Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.
стр. 14561
أولاً: في الجانب التشريعي الاجتهادي: أي الأحكام الاجتهادية فيما لم يرد به النص كما في حالة سن الأنظمة اللازمة للناس، كأنظمة البلديات والمرور، وأنظمة العمال والموظفين والشركات وأصحاب المهن المختلفة، وغير ذلك مما يستجد من أمور الناس وشئون الحياة، فيجب على كل من يضعون هذه الأنظمة ويسنونها أن يراعوا جانب العدالة فيها، فلا يغلبوا مصلحة فئة على فئة أخرى، ولا جانباً على جانب، إلا بحق واضح تقتضيه مصلحة عامة راجحة، ويجب أن تكون هذه الأنظمة وأمثالها متمشية مع أصول الشريعة منسجمة مع قواعدها الكلية، غير متعارضة مع أحكامها الثابتة ولا متباينة مع الأهداف والغايات والمقاصد التي توخاها الشارع واعتبرها.
ثانياً: في الجانب التطبيقي: فيجب على الحاكم أن يتقي الله في حكمه، ويتحرى العدالة في تطبيق الأحكام التي أنزلها الله، فلاشك أنها عادلة، ولكن التطبيق قد يكون جائراً، فعليه أن يتقي الله فلا يحكم بأي حكم اجتهادي تبين له ظلمه وإجحافه، وعليه أن يعترض عليه ويبدي رأيه فيه.
الثالثة: الرحمة:
إن الرحمة تعتبر أمراً زائداً على العدالة، فالعدالة رحمة ولاشك، ولكن الرحمة عدالة وزيادة، أما العدل فإن فيه رحمة للكافة وللمجتمع بصفة عامة، ولكن قد لا يكون فيه رحمة للمحكوم عليه في ظاهر الأمر، مع أنه في الحقيقة رحمة، إذا نظرنا إلى المسألة نظرة ثاقبة تنفذ من الدنيا إلى الآخرة.
ويرى الأستاذ محمد أبو زهره ﵀ خلاف ذلك، فهو يرى أن الرحمة والعدل مترادفان، فهو يقول: ولذلك كانت رحمة النبوة الأولى هي العدل، فالعدل في ذاته هو الرحمة الشاملة، ويقول: فالعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية [١٧] .
стр. 14562
ولكني أقول ليس الأمر كذلك، لأن الرحمة أوسع وأشمل، فهي كما قلت عدل وزيادة، وكل الأطراف ترضى بالرحمة، ولكن ليس كلها يرضى بالعدل، مع أن العدل يعتبر رحمة عامة ولكنه قد لا يكون كذلك في ظاهره ومما يدل على ذلك حديث رسول الله ﷺ في قصة الزبير مع الأنصاري فإنه في أول الأمر قال: "إسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فلما غضب الأنصاري واتهم رسول الله ﷺ بالتحيز لابن عمته. قال ﷺ : "يا زبير إسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فإن الحكم الأول لرسول الله ﷺ مبني على الرحمة، فقد أمر الزبير بأن يسقي أرضه شيئا يسيرا ثم يرسل الماء، ولم يعطى الزبير كامل حقه، فإنه قريبه ويدل عليه فلما تبين هذا الموقف من هذا المنافق، حكم بالعدل وأعطى كل ذي حق حقه، وقد أشار. إلى هذا المعنى الإمام النووي- ﵀ في شرح مسلم [١٨] .
وكذلك حديث الرجل الذي كان منقطعا لعبادة الله مدة طويلة، فلما مات سأله الله تعالى هل أدخلك الجنة بعملك أم برحمتي؟. فقال: بل بعملي، فلما حاسبه الله بالعدل استوجب النار، لكن الله سبحانه عامله بالرحمة التي هي أوسع من العدل فأدخله الجنة.
وقد جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة كلها تصف هذه الشريعة بالرحمة، وتصف رسول الله ﷺ بها، وتصف المسلمين بالتراحم بينهم وتأمرهم به، يقول جل ذكره في معرض وصفه لرسول الله ﷺ : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ . (الأحزاب: ٤٣) . وعن المؤمنين: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . (الفتح:٢٩) وكان رسول الله ﷺ ينهى عن قتل المرأة الكافرة، والطفل والشيخ الكبير والمنقطعين للعبادة من الرهبان وغيرهم، ما لم يشتركوا في الحرب، وفي الحديث: "من لا يرحم لا يرحم ". والآيات والأحاديث والوقائع في هذه كثيرة لا تنحصر.
стр. 14563
الرابعة: اليسر:
من مزايا التشريع الإسلامي الاتجاه إلى التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في الحرج والضيق والمشقة وهذا واضح من الآيات والأحاديث الكثيرة يقول جل ذكره: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . (البقرة: ١٨٥) . ويقول سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم﴾ . (النساء: ٢٨) .
ويقول : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . (الحج: ٧٨) . وفي الحديث: "يسروا ولا تعسروا" [١٩] . وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما" [٢٠] .
وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد قال لهم ﵊: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". أخرجه البخاري عن أبى هريرة.
وهذا واضح في العبادات من صلاة وصوم وحج، وكذلك في المعاملات فإنها مبنية على التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في المشقة والحرج، أما فيما يتصل بحقوق الناس إن كانت في الأموال أو الدماء أو الأعراض، فهذه ينبغي أن يمكن صاحب الحق من حقه، ولكن برفق كما قال جل ذكره: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ . (البقرة:١٧٨) . لذلك فإن أي نظام يسن ينبغي أن يراعى فيه التيسير والرفق بمن وضع لهم والرحمة بهم.
الخامسة: الحكمة:
تعرف الحكمة بأنها وضع الشيء في موضعه المناسب، وعرفها العلامة محمد الأمين الشنقيطي- ﵀ بقوله: والحكمة في الاصطلاح هي وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها [٢١] .
стр. 14564
وتلاحظ الحكمة في التشريع الإسلامي في عدة مواضع , فمنها فيما يختص بالإرث وتقسيمه بنسب معينة , نلاحظ أنها في منتهى الحكمة , فعندما نقارن بين أنصبة البنين والبنات والأخوة والأخوات والأبوين والزوجين , نجدها تتناسب مع مسئولياتهم ومع واجباتهم وصلتهم بالميت ,وعندما نلاحظ العقوبات وتفاوتها من حد إلى حد ومن جناية إلى جناية نجد التناسب التام والانسجام الدقيق العقوبة والجريمة , وكذلك نجد الحكمة في تفاوت أنصبة الزكاة ومقاديرها من مال إلى مال , كذلك العبادات فأحكامها في غاية الحكمة ,وهذا شأن التشريع الإسلامي وصفته المميزة له الحكمة , فهو من لدن عليهم حكيم , وقد تكلم ابن القيم –﵀ –في كتابه المشهور أعلام الموقعين, عن هذا الموضوع بالتفصيل, وأورد كثيراً من الشبه وردها , وبين الحكمة في تفاوت العقوبات من ذنب إلى ذنب ومن جناية إلى أخرى, كما بين الحكمة فيما شرع من التماثل بين الجناية والجزاء , والحكمة فيما لم يشرع فيه التماثل , كما تطرق إلى كثير من الأحكام وبين وجه الحكمة في الاختلاف والاتفاق في كثير من صورها وفروعها , وذالك في حديثه عن القيس وهو كلام جيد نقيس [٢٢] .
السادسة: الخلود والديمومة:
стр. 14565
كما ألمحت آنفاً أن هذا التشريع يمتاز بأنه خالد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يتطرق إليه التعديل أو التبديل، لذلك فإننا نلاحظ هذه الشريعة مرنة في أحكامها، ولكنها راسخة الأصول، أو كما وصفها أحد الكتاب شجرة ثابتة الأصول متحركة الفروع، ومما يدل على خلود الشريعة وديمومتها واستمرارها وشمولها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . (الصف: ٩) . فهذا نص مطلق غير مقيد بزمر وكذلك قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . (الحجر: ٩) . وفي الحديث: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم". رواه مسلم.
