعة آية ٥٧- ٧٤ [٠ سبحانك ربَّنا العظيم، ما أعظم سلطانك، وما أكمل هيمنتك المطلقة على كل شيء في هذا الوجود، لا يفتك منها أي مخلوق صغر أم كبر، دقَّ أم عظم. ننزهك ربَّنَا العظيم عن كل ما لا يليق بجلالك وسلطانِك، ونُقِر لَكَ وحدَكَ بسموِّ أسمائِكَ وكمالِ صِفاتِكَ، ونعترفُ لكَ بجليل فضلِكَ وإِحسانِكَ وكرمِكَ، بقلوبِنا وألسنتنا وجوارِحنَا، ونشهدُ بأنَّكَ وحدَك المستحق ِلأن تُشْكَرَ فلا تُكْفَر، وتُذْكر فلا تنسى، وتُطاع فَلا تُعْصَى.

стр. 13975

ونَكِلُ أمورنا إليكَ وحدَكَ، فَأنتَ ملاذُنا وحدَكَ في الدنيا، ومَرِجعُنَا إليك وحدَكَ في الأخرى، أنت مولانا المهيمنُ علينا حَقَّا، ونحنُ عَبيدكَ الخاضعُون لَكَ صِدْقاً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ] مريم آية ٩٣- ٩٥ [. أسأل الله جل وعلا أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يصرفها على طاعته، وأن يختم لنا بعقيدة التوحيد ختام الإيمان. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الكريم محمدٍ وعلى آله وصحبه. حلاوة الإيمان عن أنس بن مالك ﵁ (في الصحيحين) قال:"قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: (١) من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. (٢) ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله. (٣) ومن كان يكره أن يرجع في الكفر، بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار ". وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ (في صحيح مسلم) قال:"قال ﷺ : " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً". -------------------------------------------------------------------------------- [١] مختصر الصواعق المرسلة جـ اص ٤، ٥. [٢] المرجع السابق ص ٧. [٣] مختار الصحاح في مادة (أون) . . [٤] النهاية لابن الأثير- الجزء الأول ص ٦٩. [٥] المعجم المفهرس ص ٩٠. [٦] جامع البيان عن تأويل آي القرآن- للطبري- جزء٢٨ ص ٥٤. [٧] الكشاف- للزمخشري- جزء٤ ص ٨٧. وجامع البيان للِإيجي- جزء٢ ص ٣٥٠.

стр. 13976

[٨] زاد المسير في علم التفسير لأبى الفرج ابن الجوزى- ص ٢٢٥- بقليل تصرف-. [٩] الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي- جزء١٨ ص ٤٦- بقليل تصرف- وفتح القدير- جزء٥ ص ٢٠٧-. [١٠] الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي- جزء١٨- ص ٤٦- بقليل تصرف-. . [١١] تفسير ابن كثير- جزء٤ ص ٣٤٤. [١٢] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى- للألوسى جزء٢٨- ص ٦٣-. [١٣] التفسير القرآني للقرآن- جزء٢٨ ص ٨٨٣. [١٤] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان- للسعدي- جزء٥- ٣٠١-. [١٥] النهاية لابن الأثير- الجزء الخامس- ص ٢٧٥-. [١٦] المعجم المفهرس- ص ٧٣٩-. [١٧] يقصد قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ] المائدة آية ٤٨ [٠ [١٨] جامع البيان للطبري- جزء٢٨- ص ٥٤. [١٩] الكشاف للزمخشرى- جزء٤- ص ٨٧-. [٢٠] زاد المسير- جزء٨- ص٢٢٥-. [٢١] تفسير ابن كثير- حزء٤ ص ٣٤٤-. [٢٢] جامع البيان- للإيجي- جزء٢ ص ٣٥٠-. [٢٣] فتح القدير- جزء٥- ص ٢٠٨-. [٢٤] تفسير أبى السعود- جزء٧- ص ٢٣٤-. [٢٥] روح المعاني- جزء٢٨- ص ٦٣-. [٢٦] التفسير القرآني للقرآن- جزء٢٨- ص ٨٨٣-.

стр. 13977

الفقه وأصوله سَمَاحة الشيخ عبد العزيز بن باز يدْعُو المسلِمِين للمُبَادَرَة بالتوْبة وجه الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نصيحة إِلى المسلمينَ دعاهم فيها إِلى وجوب التوبة إِلى الله والضراعة إِليه عند نزول المصائب وفيما يلي نصها: "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إِلى من يطلع عليه من المسلمين.. وفقني الله وإِياكم للتذكر والاعتبار والاتعاظ بما تجري به الأقدار والمبادرة بالتوبة النصوح من جميع الذنوب والأوزار.. أمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:

стр. 13978

فإِن الله بحكمته البالغة وحجته القاطعة وعلمه المحيط بكل شيء يبتلي عباده بالسراء والضراء والشدة والرخاء وبالنعم والنقم، ليمتحن صبرهم وشكرهم، فمن صبر عند البلاء وشكر عند الرخاء وضرع إِلى الله سبحانه عند حصول المصائب يشكو إِليه ذنوبه وتقصيره ويسأله رحمته وعفوه أفلح كل الفلاح وفاز بالعاقبة الحميدة.. قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .. والمقصود بالفتنة في هذه الآية الاختبار والامتحان حتى يتبين الصادق من الكاذب والصابر والشاكر.. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ وقال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والحسنات هنا هي النعم من الخصب والرخاء والصحة والعزة، والنصر على الأعداء، والسيئات هي كالزلازل والرياح العاصفة والسيول الجارفة المدمرة ونحو ذلك ... وقال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والمعنى أنه سبحانه قدر ما قدر من الحسنات والسيئات وما ظهر من الفساد ليرجع الناس إِلى الحق ويبادروا بالتوبة مما حرم الله عليهم ويسارعوا إِلى طاعة الله ورسوله لأن الكفر والمعاصي هما سبب كل بلاء وشر في الدنيا والآخرة. وأما توحيد الله والإِيمان به وبرسله

стр. 13979

وطاعته وطاعة رسله والتمسك بشريعته والدعوة إِليها والإِنكار على من خالفها فذلك هو سبب كل خير في الدنيا والآخرة والنجاة من كل مكروه والعاقبة من كل فتنة. كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .. وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 13980

