Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.
стр. 14526
والإسلام كما حرم الكذب فقد حرم عيب المؤمنين في حال غيبتهم وإن لم يشتمل ذلك على الكذب لأن كلام المغتاب حينما يبلغ من وقع عليه يؤثر على ما بينهما من رابطة الأخوة فيبدأ التفكك من داخل المجتمع، وأشد من ذلك ضرراً وأبلغ أثراً في تقطيع أوصال الأمة نقل كلام المسلمين في إخوانهم على وجه الإفساد بينهم.
ولذلك كثرت في الكتاب والسنة التحذيرات المنفرة من الغيبة والنميمة قال تعالى:
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ . فاعتبر جل وعلا الغيبة قتلاً للأمة فالذي ينتهك أعراض المسلمين إنما يقطع جسم الأمة، فليتصور أمته وهي أشلاء ممزقة فإنه في تمزيقها سهم وافر.
كما جعل الله جل وعلا الغيبة والنميمة من أخلاق أعتى الكفار وأعنفهم حيث قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ .
أمَا سوء الظن فهو الشرارة الأولى في إحراق حبل الأخوة الإسلامية لأن الإنسان قد يسمع من أخيه كلاما فيه احتمال الخير والشر فإذا خلا الإنسان إلى تفكيره بعد ذلك وسوس إليه الشيطان فقلل في فكره جانب الخير وضخم جانب الشر حتى يوقع بين المؤمنين ثم قد يبنى على سوء الظن هذا تصرفات أخرى حيث ينظر إليها من زاوية الشر فتقع بعد ذلك القطيعة بين أفراد المجتمع، والمجتمع مكون من الأفراد فإذا كثر التقاطع بينهم أثر ذلك على تماسك الجماعة وقوتها، ولذلك حذرنا الله جل وعلا من سوء الظن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ . (الحجرات: ١٢) . وقال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". أخرجه الإمام مسلم [١٧] .
مظاهر الانتماء للجماعة.
إن الانتماء إلى جماعة الإسلام له مظاهر تبين صدق هذا الانتماء ومقدار قوته من ضعفه ومدى فعاليته في المجتمع فمن ذاك:
стр. 14527
١- طاعة الإمام المسلم في الحدود التي أوجبها الله تعالى وذلك لأن المجتمع لا ينتظم أبداً بغير طاعة ولي الأمر ومن يوليهم نوابا عنه.
٢- الالتزام بأنظمة المجتمع التي تنبثق من الإسلام أو التى يرى علماء الدين أنها توافق الإسلام ولا تتنافي مع تشريعاته الحكيمة، إذ أن التمرد على هذه الأنظمة أو استغلال غفلة الرقباء على تنفيذها يحدث خللا في المجتمع فيضعف الشعور بالمسئولية ويسود الرعاع من الناس الذين لا يحاولون فهم هذه الأنظمة ولا يراعون حرمتها، وبذلك تسود الفوضى ويعم الفساد في الأرض.
٣- الاهتمام بأمور المسلمين فلا يكون المسلم ملتزماً بالجماعة حتى يهتم بأحوال إخوانه المسلمين في جميع بقاع الأرض ويشعر بمشاعرهم فيفرح لفرحتهم ويغتم إذا حل بهم مكروه ويشاركهم في مصائبهم فيبذل لهم من نفسه وماله ويكثر من الدعاء الخالص لهم حتى يزول كربهم وتصلح أحوالهم.
فالذين يعيشون حياتهم وليس لهم صلة بإخوانهم المسلمين في بقاع الأرض فلا يسألون عن أخبارهم ولا يهتمون بها إذا سمعوا عنها ولا يفرحون لانتصار المسلمين ولا يغتمون لهزيمتهم ولا يحاولون المشاركة في نجدتهم بما استطاعوا ... هؤلاء مقصرون في لزوم جماعة المسلمين وإن كانوا ملتزمين بالإسلام في بعض تشريعاته.
وبعد:
فهذه لمحات موجزة أردت فيها أن أسلط الأضواء على هذا الموضوع الهام من باب التذكير بالواجب علينا جميعاً من أجل أن نخرج من هذا الاجتماع وقد علمنا تكليفاً كلفنا به الله تعالى ورسوله ﷺ نحو لزوم جماعة المسلمين ولم أرد أن يكون بحثاً علمياً وافياً نحو هذا الموضوع فليسر هذا المجال مما يسمح بمثل هذا البحث والله وحده المستعان فهو جل وعلا حسبنا ونعم الوكيل ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تفسير ابن كثير (١/٢٥٩) .
стр. 14528
[٢] مسند أحمد (٢/ ٣٧٧) ، موطأ مالك، كتاب الكلام (ص٩٩٠) .
[٣] بحبوحة الجنة يعني وسطها، يقال تبحبح إذا تمكن وتوسط المنزل ـ النهاية.
[٤] مسند أحمد (١/٢٦) ، سنن الترمذى: كتاب الفتن باب رقم (٧) ، المصنف رقم (٢٠٧١٠) .
[٥] سنن الدارمى (ص٧٦) .
[٦] مسند الإمام أحمد: (/٥٠٦)
[٧] صحيح مسلم، كتاب البر حديث رقم: (٣٢) .
[٨] صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم: (٩٣) .
[٩] صحيح البخاري، كتاب الإيمان حديث رقم: (٢٨) ، صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم (٦٣) .
[١٠] الأدب المفرد ص (٩٦) رقم: (٣٥١٠) .
[١١] الموطأ، كتاب الشعر رقم: (١٦) .
[١٢] صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (٣٨) .
[١٣] صحيح البخاري: كتاب الصلاة حديث رقم: (٦٤٥-٦٤٧) .
[١٤] صحيح البخاري: كتاب الصلاة رقم: (٤٨١) ، صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (٦٥) .
[١٥] سيرة ابن هشام: (٢/٣٩٦) ، تفسير الطبري: (٧/٥٦) .
[١٦] الموطأ: كتاب الكلام رقم: (١٩) .
[١٧] صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (٢٨) .
стр. 14529
فقه السُّنّةِ:
صَلاة الجَمَاعَة
للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
الرخصة في إعادة الجماعة لمن صلاها منفردا:
١- حديث أبى ذر الغفاري:
قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة، أو قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها. قلت: ما تأمرني؟. قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة" [١] .
وفي رواية مسلم: عن أبي العالية البراء قال: أخر زياد الصلاة، فأتاني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسيا فجلس عليه، فذكرت له صنع زياد فعض على شفتيه، وضرب على فخذي، وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك. فقال رسول الله ﷺ "الصلاة لوقتها فما أدركت معهم فصل، ولا تقل إني قد صليت فلا أصلى".
قال النووي: وفيه دليل على أن الإمام إذا أخر الصلاة عن أول وقتها، يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفرداً، ثم يصليها مع الإمام. فيجمع فضيلتي أول الوقت والجماعة.
٢- حديث ميمون الأودي:
قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسولُ رسولِ الله ﷺ إلينا، قال: فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجش الصوت قال: فألقيت عليه محبتي فما فارقته حتى دفنته بالشام ميتا. ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده، فأتيت ابن مسعود فلزمته حتى مات. قال: قال لي رسول الله ﷺ كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة [٢] . . سبحة: أي نافلة. أجش الصوت: أي غليظ الصوت بغنة٠
стр. 14530
وقد روى مثل هذا الأسود، وعلقمة، عن ابن مسعود في سياق أطول من هذا وهو الآتي.
وعمرو بن ميمون الأودي أبو عبد الله، ويقال أبو يحي، مخضرم مشهور وثقه ابن معين، والنسائي.
وهذا الحديث لم أجد من أخرجه غير أبي داود.
٣- حديث ابن مسعود:
قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لعلكم ستدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، فان أدركتموه فصلوا الصلاة لوقتها وصلوا معهم، اجعلوها سبحة".
رواه النسائي وابن ماجه [٣] من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود. ورواه مسلم [٤] من حديث إبراهيم عن الأسود، وعلقمة قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره في سياق أطول من الحديث المذكور أعلاه.
وأما قول المنذري: أخرج البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي عمرو، سعد ابن إياس الشيباني عن ابن مسعود فهو في سياق آخر.
٤- حديث محجن:
قال: أنه كان في مجلس مع النبي صلي الله عليه وسلم فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى ورجع، ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ ". قال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : "إذ جئت المسجد وكنت قد صليت، فأقيمت الصلاة، فصل مع الناس وإن كنت قد صليت".
رواه مالك في الموطأ، والنسائي، وأحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك [٥] ، بطرق عن زيد بن أسلم، عن بسر بن محجن، عن أبيه.
