← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

· قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ، يتوهم منه الجاهل أن إنذاره ﷺ مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ , ونظيره قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . وقد جاءت آيات أخر تصرّح بعموم إنذاره ﷺ لجميع الناس كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ ، والجواب من وجهين: الأول: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة - حرسها الله - كجزيرة العرب مثلا فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور, وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ , فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم كما هو واضح والعلم عند الله تعالى.

стр. 1472

· قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ , وقوله أيضاً: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ , أثبت في هاتين الآيتين التشابه للزيتون والرمان ونفاه عنهما. والجواب: ما قاله قتادة ﵀ من أن المعنى متشابها ورقها, مختلفا طعمها, والله تعالى أعلم. · قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ، هذه الآية الكريمة توهم أن الله تعالى لا يرى بالأبصار, وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ، فالحسنى: الجنة, والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ، يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن المعنى: لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة, وهذا قريب في المعنى من الأول. الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه, أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.

стр. 1473

وحاصل هذا الجواب أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية لأن الإدراك المراد به الإحاطة, والعرب تقول: "رأيت الشيء وما أدركته", فمعنى لا تدركه الأبصار: لا تحيط به كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما، وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم, فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق, والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا. والحاصل أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا، وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا، ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة والعلم عند الله تعالى. · قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ , لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له. · قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ ، هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ, خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ ، وقد جاءت آيات تدل على أنّ عذابهم لا انقطاع له كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ . والجواب عن هذا من أوجه:

стр. 1474

أحدها: أن قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها وهم أهل الكبائر من الموحدين، ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن معدان واختاره ابن جرير وغاية ما في هذا القول إطلاق ما ورد ونظيره في القرآن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ . الثاني: أن المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا. الوجه الثالث: أن قوله ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ فيه إجمال وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبداً, وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له, والظهور من المرجحات, فالظاهر مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول. ومنها: أنّ "إِلاّ" في سورة هود بمعنى: "سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض". وقال بعض العلماء: إن الاستثناء على ظاهره وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها أحد، وقال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون أحقابا"، وعن ابن عباس: "أنها تأكلهم بأمر الله". قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن هذه النار التي لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين كما جزم به البغوي في تفسيره؛ لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة, وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن, أما ما يقول كثير من العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب عن أهلها، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته, وإيضاحه أن المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح وغيرها راجع إليها: الأولى: أن يقال بفناء النار وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها.

стр. 1475

الثانية: أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية. الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية. الرابعة: أن يقال: إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخف عليهم. وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذة لم نذكرهما من الأقسام لأنا نقيم البرهان على نفي تخفيف العذاب, ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذة, فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما, وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه. أما فناؤها فقد نص تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ , وقد قال تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ , وبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ , وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾ ، وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ , فمن يقول إن للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير رد عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أن (كُلَّمَا) تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ الآية. وأما موتهم فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ , وقد بيّن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح, وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت كما قال النبي ﷺ ويقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وأما إخراجهم منها فنص تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ , وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ .

стр. 1476

وأما تخفيف العذاب عنهم فنص تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ , وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً﴾ , وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ , وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ , وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ , وقوله تعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ , وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . ولا يخفى أن قوله: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ كلاهما فعل في سياق النفي فحرف النفي ينفي المصدر الكامن في الفعل فهو في معنى لا تخفيف للعذاب عنهم ولا تفتير له, والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات, بل يلزمه ذهابهما رأسا, كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ وإقامته النصوص عليها بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ وما احتج به بعض العلماء من أنه لو فرض أن الله أخبر بعدم فنائها أن ذلك لا يمنع فناءها لأنه وعيد وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح, وأن الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده وأن الشاعر قال: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالظاهر عدم صحته لأمرين: الأول: أنه يلزم جواز ألاّ يدخل النار كافر لأن الخبر بذلك وعيد وإخلافه على هذا القول لا بأس به.

стр. 1477

الثاني: أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله حيث قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد﴾ ِ , وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أن الفاء من حروف التعليل كقولهم "سها فسجد"أي سجد لعلة سهوه, و"سرق فقطعت يده"أي لعلة سرقته فقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد﴾ أي وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ . ومن الأدلة الصريحة في ذلك تصريحه تعالى بأن قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار حيث قال: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ, مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ , ويستأنس لذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقّ﴾ , وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ فالظاهر أن الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين لأن الله بيّن ذلك بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 1478

فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام تعيّن القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبداً بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح, ولا غرابة في ذلك لأن خبثهم الطبيعي دائم لا يزول فكان جزاؤهم دائما لا يزول, والدليل على أن خبثهم لا يزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ الآية، فقوله: ﴿خَيْراً﴾ نكرة في سياق الشرط فهي تعم, فلو كان فيهم خير ما في وقت ما لعلمه الله، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ، وعودهم بعد معاينة العذاب لا يستغرب بعده عودهم بعد مباشرة العذاب لأن رؤية العذاب عيانا كالوقوع فيه لا سيما وقد قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ , وقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية. وعذاب الكفار للإهانة والانتقام لا للتطهير والتمحيص كما أشار له تعالى بقوله: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ , وبقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . والعلم عند الله تعالى.

стр. 1479

· قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، هذا الكلام الذي قالوه بالنظر إلى ذاته كلام صدق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء لم يشركوا به شيئا ولم يحرموا شيئا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ , وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ , وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ , وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقا فما وجه تكذيبه تعالى لهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ ، ونظير هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ . والجواب أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق أريد به باطل فتكذيب الله لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام الحق، وإيضاحه: أن مرادهم أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة الله وأنه لو شاء لمنعهم من ذلك فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم فكذبهم الله في ذلك مبيّنا أنه لا يرضى بكفرهم كما نص عليه بقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ , فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى وهو زعم باطل بل الله يريد بإرادته الكونية ما لا يرضاه بدليل قوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ مع قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ والذي يلازم الرضى حقا إنما هو الإرادة الشرعية والعلم عند الله تعالى. · قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.

стр. 1480

هذه الآية تدل على أن هذا الذي يتلوه عليهم حرّمه ربهم عليهم فيوهم أنّ معنى قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أن الإحسان بالوالدين وعدم الشرك حرام والواقع خلاف ذلك كما هو ضروري وفي هذه الآية الكريمة كلام كثير للعلماء وبحوث ومناقشات كثيرة لا تتسع هذه العجالة لاستيعابها منها: أنها صلة كما يأتي، ومنها: أنها بمعنى أبينه لكم لئلا تشركوا ومن أطاع الشيطان مستحلا فهو مشرك بدليل قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ، ومنها - أن الكلام تمّ عند قوله: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وأنّ قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ : اسم فعل يتعلق بما بعده على أنه معموله. منها غير ذلك. وأقرب تلك الوجوه عندنا هو ما دل عليه القرآن لأن خير ما يفسر به القرآن القرآن, وذلك هو أن قوله تعالى: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ مضمن معنى ما وصاكم ربكم تركا وفعلا, وإنما قلنا إن القرآن دل على هذا لأن الله رفع هذا الإشكال وبين مراده بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيكون المعنى: وصاكم ألا تشركوا ونظيره من كلام العرب قول الراجز: حج وأوصى بسليمى إلا عبدا أن لا ترى ولا تكلم أحدا ومن أقرب الوجوه بعد هذا وجهان: الأول: أن المعنى: يبينه لكم لئلا تشركوا. الثاني: إن (أن) من قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ مفسرة للتحريم والقدح فيه بأن قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ معطوف عليه وعطفه عليه ينافي التفسير مدفوع بعدم تعيين العطف لاحتمال حذف حرف الجر فيكون المعنى: ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كما ذهب إليه بعضهم ولكن القول الأول هو الصحيح إن شاء الله تعالى وعليه فلا إشكال في الآية أصلا. سورة الأعراف