وقد بين سبحانه في آيات كثيرات أن الذي أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال بالطوفان والريح العقيم والصيحة والغرق والخسف وغير ذلك كله بأسباب كفرهم وذنوبهم.. كما قال ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وأمر عباده بالتوبة إليه والضراعة إِليه عند وقوع المصائب فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فلولا أن جاءهم فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 13981

وفي هذه الآية الكريمة حث من الله سبحانه لعباده وترغيب لهم إِذا حلت بهم المصائب من الأمراض والجراح والقتال والزلازل والريح العاصفة وغير ذلك من المصائب أن يتضرعوا إِليه ويفتقروا إليه فيسألوه العون. وهذا هو معنى قوله سبحانه: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ والمعنى هنا إِذا جاءهم بأسنا تضرعوا، ثم بين سبحانه أن قسوة قلوبهم وتزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة كل ذلك صدهم عن التوبة والضراعة والاستغفار فقال : ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ . وقد ثبت عن الخليفة الراشد ﵀ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما وقع الزلزال في زمانه كتب إِلى عماله في البلدان وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إِلى الله والضراعة إِليه والاستغفار من ذنوبهم.. وقد علمتم أيها المسلمون ما وقع في عصرنا هذا من أنواع الفتن والمصائب، ومن ذلك تسليط الكفار على المسلمين في أفغانستان والفلبين والهند وفلسطين ولبنان وإثيوبيا وغيرها.. ومن ذلك ما وقع من الزلازل في اليمن وبلدان كثيرة ومن ذلك ما وقع من فيضانات مدمرة والريح العاصفة المدمرة لكثير من الأموال والأشجار والمراكب البحرية وغير ذلك.. وأنواع الثلوج التي حصل بها ما لا يحصى من الضرر ومن ذلك المجاعة والجدب والقحط في كثير من البلدان. وكل هذا وأشباهه من أنواع العقوبات والمصائب التي ابتلى بها العباد بأسباب الكفر والمعاصي والانحراف عن طاعته سبحانه والإِقبال على الدنيا وشهواتها العاجلة والإِعراض عن الآخرة وعدم الإِعداد لها إِلا من رحم الله من عباده.

стр. 13982

ولاشك أن هذه المصائب وغيرها توجب على العباد البدار بالتوبة إِلى الله سبحانه من جميع ما حرم عليهم، والبدار إِلى طاعته وتحكيم شريعته والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه ومتى تاب العباد إِلى ربهم وتضرعوا إِليه وسارعوا إِلى ما يرضيه وتعاونوا على البر والتقوى وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر أصلح الله أحوالهم وكفاهم شر أعدائهم ومكن لهم في الأرض ونصرهم على عدوهم وأسبغ عليهم نعمه وصرف عنهم نقمه. كما قال سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ الآية. وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 13983

فأوضح في هذه الآيات أن رحمته وإِحسانه وأمنه وسائر أنواع نعمه إِنما تحصل على الكمال الموصول بنعيم الآخرة لمن اتقاه وآمن به وأطاع رسله واستقام على شرعه وتاب إِليه من ذنوبه.. أما من أعرض عن طاعته وتكابر عن أداء حقه وأصر على كفره وعصيانه فقد توعده سبحانه بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة وعجل له من ذلك ما اقتضته حكمته ليكون عبرة وعظة لغيره كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . فيا معشر المسلمين حاسبوا أنفسكم وتوبوا إِلى ربكم واستغفروه وبادروا إِلى طاعته واحذروا معصيته، وتعاونوا على البر والتقوى، وأحسنوا إِن الله يحب المحسنين، وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين وأعدوا العدة الصالحة قبل نزول الموت، وارحموا ضعفاءكم، وواسوا فقراءكم، وأكثروا من ذكر الله واستغفاره، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر لعلكم ترحمون واعتبروا بما أصاب غيركم من المصائب بأسباب الذنوب والمعاصي، والله يتوب على التائبين ويرحم المحسنين ويحسن العاقبة للمتقين.. كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرحم عباده المسلمين، وأن يفقههم في الدين، وينصرهم على أعدائه وأعدائهم من الكفار والمنافقين، وأن ينزل بأسه بهم الذي لا يرد عن القوم المجرمين. إِنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإِحسان إِلى يوم الدين. الحسنة والسيئة قال بعض السلف:

стр. 13984

"إن للحسنة لنوراً في القلب، وقوة في البدن، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق ... وإن للسيئة لظلمة في القلب، ووهناً في البدن، وسواداً في الوجه، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق ...

стр. 13985

نظامُ الإثبات في الفقه الإسلامي للدكتور عوض عبد الله أبو بكر أستاذ مساعد بكلية الشريعة دراسة مقارنة بينا في مقالنا السابق أن الفقه الإسلامي قد حوى نظاماً متميزاً ومتفرداً في الإثبات، يتسق مع نظامه الشامل العادل. فهو مع تحديده لأدلة إثبات الدعوى- على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء- إلا أنه لم يحد من سلطة القاضي في تقدير الأدلة حتى لا يجعل وظيفة القاضي إلية لا أثر لها في الحكم. كما أنه لم يطلق للقاضي الحرية الكاملة في تحديد الأدلة تجنبا لتعسف القضاة في استعمال هذا الحق فيستغلون سلطة وظيفتهم. وقبل أن نتناوله هذه الأدلة نود أن نشير إلى أن القوانين الوضعية بعد مناقشات وتعديلات قد لجأت إلى تحديد الأدلة في الدعوى المدنية والتجارية، اتفاقاً بذلك مع قول جمهور الفقهاء، إلا أنها قد خالفت الفقهاء في تحديد القيمة لكل دليل من هذه الأدلة، كما سنرى إن شاء الله- أما في الدعوى الجنائية فإن القانونيين يميلون إلى رأى ابن قيم الجوزية الذي يقضي بعدم حصر أدلة الثبوت، ولذلك نجدهم يطلقون للقاضي الحرية الكاملة في الدعوى الجنائية ليستمد إقناعه من أي دليل يعرض عليه. أما فيما يتعلق بأدلة الإثبات في الفقه الإسلامي، فإننا نجدها قد انقسمت إلى قسمين رئيسيين: قسم اتفق الفقهاء على حجته وقبوله كدليل في الدعوى، يعول عليه القضاة، ويتمسك به الخصوم في إثبات دعواهم، وقسم اختلف الفقهاء في قبوله دليلاً للإثبات. ومنشأ هذا الإختلاف في هذا القسم الأخير هو: إما لعدم قوة الأدلة الدالة على اعتباره، أو للإحتياط الشديد الذي تميزت به بعض المذاهب الإسلامية، فاحتاطت للقضاة حتى لا يكون تعويلهم على أدلة ظنية لا تطمئن إليها النفوس، فتضطرب الأحكام وتختلط الحقوق. ولنلق الآن نظرة عامة على هذه الأدلة، ولنشير إلى موقف القانونيين في بعض مسائلها.