قوله: بسر: بضم الموحدة، وسكون المهملة، كذا قال مالك في روايته عن زيد بن أسلم. وقال الثوري عن زيد بن أسلم عن بشر- بكسر الموحدة، وبالشين المعجمة. والصواب ما قاله مالك. نص على ذلك أبو نعيم، وابن عبد البر، وابن حبان، وغيرهم. وهكذا رواه أحمد في مسنده عنه أيضا.
стр. 14531
وبسر هذا تابعي مشهور، جزم بذلك البخاري والجمهور، وذكره البغوي وغيره في الصحابة. وأخرجوا من طريق ابن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن حنظلة بن علي، عن بسر بن محجن، قال: صليت الظهر في منزلي ثم خرجت بإبل لي لأضربها فمررت برسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يصلي في مسجده ... الخ. ذكره الحافظ في الإصابة [٦] ، في القسم الرابع وهو خاص بمن ذكر في الصحابة علي سبيل الوهم والغلط. ولذا عقب بعد ذكر الإسناد بقوله: وقد سقط من الإسناد قوله عن أبيه.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح. وقال الذهبي: تفرد عن محجن ابنه. ولكن عرفت أن ابن محجن وهو بسر من التابعين الثقات. فلا يضر تفرده.
٥- حديث يزيد بن الأسود:
قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟. فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو داود الطيالسي، وأحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم [٧] بطرق عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه. قال الترمذي حسن صحيح.
ونسب الحافظ في التلخيص [٨] ، لابن حبان والدارقطني أيضا، ونقل تصحيحه عن ابن السكن ثم قال: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول. قال البيهقي: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، وهو جابر، ولا لابنه جابر راو غير يعلى. إلا أن الحافظ استبعد هذا الطعن. فقال: يعلى بن عطاء من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر بن يزيد راويا غير يعلى، أخرجه ابن مندة في المعرفة من طريق بقية، عن إبراهيم بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر. انتهى.
стр. 14532
أقول: بقية وهو ابن الوليد والمعروف أنه مدلس، إلا أنه صرح بالسماع في رواية الدارقطني [٩] عن إبراهيم.
ثم تواتر هذا الحديث عن يعلى بن عطاء. قال الحاكم [١٠] روي عنه شعبة، وهشام بن حسان، وغيلان بن جامع، وأبو خالد الدالاني، وأبو عوانة، وعبد الملك بن عمير، ومبارك ابن فضالة، وشريك بن عبد الله، وغيرهم، وقد احتج مسلم بيعلى بن عطاء، انتهى. ووافق علي ذلك الذهبي. ويبدو من هذا أن عبد الملك بن عمير روى مرة عن جابر مباشرة، ومرة عن يعلى بن عطاء عن جابر.
وعبد الملك هذا رمى بالاختلاط لكبر سنه لأنه عاش مائة وثلاث سنين. وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات.
٦- حديث يزيد بن عامر:
قال: جئت والنبي صلي الله عليه وسلم في الصلاة فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فرأى يزيداً جالساً فقال: ألم تسلم يا يزيد. قالت: بلى يا رسول الله قد أسلمت. قال: فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم. قال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم. فقال: إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة، رواه أبو داود [١١] .
قال النووي في الخلاصة: إسناده ضعيف، نقل عنه الحافظ الزيلعي في نصب الراية [١٢] ، ولم يبين موضع الضعف. وبيّن ذلك الحافظ في التهذيب، فقال: فيه نوح بن صعصعة حجازي جعله الدارقطني مجهولا، لأنه لم يرو عنه سوى سعيد بن السائب الطائفي ولم يوثق. وقال في التقريب: هو مستور.
وقد ذهب البعض إلى أن يزيد بن الأسود، ويزيد بن عامر رجل واحد.
ومنهم من قال: قصة محجن شبيهة بقصة يزيد بن عامر ليتسنى له تضعيف قصة محجن، لأن في قصة يزيد: نوح بن صعصعة ضعيف.
٧- حديث أبي أيوب الأنصاري:
стр. 14533
سأل رجل من بني أسد بن خزيمة أبا أيوب الأنصاري، فقال: يصلى أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد، وتقام الصلاة، فأصلي معهم، فأجد في نفسي من ذلك شيئا. فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي ﷺ فقال: فذلك له سهم جمع. رواه أبو داود مرفوعا، ومالك موقوفا، والبيهقي بوجهين [١٣] ، قال المنذري: فيه رجل مجهول.
وهو الصواب فإني لم أجد من سمى هذا الرجل من بني أسد بن خزيمة. قوله: سهم جمع: أي يضعف له الأجر فيكون له سهمان منه قاله ابن وهب وقال غيره: جمع هنا أي الجيش كقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ . قال بن عبد البر: أي له أجر الغازي في سبيل الله. والأول أشبه بالصواب. وقد أوصى المنذر بن الزبير لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان سهم جمع، فسئل عن ذلك فقال: نصيب رجلين.
هذه الأحاديث تدل علي جواز إعادة الصلاة بالجماعة لمن صلاها في منزله منفردا. وهو أمر متفق لدى جمهور العلماء على سبيل الاختيار والإيثار لإدراك فضيلة الجماعة.
وقد خالفه في ذلك بعض من لا يعتد بقولهم. وكانت حجتهم حديث ابن عمر مرفوعا "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين ".
رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والدارقطني، وابن حبان، وبن أبي شيبة [١٤] . كلهم بطرق عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة. وسياق الحديث: يقول سليمان، أتيت علي ابن عمر وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد، قلت ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين ".
قال المنذري: وفي إسناده عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلام عليه، وهو محمول على صلاة الاختيار، دون ماله سبب، كالرجل يصلي ثم يدرك جماعة فيصلي معهم. وقد كان صلى ليدرك فضيلة الجماعة، جمعا بين الأحاديث.
стр. 14534
أقول: إن النقاد اتفقوا على أن عمرو بن شعيب إذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو سليمان بن يسار مولى ميمونة، أو عروة، فهو ثقة عن هؤلاء. نص على ذلك إسحاق بن منصور، ويحي بن معين وغيرهما.
وقال ابن حبان: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة يحتج بخبره إذا روى عن غير أبيه [١٥] . وقد صحح النووي إسناد هذا الحديث وذكروا عدة تأويلات، منها:
(١) المنع من أداء الصلاة مرتين اختيارا من غير سبب.
(٢) المنع لمن صلى الفرض مرتين بنية الفرض. وهو تأويل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فإنهما قالا: أن يصلى الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها علي جهة الفرض، وأما من صلى الثانية مع الجماعة علي أنها نافلة اقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين، لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة فلا إعادة حينئذ. كذا نقل الشيخ عبيد الله المباركفوري [١٦] .
(٣) يحمل حديث ابن عمر على من صلى بالجماعة في المرة الأولى، والأحاديث الأخرى على من صلى منفردا. والحمل على هذا واجب لما روى مالك في الموطأ [١٧] عن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأله فقال: إني أصلي في بيتي ثم أدرك الصلاة مع الإمام فأصلي معه؟. قال: نعم. قال: فأيهما أجعل صلاتي؟. قال ابن عمر: ليس ذلك إليك إنما ذلك إلى الله.
قال البيهقي: فهذا يدل على أن ما رواه عنه سليمان محمول على ما إذا صليت في جماعة [١٨] ، وقال السيوطي: وإلى هذا التأويل أشار المصنف (أي النسائي) في الترجمة (وهي سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة) وبوب أبو داود بلفظ: إذا صلى جماعة، ثم أدرك جماعة هل يعيد الصلاة؟
فكأن ابن عمر خص النهي الوارد في حديثه لمن صلى الأولى بالجماعة فلا يعيد، وأما من صلى الأولى منفردا فلا حرج في إعادتها بالجماعة.
مذاهب العلماء في الصلوات التي تجوز إعادتها:
стр. 14535
الأول: تجوز إعادة الصلوات الخمس:
وبه قال الشافعي وأحمد، واستدلوا في ذلك بعموم الأحاديث الواردة في الباب، ولأن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الإمام فليصل معه. فلم يستثن صلاة دون صلاة. وكذلك الصلوات التي لها سبب لا يدخل فيها الكراهة.
قال النووي في شرح مسلم [١٩] معلقا على حديث أبي ذر:"وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات، لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة، ولم يفرق بين صلاة، وصلاة. وهذا هو الصحيح في مذهبنا. ثم قال: ولنا وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما، ووجه أنه لا يعيد المغرب لئلا تصير شفعا وهو ضعيف".