السابعة: العناية بالدنيا والآخرة:
إن من المميزات الرئيسية للتشريع الإسلامي بصفة عامة، أنه شامل للدنيا والآخرة، علاج للظاهر والباطن، فهو لا يكتفي بعلاج الظاهر دون الباطن، ولا يكتفي بالحديث عن الدنيا دون الحديث عن الآخرة.
ولذلك فإن النظم الإسلامية كلها يجب أن تكون مبنية على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر وبالبعث بعد الموت والمجازات بالعمل إن خيراً فخيرا وإن شراً فشراً، ولاشك أن النظم التي ترتكز على هذه القواعد العظيمة، وتعتبر مستمدة من المنهج الإلهي لا شك أنه سوف يكون لها قدسية في نفوس الناس وأثر كبير وهيبة عظيمة، وإن المسلم الذي يعتقد أنه أن أفلت في الدنيا من قبضة الحاكم فلن يفلح في الآخرة من قبضة الله سبحانه وأنه له بالمرصاد، وأن أعماله وحركاته وسائر تصرفاته مرصودة وأن أنفاسه محسوبة معدودة.
стр. 14566
لاشك أن مثل هذا الاعتقاد وهذا التصور له دور كبير في تهذيب النفوس وصقلها وردعها عن الشرور وزجرها عن الجريمة، ولذلك نلاحظ أن النصوص الإسلامية لم ترد مجرد أوامر جافة، بل نجدها تخاطب في الإنسان قلبه ولبه وضميره وأحاسيسه، وتحرك كوامن الإيمان فيه وتوقظ ضميره، إن كنتم مؤمنين، لعلكم تتقون، لعلكم تذكرون، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ... الخ.
فمثل هذا الخطاب يحرك جذوة الإيمان في نفس المسلم، فيكون أدعى للاستجابة وأقرب للالتزام والانضباط.
وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي لا ترتكز على دعائم من الإيمان في جوهرها، ولا تراعي أحاسيس الإنسان ومشاعره في أسلوبها، فهي مجرد أوامر ونواه جافة، تكتفي بعلاج الظاهر والحديث عن الدنيا على ضعف في العلاج وقصور في الحديث وركاكة في الأسلوب.
الثامنة: العصمة والصدق:
يعتبر هذا التشريع معصوما عن الخطأ، معصوما عن التحريف والتبديل والتغيير، كما يعتبر مصيباً في أحكامه لأنه من عند الله، صادقا في أخباره ووعده ووعيده. يقول جل ذكره في حق الرسول ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ . (الحاقة: ٤٤-٤٧) . ويقول سبحانه حكاية عن المشركين: ﴿ائْت بقرآن ئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ . (يونس: ١٥) .
ويقول الشاطبي ﵀ في كتابه الموافقات: إن هذه الشريعة معصومة كما أن صاحبها ﷺ معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة ثم أورد دليلين:
أحدهما:
стр. 14567
من القرآن فاستدل بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ .
والثاني:
دليل الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن [٢٣] .
وكما يعتبر معصوما فإنه يعتبر صادقا مصيبا يقول جل ذكره: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ . (سورة النساء: ٨٧) . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ . (النساء: ٢٢ ١) . ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ . (الإسراء: ٩) . ويقول جل ذكره متحدثا عن القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . (النساء: ٨٢) . وفي الحديث: "إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد".
والتشريع الذي يتميز بالعصمة والصدق والإتقان وعدم التفاوت والاختلاف، لاشك أنه التشريع الواجب الاتباع.
التاسعة: السلطة التشريعية في التشريع الإسلامي:
جعلها الله في أهل الذكر من العلماء، وهم المجتهدون الذين يكلفهم الشارع استنباط الأحكام للوقائع من النصوص أو الأمارات، على وفق نظم الإسلام وقواعده من غير جور ولا تحيف، بخلاف السلطة التشريعية في القوانين، فإنها تتولاها هيئة معينة يحددها دستور الدولة، وقد يكون الخطأ أقرب إليها من الصواب [٢٤] .
هذه بعض المزايا التي وقفت عليها أو وفقت إليها، وقد يكون فيها شيء من التداخل أو الازدواج وقد يكون بعضها مستلزما للبعض الآخر، ولكن زيادة في الإيضاح وحرصا على التبليغ أفردتها في فقرات ليسهل استيعابها والرجوع إليها.
وبهذه المناسبة فقد لاحظت أن بعض الكتاب في حديثهم عن مزايا التشريع الإسلامي، يتكلمون عن مزايا التشريع الجنائي، فبعض الباحثين يرى أن التشريع الجنائي الإسلامي له خصائص معينة تميزه عن أقسام التشريع الأخرى فمن ذلك فيما يرى هؤلاء:
أولاً: التدرج:
стр. 14568
يقول الأستاذ أحمد فتحي بهنسى في كتابه السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية: إن سياسة التجريم التي ينهجها أي مشرع وضعي تأتي تدريجا، وخاصة إذا كانت الأفعال التي يخضعها للتجريم مباحة في الأصل.
وهذه السياسة هي التي سبقت بها الشريعة الإسلامية منذ القدم، ونذكر أمثلة التجريم التي يظهر فيها هذا التدرج التشريعي في الشَريعة الإسلامية. ثم أورد بعض الأمثلة منها حد الزنا [٢٥] .
والزنا باعتباره جريمة حرم دفعة واحدة، ولم يتدرج فيه ولكن التدرج حصل في العقوبة فقد كانت الحبس والإيذاء، ثم صارت الجلد والتغريب أو الرجم.
ثم ذكر حد شرب الخمر [٢٦] . وفعلا فقد حصل- التدرج في تحريمها بوضوح حيث أن- المجتمع في ذلك الوقت قد ابتلي بعادة الشرب وارتكس فيها.
ولكن ينبغي أن يلاحظ أن هذه المحرمات التي حرمت بالتدرج، أو فرضت عقوباتها بالتدرج، أن هذا أمراً خاصا بها، وفي ذلك الوقت خاصة. فإنه بعد تحريمها بصفة نهائية لا يجوز التدرج في تحريمها، في حق المجتمع الآخر ولا يقاس عليها غيرها من الجرائم، ولو توافرت في هذا المجتمع مثل هذه الظروف.
стр. 14569
والحكمة في التدرج والله أعلم هو أن المجتمع الإسلامي في أول أمره كان ضعيفاً قليل العدد، ولم تكن له القاعدة الشعبية التي تحميه وتؤازره، في حالة الرفض وعدم الاستجابة من قبل الآخرين، فلما قوى المجتمع الإسلامي وازداد عدد المسلمين لم تكن هناك حاجة للتدرج، يدل لذلك أنه في عهد رسوله الله ﷺ وفي آخر أيام حياته وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين لما فتحوا بلاد الكفار من النصارى والمجوس وغيرهم لم يتدرجوا معهم في التحريم والتجريم والعقوبة، مع أن هذه المجتمعات كانت قد ابتليت بالزنا والربا وشرب الخمر، ومع ذلك فقد ابلغوا بالإسلام كاملا، وطولبوا بالالتزام به جملة واحدة، ويدل لذلك موقف الرسول ﷺ مع بعض الوفود، كوفد عبد القيس، ووفود اليمن وثقيف، فإنهم عندما أسلموا استأذن بعضهم رسول الله ﷺ في شرب الخمر لأنهم يحتاجون إليها للتدفئة فلم يأذن لهم رسول الله ﷺ وعندما قال أحدهم: إن الناس ليسوا بتاركي هذا الشراب أمره رسول الله ﷺ جمالها بمقاتلتهم، ومنهم من استأذن في الزنا أو في ترك الصلاة فكلهم لم يأذن لهم رسول الله بذلك، فلو أن هناك تدرجاً لاستجاب لهم رسول الله ولتدرج معهم.