стр. 13986

القسم المتفق عليه: أولاً: الإقرار: الأصل في الإقرار: وقد ثبتت حجية الإقرار بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول: فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) فأمر سبحانه من عليه الحق بالإملال، وإملاله هو إقراره وإلا لما كان فيه فائدة، ولما أمر الله به. وكذلك قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: ١٣٥) وشهادة الإنسان على نفسه هو إقراره بالحق. أما السنة: فما روى متفقاً عليه من أنه ﷺ قبل إقرار ماعز بالزنا. وعند مسلم وأصحاب السنن أنه قبل إقرار الغامدية بالزنا، فعامل كلا منهما بموجب الإقرار بإقامة الحد عليه [١] . أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة من عهده ﷺ إلى يومنا هذا على أن الإقرار حجة على المقر، وجرت بذلك في معاملاتها وأقضيتها. أما المعقول: فهو أن العاقل لا يقر بشيء ضار بنفسه أو ماله إلا إذا كان صادقا فيه. والإقرار هو أول الحجج الشرعية وأقواها، لأنه ليس هناك أبلغ من أن يقضي الإنسان على نفسه بالإعتراف بثبوت الحق عليه. ولما كان للإقرار هذه القوة وهذه الأهمية في الإثبات، كان لابد من عناية الفقهاء به وضبطه حتى يكون صحيحا واضح الدلالة. ولذا فقد جعلوا له شروطاً لابد من توافرها، بعضها في المقر، وبعضها في المقر له، وبعضها في المقر به. ويمكن إجمال هذه الشروط في أنه يشترط في المقر أن يكون عاقلاً بالغاً، طائعاً، مختاراً، وأن لا يكون هازلاً، كما يشترط في المقر له أن يكون موجوداً حال الإقرار، أو وجد قبله ومات، وأن يكون أهلا للملك، وأن يكون سبب استحقاقه للمقر به مقبولاً عقلاً، فلو أقر للحمل وقال عن بيع باعه، لغا الإقرار، وألا يكون المقر له مجهولاً جهالة فاحشة [٢] . التهمة في الإقرار:

стр. 13987

ومن الشروط التي تدل على بعد نظر فقهاء الشريعة هو أنه يشترط لصحة الإقرار عندهم ألا يكون المقر متهما في هذا الإقرار، فلو كان متهما فيه لم يصح إقراره، إذ التهمة تخل برجحان جانب الصدق على جانب الكذب، ولأن الإقرار شهادة على النفس كما قدمنا والشهادة ترد بالتهمة. ومن الأمثلة على رد الفقهاء الإقرار بتهمة المقر، إقرار المريض مرض الموت لوارثه بدين. وتكييف هذه التهمة التي تلحق بالمريض مرض الموت: هو أن المريض وقد أحس بدنو أجله وقرب رحيله عن الدنيا وفراقه لماله الذي سيؤول إلى خلفاء غيره، ربما أراد أن يؤثر بعض هؤلاء الخلفاء على غيرهم بميل الطبع أو ربما أراد أن يحرم بعضهم لضغينة يحملها عليهم، فيذهب إلى تنفيذ غرضه بصورة الإقرار من غير أن يكون للمقر له دين عليه أصلا، فكان متهما في هذا الإقرار فيرد الإقرار. ويظهر القول بعدم صحة إقرار المريض مرض الموت لوارثه بدين، واضحا جليا في عبارات فقهاء الحنفية والحنابلة والمالكية، أما الإمام الشافعي فإنه وإن كان متفقاً معهم في الحد من تصرفات المريض مرض الموت فيما يتعلق بالوصية والبيع والشراء بمحاباة، إلا أنه لم يوافقهم في عدم قبول إقراره لانتفاء التهمة في نظره [٣] . وما يقال عن المريض مرض الموت، يمكن أن يقال عن المدين المحجور عليه بسبب الدين، فقد ذهب فقهاء الحنفية والحنابلة إلى وقف سريان إقراره، وقالوا:"إن إقرار المدين بحق حال الحجر عليه تصرف يضر بالغرماء. ومقصود الحجر هو منع المدين من كل تصرف يضر بهم، إذ أن الحجر لحقهم، والمدين متهم في هذا الإقرار، وعليه فإنه لا يشارك المقر له الغرماء فيما حجر عليه من مال، ولكن يؤاخذ المقر بإقراره، ويلزمه بعد قضاء ديون الغرماء الذين طلبوا الحجر على المدين " [٤] .

стр. 13988

وقد قررت هذه الأحكام منذ زمن بعيد في الفقه الإسلامي لمصلحة الورثة في مال مورثهم، والدائنين في مال مدينهم، فاحتاط الفقهاء ومنعوا التصرفات التي تلحق بهم الضرر. وفي نفس الوقت وقف القانون الغربي جامداً ولم يستطع أن يقرر شيئاً من هذا القبيل. ولذا لجأ القانونيون في مصر لاستمداد هذه الأحكام من الشريعة الإسلامية. يقول الدكتور محمد كامل مرسي: "ولكن الرأي الصحيح هو أن الأحكام التي أتى بها الشارع المصري خاصة بالبيع الحاصل في مرض الموت ليست مبنية على فكرة عدم أهلية المريض، وقد جاءت بها الشريعة الإسلامية مراعاة لمصلحة الورثة والمحافظة على حقوقهم بمنع المورث من إيثار بعضهم على بعض " [٥] . ويقول الدكتور عبد الناصر العطار: "لم يعرف القانون المدني مرض الموت، فيرجع في تعريفه إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً رئيسياً للتشريع، ومصدراً تاريخياً استمد المشرع منه أحكام المريض مرض الموت، ومصدر احتياطياً لابد من الرجوع إليه إذا لم يوجد نص أو عرف " [٦] . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أصالة هذه الشريعة وكمالها وتفردها بكثير من الأحكام التي عجزت القوانين الوضعية أن تأتى بمثلها. ثانياً: الشهادة: ويطلق عليها جمهور الفقهاء البينة، فالأصل أن البينة تطلق على كل ما يبين به الحق، ولكن جمهور الفقهاء خصوها بالشهادة، ولذا قد عتب عليهم ابن القيم في هذا التخصيص وقال:"إن من خصَّ البينة بشهادة الشهود لم يوف مسماها حقه ". والشهادة في اصطلاحهم هي إخبار الإنسان بحق لغيره على غيره، أوهي إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء [٧] . الأصل في الشهادة وحكمها:

стр. 13989

وأداء الشهادة واجب في غير الحدود، لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (البقرة: ٢٨٢) وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣) . أما جرائم الحدود فالستر مطلوب فيها، وإذا كان الستر مطلوباً فيها، فإن الأخبار بها يكون خلاف الأولى، وما كان خلاف الأولى لا يكون واجباً [٨] . نصاب الشهادة: أما نصاب الشهادة فهو على أربع مراتب: الأولى: الشهادة على الزنا ونصابها أربع رجال. الثانية: الشهادة على بقية الحدود والقصاص ونصابها رجلان، ولا تقبل فيها شهادة النساء. الثالثة: الشهادة على ما لا يطلع عليه الرجال من عيوب النساء كالولادة، والبكارة فيكتفي فيها بشهادة امرأة واحدة. الرابعة: سائر حقوق العباد، سواء أكانت مالاً أو غير مال كالبيع والهبة والنكاح والإِجارة والوصية، ونصابها رجلان أو رجل وامرأتان. والشهادة حجة من الحجج الشرعية تثبت بها جميع الحقوق، سواءً كانت من حقوق الله الخالصة أومن حقوق العباد، مهما كانت قيمة الشيء المدعي به، طالما توفر النصاب المشترط للحق المدعي به، وطالما توفرت الشروط والضوابط التي قررها الفقه الإسلامي لهذه الشهادة، سواء تعلقت بالشاهد وما يتعلق به من تزكية، وتحمل، وأداء، ومعاينة للمشهود به، أو سماع فيما يقبل السماع فيه، أو تعلقت بالمشهود له، أو المشهود به. والشهادة ليست كالإقرار القاصر على المقر وحده، إنما هي حجة متعدية يثبت بها الحق المدعي به على الغير. مقارنة بين الفقه والقانون في موضوع الشهادة:

стр. 13990

(١) الشهادة في الفقه الإسلامي دليل كامل يثبت به جميع الحقوق سواء أكانت من حقوق الله الخالصة أومن حقوق العباد مهما كان القدر المدعي به، أما في القانون الوضعي فهي دليل احتياطي واستثنائي غير كامل، فلا يؤخذ بها كدليل إلا في حدود معينة (المواد ٦٠ إلى ٦٤ إثبات مصري) كما لا يثبتون بها كل دعوى مدنية إلا في حالات استثنائية كحالات فقد السند من صاحبه بقوة قاهرة من حريق أو غرق أو سرقة. والواضح أن هدف القانونيين من ذلك هو الحد من شهادة الزور التي احترفها الكثيرون فأصبحوا حربا على العدالة. كما أن القانون قد جعل معوله في الإثبات على الكتابة والمحررات الرسمية. ولاشك أن شهادة الزور من أكبر الكبائر في الشريعة الإسلامية، حذر منها المولى عز وجال ورسوله الكريم، يقول تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: ٣٠) وتضافرت الأخبار عنه ﷺ بمنعها وتحريمها وتأثيم مرتكبها. ولذا فإننا نقول أن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تؤخذ بكامل منهجها التشريعي نظاماً وخلقاً، وإلا لما استطعنا أن نجني ثمرتها، أو نفيد من تطبيق قانونها الفائدة المرجوة، فالقانون وحده لا يكفل الأمن ولا يقيم العدل إلا إذا صحبته صحوة ضمير ممن يطبق القانون، وممن يسرى عليه القانون، وإلا لكان أشبه بجسد بلا روح، والشريعة الإسلامية بما تبذله من إصلاح للفرد؛ وما تقيمه من ضمير يقظ، يراقب الله ، تجعل من قلب كل فرد في المجتمع الإسلامي رقيباً عليه، فلا يقدم على قول أو فعل فيه غضب لله تعالى، فالقاضي بها يحكم ورائده رضا الله بإيصال الحق إلى أهله، والشاهد يشهد ورائده رضا الله بأداء الشهادة على وجهها، والخصم ينبغي أن لا يقصد بخصومته الجور والتعدي. وهكذا تندرج هذه المراقبة لله على كل فرد في المجتمع الإسلامي في أفعاله وأقواله وسلوكه.

стр. 13991

أما الكتابة الذي عول عليها القانون وجعلها دليلاً رئيسياً في الإثبات خصوصاً في المعاملات المدنية والتجارية، فالشريعة الإسلامية مع احترامها لمبدأ الكتابة وحضها عليه، حتى ذهب بعضهم إلى وجوبه في إثبات الديون استدلالاً بالأمر بالكتابة في آية الدين في صورة البقرة: ٢٨٢ [٩] . إلا أن عامة الفقهاء لم يجعلوه شرطاً لا يجوز الإثبات إلا به. (٢) إن القانونيين بالرغم من اعتدادهم بالشهادة إلا أنهم لم يتقيدوا فيها بنصاب معين كما أنهم لم يفرقوا بين شهادة الذكر وشهادة الأنثى، ولم يخصوا كل منهما بموضع على النحو الذي قدمناه في الفقه الإسلامي، ولم يلاحظوا أن شهادة الرجل كشهادة المرأتين. ولا شك أن هذه الأحكام منها ما هو مقرر وفق آيات محكمات، ومنها ما هو مستفاد من أقوال رسول الله ﷺ وأقضيته. فشتان بين من يكون مصدره كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن يكون مصدره العقل البشري لا يتقيد بنصوص أو أوامر إلهية. (٣) لا يشترط عند فقهاء الشريعة أن يحلف الشاهد يميناً قبل أداء الشهادة وإن كانت محاكمنا الشرعية قد درجت على ذلك الآن. أما في القانون الوضعي فتعتبر الشهادة باطلة إذا لم يؤد الشاهد اليمين (مادة ٨٦ إثبات مصري ومادة ٢٨ من مشروع قانون الإثبات السوداني لسنة ١٩٨١) .