وقال في شرح المهذب [٢٠] وفي وجه شاذ يعيد الظهر والعشاء فقط "ثم قال:"لما والمذهب استحباب الإعادة مطلقا. ومن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد، ونقل أنه ظاهر نصه في الجديد، والقديم، وصححه أيضا القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، والماوردي، والمحاملي، وابن الصباغ، والبغوي، وخلائق كثيرون لا يحصون، ونقله الرافعي عن الجمهور: هذا هو المذهب الصحيح عند الشافعي وينبغي ذكر هذا الرأي عند الإطلاق. وأما أحمد فقد قال ابن قدامة عنه في المغني [٢١] : إن من صلى فرضه ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له إعادتها، أي صلاة كانت بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يصلون وهذا قول الحسن والشافعي وأبي ثور.
وسئل الإمام أحمد عن إعادة المغرب: فقال: نعم إلا أنه يشفع. ونقل ابن قدامة عن الشافعي مثله ودليله في ذلك ما رواه صلة، عن حذيفة أنه لما أعاد المغرب قال: ذهبت أقوم في الثالثة فأجلسني. (وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين لتكون شفعا، ويحتمل أنه أمره بالصلاة مثل صلاة الإمام) .
стр. 14536
ثم قال ابن قدامة:"إن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته "انتهى.
أقول: هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٢٢] وابن أبي شيبة [٢٣] عن الثوري عن جابر، عن سعيد بن عبيد، عن صلة بن زفر العبسي.
وجابر هذا هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي. وقال الحافظ: ضعيف، وصلة بن زفر من الثقات.
وروى ابن أبي شيبة أيضا عن علي أنه قال: يشفع بركعة يعني إذا أعاد المغرب [٢٤] . وفيه: الحارث الأعور وهو كذاب.
وذكر بعض الآثار الأخرى من التابعين وأتباعهم.
الثاني: يكره المغرب فقط وهو قول الإمام مالك:
واستدل في ذلك بأثر ابن عمر، رواه عن نافع عنه قال: من صلى المغرب، أو الصبح، ثم أدركها مع الإمام فلا يعد لهما [٢٥] ورواه [٢٦] عن ابن جريح عن نافع. ثم قال مالك في الموطأ أيضا: "ولا أري بأسا أن يصلى مع الإمام من كان يصلي في بيته إلا صلاة المغرب فإنه إذا أعادها كانت شفعا" انتهى.
وقد علل محمد بن الحسن عدم إعادة المغرب بأن الإعادة نافلة، ولا تكون النافلة وترا.
قال ابن عبد البر: هذه العلة أحسن من تعليل مالك.
وكان أبو قلابة أيضا يكره إعادة المغرب. ذكره عبد الرزاق في المصنف. وأما ابن قدامة فنقل عن مالك إعادة المغرب إن صلى وحده، وعدم الإعادة إذا صلاها بالجماعة.
وهذا يخالف ما رواه الأئمة المالكية. ففي المدونة [٢٧] " إذا دخل الرجل المسجد، وقد صلى وحده في بيته فليصل مع الناس إلا المغرب فإنه إن كان قد صلاها ثم دخل المسجد فأقام المؤذن صلاة المغرب فليخرج "ومثله في حاشية الدسوقي [٢٨] وفي شرح الزرقاني على الموطأ [٢٩] .
الثالث: لا يعيد من الصلوات إلا الظهر والعشاء:
стр. 14537
وهو رأي الإمام أبي حنيفة وصاحبيه. والضابط في ذلك ما ذكره الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار [٣٠] "كل صلاة يجوز التطوع بعدها فلا بأس من إعادَتها على أنها نافلة له، غير المغرب، لأنها إن أعيدت كانت تطوعا، والتطوع لا يكون وترا، إنما يكون شفعا". ثم قال: واحتجوا في ذلك بما تواترت به الروايات عن رسول الله ﷺ في نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. ثم قال: وهذه ناسخة (لأحاديث الباب) .
واستدل الشيخ ابن الهمام في شرح فتح القدير [٣١] بحديث رواه الدارقطني عن ابن عمر وهو أن النبي ﷺ قال: "إذا صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة فصلها إلا الفجر والمغرب ".
قال عبد الحق: تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة. وإذا كان كذلك فلا يضر وقف من وقفه لأن زيادة الثقة مقبولة. وإذا ثبت هذا فلا يخفى وجه تعليل إخراجه الفجر، بما يلحق به العصر. انتهى كلامه.
ولم أجد هذا الحديث في سنن الدارقطني في مظانه، وكذلك لم أقف على من رفعه في الكتب، وقد سبق ذكره موقوفا على ابن عمر عند مالك.
ثم ظفرت بكلام الشيخ عبيد الله المباركفوري في المرعاة [٣٢] أنه نسب الوهم إلى الملا علي القاري في المرقاة لأنه أيضا ممن نسب هذا الحديث إلى الدارقطني مرفوعا ونص المباركفوري: "لم أجد هذا الحديث في سنن الدارقطني لا مرفوعا، ولا موقوفا، والظاهر أنه من وهم القاري ".
وأما سهل بن صالح الأنطاكي هذا فهو أبو سعيد البزار قال فيه أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ.
وأما صلاة المغرب: ففي الهداية "في ظاهر الرواية التنفل بالثلاث مكروه، وفي جعلها أربعا مخالفا لإمامه (قال الشيخ ابن همام) احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه يدخل معه ويتمها أربعا ".
стр. 14538
وحديث يزيد بن الأسود متأخر عن أحاديث النهي عن الصلوات في الأوقات المكروهة بالتأكيد، لوقوعه في حجة الوداع، ثم فيه نص صريح بصلاة الصبح.
قال الخطابي: "وظاهر الحديث حجة على جماعة من منع عن شيء من الصلوات كلها، ألا تراه يقول:" إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام فليصل معه" ". ولم يستثن صلاة دون صلاة. ثم قال: فأما نهيه ﷺ بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، فقد تأولوه على وجهين:
أحدهما: أن ذلك على معني إنشاء الصلاة ابتداء من غير مناسب، فأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قوما يصلون جماعة، فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة.
والوجه الآخر: أنه منسوخ، وذلك أن حديث يزيد بن الأسود متأخر لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله ﷺ حجة الوداع. وفي قوله ﷺ "أنها نافلة" دليل على صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب. انتهى [٣٣] .
وقال السندي معلقا على حديث جابر بن يزيد بن الأسود في حاشية النسائي [٣٤] "هذا تصريح في عموم الحكم في أوقات الكراهة أيضا، ومانع عن تخصيص الحكم بغير أوقات الكراهة لاتفاقهم علي أنه لا يصح استثناء المورد من العموم، والمورد صلاة الفجر ". وقال: "ولا يمكن أن يتوهم نسخ هذا الحكم لكون ذلك في حجة الوداع ".
وقد زعم بعض العلماء أن في حديث يزيد بن الأسود اضطرابا لا يصلح أن يكون حجة في الباب وملخص قوله: أنه ورد في كتابي الآثار لمحمد وأبي يوسف، وفي كتابي البدائع والمبسوط وغيرهما أن تلك الحادثة كانت في صلاة الظهر.
ولكن الذي يبدو من دراسة هذه الأحاديث أن القصة التي وقعت في صلاة الظهر هي قصة بسر بن محجن الدئلي كما في بعض الروايات
стр. 14539
فقد روى الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار [٣٥] بطريق ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظِي قال: ثنا سليمان بن بلال قال ثنا زيد بن أسلم، عن بسر بن محجن الدئلي عن أبيه قال: صليت في بيتي الظهر والعصر الخ
وروي أحمد في مسنده [٣٦] بسياق آخر قال ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال حدثني عمران بن أبي أنس، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن رجل من بني الديل قال: صليت الظهر في بيتي، ثم خرجت بأباعر لي لأصدرها، إلي الراعي، فمررت برسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس الظهر، فمضيت فلم أصل معه، فلما أصدرت أباعري، ورجعت ذكر ذلك لرسول الله (صلي الله عليه وسلم) فقال لي: ما منعك يا فلان أن تصلي معنا حين مررت بنا قال: فقلت يارسول الله إني كنت قد صليت في بيتي قال: وإن"
قال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه أحمد ورجاله موثقون [٣٧] .
وأما من اعتذر عن إعادة صلاة المغرب بحجة أنها تطوع، والتطوع لا يكون وترا. فيجاب أن صلاة الوتر من باب التطوع وهو نظير في الموضوع. والشارع لم يخصص شيئا من عموم قوله فتخصيص شيء بالقياس بدون حاجة لا يجوز والله تعالى أعلم بالصواب.
المسألة الثانية: أي الصلاتين تكون مكتوبة؟.
