Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14596–14635 · переход к 14601.
стр. 14596
ولست مبالغاً حينما أذكر هذه الحقيقة، فإنها حقيقة يسلم بها الأعداء؟ فضلا عن الأصدقاء، والحق محا شهدت به الأعداء.
وخلاصه القول أنه لا صلاح لنا، ولا فلاح، ولا نجاح لدعوتنا، إلا إذا بدأنا بالأهم، قبل المهم، وذلك بأن ننطلق في دعوتنا ثمن عتيدة التوحيد، نبني عليها سياستنا، وأحكامنا، وأخلاقنا، وآدابنا, ننطلق في كل ذلك أن هدف الكتاب، والسنة، بلا إفراط، ولا تفريط، ذلكم هو الصراط المستقيم، والمنهج القويم، الذي أمرنا الله تعالى، بسلوكه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . وقال رسول الهدى ﷺ :"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي ".
ويقول الإمام مالك بن أنس ﵀:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
اللهم إنا نسألك أن ترد المسلمين إلى دينهم رداً جميلا، ونسألك أن ترينا الحق حقاً، وترزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، وترزقنا اجتنابه وأن لا تجعله ملتبساً علينا فنضل. إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 14597
أثر العقيدَة الإسلاميَّةِ
في تضامُنِ وَوَحْدَة الأمَّةِ الإسلاميَّةِ
الدكتور أحمد سعد الغامدي
أستاذ مساعد بكيلة الدعوة وأصول الدين
الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله الأمين وبعد:
فإن إحساس الأمة المسلمة بحاجتها إلى اللقاء ... وإلى التعاون ... إحساس منطقي وواقعي ... ذلك لأنها قد أضرت بها الخلافات ... وأنهكتها النزاعات ... والتي كانت سبباً لضعفها وضياع حقوقها في عصر لم يعد يسمع فيه لصوت الضعفاء ولاِ لأنين الجرحى.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
فارتفاع الأصوات المسلمة من هنا وهناك تنادي بضرورة وحدة الأمة واجتماع كلمتها. أصوات صادقة ينبغي أن تتجاوب لها الأقطار الإسلامية لتنقذ نفسها وتحمي حقها.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ .
ولكنه لابد للأمة المسلمة- وهى تلم شعثها وتوحد صفوفها- لابد لها من إدراك صحيح للأسباب التي كانت وراء هذا الواقع وللأسس التي ينبغي عليها والوسائل التي يمكن أن تتحقق بها تلك الأسس. وذلك لئلا تنتقل من واقع منحرف إلى واقع آخر منحرف.
وإن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة والدعاة. الذي ستعقده الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في شهر ربيع الأول لهذا العام ١٤٠٤ هـ والذي سيكون موضوعه "سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين". لهو استجابة موفقة لمدارسة السبل التي تؤدي إلى وحدة الأمة.
وهذا بحث موجز بعنوان "أثر العقيدة الإسلامية في تضامن المسلمين ووحدة الأمة الإسلامية". أحببت أن أشارك به في هذا المؤتمر راجياً من الله أن ينفع به.
стр. 14598
ويتضمن هذا البحث أربعة أقسام تحت كل قسم منها عدة قضايا شارحة له ثم ألحقت بها خاتمة موجزة بينت فيها أهم ما اشتمل عليه هذا البحث.
أقسام البحث:
القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:
أولاً: في العقيدة.
ثانياً: في العبادة.
ثالثاً: في الشريعة.
القسم الثاني: أسباب هذا الواقع:
أولاً: الجهل بدين الله.
ثانياً: تمزيق الاستعمار لبلدان المسلمين.
ثالثاً: الغزو الفكري.
القسم الثالث: أسس وحدة الأمة الإسلامية:
أولاً: وحدة العقيدة.
ثانياً: وحدة الغاية.
ثالثاً: وحدة القيادة.
رابعاً: وحدة المنهج.
القسم الرابع: وسائل تحقيق أسس الوحدة:
أولاً: التعليم الموجه.
ثانياً: الإعلام الملتزم.
ثالثاً: الاقتصاد المستقل.
رابعاً: إيجاد مراكز علمية.
الخاتمة.
وأخيرا أسأل الله أن يهيء أسباب الوحدة الصحيحة وأن يجمع كلمة الأمة على الحق إنه سميع مجيب.
القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:
واقع الأمة الإسلامية واقع مكشوف لا يكاد يجهله أحد. فقد تعرض لأمراض متعددة وانحرافات متنوعة بحيث لا يكاد يسلم منه شيء ... لا في العقيدة ... ولا في العبادة ... ولا في الشريعة ... وسنحاول هنا الإشارة إلى ذلك الواقع بشيء من الإيجاز:
أولاً: في العقيدة:
إن أخطر الانحرافات التي تعرضت لها الأمة المسلمة هي الانحرافات في العقيدة ولا نستطيع هنا استيعابها وتفصيلها ولكننا سنكتفي بالتنبيه على بعضها.
(١) انحرافات إلحادية: هدف أصحابها استبدال المبادئ الكافرة بعقيدة الإسلام ... وهم طوائف متعددة: منهم من يعلن عقيدته الإلحادية ويظهر كفره بالله ورسله واليوم الآخر ومنهم من يخفي ذلك وراء شعارات ظاهرها الدعوة إلى الإصلاح وباطنها الكفر والإلحاد.
стр. 14599
(٢) انحرافات طائفية: تتمثل في طوائف مستقلة- كالقاديانية والبهائية ونحوها من الطوائف التي خرجت على عقيدة الإسلام بدعوى النبوة لزعمائها ونزول الوحي عليهم وهي تتستر في كثير من البلدان باسم الإسلام وهي خارجة عليه لمخالفتها لعقيدة ختم النبوة التي هي جزء من عقيدة المسلمين.
(٣) انحرافات طائفية قديمة: لازالت قوية ونشطة في دعواتها رغم انحرافها وفساد معتقداتها ومن تلك الطوائف.
طائفتا الشيعة والصوفية:
فالأولى تقوم على عقيدة تخالف عقيدة الإسلام التي جاء بها رسول الله ﷺ ومن ذلك إسباغ صفات الألوهية على أئمتهم وادعاؤهم أنهم يعلمون الغيب ثم تدعي كذلك أنهم يتلقون الوحي من السماء وفي كلا الأمرين إساءة إلى الله وإلى رسوله ﷺ . وأخيراً فإنها تقع في أصحاب رسول الله ﷺ وتتهمهم بالخيانة والردة.
وهذا جميعه ينتهي إلى إلغاء الإسلام الذي جاء به رسول الله ﷺ .
فالأئمة يعلمون الغيب وإذا أراد الله أن يحدث أمراً استشارهم - كما في أصول الكافي لهم- وهذا إساءة إلى الله.
والأئمة يوحى إليهم مع العلم أن رسوله الله ﷺ قد أخبر بانقطاع الوحي ... وهذا يصادم خبره ...
والصحابة قد خانوا في دين الله ... فالإسلام الذي نقلوه غير موثوق فيه ... وبهذا فالإسلام غير موثوق به ...
إذن فليعد الناس إلى المجوسية الفارسية ... وهذا هو المطلوب للحركة الشيعية.
وأما الصوفية فقد ابتدعت تقديس الأفراد ودعوى رفع التكاليف عن بعض الناس كما أعادت إلى الأذهان تلك الطقوس الكنسية التي أفسدت الدين النصراني حيث اتخذت من البشر وسائط عند الله بها تقضى الحاجات وتغفر الزلات إلى عشرات أخرى من الانحرافات.
стр. 14600
كما أنها تدعي الاستقلال في معرفة الشريعة إذ أن الأولياء يأخذون حاجتهم من اللوح المحفوظ مباشرة وهذا كلام يخرج صاحبه من الإسلام.