стр. 13992

(٤) إذا كان القانون الوضعي قد انتهى إلى وجوب التفريق بين الشهود حتى يؤدي كل شاهد شهادته على انفراد (مادة ٨٤ إثبات مصري والمادة ٢٩ من مشروع قانون الإثبات السوداني لسنة ١٩٨١) . فإن الإمام علي- ﵁ هو أول من فرق بينهم في مجلس القضاء، كما ذكر ذلك الكندي في القضاء، وابن القيم في الطرق الحكمية، وخلاصته أن شاباً شكا أن نفراً خرجوا مع أبيه للتجارة وكان معه مال كثير، فعادوا دونه، فرفع الأمر إلى شريح الذي استحلفهم وخلى سبيلهم. ثم رفع الأمر إلى علي- ﵁ الذي وكل بكل شاهد رجلين وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم من بعض، ولا يمكنوا أحداً أن يكلمهم، ثم دعا كاتبه ونادى عليهم واحداً واحداً يسألهم عن يوم خروجهم، ونزولهم، وأين مات، أبو الفتى، ومن صلى عليه، وأين دفن، فلما رأى اختلافهم ضيق عليهم فأقروا بالقضية [١٠] . مقارنة بين الشهادة والإقرار: (١) الشهادة حجة كاملة لاتصال القضاء بها، لأن القاضي ولايته عامة وتتعدى إلى الكل، أما الإقرار فإنه حجة قاصرة على المقر وحده، ولا يحاسب الغير بإقراره، وذلك لقصور ولايته على غيره، ولذا فإنه لو أقر مجهول النسب بالرق جاز على نفسه وماله ولا يسري هذا الإقرار على أولاده. (٢) الشهادة لا توجب حقا إلا باتصال القضاء بها، أما الإقرار فإنه موجب للحق بنفسه عند عامة الفقهاء وإن لم يتصل به القضاء. والجدير بالذكر أن القانون الوضعي لا يعترف إلا بالإقرار القضائي، أما الإقرار في غير مجلس القضاء فلا عبرة له عندهم (مادة ١٦ من مشروع قانون الإثبات السوداني لسنة ١٩٨١) . (٣) يصح الإقرار بالمعلوم والمجهول، ويقبل إقراره، بخلاف الشهادة فإنها لا تكون إلا بعد العلم بالمشهود به. فلو قال لفلان علىّ دين أو حق، قبل، ولو أقر بزناه بامرأة لا يعرفها حد ولابد من علم الشهود بالمشهود عليه فلو قالوا لا نعرفها ترد شهادتهم.

стр. 13993

ولا يوجد دليل من أدلة الإثبات غير الإقرار والشهادة اتفق الفقهاء على حجيته، وعليه فقد تبقى لنا الأدلة المختلف فيها وهذا ما سنحاول عرضه في مقال قادم إن شاء الله تعالى٠ -------------------------------------------------------------------------------- [١] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١١ ص ١٩٥. ط المطبعة المصرية ومكتبتها. وانظر جمع الفوائد جـ١ ص ٧٤٩ ط دار التأليف مصر. . [٢] بداية المجتهد جـ ٢ ص ٤٦١ ط ألبابي الحلبي سنة ١٣٧٩ هـ، المرافعات الشرعية لمحمد زيد بك الابياني ص ٤٤ وما بعدها٠ الأصول القضائية في المرافعات الشرعية. علي قراعة ص ٧٠. [٣] أصول البزدوي وكشف الأسرار جـ ٤ ص ٣٠٩ ط المطبعة العثمانية سنة ١٣٥٨ هـ. المغني لابن قدامة جـ ٦ ص ٧٣ ط دار المنار سنة ١٣٦٧ هـ. قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ص ٢٤٢ ط دار العلم بيروت. الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٦٢ ط مصطفى محمد سنة ٣٥٥اهـ [٤] الهداية مع تكملة فتح القديرة٨ ص ٢٥٤ ٠ المطبعة الأميرية مصر سنة ١٣١٥هـ. المغني لابن قدامة جـ ٤ ص ٤٣٩ [٥] مجلة القانون والاقتصاد، العدد الثالث السنة الثامنة مارس ١٩٣٨ م. ص ٢٧٣. . [٦] الدكتور عبد الناصر العطار: إثبات الملكية بند ٢٤ ص ١١٢. . [٧] الطرق الحكمية ص ١٤، بداية المجتهد جـ ٢ ص ٤٦٣، فتح القدير لابن الهمام جـ ٦ ص ٣. . [٨] البحر الرائق جـ ٧ ص٦٠، حاشية ابن عابدين جـ٣ ص ١٩٨. . [٩] راجع تفسير القرطبي على الآية ٢٨٢ من سورة البقرة. [١٠] الطرق الحكمية ص ٤٥.

