Полный текст (23 804 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كتاب إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين على ما وردت به الشريعة بالآيات المتلوة والأخبار المروية، وأتى قبل سلف هذه الأمة مع جواز ذلك بالفعل في قدرة الله . ٢٤٣- ٢٨٥
ختم ب أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس ابن محمد حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبو عقيل عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال:
"بينما رجل يسير في أرض إذ انتهى إلى قبر فسمع صاحبه يقول: آه آه فقام على قبره قال:
فضحك عملك وافتضحت". تم بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً كثيرا.
اتفق الفراغ منه يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وستمائة بدمشق على أصله ما صورته رأيت في نسخة الإمام أبي مسعد السمعاني الذي نسخ هذه النسخة وهو كتاب الزهد في خمسة أجزاء منه هذه النسخة ما صورته هذه: قرأ كتاب الزهد الكبير الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسين بن هبة الله الدمشقي على أبي القاسم السماعي وسمع ... زاهر والإمام الأمير أبو المعالي طفر لشاه بن محمد بن الحسين الكاشفري في رجب سنة ثلاثين وخمسمائة بنيسابور نقله ابن الوزير الدمشقي من خط الإمام الحافظ زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي حرس الله جماله وغفر له.
في جمادى الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بمرو والحمد لله وحده. نقله كما شاهده عبد الجليل بن عبد الجبار..
قوبل بأصل الحافظ أبي القاسم الذي بخطه والحمد الله وحده.
هذا وللبحث بقية ستأتي إن شاء الله نوضح كل رسالة وكتاب من الرسائل والكتب المتقدمة، ونذكر إن كان مطبوعا أو لازال في عالم الغيب مخطوطا، ونذكر النسخ الموجودة منه في المكتبات العالمية، ونشير إلى أهمية هذه المخطوطات ونعرف بالتفصيل بكل منها.
стр. 177
ملحمة قرآنية
للشيخ محمد المجذوب المدرس في الجامعة
قصة موسى للقلوب ذكر
لا تنتهي، وللعقول عبر
اليتم وافاه إلى بطن أمه
واستقبل الفقر بزوغ نجمه
وصب فرعون على الأطفال
من قوم موسى حمم الِنكا
مجزرة رهيبة عصيبة
قد نال منها جلهم نصيبه
وذاك أن الكاهنين أخبروا
أن هؤلا كاسحا سيظهر
يكون في حلوله النهاية
لعرشه، وفي رداه آية
وكل ذا على يدي وليد
من آل يعقوب على التحديد
فلم يجد جسرا إلى النجاة
إلا على الأشلاء والهامات
فأترع الغاشم بالدم الثرى
وأتخم السياط من لحم الورى
من كل مولود بعمر البرعم
لم يقترف نكرا ولما يأثم
حتى رأى الجزار أن الخطرا
قد زال عن حياته وانحسرا
-٢-
وذات يوم حمل الماء إلى
حدائق الطاغي وعاء مقفلا
فأقبلوا يستطلعون أمره
ليحملوا إلى الظلوم سره
ففوجئوا بطلعة كالقمر
يزوي سناها برفيف الزهر
طفة تسبي القلوب والنه
بما تسربلت به من النهى
..وهم فرعون بأن يسلبه
حق الحياة يتحدى ربه
لكن أمر الله كان الغالبا
فكف عنه لطفه المعاطبا
وهكذا احتواه قصر القاتل
فكان فيه بهجة المحافل
كل يود لو يراه راضيا
عنه ليحظى بالثناء غاليا
وهكذا صين من الإيذاء
وهو بكف شارب الدماء
في غمرة اللظى ولا يحترق
لا بدع فالله هو الموفق
أن يرد الأمر يسهل سبله
حتى ترى أعداءه يسعون له
فهم برغم أنفهم في خدمته
ليعلن الله خفي حكمته
.. وأمسك الطفل عن الأثداء
وعاف كل لبن وماء
فانطلقوا يلتمسون مرضعة
تسعد ذا الطفل ولا تشقى معه
وكانت أخته تقص أثره
عن كثب وتستبين خبره
فابتدرت ترشدهم إلى اللتي
لما تزل ترقبه في لهفة
ورد للأم فطارت جذلا
بعد فراق كاد يمحوا الأملا
- ٣-
وراح موسى في ظلام الكفر
يشب كالواحة وسط القفر
ما أن تزيده خطى الليالي
إلا نفارا من أولي الضلا
.. وهاله البغي الذي رآه
يصبه الطاغي على أسراه
فبات يغلي صدره بالحنق
على أولئك العتاة النزق
لكنه لم يدر ماذا يصنع
وهو الذي ليس له من يسمع
وذات يوم بينما يسير
стр. 178
بين الجموع وهو لا يحير
أتاه صوت خائف مظلوم
يلتمس العون على ظلوم
فلم يطق صبرا على ما وجدا
ووكز العادي فوافاه الردى
فبات موسى خائفا يرتقب
حصاد ما جر عليه الغضب
ولم يطل مقامه حتى مضى
مسلما زمامه إلى القضا
-٤-
وبعد لأي ساقه التيار
إلى شعيب، ولنعم الجار
وقص فحوى أمره عليه
ثم أصاخ مطرقا إليه
فقال: أنت آمن في كنفي
ومن يعذ بربه لم يخف
ولبث الفتى بظل مدينا
ثمانيا كن له فوق المنى
حتى إذا وفى صداق أهله
فارقه في لهفة لأهله
وفي الظلام أدرك المخاض
أم بنية، وخلا الوفاض
ولاح عن بعد له لألاء..