стр. 1481

· قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية, هذه الآية الكريمة تدل على أن الله يسأل جميع الناس يوم القيامة ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ, عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ , وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ , وكقوله: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ . والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: وهو أوجهها لدلالة القرآن عليه وهو أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع, وأداته غالبا (لم) ، وسؤال استخبار واستعلام وأداته غالبا (هل) فالمثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع, والمنفي هو سؤال: الاستخبار والاستعلام، وجه دلالة القرآن على هذا أن سؤاله لهم المنصوص في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ, مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ , وكقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، إلى غير ذلك من الآيات، وسؤال الله للرسل ماذا أجبتم لتوبيخ الذين كذبوهم كسؤال الموؤودة بأي ذنب قتلت لتوبيخ قاتلها. الوجه الثاني: أن في القيامة مواقف متعددة ففي بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون. الوجه الثالث: هو ما ذكره الحليمي من أن إثبات السؤال محمول على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، وعدم السؤال محمول على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه، ويدل لهذا قوله تعالى فيقول: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ والعلم عند الله تعالى.

стр. 1482

· قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية. في هذه الآية إشكال بين قوله: ﴿مَنَعَكَ﴾ مع (لا) النافية؛ لأن المناسب في الظاهر لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾ بحسب ما يسبق إلى ذهن السامع لا ما في نفس الأمر هو حذف (لا) فيقول: "ما منعك أن تسجد"دون "ألا تسجد"وأجيب عن هذا بأجوبة؛ من أقربها هو ما اختاره ابن جرير في تفسيره وهو أن في الكلام حذفا دل المقام عليه وعليه فالمعنى: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك وهذا الذي اختاره ابن جرير قال ابن كثير: "إنه حسن قوي". ومن أجوبتهم أن (لا) صلة ويدل له قوله تعالى في سورة (ص) : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية، وقد وعدنا فيما مضى أنا إن شاء الله نبيّن القول بزيادة (لا) مع شواهده العربية في الجمع بين قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وبين قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ . · قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ الآية، الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: وهو أظهرها أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي بطاعة الله وتصديق الرسل ففسقوا أي بتكذيب الرسل ومعصية الله تعالى فلا إشكال في الآية أصلا.

стр. 1483

الوجه الثاني: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمر كوني قدري لا أمر شرعي، أي قدرنا عليهم الفسق بمشيئتنا، والأمر الكوني القدري كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، والأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أمر شرعي ديني فظهر أن الأمر المنفي غير الأمر المثبت. الوجه الثالث: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ : أي كثرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا، ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعا من حديث سويد بن هبيرة ﵁: "خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة"فقوله مأمورة أي كثيرة النسل وهي محل الشاهد. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ الآية، وأمثالها من الآيات كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ الآية، لا يعارض قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ، ولا قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ ، لأن معنى ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ ونحوه أي نتركهم في العذاب محرومين من كل خير والله تعالى أعلم. · قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الآية، هذه الآية تدل على شبه العصا بالثعبان وهو لا يطلق إلا على الكبير من الحيات وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الآية، لأن الجان هو الحية الصغيرة، والجواب عن هذا أنه شبهها بالثعبان في عظم خلقتها وبالجان في اهتزازها وخفتها وسرعة حركتها فهي جامعة بين العظم وخفة الحركة على خلاف العادة.

стр. 1484

في ظِلال سُورَةِ الأنْفَال (٢) بقلم الشيخ أبو بكر الجزائري المدرس بكلية الشريعة بالجامعة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ, أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . بسم الله، والحمد لله وبعد، لقد ذكرنا عند دراستنا للآية السابقة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأنْفَالِ ... ﴾ الآية, إن المواضيع التي تعالجها هذه السورة القرآنية الكريمة إجمالا هي: ١- العقيدة بتركيزها في النفوس المؤمنة وتعميقها. ٢- السلوك بتهذيبه، وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلا لها، وبرهانا عليها. ٣- الجهاد بذكر قوانينه، وطرف من آدابه، وعوامل النصر أو الهزيمة فيه. ٤- الغنائم، وحكم قسمتها، وطريقة توزيعها بين المجاهدين. ٥- المعاهدات الحربية والسلمية، وكيفية إبرامها ونقضها. ٦- حكم الأسرى، والهجرة والموالاة في الإسلام.

стр. 1485

والآن وقد أشرنا إلى هذا ليتمكن القارئ الكريم من تفيء ظلال هذه السورة من أول مده إلى نهايته، نعود لندرس هذه الآيات الثلاث، ويحسن أن نشير أولا إلى المناسبة بين الآية السابقة، وبين هذه الآيات فنقول: لما كان الإيمان هو السلطان الذي يحكم تلك الجماعة المؤمنة، ويخضعها للقيادة النبوية، والمنهاج الإلهي، يوجهها إلى حيث كمالها وسعادتها، ولم يكن للرسول ﷺ وهو قائدها ما يعتمد عليه في أمرها ونهيها، وقيادتها وتوجيهها إلا إيمانها وإيمانها فقط، إذ هو الذي قامت عليه حقيقتها، وانبنى عليه كيانها فصارت به أمة مستعدة للفوز متهيئة للكمال, فبموجبه تؤمر، وبموجبه تنهى، وعلى أساسه تدعى إلى الخير فتقبل مسرعة، وتزجى عن الشر فتنفر منه خائفة مذعورة، ألم تر أنها يوم اختلفت في الأنفال, وكاد الخلاف يفضي بها إلى القتال والانحلال لم يكن لها ما تقاد به إلى وحدة الصف، وجنة الوئام إلا الإيمان فبه أمرت فانقادت، وبه دعيت فأجابت: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ولما كان الإيمان بهذه المثابة ناسب أن يبين لها مزيدا من آثار الإيمان في نفوس المؤمنين, وسلوكهم وأحوالهم، وليكون ذلك بمنزلة وضع مرقاة جديدة لهم ليرتقوا بها إلى منازل الإيمان الكبرى، ويبلغوا الغاية من الكمال البشري في هذه الدار، ويصبحوا بذلك أهلا لجوار الله تعالى وكرامته. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾ في ثلاث آيات بينات اشتملت على خمس صفات رسمت بها الصورة الكاملة للمؤمن الحق الذي يستحق الإنعام والتكريم.

