Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ولكني - معذرة - إذا أطلقت اسم البطولة على صبر النبي ﷺ ، فلم أظفر بكلمة أبلغ في الدلالة منها، فإن بطولة محمد والأنبياء ﵈، ليست كبطولة الرجال الممتازين الأقوياء ليست كبطولة القياصرة والأباطرة، وقادة الجيوش من قيصر روما ونابليون إلى مونتغمري ورومل وغيرهم، فإن أمثال هؤلاء كانوا أبطالاً لأنفسهم. صفق لهم الناس لحظات، فما زالوا أو سقطوا لم يبق منهم إلا أشباح باهتة، ولم يبق من بطولاتهم إلا ذكرى كالصدى الضائع في مجاهيل الأرض، أما محمد ﷺ فلم يكن بطلاً لنفسه، وإنما لخير الإنسانية وهداها، فما في بطولته صلف، ولا كبرياء، ولا طغيان ولا تمجيد لذاته بل كانت بطولته العدالة، والحق والإنصاف والتقوى. ولذلك ما زالت مواقف صبره وجهاده، تفيض من القيم الإنسانية البطولية، ولم تستطع العصور، ولن تستطيع أن تفقدها من جدارتها شيئاً.
وخير من كلمة البطولة اسم النبوة؛ فالنبوة فوق البطولة، وما بينهما، كما بين الأرض والسماء، ولأمر ما لقبه أحد كتاب الغرب "بطل الأبطال" [١٢] .
هـ - المسؤولية والعهد:
كان استبسال الرسل في نشر الدعوة، والتمكين، وفاء منهم بعهد الله، ذلك لأنهم قد واثقوا الله على الإخلاص له ومنح حياتهم كلها للرسالة قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ .
وعلى هذا لم يعرفوا لوجودهم معنى ولا غاية غير إنفاذ كلمة الله على أتم وجه وأصدق أداء وهذه المسؤولية في الحفاظ على الدين والاستمساك به ونشره في الأرض، تنتقل إلى المؤمنين من بعدهم قال تعالى بعد تلك الآية: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .
стр. 1437
والمؤمنون الصادقون لا يدخرون جهداً في اتباع الطريقة المثلى لإعلاء كلمة الله، والوفاء بعهده حتى يفدوا الدين المأثور الخالد والمطلب الأسنى لهم. به يحيون ومن أجله يحيون، فأي تضييع لجانب منه خسارة لا تعوض، فيكون الجهد الإيجابي البناء في حياة الأمة أن يحتفظوا بالدين صافياً خالصاً لا ينفصلون عنه في صغيرة أو كبيرة من شؤون دنياهم أو آخرتهم حتى لا يرتدوا إلى النقصان وفي النقصان الانحطاط والخسران.
إن العقيدة الإسلامية تبعث في نفوس أتباعها تسامياً رائعاً يدركون به معنى إنسانيتهم وتكاملها الصاعد في سبيل الله، لذلك كان أشد ما يخشاه الأنبياء هو الابتعاد أو التراجع أو انتهاء الحياة على غير شريعة الله، فتكون في ذلك مأساة الإنسان الحقيقية، مأساة ضلاله وضياعه وخسرانه في دار الابتلاء فكانت وصية إبراهيم لأبنائه أن يستمسكوا بالدين حتى الرمق الأخير، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٣] .
لقد تمت نعمة الله على الإنسان بالإسلام، به يعرف غاية وجوده وسبيله إلى الفوز والكمال، فإن أنف منه واستعلى على نعمة الله أضاع حقيقته وخسر نفسه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [١٤] .
وكان مما يقلق بال رسول الله ﷺ أن ينحدر المسلمون في سلم القيم الربانية التي بلغوها بالإسلام فكان يقول: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" [١٥] .
стр. 1438
وربما كان مصدر هذا القلق ما علمه الرسول من أن المؤمنين في موقف دقيق، يتطلب منهم أن يقيموا التوازن العادل بين تعاليم الله ورغبات النفوس، فإن أي ترجيح للأهواء ينتهي إلى تغلب قيم الأرض على قيم السماء فكان ﵊ ينبه إلى الأعراض الخطيرة التي تنشأ من ذلك في حياة المسلمين فقال: "ما نقض قوم عهد الله ورسوله إلا تسلط عليهم عدو من غيرهم، يأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" [١٦] . ولا يعوزنا الدليل في حياتنا الحاضرة على صدق الخبر.
فلم كتب علينا أن نقاسي سريعاً مما صنعته أيدينا، وجلبناه على أنفسنا؟ ألسنا بمسلمين، ألسنا أحق الناس برحمة الله ورأفته؟
بلى، ولكن الله قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [١٧] وإن الله قد وعد هؤلاء رفيع المنزلة، وسنى الجوائز وعالي المقامات وعظيم الثواب، ولكن ليس وعداً جزافاً، إن هو إلا جزاء الواجبات العظيمة والمهمات الشاقة التي كلف بها المؤمنين.
إننا نجد في شرع الله كله أن هؤلاء الذين حباهم ربهم بالفضل العظيم والمسؤولية الكبرى في موقف بالغ الدقة والحساسية، وإن أساءوا عوقبوا ضعفين، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً, وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [١٨] .
ذلك أن الله يجعل الثواب والعقاب مكافئاً لأحوال المكلف ومقدار التكليف، والإحسان أو الإساءة فيه.
стр. 1439
ألا ترى أن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [١٩] لأنه المسؤول عن استخفافه قومه، وإيرادهم النار! , وأن امرأة فرعون بنى الله لها قصراً في الجنة، إذ استطاعت أن تنجو بقلبها من الوسط الكافر، وهو أمر لا بد فيه من الجهد والعناء، ومكافحة الموانع والحوائل مكافحة مريرة، في سبيل استنقاذ النفس من براثن الكفر الحاكم؟
لقد استبان الأمر، إذ حصحص الحق، إننا عهد إلينا بالقوامة على الناس والشهادة عليهم في اتباع شرع الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [٢٠] .
لقد كرمنا الله بمسؤولية الشهادة على الناس ما حكمنا بشريعة الله والرسول.
فبذلك نكون من المحسنين ومن رحمة الله قريبين، وأجرنا بإذن الله أجران: أجر الإسلام وأجر القيام على الناس بالإسلام.
فإن أبينا الكرامة وتخلينا عن الواجب وقع علينا ما أنذرنا الله به ورسوله نالتنا عقوبة الله مضاعفة وخسرنا خسرانا كبيراً خسرنا أنفسنا وخسرنا حق الشهادة على الناس، فلم يعترف لنا به الأمم، بل صرنا موطئ أقدامهم وقصعة أكلهم، وموضع المهانة والإذلال إن اصطفاء الأمة الإسلامية لرسالة الله، تضعها في هذا الموقف الدقيق الحساس، وتجعل منها أمة نسيج وحدها: أمة من شجرة مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية تولي وجهها شطر المسجد الحرام، فلا تدور في فلك أحد، بل تدور في فلكها الأمم، لأنها منحت دور الشهيد في تنفيذ شرع الله، والقائم بهذه المهمة لا يستوحي من غيره، ولا يقبل خضوعا، ولا تبعية، ولا تتم له الرسالة إلا بالاستقلال عن المؤثرات الغريبة، وبامتلاك قوة التأثير والتوجيه.