стр. 14540
القول الأول: أن الأولى هي المكتوبة. وبه قال الجمهور من الفقهاء وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وأظهر القولين عند الشافعي كما نص على ذلك الإمام النووي في روضة الطالبين [٣٨] وشرح المهذب [٣٩] وشرح مسلم [٤٠] وذكر أقوال العلماء الشَافعية في هذه المسألة عند شرحه لحديث أبي ذر في صحيح مسلم [٤١] فبلغت أربعة وهي: أن الفرض هي الأولى للحديث ولأن الخطاب سقط بها، والثاني: أن الفرض أكملها، والثالث كلاهما فرض، والرابع الفرض أحدهما علي الإيهام، يحتسب الله تعالى بأيهما شاء وأما الحنفية فلا خلاف عندهم في فرضية الأولى ولذا وقع الخلاف في إعادة صلاتي العصر والفجر لأجل النهي عن التطوع بعدهما.
واستدل هؤلاء بالأحاديث التي مر ذكرها وهي حديث أبي ذر، وأبي مسعود، ويزيد ابن الأسود، ومحجن الدئلي وغيرها. لأنه وقع التصريح في هذه الأحاديث بأن الثانية تكون نافلة.
قال ابن قدامة: ولأن الأولى وقعت فريضة، وأسقطت الفرض، بدليل أنها لا تجب ثانيا، وإذا برئت الذمة بالأولى، استحال كون الثانية فريضة، وجعل الأولى نافلة. قال حماد، وقال إبراهيم: إذا نوى الرجل صلاة، وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها فما صلى بعدها فهو تطوع [٤٢] .
القول الثاني: الثانية هي مكتوبة، إذا صلى الأولي فرادي. وهو قول الشافعي في القديم. واستدل له بحديث يزيد بن عامر الذي وقع فيه التصريح بأن الثانية مكتوبة.
يجاب عن هذا بان حديث يزيد بن عامر ضعيف وسبق بيان ذلك والشيخ الألباني صحح هذا الحديث في حاشية المشكاة [٤٣] مع وجود رجل مستور فيه، وهو نوح بن صعصعة. وحديث يزيد بن الأسود أولى منه وأثبت.
стр. 14541
وحاول الشيخ الشوكاني الجمع بين الحديثين فقال في نيل الأوطار [٤٤] : "وعلي فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن، بحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى منفردا كما هو الظاهر من سياق الحديثين".
إلا أنه جمع بعيد فإن من صلى الأولى منفردا بنية الفرض كيف تنقلب إلي النافلة وقد انتهى منها.
ثم يجب أن ينتهي هذا الخلاف فإن الحديث ضعيف والقول الراجح عند الشافعي هو أن الأولى هي المكتوبة.
الثالث: التفويض إلى الله في قبول ما شاء من الصلاتين. وهو المشهور من مذهب المالكية. واستدل هؤلاء بأثر ابن عمر- ﵁ رواه مالك في الموطأ [٤٥] عن نافع، أن رجلا سأل عبد الله بن عمر: فقال: إني أصلي في بيتي ثم أدرك الصلاة مع الإمام أفأصلي معه؟. فقال عبد الله بن عمر: نعم، فقال الرجل: أيهما أجعل صلاتي؟. فقَال له ابن عمر: أو ذاك إليك؟. إنما ذلك إلى الله يجعل أيهما شاء.
وذكر الزرقاني: روى ابن أبي ذئب، عن نافع، أن ابن عمر قال: إن صلاته هي الأولى. وقوله هذا مخالف لرواية مالك. فكأن ابن عمر شك في أول الأمر، ثم بان له أن الأولى هي الفرض فرجع من شكه إلي اليقين، ولا يقال عكس هذا. فمن المحال أن يرجع إنسان من اليقين إلى الشك. إلا أن المذهب المختار عندهم هو هذا. قال ابن عبد البر: حسب النظر الفقهي الدنيوي الفريضة هي الصلاة الأولى، وأما باعتبار الأخرى فالأمر مفوض إلى الله تعالى- ولهذا لا يجوز لمن صلى في بيته ثم أتى المسجد، فأقيمت الصلاة أن يتقدمهم لأنه لا يدري أيتهما صلاته.
وهذا هو مذهب المدونة وعليه العلماء المالكية راجع التفاصيل في حاشية الدسوقي [٤٦]
وبعد هذه الدراسة المستفيضة لا يشك أحد في أن الفرض هو الأولى وتقع الثانية نافلة. والله تعالى أعلم بالصواب.
الخامس: حضور النساء في الجماعة:
стр. 14542
لا خلاف بين العلماء بأن حضور النساء وشهودهن الجماعة ليس فرضا لما صح من الآثار بأن نساء النبي ﷺ كن في حجرهن ولا يخرجن إلى المسجد.
واختلفوا في أي الأمرين يكون أفضل لهن أصلاتهن في بيوتهن، أم في المساجد في الجماعات؟.
القول الأول: أن الأفضل حضورهن في الجماعات في المساجد بناء على عموم قول النبي ﷺ : "إن صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة". وهو مذهب أهل الظاهر. قال الإمام ابن حزم: وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه النساء من غيرهن [٤٧] .
وقد قال قبل هذا: فإن استأذن الحرائر، أو الإماء، بعولتهن أو ساداتهن في حضور الصلاة في المسجد ففرض عليهم الإذن لهن، ولا يخرجن إلا تفلات غير متطيبات ولا متزينات فإن تطيبن أو تزين لذلك، فلا صلاة لهن، ومنعهن حينئذ فرض [٤٨] .
القول الثاني: إن صلاتهن في البيت أفضل وهو مذهب الجمهور من الفقهاء. وقد وردت في ذلك عدة أحاديث منها:
(١) إذا استأذن نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن. (رواه الجماعة إلا ابن ماجة عن ابن عمر) ، وفي لفظ عند أحمد وأبي داود:"لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلي المسجد وبيوتهن خير لهن " هذه الزيادة أخرجها أيضا ابن خزيمة في صحيحه.
(٢) عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن". رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني في الكبير وفيه: ابن لهيعه وفيه كلام [٤٩] .
стр. 14543
(٣) عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله إني أحب الصلاة معك". قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي". قالت:"فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ". رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري وثقه ابن حبان.
(٤) حديث ابن مسعود: قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها". رواه أبو داود، وسكت عليه المنذري، قال النووي إسناده علي شرط مسلم [٥٠] . المخدع: البيت الصغير داخل البيت الكبير.
هذه هي بعض الأحاديث التي رويت في هذا الموضوع وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد الأحاديث الأخرى والآثار من الصحابة.
استدل جمهور الفقهاء بهذه الأحاديث بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد إلا أنه لم يكره أحد العلماء حضورهن الصلوات بالجماعات لما ثبت عن النبي ﷺ أنه أذن للنساء في الحضور في صلاة الجماعة. وكانت النساء في عهد النبي ﷺ يحضرن الجماعة.
وقد استدل الإمام البخاري بحديث عائشة: اعتم رسول الله ﷺ في العشاء حتى ناداه عمر: قد نام النساء والصبيان ... كانوا حضورا في المسجد وبوب على هذا الحديث بقوله: باب خروج النساء إلي المسجد بالليل والغلس.
стр. 14544
وقال العلماء إنهن إذا طلبن الإذن من أزواجهن للخروج إلى المسجد فعلى الأزواج أن لا يمنعوهن، وقد شدد البعض فقال يجب عليهن إذنهن للخروج وهو مخالف للنص وإلا لا معنى للإذن إذا. إلا أنههم شرطوا أن لا يخرجن متطيبات فعلى الرجال أن يمنعوا النساء إذا خرجن متطيبات.
وقد قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة". رواه مسلم وأبو داود والنسائي وأحمد [٥١] .
وقد أحدثت النساء في زمن عائشة- ﵂ ما أزعجته، فقالت:"لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثت النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل". رواه الشيخان. قال الحافظ ابن حجر: وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا وفيه نظر. إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم إنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت:" لو رأى لمنع", فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، وإن كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع. وقال: وأيضا فالأحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فان تعين المنع فليكن لمن أحدثت [٥٢] .
قال الشوكاني: وقد حصل من الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلي المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلي الفتنة من طيب أو حلى أو أي زينة واجب علي الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلي ذلك ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج لقوله: "فلا تشهدن "وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد. [٥٣]
وقوله: واجب علي كل الرجال فيه نظر لأن قول النبي ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ". نهي تنزيه لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب فلا تتركه للأفضلية. قال به النووي [٥٤] . والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 14545
[١] رواه مسلم: (٥/١٤٧مع النووي) وأبو داود (١/٢٤٨مع المنذري) والترمذي (١/٥٢٤مع التحفة) والنسائي (٢/٧٥) وابن ماجه (١/٣٩٨) كلهم عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁.
[٢] رواه أبو داود: (١/٢٤٨) قال المنذري: حسن.
[٣] النسائي: (٢/٧٥) وابن ماجه: (١/٣٩٨) .
[٤] مسلم: (٥/١٥-١٦) .