стр. 1486

وأولى هذه الصفات هي وجل القلب عند ذكر الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ , والوجل: رقة القلب، واضطراب النفس للوارد القوي الذي تضعف معه, ويكون بالشوق والحب، كما يكون بالخوف والرهبة، ويعقبه عادة طمأنينة القلب كالأثر لازم له، يشهد لهذا مثل قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ..﴾ , وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . ومن مظاهر الوجل القوية أن تفيض روح العبد عند ذكر الله تعالى بأسمائه أو صفاته، أو وعيده رهبة وخوفا أو حبا وشوقا، الذين فارقوا هذه الحياة بهذا الوارد القوي خلق قد لا يحصون كثرة. ودون هذا المظهر قشعريرة الجلد، وذرف الدمع، وهدوء النفس وسكون القلب، وأدنى مظاهر وجل القلب عند ذكر الرب: أن يقال للعبد: اتق الله في واجب تركه أو مكروه ارتكبه، فيقع في الحال فيأتي الواجب الذي تركه، أو يترك الحرام الذي ارتكبه. وليس وراء هذا مطمع في وجود الإيمان.

стр. 1487

وثاني هذه الصفات زيادة الإيمان بسماع الآيات: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وتلاوة الآيات قراءتها من خطيب على منبر، أو واعظ، أو مرشد، من قارئ يتهجد بليل، أو متعلم يرتل بالنهار، فذو الإيمان الحق لمجرد سماعه آيات الله تتلى ترتفع درجة إيمانه إلى مستوى أدناه أن يخف معه لقضاء الواجب، وترك المكروه، وأعلاه أن يصبح الغيب عنده شهادة، والمعقول كالمحسوس، ويوضح هذا المعنى الذي في زيادة الإيمان رؤية المرء شخصا عند طلوع الفجر، ثم رؤيته مرة أخرى عند الإسفار، ثم ثالثة عند طلوع الشمس وارتفاع النهار، أليست الرؤى الثلاث قد اختلفت اختلافا كبيرا، فالأولى لم تعد أكثر من رؤية شبح أو شخص غير معروف، والثانية كانت رؤية شخض عرف بها معرفة إجمالية، أما الثالثة فإنها رؤية عرف معها الشخص بكامل سماته وخصائصه وفوارقه؟؟ فإذا كانت الرؤية واحدة واختلفت آثارها باختلاف قوة الضوء وضعفه، فكذلك الإيمان يقوى ويضعف ويزيد وينقص, والدليل على ذلك آثاره في قوة اليقين وصلاح الحال، والاستقامة في السلوك. فالمؤمن الحق هو الذي يزيد إيمانه لسماع كلام ربه ﷻ ومن لم يجد أثر الزيادة في إيمانه عند سماع كلام ربه فليشك في وجود إيمانه وليفتش عنه ليتعرف أي العواصف المادية ذهبت به.

стр. 1488

إن الإيمان أيها الإخوة القارئون بمثابة محرك السيارة الآلية، فإنه متى كان صالحا حرك السيارة ودفع بها إلى الأمام، وبقدر ما يصب عليه الوقود تزداد حركته وسرعته، وبقدر ما ينقص الوقود تنقص قوته وسرعته وكذلكم الإيمان سواء بسواء. فالإيمان الذي لا يقوى على دفع المؤمن إلى أعلى المراتب كالجهاد بالنفس والمال، أو أدناها كترك الشر والبعد عن الإثم ليس بإيمان، والمؤمن الذي يدعى إلى خير فتتلى عليه الآيات الداعية إليه والحاضة عليه فلا يتحرك ولا يجيب يستحي العاقل أن يقول فيه: مؤمن، أو يصفه بالإيمان، إذ للإيمان حقيقته ككل الأشياء، فإذا لم توجد تلك الحقيقة فمن المكابرة أو المغالطة أن يسمى هذا إيمانا وصاحبه مؤمنا. وقد روي أن الرسول ﷺ مرّ ذات مرة يوم بحارثة الأنصاري فقال له - بعد السلام -: "كيف أصبحت يا حارثة؟ "قال: "أصبحت مؤمنا حقا"، فقال له الرسول ﷺ : "انظر ما تقول, فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال حارثة: "عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي, وأظمات نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصياحون) ", فأجابه الرسول ﷺ قائلا: "يا حارثة عرفت فالزم- ثلاث مرات -". والشاهد من إيراد هذا الأثر إثبات هذه الحقيقة العلمية وهي أن لكل شيء حقيقة من طريق الاستدلال بالسنة النبوية.

стр. 1489

وثالث هذه الصفات: التوكل على الله دون سواه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإيمان العبد بأن الله حي لا يموت، وأنه لا يخرج شيء عن سلطانه وقهره وتدبيره، وأن شيئا لا يكون إلا بإذنه ومشيئته، وأنه لا يملك عطاء ولا منعا سواه، ولا ضرا ولا نفعا غيره، وإيمان العبد بهذا يحتم عليه التوكل على الله دون سواه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت﴾ , وبعدم التوكل على الله تعالى يكون العبد عرضة لنفي الإيمان عنه، إذ من حقيقة الإيمان بالله تعالى وصفاته التوكل عليه دون غيره. هذا وما هو التوكل؟ التوكل: صفة تفويض إنجاح المساعي, وإثمار الأعمال وإنتاج المقدمات إلى الله تعالى، إذ هو الذي يملك ذلك على الحقيقة دون غيره من خلقه، وثمرة التوكل العاجلة الإقدام على العمل في حزم، وإتيان الأسباب في غير توان، ووضع المقدمات في غير حيرة ولا تردد، مع طمأنينة القلب، وهدوء البال، واستراحة الضمير، فلا قلق للمتوكل على الله، ولا مخاوف تنتابه في الحياة، يؤمر بالجهاد فيرمي بنفسه في معاركه ومعامعه في غير هيبة ولا وجل، يكفر بذره في التربة ولا يفكر في الحصاد، ويضع رجله في الفرز أو على درجة سلم الطائرة وهو مسافر بإذن الله ولا يفكر في الوصول غايته ومنتهاه، إذ ذاك ليس له، وإنما هو لله، والله قد أمر العبد وقد فعل، فلم إذن يفكر العبد في غير ما هو له، وإنما هو لله. هذه بعض ثمرات التوكل: عمل، وأمل، وهدوء بال وطمأنينة خاطر. وأما غير المتوكلين فلا تسأل عن مدى المخاوف التي تنتابهم والقلق والحيرة والهم الذي يصيبهم في كل ساعة من ساعات حياتهم، وقد يقعد بأحدهم خوفه من عدم تحقيق الهدف أو الوصول إلى الغاية ما يقعد به عن العمل مرة واحدة، فتمشي عليه الحياة وتخلفه مواكبها ملوما محسورا.