ولكن لا مانع أن تستخدم سياسة التدرج في التجريم والعقوبة في الجرائم التعزيرية، فعندما يبتلى الناس بعادة سيئة، أو ينتشر بينهم خلق دميم، فلا مانع من التدرج في تحريم ذلك بتتبع مصادره أولا، وإيجاد البديل عنه، ثم تحريمه ثانيا، والمعاقبة على فعله بالعقوبة المناسبة.
ثانياً: عدم رجعية التشريع الجنائي على الماضي:
وينبني على هذا التدرج التشريعي أن المذنب لا يعاقب إلا بمقتضى النص الذي يكون ساريا وقت ارتكابه جريمته، أي أن النص لا ينسحب على ما مضى من الوقائع، ثم أورد بعض الأدلة من القرآن.
стр. 14570
ثالثا: الاقتصار على الكليات دون الجزئيات والعموميات دون الخصوصيات: ثم تكلم عن النسخ. والواقع أن ما أشير إليه من هذه الأمور على أنها خصائص التشريع الجنائي لا يبدوا ذلك واضحا، بل الذي يظهر أن هذه الأمور ليست خاصة بالتشريع الجنائي دون غيره من أقسام التشريع الإسلامي، إن كانت في العبادات، أو الشئون المالية أو الأسرية أو شئون الحرب.
فكثير من التشريعات نلاحظ فيها التدرج كالزكاة والصلاة والصيام والجهاد، فليس التدرج مقتصرا على التجريم والعقوبة، بل نستطيع أن نقول أن التدرج يعتبر صفة عامة للتشريع الإسلامي.
كذلك عدم رجعية التشريع الجنائي على الماضي ليست مقتصرة على الجنايات بل هي صفة عامة للتشريع الإسلامي بجميع أقسامه، والآية التي يستدلون بها وهى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . (الأنفال: ٣٨) . وردت عامة مطلقة في كل شيء من الجنايات وغيرها.
أما الاقتصار على الكليات دون الجزئيات والعموميات دون الخصوصيات، والنسخ فهذه المسائل من الوضوح بحيث لا يحتاج الأمر إلى الكتابة عنها، فهذه من المسائل الخاصة بكثير من الأحكام كالمعاملات، والشئون الاقتصادية ونظام الحكم، وليست مقتصرة على قسم دون آخر، وليس من المناسب الإشارة إليها في معرض الحديث عن خصائص التشريع الجنائي لأنها عامة تشمل كثيراً من الأحكام كما ذكرت.
ومن هذا يتضح لنا أن التشريع الجنائي الإسلامي ليست له خصائص تميزه عن بقية أقسام التشريع، هذا إذا نظرنا إلى التشريع الجنائي بمفهومه العام الذي يدخل فيه الاعتداء على حقوق الله سبحانه وحقوق الناس والاعتداء على الأموال والأعراض والأبدان.
إنما نلاحظ في التشريع الجنائي الخصائص المشار إليها في التشريع الإسلامي بصفة عامة من عدالة وحكمة ورحمة ويسر وغير ذلك من المزايا التي أشرنا إليها.
стр. 14571
وجوب تطبيق التشريع الإسلامي والالتزام به وتنفيذه:
إن التشريع الإسلامي على اختلاف أقسامه إن كان جنائيا أو مالياً أوفي العبادات أو في الحرب وشئونها، يعتبر روح الأمة الإسلامية، فبدون هذا التشريع لا يعتبر للأمة الإسلامية كيان ولا وجود، إلا وجودا شكلياً وكياناً صوريا، أي كالجسد الميت الذي لا روح فيه ولا حياة.
وما لم ينفذ المسلمون حكاما ومحكومين التشريع الإسلامي في كل مجالات الحياة، فإنه في هذه الحالة لا يعتبر لهم وجود شرعي، ولا كيان حقيقي، فالمسلمون ملزمون بتطبيق الشريعة الإسلامية خاصة ولاة الأمر، يقول جل ذكره: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الجاثية: ١٨) . فاتباع الشريعة واجب في كل ما جاءت به من كليات أو جزئيات وأصول أو فروع، والحكم بما أنزل الله واجب لابد منه في حق الحكام والمحكومين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . (المائدة: ٤٤) . ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . (المائدة: ٤٥) . ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . (المائدة: ٤٧) . ويقول سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥) . ويقول ﵊: "والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". وفي الحديث: "وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ".
إن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى زيادة تفصيل، يدركها كل مسلم يتلو كتاب الله ويتدبره، ويقرأ أحاديث رسول الله ﷺ ويفقهها.
стр. 14572
وينبغي أن نلاحظ أنه لابد من تطبيق الشريعة عامة بكل أحكامها، وإلا فلا يعتبر المجتمع ملتزما بشريعة الله ولا مطبقا لها، يقول جل ذكره: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . (البقرة: ٨٥) .
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ . (النساء:١٥٠-١٥١) . فلاشك أن الذي يطبق الإسلام في جانب ويحول بينه وبين التطبيق في جانب آخر، لاشك أن هذه الآيات تنطبق عليه وهو على خطر عظيم من الكفر والنفاق. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] في ظلال القرآن: (ج١ص٢٢٨) .
[٢] مدخل الفقه الإسلامي: الدكتور محمد سلام مدكور.
[٣] الإسلام عقيدة وشريعة: محمود شلتوت: (ص٢٢) .
[٤] متفق عليه.
[٥] رواه أبو داود والترمذي.
[٦] المدخل لدراسة الفقه الإسلامي: الدكتور محمد يوسف موسى.
[٧] منهج التشريع الإسلامي وحكمته: (ص٢٣) .
[٨] تفسير ابن كثير: (ج٢ص٥٨٢) .
[٩] تفسير الرازي: (ج٢ص٢١١) . وراجع تفسير القرطبي: (ج٦ص٤٢٠) . وأضواء البيان للشنقيطي فقد تكلم على هذه الآية بإسهاب ونقل كلاما للسيوطي من كتابه الإكليل في استنباط التنزيل حول هذا المعنى: (ج٣ص٣٠٦) .
стр. 14573
[١٠] رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
[١١] الوفا بأحوال المصطفى: (ج١ص٣٧١) .
[١٢] أخرجه الب خاري. انظر فتح الباري: (ج١١ص٤٩٤) .
[١٣] مدخل الفقه الإسلامي: الدكتور محمد سلام مدكور: (ص١٣) .
[١٤] انظر رسالة البرهان والدليل على كفر من حكم بغير التنزيل: أحمد بن ناصر المعمر: (ص٤٨) .
[١٥] ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (ج١ص١٠٩) . وانظر كذلك الوفى بأحوال المصطفى لابن الجوزي: (ج٣ص٤٢٥) .
[١٦] الشفا: (ج٢ص١٩٩) .
[١٧] الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: القسم العام. (ص٦-٧) . محمد أبو زهره.
[١٨] شرح مسلم للإمام النووي: (ج١٥ص١٠٨) .
[١٩] الحديث متفق عليه. انظر رياض الصالحين للنووي بتحقيق الألباني: (ص٧٥) .
[٢٠] الحديث متفق عليه. انظر رياض الصالحين للنووي بتحقيق الألباني: (ص٧٦) .
[٢١] منهج التشريع الإسلامي وحكمته.
[٢٢] انظر أعلام الموقعين: (الجزء الثاني من أوله إلى ص ١٨٧)
[٢٣] الموافقات: (ج٢ص٤٠) .
[٢٤] مدخل الفقه الإسلامي: محمد سلام مدكور: (ص٢٣) .
[٢٥] السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية: (ص١٠) .
[٢٦] السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية: (ص١٠) .
стр. 14574
مَنْهَجُ السَّلَفِ في العَقِيدَةِ وأثَرُهُ في:
وحدَةِ المُسلِمِينَ
الدكتور صالح سعد السحيمي
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
وبعد:
فهذا جهد متواضع أساهم به لبيان المنهج الذي كان عليه السلف الصالح في العقيدة ومدى مخالفة الناس لذلك المنهج مما فرق كلمة المسلمين وأضعف وحدتهم.