خاتمة:
стр. 1440
وهكذا يتحقق الاقتداء بالأخذ من عالم الاصطفاء والتأثر بالمصطفين الأخيار تأثراً يتفاوت عمقاً بتفاوت استعداد المتأثرين وإخلاصهم، وحرصهم على التمثل والانفصال والضرب من المثل المصطفى، ثم تجري عملية التمثل الذاتي والتربية الوجدانية، يأخذ المؤمن بها نفسه.
فإذا انتقلت إليه الصفات والأخلاق وصارت في سلوكه وأفعاله ظهر أثرها في المجتمع وانتفعوا بها، واصطبغت بها أعمال الأمة إذا كثر المعتقدون، وغلبوا على الخبث، وبهذا ترتقي الأمة، وتبدأ عصراً جديداً ومدنية جديدة، أركانها الأخلاق والمبادئ الإلهية التي لا تحد من نشاط الإنسان ولا تضيق عليه المجال بل تفتح ملكاته وإمكانياته، على ما في هذا الوجود من الأسرار والعجائب ليزداد يقينا على يقين، وتقدما على تقدم وكمالا على كمال.
لا هزيمة في الاسلام
عن علي ﵁ قال: "لما انجلى الناس عن رسول الله صلى لله عليه وسلم يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى ولكن أرى الله غصب علينا بما صنعنا فرفع نبيه فمالي خير من أن أقاتل حتى أقتل, فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم بأفرجوا إلي فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] رواه مسلم والبخاري والإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة.
[٢] آل عمران: ٣١.
[٣] البقرة: ٢٤٦.
[٤] النمل: ٢٦.
[٥] الكهف: ٩٥.
[٦] الزخرف: ٣١.
[٧] رواه البخاري. انظر رياض الصالحين ص٥٧.
[٨] الشعراء: ١٠٩.
[٩] هود: ٥٦.
[١٠] المدثر: ٥٠.
[١١] ينسب هذا القول لأبي سفيان قبل إسلامه وينسبه بعضهم لورقة بن نوفل وكان من المشجعين للرسول. انظر لسان العرب ق. ع.
стр. 1441
[١٢] هو توماس كارليل مؤلف كتاب الأبطال.
[١٣] البقرة: ١٣٢.
[١٤] البقرة: ١٣٠.
[١٥] رواه أحمد في مسنده ومسلم والبخاري والنسائي وابن ماجة.
[١٦] في حديث رواه ابن هشام في السيرة م٢ ص٦٣١ عن عبد الله بن عمر رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ مختلف وقال حديث صحيح. وهو خمس بخمس؛ ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنز ل الله إلا فشا فيهم الفقر، وظهرت فيعم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، طففوا المكيال إلا منعوا الثبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر.
[١٧] الأعراف: ٥٦.
[١٨] الأحزاب: ٣١.
[١٩] هود: ٩٨..
[٢٠] البقرة ١٤٣.
стр. 1442
العدد ٨
فهرس المحتويات
١-أخبار الجامعة - مرسوم ملكي كريم
٢- من تاريخ المذاهب الهدامة- كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٥) : بقلم: محمد بن مالك اليماني
٣- الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح: بقلم الشيخ عبد المحسن العباد
٤- التخدير الجَماعي: بقلم الشيخ رمضان أبو العز
٥- الضّوابط الأخلاقيّة للاقتصاد الإسلامي: بقلم الدكتور محمود بابللي
٦- المدلسون (٥) : بقلم الشيخ حماد الأنصاري
٧- المسؤولية في الإسلام: بقلم الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٨- بين الرضى والغضب: للشيخ محمد المَجذوب
٩- تعليم الإناث وتربيتهن: بقلم الدُكتُور تقيِّ الدِّين الهلاليِ
١٠- حكم الاستغاثة بغير الله سبحانه: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
١١- ندوة الطلبة- دراسات في الديانات الهندية (٣) - بهكوت كيتا: بقلم: الطالب محمد ضياء الرحمن الأعظمي
١٢- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (٥) : لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
١٣- في ظِلال سُورَةِ الأنْفَال (٢) : بقلم الشيخ أبو بكر الجزائري
١٤- معَ الصَحَافة - إنسان عالمنا الإسلامي الجديد: نقلا عن جريدة الرائد
١٥- منجل: عبد العزيز القارئ
١٦- نفح الطيب من مَدينَة الحبيب: بقلم الشيخ محمد المجذوب
١٧- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة االشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 1443
أخبار الجامعة
مرسوم ملكي كريم
صدر المرسوم الملكي بتعيين فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيسا للجامعة الإسلامية.
وفيما يلي نص الأمر الملكي الكريم المبلغ إلى فضيلته من قبل سعادة رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء.
صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
بعد التحية: ـ
لقد صدر الأمر الملكي الكريم تحت رقم أ - ١٤٧ وتاريخ ١٥-٩-١٣٩٠هـ. بمايلي: ـ
بعون الله تعالى
نحن فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية بعد الاطلاع على المادة الخامسة من نظام الموظفين العام، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (٤٢) وتاريخ ٢٩-١١-١٣٧٧هـ.
وبناء على ما عرضه علينا نائب رئيس مجلس الوزراء
أمرنا بما هو آت: ـ
أولاً ـ يعين الشيخ (عبد العزيز بن باز) رئيسا للجامعة الإسلامية بالمرتبة الممتازة وبراتبها المقرر.
ثانياً ـ على نائب رئيس مجلس الوزراء تنفيذ أمرنا هذا.
وإني إذ أبلغكم هذه الثقة الغالية، أسأل الله أن يتولى الجميع بتوفيقه لما يحبه ويرضاه ودمتم.
رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء
التوقيع
صالح العباد
صورة لصاحب السمو وزير المالية والاقتصاد الوطني.
صورة لمعالي رئيس ديوان الموظفين العام.
صورة لسعادة نائب رئيس ديوان المراقبة العامة.
стр. 1444
غادر المدينة المنورة فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي، الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لحضور المؤتمر الأول للمؤسسات الإسلامية في أمريكا اللاتينية الذي عقد في مدينة سان باول بالبرازيل ممثلا المملكة العربية السعودية في ذلك المؤتمر وقد ألقى فضيلته كلمة المملكة العربية السعودية في المؤتمر وبين فيها اهتمام المملكة وعلى رأسها جلالة الملك فيصل المعظم حفظه الله بفكرة التضامن الإسلامي وسعيها الحثيث إلى أن يلتقي المسلمون في كل مكان على صعيد العقيدة الصحيحة والأخوة والتعاون.
كما أشار فضيلته إلى أن المملكة تقدم كل ما تستطيعه من عون ومساعدة للمؤسسات الإسلامية وتقويتها لتتمكن من القيام بواجبها في خدمة الإسلام والمسلمين على الوجه الأكمل.
ويذكر أن سفر فضيلته كان بناء على أمر جلالة الملك فيصل المعظم حفظه الله، ونظراً لما كان لهذه الكلمة من أثر طيب في نفوس أعضاء الوفود المختلفة التي شاركت في المؤتمر فقد رأت مجلة الجامعة نشرها فيما يلي:
أيها الإخوة في الإسلام: أحييكم بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة طيبة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إننا نحمل إليكم هذه التحية الإسلامية من إخوانكم في المملكة العربية السعودية...