стр. 1490

ولعل القارئ قد لمح من هذه الكلمات أن التواكل غير التوكل، وأن ترك الأسباب معصية لله تعالى وفسق عن أمره، وتفص من النظام الذي وضعه للكون وربط به الحياة. كما أن الاعتماد على الأسباب وتجاهل الحقيقة فيها وأنها ليست هي الخالقة المنتجة، وإنما الخالق هو الله متى شاء أثمرت، ومتى لم يشأ لها ذلك لم تثمر، فجهل هذه الحقيقة شرك في ربوبية الله وهو أقبح الصفات وأسوأ أنواع الشرك والكفر والعياذ بالله. ومن علامات كفر المؤمنين بالأسباب، الكافرين بالخالق بها والمسبب لها، أنهم يحرصون على إعدادها وإحضارها حرصا يعصون معه الله الذي سخرها لهم ووفقهم لإتيانها، فيترك أحدهم الصلاة، أو يترك حج بيت الله، أو يتعامل بالربا، أو يتعاطى الخنا، أو يمنع الحقوق الواجبة، أو يظلم غيره ويتعدى على سواه حرصا منه على أسباب النجاح وتوفيرها حتى يصل إلى غايته ويفور ببغيته. والذي ألفت النظر إليه هنا هو خفاء معنى التوكل على الناس، حتى أصبح الكثير لا يفرق بين التوكل الذي هو أخص صفات المؤمن، وأقوى دعائم الإيمان، وبين التواكل الذي هو الجبن والمهانة والضعف. وقد سرى هذا الجهل بالتوكل في المسلمين أزمنة طويلة حتى صار عدوهم الذي مكنوه من رقابهم في شتى ديارهم وأقطارهم يعيبهم بالتوكل، وينسب كل ضعف فيهم إلى عقيدتهم وحتى انخدع له الكثير فتفصوا من الإسلام، وخرجوا من الدين! وهذه إحدى نتائج جهل الأمة بأصول دينها، وحقائق شريعتها، وساءت الحال اليوم بين المسلمين أكثر، فبعض آمن بالأسباب وكفر بالله مسببها، فجرى وراءها يعدها ويحضرها غير مبال بالمأذون فيه المشروع منها، وغير المأذون ولا المشروع، فعبد الأسباب وأطاعها، وتمرد على الله وعصاه، وبعض كفر بالأسباب وتجاهلها وقعد عن إحضارها وإعدادها ومنى نفسه بأنه المتوكل على الله. وسدر في غيه وجهله حتى فاتته قافلة الحياة ولم يؤب بأكثر من ضياع الحياة، وسخط الله، إذ تجاهل أمر الله وعصاه.

стр. 1491

معَ الصَحَافة إنسان عالمنا الإسلامي الجديد نقلا عن جريدة الرائد إن هذا الجيل الناهض الذي تغافل وأهمل أولياؤه في بنائه بناءا حازما شريفا، قد نشأ على غير أخلاق أمته ووطنه، وقد غزي في عقر داره بالعقلية الأجنبية المارقة، حتى أصبح خاضعا خضوعا تاما ومتهافتا أمام العقائد الغربية المتطرفة، فهو الآن لا يملك من زمام نفسه وعقله شيئا، كما أنه لا يريد لنفسه، ولا للجيل الذي يأتي بعده طريقا موافقا لطريق أمته وقومه، بل إنما يريد أن يكون إنسانا غير الإنسان السابق، إنسانا لا يجتمع مع سلفه إلا في تراب الوطن وألفاظ اللغة فحسب، وأنها لمؤامرة ناجحة من الغرب لإفساد أمة كان لها تاريخ، وكان لها سبق في مجالات الحياة. إن هذا الإنسان الجديد الذي نشأ وتربى على الصورة التي أرادها له الغرب، أصبح لا يرضى للدين أن يبقى في مكان عزيز في هذا الوطن ولا يرضى للإسلام أن يعيش محترما في هذه الأرض التي لم يعزها ولم يرفع مكانتها إلا الإسلام، لقدسيته ولعظمته ثم لا يكتفي هذا الجيل الجديد بالسخط على الإسلام، بل وكأنه يخفي في نفسه هذه أشد أنواع العداوة والحقد، فهو يريد أن يقوم معه ومع أفكاره بمعركة فاصلة في كل المجالات التي بقي الإسلام يقوم فيها بنشاطه، إن هذا الإنسان الجديد لا يتلكأ للوصول إلى هذا الغرض عن الاتيان بأخبث الأعمال وأسوأ أساليب الغزو والجدال، إنه لا يتلكأ في أن يملأ الأمة الإسلامية، والأمة العربية، وهي جزء منها إلا عذابا ونكبات ما وراءها من نكبات. إن هذا الإنسان الجديد الذي بدأ ينشأ في العالم الإسلامي اليوم، ويقوم بأعماله التعسفية في الحياة الخاصة والعامة في أقطار عالمنا، قد أصبح أصل الداء ورأس الفساد في بيئتنا الحاضرة، وبه بدأت قيمنا تفسد ومقومات اجتماعيتنا تضيع، وجهتنا الفكرية والشعورية في الحياة بدأت تتغير تغيرا هائلا.

стр. 1492

لقد كنا قبل اليوم نملك لأنفسنا شخصية متميزة في كل مجالات الحياة وكنا أمة قائدة معلمة، أمة بناءة، معطية غازية وسيدة، أمة أنارت العقول والقلوب، وقادت الجماعات البشرية الضالة والجاهلة إلى ما فيه خيرها وصلاحها في الدينا والآخرة. وذلك لأننا كنا نملك في كل مجالات حياتنا مصابيح ساطعة الضياء تنير لنا ولغير نا طرق الهدى والتقدم، قد كنا سمحاء، رحاب الصدور أيضا، نقتبس من غيرنا ما كان ينقصنا من معارف الدنيا، نستفيدها من غير تضايق أو تحجر، ثم لا نحبسها ولا نبخل بها أيضا، يعرف ذلك عنا الشرق والغرب، فكم من معارف وعلوم نقلناها من القدماء وأدينا أمانتها إلى الأجيال القادمة بدقة وأمانة، من غير أن يؤثر اقتباسنا واستفادتنا هذه على مقومات حياتنا أو يرزأ مقدسات تراثنا أو يغير من طرازنا بل إنما كان موقفنا من كل ثروة إنسانية أو سماوية رفيعة أن نستفيد من أصل لبابها، وننقلها إلى غيرنا بأمانة وكرامة، دون أن نذوب تحت شمس أي حضارة أو ثقافة، نجدها في حظيرة الحضارات والثقافات، بخلاف ما أصبحنا اليوم وصرنا إليه من التهافت والذوبان أمام الحضارة التائهة الأوروبية، لقد تهافتنا أمام هذه الحضارة المغرورة الفاسقة كل التهافت، وجعلنا أنفسنا من أذنابها، ومن السائرين وراء ركبها متقنعين بما ترميه إلينا مصحوبا بشعور الاحتقار والمقت من فتات مائدتها، صابرين على أذى المن والإهانة منها. إنها أسوأ حالة مرت على العالمين العربي والإسلامي جميعا، كان يجب علينا أن نتقزز من أهونها وأدناها تقززا، لو كان فينا قليل من الحياء والإيمان.