وقد كان التصوف من الأسباب المباشرة بظهور الشرك في الأمة بتقديس الأموات وطلب حاجاتهم منهم واتخاذ قبورهم مزارات وأماكن للعبادة وزاحم تعظيم الأموات توحيد الله في القلوب. فكثرت الأضرحة وتعددت الفرق والأحزاب لكل حزب ضريح به يستغيثون وعنده ينيخون وإليه عند نزول الحوادث يلجأون.
انحرافات في الجانب النظري: "العلمي"من العقيدة وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله فقد وجدت الإتجاهات المنحرفة التي تتنكر لهذا الجانب أو لبعضه فأولت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وردّت الأحاديث الأخرى والتي تعرف الناس بربهم وأنه عليم حكيم سميع بصير يقول ما يريد ويفعل ما يشاء يأمر وينهى وأنه استوى على عرشه استوأً يليق بجلاله وعظمته.
فكان من ثمرات ذلك الرد والتأويل أنها حالت بين الناس ومعرفة ربهم فانتهى بهم هذا إلى الإلحاد والتعطيل.
وقد أتى القوم من ضلال عقولهم القاصرة وظنهم أن إثبات تلك الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يقتضي التشبيه بالمخلوق.
وهذا إساءة إلى الله ورسوله حيث أن في هذا الكلام اتهام لله ورسوله بالعجز عن البيان ... لأنهم لم يفهموا من تلك الآيات والأحاديث إلا التشبيه ... والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقد فروا من تشبيه إلى تشبيه.
فإنكار كلام الله لئلا يشبه الإنسان المتكلم- كما زعموا- تشبيه لله بالجماد فلم يسلموا من التشبيه على مذهبهم.
ولكن الاعتقاد الصحيح إثبات ما أثبته الله وأثبته رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله.
ثانيا: في العبادة:
стр. 14601
لم تسلم العبادات- كذلك- من الشوائب حيث تعرضت لأنواع متعددة من الإنحرافات والبدع نورد طرفاً منها.
(١) الغلو المفرط في أدائها والذي كان يمثله فيما سبق طائفتا الخوارج والصوفية حيث كان لكل منهما غلو مفرط في جانب أو جوانب من الإسلام.
فالخوارج كانوا يصومون النهار ويقومون الليل حتى أصبحت أجسادهم شاحبة نحيلة من طول القيام وشدة الجوع والعطش.
والصوفية بالغوا في الذكر والزهد حتى كان أحدهم يعيش على الصدقات والهبات ويخلو بنفسه في الزوايا المظلمة ليصل بزعمه إلى درجة اليقين فتسقط عنه التكاليف.
(٢) الإهمال المطلق للعبادات والإكتفاء بلفظ الشهادتين وهذا الإنحراف كان من ثمرات الإرجاء الذي لا يعطي للعمل اهتماماً إذ أن الإيمان يثبت عند المرجئة بالقول فقط أو به وبالاعتقاد فقط.
وقد أصبح في الآونة الأخيرة ترك العبادات ظاهرة بارزة في أغلب المجتمعات الإسلامية ولاشك أن هذا لا يتفق مع أصول الدين.
(٣) عدم التزام كثير من المسلمين بالأداء الصحيح للعبادات فهو يؤديها بصورة ناقصة أو محرفة وهو لا يشعر بذلك وقد يظن أنه يؤديها بالصورة الصحيحة فكان من نتائج ذلك حرمانهم من لذة العبادة وثمراتها.
ثالثاً: في الشريعة
لم تقتصر الانحرافات على الجانبين السابقين بل شملت- كذلك- الشريعة حيث تعرضت في الآونة الأخيرة التي تمزقت فيها الأمة وتحطمت فيها الخلافة الإسلامية- تعرضت إلى انحراف وفساد بل إلى حرب وعداء في كثير من البلدان الإسلامية نذكر طرفاً من ذلك:
стр. 14602
(١) محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها وذلك من آثار الاستعمار العسكري والفكري الذي مزق الأمة وأفسد عقليتها بحضارته وصناعته وكفره وجحوده ... فوجد في المسلمين من يتحمس لتلك القوانين ويتبنى ذلك الكفر والضلال. هذا إلى جانب ما خلفه الاستعمار في بلدان المسلمين من أنظمة كافرة لازالت تسيطر على كثير منها إلى اليوم بعد أن كانت تحكمها الشريعة الإسلامية.
(٢) محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية فيؤخذ من الشريعة الإسلامية ما يتعلق بالأمور الشخصية وبعض الجوانب الأخرى ثم تكمل من القوانين الوضعية.
وهذا وإن كان أصحابه أخف من المتقدمين ولكنه كذلك طعن في الشريعة الإسلامية واعتقاد نقصها وحاجتها إلى أنظمة أخرى مشاركة.
هذا عرض مجمل لواقع المسلمين الذي قد أصيب في كل من جوانبه مما كان له أسوأ الأثر على وحدة الأمة واجتماع كلمتها ... فقد أصيبت في عقائدها ... وعباداتها ... وشريعتها ... وما لم يصحح هذا الواقع على ضوء الكتاب والسنة فلن تقوم للأمة قائمة ولن تجتمع لها كلمة ...
القسم الثاني: أسباب هذا الواقع:
لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر طرفاً منها- أو أهمها- وهي:
أولاً: جهل الأمة بدينها:
إذ لولا الجهل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لما وجدت تلك الضلالات طريقاً إلى المسلمين لا في عقيدتهم ولا في عبادتهم ولا في شريعتهم فقد قال النبي ﵊: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله " [١] . فلو لم تصاب الأمة بداء الجهل بهما لما وصلت إلى حيث ما وصلت إليه.
стр. 14603
ونحن نلمس أصابع الغزو الاستعماري في مناهج التعليم في كثير من بلدان المسلمين والتي قد خلت أو قلصت منها المواد الدينية حتى أن المتخرج من تلك المدارس لا يكاد يحسن فهم دينه ... بل لا يفهم من دينه إلا أنه مجموعة من العبادات المحددة فقط.
وهذا الجهل هو الذي يمهد الطريق لكل وارد غريب يتسلل إلى البلدان الإسلامية.
ثانياً: تمزيق الاستعمار لبلدان المسلمين:
كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة وتخضع لقيادة واحدة فكانت ذات شوكة ومنعة ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات واستولت على كثير منها فترات طويلة ثم خرجت منها مخلفة وراءها آثارها الاستعمارية التي لا تزال إلى اليوم.
وقد ركز الاستعمار أثناء وجوده على إحياء القوميات الجاهلية التي كانت عليها قبل الإسلام فاستجاب لها بعض المسلمين فحملوا لواءها ودعوا إليها فكان من ثمار ذلك تعميق الاختلاف وإضعاف الروابط بين أفراد الأمة.
ثالثاً: الغزو الفكري المنظم:
هناك عدة جبهات اشتركت في غزو البلدان الإسلامية أهمها ثلاث جبهات:
أولاها: الصليبية الحاقدة والتي قد دخلت البلاد الإسلامية مستعمرة مخربة وبقيت فيها فترة طويلة تحارب الإسلام بشتى الوسائل وتبشر بالنصرانية ثم رحلت مخلفة وراءها بقايا الفساد بعد أن ربّت جيلاً يرعى ذلك الفساد وينشره ولا زالت جيوش الغزو الصليببي تعيث في الأرض فساداً.
والجبهة الثانية: هي "اليهودية"الآثمة التي يتمثل دورها في تصنيع المذاهب المنحرفة والأفكار المضلة وتصديرها إلى بلدان المسلمين.
стр. 14604
والجبهة الثالثة: هي "الشيوعية الملحدة" والتي هي من ثمرات اليهودية وقد أصبح لها كيان ودولة وهي تنشر أفكارها وإلحادها بشتى الوسائل ابتداءً بالدعوة السلمية وانتهاءً بقوة الحديد والنار.
وقد أصبح لها في بلاد المسلمين أتباع وأنصار يفرقون الأمة ويمزقون وحدتها.