стр. 14575
وجعلت عنوان البحث: منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين وقد حملني على ذلك إهمال كثير من الباحثين لهذا الجانب، أعني جانب العقيدة، والذي هو العامل الأول والركيزة الأساسية التي ينبني عليها كيان المجتمع الإسلامي، وتنضوي تحت لوائها صفوف المسلمين. منها يستلهمون طريق وحدتهم، وعلى ضوئها يشقون طريقهم إلى أعلى قمم المجد والعلى وبهداها ومبادئها القيمة يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأمصار والأقطار، ولقد كثرت المؤلفات والخطب والمحاضرات والمواعظ والندوات التي تنادي بنجدة المسلمين وجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم بالأساليب المتعددة، وطرح الحلول الكثيرة، لكن هذه الأساليب والحلول، ناقصة وغير تامة نظراً لاهتمامها بالجوانب الفرعية فقط. فنجد أن جماعة ممن يهتمون بعوامل التضامن الإسلامي يركزون جل اهتمامهم على الجانب السياسي. ونجد جماعة أخرى تركز على الجانب الأخلاقي، ونجد جماعة ثالثة تركز على جوانب الترغيب والترهيب والزهد والورع. وقلّ أن تجد بين هؤلاء من يهتم بالجانب الأساسي والركن العظيم، والذي هو الحصن الحصين، والمنطلق المتين لجمع كلمة المسلمين، ألا وهو عقيدة التوحيد الذي جمعنا الله به بعد الفرقة، وألف بين قلوبنا بعد التمزق, حتى أصبحنا به أمة واحدة ذات هدف واحد ومنطلق واحد , وعقيدة واحدة , هي مصدر عزتنا , وعنوان سعادتنا , ومناط وجودنا في هذه الحياة. إنها عبادة الله الذي لا إله غيره , ولا رب سواه إنه الهدف الاسمي , والمقصد الأعلى الذي خلقنا الله له , وأوجدنا من أجله , كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
стр. 14576
إذا تأملنا هذه الآيات الكريمة وما جاء في معناها، وما أكثره في كتاب الله، وجدنا أن أساس كل عمل في الإسلام إنما ينطلق من العقيدة، ويرتكز عليها، كما يرتكز البناء على أركانه.
والبيت لا يبتنى إلا له عَمدٌ
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
إذا عرفنا ذلك فإن أية دعوة إلى التضامن الإسلامي، إذ لم ينطلق أصحابها من هذا المبدأ الأساسي، ولم تؤسس على هذا البناء الراسخ، ولم تقم على تحقيق التوحيد، وتخليصه من شوائب الشرك، والبدع، والمعاصي، فإنها دعوة سيكتب لها الفشل لا محالة. عاجلاً أم آجلاً لأن البناء، لا يقوم في الهواء ولا يمكن تشييده إلا على أرض صلبة حتى لا يتعرض للانهيار يوماً من الأيام.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وحينما نقول إن مبنى التضامن الإسلامي على عقيدة التوحيد وعندما ندعوا إلى وجوب الانطلاق من هذا المبدأ، فإن ذلكَ لا يعنى إهمال الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها أو إلى بعضها في ما مضى، وإنما نعني وجوب التأسيس وذلك بأن نبدأ أعمالنا كلها من هذا المنطلق.
стр. 14577
فعلى ضوئه تكون السياسة، وعلى منهجه تبنى الآداب والأخلاق، وفي حدوده ندعو إلى الترغيب، والترهيب، وعلى مبادئه يوجد بإذن الله المجتمع الإسلامي الصالح المنشود، وتوجد السعادة البشرية في الدنيا والآخرة، ويعود الناس إلى دين الله أفواجاً فينعمون بالخير، والأمن، والطمأنينة وفق هدى العقيدة الخالصة الوارفة الظلال، فيتخلصون بذلك من أدران الوثنية، وأوضار الجهل، وحينئذ تصفو قلوبهم، وتخلص لله وتخلع ربقة الشرك الذي ران عليها سنين طويلة، والذي هو أعظم ذنب عصي به الله ، منذ أن انحرف الناس عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من الإفراط والتفريط والغلو والتقصير، فلقد كان الإنسان في أول خلقه على المنهج الرباني الصحيح، عقيدة وسلوكا، وأخلاقاً، وعبادة، ومعاملة، حقبة من الزمن.
стр. 14578
يذكر علماء التاريخ، والسير بأنها تقدر بعشرة قرون، إلى أن بدأ الانحراف في العقيدة، في أولئك القوم الذين بعث الله فيهم نوحاً ﵊، بعد أن زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، والأوثان، بسبب الغلو في الصالحين. فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت". فانظر كيف بدأ الانحراف عن الصراط السوي نتيجة للغلو، بطريق التدريج، وذلك أنهم كانوا يتبركون بدعائهم، وكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها زمناً طويلاً إلى أن عبدوها باستدراج الشيطان لهم. ثم صارت سنة في الناس يهرم عليها الكبير، ويشب عليها الصغير إلى أن بعت الله فيهم نوحاً ﵊ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة ما سواه فأصروا واستكبروا استكباراً، ولم يؤمن منهم إلا النزر اليسير.
وما كان عليه حال قوم نوح هي نفس الحال التي ارتكس فيها الناس بعد ذلك من الغلو، ومجاوزة الحد، واتباع الهوى الذي أدى بالناس إلى عبادة غير الله . وأخطر هذه الأسباب هو الغلو الذي حذر الله منه في غير ما آية.
والغلو هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ . وكذا قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ . أي لا تتعدوا ما حد الله لكم.
стр. 14579
وأهل الكتاب هنا، هم اليهود، والنصارى، فنهاهم عن الغلو في الدين، ونحن كذلك، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
والغلو كثير في النصارى فإنهم غلوا في عيسى ﵊، فنقلوه من حيز النبوة إلى أنْ اتخذوه إلهاً من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلو فيمن زعم أنه على دينه من اتباعه، فادعوا لهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أم باطلاً، ناقضتهم اليهود في أمر عيسى ﵊، فحطوا من منزلته حتى جعلوه ولد بغي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بافراط أو تفريط، وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم، كالخوارج المارقين من الإسلام الذين خرجوا في خلافة علي بن أبى طالب ﵁، وقاتلوهم حين خرجوا على المسلمين بأمر النبي ﷺ ، كما ثبت ذلك من عشرة أوجه في الصحاح، والمسانيد وغير ذلك، وكذلك من غلا في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية، والمعتزلة. وقال أيضاً: فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان، قد يمرق أيضاً من الإسلام، وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أهـ.
стр. 14580
وهذا الكلام يدل دلالة واضحة على أن أعظم فتنة ابتليت بها البشرية إنما هي فتنة الغلو الذي جاء التحذير منه في غير ما آية وحديث، وقد تقدم من الآيات ما يوضح ذلك. أما الأحاديث فمنها ما ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". وثبت في سنن أبي داود والترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إياكم والغلو فإن ما أهلك من كان قبلكم الغلو".
وهذه نصوص صريحة، وواضحة في أن سبب الانحراف عن العقيدة الصحيحة والفطرة السليمة إنما هو ذلك الغلو ومجاوزة الحد الذي أدى بالتالي إلى صرف العبادة لغير الله ، الأمر الذي من أجله بعث الله الرسل لإعادة الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ذلكم هو الهدف الأسمى الذي أوجد الله من أجله الثقلين، الجن، والإنس. فكل عاقل في هذا الوجود يعرف أنه مخلوق لخالق، ومربوب لرب أوجده بعد العدم.
لو طرح سؤال مفاده: لماذا خلقت في هذه الحياة؟ ولماذا فضلت على سائر الكائنات الأخرى؟ وما هي مهمتك في هذه الحياة؟.. فإن الجواب عند المؤمن حاضر بكل بساطة: إن كل صانع يعرف سر صنعته، لماذا صنعها.. ولماذا صنعها على نحو معين دون غيره ...