إننا نحمل إليكم تحية عاهل البلاد السعودية، وقائدها الأمين المؤتمن على الحرمين الشريفين جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز حفظه الله.
إنها تحية عطرة من مهابط الوحي في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، من جوار الكعبة المشرفة ومن مسجد رسول الله سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
إنها تحية من المركز الذي تتجه إليه وجوه المسلمين جميعا في أنحاء العالم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، ومن شماله إلى جنوبه خمس مرات في كل يوم وليلة، وإليه تهفو القلوب، وتهوي الأفئدة.
стр. 1445
أيها الإخوة في الإسلام: إن المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بين المملكة العربية السعودية، وبين هذا الركن من أمريكا الجنوبية إنما تتحول إلى قوة اتصال هائلة إذا كانت الرابطة هي رابطة الأخوة الإسلامية، والعلاقة الإيمانية.
ذلك بأن الأخوة الإسلامية الصادقة لا تستطيع عوامل التفريق أن تفعل فيها شيئا، سواء أكانت تلك العوامل جغرافية، أو لغوية, فالإسلام لا يعرف إلا أخوة المسلمين جميعا في جميع أنحاء الأرض.
إخواني المسلمين: لقد أمر جلالة الملك فيصل - حفظه الله - بأن نأتي إلى هذه البلاد لنبلغكم تحيات جلالته، ولنشارككم في اجتماعكم، ونطّلع على أحوالكم، وشؤونكم.
أيها الإخوة المسلمون: لقد نادت المملكة العربية السعودية ولا زالت تنادي بأن يكون التضامن الإسلامي أساسا للعلاقات بين جميع المسلمين، أخذا من مدلول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وأن يكون التعاون والتآخي هو السائد بينهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ , وفي الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك بين أصابعه، وقال ﷺ : "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله ولايكذبه" الحديث, والرابطة الإسلامية بين المسلمين أقوى، وأمتن من رابطة النسب أو العنصر أو القومية، وسنسوق على ذلك مثلين اثنين فقط نرى أن فيهما الكفاية.
стр. 1446
أولهما: قصة أبي لهب، وأبو لهب بن عبد المطلب هو عم رسول الله ﷺ ، ولكن لم تنفعه قرابته من الرسول لأنه لم يؤمن به، ولم يستجب لدعوته الإسلامية أي: لأنه لم يكن مسلماً، وقد أنزل الله تعالى في ذمه سورة من القرآن تتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ, مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ إلخ السورة.
والمثال الثاني: في بلال بن رباح ﵁، وبلال بن رباح هو حبشي أي: إفريقي وقبل إسلامه كان مملوكا فأعتقه أبو بكر، وقد جعله الإسلام مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو من أفضل الصحابة، بل قال رسول الله ﷺ : "أنه سمع خشف نعلي بلال في الجنة" وقد قال عنه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁: "أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا"يعني بذلك بلالا.
هذان مثالان على أن العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم أقوى من علاقة النسب أي: أقوى من علاقته بعمه أو بأخيه من النسب إذا لم يكن مسلما.
ذلك ما جاء به الإسلام، وما قرره، وأخذ به المسلمون الأوائل، وهذا ليس غريبا لأن رابطة الإسلام بين المسلمين رابطة روحية، وهي علوية سماوية، ورابطة القرابة بين الأقراب رابطة بدنية، والبدن من تراب فهي رابطة ترابية.
ولكن أيها الإخوة المسلمون: الشأن كل الشأن في أن يكون المسلم مسلما صحيح الإسلام، محققا للشروط التي يجب أن تتوفر في المسلم، لا أن يكتفي بأن يقول إني مسلم، ويظهر بمظهر المسلم ويقتصر على ذلك، قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"...
فكون المرء مسلما يقتضي أن يتجنب ما نهى عنه الإسلام، ويأتي ما يستطيع أن يأتيه مما يأمر به الإسلام، قال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
стр. 1447
أيها الإخوة: إن دعوة التضامن الإسلامي التي تنادي بها المملكة العربية السعودية لا تعني إلحاق الضرر بأحد، وإنما تستهدف نفع المسلمين، ورفع شأنهم، وتبادل المصالح الدينية، وغيرها فيما بينهم.
أيها الإخوة في الإسلام: إننا إذا نظرنا إلى المسلمين اليوم وجدنا حالة بعضهم ليست حالة مرضية، فما هو السبب؟
الجواب: السبب هو عدم التزام المسلمين بالإسلام الصحيح.
إن الإسلام رتب الجزاء على العمل، وقرن الثواب على الخير بفعل الخير لا بالدعوى وحدها، قال بعض السلف: "ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال".
إننا لنذكر، والأسى يقطع قلوبنا، والحزن يملأ نفوسنا ما عليه بعض المسلمين الآن من تفرق واختلاف ونزاع وشقاق مما سبب لهم كوارث، ومصاعب عظيمة لا يستفيد منها إلا عدوهم المتربص بهم، ونعتقد أنهم إذا رجعوا إلى دينهم، وحكموا شرع الله في خلافاتهم، ووكلوا أمورهم إلى عقلائهم وحكمائهم فإنهم سوف ينزعون عنها، ويعودون إلى أخوتهم، وتعاونهم.
وقد يقول أحدنا: كيف العمل لإصلاح المسلمين، ومن أين نبدأ بالإصلاح؟
الجواب: العمل أولا أن يبدأ كل منا بنفسه فيصلحها، ومعنى إصلاحها أن يأخذها بأوامر الإسلام، وينهاها عن نواهيه، ثم يعمل على إصلاح عائلته، وأهل بيته، ثم ينشر ما استطاع نشره من الوعي الإسلامي، والدعوة إلى الخير بين المسلمين، ولا شك أن ناشئة المسلمين يجب أن يكون لهم النصيب الأكبر من الرعاية، والعناية، والتنشئة على الخير وعلى حب السلام، والدعوة إليه.
أما أنتم أيها الإخوة المسلمون الذين حافظتم على إسلامكم في هذه الديار القصية التي لم يبلغها الإسلام إلا بواسطتكم فإننا لنرجو أن يكتب الله لكل واحد منكم أجر الصابرين على دينهم في آخر الزمان.
стр. 1448
قال النبي ﷺ : "مثل الصابر على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر، له أجر خمسين"قالوا: يا رسول الله منا أم منهم؟ قال: بل منكم! " أي: له أجر خمسين رجلا من الصحابة ﵃.
والذي نرجوه منكم - أيها الإخوان الأحباب - أن تتذكروا أن الإسلام دين دعوة وإرشاد، وأن الدعوة إليه ليست قاصرة على رجال العلم به أو من يقال لهم رجال الدين، بل إن على كل مسلم أن يدعو إلى الله، ويرشد إلى الإسلام حسب علمه وقدرته، قال تعالى مخاطبا رسوله محمداً ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يعني: إن سبيلي، أي طريقي، ومنهجي في الحياة أن أدعوا إلى الله على بصيرة من الأمر، وأن يكون كل من اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
إذا فإن كل مسلم يجب أن يكون مبشرا بالإسلام، وذلك بحسب قدرته، واستطاعته وعلمه.