فهذه الجبهات الثلاث قد اشتركت في غزو المسلمين ومحاربة دينهم وتمزيق صفوفهم فانقسمت الأمة الإسلامية وتعدد ولاؤها بحسب الجبهة التي تقودها وتسير على خطاها ولا يكاد يسلم من الأمة أحداً إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
القسم الثالث: أسس الوحدة الإسلامية:
إن الأمة الإسلامية تملك أسساً مشتركة تستطيع بها أن تجمع شتاتها وتوحد كلمتها ... فهي أمة واحدة ... ذات دين واحد ... وكتاب واحد ... ورسول واحد ... هذه هي الأصول الثابتة التي تشترك فيها الأمة. فإذا ما أدركتها جيداً والتزمت بمقتضياتها فإن ذلك يجعل منهم أمة واحدة تلتقي على:
وحدة الغاية.
وحدة العقيدة.
وحدة القيادة.
وحدة المنهج.
فهذه الأسس التي تجتمع عليها الأمة وتكون عليها الوحدة الإسلامية الشاملة ... وأي خلل أو نقص فيها فإن ذلك يؤدي إلى استمرار الواقع المؤلم ... واقع التفرق والتمزق. وفيما يلي نبين بإيجاز تلك الأسس.
أولاً: وحدة الغاية:
إن لهذا الإنسان الذي يعيش على ظهر هذه الأرض "غاية"يؤديها في وجوده فإذا عرفها وتمثلها في حياته فإنه يسعد في الدنيا والآخرة وإذا جهلها وأعرض عنها فإنه يشقى في الدنيا والآخرة.
هذه الغاية هي "العبادة"لله والقيام بدور الخلافة الصحيح في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ . فهذه هي الغاية.
стр. 14605
والمسلمون ولله الحمد قد أدركوا هذه الغاية التي حرمها كثير من الشعوب فضلوا وشقوا وذلك ظاهر لكل متأمل في أحوالهم وشئونهم وإن ملكوا وسائل الإنتاج واكتشفوا كثيراً من قوانين المادة فإن ذلك لم يخفف من وطأة الشقاء النفسي لتلك المجتمعات.
ولكن المسلمين رغم إدراكهم لهذه الحقيقة فإنهم قد فرطوا فيها وأعرضوا عن تحقيقها فكان ذلك سبباً في شقائهم وضعفهم وتسلط عدوهم عليهم.
فلابد من العودة الصادقة إلى تحقيق هذه الغاية والالتزام بمقتضياتها لنحقق لأنفسنا السعادة في الدنيا والآخرة.
وتحقيق هذه الغاية "العبودية لله "سيكون سبباً من أسباب الوحدة للأمة فإنه إذا توحدت غايات الشعوب المسلمة وغايات القيادات المسلمة فإنه ولاشك ستتحد الآمال والأهداف التي تجمع الأمة.
ولكنه إذا تعددت الغايات وكان لكل بلد من البلدان الإسلامية غاية أو غايات أخرى كلها من صنع البشر ... فارتبطت بشهواتها وأطماعها العاجلة فإن ذلك لا يقطعها عن العالم الإسلامي فحسب بل يقطع صلتها بالله وانتسابها إلى الإسلام ... لأن الإسلام يحدد للإنسان غايته في هذه الحياة فإن التزمها الإنسان في حياته صحت نسبته إلى الإسلام وإن أعرض عنها فقد قطع صلته بهذا الدين.
ولو لم تضعف هذه الحقيقة في نفوس المسلمين لما حدثت الانقسامات بينهم ولما استطاع أعداء الإسلام أن يجدوا رواجاً لأفكارهم الضالة في بلدان المسلمين لأن الإسلام نور وغيره ظلام ومن كان في النور فإنه لا يرضى بالظلام بديلا قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ .
ثانياً: وحدة العقيدة:
стр. 14606
لقد تعرضت العقيدة الإسلامية في كثير من البلدان الإسلامية وعلى مدار التاريخ إلى انحرافات خطيرة وتصورات خاطئة شوهت جمال العقيدة وأوجدت في الأمة الواحدة مذاهب متعددة وطوائف متفرقة لكل منها أتباع وأنصار ... وما ذلك إلا لانتشار الجهل في صفوفهم.
لهذا فإنه لابد من إعادة النظر في ذلك الانحراف وتصحيحه بما يوافق الكتاب والسنة وتجريد العقيدة من الآراء البشرية التي لحقت بها ليتيسر للأمة الاجتماع واللقاء.
فإن العقيدة هي الأساس الذي يرتفع عليه بناء الدين فإذا قوى الأساس وخلص من الانحراف سهل على الأمر تصحيح بقية الانحرافات الأخرى وأمكن لها الاجتماع واللقاء ... وإلا فلا اجتماع ولا لقاء.
فالله هو رب العالمين ومدبر الكون ومالكه وما عداه مخلوق مربوب محتاج فقير.
والله هو وحده المستحق للعبادة لا رب غيره ولا إله، وغيره عبد ذليل.
ولله الأسماء الحسنى والصفات العليا لا نحرف ولا نعطل ولا نشبه ولا نمثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ولا ننسى بقية أركان الإيمان من الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
هذا مجمل عقائد الإسلام فإذا ما رسخت هذه الحقيقة في نفوس الأمة وأصبحت واضحة في القلوب بلا غش ولا خفاء أمكن للأمة أن تلتقي وتتحد ... إذ صفاء الاعتقاد وسلامته من الآراء الدخيلة عليه يعني إزالة الحواجز التي قامت بين الأمة وفرقتها إلى شيع وأحزاب.
ثالثاً: وحدة القيادة:
لقد شاء الله أن يكون الإسلام آخر الرسالات السماوية إلى الأرض ... وأن يكون محمد ﷺ آخر الرسل فيه أكمل الله الدين وبه ختم المرسلين فلا دين بعد دينه ولا نبي بعده.
فالإسلام هو الدين الذي رضيه الله لنا ديناً نتعبده به ونلتزم بشريعته.
والرسول محمد ﷺ هو القائد الذي يجب أن نسير خلفه ونقتفي أثره.
стр. 14607
وكل قيادة أخرى تحاول أن تلغي هذه القيادة أو تقلل منها فإنها قيادة خارجة عن الإسلام محاربة له ... بل كل قيادة تتمرد هي في ذات نفسها عن هذه القيادة أو تنحرف عن متابعتها فهي قيادة منحرفة.
هذه حقيقة ينبغي أن تتضح في أذهان المسلمين إذ بقدر وضوحها والتزامهم بها بقدر ما يتيسر للأمة الاجتماع والاتحاد ... وبقدر جهلها أو تجاهلها بقدر ما تبتعد الشقة ويتعذر اللقاء.
فإن إدراك الأمة لهذه الحقيقة يعني "توحيد القيادة"فالجميع يلتقون على قيادة واحدة بها يتأسون وعلى خطاها يسيرون فمنها يتلقون التوجيهات ومنها يعرفون الأحكام والعبادات ... فالحلال ما أخبر بحله والحرام ما نهى عنه ... والخير ما دل عليه ... والشر ما حذر منه ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
فليس هناك قيادة أخرى لها هذا الحق ولا بعضه وإنما تأتي لها الحقوق بمقدار متابعتها لهذه القيادة.
رابعاً: وحدة المنهج:
من الأسباب الرئيسة لتمزيق الأمة الإسلامية تعدد المناهج التي تتبعها في مجتمعاتها ... تلك المناهج التي لا صلة لها بها ولا علاقة لها بدينها ... بل هي مضادة لدينها محاربة لعقيدتها ... فكان من نتائج ذلك أن اختلفت الأمة وتعددت مناهجها ... فوقعت الفجوة بين المناهج والواقع ... وبين القيادات والشعوب ... بل بين القيادات نفسها ... فانعكست تلك الخلافات على الأمة الإسلامية.