стр. 1493

لقد صبرنا على الذلة والمهانة وعلى الهزائم والنكبات، ولم نجترئ على أن نترك التشبث بأذيال أوروبا، وأن نعود إلى ركبنا الإسلامي، الذي انتصرنا فيه، وبلغنا إلى المجد الخالد وسعدنا فيه بالتربع على مناصب القيادة الزعامة العالميتين، قد يقولون إن ذلك يعود إلى سوء حظنا، نعم، ولكنه يعود إلى سوء تدبيرنا وسوء حكمتنا أيضا، فقد أهملنا تربية أجيالنا وناشئتنا وتركناها هملا تتخبط في متاهات كل عقيدة باطلة، ونظرية متطرفة فاسدة، وترتع في كل حقل من الإباحية والتحلل والضلال، وتنشأ على أرذل الأخلاق، بعيدة عن إسلامها مستغنية عن دينها، مجردة عن خصائصها وسماتها، متحررة عن أخلاقية أسلافها وبلادها، زاهدة في الحياة العصامية والرجولية القوية التي عاش فيها أبطالنا منذ القديم. بعد أن كان الموجهون والمشرفون على التربية والتعليم، وآباء الأجيال الناشئة في كل بلاد الإسلام قبل يومنا هذا، يعرفون مسئوليتهم تجاه تربية النشء والأجيال الناهضة، وكانوا يقومون بها خير قيام، فاستمرت الأمة الإسلامية بجهودهم وإخلاصهم محتفظة بقيمتها المعنوية والإنسانية العظيمة، ثم خلف من بعد ذلك خلف أضاعوا مسئوليتهم، وتناسوا واجبهم وتكاسلوا في عملهم، وتركوا هذا الجيل الجديد نهبة لكل نوع من الأفكار والنظريات والعقائد، تغزوه وتنتصر عليه، فكان ما كان من سوء العاقبة وفساد الحال مما يجأر بشكواه كل صغير وكبير في العالم الإسلامي. نقلا عن جريدة الرائد التي يصدرها النادي العربي بندوة العلماء، لكهنو (الهند) في عددها ١٩ من السنة ١١ وتاريخ ٢٢ محرم ١٣٩٠هـ أول أبريل ١٩٧٠م.

стр. 1494

منجل عبد العزيز القارئ أيها الناس أعِدّوا للردى واستفيقوا فاللظى يستعرُ قامت النارُ من الشرق فهلْ تعلمون اليوم ما يُنتَظرُ والضحايا الكُثْرُ في تلك الرُبا والدمارُ الزاحف المنتشر (منجلٌ) يهدم في عالمكمْ لو ترون اليوم ما يَسْتتر حملوا الناس على (مِطْرقةٍ) فالورى من بأسها منقهر بدماء البؤس خاضوا ثورةً سوف تُفْنى الأرضَ لو تقتدر شاع نارُ الذل في آفاقكم من يريد الذلّ؟ من ينتحر؟ يا شعوبَ الأرض غُضّوا طَرْفكمْ يا بني آدمَ لا تعتبروا أطبقوا اليوم على أجفانكمْ ليس في الأيام أمرٌ خَطَرُ لا تثيروا ساكناً مُنْقبراً في قفا الغفلة لن تنقبروا والضحايا لَمْلِمُوا أكفانَهمْ قَدّمُوا أشلاءكمْ يا بشر أتخافون إذا الذئبُ عَوَى؟ إنه ذئبٌ جميل (أحمر) ! يا قطيعاً ضاع في أوهامه سوف يُؤْويك صديقٌ أشِرُ يادعاةَ الكفر إما نلتقي في بحار الموت أو ننتصرُ أوقدوا النارَ فأنتمْ أهلُها واشحذوا السكين فيكم تُكْسَرُ لو ملأْتمْ كلّ أرضٍ فجأةً بالردَى فاللهُ منكمْ أكبر قد ملأنا الأمس من أشلائهمْ عندما هاجَ المغولَ الظفرُ وكسرناه صليباً غازياً حينما جارَ الصليبُ الأصفر يا بني الملة فيكمْ حَرّها في رباكم نارُها تنتشر اتركوا الحلمَ على أعقابكمْ ليس ُيجْدي في لظاها النظر ليس (للمنجل) إلا بطشةٌ فادفنوه قبل أن تندثروا إن للبغي دواءً ناجعاً عزمةٌ مؤمنةٌ لا تَغْفِرُ

стр. 1495

نفح الطيب من مَدينَة الحبيب بقلم الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الشريعة بالجامعة لعل أفضل تعريف للسعادة أنها لحظات انخطاف تحلق بالنفس البشرية وراء حدود المكان والزمان، فتضع عنها آصار التراب، وتحررها من أغلال الحقد والأثرة، فلا ترى إلا الجمال، ولا تستشعر سوى الحب. وإذا كان لهذا التعريف ظل من الحقيقة فأنا سعيد، ولكن سعادتي لا تتقيد بلمعات تبرق ثم تمحي، بل هي جلوات متصلة، بدأت منذ حطت بنا ماخرة الهواء في مطار المدينة المنورة، ثم لم تنقطع.. وليس ذلك بعجيب..إنها مدينة المصطفى التي حقق بها الله دعوة حبيبه محمد ﷺ ، حين أوحى إليه أن يسأله (مدخل صدق) فكانت طيبة هي المدخل الذي سأل. والدار والإيمان مدخل الصدق..إنما هي إشارات إلهية إلى معان لا يدرك مدلولها إلا القلب الذي تفتح في جو الوحي، فهو يطل من خلال حروف القرآن على عوالم لا سبيل إلى وصفها بقلم أو لسان. وفي كل مكان كلام عن السلام، ولكنه كلام منطوق بلغة الحرب، وادعاء مكذوب تفضحه روائح الحقد، الذي يمزق وشائج الأرحام، ويحطم وحدة الإنسانية، حتى ليستحيل الإنسان في جحيمها خنجرا يفتك، أو ثعلبا يراوغ..ولكن في هذه الأرض التي باركها الله تسترد تلك الكلمات مضمونها السليب، فإذا هي واقع يعيشه المؤمن، وطهرا روحيا لا يتسلل إليه ضغن.. فكأنه شريد انتزع من مرابع أنسه، فراح يضرب في الأرض على غير هدى، فما إن احتواه عالم المدينة حتى وجد ضالته، فاستراح بعد عناء، وسعد بعد شقاء، وأدرك في عمق معنى الحديث النبوي الصحيح "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها"، ولا غرو.. فهو هنا يتفاعل مع حقائق هذا الخبر النبوي بكل وجوده، بعد أن كان منه على حدود الألفاظ، يؤمن بها دون أن يستطيع لمدلولها تحديدا..

стр. 1496

في (طيبة الطيبة) يعيش المسلم الحق تاريخ الدعوة الإلهية في مرحلتها الثانية، مرحلة التنظيم والجهاد والبناء، يعشه حياة حارة خافقة، ترجمت فيها الكلمات المكتوبة إلى أشعة وظلال وأنسام وألحان، يحسها في كل خفقة هواء، وفي كل ذرة هباء... هذه الروضة المطهرة بين المنبر والقبر المنور، قد طالما احتوت شخص الحبيب، ساجدا ومعلما ومبلغا.. فما أسعد المؤمن حين يضع جبهته في البقعة المباركة التي طالما شهدت سجداته...ويتنفس في الجو نفسه الذي طالما مازح نفحاته، ويمس الأرض نفسها التي طالما سعدت بخطواته! وأية غبطة يمكنها أن تضاهي تلك التي يستشعرها المؤمن هناك، وهو يرى إلى جانبه تلك الروضة الأخرى التي شرفها الله، بأن جعلها مسكن حبيبه في حياته ومثواه في مماته.! ثم أليس هنا قد وقف صاحبه في الغار وصديقه المفضل يعالج صعقة المسلمين يوم الكارثة الكبرى، إذ سرى في القوم نبأ وفاته ﷺ فزلزلت المدينة زلزالها، وذهلت العقول، وانهار الجلد، حتى أقبل عليهم يذكرهم بخبر السماء الذي صرفتهم عنه فجأة الهول!. أليس ها هنا قد سالت دماء الفاروق بيد القومية الحاقدة.. التي آثرت المجد الجنسي على الحق الرباني، فرفضت دعوة الله، ثم حاولت اطفاء شعلته، بالقضاء على الرجل الذي صنع الإسلام منه مثل العدالة الأعلى للعالمين... أليس من هنا.. من هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاسئصال النكسة الجاهلية، التي تخبط فيها أهل الردة، فأماطت عن أبصارهم العمى، وأعادتهم إلى جنة الإسلام نادمين منيبين، بعد أن تبينوا أن الإسلام دين الأبد، ونظام اليوم والغد، لا يموت بموت أحد!.. أوليس من قلب هذا الحرم بدأت الانطلاقة الأولى بمشعل الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة، تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتنشر أنى توجهت بذور الأمن والسلام...