قد يقال: إنه ليس من الممكن أن يكون كل مسلم عالما بأمور الإسلام على وجه الشرح، والتفصيل، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن هذا لا يمنع من الدعوة إلى الإسلام بما يعرفه منه، فإذا احتاج الأمر إلى معرفة تفصيل العبادات، ودقائق المعاملات فذلك واجب العلماء بالدين الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وأهل الذكر العلماء بأمور الدين.
ثم إن الدعوة إلى الإسلام كما تكون بالقول والبيان, فإنها كذلك تكون بالأفعال.
فيجب على كل مسلم أن يكون مثالاً للأخلاق الفاضلة، وأن يكون متحلياً بالسلوك الحميد حتى تكون حالته تلك خير دعوة للإسلام، وأفضل تعريف بالإسلام لمن لا يعرفون عنه شيئا.
стр. 1449
ذلك لأن كثيراً من الناس أو أكثرهم ينظرون إلى الأشياء نظرة عاجلة، ويزنون المرء بأفعاله لا بأقواله، وكم من مسلم جنى على الإسلام بتخليه عن خصلة واحدة من الخصال التي يأمر الإسلام بالتزامها، مثل الصدق في المعاملة، والمحافظة على الوعد، وعدم الغشّ في البيع, والشراء، والأخذ, والعطاء.
وكم من أناس كرهوا الدخول في الإسلام لما شاهدوه من بعض ممن ينتسبون إلى الإسلام من تهاون بالأخلاق الفاضلة أو عدم شعور بالمسؤولية.
إن عدم تمسك المسلم بالآداب، والأخلاق الإسلامية الصحيحة التي كان عليها رسول الله ﷺ هو الذي جعل الناس من غير المسلمين يفهمون الإسلام على غير حقيقته، بل ويحملون عنه فكرة خاطئة، وصورة مشوهة ليس في صالح الدعوة الإسلامية بطبيعة الحال.
لقد حث الإسلام على الخصال الحميدة، ونهى عن الخصال الذميمة، فصح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وروي عنه ﷺ أنه قال: "لقد أدّبني ربي فأحسن تأديبي" وقال الله مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ لقد حث الإسلام على صدق الوعد قال الله تعالى عن نبيه إسماعيل ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقال النبي ﵊: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
فذكر في هذا الحديث خصالاً ثلاثاً تجعل الرجل منافقاً وليس مؤمناً كامل الإيمان وهي الكذب في الحديث وخلف الوعد، وخيانة الأمانة.
وقال النبي ﷺ محرماً الغشّ: "من غشنا فليس منا".
وقال محرّما أذى الجار: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" والبوائق: الغوائل والشرور فلا يكون أحدكم مؤمنا كامل الإيمان إلا إذا كان جاره آمنا من شره.
стр. 1450
وقال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
وإكرام الجار، والمعاملة بالإحسان تشمل المسلمين وغير المسلمين، قال النبي ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة" والمعاهد هو غير المسلم الذي بينه وبين المسلمين عهد أو ذمة، وقوله ﵊: "لم يرح رائحة الجنة" وهذا من باب الوعيد والتحذير.
هذه أمثلة موجزة على أن الإسلام جاء بالحث على الأخلاق الفاضلة، والتزام الخصال الحميدة، ولو حاولنا استقصاء ذلك لطال الكلام.
إخواني في الإسلام: إن الإسلام في هذه البلاد قد دخلها بواسطتكم وواسطة إخوان بررة لكم. وإنه الآن أمانة في أعناقكم، ولا نشك أنكم تجتهدون في أن تؤدوا الأمانة ما استطعتم إن شاء الله، وإن لكم على إخوانكم في المملكة العربية السعودية التي ترعى الأماكن الإسلامية المقدسة أن يبذلوا كل ما يستطيعون بذله من مساندة، وتعضيد...
فالله الله في إسلامكم، والله الله في أبنائكم من ناشئة المسلمين في هذه البلاد إنكم إن فرطتم - لا قدر الله - في تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة فإن ذلك قد يكون معاول لهدم الإسلام وعدم انتشاره في هذه البلاد، وإنكم إن شاء الله ستكونون عند حسن الظن بكم، وستقومون بما تستطيعونه.
وفقكم الله وسدد خطاكم، وجعلنا وإياكم هداة مهتدين إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
(علام الهم؟)
стр. 1451
مر إبراهيم بن أدهم على رجل ينطق وجهه الهم والحزن، فقال إبراهيم: يا هذا إني سائلك عن ثلاثة فأجبني: فقال له الرجل: نعم. فقال إبراهيم: أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ قال: كلا. قال: أفينقص من رزقك شيء قدره الله؟ قال: كلا. قال: أفينقص من أجلك لحظة كتبها الله لك في الحياة؟ قال: كلا. فقال إبراهيم: فعلام الهم".
زوار الجامعة لإسلامية
زار الجامعة الإسلامية صاحب المعالي فضيلة الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر الشريف في الجمهورية العربية المتحدة وكان في استقبال معاليه فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد العبودي وبعض الأساتذة وكبار الموظفين وقد زار معاليه مكتبات الجامعة وكليتي الشريعة والدعوة والمعهد الثانوي فيها. ثم قدمت له الجامعة هدية لسيادته مجموعة من الكتب والمطبوعات التي تتعلق بتاريخ المدينة المنورة والمملكة العربية السعودية والتي كان بعضها من تأليف أساتذة الجامعة الإسلامية بالإضافة إلى أعداد مجلة الجامعة الإسلامية.
ـ كما زار الجامعة صاحب الفضيلة الشيخ الشاذلي النيفر المدرس بالجامعة التونسية ومن كبار علماء تونس، وقد زودته الجامعة بكمية من الكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة.
ـ وكذلك زار الجامعة الإسلامية الأستاذ محمد غالي وكيل مفوضية الشعوب الإسلامية في الجمهورية الموريتانية وقد زود بكمية من الكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة.
ـ وأيضا زار الجامعة فضيلة الشيخ الأمين بن الشيخ مدير مدارس ابن عامر في موريتانيا، وقد ألقى فضيلته محاضرة قيمة بالجامعة الإسلامية حضرها طلاب الجامعة والأساتذة وقد زود بالكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة الإسلامية.
стр. 1452
ـ وقد زار الجامعة الإسلامية الأستاذ أمين أحمد الكاظمي رئيس القسم العربي بكلية بتنة بالهند وقد طلب من الجامعة تزويده بالمناهج الدراسية فيها بغية الاستفادة منها لوضع مناهج بالكلية المذكورة.
بيان بالمكتبات التي زودتها الجامعة الإسلامية بالكتب والمطبوعات وأعداد المجلة في داخل المملكة
مكتبة إدارة نادي المجد الريفي في ينبع ـ المنطقة الغربية.
مكتبة مدرسة مرات الابتدائية.
مكتبة مدرسة صلاح الدين الأيوبي بالزلفي.
مكتبة المدرسة السعودية في بيشة.
مكتبة المسجد الريفي بعنيزة.
مكتبة التوعية الإسلامية بغامد بلجرشي.
مكتبة مدرسة صلاح الدين بعنيزة.
مكتبة نادي الربيع بالوجه.
مكتبة المتوسطة السابعة / القعقاع بن عمرو.
مكتبة مدرسة الصحراء بالمسيجيد.