стр. 13994

العدد ٦٠ فهرس المحتويات ١- كلمة التحرير استمتعوا من هذا البيت: للدكتور جمعة علي الخولي ٢- الأمر بإعداد القوة لمواجهة الأعداء: للشيخ أبي بكر الجزائري ٣- فضل أهل الحديث شهادة العدول الصادقين لهم بأنهم على الصراط المستقيم والحق الواضح المبين: للدكتور ربيع بن هادي المدخلي ٤- فقه السنة- صلاة الجماعة: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٥- وجوب عبادة الله وحده وبيان أسباب النصر على أعداء الله: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٦- الفكرة السنية والحاجة إليها: للشيخ محمد إسحاق الصديقي ٧- نظام الإثبات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة (٣) : للدكتور عوض عبد الله أبو بكر ٨- ترجمة القرآن الكريم: للأستاذ أحمد علي عبد الله ٩- تعدد زوجات الرسول ﷺ : للدكتور ملك غلام مرتضى ١٠- الإسلام والمسلمون في انجلترا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم: للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي ١١- الملك عبد العزيز آل سعود بين نصره لله ونصر الله له: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل ١٢- تحقيق جزء الضعفاء والمتروكين للإمام الدارقطني (٢) : للشيخ عبد الرحيم محمد القشقري ١٣- رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٤- الشاعر الإسلامي أحمد محرم في رأي النقاد (٢) : للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب ١٥- وصية لمتخرج: للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي ١٦- من تراثنا الشعري ١٧- في المشارق والمغارب: الدكتور عبد الله بن أحمد قادري ١٨- استعمال الأدوية: د. فوزي أحمد سلام ١٩- من أجل سلامة عينيك: د. فكري السيد عوض ٢٠- حول مشروعية نقل الحيوان من أستراليا إلى بلادنا: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢١- رجعية التقدميين ٢٢- أخبار الجامعة: إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 13995

كلمة التحرير استمتعوا من هذا البيت للدكتور جمعة علي الخولي أشار القرآن الكريم إلى مكانة البيت الحرام في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ . فهو أول بيت أسس على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وهو أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة ذكر الله منذ أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعده وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود. وبكة من أسماء مكة (قيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة. فكم من جبار قصد البيت بسوء فأهلكه الله.. وقيل لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون.. عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول: قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم بينهما؟، قال: "أربعون سنة"، قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد") . هذا البيت جعله الله مباركا وجعله هدى للعالمين، وجعله مثابة للناس أي محلا تشتاق إليه النفوس وتحن.. ولا ينصرف عنه منصرف وهو يحس أنه قد قضى منه وطره ولو تردد عليه كل عام، ولعل ذلك استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم في قوله ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ .

стр. 13996

كما جعل الله هذا البيت أمنا، فهو مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض.. كان الرجل يلقى فيه قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له بسوء.. ولذلك قال سبحانه يمن على العرب به ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرا م بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها". ولقد كان النبي ﷺ يحب هذا البيت، ولقد قال وهو يودع مكة في طريقه إلى المدينة وقت الهجرة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت". هذا البيت جعل الله الحج إليه فريضة على المسلم المستطيع مرة واحدة في العمر فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ . وعن أبي هريرة ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ". ولقد جاءت النصوص بالتعجيل بهذه الفريضة فإن الإنسان لا يدري ما يعرض له. والحج عبادة جامعة لشتى العبادات ففيه من الصلاة الدعاء والتوجه إلى الله، وفيه من الزكاة الإنفاق وبذل المال، وفيه من الصوم التحمل والجهاد والصبر. وهو فوق ذلك عبادة العمر بحيث إذا أديت كما رسم الشرع خرج صاحبها منها كيوم ولدته أمه..

стр. 13997

وقد روى الطبراني والحاكم عن ابن عمر توجيه النبي ﷺ أمته إلى اغتنام فضل الكعبة المشرفة التي جعلها الله بركة وهدى ورحمة وذلك في قوله ﷺ : "استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة". وقد هدمت الكعبة قبل البعثة ثم بنيت، ثم هدمها السيل وبنتها قريش والنبي ﷺ معهم وسنه خمس وثلاثون سنة في قصة الرداء المشهورة، ولعل الإشارة في الحديث لهاتين المرتين لأهميتهما وما عداهما كان ترميماً للبيت واستكمالا لأسباب متانته، أو أن العدد في الحديث يفيد التكرار لا الحصر، ويوشك أن يهمل الناس أمر الحج فيرفع الله بيته ويستأثر به وينزع البركة السابغة من أهل الأرض الذين أغفلوا نداء ربهم وأهملوا فريضة حجهم، ومن ذلك نعلم تأكد فريضة الحج وعظم ثواب من وفّاها، وشدة العقوبة لمن تركها وتكاسل عنها دون عذر مشروع ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .

стр. 13998

ِالإسلام والمسلمون في انجلترا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي أستِِِاذ بالدراسات العليا بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، وبعد ... فإن الحديث عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا يقتضينا أن نقدم له بتمهيد سريع عن نظرة أمم الغرب بوجه عام إلى الإسلام والمسلمين. فكرة الغرب عن الإسلام ومصدرها: مثل الشعب الإنجليزي مثل غيره من شعوب بلاد الغرب جميعاً في فكرتهم عن الإسلام والمسلمين، فقد ظلوا فترة يستقون معلوماتهم عن الإسلام مما يكتبه رجال الكنيسة والمبشرون، الذين دأبوا على تصوير الإسلام لهم بصورة منفرة، وتصوير المسلمين في صورة همجية بشعة، وقد ظلت هذه الفكرة سائدة عند عامة الناس في أوروبا بوجه عام حتى أوائل القرن العشرين الميلادي، وإن كان كثيرون من القادة ورجال الدين يعرفون الكثير عن حقائق الإسلام، ولكنهم كانوا يكتمون ذلك، ويقدمون للإسلام صورة مشوهة تعصباً منهم وحسداً، واستغلالا لجهل السواد الأعظم من الأوروبيين بحقائق الإسلام الناصعة، وعقائده القويمة، ومثله العليا، وأخلاقه النبيلة، ومنهجه السوي المستقيم. الإسلام يجذب أحرار المفكرين الغربيين: فلما أتيح لكثير من الأوروبيين أن يتعاملوا مع المسلمين مباشرة بعد موجة الاستعمار التي ملكوا فيها أغلب مقدرات العالم الإسلامي تهيأت عن طريق ذلك فرصة لكثير من أحرار مفكريهم أن يروا المسلمين في بلادهم، ويعرفوا عن دينهم ونبيهم ﷺ الشيء الكثير، مما وجدوه مخالفاً كل المخالفة لما سمعوه من المبشرين ورجال الكنيسة على مدى القرون الماضية، فبدأت فكرتهم عن الإسلام