стр. 1497

والمدينة حرم كلها، وفي كل شبر من هذا الحرم ذكريات وعبر ودروس، بها يجدد المسلم طاقته، ويشحن مدخراته، ويتزود بالقوة الروحية التي تعده لمجابهة الأحداث، بأقباس من العزيمة فوق مستوى الأحداث.. إنه حيثما يتلفت يستقبل الآثار الموحية.. فهنا (أحد) الجبل الذي يحبنا ونحبه.. أحد الذي شهد انتصار القلة المؤمنة، حين أخضعت نفسها لأمر قائدها المعصوم وهو يحركها بقانون السماء، ثم شهد المحنة الفاجعة التي نزلت بها حين وجد فيها من تستهويه الدنيا فيخالف عن أمره وهو يظن أنه غير ملوم.. وهنا بقية الخندق الذي يعلمنا كيف فهم المسلمون الأولون أمر ربهم بالاستعداد فلم يدخروا وسعا لتحصين وجودهم بكل ما وسعهم استخدامه من قوى الطبيعة، ولم يبخل واحد منهم بجهد يملكه، وهو يرى سيد ولد آدم المزود بعصمة الله، يتقدمهم في جرف التراب، وشق الصخور، حتى ليلجأون إليه في كل ما يعجزهم من ذلك، كما اعتادوا أن يلوذوا به في ساحات الروع، كلما احمرت الحدَق، وحمي وطيس القتال... وهناك في الجانب الآخر.. ينتصب مسجد قباء كالحمامة البيضاء، المسجد الذي تعدل فيه الصلاة عمرة، لأنه أسس على التقوى فكان بذلك رمز الخلود، الذي يحققه الإخلاص للأحد المعبود.. تنتابه جموع المؤمنين صباح مساء، للتزود من موعود الأجر، الذي بشر به رسول الله ﷺ مصليه... ولا جرم إن منظر هذا المسجد الخالد ليذكر أولي الألباب كل يوم، بمأساة ذلك المسجد البائد، مسجد الضرار، الذي أسس ليكون مركز تجسس لأعداء الله ورسوله، فكان مصيره مصير الخيانة، تنتفخ حتى تتراءى ضخمة كبيرة، ولكنها ما إن تواجه الحقيقة حتى تتلاشى كأطياف السراب، حين تستكشفها العين المبصرة...

стр. 1498

وهنالك على مقربة من المدينة الحبيبة خاض الاسلام أول معاركه الأبدية مع قتلة الأنبياء من يهود، وقد بلغت مؤامراتهم ذروة الهول حين أحاطوا برسول الله وصحابته من وراء، بينما أحدقت الوثنية بالمدينة من أمام، بكل ما تملك من حول وطول وخيلاء، واندفع خفافيش المنافقين من الداخل يبثون ألغام الخيانة في الخفاء.. فكانت محنة ابتلي بها المؤمنون وزلزلوا زلزالا كبيرا.. ولكنها لا تزدهم إلا تثبيتا وإيمانا، كما تزيد النار الذهب صفاء ولمعانا، فلم يهنوا ولم يستكينوا حتى دفع الله البلاء، وهزم الحلفاء وكفى المؤمنين القتال. تلكم الذكريات.. هي بعض دروس الوحي، يتلقاها المؤمن في مهبط الوحي، فيتعلمون منها كيف يربطون وجودهم بأهداب الرسالة، التي ألفت في ربع قرن، من الأميين الضائعين في صحراء المجهول، خير أمة أخرجت للناس.. ثم قذفت بهم إلى الدنيا، كما تقذف الشمس بأشعتها، حياة للأرض الميتة، وضياء للأعين الزائغة، ودفئا للأكبد المقرورة، فإذا هم بعد قسوة الذئاب، رسل الرحمة الربانية، يحررون عباد الله من كل عبودية لسواه، ويضعون عن إخوتهم المعذبين أغلال السفاحين، فتعود بفضلهم إلى الحياة الذاوية بهجتها، وتشرق الأرض بعد الظلمة بنور ربها. من هذه الذكريات يتعلمون دروس الصبر الذي قهر اليأس، ليثبتوا في وجه أعاصير اليوم، كما ثبت أسلافهم على أعاصير الأمس، واثقين بنصر الله كما وثقوا، مخلصين جهادهم لله كما أخلصوا.

стр. 1499

وليس أحوج من مسلمي اليوم - معاصري النكبة المخزية - إلى الاستمداد من هذه المعاني, وهم يخوضون معركة الحياة والممات، في وجه أعداء لا عداد لهم، منهم اليهود، وفيهم المنافقون، وبينهم المثبطون، وعلى رأسهم المتواطئون مع أعداء الإيمان، المتاجرون بمدّ عيات الإسلام، يرفعون أصواتهم باسمه كلما رأوا في الإشادة به منفعة، ولكنهم لا يستكفون عن إقامة السدود دون أشعته، خشية أن يفسد مؤامراتهم التي يبيتونها عليه في الظلام!.. إن المؤمن الذي يسعد بزيارة هذا البلد الحبيب، لا يسعه أن ينسى كونه في عاصمة الإسلام الأولى، العاصمة التي عرفت البشرية فيها أولى أنموذج كامل للدولة الربانية، التي حطمت حواجز العصبيات الأسرية والقبلية والجنسية، فردت الناس بذلك إلى أخوة لم يصنعها الدم، ولكن نسجتها العقيدة التي يعلن قانونها الأساسي، أن البشر كلهم لآدم وآدم من تراب، أكرمهم عند الله أتقاهم، العاصمة التي انتهت إليها ذات يوم أزمة الدنيا، فهي تملي إرادتها على الحياة والناس، فتحكم ترفاتهم، كما تحكم القوانين الكونية حركة الفلك، لأن إرادتها من إرادة الله، وما وظيفتها إلا تحقيق المثل الأعلى للنظام الذي شاء الله أن يكون ضابط الأمن ومناط السعادة، لكل حي على هذه الأرض. ولكن أشدّ ما يحزن هذا المؤمن.. أن يرى واقع هذه العاصمة، وقد تجردت من سلطان الخلافة، فلم تعد الدنيا كعهدها بالأمس.. لأن اليهودية التي ألبت الغوغاء على ثالث الخلفاء، قد شاء القدر أن تعرقل حركة المد السعيد، فيتحول مركز الثقل عنها إلى غيرها.. ثم لا يزال إرثها هذا ينتقل من بلد إلى آخر، حتى استحال مزقا تتوزعها الأيدي بين إقليم وإقليم؟ أجل.. لقد سلبت المدينة الحبيبة سلطانها السياسي على ربوع المسلمين، ولكن هل انقطع أثرها في وجودهم؟ هل فتر إيحاؤها إلى قلوبهم..؟