وما لم يتحد المنهج للأمة الإسلامية فيكون منهجها واحداً كما يقتضيه دينها فإن كل محاولة لوحدة الأمة أو لجمع شتاتها فإنها محاولة خاسرة.
стр. 14608
وهذا المنهج الذي يجب اتباعه ليس له إلا مصدر واحد وهو الله فهو الذي يضعه لخلقه ويحدده والبشر عبيده وخلقه لا يجوز لهم أن يختاروا أو يرفضوا وإلا فإن ذلك يعرضهم لمقته وسخطه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾ .
هذا هو حال المسلم مع شريعة ربه ومنهاجه، فإذا اتضحت هذه الحقيقة في أذهان المسلمين تمثلوها في واقعهم فإنه يتيسر لهم اللقاء والاتحاد.
القسم الرابع: وسائل تحقيق الوحدة:
عرضنا في المبحث السابق الأسس التي لابد منها لتوحيد الأمة الإسلامية وهي وإن كانت شرطاً في تحقيق إيمان المسلم فلا يكون مسلماً بدونها ... فإنها شرط في تحقيق وحدة الأمة واجتماع كلمتها.
ولكن هذه الأسس- كما رأينا من قبل- قد تعرضت للفساد والانحراف واختفت أو تشوهت في كثير من المجتمعات الإسلامية فكان لابد من إظهار ما اختفى منها وتصحيح ما تشوه.
وهذا أمر يحتاج إلى وسائل متعددة للقيام بذلك الدور ورعايته في المجتمعات الإسلامية. ومن تلك الوسائل ما يأتي:
التعليم الموجه:
فإن المؤسسات التعليمية من أهم الوسائل الموجهة في المجتمع ... وكثيراً ما ينعكس أثرها على المجتمع ... سواء كان ذلك الأثر خيراً أم شراً.
والمدرسة هي منهج ومعلم ... فإذا صلحا صلحت الأجيال وإذا فسدا فسدت الأجيال- إذا شاء الله ذلك.
لذا فإنه لابد من إعادة صياغة المناهج في مدارس المسلمين وجامعاتهم بحيث يراعى في وضعها تلك الأسس التي تمثل قاعدة الوحدة الإسلامية فتشتمل المناهج على بيان العقيدة والغاية والقيادة والمنهج وتعمق هذه المعاني في نفوس أبناء الأمة ويبين لهم أن هذه أسس الإيمان التي يكون بها الإنسان مسلماً ... ويكون بها المجتمع جزءً من الأمة الإسلامية.
وبهذا تتهيأ للمسلمين أسباب الاجتماع والاتحاد.
стр. 14609
وإلى جانب هذا البناء الإيماني للفرد المسلم يبين كذلك فساد المذاهب البشرية التي تسود كثيراً من المجتمعات البشرية اليوم وأنها مذاهب ضالة باطلة لا حق لها في الوجود ولا في البقاء.
كما يبين كذلك انتهاء دور الديانات السماوية الأخرى التي كانت قبل الإسلام وأنها قد نسخت بالإسلام كما أنها قد تعرضت للفساد والتحريف ... فهي لا تمثل الدين الذي أنزله الله .
وهذا: البيان هو بمثابة الصيانة والحماية لتلك الأسس الإسلامية.
ثانياً: الإعلام الملتزم:
لقد أصبح للإعلام في العصر الحاضر- بكل وسائله المسموعة والمرئية والمقروءة- دور خطير في الحياة الإنسانية ... فهو يقتحم كل بيت ويصل إلى كل إنسان.
ووسائل الإعلام اليوم في كثير من البلدان الإسلامية غير ملتزمة بالمنهج الإسلامي الذي يبث الخير وينشر الفضيلة ويحذر من الشر والأَخلاق الرذيلة ... بل إن بعض تلك الوسائل تحارب الإسلام وتسيء إلى أهله بما تنشره من البرامج السيئة والحلقات المنحرفة ... وهذا كله مضاد لدين الأمة ومفرقة لجمعها وهادم لأسس الوحدة التي تقوم عليها.
ولن يكون هناك لقاء أو اتحاد وإعلام المسلمين أو بعضه بهذه الصورة.
فلابد إذن من إعادة البناء الإعلامي بناءً صحيحاً بحيث يكون قادراً على توجيه الأمة وتعميق العقيدة في نفوسها وتذكيرها بخاصيتها في هذه الحياة والمنهج الذي اختاره الله لها كما تبين إلى جانب ذلك وحدة القيادة للأمة الإسلامية وأنه لم يعد هناك مجال لظهور قيادات أخرى تنازع القيادة المحمدية أو تزاحمها.
فإذا استطاع الإعلام في البلدان الإسلامية أن يثبت هذه القضايا الأساسية في نفوس الأمة فإنه عندئذ يكون قد أدى دوره الصحيح في المجتمع وساهم في وحدة الأمة ... وإلا فلا وحدة ولا اجتماع.
ويتحقق ذلك بالاختيار الأمين للعاملين بالإعلام فتختار الكفاءات المؤمنة التي تدرك أهداف الأمة وغايتها.
стр. 14610
ثالثاً: الاقتصاد المستقل:
إن التشابك المعقد في العلاقات الدولية - اليوم- واختلاف الأنظمة الاقتصادية في العالم والذي انعكس أثره على أكثر المجتمعات الإسلامية فتعددت فيها الأنظمة الاقتصادية تبعاً للاتجاه الذي يغلب على كل بلد كان له آثَاره السلبية على وحدة الأمة الإسلامية.
ومحاولة عودة الأمة إلى دينها يلزم منه التحرر من تلك الأنظمة الدخيلة على المجتمعات الإسلامية بالعودة إلى النظام الاقتصادي الإسلامي الذي هو جزء من ذلك المنهج الشامل الكامل الذي هو جزء من دين الأمة لا يتم بل لا يوجد بدونه والذي هو أحد الأسس التي تلتقي عليها الأمة.
ولابد من إيجاد اقتصاد إسلامي مستقل ليس مرتبطاً بأي نظام آخر لئلا يبقى بين الأمة فجوات تحول دون وحدتهم.
ويتم ذلك بإيجاد أسواق مشتركة وعملة موحدة وهيئة اقتصادية مشتركة تشرف على ذلك الاقتصاد الإسلامي المستقل.
وبهذا تستقل عن التبعية الاقتصادية الضارة وتقيم لها وحدة اقتصادية قوية على أسس إسلامية ...
والاقتصاد في الحقيقة هو ضمن المنهج الإسلامي الذي يعتبر أحد الأسس للوحدة الإسلامية ... والذي أريده هنا هو التعاون العَام وتوحيد الأسواق والعملات الذي يعطي للأمة شخصيتها المستقلة ويمهد السبيل للوحدة واللقاء.
رابعاً: إيجاد مراكز علمية:
لما كانت هذه الوسائل المتقدم ذكرها لابد لها من إعداد وتخطيط بحيث تظهر بالصورة الصحيحة كان لابد من مراكز علمية مختلفة تكون مهمتها التخطيط الدقيق لتلك الجوانب إلى جوانب أخرى تتعلق بحياة الأمة.
فتلك المراكز متعددة الأغراض تمثل الهيئة الاستشارية والمخططة لتوحيد الأمة وتكاملها ونموها في جميع الجوانب بحيث تتحد الأمة في كل المظاهر إلى جانب اتحادها في القواعد.
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث الموجز نذكر أهم القضايا التي اشتمل عليها هذا البحث وهي:
стр. 14611
إن واقع الأمة واقع مؤلم قد تخلله الفساد وسرى فيه الانحراف.
وأن هذا الواقع المنحرف لا يمكن معه اللقاء والاتحاد.
وأن وحدة الأمة لا تتم إلا بتصحيح هذا الواقع على ضوء الكتاب والسنة.
والله وحده هو المسؤول أن يصلح الأمة الإسلامية وأن يجمع كلمتها على الحق إنه سميع مجيب ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] رواه مالك في الموط أفي القدر رقم (٣) باب النهي عن القول بالقدر. والحاكم (٩٣:١) عن ابن عباس وعن أبي هريرة.