[٥] مالك: (١/٤٠٥مع الزرقاني) والنسائي (٢/١١٢) وأحمد (٤/٣٤) والحاكم (١/٢٤٤)
[٦] الإصابة (١/١٨١) .
[٧] أبو داود (١/٢٩٩) والترمذي (٢/٣) وأبو داود الطيالسي (١٢٤٧) وأحمد (٤/١٦٠) وابن أبي شيبة (٢/٢٧٤) والحاكم (١/٢٤٤-٢٤٥) .
[٨] التلخيص: (٢/٢٩) .
[٩] الدارقطني: (١/٤١٢) .
[١٠] المستدرك: (١/٢٤٥) .
[١١]
(١/٣٠٠-٣٠١) .
[١٢]
(٢/١٥٠) .
[١٣] أبو داود مع المنذري، الطبعة الباكستانية. (١/ ٣٠١) ومالك (١/٤٠٨) والبيهقي (٢/ ٣٠٠) .
[١٤] أبو داود (١/٣٠١) والنسائي (٢/١١٤) ، وأحمد (٢/ ١٩، ٤١) والدا رقطني (١/ ٤١٥) ، وابن حبان (موارد الظمآن ١٢١) وابن أبي شيبة (٢/٢٧٦) .
[١٥] انظر تهذيب التهذيب (٨/ ٤٩) ونصب الراية (٢/١٤٨) .
[١٦] انظر المرعاة: (٢/ ١٤٠) .
[١٧] الموطأ: (١/٤٠٦) .
[١٨] انظر التلخيص للحافظ (٢/٢٩) ، وزهر الربى للسيوطي (٢/١٤٤مع سنن النسائي) .
[١٩] شرح النووي: (٥/١٤٨) .
[٢٠] شرح المهذب: (٤/١٢١) .
[٢١] المغني (٢/٩٢) .
[٢٢] مصنف عبد الرزاق: (٢/ ٤٢٢) .
[٢٣] ابن أبي شيبة: (٢/٢٧٦) .
[٢٤] المصدر السابق.
[٢٥] الموطأ: (١/٤٠٨) .
[٢٦] مصنف عبد الرزاق: (٢/٤٢٢) .
[٢٧] المدونة: (١/ ٨٧) .
[٢٨] حاشية الدسوقي: (١/ ٢٩٦) .
[٢٩] شرخ الزرقاني: (١/٤٠٨)
[٣٠] شرح معاني الآثار: (١/ ٣٦٤) .
[٣١] شرح فتح القدير: (١/٣٣٧) .
[٣٢] المرعاة: (٢/١٢٠) .
стр. 14546
[٣٣] معالم السنن مع مختصر المنذري: (١/٣٠٠) من الطبعة الباكستانية.
[٣٤] النسائي: (٢/١١٣) .
[٣٥] شرح معاني الآثار: (١/٣٦٣) .
[٣٦] أحمد: (٤/٢١٥) .
[٣٧] مجمع الزوائد: (٢/٤٤) .
[٣٨] روضة الطالبين: (١/٣٤٤) .
[٣٩] شرح المهذب: (٤/١٢٣) .
[٤٠] شرح مسلم: (٤/١٦) .
[٤١] شرح مسلم: (٥/١٤٨) .
[٤٢] انظر المغني: (٢/٩٤) .
[٤٣] المشكاة: (١/٣٦٤) .
[٤٤] نيل الأوطار: (٣/ ١١٤) .
[٤٥] الموطأ: (١/٤٠٦) .
[٤٦] حاشية الدسوقي: (٢/٢٩٧-٢٩٨) .
[٤٧] المحلى: (٤/٢٧٧) .
[٤٨] المحلى: (٤/٢٦٥) .
[٤٩] انظر مجمع الزوائد: (٢/٣٢) .
[٥٠] انظر شرح المهذب: (٤/٨٣) .
[٥١] مسلم: طبعة فؤاد (١/٣٢٨) وأبو داود (٤/٤٠٢) والنسائي (٨/١٥٤) وأحمد (٢/٣٠٤) .
[٥٢] انظر فتح الباري: (٢/٣٥٠) .
[٥٣] انظر نيل الأوطار: (٣/١٦٢) .
[٥٤] انظر شرح المهذب: (٤/٨٣) .
стр. 14547
مِن مَزَايَا التشرِيع الإسلامِي
محمد بن ناصر السّحِيباني
عميد القبول والتسجيل بالجامعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن هذا الدين لازال يتعرض للهجمات من قبل أعدائه من اليهود والشيوعيين والنصارى والمنافقين وغيرهم من المبطلين وتتفاوت هذه الهجمات من حرب ساخنة إلى حرب باردة. من تقتيل أتباع هذا الدين من المسلمين وطردهم وتشريدهم، ومن سخرية بالله سبحانه وبرسله عليهم أفضل الصلاة والسلام خاصة الرسول الخاتم محمد ﷺ ، إلى استنقاص الشريعة الإسلامية في أصولها وفروعها في معتقداتها وأحكامها.
وكل هذا يعتبر مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ . (سورة البقرة: ٢١٧) .
وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتا، أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا، وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحا غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها ٠٠٠ [١] .
стр. 14548
ومساهمة رمزية في صد بعض هذه الهجمات في مجال النقد الذي يوجهه الأعداء إلى الشريعة الإسلامية. وما يحاولونه من التطاول على أحكامها باستنقاصها وإخفاء مزاياها ومحاسنها، لإيقاع السذج والأغرار من المسلمين ... فقد رأيت من باب المساهمة الرمزية وجهد المقل أن أكتب هذه المقالة عن مزايا التشريع الإسلامي، ثم أتبعها إن شاء الله- بمقالة أخرى عن العقوبات الإسلامية والدفاع عنها، لأنها أكثر الأحكام الإسلامية تعرضا للنقد والاستنقاص. والله أسال أن يحسن مقاصدنا وغايتنا وأن يوفق الجهود، ويسدد الخطأ إنه سميع مجيب.
المقصود بالتشريع الإسلامي:
قبل أن نتحدث عن مزايا التشريع الإسلامي ينبغي أن نحدد ما هو المقصود بهذا التشريع، فنقول مستعينين بالله سبحانه.
لفظ الشريعة في أصل الاستعمال اللغوي الماء الذي يرده الشاربون، ثم نقل هذا اللفظ إلى معنى الطريقة المستقيمة، التي يفيد منها المتمسكون بها هداية وتوفيقا ... ويختص هذا اللفظ في عرف الفقهاء بالأوامر والنواهي والإرشادات التي وجهها الله تعالى إلى عباده ليكونوا مؤمنين عاملين صالحين، سواء أكانت متعلقة بالأفعال أم بالعقائد أم بالأخلاق ... إلخ [٢] .
ويقول الشيخ محمود شلتوت- ﵀ في تعريفها: والشريعة هي النظم التي شرعها الله أو شرع أصولها، ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه وعلاقته بأخيه المسلم وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون والحياة [٣] .
стр. 14549
ومن هذا نستطيع أن نقول إنه يقصد بالتشريع الإسلامي كل ما شرعه الله سبحانه في القرآن الكريم من أمر ونهي أو شرعه رسوله ﷺ ، وما سنه الخلفاء الراشدون، وكذلك ما أجمع عليه علماء المسلمين ومجتهدوهم، وما توصلوا إليه بالاجتهاد، يقول جل ذكره مخاطبا الرسول ﷺ وأمته تبع له في ذلك: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (سورة الجاثية: ١٨) . ويقول جل ذكره: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . (سورة النساء:٥٩) ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ . (سورة آل عمران:٣١) . ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . (سورة الحشر: ٧) .والآيات في هذا كثيرة جدا. وفي الحديث: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [٤] . وفي الحديث الآخر. "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" [٥] .
فالحاصل أن التشريع الإسلامي يقصد به كل ما شرعه الله من أصول الدين وفروعه في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الحدود أو القصاص أو غير ذلك مما يحتاجه الناس في حياتهم (فتشمل الشريعة أحكام الله لكل من أعمالنا من حل وحرمة وندب وإباحة. وذلك ما نعرفه اليوم باسم الفقه) [٦] .
ولعل أجمع كلمة تحدد المقصود من التشريع ما قاله سماحة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- ﵀ في رسالته منهج التشريع الإسلامي وحكمته حيث قال: "والتشريع هو وضع الشرع، والشرع هنا هو النظام الذي وضعه خالق السماوات والأرض على لسان سيد ولد آدم ﵊، ليسير عليه خلقه فيحقق لهم به سعادة الدارين على أكمل الوجوه وأحسنها" [٧] .
стр. 14550
إن هذا التشريع الذي يحقق السعادة في الدارين لمن آمن به وعمل بمقتضاه يمتاز بمزايا عديدة وخصائص فريدة. ولعل أبرز خصائصه ومميزاته أنه من عند الله سبحانه، وما كان من عند الله فلابد أن يتصف بكل صفات الكمال ولابد أن يبرأ من كل صفات النقص، يقول جل ذكره في معرض حديثه عن القرآن الكريم الذي يعتبر أحد المصدرين الأساسيين للتشريع الإسلامي: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . (النساء:٨١) . ويقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه﴾ . (هود: ١) .