стр. 1500

إن نظرة واحدة إلى هذه السيول البشرية، متدفقة عليها من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لتقدم الجواب الشافي على هذا التساؤل.. إذ تؤكد أن هذا الحرم المرموق لم يزل هو صاحب السلطان النافذ في قلوب مئات الملايين من أتباع سيد المرسلين..؟ ولعل أروع ما احتفظت به مدينة المصطفى من تراث الماضي العظيم هو تلك الطمأنينة التي تغمر بظلها الوارف على كل شيء، حتى النبات والطير والحيوان فضلا عن الإنسان ... إنك هنا في متحف بشري عجيب، تطل منه على مواكب البشر، في مختلف ألوانهم ولغاتهم وأزيائهم.. وأكثر ما تشهد ذلك في المسجد النبوي، حيث ينصب السيل البشري الوافد من أنحاء الدنيا، كيفما اتجهت هناك تجد نفسك مع أخ لك لم تلده أمك، يعجز لسانه عن ترجمة شعوره, فتقوم يده مقام لسانه يصافحك.. فتحس أنه يضع قلبه على راحته ليقدمه إليك حبا وشوقا ورحمة.. وتغادر المسجد النبوي إلى الشارع، ولكن سرعان ما تشعر أنه لم يغادرك لأن روحه مرفوفة على أنحاء البلد الطاهر.. حتى الباعة الذين عرفتهم في كل بلد لا يمنحونك من لطفهم إلا بمقدار ما تنفحهم من نقودك، حتى هؤلاء عليهم هنا من جوار الحرم طابع مميز، أكثر ما يطلعك في تلك الثقة الغريبة التي يقابلونك بها في كل حانوت، ولا أكاد أستثني.. إنك لتشتري من أحدهم السلعة فتقدم إليه ورقة النقد ليرد إليك التتمة، فإذا لم يجد لديه ما يفي، أعاد إليك ورقتك معتذرا وهو يقول: "تعطيني فيما بعد"فكأنك من أحب معارفه إليه، وأنت الذي لم تره قط، ولم يلمح لك وجهاً من قبل! . وتمضي هنا وهناك متفرجا مستكشفا، فلا تشعر أنك فارقت هذا الوحي أو فارقك.. أنّى سِرت تسمع تحية الإسلام، وأنّى اتجهت أحسست بنفحات السلام، رقة في الحديث، ورفقا في المعاملة، وأمنا في كل شيء..

стр. 1501

أجل.. إنها نفحات الحرم المبارك، تغمر بروحها كل شيء، فالطيور التي عهدتها تجفل حتى من شبح الإنسان، قد تقع عليك أو تدنوا إليك ولا ترى لها نفرة، إلا أن تخشى منك وطأة الغفلة.. وفي هذه الغمار النورانية يعيش الإنسان آمن السرب، مطمئن القلب، خالي الذهن من كل شاغل يصرفه عن الاستغراق في ملكوت الله ... ولا عجب، إن في مدينة الحبيب لبقية تحسها القلوب من المجتمع الأول الذي أنشأته تربيته المثلى، فكان صورة من الأخوة التي حُدّدت فيها قيمة الإنسان على أساس من الأخلاق دون الأعلاق، فلا ترى هنا أبيض يستكبر على أحمر، ولا تجد في حرمه المطهر من يقول لملون ليس هذا بمكانك، بيد أنك لا تعدم أن ترى في أي لحظة رجلا يصافح جاره وهو يقول له يا أخي.. لا تنسنا من دعائك... أوليس في هذا السلام والطمأنينة والأخوة والضالة التي يفتش عنها المفكرون، ويتهلف إليها الحزانى والمعذبون..؟ أجل وربي، وسيظلون عبثا يفتشون، وعبثا يكدحون، حتى يعرفوا طريقهم إلى روح هذه البلدة المصفّاة، التي أخبر الصادق الأمين أنها محصنة بالملائكة من الدجال والطاعون. ولكن.. ولنعلنها صريحة إن هذه النفحة، نفحة السلام والغبطة الروحية، في خطر.. إنما الخطر يزحف من الخارج مع السموم الوافدة من هنا وهناك وهنالك.. تلك التي تريد، بكل ما تملك من قوة الإغراء والإغواء، أن تُعَكّر على الجو الطهور صفاء الفطرة، وأن تصرف القلوب عن ريها الروحي إلى وهم كالماء الأجاج، لا يزداد منه القلب غبّا إلا ازداد ظمأ... تماما كما في الآخرين الذين خدعتهم تلك السموم الدخلية , فسلختهم من أخلاق الإسلام، حتى لم يبق في أيديهم من دليل عليه غير الهوية المزورة...

стр. 1502

فليقف أهل الحرم بوجه ذلك الخطر الزاحف...وليتذكروا أنهم الأسوة، وأن المسلمين عنهم يأخذون، وبهم يقتدون، وليزودوهم بنفحات مباركات من عبير النبوة، الذي لم يشخصوا إليهم من مئات الأميال وآلافها إلا شوقا إليه، وحرصا عليه.. وبعد.. فأنا لم أعد الحقيقة عندما قلت إنني سعيد.. سعيد منذ حطت بي الطائرة في مدرج الوطن الحبيب.. وطن القلب الذي لا يجد المؤمن قراره إلا في ظلاله...

стр. 1503

يستفتونك يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ورد علي سؤال من بعض الإخوة الباكستانيين هذا ملخصه: ـ ما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الاشتراكية والشيوعية ويحاربون حكم الإسلام وما حكم الذين يساعدونهم في هذا الطلب ويذمون من يطالب بحكم الإسلام ويلمزونهم ويفترون عليهم وهل يجوز اتخاذ هؤلاء أئمة وخطباء في مساجد المسلمين؟. والجواب: ـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتهم أن يحكموا الشريعة الإسلامية في جميع شؤونهم وأن يحاربوا ما خالفها.

стр. 1504

وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإسلام ليس فيه نزاع بحمد الله والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة معلومة عند أهل العلم منها قوله سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) , وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء:٥٩) , وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ (الشورى:١٠) , وقوله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:٥٠) , وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥) , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٧) , والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله أو أن هدي غير رسول الله ﷺ أحسن من هدي الرسول ﷺ فهو كافر ضال كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال.