стр. 14612
العِبَادَاتُ في الإسلام وَأثرُهَا في تَضَامُن المسلِمِينَ
للدكتور علي عبد اللطيف منصور
أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين
العبادة في اللغة:
أصل العبادة في اللغة: التذليل من قولهم طريق معبد أي بكثرة الوطء عليه، ومنه أخذ العبد لذله لمولاه.
"والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني يقال تعبد فلان لفلان، أي تذلل له.
وكل خضوع ليس فوقه خضوع: فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة.
والعبادة: نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر" [١] .
والعبدية، والعبودية، والعبودة، والعبادة: الطاعة.
والاعتباد، والاستعباد: التعبيد.
وتعبد أستنسك، وتعبد فلانا: اتخذه عبدا [٢] .
العبد: الإنسان حراً كان أو رقيقاً، يذهب بذلك إلى أنه مربوب لباريه .
والعبد المملوك خلاف الحر. قال سيبويه: هو في الأصل صفة. قالوا. رجل عبد، ولكنه استعمل استعمال الأسماء والجمع أعبد وعبيد. مثل أكلب وكليب. وهو جمع عزيز وعباد وعبد، مثل: سقف وسقاف وسقف.
وأنشد الأخفش:
انسب العبد إلى آبائه
أسود الجلدة من قوم عبد
وقال الليث: في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ أي نطيع الطاعة التي يخضع معها، وقيل إياك نوحد.
قال: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع. ومنه طريق معبد. إذا كان مذللا بكثرة الوطء. وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي دائنون وكل من دان لملك فهو عابد له.
قال ابن الأنباري: فلان عابد، وهو الخاضع لربه المنقاد لأمره.
وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي أطيعوا ربكم.
والمتعبد: المنفرد بالعبادة.
والمعبد: المكرم المعظم. كأنه يعبد. قال:
стр. 14613
تقول: ألا تمسك عليك فأنني
أرى المال عند الباخلين معبدا
والتعبيد: التذليل. وبعير معبد: مذلل. وطريق معبد: مسلوك مذلل [٣] .
والمتأمل في هذه النقول التي أوردتها عن فقهاء اللغة يجد أن المعاني التي ذكروها بيانا لهذه الكلمة، أعني العبادة لا تتجاوز هذه المعاني:
الخضوع، الطاعة، التذلل، التنسك.
العبادة في الشرع:
عبارة عما يجمع كمال الخضوع والمحبة، والخشية لله تعالى.
يقول ابن تيمية رحمة الله"والعبادة: أصل معناها الذل. يقال طريق معبد، إذا كان مذللاً، قد وطئته الأقدام. لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب: هو التتيم، وأوله. العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام: وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم".
يقال: تيم الله. أي عبد الله فالمتيم: المعبد المحبوب، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له. ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له. كما قد يحب الرجل ولده وصديقه.
ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء بل لا يستحق المحبة، والخضوع التام إلا الله تعالى.
وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير تعظيم أمر الله فتعظيمه باطل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ] التوبة: ٢٤ [.
стр. 14614
فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، كالطاعة، فإن الطاعة لله ولرسوله ولإرضاء الله ورسوله ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ] التوبة: ٦٢ [.
والإيتاء لله ولرسوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ] التوبة: ٥٩ [[٤] .
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى:"العبادة: تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد، أي مذلل والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته، ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له، حتى تكون محبا خاضعا" [٥] .
ويقول ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "والعبادة في اللغة: من الذلة. يقال طريق معبد أي: مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع، والخوف، وقدم المفعول، وهو إياك وكرره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين يرجع إلى هذين المعنيين".
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة. والتفويض إلى الله ، وهذا المعنى في غير ما موضع من القرآن الكريم كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ] هود: ٢٣ [ ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ] الملك: ٣٩ [ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ] المزمل:٩ [، وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ] الفاتحة: ٤ [[٦] .
стр. 14615
ومن هنا نستطيع أن ندرك أن العبادة التي قصد إليها الشارع، والتي تعلى الإنسان وتشرفه، وترفع من قدره ومكانته، وتجعله يحس بإنسانيته وكرامته، هي تلك التي تجمع بين الخضوع لله تعالى، والمحبة له، والخشية منه.
وكلما اكتملت هذه المعاني في عبد كان أقرب إلى ربه، وأكرم عليه من غيره، وأحق بالأمانة في الدين، وقيادة المتقين، والحديث عن رب العالمين.
وأساس الخضوع لله تعالى هو: الإحساس الصادق بهيبته وعظمته، وسلطانه وقدرته، وأنه المعطي المانع، الضار النَافع، المحيي المميت، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الغني عن كل ما سواه، والمحتاج إليه جميع ما عداه.
والإنسان يكون في قمة التواضع، إذا سجد لخالقه ومولاه، وقام بحق مَنْ خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، وهو في ذلك يكون في أسمي حالات القرب، وأرجى أسباب القبول. يقول رسول الله ﷺ :"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" [٧] .
وفي معناه قول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ] العلق: ١٩ [وفي السجود: كمال الخضوع والانقياد لمن بيده ملكوت كل شيء، وهو الله رب العالمين وكمال الخضوع إنما يتم إذا استجاب العبد لربه، وآثره على ما سواه، وقدم شريعته على كل الشرائع، وأمره على كل الأمور، وعرف معرفة الشاكرين عظيم حقه عليه، ورحمته به، وجميل إحسانه إليه.
والإنسان الذي يحسر بعظيم فضل ربه عليه وإحسانه الدائم، وعفوه وستره. ورحمته ومغفرته، فإنه يحب ربه أعظم الحب، ويتفانى في إرضائه أشد التفاني ومعنى حبه لله، أن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، مسارعا إلى مرضاته، فارا من سخطه إلى رضاه ومن معصيته إلى طاعته، ومنه إليه.
стр. 14616
والله سبحانه يحب من عباده صادق الإيمان به وكامل الإخلاص له، وعظيم التوكل عليه، وجميل الثقة بوعده ثم هو يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين فهو يحب من الأعمال والناس ما أحبه الله، فيبادله الله تعالى حباً بحب، ووداً بود، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ] مريم: ٩٦ [. والذين عرفوا ربهم وأحبوه، أحبوا رسوله محمداً ﷺ الذي عرفهم به، ودلهم عليه، بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب الإنسان من نفسه التي بين جنبيه يقول ﵊:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين" [٨] .
ومحبة الله ورسوله ﷺ هي: غاية الغايات، ونهاية النهايات ومطلب الأخيار الأبرار، إذ هي لذة القلب نعيمه وراحته ورحمته، وجماله وأنسه وما من خلق قبل المحبة إلا هو طريقها ودليلها والموصل إليها كالتوبة والصبر، إن محبة الله ورسوله إذا حلت في القلب أثرت المحبوب على كل ما عداه، وقدمته على جميع مَنْ سواه، وكل محبة بعد ذلك فهي تابعة كمحبة المؤمن لأخيه المؤمن، وإيثاره على نفسه، وتنفيس كربته وستر عورته.
стр. 14617
وأما الخوف الذي أضافه ابن كثير إلى تعريف العبادة فهو يعطي أن عباد الله الذين عرفوا ربهم، وخضعوا له واستجابوا لأمره، وأثمرت لهم هذه المعرفة حباً وشوقاً، يخشون ربهم، ويخافونه، وهم دائما بين خوف ورجاء، وقد امتدح الله عباده، الذين يخشون ربهم ويخافون حسابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ] المؤمنون: ٥٧-٦١ [.
وكلما قويت معرفة العبد بربه، كلما اشتدت خشيته منه وتعظيمه له يقول ﵊."من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة" [٩] . وأدلج: سار من أول الليل. والمعنى: التشمير في الطاعة.