ويقول عز ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ . (الإسراء: ٩) . ومن هنا نستطيع أن نشير إلى بعض المميزات، فمنها:-
الأولى: شمول التشريع الإسلامي لجميع شئون الحياة وإحاطته بها:
لقد أنزل الله سبحانه هذه الشَريعة وجعلها منهاجاً لهذه الأمة وطريقاً تسلكها في جميع شئونها. فهذه الشريعة شاملة لجميع شئون الحياة ومرافقها، فانتظمتها جميعاً بأحكامها العادلة وتوجيهاتها الحكيمة.
وعندما ننظر في أحكام الشريعة وموقفها من شئون الناس وأحوالهم نجدها على ثلاث أضرب:-
الضرب الأول: من شئون الناس والحياة، أمرت به الشريعة ودعت إليه، وقد يكون هذا الأمر على وجه الإلزام أو على غير وجه الإلزام.
الضرب الثاني: من شئون الناس والحياة نهي عنه الشارع وحذر منه، وقد يكون، هذا النهي كذلك على وجه الإلزام أو على غير وجه الإلزام.
الضرب الثالث: ما سكت عنه الشارع، وهذا السكوت ليس عن غفلة ولا نسيان، وإنما بقصد التخفيف، ويوضح ذلك حديث رسول الله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". رواه الدارقطني.
ونحن نستدل لعموم الشريعة وشمولها جميع شئون الحياة بدليلين:
стр. 14551
الدليل الأول: النص من الكتاب والسنة وواقع الأمة الإسلامية خاصة في عصرها الزاهر عصر النبوة والخلافة الراشدة، فقد وردت عدة آيات وأحاديث تدل على أن الشريعة عامة في كل شيء يقول جل ذكره: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . (النحل: ٨٩) وفي الآية الأخرى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ . (الأنعام: ٣٨) . قال ابن كثير ﵀ عند تفسيره للآية الأولى: قال ابن مسعود- ﵁ قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء، وقال مجاهد- ﵀ كل حلال وكل حرام وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم [٨] .
стр. 14552
وقريبا من هذا القول ما ذكره الفخر الرازي- ﵀ عند تفسيره الآية الثانية [٩] ، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ . (المائدة: ٥٠) ، فالأمر قد ورد فيها مطلقا من كل قيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ . (النور: ٥٢) . وكذلك قوله جل ذكره: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: ١١١) . وقال سبحانه حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ . (الجن: ١٤) . ولو تتبعنا هذه الآيات الواردة بهذا الصدد والإشارة إلى دلالتها المباشرة وغير المباشرة على عموم الشريعة وشمولها لاحتجنا إلى صفحات كثيرة، وأما الأحاديث، فقد وردت عدة أحاديث بهذا المعنى. فقد ورد أن سلمان الفارسي- ﵁ قيل له: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخرآءة. فقال سلمان:"أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ... "الحديث [١٠] .
وعن حذيفة ﵁ قال:"لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله ... "الحديث [١١] .
وفي الحديث: "تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ".
وفي الحديث: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ومنها ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". متفق عليه.
وفي بعض الروايات: "وبعثت إلى الجن والإنس".
стр. 14553
قال ابن الجوزي في كتابه الوفاء: فإن قال قائل كيف قال: "وبعثت إلى الخلق كافة". ومعلوم أن موسى لما بعث إلى بني إسرائيل لو جاءه غيره من الأمم يسألونه تبليغ ما جاء به لم يجزله كتمه بل يجب عليه إظهار ذلك لهم.
ثم قد أهلك الخلق في زمن نوح، وما كان ذلك إلا لعموم رسالته فقد أجاب عن هذا ابن عقيل فقال:"إن شريعة نبينا جاءت ناسخة لكل شريعة قبلها، وقد كان يجتمع في العصر الواحد نبيان وثلاثة يدعو كل واحد إلى شريعة تخصه، ولا يدعو غيره من الأنبياء إليها ولا ينسخها".
بخلاف نبينا محمد ﷺ فإنه دعا الكل ونسخ وقال: "لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي". وما كان يمكن عيسى أن يقول هذا في حق موسى، وأما نوح فلم يكن في زمنه نبي يدعو إلى ملته [١٢] .
أما واقع الأمة الإسلامية فبالنسبة للعهد النبوي فتعتبر أفعاله ﵊ من سنته، وقد كان ﵊ يرعى جميع أحوال المسلمين، ويتولى جميع شئونهم الدينية والدنيوية فيفتي ويقضي في الحقوق والحدود، ويقود الجيوش ويقسم الغنائم ويؤم المسلمين في الجمع والجماعات، ويكاتب الملوك ويدعوهم إلى الإسلام، ويصالح الأعداء إذا رأى مصلحة المسلمين في ذلك، ويتفقد أحوال المسلمين في تعاملهم بالبيوع والإجارات وأنواع المزارعة وفي النكاح والطلاق والرجعة وفي الاستطباب وتجهيز الأموات وقسمة المواريث فلا يمكن أن يتم أمر في المدينة من أحوال الناس وشئونهم إلا وله ﵊ حكمة في ذلك من إقرار أو إنكار، وبالنسبة لعهد الخلفاء الراشدين- رضى الله عنهم وعن الصحابة أجمعين- فكذلك، ما كان يبت في أمر من الأمور الدقيقة أو الجليلة إلا بالرجوع إلى كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أو بالاجتهاد وفق أصول الشرع وقواعده.
стр. 14554
وما نقل عن أحد من الخلفاء الراشدين- ﵃ أنه اعتذر عن أمر من الأمور بأنه غير داخل في اختصاصه، بل إنهم ينظرون إليه باعتباره حقا فيقرونه وينفذونه، أو باطلا فيفندونه ويقمعونه، كمحاربة المرتدين وجمع القرآن وتدوين الدواوين وقمع البدع ومحار بتها ... إلخ.
ومن يطالع تاريخ الخلفاء الراشدين وسيرتهم يجد الأمر في غاية الوضوح ...
وعلى كل حال فمسألة شمول الإسلام وإحاطته بجميع شئون المسلمين كما أمر الله كانت واضحة تماما في هذا العصر الزاهر الذي يعتبر امتداداً لعصر النبوة ولا زال الأمر كذلك في العصور الإسلامية التالية، مع شيء من الضعف الذي أصبح شديداً في القرون المتأخرة، حيث غلبت العادات القبلية والتقاليد الواردة من الأمم الأخرى على الأحكام الشرعية، نتيجة لعوامل متعددة لعل أهمها بعد كثير من المسلمين عن الإسلام، وضعف الإيمان في نفوس كثير منهم، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها، حيث ابتعد الناس أفرادا وجماعات وحكومات عن الشريعة الإسلامية والالتزام بأحكامها وتوجيهاتها إلا من عصم الله، حتى صار العلماء والمفكرون من المسلمين يبذلون الجهود الكبيرة لإقناع الناس والمنفذين منهم خاصة بشمول الإسلام وعمومه وإحاطته بكل شيء، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 14555
الدليل الثاني: وهو دليل العقل والاستنتاج حيث لا يتصور أن الله سبحانه يترك خلقه مهملين دون ما رعاية ترعاهم وعناية تحوطهم في كل ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، لأن هذا لو حصل لاعتبر تقصيرا وتفريطا لا يليق بالله سبحانه وحاشاه من ذلك، خاصة وأن هذه الشريعة هي خاتمة الشرائع بنبيها وكتابها، فنبينا محمد ﷺ هو خاتم النبيين وكتابنا القرآن هو خاتم الكتب الناسخ لها المهيمن عليها فهي شريعة لا تحد بزمان ولا مكان ولا بجنس فهي عامة لكل البشر صغيرهم والكبير ذكرهم وأنثاهم عرباً وعجماً في أي مكان كانوا وأي زمان وجدوا.
ونجد من الآيات ما يسند هذا الاستدلال كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ . (المؤمنون: ١١٥) . أي أننا لم نخلقكم عبثا بل لغاية وقصد وهذا يقتضي وجود الأحكام التي تنظم شئون الآدميين. وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ . (القيامة: ٣٧) . أي هملا دون ما عناية أو رعاية أي لا يمكن أن يكون ذلك لأنه عبث ينزه الله عنه.