стр. 1505

وبما ذكرنا من الأدلة القرآنية وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره أن الذين يدعون إلى الإلحاد أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام كفار ضلال أكفر من اليهود والنصارى لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبا أو إماما في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم وكل من ساعدهم على ضلالهم وحكم ما يدعون إليه وذم دعاة الإسلام ولمزهم فهو كافر ضال حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة:٥١) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (التوبة:٢٣) . وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ومقنع لطالب الحق والله يقول وهو يهدي السبيل ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويجمع كلمتهم على الحق وأن يكبت أعداء الإسلام ويفرق جمعهم ويشتت شملهم ويقي المسلمين شرهم إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه... رئيس الجامعة الإسلامية يا أيها المُسْبِل عن جانبيْ خدّيه شطرَيْ لحيةٍ مظلمهْ شوْهتَ وجهاً كان في غُنَيةٍ لولاهما عن هذه المَشْتَمَهْ أُعجِبتَ بالكفر فآثرتَهُ على هُدى أُمتك المسلمه ورحتَ تقفو إثرَ أذنابهِ

стр. 1506

في الزِيّ والسِحنةِ والمَأثَمَة ولو حوى رأسُك بعضَ النّهى لم تَرَ في التقليد غَيرَ العَمَه فأبشر بما نلتَ من العار وَلْ تَهنئْكَ يا (خُنفُس) هذي السّمَه (المجذوب)

стр. 1507

من تاريخ المذاهب الهدامة كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٥) بقلم محمد بن مالك اليمني باب ذكر أولاد المنصور: مات لعنه الله سنة اثنتين وثلثمائة واستخلف على أهل دعوته رجلا يقال له عبد الله بن عباس الشاوري والي ولده أبي الحسن المنصور. وقال: "قد أوصيتكما بمبدأ الأمر فاحفظاه ولا تقطعا دعوة بني عبيد بن ميمون فنحن غرس من غرسهم ولولا ناموسهم وما دعونا به إليهم ما صار إلينا من الملك ما قد نلناه ولا تم لنا في الرياسة حال فعليكما بمكاتبة القائم منهم واستيراد الأمر منهم فأوصيكما بطاعة المهدي يعني عبيد بن ميمون حتى يرد أمره بولاية أحدكما ويكون كل واحد منكما عونا لصاحبه"... وقد كان لعبد الله بن عباس عند عبيد بن ميمون سابقة ومعرفة لأن المنصور قد كان لعنه الله بعثه مع أبي عبد الله الشيعي الخارج بكتامة من بلاد الغرب [١] على ما أذكره فيما بعد.

стр. 1508

ثم إن عبد الله بن عباس كتب إلى عبيد بن ميمون المسمى بالمهدي بموت المنصور وهو يومئذ بمدينة بناها وسماها المهدية بالغرب وأنه قام بمذهبه من بعد المنصور ودعا إليه وأنه لم يبق إلا استيراد الأمر ويسأله الولاية وعزل أولاد المنصور وخرج ولد المنصور بنفسه إلى القيروان يسأل الولاية لنفسه ولا ينزع الأمر منهم بعد أبيهم، وقد كانت وصلت هدايا ابن عباس وكتابه وولاه الأمر وكتب له فلما وصل ابن المنصور أمره بطاعة ابن عباس وبعث لابن عباس بسبع رايات، فرجع ولد المنصور إلى مسور وقد يئس مما كان يرجو من الولاية فلقيه عبد الله بن عباس بنفسه وأهل دعوته فبجله وعظمه ولقيه أخوه جعفر وأبو الفضل وبقية أولاد القرمطي لعنه الله فسألوه بما ورد به الأمر فعرفهم بصرف الأمر عنهم إلى عبد الله بن عباس دونهم فتبين لجعفر في وجه أخيه أبي الحسن الشر والعداوة لابن عباس والحسد فنهاه عن ذلك وقبح عليه وزجره وقال له: "أنت تعلم أنه غرس أبينا وأنه لا يقدم علينا سوانا في هذا الأمر", قال: "والله لا تركته يتنعم في ملك عني به غيره ونحن أحق به منه"فقال له أخوه جعفر: "إن أمرنا إذن يتلاشى ويزول ملكنا وتتفرق هذه الدعوة ويذهب الناموس الذي نمسناه على الناس فلا تحدث نفسك بهلاكه فتهلك"فلم يلتفت إلى قوله وكتم السر في نفسه وكان أولاد المنصور لا يحجبون عن أبي العباس ليلا ونهارا فوثب عليه أبو الحسن بن المنصور فقتله غدرا وولي الأمر من بعده فولي ما كان أبوه يلي ورجع إلى مذهب الإسلام وجمع العشائر من بلده وأشهد أنه رجع عما كان عليه أبوه فأحبه الناس فدخل عليه جعفر فقبح ما فعله وقال: "قطعت يدك بيدك"فلم يلتفت إلى قوله, وخرج جعفر إلى ولد عبيد المسمى بالقائم فكاتب أخاه يعيب عليه فعله بشعر طويل يقول فيه: فكنتم وأنتم تهدمون وابتني فشتان من يبني وآخر يهدم

стр. 1509

وتتبع أبو الحسن من كان على دين أبيه يقتلهم فأباد القرامطة وبقي منهم قوم يتكتمون منه وأقاموا ناموسهم برجل منهم وكان لا يقطع مكاتبة بني عبيد ثم إن أبا الحسن خرج من مسور إلى عبر محرم وفيه يومئذ رجل من بني العرجي واستخلف أبو الحسن على مسور رجلا يقال له إبراهيم بن عبد الحميد السباعي وهو جد المنتاب فوثب ابن العرجي على أبي الحسن فقتله فلما انتهى الخبر إلى إبراهيم بن عبد الحميد السباعي لزم مسورا وادعى الأمر لنفسه وخرج أولاد المنصور وحريمه من مسور إلى جبل ذي أعسب فوثب عليهم المسلمون من أهل المغرب [٢] فقتلوهم الصغير منهم والكبير وسبوا حريمهم ولم يبقوا على وجه الأرض من الكافرين ديارا ولم يبق للمنصور عقب يعرف بحمد الله ومنه.

стр. 1510

ثم إن إبراهيم بن عبد الحميد اتفق هو وابن العرجي واقتسما المغرب بينهما نصفين لكل واحد منهما ما يليه ورجع عن مذهب القرامطة وكان أبوه من كبار قواد المنصور وأصله من قدم من حمير وكان أبوه قتل في مخلاف البياض لأن المنصور كان أخرجه إلى هناك بالعساكر ثم إن إبراهيم بنى في بيت ريب مسجدا ونصب منبرا وخطب لأمير المؤمنين من بني العباس وكاتب الأمير أبا الحسن بن إبراهيم بن زياد وبذل له من نفسه السمع والطاعة والدخول في الخدمة وسأله أن يبعث إليه محاصر من قبله يكون عنده فأرسل رجلا يقال له السراج وقال له: إذا تمكنت قبضت على إبراهيم بن عبد الحميد فوصل من زبيد ولقيه إبراهيم بن عبد الحميد إلى بيت ريب وطلع إبراهيم بن عبد الحميد إلى الحصن في رأس الجبل وكان ينزل إليه كل يوم يصحبه ويعظم حقه ثم إن السراج عامل على إبراهيم ناسا من أهل الجبل فنزل إليه يصحبه فلقيه رجل من العاملين فأخبره بالمعاملة فرجع إلى حصنه فضرب الطبول فاجتمع إليه الناس ومن كان فيه من أهل دولته فدخل على السراج فقبض عليه فأمر بحلق لحيته ونفاه عن بلده وانقطعت المكاتبة بينه وبين ابن زياد واستمر أمره وجعل يتتبع القرامطة يقتلهم ويسبي ذراريهم فبقي منهم قليل في ناحية جبل مسور فأقاموا قرمطيا منهم يقال له ابن الطفيل فسمع به إبراهيم بن عبد الحميد فخرج إليه فقتله وتفرق من بقي من أصحابه إلى نواحي عمان وقطاية وانكتم أمرهم عن إبراهيم.
следующие страницы →