والعبادة بعناصرها المتقدمة لا تكون صحيحة ومقبولة إلا إذا وقعت على الوجه المشروع، وقصد بها صاحبها وجه الله وحده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ] الكهف: ١١٠ [.
وقال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ] البقرة:١١٢ [.
ويقول ﵊:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [١٠] .
стр. 14618
ويقول ابن الجوزي ﵀:"واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه، ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قطاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم، غير أن عين الموفق بصر فرس، لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، والصدق في الطلب منار أين وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد فلا حول ولا قو إلا بالله" [١١] .
أثر العبادات الإسلامية في تضامن المسلمين إجمالاً:
والعبادات التي تترك آثارها الطيبة، ونتائجها العظيمة، في وحدة المسلمين وتضامنهم، ليست انطواء أو انزواء، أو عزلة عن الحياة، والأحياء، للقيام ببعض الشعائر كالصلاة والذكر كما يتصور بعض الناس، ويظنون أنهم إذا قاموا بذلك منقطعين عن الحياة والأحياء، فهم العباد.
هذا مفهوم خاطئ، وقاصر.
فمفهوم العبادة في الإسلام أرحب وأشمل، وأدق وأعمق من هذا التصور المحدود.
إن العبادة في الإسلام تشمل كيان الإنسان كله كما تشمل الحياة بأسرها. ولذا فان العبادات إذا فهمت فهماً صحيحاً وطبقت تطبيقاً دقيقاً أعطت مجتمعاً قوياً متيناً كالبنيان المرصوص، يسعى بذمته أدناه، ويكون يدا على من سواه.
والعبادات التي جاءت في حديث جبريل المشهور من صلاة وزكاة وصيام وحج، أرسيت دعائمه عليها.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
١- ما العبادة؟
٢- وما فروعها؟
٣- وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟
٤- وما حقيقة العبودية؟
٥- وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات؟
وليبسط لنا القول في ذلك.
فأجاب ﵀ إجابة مسهبة تضمنتها رسالته: العبودية.
стр. 14619
قال ﵀:"العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشيته والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة، وذلك أن العبادة هي: الغاية المحبوبة والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ] الذاريات: ٦٥ [.
وبها أرسل الله جميع الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ] الأعراف:٥٩ [.
وكذلك قال هود وصالح وشعيب لقومهم، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ] الأعراف: ٧٣ [.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ] الأنبياء: ٢٥ [.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ] الأنبياء: ٩٢ [.
كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ] المؤمنون: ٥١-٥٢ [.
стр. 14620
وجعل ذلك لازما لرسوله ﷺ إلى الموت كما قال ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ] الحجر: ٩٩ [.
وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ] الأنبياء:١٩-٢٠ [.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ] الأعراف:٢٠٦ [.
وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ] غافر:٦٠ [.
ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ ] الإنسان: ٦ [.
وقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ ] الفرقان: ٦٣ [.
ومن هذا البيان الرائع، والتفصيل الممتع الذي ذكره الإمام ابن تيمية [١٢] ، يظهر لنا أثر العبادات في الأفراد والجماعات، أما أثرها في الأفراد فتتمثل في تقويم أخلاقهم، وتزكية نفوسهم وتوجيههم الوجهة النافعة، وتصوغهم صياغة جديدة ترتكز على الصلة بالله، والتعرف إليه، وإبراز الخصائص العليا الكامنة فيهم، وتطهيرهم من الغرائز السفلى وفي سبيل تحقيق هذه الغاية أوصى الله عباده بالفضائل وحذرهم من الرذائل فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ] النمل: ٩٠ [.
стр. 14621
فأثر العبادات واضح في تقويم الأخلاق وتزكية النفوس، وشحز العزائم إلى جانب أنها تزكي في العبد ملكة المراقبة لربه، وترقى به إلى درجة الإحسان الذي قال عنه ﵊:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [١٣] .
وإذا نظرنا في الأَحاديث، كهذا الذي مر آنفا وكالحديد الذي يقوله فيه ﵊ لابن عباس وكان رديفه"يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... الخ" [١٤] .
إذا رأينا في هذه الأحاديث الكلام الموجه للفرد فإن المقصود به الأفراد ومن مجموع الأفراد تتكون الجماعات والأمم.
وأثر العبادات في الجماعات،"ودعم روابطها وبناء علاقتها على أسس راسخة من العدل والإخاء والأهداف والإحسان. أثر واضح يتمثل في صياغتهم صياغة إنسانية كاملة بتأليف بناء قوي متماسك قائم على العدل والمساواة، والإحسان، والإيثار، والبر والرحمة، والتعاون على جلب الخير، ودفع الضرر، إن الجماعة التي ينشدها الإسلام هي الجماعة المتماسكة المترابطة التي تكونت من اللبنات الصالحة التي بدأت بالإخاء، ثم تجاوزته إلى الحب، ثم علت حتى صارت إلى الإيثار، ومن هنا ندرك أن الجماعة التي يريدها الإسلام لها سمات ومميزات:
стр. 14622
أولاً: أنها الجماعة المؤمنة وباسم الإيمان ناداها رب العالمين في كثير من الآيات لتستشعر النعمة وتحس بالفضل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ] آل عمران:١٠٢-١٠٣ [.
ثانياً: أنها الجماعة التي يحكمها العدل والإنصاف يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ] المائدة: ٧ [.
ثالثاً: أنها الجماعة التي يقودها خيارها، ويتولى أمرها حكماؤها وعلماؤها.
رابعاً: أنها الجماعة التي تتواصى بالخير والحق، وتتعاون على البر والتقوى وتتناصح على مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات يقول الله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ] العصر [.
стр. 14623
خامساً: أنها الجماعة التي تستعذب الجهاد في سبيل الله وتقدم النفس والنفيس والأهل والولد ابتغاء مرضاة الله ورفعا لدينه وإعلاء لكلمته ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ] التوبة: ١١١ [.
وهذه الجماعة التي اصطفاها الله لرسالته، وخصها بكرامته فارتقت إلى منصب العدالة، وتسلمت درجة الشهادة، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ] الحج:٧٧- ٧٨ [.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين نرى الأثر الواضح القوى للعبادات في الإسلام، وأثرها في المؤمنين به فهو يناديهم بأحب نداء إليهم وهو الإيمان ويأمرهم بمجموعة من العبادات ويخص منها الركوع والسجود ثم الأمر العام بالعبادة، والجهاد في سبيل الله، ويختمها بالأمر بالصلاة والزكاة والاعتصام بالله.
стр. 14624
يقول الأستاذ سيد قطب في نهاية تفسيره للآيتين:"فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد، والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد والاعتصام بالله، العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد" [١٥] .
وهذه الجماعة التي انطبعت بطابع العقيدة وتأثرت بالتربية الربانية المتمثل في العبادات في الإسلام هذه الجماعة ليست خيالا، ولا شيئا محالا، وإنما ظهرت في عالم الواقع في العصر النبوي الكريم، وعصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، ولهذا فقد أثنى الله عليهم في كتابه فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ] آل عمران: ١١٠ [.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما سيكون لهذه الأمة من رفعة طالما كانت متمسكة بكتابه، مستجيبة لأمره قائمة بالعبادات وعمل الصالحات خير قيام.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ] النور: ٥٥ [.
ويقول الله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ] التوبة: ٧٢ [.
стр. 14625
ويقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في ظلال القرآن عند تفسيره لهذه الآية [١٦] :"إن طبيعة المؤمن، هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة، وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون، ومن هنا تقف الأمة الواحدة صفا واحدا لا تدخل بينها عوامل الفرقة وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة ولابد عنصر غريب عن طبيعتها، وعن عقيدتها هو الذي يدخل بالفرقة ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها.
السمة التي يقررها العليم الخبير ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ التي تربطهم بالله، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة، وتحقق الصورة المادية والروحية للولاية والتضامن.
﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ فلا يكون لهم هوى غير أمر الله وأمر رسوله ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله، ولا يكون لهم منهج إلا دين الله ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله.