فالتشريع الإسلامي يشمل أحوال الناس وينظمها في كل الأحوال ينظم أحوال الفرد والأسرة، وينظم شئون الدولة في الثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد، يحدد السياسة الداخلية والخارجية وصلة الدولة بالأعداء والأصدقاء في حالة السلم والحرب، ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعلاقة بين العامل ورب العمل وبين الابن وأبويه والزوج وزوجه، إذن فنحن نخرج من هذا بأن عموم الرسالة وشمولها يقتضي ما يلي:-
أولاً: عمومها الزماني: فهي الشريعة الواجبة الاتباع من حين ما بعت محمد ﷺ إلى قيام الساعة لا يجوز أن تزاحمها أو تنافسها شريعة أو مذهب أو نظام.
стр. 14556
ثانياً: عمومها المكاني: فهي شريعة الأرض دون منافس أو مزاحم فهي شريعة الأرض بسهولها وجبالها ووديانها وبحارها وأنهارها وأعماقها وأجوائها بل هي شريعة الكون بكل أجرامه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاً آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداًً﴾ . (مريم: ٩٣) .
ثالثاً: عمومها البشري: فهي الشريعة الواجبة الاتباع من كل البشر على اختلاف الأجناس والأعراق وحتى الجن، فهي شريعة كل إنسان كيفما وجد وأينما وجد، مكث في الأرض أو صعد في السماء أو نزل الأجرام الأخرى. "إن استطاع إلى ذلك سبيلا".
فهي شريعته التي لا يجوز له أن ينفك عنها أو يفلت منها أو يفر: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ والإنس﴾ . (الذاريات: ٥٦) . ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . (الأعراف: ١٥٨) .
رابعاً: عمومها وشمولها الموضوعي: فهي لكل شيء ولكل شأن من شئون الأحياء والأشياء، بل وحتى الأموات رعت مالهم من حقوق وحرمة بعد موتهم، وعنيت بالحيوانات رفقا وعناية وعطفا، وبالدولة والمجتمعات والكون والكائنات: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . (الأنعام: ٣٨) .
يقول الدكتور: محمد سلام مدكور في كتابه مدخل الفقه الإسلامي.-
وقد تضافرت النصوص الإسلامية وعلم من الدين بالضرورة عموم رسالة الإسلام:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ . (سبأ: ٢٨) . ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ . (الفرقان:١) . ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . (الأعراف: ٥٨) .
стр. 14557
لهذا قام محمد رسول الله ﷺ بتبيلغ هذه الرسالة إلى من استطاع تبليغك من الأمم متمثلين بالحكام كهرقل إمبراطور الروم وكسرى ملك الفرس والمقوقس حاكم مصر والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن والنجاشي ملك الحبشة، تاركا لخلفائه من بعده القيام بتبليغ الدعوة إلى بقية الأمم وقد اهتدى بعض تلك الأمم فآمن بدعوته إنصافاً للحق، كما أنصفه من اتبعه من قومه، وقد اعترف توماس في كتابه الدعوة إلى الإسلام، بأن الكتب التي أرسلها محمد بن عبد الله إلى حكام الأمم المختلفة، يدعوهم فيها إلى الإسلام، تدل بوضوح على ما تردد ذكره في القرآن من مطالبة الناس جميعا بقبول الإسلام [١٣] .
هذا وقد اعتبر العلماء أن من ينكر شيئا من ذلك- أي عموم الرسالة وشمولها- فهو كافر مرتد عن الإسلام، فمن ينكر عموم الرسالة أو يرى أن أحداً مهما كان يسعه الخروج منها فرداً أو جماعة أو دولة فهو كافر، أو زعم أنها خاصة بجنس من الأجناس أو عصر من العصور، وأنها لا تعنى بتنظيم شئون الناس في الاقتصاد والاجتماع والسياسة من اعتقد ذلك فهو مرتد عن الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل [١٤]
الثانية: العدالة:
إن وجوه العدالة في التشريع الإسلامي كثيرة متعددة، يدركها من يمعن النظر في أحكامه ويتدبرها بتجرد وإخلاص، فأحكامه الخاصة بالأسرة وتكوينها وتنظيمها وحقوق الأفراد وواجباتهم في الأسرة لا تماثلها أحكام مما تواضع عليه البشر واعتادوه، فالأب له حقوقه وعليه التزاماته، والأم كذلك، والأبناء المكلفون كذلك، ونجد هذه القاعدة الفريدة في التعامل بين الزوجين المتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ . (البقرة: ٢٩٩) .
стр. 14558
وأحكامه الخاصة بالميراث وتوزيعه على الورثة تعتبر كذلك من العدالة بمكان, فللأب نصيبه وللأم نصيبها، وللزوج نصيبه وللزوجة نصيبها، بحسب الحال من وجود أولاد أو عدم وجود أولاد، ووجود أخوة أو عدم وجود أخوة، وللأبناء نصيبهم والبنات وللأخوة والأخوات، والأعمام والعمات، وهكذا تتدرج الحقوق حتى تصل إلى أصحابها مهما بعدوا، وفي الأحكام الخاصة بمعاملة الأعداء، نجد العدالة في أرقى صورها وأعلى درجاتها يقول جل ذكره: ﴿َلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . (المائدة: ٨) . أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا في حقهم، ويقول سبحانه: ﴿فاعدلوا فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ . (الأنعام: ٢٥٢) .
أما في مجال العقوبات فعندما نلاحظ أن القصاص هو العقوبة الرئيسية لأكثر الجرائم الشخصية التي تقع على الأشخاص مباشرة، فإن هذا يعتبر منتهى العدالة وغاية الإنصاف، وكذلك الحدود فإنها عقوبات عادلة إذا أدركنا فداحة الجرائم التي فرضت من أجلها، والله تعالى يقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ . (الشورى:٤٠) ويقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ . (النحل: ١٢٦) .
وباختصار، فمادمنا نسلم ونعتقد بأن الأحكام الشرعية منزلة من عند الله سبحانه، الذي يعتبر العدل صفة من صفاته، فلابد أن تكون هذه الأحكام عادلة متقنة.
стр. 14559
وإذا كانت العدالة هي من أبرز خصائص الأحكام الشرعية الواردة بالنص في القرآن والسنة، فإن هناك أحكاماً اجتهادية، وهناك أيضا تطبيق الأحكام إن كانت نصية أو اجتهادية، فنجد بالنسبة لهذين الأمرين أن الإسلام حض المسلمين والعلماء منهم خاصة وولاة الأمر على تحري العدل في تطبيق الأحكام، أو عند استنباطها، فوضع قوالب عامة ومعايير دقيقة ومقاييس عادلة لاستنباط الأحكام، فالأحكام الاجتهادية ليست عشوائية في استنباطها ولا ارتجالية في وضعها، ولكنها محكومة بقواعد وأصول فلابد أن تكون منسجمة مع الأصول العامة للشريعة، والقواعد الأساسية، والغايات والأهداف الكبرى، ويمكن الرجوع إلى هذا الموضوع في كتب أصول الفقه.
وفي مجال التطبيق كذلك فقد حث الله سبحانه المسلمين عامة وولاة الأمر بصفة خاصة على العدل، وحث على ذلك رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة، بل إن الله سبحانه أمر به أمراً صريحاً، يقول جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . (النساء: ٥٨) . أي ويأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، والأمر كما هو معروف عند علماء الأصول يقتضي الوجوب إلا أن يصرفه صارف عن ذلك، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ . (النحل:٩) ويقول سبحانه فيما خاطب به رسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ . (الشورى:١٥) .
стр. 14560
وإلى جانب الآيات فهناك الأحاديث الكثيرة والوقائع المشهورة التي حصلت في عهد رسول الله ﷺ أو في عهد الخلفاء الراشدين، ففي الحديث المتفق عليه: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "- وعد منهم الإمام العادل- وفي الحديث الآخر: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوّ". رواه مسلم. وجاءه ﵊ زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه، وأغلظ له ثم قال: إنكم يا بنى عبد المطلب مطل، فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي ﷺ يبتسم، فقال رسول الله ﷺ : "أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي ... " الحديث [١٥] .
ومكن عكاشة أن يقتص منه، وكذلك الأعرابي الذي تعلق في زمام ناقته فانتهره مرارا فلما لم ينتهر ضربه [١٦] . وغير ذلك من الحالات والوقائع المماثلة كثيرة وليس هذا مجالا سردها فليرجع إليها في كتب التاريخ والسير، لتجد الصفحات البيضاء من صفحات العدل، ومن هذا نخرج بنتيجة وهي أن العدالة صفة رئيسية من صفات التشريع الإسلامي، خاصة فيما ورد فيه نص صريح من القرآن، أو نص صحيح صريح من سنة، كما يجب أن تراعى العدالة في جانبين.