والله تعالى هو صانع الإنسان وخالقه، ومدبر أمره فلنسأله: يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟ هل خلقته لمجرد الطعام والشراب.؟ هل خلقته للهو واللعب؟ هل خلقته لمجرد أن يمشي على التراب، ويأكل مما خرج من التراب، ثم يعود كما كان إلى التراب، فإذا لم يكن الأمر كذلك فما سر هذه القوى والملكات التي أودعها الله الإنسان من عقل وإرادة وروح.
стр. 14581
لقد جاء جواب ذلك بما يشفي، ويكفي في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، حيث نص ﵎ على أنه خلق هذا الإنسان ليكون خليفة في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وهذه الخلافة معناها أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته، ويعبده حق عبادته.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ .
ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ .
وإذن، فالجواب البدهي الذي تنطق به الفطرة في هذا الكون، أن الإنسان عبد لله خلق لذلك، وسخر الله له ما في السماوات، وما في الأرض، من أجل تحقيق الغرض.
ومن هنا يعلم كل ذي فطرة سليمة، وعقل متجرد، أن عبادة الإنسان لقوى الطبيعة ومظارها من فوقه، ومن تحته كالشمس، والقمر، والنجوم، والأنهار، والأبقار، والأشجار، ونحوها قلب للوضع الطبيعي، وانتكاسٌ بالإنسان أي انتكاس!!
والإنسان إذن , بحكم فطرته، ومنطق الكون، إنما هو مربوب لله سبحانه لا لغيره، لعبادته وحده، لا لعبادة بشر، ولا حجر، ولا بقر، ولا شجر، ولا شمس، ولا قمر، وكل عبادة لغير الله إنما هي من تزيين الشيطان عدو الإنسان.
стр. 14582
ولذا نرى أول نداء يوجهه الله لرسله هو الأمر بعبادته، وبيان أنه لا إله غيره، ولا رب سواه، اقرأ مثلا: قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
هذه العبادة لله وحده هي العهد القديم الذي أخذه الله على بني الإنسان، ورسخه في فطرهم البشرية، وغرسه في طبائعهم الأصيلة، منذ خلقهم، وصورهم، وجعلهم في أحسن تقويم، وأوجد فيهم العقل الواعي، الذي يتميزون به على سائر الكائنات، وجعل كل ما حولهم من الآيات البينات دليلاً قاطعاً على وحدانيته سبحانه، وإفراده بكامل العبودية، وأخذ العهد عليهم حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
ومن هنا نعلم أن كل عبادة لغير الله، وإن ظهرت في صورة عبادة حجر، أو شجر، أو مدر، أو هوى، إنما هو من إيحاء الشيطان، وتزيينه، ووسوسته بشكل مباشر أو غير مباشر، بغض النظر عن القالب الذي ظهرت فيه تلك العبادة، ولذا نرى أنَّ الله ﵎ قد أخذ العهد على بني آدم منذ أن كانوا في صلب أبيهم آدم.
هذا العهد بين الله وعباده، هو الذي صوره القرآن في أروع صورة، وبلاغة، حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
стр. 14583
فلا عجب أن يكون المقصود الأعظم من بعثة النبيين وإرسال المرسلين، وإنزال الكتب المقدسة، هو تذكير الناس بهذا العهد القديم، وإزالة ما تراكم على معدن الفطرة من غبار الغفلة أو الوثنية، أو التقليد الأعمى.
ولا عجب أن يكون النداء الأول لكل رسول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
بهذا دعا قومه، نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب وكل رسول بعث إلى قوم مكذبين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وقال تعالى بعد أن ذكر قصص طائفة كبيرة من الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ .
وقد أمر الله نبيه محمداً ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي الموت. كما قال تعالى على لسان قوم: ﴿وكنا وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ وهو الموت. فالتكليف بالعبادة لازم له حتى يلقى ربه.
ولم تسقط عنه بسمو الروح، ولا بالاتصال القوى بالله كما يدعي غلاة الصوفية.
стр. 14584
وقال تعالى في شأن عيسى بن مريم الذي رفعه قومه إلى مرتبة الألوهية ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ .
ويعرض لنا القرآن مشهداً من مشاهد يوم الحشر. يسأل الله فيه المسيح ﵇ عما نسبوا إليه، وافتروه عليه، فيجيب في أدب العبودية متبرئا مما صنعوا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فالأديان كلها دعوة إلى عبادة الله وحده. والأنبياء جميعاً أول العابدين لله. وعبادة الله وحده هي- إذن مهمة الإنسان الأولى في الوجود كما بينت ذلك كل الرسالات.
стр. 14585
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه نوحاً﴾ . فقد دلت الآية الكريمة وما في معناها على وحدة الهدف والعقيدة التي هي محور دعوة جميع الرسل من لدن نوح ﵇ إلى خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولينقذهم من أوحال الشرك، وأدران الوثنية، فكان بذلك نبراساً للأمة ينير لها الطريق، ومشعلا يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يترسمون تلك الخطأ النبوية، ويستلهمون سر وحدتهم من صفاء العقيدة الخالصة التي لم تشبها شائبة، فأصبحوا بذلك سادة الدنيا، وفتح الله لهم أبواب الخير من كل مكان ورفعوا راية التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها. وكل عاقل يدرك أن هذا النصر المؤزر الذي حققه الله على أيديهم لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن بسبب العدد والعدة، وإنما تحقق ذلك، بسبب اعتمادهم على الله، والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وبدئهم بالأهم قبل المهم، وانطلاقهم في دعوتهم من تحقيق كلمتي التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله "، لأن ذلك هو الأساس الذي أمروا أن يبدءوا به، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
стр. 14586
ومن السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس قال: "لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.... الحديث ".
ومما يدل على أهمية العقيدة، وكونها أساس كل عمل، تكفيرها للذنوب والكبائر، إذا صدرت عن إخلاص وقوة إيمان، يدل لذلك ما رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص من حديث صاحب البطاقة حيث ينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يؤتى ببطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فتطيش السجلات، وتثقل البطاقة.
وإذاً فتوحيد الله تعالى، هو رأس الأمر كله، والجسد لا يستقيم بلا رأس، كما قال ﷺ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
وهذه نصوص صريحة دالة على وجوب البدء بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، قبل جميع التكاليف، لأن قبول جميع التكاليف مرهون بتحقيق ذلك، وهذا ما سار عليه السلف الصالح في دعوتهم، مما حقق النجاح في برهة وجيزة، أذهلت العقول، وتحطمت أمامها عروش الكفر والطغيان.
وقد استمر الأمر على هذا الحال ثم بدأ الانحراف بعد ذلك عن هذه الجادة بسبب الانصراف عن الكتاب والسنة الذين يجب أن نأخذ العقيدة منهما والاشتغال بالفلسفة والمنطق، اللذين لم يستفد منهما المسلمون غير تخريب العقيدة، والقيل, والقال، والجدل الذي لا طائل تحته ولا جدوى من ورائه حتى قال قائلهم:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
стр. 14587
الأمر الذي حدا بكثير من الناس إلى تعطيل صفات الله ، أو تفويضها، أو تأويلها، أو تمثيلها، وكذلك الحالة في عبادة الله حيث لم يقتصر الأمر على التقيد بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح في ذلك، حتى أصبح الناس في العبادة نتيجة لجهلهم بما كان عليه السلف الصالح من صحة الاعتقاد، أصبحوا ما بين مُفْرِطٍ ومُفَرِّطٍ، فالمفرطون أسرفوا في دعوى المحبة حتى أخرجهم ذلك إلى نوع من الرعونة والدعاوى التي تنافي العبودية، وتثبت الربوبية أو شيئاً منها لغير الله، ومعلوم أن الرب والمعبود هو الله وحده، ومع ذلك يدعي هؤلاء دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين- فضلاً عن عامة الناس، أو يطلب من غير الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله، لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ (يعنى شيوخ المتصوفة) وسببه: ضعفه تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وحددها الأمر والنهي، الذي جاءوا به، بل ضعْفُ العقل الذي به يعرف العبد حقيقته.