مكتبة مركز التنمية الاجتماعية.
مكتبة مدرسة القويعية الابتدائية.
مكتبة معهد النور بالمدينةالمنورة.
بيان بالمكتبات التي زودتها الجامعة الإسلامية بالكتب والمطبوعات وأعداد المجلة في خارج المملكة
المركز الرئيسي لجماعة النصر الإسلامي ـ كادوني نيجيريا. بواسطة فضيلة الشيخ أبو بكر جوبي عضو رابطة العالم الإسلامي بمكة.
الملحق الثقافي بتونس.
الملحق الثقافي في الجزائر.
الملحق الثقافي بكراتشي.
إتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية.
المدير العام للمركز الإسلامي في نيجيريا ـ كامل حسين.
أمين مكتبة جامع الهاشمي العامة بالكاظمية ـ العراق.
مدير مدرسة ابتدائية في نيجيريا الشيخ عباس يونس.
مدير مدرسة نور الإسلام في أجيبو - نيجيريا - الشيخ صلاح الدين.
مدير معهد التعليم العربي بنيجيريا الحاج خضر صلاح الدين.
مكتبة جامعة البصرة ـ العراق.
مكتبة محمد بن القاسم في باكستان الغربية.
стр. 1453
مكتبة الجمعية العلمية بصنعاء ـ اليمن.
مكتبة معهد رأس الخيمة العلمي.
المكتبة السلفية الريحانية ببني ظبيان.
مكتبةالحركة الاجتماعية في بعلبك الأستاذ مرتضى الحسيني.
مكتبة مدرسة النور الإسلامية في كينيا ـ الشيخ عيدروس بن علوي الرفاعي.
جمعية الشباب المسلمين في نيروبي بكينيا.
مكتبة معهد العين وعجمان بالخليج العربي.
مدير المدارس العربية في نيامي بنيجيريا.
الجزولي نوح مدير مدرسة العلوم العربية في النيجر.
стр. 1454
حكم الاستغاثة بغير الله سبحانه
رئيس الجامعة الإسلامية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد فقد نشرت صحيفة المجتمع الكويتية في عددها ١٥ الصادر في ١٩/٤/١٣٩٠هـ. أبياتا تحت عنوان (في ذكرى المولد النبوي الشريف) تتضمن الاستغاثة بالنبي ﷺ والاستنصار به لإدراك الأمة ونصرها وتخليصها مما وقعت فيه من التفرق والاختلاف بإمضاء من سمّت نفسها (آمنة) , وهذا نص الأبيات المشار إليها:
يا رسول الله أدرك عالما
يشعل الحرب ويصلى لظاها
ي ارسول الله أدرك أمة
في ظلام الشك قد طال سراها
يا رسول الله أدرك أمة
في متاهات الأسى ضاعت رؤاها
إلى أن قالت:
يا رسول الله أدرك أمة
في ظلام الشك قد طال سراها
عجل النصر كما عجلته
يوم بدر حين ناديت الإله
فاستحال الذل نصرا رائعا
إن لله جنودا لا تراها
стр. 1455
هكذا توجه هذه الكاتبة نداءها واستغاثتها إلى الرسول ﷺ طالبة منه إدراك الأمة بتعجيل النصر ناسية أو جاهلة أن النصر بيد الله وحده ليس ذلك بيد النبي ﷺ ولا غيره من المخلوقات كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ , وقال : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ . وقد علم بالنص والإجماع أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان تلك العبادة والدعوة إليها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وقال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ, أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ . فأوضح سبحانه في هذه الآيات المحكمات أنه لم يخلق الثقلين إلا ليعبدوه وحده لا شريك له وبيّن أنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للأمر بهذه العبادة والنهي عن ضدها وأخبر أنه أحكم آيات كتابه وفصلها لئلا يعبد غيره سبحانه, والعبادة هي توحيده وطاعته بامتثال أوامره وترك نواهيه وقد أمر الله بذلك في آيات كثيرات منها قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية, وقوله :
стр. 1456
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ , وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ , والآيات في هذا المعنى الكثيرة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم, ولا ريب أن الدعاء من أهم أنواع العبادة وأجمعها فوجب إخلاصه لله وحده كما قال : ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ , وقال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ , وهذا يعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم لأن (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم كل من سوى الله سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ , وهذا خطاب للنبي ﷺ ، ومعلوم أن الله سبحانه قد عصمه من الشرك, وإنما المراد من ذلك تحذير غيره ثم قال : ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ , فإذا كان سيد ولد آدم ﵊ لو دعا غير الله يكون من الظالمين فكيف بغيره. والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ , فعلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها شرك بالله ينافي العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها, وهذا هو معنى لا إله إلا الله - فإن معناها لا معبود حق إلا الله فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ , وهذا هو أصل الدين وأساس الملة ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
стр. 1457
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ , وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده, والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله محمد ﷺ , وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور أو صلى لهم أو سجد لهم فقد اتخذهم أربابا من دون الله وجعلهم أندادا له سبحانه وهذا يناقض هذا الأصل وينافي معنى لا إله إلا الله كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدا رسول الله وقد قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ , وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله فإنها تكون يوم القيامة هباء منثورا لكونها لم توافق شرعه المطهر، كما قال النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق على صحته. وهذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول ﷺ وأعرضت عن رب العالمين الذي بيده النصر والضر والنفع وليس بيد غيره شيء من ذلك ولا شك أن هذا ظلم عظيم وشرك وخيم, وقد أمر الله بدعائه سبحانه ووعد من يدعوه بالاستجابة وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم كما قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ , أي صاغرين ذليلين, وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم, فإذا كانت هذه حال من استكبر عن
стр. 1458
دعاء الله فكيف تكون حال من دعا غيره وأعرض عنه, وهو سبحانه القريب المجيب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ , وقد أخبر الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة وقال لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: "إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" أخرجه الترمذي وغيره، وقال ﷺ : "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" رواه البخاري، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، والند: هو النظير والمثيل, فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم فقد اتخذه ندا لله سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات، أما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك بل ذلك من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ , وكما قال تعالى في قصة موسى أيضا: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ , وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأمور التي تعرض للناس ويحتاجون فيها إلى أن يستعين بعضهم ببعض, وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا فقال في سورة الجن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً, قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ , وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً
стр. 1459
وَلا ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ , والآيات في هذا المعنى كثيرة, وهو ﷺ لا يدعو إلا ربه ولا يستغيث إلا به وكان في يوم بدر يستغيث بالله ويستنصره على عدوه ويلحّ في ذلك ويقول: "يا رب أنجز لي ما وعدتني"، حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر ﵁: "حسبك يا رسول الله, فإن الله منجز لك ما وعدك", وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ, وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ , فذكرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم به وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة ثم بين سبحانه أن النصر ليس من الملائكة وإنما أمدهم بهم للتبشير بالنصر والطمأنينة وبين أن النصر من عنده فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ، وقال في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ , فبين في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة وما أمدهم به من الملائكة كل ذلك من أسباب النصر والتبشير والطمأنينة وليس النصر منها بل هو من عند الله وحده, فكيف يجوز لهذه الكاتبة أو غيرها أن توجه استغاثتها وطلبها النصر إلى النبي ﷺ وتعرض عن رب العالمين المالك لكل شيء والقادر على كل شيء.