стр. 14626
وبذلك يوحدون نهجهم، ويوحدون هدفهم، ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها إنما تكون في هذه الأرض أولا، ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح، رحمة الله في اطمئنان القلب وفي الاتصال بالله، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث ورحمة الله في صلاح الجماعة، وتعاونها، وتضامنها، واطمئنان كل فرد للحياة، واطمئنانه لرضاء الله"أه.
وبعد هذا العرض المجمل عن أثر العبادات في إصلاح الأفراد والجماعات وعن مدى النتائج الحتمية لذلك وهو التعاون والتراحم والتضامن والتلاحم الذي تكون به قوتهم وعزتهم وسعادتهم في الدارين.
والآن نتحدث عن أثر الصلاة والزكاة والصوم والحج في جمع كلمة المسلمين.
الصلاة:
стр. 14627
الصلاة هي الفريضة الأولى بعد الإيمان بالله ورسوله، وهي عماد الدين، من وفق إليها، وأعين عليها، فهو الموفق السعيد ومن حرم منها فهو الشقي البعيد، والصلاة التي نقصد الحديث عنها هي التي يخشع فيها صاحبها، ويحافظ على شروطها وآدابها، لا يقتصر دورها على أجر يثاب عليه المؤمن، وعذاب ينجو منه، وإنما تحفظه، وتنفي عنه الشرك الظاهر والخفي، وتعود به إلى صفوف المتواضعين إن كان فيه شيء من الكبر، وترقى به إلى درجة الأعزاء إن كان فيه شيء من الذلة والخنوع، فالحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، وأصحاب الثروة والقوة، والنفوذ والسلطان، والذين ليس لهم من ذلك شيء، كل هؤلاء متساوون في الوقوف بين يدي الله والإقبال عليه، لا فضل لأحد منهم على أحد، إلا بمقدار ما في قلبه من تقوى، وما تثمره هذه التقوى من خيرات وما تحجز عنه من موبقات، فكل أعمال الصلاة ترجع الأمر كله لله، يقف المصلون جميعا بين يدي ربهم يأتمون بإمام واحد كأنهم بنيان مرصوص، يعلنون الله أكبر، وإنها لنعم الكلمة التي تفتح بها تلك العبادة، إنها إعلان بأن الله أكبر من كل شيء ففي هذه الكلمة نفي للخوف والتردد، وإبعاد لشبح الهلع والفزع والجبن لذلك كان المؤمنون هم الذين يحققون الحكم التي يمكن أن تثمرها هذه الصلاة.
لذا هيأ الله تعالى بتشريعه وحكمته للصلاة، جوا طيبا من الإجلال والتعظيم، والخشوع والسكينة، والتعاون والاجتماع، ثم شرع الله تعالى الأذان للدعوة إليها والجمع عليها.
стр. 14628
نداء لم تتجل فيه مقاصد الصلاة ومعانيها فحسب بل تجلت فيه كذلك مقاصد الإسلام، وشعائر التوحيد، ثم أقيمت لها المساجد تلك البيوت التي أذن الله فيها أن ترفع ويذكر فيها اسمه، والتي يتجلى فيها الوقار والسكينة، والخشوع والخضوع، فهي مهبط الرحمات، وملتقى الصالحين وموضع نظر الله في الأرض، فيها يتم التآلف والتعارف، والتوحد والترابط ويتعرف كل على حاجة أخيه قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ ] النور:٣٦-٣٧ [.
لقد كانت هذه المساجد مركز حياة المسلمين، وتعلمهم ودراستهم ومصدر الإصلاح والتوجيه، تعالج فيها قضايا المسلمين الدينية والاجتماعية ويعرفون في ساحاتها كل ما يرفع من شأنهم في حياتهم، ويكتب لهم السعادة بعد مماتهم، وكان رسول الله ﷺ إذا حدث حدث أو نزل بالمسلمين أمر أن ينادى في الناس (الصلاة جامعة) فيفيض إليهم بالنصح والتذكير ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويبصرهم بما يصلح من حالهم، ويوقظ من قلوبهم، ويشد من عزمهم، وظلت المساجد هكذا تؤدي رسالتها العظيمة في خدمة الإسلام، ودعم وحدة المسلمين فكانت القطب الذي تدور حوله رحى الحياة، وتتفجر فيها ينابيع العلم والهداية، وتنبثق منها أنوار الإصلاح والإرشاد وتنطلق منها موجات الكفاح والجهاد.
стр. 14629
والمساجد تتجلى فيها عظمة الله وحده، فلا عظمة فيها لمخلوق ولا اختصاص لعظيم أو كبير، ولا فضل لذي حسب أو نسب، وهو مكان مشاع يتساوى فيه الناس جميعا، الحر منهم والعبد، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، قال تعالى في كتابه الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ] الحجرات: ١٣ [.
وشرع الله الجماعة للصلاة، وأبان الرسول ﷺ عن فضائلها فقال:"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة" [١٧] .
وقد توعد النبي ﷺ على تركها، والتخلف عنها وأشار إلى أن ذلك من سمات المنافقين فقال ﵊:"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم" [١٨] .
وقال ﵊:"عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " [١٩] .
وإذا حضر المؤمن الجماعة، عرف إخوانه وعرفوه فلو غاب عنهم سألوا عنه فإن كان غائبا دعوا له- ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة- وإن كان مريضا عادوه فأثيبوا وأجروا، وجبروا خاطره وأدخلوا السرور عليه، وإن كان حاضرا زاروه، فتوطدت أواصر الأخوة، وتأكدت أسباب التضامن والمحبة.
بل إن في الجماعة بجانب ما سبق، حكم جليلة، ومصالح جمة بعضها اجتماعي وخلقي كالوحدة والاجتماع، والتعارف والتعاون، وبعضها ديني أخروي، كالمحافظة على الصلوات والتنافس في إحسانها وإتقانها، ومنها أن إخلاص المخلصين وخشوع الخاشعين يؤثر في الجماعة كلها، ويرى نوره من خلاها فيوقظ النفوس الخامدة، ويحرك الهمم الفاترة وقد يكون سببا في قبول عبادة الجميع.
стр. 14630
وإكرام بعض الناس ببعض، أمر تقره قواعد الشريعة ويشهد به قول الرسول ﷺ "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" [٢٠] .
نعم إن لاجتماع المسلمين، سرا عجيبا، في تدفق الرحمات، وهذا هو السر في صلاة الاستسقاء وجماعتها، وقد كان رسول الله ﷺ شديد الاهتمام بتسوية الصفوف، كثير الترغيب في إقامتها ووصلها، وسد خللها، شديد الإنكار على الإخلال بها والتفريط فيها، ذلك لأن فوائد الجماعة لا تتحقق ولا تكتمل إلا بالمحافظة عليهَا، وقيام المسلمين فيها كالبنيان المرصوص.
وشرع الله صلاة الجمعة، واختصها بشروط وآداب تزيد في جلالها، وترفع من شأنها، وتورث مزيدا من الاهتمام بها في جمع شمل المسلمين، تحت راية الدين، وهيمنة رب العالمين، وشرع الله الاغتسال في يوم الجمعة والتطيب والنظافة، وبين ما يترتب على ذلك من عطاء أخروي، إلى جانب ما نلمسه من أثر صحي واجتماعي.
يقول ﵊:"لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يصيب من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبن الجمعة الأخرى" [٢١] .
فإذا صعد الخطيب المنبر نصح الناس وذكرهم، ودعاهم إلى الله ويعرفهم بأمور دينهم ودنياهم.
وعلى ولاة الأمور من المسلمين تشجيع الخطباء، وتقبل انتقاداتهم على أنها نصائح فإن الدين النصيحة، وهي لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والملائكة تشارك المؤمنين في سماع خطبة الجمعة قال ﵊:"إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" [٢٢] .