стр. 14561
أولاً: في الجانب التشريعي الاجتهادي: أي الأحكام الاجتهادية فيما لم يرد به النص كما في حالة سن الأنظمة اللازمة للناس، كأنظمة البلديات والمرور، وأنظمة العمال والموظفين والشركات وأصحاب المهن المختلفة، وغير ذلك مما يستجد من أمور الناس وشئون الحياة، فيجب على كل من يضعون هذه الأنظمة ويسنونها أن يراعوا جانب العدالة فيها، فلا يغلبوا مصلحة فئة على فئة أخرى، ولا جانباً على جانب، إلا بحق واضح تقتضيه مصلحة عامة راجحة، ويجب أن تكون هذه الأنظمة وأمثالها متمشية مع أصول الشريعة منسجمة مع قواعدها الكلية، غير متعارضة مع أحكامها الثابتة ولا متباينة مع الأهداف والغايات والمقاصد التي توخاها الشارع واعتبرها.
ثانياً: في الجانب التطبيقي: فيجب على الحاكم أن يتقي الله في حكمه، ويتحرى العدالة في تطبيق الأحكام التي أنزلها الله، فلاشك أنها عادلة، ولكن التطبيق قد يكون جائراً، فعليه أن يتقي الله فلا يحكم بأي حكم اجتهادي تبين له ظلمه وإجحافه، وعليه أن يعترض عليه ويبدي رأيه فيه.
الثالثة: الرحمة:
إن الرحمة تعتبر أمراً زائداً على العدالة، فالعدالة رحمة ولاشك، ولكن الرحمة عدالة وزيادة، أما العدل فإن فيه رحمة للكافة وللمجتمع بصفة عامة، ولكن قد لا يكون فيه رحمة للمحكوم عليه في ظاهر الأمر، مع أنه في الحقيقة رحمة، إذا نظرنا إلى المسألة نظرة ثاقبة تنفذ من الدنيا إلى الآخرة.
ويرى الأستاذ محمد أبو زهره ﵀ خلاف ذلك، فهو يرى أن الرحمة والعدل مترادفان، فهو يقول: ولذلك كانت رحمة النبوة الأولى هي العدل، فالعدل في ذاته هو الرحمة الشاملة، ويقول: فالعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية [١٧] .
стр. 14562
ولكني أقول ليس الأمر كذلك، لأن الرحمة أوسع وأشمل، فهي كما قلت عدل وزيادة، وكل الأطراف ترضى بالرحمة، ولكن ليس كلها يرضى بالعدل، مع أن العدل يعتبر رحمة عامة ولكنه قد لا يكون كذلك في ظاهره ومما يدل على ذلك حديث رسول الله ﷺ في قصة الزبير مع الأنصاري فإنه في أول الأمر قال: "إسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فلما غضب الأنصاري واتهم رسول الله ﷺ بالتحيز لابن عمته. قال ﷺ : "يا زبير إسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فإن الحكم الأول لرسول الله ﷺ مبني على الرحمة، فقد أمر الزبير بأن يسقي أرضه شيئا يسيرا ثم يرسل الماء، ولم يعطى الزبير كامل حقه، فإنه قريبه ويدل عليه فلما تبين هذا الموقف من هذا المنافق، حكم بالعدل وأعطى كل ذي حق حقه، وقد أشار. إلى هذا المعنى الإمام النووي- ﵀ في شرح مسلم [١٨] .
وكذلك حديث الرجل الذي كان منقطعا لعبادة الله مدة طويلة، فلما مات سأله الله تعالى هل أدخلك الجنة بعملك أم برحمتي؟. فقال: بل بعملي، فلما حاسبه الله بالعدل استوجب النار، لكن الله سبحانه عامله بالرحمة التي هي أوسع من العدل فأدخله الجنة.
وقد جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة كلها تصف هذه الشريعة بالرحمة، وتصف رسول الله ﷺ بها، وتصف المسلمين بالتراحم بينهم وتأمرهم به، يقول جل ذكره في معرض وصفه لرسول الله ﷺ : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ . (الأحزاب: ٤٣) . وعن المؤمنين: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . (الفتح:٢٩) وكان رسول الله ﷺ ينهى عن قتل المرأة الكافرة، والطفل والشيخ الكبير والمنقطعين للعبادة من الرهبان وغيرهم، ما لم يشتركوا في الحرب، وفي الحديث: "من لا يرحم لا يرحم ". والآيات والأحاديث والوقائع في هذه كثيرة لا تنحصر.
стр. 14563
الرابعة: اليسر:
من مزايا التشريع الإسلامي الاتجاه إلى التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في الحرج والضيق والمشقة وهذا واضح من الآيات والأحاديث الكثيرة يقول جل ذكره: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . (البقرة: ١٨٥) . ويقول سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم﴾ . (النساء: ٢٨) .
ويقول : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . (الحج: ٧٨) . وفي الحديث: "يسروا ولا تعسروا" [١٩] . وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما" [٢٠] .
وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد قال لهم ﵊: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". أخرجه البخاري عن أبى هريرة.
وهذا واضح في العبادات من صلاة وصوم وحج، وكذلك في المعاملات فإنها مبنية على التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في المشقة والحرج، أما فيما يتصل بحقوق الناس إن كانت في الأموال أو الدماء أو الأعراض، فهذه ينبغي أن يمكن صاحب الحق من حقه، ولكن برفق كما قال جل ذكره: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ . (البقرة:١٧٨) . لذلك فإن أي نظام يسن ينبغي أن يراعى فيه التيسير والرفق بمن وضع لهم والرحمة بهم.
الخامسة: الحكمة:
تعرف الحكمة بأنها وضع الشيء في موضعه المناسب، وعرفها العلامة محمد الأمين الشنقيطي- ﵀ بقوله: والحكمة في الاصطلاح هي وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها [٢١] .
стр. 14564
وتلاحظ الحكمة في التشريع الإسلامي في عدة مواضع , فمنها فيما يختص بالإرث وتقسيمه بنسب معينة , نلاحظ أنها في منتهى الحكمة , فعندما نقارن بين أنصبة البنين والبنات والأخوة والأخوات والأبوين والزوجين , نجدها تتناسب مع مسئولياتهم ومع واجباتهم وصلتهم بالميت ,وعندما نلاحظ العقوبات وتفاوتها من حد إلى حد ومن جناية إلى جناية نجد التناسب التام والانسجام الدقيق العقوبة والجريمة , وكذلك نجد الحكمة في تفاوت أنصبة الزكاة ومقاديرها من مال إلى مال , كذلك العبادات فأحكامها في غاية الحكمة ,وهذا شأن التشريع الإسلامي وصفته المميزة له الحكمة , فهو من لدن عليهم حكيم , وقد تكلم ابن القيم –﵀ –في كتابه المشهور أعلام الموقعين, عن هذا الموضوع بالتفصيل, وأورد كثيراً من الشبه وردها , وبين الحكمة في تفاوت العقوبات من ذنب إلى ذنب ومن جناية إلى أخرى, كما بين الحكمة فيما شرع من التماثل بين الجناية والجزاء , والحكمة فيما لم يشرع فيه التماثل , كما تطرق إلى كثير من الأحكام وبين وجه الحكمة في الاختلاف والاتفاق في كثير من صورها وفروعها , وذالك في حديثه عن القيس وهو كلام جيد نقيس [٢٢] .
السادسة: الخلود والديمومة:
стр. 14565
كما ألمحت آنفاً أن هذا التشريع يمتاز بأنه خالد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يتطرق إليه التعديل أو التبديل، لذلك فإننا نلاحظ هذه الشريعة مرنة في أحكامها، ولكنها راسخة الأصول، أو كما وصفها أحد الكتاب شجرة ثابتة الأصول متحركة الفروع، ومما يدل على خلود الشريعة وديمومتها واستمرارها وشمولها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . (الصف: ٩) . فهذا نص مطلق غير مقيد بزمر وكذلك قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . (الحجر: ٩) . وفي الحديث: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم". رواه مسلم.
السابعة: العناية بالدنيا والآخرة:
إن من المميزات الرئيسية للتشريع الإسلامي بصفة عامة، أنه شامل للدنيا والآخرة، علاج للظاهر والباطن، فهو لا يكتفي بعلاج الظاهر دون الباطن، ولا يكتفي بالحديث عن الدنيا دون الحديث عن الآخرة.
ولذلك فإن النظم الإسلامية كلها يجب أن تكون مبنية على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر وبالبعث بعد الموت والمجازات بالعمل إن خيراً فخيرا وإن شراً فشراً، ولاشك أن النظم التي ترتكز على هذه القواعد العظيمة، وتعتبر مستمدة من المنهج الإلهي لا شك أنه سوف يكون لها قدسية في نفوس الناس وأثر كبير وهيبة عظيمة، وإن المسلم الذي يعتقد أنه أن أفلت في الدنيا من قبضة الحاكم فلن يفلح في الآخرة من قبضة الله سبحانه وأنه له بالمرصاد، وأن أعماله وحركاته وسائر تصرفاته مرصودة وأن أنفاسه محسوبة معدودة.
следующие страницы →