فقال: دفء ذاك أو ضياء
لكنه ما أن دنا حتى سرى
في سمعه مالم يكن منتظرا
..ورقت النجوى وطاب الكلم
ونال موسى علم مالا يعلم
ومن هنا مضى نبيا مرسلا
يحمل أمر الله والآي العلى
-٥-
وما سوى إيمانه من عون
واقتحم القصر على فرعون
محاولا بث الهدى في قلبه
وبلغ الطاغي وحي ربه
ولم يزده اللين إلا عسرا
لكنه لم يبد إلا كبرا
ذاك الغشوم المستبد العاتي
وظل رغم رؤية الآيات
لقهر موسى كل من به اشتهر
قد ظنها سحرا فنادى فحشر
عند ازدحام القوم في المدينة
وجعل الموعد يوم الزينة
واظطرم البغي، وجن الغي
وصفت الأحبل والعصي
فخيلوا الساق إليهم رأسا
واسترهب المشعوذون الناسا
لولا نتداء من وراء الحجب:
وكاد يعرو الخوف أعصاب النبي
إذن ترى الباطل كيف يزهق
لا تخش واقذف بالعصا ما اختلقوا
إذا أبصروا خلف عصا موسى الهدى
هنا خر الساحرون سجدا
فطاش حتى لم يطق من صبر
وكان فرعون يرى ما يجري
كادت تشل فجأة سريرة
ويالها فضيحة كبيرة
يكبح عنه يقظة الألباب
لذاك لم يلف سوى الإرهاب
مقطعي الأوصال والأعضاد
فعلق القوم على الأعواد
إلا الذي تشاهدونه هنا
يقول: ليس للعصاة عندنا
عن أمرنا.. والويل للمخالف!
ذاك المصير حظ كل صادف
-٦-
وامتحنت مصر بالآفات الكبر
من شؤم فرعون ورهطه الأشر
فالدم والقمل والضفادع
بعض الذي جاءت به الفجائع
فلم يروا منجي من الدواهي
стр. 179
إلا بإطلاق عباد الله
فقاد موسى تلكم الأساري
إلى عرين الأسد في الصحاري
لينفضوا عن طبعهم ما علقا
من دنس الذلة في عهد الشقا
لكن فرعون ومن قد صانعه
رأوا خلاص القوم خسرا وضعه
لذا عدا وراءهم بقوته
يريد ردهم لصون هيبته
فصاح: كلا.. لا مكان للوهن
إن معي ربي سيدفع المحن
-٧-
وجاءه الوحي: أن أضرب بالعصا
في البحر يفسح للحيارى مخلصا
وشد فرعون وراء القوم
فكان للباغين شر يوم
إذ أطبق الموج عليهم أجمعا
فلم يدع لراج مطمعا
وهاهنا أقر فرعون بما
أنكر من قبل عنادا وعمى
يهتف آمنت برب موسى
والموت ماض يخطف النفوسا!
وأبهج المستضعفين أن يروا
معذبيهم يصطلون ما جنوا
.. ويقذف البحر أخيرا بدنه
لينشق المضللون تتنه
فيعلموا أن الذي قد عبدوا
لم يك إلا جيفة وتفسد!