стр. 13999

تتغير حينما اطلعوا على ما فيه من سمو العقيدة وصفائها، وأخذ كثير منهم يتعرف على الإسلام مباشرة من مصادره الأولى، ويعرف المسلمين من خلال تعامله معهم لا من خلال كتابات المستشرقين ورجال الدين، وقد هالهم أن وجدوا شيئاً فذاً بعيداً كل البعد عما حاول رجال الكنيسة أن يصبوه في عقول الناس ووجدانهم، وأثمرت حركة التعرف المباشر هذه ثمرتها، إذ اعتنق عدد من أحرار مفكريهم الإسلام، وأخذوا يكتبون عنه، وفي مقدمة هؤلاء عدد من الفرنسيين يقف في الطليعة منهم الفيلسوف المسلم (جينيه رينو) ، أو الشيخ عبد الواحد يحيى، كما سمى نفسه بعد ذلك، وبلغ من سيادة هذا الاتجاه بين أحرار الفكر الغربي أن كتب تولستوي الأديب الروسي المشهور مقالا يعبر فيه عن إعجابه بعظمة رسول الله ﷺ مما أزعج الكنيسة والقائمين عليها، ولم تستطع الكنيسة أن تكتم ضيقها بمثل هذه الكتابات، فأصدرت قراراً بحرمان تولستوي خشية أن ينهج سواه على منواله، وقد كتب له الشيخ محمد عبده رسالتين يحييه فيهما، ويشيد بشجاعته في الجهر بالحق، ويذكر له أن القرار الذي صدر بحرمانه، إنما هو وسام يعلي بين طلاب الحق مكانته في العالم كله، ومن يريد التعرف على المزيد من رجالات الفكر الغربي الذين اعتنقوا الإسلام فليقرأ كتاب الدكتور عبد الحليم محمود: (أوروبا والإسلام) . وعلى الرغم من انبثاق هذا الاتجاه بين المثقفين إلا أنه ظل يمثل ظاهرة فردية لم تتعد آثارها أصحابها إلى غيرهم من سواد الناس وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت هذه الفترة كتابات متحاملة على الإسلام، وتصدى علماء المسلمين للرد عليها، ومن أشهر هذه المعارك كتابات (هانوتو) ااوزير الفرنسي عن الإسلام، وتصدى الشيخ محمد عبده للرد عليها وتفنيدها، وتجد وقائع هذه المعركة مسجلة في كتاب تاريخ الإمام محمد عبده الذي جمعه الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين. نشأة المجتمعات الإسلامية في أوروبا:

стр. 14000

وكان من طلائع من أسلموا من الإنجليز في هذه الظروف رجل يسمى (اللورد هيدلي) وقد سمى نفسه عمر الفاروق، وقام برحلات متعددة إلى العالم الإسلامي، ولكن على الرغم من كل ذلك فإن الأمر ظل محصوراً في النطاق الفردي، ولم يتخذ شكلاً جماعيا، وظل كذلك حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، واضطرت الدول الغربية إلى الاستعانة بأعداد من سكان البلاد الواقعة تحت سيطرتهم، فنزحت لذلك جماعات كثيرة من سكان المستعمرات إلى بلاد أوربا واستقرت بها، ومما شجعها على الإقامة والاستقرار أنها وجدت فرصاً للعيش خيراً مما هو مهيأ لها في بلادها، فأغراها ذلك بالبقاء، ونشأت جاليات في انجلترا تنتمي غالبيتها إلى شبه القارة الهندية - الهند آنذاك - وتمثل حاليا باكستان وبنجلادش والهند، ثم باقي دول الكومنولث الأخرى، ويلاحظ أنه لم يشارك في هذا الزحف إلى انجلترا من البلاد العربية إلا بعض الإخوة من اليمن الذين كانوا يعملون في السفن، وترتب على ذلك أن تكونت منهم جاليات في عدد من المدن الساحلية. أولاً: مثل مدينة كارديف عاصمة ويلز، وليفربول في شمال انجلترا، وساوث شيلد في الشمال الشرقي، وجلاسجو عاصمة اسكتلندا وعدد آخر من المدن الصغيرة الواقعة على الشاطىء.

стр. 14001

وثانيا: في المدن الصناعية مثل شيفيلد وبرمنجهام ومنشستر وسواها، وقد لوحظ أنه كلما استقرت جالية يمنية في مكان ما قامت بجانبها جالية صومالية تشاركها في كل شيء. وعلى غرار نشأة المجتمعات أو الجاليات الإسلامية في انجلترا قامت جاليات إسلامية تنتمي إلى بلاد أخرى في عدد من بلاد أوربا الغَربية فتكونت جالية كبيرة من بلاد المغرب العربي في فرنسا ربما كانت أكثر عدداً لقرب فرنسا من بلاد المغرب العربي، وتكونت كذلك جالية أندنوسية في هولندا، وفي أعقاب الثورة الكمالية في تركيا هاجر عدد من الأتراك إلى ألمانيا والنمسا حفاظاً على دينهم، ولحق بهم جماعات من أوربا الشرقية بعد سيطرة الشيوعيين على بلادهم وهكذا نشأت الجاليات الإسلامية في أوروبا الغربية وأخذت تنمو مع الأيام ويزداد عددها، وبدأت تستقر في تلك البلاد الجديدة وتميل إلى الإقامة الدائمة بها بعد أن كانت قادمة بنية العودة إلى أوطانها بعد حين، ومن بينها انجلترا موضع حديثنا اليوم.