стр. 1460
لا شك أن هذا من أقبح الجهل بل من أعظم الشرك فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى الله سبحانه توبة نصوحا وذلك بالندم على ما وقع منها والإقلاع منه والعزم على عدم العود إليه تعظيما لله وإخلاصا له وامتثالا لأمره وحذرا مما نهى عنه، هذه هي التوبة النصوح وإذا كانت من حق المخلوقين وجب في التوبة أمر رابع وهو رد الحق إلى مستحقه أو تحلله منه, وقد أمر الله عباده بالتوبة ووعدهم قبولها كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ , وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً, يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ , وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ , وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تجب ما كان قبلها" ولعظم خطر الشرك وكونه أعظم الذنوب وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة ولوجوب النصح لله ولعباده حررت هذه الكلمة الموجزة وأسأل الله أن ينفع بها وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعا وأن يمن علينا جميعا بالفقه في الدين والثبات عليه وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ...
стр. 1461
ندوة الطلبة
دراسات في الديانات الهندية (٣)
بهكوت كيتا
بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
هذا الكتاب يحتوي على إرشادات (كرشنا) [١] في المسائل الحربية فهو بحث (أرجن) [٢] للخروج إلى ساحة القتال.
قد نال هذا الكتاب مقاما عظيما في الديانة الهندوسية فتأثرت به حياتهم ويتمنون أن يمثلوا سيرة كرشنا في الخلق والشجاعة وانقاذ البشر من أيدي الطغاة والظلام، يقول غاندي:
"إن كيتا كتاب مقدس لا يماثله غيره ولا يحاذيه، فيه عقيدة صالحة وأخلاق حسنة لجميع أصحاب الفكر والدعوة أن يعرفوا قدر هذا الكتاب ويحترموه ويوقروه ويجعلوه مصدرا لأصولهم الدينية" هندوم هرم. Hindud Haram.
كأن غاندي ظن أن الأديان الأخرى خالية عن العقيدة الصالحة كالديانة الهندوسية فأشار عليهم بأخذ كيتا مصدرا وأصلا وهذا يدل على قلة علمه وعدم تفكييره، بل على شدة تعصبه.
وقد طعن بعض المحققين الجدد على هذا الكتاب لأنه سبب الحرب الهندية الكبرى (مهابهارت) التي أكلت عددا كبيرا من المواطنين وأغرقت أموالا طائلة لا تحصى.. وينادي هذا الكتاب إلى يومنا هذا بالحرب والجدال، وهذا ينافي أصل الديانة الهندوسية القائلة في أصولها (أهنسا يرمودهرما) (أفضل الدين ترك القتال والحرب) وكان غاندي من أكبر الدعاة لهذه الأصول، فنقديسه لكيتا يوقعنا في الشك والتضاد.
يقول الدكتور رادها كرشنا: "إن كيتا من أحسن الكتب في فلسفة الدين والأخلاق مع أنه ليس إلهاميا مثل أسمرتي، ولكن إن قلنا إن ميزان الحسن والقبح هو التأثير الجميل فأقول: هذا الكتاب أحسن من الجميع لأن له تأثيرا حسنا في الأفكار الهندية. indian inheritance.
فإذا عرفنا قدر هذا الكتاب فلنعرف حقيقته التاريخية:
стр. 1462
يقول غاندي [٣] : "أنا لا أعتقد في كيتا صحة وجوده التاريخي بل هو كتاب تمثيلي وتخيلي وضعه المصنف لتقريب معاني (مها بهارت) لأنه لم يثبت عندي وجود كرشنا تاريخيا". هندوم هرم ص١٨.
رامائن [٤]
هذا الكتاب مقدم على كيتا وغيره فيه سيرة راما جندر وعصره سابق على عصر كرشنا، وله مرتبة رفيعة جدا، الهندوس يحتفلون كل سنة بحياته التمثيلية التي تستغرق حوالي شهر كامل في جميع نواحي الهند ـ وهي من أكبر الاحتفالات للديانة الهندوسية تسمى بـ (دسهره) .
وينقسم رامائن إلى قسمين:
١ـ بالميكي رمائن: هذا هو الأصل المكتوب بالسنسكرتية، وكان بالميكي معاصرا له فكلما كتب شيئا عرضه على راما وإخوانه وهم يقرونه.
ومن أهمية بالميكي أن (تارومني) سمع هذا الكلام بنفسه وصدقه ثم جاء (برهما) إلى (بالميكي) وأمره بكتابة (رامائن) وهدده إن أخفى منه شيئا أو كذب عليه (باب بالكاند بالميكي رامائن) .
مع هذا الاهتمام التام والسعي الكامل لم ينتشر رامائن هذا في أقطار الهند لأنه مكتوب بالسنسكرتية وهي من اللغات الميتة.
٢ ـ (تلسي رامائن) نقل هذا الكتاب من السنسكرتية إلى الهندية قبل أربعمائة سنة - في ظل الدولة الإسلامية في عهد جلال الدين أكبر [٥] فانتشر في جميع المقاطعة الهندية وتوجه الناس إليه أكثر من بالميكي فأخذ مقاما عظيما في قلوبهم.
أما من الناحية التاريخية فقد عده بعض المحققين من الكتب المكذوبة حتى قال غاندي: "أفلا تنظرون إلى (تلسى) كيف استهزأ بالنساء وحقرهن ومدح (بليشن) الذي خان أخاه الشقيق وأرشد (راما) إلى فتح وطنه وجعله بمثابة الإله الذي ظلم زوجته" هندود هرم ص٣٣.
وكذلك أن (تلسى) يحقر المنبوذين [٦] (الطبقة الرابعة تسمى بـ شودر) ومهد الطريق إلى ضربهم بدون أي ذنب.
أما النقطة المهمة فهي: ما مقام راما في بالميكي رامائن وتلسى رامائن؟
стр. 1463
فالأمر الذي لا غبار عليه هو أن تلسى جعل راما في مقام الإله نزل بصورة البشر لإنقاذ الناس من ظلم الملك (راون) (ملك سيلان) وهذا أمر جلي لا خفاء فيه يعرفه كل من له أدنى مسكة من علم بالديانة الهندوسية، والاختلاف هو في بالميكي رامائن لأنه أول تصنيف في حياة رامائن بل هو المصدر الوحيد الذي تعرف به حياته.
وقد اختلف الباحثون في هذه المسألة فأنكر المحققون الجدد وجود راما بصورة الإله [٧] ولكن نجد في أول الكتاب مايلي:
"إن الملائكة اجتمعت عند (وشنو) (الرازق) وألحت عليه أن يهبط إلى الأرض بصورة (راما) لإنقاذ البشر من ظلم راون".
ثم بعد النصر جاء برهما مع الملائكة في حفلة الفتح وأثنى عليه بقوله: "إن راما إله نزل على الأرض للحرب مع راون". Indian Inheritation
هذه هي حقيقة رامائن الذي جعل راما بمثابة الإله وسيأتي النقد على هذه العقيدة في باب (أوتار) إن شاء الله.
عقيدة أوتار
معنى كلمة أوتار في اللغة السنسكرتية (النزول) واصطلاحا عند الهندوس: نزول الرب إلى الأرض بصورة الإنسان لإصلاح الناس كما ورد في كيتا.