-٨-
لكن موسى لم يجز ذا الخطرا
حتى تلقى من يهود الأخطرا
فكم عليه فتنه أثاروا
وفرية ليس لها قرار
حتى لقد رموه بالفجور
وهو الذي في الطهر صنوا النور
وكان ذا على يدي قارون
ويل أمه من آفك مأفون
أثقله الله بأعباء النعم
فقابل الفضل بأصناف النقم
وراح يستعدي على الرسول
كل دني النفس والميول
حتى لقد أغرى به، وما أرعوى،
ذات سفاه من حظيات الهوى
زودها بالتهم الحقيرة
ومدها بالمنح الكبيرة
فأقبلت تقذفه بالمنكر
في قحة الوغد، وكيد الفجر
ويا لهول المأزق المضعضع
أي حجي في مثله لم يضع
لكنها النبوة العلية
موصولة بضابط البرية
سر من الله الذي لا يغلب
وليس عن عينية شيء يعزب
فثق إذا بنصره يا موسى
ألست في عصمته محروسا؟
-٩-
وفي وقار الرسل الهداة
واجه موسى خطط الغواة
فقام يستنطقها مستحلفا
بمن لهم شق الخضم واصطفى
(إلا كشفت عن دفين الصدر
حتى يبين الحق دون ستر)
ولم تطق صبرا على الكتمان
أمام ذاك الوازع الرباني
فاندفعت تصرخ في غير هدى:
قارون قد أضلني وأفسدا,,
واتضحت قواعد المؤامرة
لكل ذي بصيرة وباصره
فلم يعد خيرا بقاء الظالم
يشيع روح الإثم والمظالم
فأمر الله الثرى فامتثلا
стр. 180
لأمر موسى وغدا مذللا
فصاح: يا أرض خذيه وابلعي
قصوره وما حوت من متع
وغاص قارون.. وغاص الذهب
وعقد الألسن ثم الرهب
وقال كل راغب في ما ملك
الحمد لله نجونا وهلك
لو لم يمن ربنا علينا
لساق مثل خزيه إلينا!
-١٠-
وهكذا يرتفع اليتيم
ويسقط الظلوم والعظيم
وكم بذاك وبذا من عبر
يتحفنا لها لسان القدر
ليعلم المستيئسون الغفل
بأن نصر الله حتما مقبل
وليس فرعون وقارون إذن..
سوى مثال البغي في كل زمن
يكرر التاريخ فيه نفسه
فيومه يكاد ينسي أمسه
فانظر هنا، ثم تأمل ثما
تر الأباة يجرعون السم
حتى العذاري يقتحمن الحمما
مهتكات يجتررن العلقما
وليس من ذنب سوى الإيمان
أن لا حياة بسوي القرآن
وكل ما يدعونه عدالة
في غيره ليس سوى ضلالة
..فقل لجلادي الهداة الشرفا
والقاذفي بالإفك جند المصطفى:
الله أعلى منكم وأقدر
ومكره من كل مكر أكبر
لكنه يمهل أهل الباطل
حتى تموت حجة المجادل
وعند ذاك يبدأ الحساب
والويل حين يهجم العذاب
وقد لمستم – لو عقلتم – نذره
بالنكبات السابقات غيره
فالنمل والسيول والحرائق
والجدب والإفلاس والبوائق
حتى حقولكم، وكانت مصدرا
للرزق غاض خيرها فما يرى
فأنتم لولا هبات الغربا
ما وجدت بطونكم غير الهبا
وليتكم تنتفعون بالنوب
إذن دفعتم عن حماكم العطب
لكنكم ألفتم الظلاما
فلا ترون في الجنون داما
وهو لعمري الخلق القديم
يعيد ما قد لقي الكليم
فارتقبوا عواقب الجناة
واستيئسوا من أمل النجاة
.. ويا جنود الحق: صبرا إنها
هنيهة.. ثم يكون المنتهى.