وإذا ضعف العقل، وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويكون سببا لبغض المحبوب له، ونفوره منه، بل سببا لعقوبته.
وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من أمور الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: "أي مريدٍ لي ترك في النار أحداً فأنا بريء منه، وقال الآخر: أي مريد لي ترك أحداً من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء".
فالأول: جعل مريده يخرج كل من في النار.
والثاني: جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار.
стр. 14588
ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم، حتى لا يدخلها أحد، وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين - وهي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم. أه.
وإذا كانت هذه المقالات الإلحادية قد وجدت في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية وقبله، فإن في عصرنا من الدعاوى التي تبلغ حد التأليه، ما هو أدهى وأمر.
من ذلك قول أحد زعماء الطرق الصوفية المعاصرين:
قد خصني بالفضل والتشريف
إن قلت كن يكن بلا تسويف
ويدعي هذا الكذاب الأشر أن رجلا نصرانيا دخل الجنة بسبب أنه عاشر امرأة من أتباع ذلك الشيخ، معاشرة غير شرعية مع أن المرأة التي عاشرها كما يقول ليست ملتزمة بالطريقة، ولكنه دخل الجنة ببركة شيخ الطريقة التي تنتمي إليها هذه المرأة، ويقول أحد الأفّاكين من هؤلاء إن من ضرورات مذهبهم أن لأئمتهم درجة لا يبلغها ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلى غير ذلك من المقالات الكفرية وإلحادية، القديمة والحديثة، والتي لا تكاد تعد ولا تحصى.
تُرى ماذا ترك هؤلاء الملاحدة لله من العبودية، إذا ادعوا بلوغ مثل هذه المراتب، وإذا سئلوا عن تفسير هذه التراهات، ادعوا أنهم كانوا في حالة سكر بحب الإله.
قال الشاعر في التهكم بهم ووصف أحوالهم التي يزعمون أنها عبادة:
ألا قل لهم قول عبد نصـ
ـوح وحق النصيحة أن تستمع
متى علم الناس في ديننا
بأن الغنا سنّةٌ تتبع؟
وأن يأكل المرء أكل الحمار
ويرقص في الجمع حتى يقع
وقالوا سكرنا بحب الإله
وما أسكر القوم إلا القِصَع
كذاك البهائمُ إن أُشْبعت
يرَقصها رِيُّها والشِبَعْ
ويسكره النايُ ثم العنا
ويس لو تليت ما انصدع
فيا للعقول ويا للنهى
ألا منكر منكمو للبدع
تهان مساجدنا بالسماع
стр. 14589
وتكرم عن مثل ذاك البيع
وقال آخر:
تُلي الكتاب فأطرقوا، لا خيفةً
لكنه إطراق ساهٍ لاهي
وأتى العناء، فكالحمير تناهقوا
والله ما رقصوا لأجل الله
دفٌ ومزمار ونغمةُ شادن
فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثَقُلَ الكتاب عليهمُ لماّ رأوا
تقييده بأوامر ونواهي
سمعوا له رعداً وبرقا, إذ حوى
زجراً وتخويفاً بفعل مناهي
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن
شهواتها، يا ذبحها المتناهي
وأتى السماعُ موافقاً أغراضها
فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه
أين المساعد للهوى من قاطع
أسبَابَه، عند الجَهول الساهي؟
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه
خمر العقول مماثل ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه
وانظر إلى النسوان عند ملاهي
وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه
من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي
وما وصفه الشاعر من أحوال هؤلاء الناس يعطى صورة حقيقية عن مدى الانحراف الذي وقعوا فيه حيث بلغ بهم الحال إلى اعتبار الرقص والغناء عبادة تقربهم إلى الله بدعوى أن تلك الرقصات والأنغام الصوفية إنما هي نابعة من قلب مفعم بالمحبة، فجعلوا محبتهم للخالق مشابهة لمحبة المخلوق للمخلوق من وجود العتاب، والعذل واللوم والغرام، ونحو ذلك مما يجب أن ينزه الله عنه. لأنه لا يليق بجلال الله وعظمته.
ولكن الدليل والبرهان على محبة القلب لله وخضوعه له إنما يتجسد في اتباع رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . فلا يكون محبا لله إلا من اتبع رسوله.
وطاعة الرسول، ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية.
стр. 14590
وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ﷺ ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر. وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة لشريعة الرسول وسنته وطاعته.
بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله، الجهاد في سبيله. والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به. وكمال بغض ما نهى الله عنه. ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ . ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم. وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد ﷺ ، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل.
"هذا صنف".
والصنف الثاني وهم المُفَرّطون الذين غلطوا في فهم حقيقة العبادة وهم الذين ظنوا أن المحبة تنافي أدب العبودية، ولا تصاحب خشية الله ومخافته التي يجب أن يتصف بها كل عبد لله. كما ظن أن المحبة لا تتحقق من المخلوق للخالق، إنما المطلوب منه الطاعة والخضوع فقط.
ولذا نجد بعضهم يقول اللهم إني أعبدك لا طمعاً في ثوابك ولا خوفاً من عقابك، فانظر يا أخي المسلم، كيف فصلوا بين العبادة وبين الخوف والخشية، والمحبة، والرجاء.
والحقيقة أن المحبة لا تنافي الخشية، والمخافة بل الخوف لازم للمحبة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له.
стр. 14591
وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه، راغباً راهباً، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ . إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه أو عدم حصوله مرغوبه، فلا يكون عبدا لله، ومحبه، إلا بين خوف ورجاء. كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ .
فقد دلت الآية الكريمة على أن كل عبد مخلص لله لابد أن يكون مع عبادته بين الخوف والرجاء، وقد نص العلماء ﵏ على أنه ينبغي للمسلم أن يُغلّب جانب الخوف في الصحة حتى لا يأمن من مكر الله، وأن يُغلَّب جانب الرجاء في المرض حتى لا ييأس من رَوح الله، والآية الكريمة نزلت في أناس من الإنس كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجن، وبقي الإنس على عبادتهم إياهم، فأَخبر الله تعالى، إن هؤلاء المدعوين يطلبون القربة إلى الله، ، بالعمل بما يرضيه، خوفاً من عقابه. وطمعاً في ثوابه، وهذا ينطبق على كل من يدعو غير الله في الوقت الذي يكون المدعو أحوج ما يكون إلى عبادة الله. كما يقال: "فاقد الشيء لا يعطيه"ومع ذلك نجد كثيراً ممن انتكست فطرتهم، يعكف عند ميت في قبره، يطلب منه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ويزعم أنه يعلم الغيب، ويعطي الولد، وغير ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله.
ولا نكاد نجد بلداً من بلاد الإسلام، إلا وفيه أنماط من هذه الطقوس التي حالت بين الناس، وبين فهم العقيدة الصحيحة. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى بيان تلك العقيدة الصافية، الخالصة، التي ترتكز على نصوص الوحيين الكتاب والسنة.
стр. 14592
فالإنسان في كل زمان، ومكان، في حاجة ماسة إلى عقيدة تحدد له غايته، وتوضح له منهجه الذي يسير عليه لتحقيق هذه الغاية، ولكنه عندما تنتكس فطرته، وتطول غفلته، وينقلب فهمه، حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن، عندها تتحول عقيدته إلى حجر يقدسه، أو شجر يعظمه، أو شمس تضيء نهاره، أو قمر ينير ليله، أو بحر تتلاطم أمواجه، أو نار تتلظى، أو حيوان يهابه، أو إنسان يكبر في نفسه، أو أي مخلوق يرى له فضلا عليه من ملك، أو جني أو نبي، أو ولي، ميت أو حي، فيتعلق من ذلك كله بما هو أوهى من خيوط بيت العنكبوت.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقد يكون ذلك منه لمجرد التقليد من غير وعي، أو تفكير: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ. أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ. بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ. وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ .
стр. 14593
وقد يكون الانحراف في العقيدة، باتباع الهوى الذي ذمه الله في غير ما آية، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ .
وفي هذا العصر الذي أدلهمت فيه الظلمات، وانقلبت فيه الحقائق، وتغير ت فيه المفاهيم، يتساءل الفرد المسلم عن طريق الخلاص، يتساءل وهو حائر بين هذه الجماعات المتصارعة، والأحزاب المتناحرة، والدعوات المتفرقة ذات المناهج المختلفة التي تدعي لنفسها السير على المنهج الصحيح.
وكل يدعي وصلاً لليلى
وليلى لا تقر لهم بذاك
وهذه الدعوات لا يخلو أمرها من حالين:
إحداهما: الخطأ في المنهج والسلوك:
كمناهج الطرق الصوفية التي ذكرنا فيما سبق بعض مقالاتهم الإلحادية التي لا تَمتُ إلى الدين بصلة بل صرفت اتباعها عن الاعتماد على الكتاب والسنة اللذين هما مصدر شريعة الإسلام.
والحال الثانية: الخطأ في الفكر:
كمثل جماعات الدعوة الإسلامية المعاصرة، والتي تنطلق في دعواتها من منطلق حزبي ضيق.
الأمر الذي بعد بهم عن منهج السلف الصالح، إذ أن هذه الجماعَات لم تؤسس بناء دعوتها على توحيد الباري جل وعلا. والعقيدة السلفية الصافية من الشوائب.
стр. 14594
فإن من تأثر بتلك الدعوات إن كان من أهل العقيدة أصلاً لا يكون ولاؤه لها، ولا يكون فكره متفقا معها، بسبب سيطرة هذه المناهج على أفكاره، حتى ماتت العقيدة في نفسه، فأصبح لا يدعو لها وإن كان يعتقدها، لكنه بعد عنها تحت تأثير المنهج الحزبي، لأنه يوالى، ويعادي على ذلك الفكر الضيق، الذي بني على غير أسس سليمة، فلا يكون للعقيدة مكان ولا مجال في التطبيق العملي، ولا تعطي ثمراتها الطيبة اليانعة، فهي لا تفيد معتقدها، لأنها قد فقدت روحها، فأصبحت، بلا روح كالجذوة التي استترت وانغمرت تحت الرماد.
وخطورة هذا الأمر لا تقل خطورة عن الجهل بالعقيدة، فإن من يعرف العقيدة ولا يدعو إليها، هو كالجاهل بها سواء بسواء. وهؤلاء إنما أصيبوا بالخرس عن الدعوة إلى العقيدة بدعوى أن ذلك يفرق الأمة، ويمزق كيانها. لأنهم يريدون أن يجمعوا تحت لوائهم من هب ودب. لا فرق في ذلك عندهم بين ملتزم بالعقيدة الصحيحة وغيره. إذ إن الهدف الذي يقصدونه هو مجرد الجمع دون تمييز.
وهذا منهج بلا شك سينتهي بأصحابه إلى الفشل الذريع نظراً لكونه قد بنى على غير أسس سليمة. وذلك أن أصحاب هذا المسلك أتوا من عدم الفهم، والإدراك الصحيح حيث لم يفرقوا في الدعوة، بين الأصول، والفروع، فتراهم يبدأون بالدعوة إلى بعض الفروع، ويزعمون أنه متى أقيم هذا الفرع، فإنه سوف يوجد الأصل تلقائيا، ولذا نرى كثيرا منهم يهتمون بالجانب السياسي، بدعوى أنه متى وجدت الدولة التي ينشدونها عند ذلك تصلح العقيدة، وغيرها، مما فسد من أحوال المسلمين، وهذا تصور غير صحيح، لأن صاحب هذا التصور ذكر شيئاً، وغابت عنه أشياء.
نعم الإسلام دين، ودولة، وعقيدة، وشريعة، ولكن يجب أن نأخذه كوحدة متكاملة بحيث ينطلق في سياسته، وجميع أموره أن العقيدة الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة، وهما كفيلان ببيان منهج الدعوة الإسلامية. كما فصلنا ذلك فيما تقدم.
стр. 14595
لا بمجرد الدعاية والأناشيد الحماسية والهتافات، والشعارات الجوفاء التي لم يستفد منها المسلمون سوى القضاء على الدعوة وأهلها في كثير من البلاد، حيث يهيجون الشباب المسلم، ويلهبون حماسه، ويستثيرونه، إلى أن يثور، ويتحرك، فيقع في أيدي الطغاة الظلمة، أعداء الإسلام والمسلمين، فيقضون على هؤلاء الشباب، ويهدرون هذه الطاقة نتيجة لذلك المسلك الخاطئ، الذي تسلكه تلك الجماعَات في دعوتها. وإذا أردنا، أن يتحقق للمسلمين، ما يصبون إليه وما يتطلعون إليه، من العودة بالمسلمين إلى الإسلام الصحيح، فعلينا أن نسلك بهم طريق التعليم، والتربية، وتفقيه الشباب المسلم في دينه، وتبصيرهم في ذلك حتى تزول بإذن الله تلك الشوائب التي علقت بالدين، ودعوته، وتلك الرواسب التي أكل عليها الدهر، وشرب، والتي انحرفت بالمسلمين عن الجادة الصحيحة التي رسمها الله ، في كتابه المبين، وبينها رسول الهدى ﷺ في سنته المطهرة، ولنا أسوة حسنة في أولئك الدعَاة المصلحين الذين أسسوا دعوتهم على عقيدة الإسلام، وبدأوا بتطهيرها من شوائب الشرك والخرافات.
الأمر الذي تحقق بسببه رفع راية التوحيد, خفاقة في ربوع الجزيرة العربية، بعد أن ران عليها الجهل، وخيم عليها الظلام، عدة قرون، وعاد كثير من الناس إلى الشرك، والخرافات، فانقشع ذلك الجهل، وتحول ذلك الظلام إلى نور، على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، الذي بدأ بتعليم الناس، العقيدة الصحيحة، وقامت بفضل هذه العقيدة، دولة التوحيد، منذ أن قام الإمام محمد بن سعود ﵀، مؤسس هذه الدولة المباركة بتبني، هذه الدعوة، فكتبَ الله لها بذلك النصر، والبقاء، وزالت مظاهر الشرك، والوثنية في برهة وجيزة، وهى لم تكن لتزول، لو لم تنطلق هذه الدعوة من روح العقيدة.
стр. 14596
ولست مبالغاً حينما أذكر هذه الحقيقة، فإنها حقيقة يسلم بها الأعداء؟ فضلا عن الأصدقاء، والحق محا شهدت به الأعداء.
وخلاصه القول أنه لا صلاح لنا، ولا فلاح، ولا نجاح لدعوتنا، إلا إذا بدأنا بالأهم، قبل المهم، وذلك بأن ننطلق في دعوتنا ثمن عتيدة التوحيد، نبني عليها سياستنا، وأحكامنا، وأخلاقنا، وآدابنا, ننطلق في كل ذلك أن هدف الكتاب، والسنة، بلا إفراط، ولا تفريط، ذلكم هو الصراط المستقيم، والمنهج القويم، الذي أمرنا الله تعالى، بسلوكه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . وقال رسول الهدى ﷺ :"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي ".
ويقول الإمام مالك بن أنس ﵀:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
اللهم إنا نسألك أن ترد المسلمين إلى دينهم رداً جميلا، ونسألك أن ترينا الحق حقاً، وترزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، وترزقنا اجتنابه وأن لا تجعله ملتبساً علينا فنضل. إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 14597
أثر العقيدَة الإسلاميَّةِ
في تضامُنِ وَوَحْدَة الأمَّةِ الإسلاميَّةِ
الدكتور أحمد سعد الغامدي
أستاذ مساعد بكيلة الدعوة وأصول الدين
الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله الأمين وبعد:
فإن إحساس الأمة المسلمة بحاجتها إلى اللقاء ... وإلى التعاون ... إحساس منطقي وواقعي ... ذلك لأنها قد أضرت بها الخلافات ... وأنهكتها النزاعات ... والتي كانت سبباً لضعفها وضياع حقوقها في عصر لم يعد يسمع فيه لصوت الضعفاء ولاِ لأنين الجرحى.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
فارتفاع الأصوات المسلمة من هنا وهناك تنادي بضرورة وحدة الأمة واجتماع كلمتها. أصوات صادقة ينبغي أن تتجاوب لها الأقطار الإسلامية لتنقذ نفسها وتحمي حقها.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ .
ولكنه لابد للأمة المسلمة- وهى تلم شعثها وتوحد صفوفها- لابد لها من إدراك صحيح للأسباب التي كانت وراء هذا الواقع وللأسس التي ينبغي عليها والوسائل التي يمكن أن تتحقق بها تلك الأسس. وذلك لئلا تنتقل من واقع منحرف إلى واقع آخر منحرف.
وإن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة والدعاة. الذي ستعقده الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في شهر ربيع الأول لهذا العام ١٤٠٤ هـ والذي سيكون موضوعه "سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين". لهو استجابة موفقة لمدارسة السبل التي تؤدي إلى وحدة الأمة.
وهذا بحث موجز بعنوان "أثر العقيدة الإسلامية في تضامن المسلمين ووحدة الأمة الإسلامية". أحببت أن أشارك به في هذا المؤتمر راجياً من الله أن ينفع به.
стр. 14598
ويتضمن هذا البحث أربعة أقسام تحت كل قسم منها عدة قضايا شارحة له ثم ألحقت بها خاتمة موجزة بينت فيها أهم ما اشتمل عليه هذا البحث.
أقسام البحث:
القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:
أولاً: في العقيدة.
ثانياً: في العبادة.
ثالثاً: في الشريعة.
القسم الثاني: أسباب هذا الواقع:
أولاً: الجهل بدين الله.
ثانياً: تمزيق الاستعمار لبلدان المسلمين.
ثالثاً: الغزو الفكري.
القسم الثالث: أسس وحدة الأمة الإسلامية:
أولاً: وحدة العقيدة.
ثانياً: وحدة الغاية.
ثالثاً: وحدة القيادة.
رابعاً: وحدة المنهج.
القسم الرابع: وسائل تحقيق أسس الوحدة:
أولاً: التعليم الموجه.
ثانياً: الإعلام الملتزم.
ثالثاً: الاقتصاد المستقل.
رابعاً: إيجاد مراكز علمية.
الخاتمة.
وأخيرا أسأل الله أن يهيء أسباب الوحدة الصحيحة وأن يجمع كلمة الأمة على الحق إنه سميع مجيب.
القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:
واقع الأمة الإسلامية واقع مكشوف لا يكاد يجهله أحد. فقد تعرض لأمراض متعددة وانحرافات متنوعة بحيث لا يكاد يسلم منه شيء ... لا في العقيدة ... ولا في العبادة ... ولا في الشريعة ... وسنحاول هنا الإشارة إلى ذلك الواقع بشيء من الإيجاز:
أولاً: في العقيدة:
إن أخطر الانحرافات التي تعرضت لها الأمة المسلمة هي الانحرافات في العقيدة ولا نستطيع هنا استيعابها وتفصيلها ولكننا سنكتفي بالتنبيه على بعضها.
(١) انحرافات إلحادية: هدف أصحابها استبدال المبادئ الكافرة بعقيدة الإسلام ... وهم طوائف متعددة: منهم من يعلن عقيدته الإلحادية ويظهر كفره بالله ورسله واليوم الآخر ومنهم من يخفي ذلك وراء شعارات ظاهرها الدعوة إلى الإصلاح وباطنها الكفر والإلحاد.
стр. 14599
(٢) انحرافات طائفية: تتمثل في طوائف مستقلة- كالقاديانية والبهائية ونحوها من الطوائف التي خرجت على عقيدة الإسلام بدعوى النبوة لزعمائها ونزول الوحي عليهم وهي تتستر في كثير من البلدان باسم الإسلام وهي خارجة عليه لمخالفتها لعقيدة ختم النبوة التي هي جزء من عقيدة المسلمين.
(٣) انحرافات طائفية قديمة: لازالت قوية ونشطة في دعواتها رغم انحرافها وفساد معتقداتها ومن تلك الطوائف.
طائفتا الشيعة والصوفية:
فالأولى تقوم على عقيدة تخالف عقيدة الإسلام التي جاء بها رسول الله ﷺ ومن ذلك إسباغ صفات الألوهية على أئمتهم وادعاؤهم أنهم يعلمون الغيب ثم تدعي كذلك أنهم يتلقون الوحي من السماء وفي كلا الأمرين إساءة إلى الله وإلى رسوله ﷺ . وأخيراً فإنها تقع في أصحاب رسول الله ﷺ وتتهمهم بالخيانة والردة.
وهذا جميعه ينتهي إلى إلغاء الإسلام الذي جاء به رسول الله ﷺ .
فالأئمة يعلمون الغيب وإذا أراد الله أن يحدث أمراً استشارهم - كما في أصول الكافي لهم- وهذا إساءة إلى الله.
والأئمة يوحى إليهم مع العلم أن رسوله الله ﷺ قد أخبر بانقطاع الوحي ... وهذا يصادم خبره ...
والصحابة قد خانوا في دين الله ... فالإسلام الذي نقلوه غير موثوق فيه ... وبهذا فالإسلام غير موثوق به ...
إذن فليعد الناس إلى المجوسية الفارسية ... وهذا هو المطلوب للحركة الشيعية.
وأما الصوفية فقد ابتدعت تقديس الأفراد ودعوى رفع التكاليف عن بعض الناس كما أعادت إلى الأذهان تلك الطقوس الكنسية التي أفسدت الدين النصراني حيث اتخذت من البشر وسائط عند الله بها تقضى الحاجات وتغفر الزلات إلى عشرات أخرى من الانحرافات.
стр. 14600
كما أنها تدعي الاستقلال في معرفة الشريعة إذ أن الأولياء يأخذون حاجتهم من اللوح المحفوظ مباشرة وهذا كلام يخرج صاحبه من الإسلام.
وقد كان التصوف من الأسباب المباشرة بظهور الشرك في الأمة بتقديس الأموات وطلب حاجاتهم منهم واتخاذ قبورهم مزارات وأماكن للعبادة وزاحم تعظيم الأموات توحيد الله في القلوب. فكثرت الأضرحة وتعددت الفرق والأحزاب لكل حزب ضريح به يستغيثون وعنده ينيخون وإليه عند نزول الحوادث يلجأون.
انحرافات في الجانب النظري: "العلمي"من العقيدة وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله فقد وجدت الإتجاهات المنحرفة التي تتنكر لهذا الجانب أو لبعضه فأولت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وردّت الأحاديث الأخرى والتي تعرف الناس بربهم وأنه عليم حكيم سميع بصير يقول ما يريد ويفعل ما يشاء يأمر وينهى وأنه استوى على عرشه استوأً يليق بجلاله وعظمته.
فكان من ثمرات ذلك الرد والتأويل أنها حالت بين الناس ومعرفة ربهم فانتهى بهم هذا إلى الإلحاد والتعطيل.
وقد أتى القوم من ضلال عقولهم القاصرة وظنهم أن إثبات تلك الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يقتضي التشبيه بالمخلوق.
وهذا إساءة إلى الله ورسوله حيث أن في هذا الكلام اتهام لله ورسوله بالعجز عن البيان ... لأنهم لم يفهموا من تلك الآيات والأحاديث إلا التشبيه ... والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقد فروا من تشبيه إلى تشبيه.
فإنكار كلام الله لئلا يشبه الإنسان المتكلم- كما زعموا- تشبيه لله بالجماد فلم يسلموا من التشبيه على مذهبهم.
ولكن الاعتقاد الصحيح إثبات ما أثبته الله وأثبته رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله.
ثانيا: في العبادة:
следующие страницы →