"إذا تزلزل الحق أمام الباطل وغلب الفساق على الصالحين نزل بهكوان (الإله) لإحقاق الحق وحفظ الصالحين".
والأوتار له أربعة مقاصد:
١- تغليب النساك والزهاد على الفجار.
٢- فلاح الدنيا وإهلاك الدجالين.
٣- رفع ثقل الأرض.
٤- إظهار الأسوة الحسنة (شرى بهكوت كيتا) .
وأوتار له أربعة أقسام:
الأول: بورن أوتار، يعنون به النزول الكامل, ومن شرطه أن تكون قوة المرسل غير متناهية تساوي قوة برهما مثل أوتار (راما) و (كرشنا) .
الثاني: أنسن أوتار الذي يرسل لغرض خاص وهو دون الأول مثل أوتار (نرسنك) .
الثالث: (كلا أوتار) الذي يكون أدنى من أنسن مثل أوتار (منو كشيب) .
стр. 1464
الرابع: (أوهياكارى أوتار) الذي يعطي في فترة من حياته قوة كقوة برهما ثم تزول عنه كما كان شأن أوتار ويدوياس الذي منح قوة كقوة برهما في حين تأليفه (ويدا) ثم سلبت منه.
هذه هي العقيدة المعروفة لدى الهندوس يعتقدها كبيرهم وصغيرهم، ولكن لما رجعنا إلى كتابهم المقدس (ويدا) رأينا أنه لا يصدق بما ذهب إليه جمهور الهندوس بل إنه يدعى إرسال الرسل من بني آدم كما في عقيدة الإسلام، فقد جاء في الباب الثاني عشر اشلوك رقم ١ من رك ويد ما نصه:
(أكنن دوتن ورى ماهى) Agni Dutan Viri Mahi
يعني (نحن نتنخب أكنى رسولا) أكنى اسم الرسول.
(دوتن) : رسول.
(ورى ماهى) ننتخب صيغة المتكلم والجمع للتعظيم The Massanger [٨]
فقد فصلت لكم أيها القراء هذا التفصيل لأن علماء الهندوس يتخبطون في تفسير هذا الأشلوك (الآية) فيفسرونه حسب شهواتهم إرضاء لعوام الهندوس ومعاندة لعقيدة الإسلام فيقولون: "دوتن بمعنى الإله وأكنى بمعنى إله النار"مع أن ويدا نفسه يرد عليهم فقد جاء فيه:
(منو شياسو أكنمن) يعني إنما أكنى بشر ولكن ذهب الله بأبصارهم ففسروا هذا الأشلوك على غير معناه لأن الشيطان استحوذ عليهم فأضلهم عن الصراط المستقيم، ولأن خاتم الرسل وأفضل الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ﵊ لم يبعث من بني جلدتهم فكفروا به ظلما وعدوانا، مع أن أوصافه ﵊ مذكورة في كتابه المقدس (ميران) فقد جاء فيه:
стр. 1465
"أن رجلا جاء في المنام إلى الملك (بهرج) ملك السند فقال: "أيها الملك إن دينك آريا وهرم صحيح في مكانه ولكن عليك أن تلحق بدين رجل ظهر في الصحراء" (يعني أرض العرب) وهو مختون (خلاف للهندوس) ليس له جوتى (إرخاء الشعر وربطه على الرأس مثل العقاص كما يفعل نساك الهندوس) وعنده لحية طويلة له كلام يسمع (انتشار الإسلام) اصطفاه برهما (للرسالة) يأكل الطيبات من اللحوم (خلافا لنساك الهندوس والجليتية) تظهر على يديه معجزات كثيرة (مثل انشقاق القمر) [٩] وهو محفوظ من أعدائه "إشارة إلى مؤامرات قريش"اسمه (محامد) (يعني جامع الفضائل) إشارة إلى محمد رسول الله ﷺ .
هذه الشهادة موجودة في كتابهم المقدس ولكن لما جاء إليهم رسول من الله يتلو عليهم آياته ويزكيهم كفروا به. فأين إيمانهم بدينهم آريا وهرم, والله لو كانوا مؤمنين صادقين بدينهم لكانوا مؤمنين بما جاء به النبي ﷺ .
(منابع الشرك)
قدمنا هذه الاقتباسات من الكتب المقدسة التي تدعى ألوهية أوتار ثم رددنا عليها باقتباس من كتابهم المقدس الأصلي (ويدا) وهنا يسأل السائل ما سبب الاختلاف وجعل الرسالة آلهة؟ فيجاب: إن الديانة الهندوسية قد تخلت عن العقائد الصالحة كما تقدم البحث، لأجل هذا صار الهندوس أحرارا في أعمالهم ومعتقداتهم، لأن ميزان العدل والحق قد ارتفع عنهم فهم ما زالوا مختلفين في المسائل الدينية بدون مرجع يرجعون إليه، ولما ظهرت على أيدي الأنبياء والصالحين المعجزات وخوارق العادات ظنوا أنهم ليسوا بشرا بل هم آلهة نزلوا من السماء فصاروا يعظمونهم ويعبدونهم من دون الله!
стр. 1466
وكذلك وجود الخالق عندهم فهو ذات مبهمة لا تتصف بصفة من الصفات، وهو موجود في مكان وزمان يعجز الإدراك البشري عن تصوره فاحتاج الإنسان إلى معبود ظاهر وإله محسوس يستغيث به عند النازلة ويدعوه في الأوقات الحرجة، فجعلوا يبحثون عن الذوات النافعة مثل الأنهار التي تسقي الزرع والأشجار التي تعطي الثمرة، والنار التي ينتفع بها في طبخ الطعام، والبقرة التي تدر اللبن. وهكذا فهذه المظاهر كلها بمثابة الإله المعبود مما لا يقره كتابهم المقدس ويدا، وهذا أقبح الشرك الذي ينفر منه كل لبيب من الهندوس ولكن تغلغل في عقولهم فلم يستطيعوا خلاصا منه.
إلى هذا أشار العالم الهندوكي (دنكر) في كتابه (العناصر الأربعة للحضارة الهندية) .
كان من عقيدة ويد وهرم أن قدرة الخالق منقسمة إلى أشخاص متعددة (ديوتا) فكان الإنسان يتوجه في دعائه إلى هؤلاء الأشخاص لقضاء الحاجة التي يملكها هذا الشخص. فمثلا كانوا يتوجهون في استنزال المطر إلى (اندرا) وفي إشعال النار إلى أكنى، وفي طلب الأولاد إلى (كامديو) وهكذا.
هذه هي فلسفة تعدد الآلهة عند الهندوس فنحمد الله الذي أخرجنا من هذه الظلمات بعضها فوق بعض، ومهد لنا الطريق إلى التوحيد الذي وصفه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وصدق الله العظيم.
--------------------------------------------------------------------------------
-[١] سيأتي بيانه في باب عقيدة الأوتار.
-[٢] اسم رجل معروف بالشجاعة والبطولة.
стр. 1467
-[٣] وهو الذي ابتدع دينا جديدا مخلوطا بمبادئ الإسلام والعقيدة الهندوسية سماه "الدين الإلهي"فأدخل في عقيدة الإسلام من الخرافات الهندوسية ما لا يرضى بها الإسلام والمسلمون فقام أمام دعوته بعض العلماء الكبار منهم الداعية الكبير أحمد السرهندي الملقب (مجدد الألف الثاني) .