стр. 181
العدد ٢
فهرس المحتويات
١- على طريق العلم: لفضيلة نائب رئيس الجامعة - الشيخ عبد العزيز بن باز
٢- في إفريقية الخضراء: للشيخ محمد بن ناصر العبودي
٣- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٤- أخلاق الشباب المسلم: للدكتور محمد تقي الدين الهلالي
٥- إستعلاء الإيمان: للشيخ محمد المجذوب
٦- رمضان فضله وفوائده: لفضيلة نائب رئيس الجامعة
٧- البرُّ لا يبلى: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
٨- الإخلاص: للشيخ عبد المحسن العباد
٩- إقبال - شاعر الإسلام: للشيخ أحمد حسن
١٠- الغزو الفكري وأثره في العالم الإسلامي: للشيخ محي الدين القضماني
١١- الجامعي بين التحصيل والتبليغ: للشيخ ممدوح فخري
١٢- إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم: للشيخ إبراهيم السلقيني
١٣- الشباب.. ومستقبل الإسلام: للشيخ أبي بكر جابر الجزائري
١٤- الإيمان المنقِذ: للشيخ صالح رضا
١٥- مشكلات الطلاب الجامعيين وحلها على ضوء الإسلام: للشيخ عطية سالم
١٦- من تاريخ المذاهب الهدّامة- كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة: بقلم محمد بن مالك اليماني
١٧- في الإسراء والمعراج: للشيخ عبد الله خياط
١٨- أخطار التدخين: ترجمة الدكتور أحمد سليمان - الطبيب في مستشفى الجامعة
١٩- التدليس والمدلسون: للشيخ حماد الأنصاري
٢٠- دروس من التاريخ: للشيخ أبي عمر
٢١- عود على بدء: للشيخ عبد العزيز بن ناصر الباز
٢٢- مكتبات المدينة ومخطوطاتها: للشيخ محمود ميرة
٢٣- نظام الجامعة الإسلامية
٢٤- الفتاوى:لفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز
٢٥- ندوة الطلبة- صور من القضاء في الإسلام: بقلم صالح بن سعيد بن هلالي
٢٦- يا مسلم: شعر: عبد العزيز القاري
٢٧- تاريخ الأسلاف منار الحاضر والمستقبل: بقلم أبي عبد السلام زكريا المديني
٢٨- موجز تاريخ التعليم المختلط ونتائجه: بقلم: محمد ضياء الرحمن الأعظمي العمري
٢٩- مع الصحافة حاجز ما بين الطريقين: إعداد جلال الدين مراد
٣٠- أخبار الجامعة
إعداد قسم التحرير
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 182
العدد ٢
على طريق العلم
لفضيلة نائب رئيس الجامعة
الشيخ عبد العزيز بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وبعد:
فمما لاشك فيه أن العلم هو الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها مقومات الحياة البشرية.
وأولى العلوم بالاهتمام والعناية هو معرفة علم الشريعة الإسلامية إذا به تعرف الحكمة التي خلقنا الله لأجلها وأرسلت الرسل لتحقيقها وبه عرف الله, وبه عبد كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ , وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ , وبهاتين الآيتين علمت الحكمة في خلق الجن والإنس, والحكمة في إرسال الرسل, وأية الأمة لا عقيدة لها صحيحة, ولا دين عندها صحيح فهي أمة جاهلة مهما بلغت من الرقي والتقدم في نواحي الحياة كما قال سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ . والحياة الطيبة هي الحياة أهل العلم والإيمان كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ , وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . والعلم النافع لا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة المعلم, ولا يمكن لأي إنسان أن يكون معلما إلاّ إذا كان عالما بالمادة التي يعلمها غيره ... إذ فاقد الشيء لا يعطيه, والعلماء هم ورثة الأنبياء, ولذلك كانت مهمة المعلم من أصعب المهام ولما تتطلبه من الاتصاف بأكمل الصفات حسب الإمكان من علم نافع, وخلق كريم وعمل صالح متواصل وصبر
стр. 183
ومصابرة, وتحمل للمشاق في سبيل إصلاح الطالب, وتربيته تربية إسلامية نقية, وبقدر ما تتوفر صفات الكمال في المدرس يكون نجاحه في مهمته.
وقدوة الجميع وإمامهم هو سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله الهاشمي العربي المكي ثم المدني عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم, فلقد كان أكمل الناس في كل الصفات الكريمة, وقد لاقى في توجيه الناس وتعليمهم الصعوبات الكثيرة, والمشاق العظيمة, فصبر على ذلك, وتحمل كل مشقة وصعوبة في سبيل نشر دينه, وإخراج أمته من الظلمات إلى النور, فجزاه الله عن ذلك أفضل الجزاء الحسن وأكمله, وقد تربى على يديه الكريمين جيل صالح يعتبر أفضل الأجيال التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل, ومعلوم أن ذلك ناشئ عن حسن تربيته وتوجيهه لأصحابه, وصبره على ذلك مع توفيق الله لهم وأخذه بأيديهم إلى الحق .