стр. 14002

وقد لوحظ أن عددا كبيراً من شباب البلدان التي منيت بالاستعمار قد رحلوا إلى طلب العلم في جامعات البلاد المستعمرة، ولئن كان المستعمرون قد استهدفوا من وراء ذلك إعداد جيل من المثقفين بالثقافة الغربية ليكونوا همزة الوصل بينهم وبين شعوبهم، وليقوموا بالتبشير بالفكر الغربي والحضارة الغربية في بلادهم، فإن جماعة من هؤلاء الوافدين استطاعوا أن يزاحموا بفكرهم الإسلامي في خضم تيار الحياة الأوربية الجارف، وأن يسمعوا أصواتهم المسلمة في ساحات البحث وعلى موائد الحوار مع كبار مفكري الغرب، كما فعل الشيخ هداية الله الهندي، الذي دخل في حوار جمع سير جيمس أكبر علماء الفلك في عصره، وانتزع منه شهادة إعجاب بالإسلام وتقدير لنبي الإسلام ﷺ وقد أورد وحيد الدين خان تفصيل هذا الحوار في كتابه (الإسلام يتحدى) . وكما صنع العلامة إقبال فقد عاد إلى بلاده، وهو أشد حماسا للإسلام وتفانياً في الدعوة إليه، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن بعضهم حاول تقديم الإسلام للغربيين في لغاتهم كما فعل عبد الله يوسف علي الذي عكف على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية على مدى أربعين عاما قضاها في بلاد الإنجليز، ولا زالت ترجمته حتى الآن تعتبر أكثر الترجمات قبولا من جمهور المسلمين، وإن كانت لنا عليها بعض الملاحظات كنا ننبه إليها قراء الترجمة من المسلمين الإنجليز، أو الراغبين في اعتناق الإسلام. والذي لاشك فيه أن حياة بعض الغربيين في بلاد المسلمين، وإقامة جاليات إسلامية في بلاد الغرب قد هيأ فرصة لمزيد من المعرفة بالإسلام، والاهتمام به، والفهم الصحيح لأصوله مما سنرى آثاره فيما بعد، وترتب على ذلك أن توارت بعض كتابات المستشرقين التي كانت تحاول بكل ما أوتيت من وسائل الباطل أن تغض من قيمة الإسلام، وتسيء إلى كتابه ونبيه وتاريخه.

стр. 14003

وليس يعني ذلك أن هؤلاء قد كفوا عن هذا المنهج الظالم إلى الأبد، ولكنهم يحاولون أن يقدموا ما يريدون بطريقة ملتوية ماكرة، لا يظهر فيها أثر الهجوم السافر المليء بالحقد، الذي كان السمة الغالبة لكتابات المتقدمين منهم، والسبب في ذلك أن مبادئ الإسلام أصبحت في متناول الكثيرين، وأن ما يكتبه هؤلاء سيقرأ بواسطة كثير من المسلمينَ الذين يتقنون لغات الغرب، ومن اليسير عليهم أن يظهروا زيفه، ويكشفوا خطأه مما يعرض سمعة الكاتب العلمية إلى السقوط، فأمسكوا عن مهاجمة الإسلام صراحة خوفاً على سمعتهم العلمية، لا اقتناعا بالحق واكتفوا بمحاولة التأثير على طلابهم في ساحات الدرس إن وجدوا إلى ذلك سبيلا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد وجد في مراكز الدراسات الإسلامية عدد ممن اهتدوا إلى الإسلام، ولهم مكانتهم العلمية في حقل الاستشراق، وكذلك كان لليقظة التي عمت العالم الإسلامي والمصالح المتبادلة بين الشرق والغرب أثر كبير في أن يحسب هؤلاء ألف حساب وحساب حين يكتبون عن الإسلام. عدد المسلمين الآن: لعلنا نتساءل بعد أن عرفنا كيف تكونت الجاليات الإسلامية في أوربا والمنابع التي جاءت منها، والجالية الإسلامية في انجلترا بالذات أقول لعلنا نتساءل: كم عدد المسلمين الآن في هذه البلاد؟. والحق أنه ليس هناك إحصاء ثابت لعدد المسلمين هناك، ولكننا نستطيع على ضوء ما عرفناه من أحوالهم والعيش معهم عددا من السنين أن نقول إن عدد المسلمين في انجلترا الآن يتراوح ما بين المليون والمليون ونصف مليون مسلم، وأن الغالبية العظمى منهم قادمون من باكستان وبنجلاديش والهند.

стр. 14004

وقد يتساءل البعض: هل كل المسلمين في تلك البلاد من الوافدين من البلاد الإسلامية؟ أم أن هناك من المسلمين من ينحدر من أصل إنجليزي؟، والجواب عن هذا التساؤل أن هناك آلافاً عدة من الإنجليز الذين اعتنقوا الإسلام واتخذوه منهجاً لهم في الحياة، وقد كان إقبالهم على الإسلام في البداية بطيئاً جدا، إلا أن العقدين الأخيرين من هذا القرن قد شهدا تحول عدد كَبير من أبناء الإنجليز إلى الإسلام، ولا زال هذا التحول في اضطراد مستمر.

стр. 14005

نوعيات المقبلين على الإسلام: والمتتبع للنوعيات البشرية التي تقبل على الإسلام من بين الإنجليز يجدهم يمثلون كل المستويات الفكرية والاجتماعية، والأعمار المختلفة مع كثرة الشباب من الجنسين الذكور والإناث، فأنت تجد من بين هؤلاء الأستاذ في الجامعة والطالب وصاحب العمل والعامل، والرجل والمرأة، والكاتب والمفكر والرجل العادي، وهناك أعداد كبيرة تعيش مع الناس، ولا تكشف إسلامهم إلا إذا ساقتك الصدف للالتقاء بهم، ومن هذا القبيل أن أحد الشباب تقدم لعدد من الجامعات بطلبات التحاق بقسم الدراسات العليا في إحدى كليات الزراعة وجاءه خطاب من إحدى الكليات بلندن يدعوه لمقابلة الأستاذ المشرف وحدد له الاسم واليوم والمكان والساعة، وفي الوقت والمكان المحددين كان الشاب يدق باب الحجرة، فأذن له بالدخول واستقبله أحد الأساتذة المتخصصين في علم الحشرات ودار الحوار بينهما حول الموضوع الذي جاء الشاب من أجله، ثم أحضر الأستاذ كأسين زجاجين وتهيأ لتقديم تحية للضيف الشاب، وأبصر الشاب بجانب الأستاذ زجاجة مغلفة بغطاء مفضض، ونحن في الشرق قد تعودنا على أن ننظر إلى الزجاجات المغلفة بهذه الطريقة على أن بها شراباً محرما، فاعتذر الشاب عن المشاركة في الشراب قائلا باللغة الإنجليزية (Ido not Drink wine) أنا لا أشرب الخمر، فطمأنه الأستاذ قائلا له إنها ليست خمراً وإنما عصير فاكهة (This is not wine itis Frout Joes) ثم أفرغ من الزجاجة في الكأس وقدم أحدهما للشاب الذي لم يتعود مذاق هذا العصير من قبل، فنحن نفضل في بلادنا أن نأكل الفاكهة طازجة ولم نكن تعودنا ذلك بعد، وكان ذلك منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
следующие страницы →