-[٤] إله عندالهندوس له علم بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها.
[٥]- أخو الملك راون الظالم الذي انتصر عليه راما انتصارا عظيما سيأتي بعض تفصيله في باب الشخصيات الكبرى إن شاء الله.
-[٦] عددهم في الهند مائة وعشرون مليونا يعني ضعف المسلمين، هذه الطبقة المظلومة فيها تجاذب شديد بين الإسلام والمسيحية والبوذية فكل فرقة تدعوها إلى دينها ولكن أكثر ميلانها إلى الديانة البوذية لسبب خاص أريد ان أذكره لأن فيه عبرة للمسلمين.
قبل ثلاثين سنة ترأس عليهم الدكتور (أمباوكر) - أحد واضعي قانون الجمهورية الهندية - فتوجه إلى دراسة الديانات ليخرج الطبقة الراعية من ظلم الهندوس وعدوانهم فبعد بحث وتحقيق تأثر بالإسلام أكثر من غيره وأعلن في الصحف الهندية أنه لا يوجد دين أفضل من الإسلام على وجه الأرض، ولكن المسلمين فرقوا هذا الدين إلى فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا فلا فائدة لنا بالدخول في الإسلام لأننا نبقى كما كنا كافرين، فأمر أصحابه أن يدخلوا في الديانة البوذية جريدة (زيندار) سنة ١٩٣٦.
أوردنا هذا النص ليتفكر ويتدبر كل من له أدنى معرفة بأحوال المسلمين ليرى كيف أن بعض المسلمين يصدون عن سبيل الله ويمنعون الناس عن الدخول في الإسلام.
فندعوا أصحاب الفكر والرأي إلى أن يعتبروا هذه النقطة الحساسة ويغيروا سلوكهم ومناهجهم ويفتحوا صدورهم لكل من توجه إليهم بكل مودة ورحمة ويعللوا التنافر فيما بينهم من المسائل الخلافية الفرعية التي لا توافق عقيدة الإسلام وما يدريكم لعل الله يريد بالمسلمين خيرا.
-[٧] بمعنى GDOS
стр. 1468
-[٨] أي: International - Sancrit - Dictionary
-[٩] قد ثبتت هذه المعجزة في الهند حين وقوعها فإن (السامري) ملك مليبار رأى شق القمر بنفسه وأمر بتسجيل هذه الحادثة في سجله الرسمي فسافر من الهند وقابل النبي ﷺ في المدينة ومات في الطريق عند رجوعه إلى الهند (تاريخ فرشته) .
стр. 1469
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (٥)
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
المدرس الجامعة
سورة الأنعام
· قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ..﴾ الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين ونظيرها قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ . والجواب عن هذا أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء, ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين أي ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى. وأما على قول من قال: إن الضمير في قوله: ﴿رُدُّوا﴾ , وقوله: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ عائد على الملائكة فلا إشكال في الآية أصلاً, ولكن الأول أظهر.
· قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ , هذه الآية الكريمة يفهم منها أنه لا إثم على من جالس الخائضين في آيات الله بالاستهزاء والتكذيب. وقد جاءت آية تدل على أن من جالسهم كان مثلهم في الإثم وهي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ .
اعلم أولا أن في معنى قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وجهين للعلماء:
الأول: أن المعنى: وما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء, وعلى هذا الوجه فلا إشكال في الآية أصلا.
стр. 1470
الوجه الثاني: أن معنى الآية وما على الذين يتقون ما يقع من الكفار في الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء, وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين كان في أول الإسلام للضرورة ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ , وممن قال بالنسخ فيه مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير. فظهر أن لا إشكال على كلا القولين. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ على الوجه الأول أنهم إذا اجتنبوا مجالستهم سلموا من الإثم ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لعلهم يتقون الله بسبب ذلك, وعلى الوجه الثاني فالمعنى أن الترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير لعلهم يتقون الخوض في آيات الله بالباطل إذا وقعت منكم الذكرى لهم وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده والعلم عند الله تعالى.
стр. 1471
· قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ، يتوهم منه الجاهل أن إنذاره ﷺ مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ , ونظيره قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . وقد جاءت آيات أخر تصرّح بعموم إنذاره ﷺ لجميع الناس كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ ، والجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس.
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة - حرسها الله - كجزيرة العرب مثلا فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور, وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ , فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم كما هو واضح والعلم عند الله تعالى.
стр. 1472
· قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ , وقوله أيضاً: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ , أثبت في هاتين الآيتين التشابه للزيتون والرمان ونفاه عنهما.
والجواب: ما قاله قتادة ﵀ من أن المعنى متشابها ورقها, مختلفا طعمها, والله تعالى أعلم.
· قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ، هذه الآية الكريمة توهم أن الله تعالى لا يرى بالأبصار, وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ، فالحسنى: الجنة, والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ، يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن المعنى: لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة.
الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة, وهذا قريب في المعنى من الأول.
الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه, أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
стр. 1473
وحاصل هذا الجواب أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية لأن الإدراك المراد به الإحاطة, والعرب تقول: "رأيت الشيء وما أدركته", فمعنى لا تدركه الأبصار: لا تحيط به كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما، وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم, فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق, والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا. والحاصل أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا، وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا، ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ , لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له.
· قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ ، هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ, خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ ، وقد جاءت آيات تدل على أنّ عذابهم لا انقطاع له كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ .
والجواب عن هذا من أوجه:
стр. 1474
أحدها: أن قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها وهم أهل الكبائر من الموحدين، ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن معدان واختاره ابن جرير وغاية ما في هذا القول إطلاق ما ورد ونظيره في القرآن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .
الثاني: أن المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا.
الوجه الثالث: أن قوله ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ فيه إجمال وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبداً, وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له, والظهور من المرجحات, فالظاهر مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول.
ومنها: أنّ "إِلاّ" في سورة هود بمعنى: "سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض". وقال بعض العلماء: إن الاستثناء على ظاهره وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها أحد، وقال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون أحقابا"، وعن ابن عباس: "أنها تأكلهم بأمر الله". قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن هذه النار التي لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين كما جزم به البغوي في تفسيره؛ لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة, وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن, أما ما يقول كثير من العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب عن أهلها، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته, وإيضاحه أن المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح وغيرها راجع إليها:
الأولى: أن يقال بفناء النار وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها.
стр. 1475
الثانية: أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية.
الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية.
الرابعة: أن يقال: إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخف عليهم. وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذة لم نذكرهما من الأقسام لأنا نقيم البرهان على نفي تخفيف العذاب, ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذة, فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما, وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه.
أما فناؤها فقد نص تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ , وقد قال تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ , وبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ , وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾ ، وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ , فمن يقول إن للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير رد عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أن (كُلَّمَا) تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ الآية. وأما موتهم فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ , وقد بيّن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح, وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت كما قال النبي ﷺ ويقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وأما إخراجهم منها فنص تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ , وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ .
следующие страницы →