إذ علم ذلك فإن من أهم المهمات في حق المعلم في كل مكان وزمان, أن يسير على منهج المعلم الأول محمد ﷺ , وأن يجتهد في معرفة ذلك حتى يطبقه في نفسه, وفي طلابه حسب الإمكان, وما أشد حاجة الأمة في هذا العصر الذي كثر فيه دعاة الهدم وقلّ فيه دعاة البناء والإصلاح إلى المعلم الصالح الذي يتلقى علومه, وما يربي به طلابه من كتاب الله, وسنة رسوله ﷺ , وينشر بينهم أخلاق السلف الصالح من الصدق, والأمانة, والإخلاص في العمل, وتعظيم الأوامر والنواهي, والمسابقة إلى كل فضيلة والحذر من كل رذيلة.
стр. 184
ومما تقدم يعلم أن مهمة المعلم مع كونها من أصعب المهام فهي مع ذلك من أشرف الوظائف , وأعظمها نفعا, وأجلها قدرا, إذا وفق صاحبها للإخلاص, وحسنت نيته, وبذل جهده. كما أن له من الأجر مثل أجر من انتفع بعلمه وفي الحديث الشريف يقول ﵊: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه", ويقول عليه والصلاة والسلام: "لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم", ويقول أيضا ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله", ولا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب, فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة, وسمت حسن حتى يتأسى به تلامذته, كما ينبغي أن يكون حافظاً على المأمورات الشرعية بعيدا عن المنهيات, حافظاً لوقته, قليل المزاح, واسع البال, طلق الوجه, حسن البشر, رحب الصدر, جميل المظهر, ذا كفاية ومقدرة وسعة الاطلاع, كثير العلم بالأساليب العربية ليتمكن من تأدية واجبه على أكمل وجه. ولا شك أن من يعنى بدراسة النفس البشرية من كافة النواحي, ويبحث عن الأسباب المواصلة إلى معرفة الطريقة التي يمكن بواسطتها غرس العلوم في هذه النفس بسهولة ويسر, سوف يحصل على نتائج طيبة في كشف بعض خفاياها, وما انطوت عليه من مشاعر وأحاسيس, ومدى تقبلها للمعلومات المراد غرسها فيها.
стр. 185
وسيخرج من تلك الدراسة والبحث بمعلومات هي في الحقيقة من القواعد العامة التي يقوم عليها صرح التعليم, وهذه القواعد يمكن إجمالها في أنه إذا أراد أي معلم أن يغرس معلوماته في أذهان تلامذته فلا بد له قبل كل شيء أن يكون ذا إلمام تام بالدرس الذي وكل إليه القيام به, وذا معرفة بالغة بطرق التدريس, وكيفية حسن الإلقاء, ولفت نظر طلابه بطريقة جلية واضحة إلى موضوع الأساسي للدرس, وحصره البحث في موضوع الدرس دون الخروج إلى الهوامش قد تبلبل أفكار التلاميذ, وتفوّت عليهم الفائدة, وأن يسلك في تفهيمهم للعلوم التي يلقيها عليهم طرق الإقناع مستخدما وسائل العرض, والتشبيه, والتمثيل, وأن يركز اهتمامه على الأمور الجوهرية التي هي القواعد الأساسية لكل درس من الدروس, وأن يغرس في نفوسهم كليات الأشياء ثم يتطرق إلى الجزئيات شيئا فشيئا؛ إذ المهم في كل أمر أصله, وأما الفروع فهي تبع للأصول, وأن يركز المواد ويقربها إلى أذهان التلاميذ, وأن يحبب إليهم الدرس ويرغبهم في الإصغاء إليه, ويعلمهم بفائدته وغايته, آخذا في الحسبان تفهيم كل طالب ما يلائمه, وباللغة التي يفهمها, فليس كل الطلبة على حد سواء وأن يفسح المجال للمناقشة معهم, وتحمل الأخطاء التي تأتي في مناقشاتهم لكونها ناتجة عن البحث عن الحقائق, وأن يشجعهم على كل بحث يقضي إلى وقوفهم على الحقيقة, آخذاً الحسبان عوامل البيئة والطباع والعادات والنماذج؛ لأن لتلك الأمور تأثيراً بالغاً في نفسيات التلاميذ ينعكس على أفهامهم وسيرتهم وأعمالهم, ولهذا فإن من المسلّم به أن المعلم النابه الذكي الآخذ بهذه الأمور يكون تأثيره على تلامذته أبلغ من تأثير من دونه من المعلمين, ومهمة المعلم أشبه ما تكون بمهمة الطبيب, ومن واجبه أن يعرف ميول طلابه, ومدى حظ كل منهم من الذكاء, وعلى أساس هذه المعرفة يقدر المقاييس الأساسية التي يسير على نهجها في مخاطبة عقولهم وأفهامهم, وتلك من أهم أسباب نجاح
стр. 186
المعلم في مهمته.