فإذا انتهت الخطبة، أمهم إمام واحد، فكانوا متراصين متساويين يركعون ركوعا واحدا، ويسجدون سجودا واحدا ويتجهون إلى قبلة واحدة هي الرمز لوحدتهم، والجمع لكلمتهم والعنوان الكامل لترابطهم وتضامنهم.
стр. 14631
وقد شرع الله للمسلمين صلاة العيدين، يأتي عيد الفطر بعد شهر كامل يقضيه المسلمون، بين الصيام والقيام، والتلاوة والذكر والبر والرحمة، لقد جعله الله ميقاتا للعطاء، والتشرف بضيافة الله، وأما عيد الأضحى فيأتي في آخر عشر ذي حجة، وهي أيام وليال لها فضلها وميزتها، وفيها ذكريات جليلة، توقظ المشاعر، وتبعث الهمم، إنها ذكريات إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم جميعا الصلاة والصلاة، وإذا كان ما يسمى بالأعياد عند غير المسلمين مواسم تحرر وانطلاق، ومناسبات لذة وتمتع تتناقض أشد التناقض مع العبادات ومفهومها، فإن هذين العيدين، يبدءان بالصلاة لله رب العالمين، بشعار هو التكبير لدى الذهاب إلى الصلاة، وفي انتظارها، وفي الخطبة وبعدها ثم صدقة الفطر قبل صلاة عيد الفطر، والأضحية بعد صلاة عيد الأضحى، كما شرع في هذين العيدين الصلاة بالمصلى خارج البلد، إظهارا لشوكة المسلمين، وعنوانا على وحدتهم وتضامنهم.، وكبتا لعدوهم وتكثيرا لجمعهم، ليعظم لهم العطاء.
لقد كان للجمعة والجماعة، والعيدين، وصلاة الاستسقاء وصلاة الخوف في الأمصار والأقطار، فضل كبير في حفظ هذا الدين، وسلامة الشريعة والأوضاع الدينية، وبقائها على ما تركها عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وبعدها عن تحريف المنحرفين وعبث العابثين، فلو كان المسلمون- أعاذهم الله من ذلك- تركوا الجمعة والجماعة، انفردوا بعباداتهم وصلواتهم في بيوتهم وقاموا بها منفردين منعزلين، موزعين مشتتين، لحرفت هذه الصلوات ومسخت مسخا كبيرا أفقدها أصالتها ووضعها الأولى، وتنوع المسلمون فيها، وصاروا فرقا وأقساما كما في كثير من مظاهر حياتهم المدنية، وآدابهم الاجتماعية وكان للصلاة أنماط ونماذج محلية كما هو حاصل لدى اليهود والنصارى.
стр. 14632
لقد كانت هذه الجماعة عاملا كبيرا من عوامل وحدة المسلمين في العبادات وعاصما لأحكام الدين من التحريف، كما كانت سببا عظيما في تضامنهم، وجمع كلمتهم، وبلغ من اهتمام الإسلام بالجماعة أنه رغب في إقامتها، والحرص عليها حتى في أوقات المحن والشدائد، حين يلقى المسلمون عدوهم، ويواجهون خصومهم، لأن الصلاة في ذاتها سبب المعونة الإلهية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ] البقرة: ١٥٣ [. ولأن في إقامتها مع الجماعة مزيدا من العون والعطاء، تتضاعف بركاتها، وتكثر خيراتها قال سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ] النساء:١٠٢ [.
стр. 14633
ولم تجز الشريعة الإسلامية ترك الصلاة، أو تأخيرها عن ميقاتها في أمن أو خوف، شدة أو رخاء، صحة أو مرض، سفراً أو إقامة، إلا أنه قد جعل لكل حالة وضعا خاصا يتلاءم مع تلك الحالة، يتحقق به التيسير، ورفع الحرج الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، يقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ] البقرة: ٢٣٨-٢٣٩ [.
الزكاة:
لعل من نافلة الحديث أن نقول: إن المال مهم غاية الأهمية للأفراد والجماعات، وأنه قوام الحياة، وأساسها، وعليه تقوم النهضات، وتتقدم الحضارات، به صيانة الحرية، وقوة الشوكة، والعزة والمنعة، فذلك أمر واضح، لا يحتاج إلى بيان، ويكفي أن يصفه القرآن الكريم بأنه قيام الحياة، وينصح بالتوسط فيه إن ملكه المرء فلا يسرف حتى يقف عاجزا عن التصرف، ولا يقتر حتى يتعرض للسخط والملامة قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ] النساء:٥ [.
ويقول جل شأنه: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ ] الإسراء: ٢٩ [.
ويثني على فريق من عباده بالتوسط في النفقة بين الإسراف والتقتير فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ] الفرقان: ٦٧ [.
стр. 14634
ولما كانت للمال هذه الأهمية في إعداد العدة، وأخذ الأهبة، كان الجهاد بالمال مقدما في القرآن الحكيم على الجهاد بالنفس، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ] الصف:١٠- ١١ [.
وكان للنفقة في سبيل الله امتيازها عن الإنفاق في وجوه الخير الأخرى بزيادة أجرها، وكثرة أضعافها قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ] البقرة: ٢٦١ [.
ثم كان للمال الأهمية البالغة في دفع الحاجات، وتفريج الكربات بإطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك ضائقة المحتاج، فإن الله تعالى أوصى بالبذل في هذه الوجوه، وفرض من ذلك نصيبا معروفا في أموال الأغنياء يرد على الفقراء وسمي ذلك زكاة تارة وصدقة تارة، مشيرا بهذه الأسماء، إلى أمور اتسم بها البذل والإنفاق في الإسلام، لأن الزكاة لغة: التطهير والنماء، وهذا الجزء القليل الذي يبذله المؤمن الغني من ماله يطهر صاحبه من رذائل الشح والبخل، وقلة المبالاة بالناس، وعدم الاهتمام بهم، ثم يحليه بطائفة من الأخلاق الكريمة كالسخاء والإيثار، وحب الخير للناس، ورعاية المجتمع، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ] التوبة: ١٠٣ [.
стр. 14635
وسماه الله صدقة لأن بذل المال لله، وابتغاء مرضاته، دليل الإيمان وآية اليقين، وأمارة التصديق، قال ﵊:" ... والصدقة برهان" [٢٣] .
والصدقات في الإسلام تقوم بوظائف شتى لذلك كان القرآن الحكيم حريصا على بيان مصاريفها بيانا قاطعا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ] التوبة: ٦٠ [.
والمتأمل في هذا النص الكريم يرى ما ينطوي عليه نظام الصدقة من تكافل اجتماعي بين أبناء المجتمع الإسلامي، بمواساة الغني للفقير والمسكين، ومراعاة المجتمع للذين يتفرغون لشئون المجتَمع، وإعانتهم على القيام بما ندبوا إليه من ذلك خير قيام، ثم إعطاء المؤلفة قلوبهم وهم الذين دخلوا في الدين ولم يتمكن من نفوسهم التمكن الكامل، ثم يعطى المكاتبون لاستخلاص رقابهم، وشراء حريتهم، وفي هذا دليل على أن الإسلام توّاق إلى الحرية، معين عليها، مرغب في منحها، وهذا ملحظ سياسي واجتماعي عظيم، ثم من أحاطت به المكاره والديون، جعل الله له في ذلك المال نصيبا، يسدد به دَيْنه، ويستأنف به حياته، أما ابن السبيل وهو المسافر الذي نفد ماله أوضاع فينبغي أن يعان من الزكاة حتى يبلغ أهله، فإنه في هذه الحالة أخو الفقير والمسكين، وإن كان في بلده غنيا، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أما الإنفاق في سبيل الله فهو قمة الإنفاق يقول ﵊:"من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا" ١.
إن الصدقات شرعت إذن سدا لحاجات الفقراء والمساكين، وتفريجا لكرب المحتاجين، وتثبيتا للإيمان في القلوب، وتحريرا للرقاب من ذل الرق، وإعزازا لدين الله، والدفاع عن حرمات الإسلام.
следующие страницы →