وأهم العلوم الواجب تعليمها على الإطلاق هو العناية بإصلاح العقيدة على ضوء الكتاب والسنة, وهدى السلف الصالح, ثم العناية ببقية العلوم الشرعية, ثم العلوم الأخرى التي لاغني للبشر عنها, شريطة أن لا يكون من نتائج تلك العلوم الأعراض عن العلم الأساسي الذي خلق الخلق لأجله, وأن تسخر هذه العلوم للمصلحة العامة دون أن تقف حجرا في طريق العلم النافع, ولقد هدى الله من هدى لتعلم العلم النافع وتعليمه بتوفيق منه وفضل وحكمة بالغة, فنفع الله بهم العباد والبلاد, وفازوا بالذكر الجميل, والسمعة الحسنة, ومضاعفة الأجر, وحسن العاقبة, وحرم التوفيق آخرين بسبب تنكبهم الطريق السوي, فكانت علومهم وبالاً عليهم وعلى تلاميذهم, فضلوا في متاهات الكفر والإلحاد والزندقة, وأضلوا غيرهم فباؤوا بمثل إثمهم, وذلك من عدله سبحانه وحكمته وجزائه لمن حاد عن الحق, وتنكّب الصراط السوي, وتابع الهوى أن يبوء بالخذلان والزيغ عن الهدى كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . والآيات في هذا المعنى كثيرة, ونسأل الله أن يرزقنا وسائر المسلمين العلم النافع والعمل الصالح, وأن يلطف بنا جميعاً ويمنّ علينا بالفقه في الدين, والثبات عليه, وأن يصلح ولاة أمر المسلمين وقادتهم, إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم دين.
نائب رئيس الجامعة الإسلامية.
بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 187
الغزو الفكري وأثره في العالم الإسلامي
للشيخ محي الدين القضماني المدرس بالجامعة
منذ أن بزغ فجر الإسلام قام الصراع بين المسلمين والذين كفروا من أهل الكتاب, وهو حلقة من سلسلة الصراع القائم بين الحق والباطل من لدن آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وامتد الفتح الإسلامي في أطراف الأرض, وتقلصت بلاد النصرانية حتى حصرت في بعض أوربا تتربص بالمسلمين وتنتظر منهم غفلة وضعفا, حتى لمست ذلك أيام الحروب الصليبية, فقامت بحملاتها تقذف بلاد الشام وقدسها بالجيوش العاتية, فاحتلت البلاد, وأسّست دويلات, ولكن المسلمين الذين أفاقوا من غفلتهم سرعان ما رجعوا إلى ربهم, فوحدوا صفوفهم, وانطلقوا تحت راية صلاح الدين, وإذا العقيدة الإسلامية نار تحرق الصليبين, وتطارد فلولهم, وترد أوربا المنهزمة على حقدها ومكرها, فتفكر في الوسيلة المجدية في إضعاف المسلمين, والتسلط على بلادهم, ورأت أنّ ذلك لا يتم إلاّ بإضعاف العقيدة في نفوس المسلمين, وإبعادهم عن مصدر قوتهم. وهكذا بدأت تمهّد هذه المرة للاستعمار العسكري بالاستعمار الفكري؛ لأنها عرفت أن الإنسان إذا فقد العقيدة فقد القوة والمنعة.
وأخذت أوربا ترسل جيوش المبشرين إلى الشرق محاولة أن تنزع من المسلمين حبهم لدينهم, وتمسكهم بإسلامهم, وإذا كانت قد فشلت في أن تدخل المسلمين في النصرانية في أكثر البلاد الإسلامية, فإنها قنعت أن تفسد العقيدة, والأخلاق في نفوس المسلمين, فتنزع من هذه النفوس اعتزازها بأمتها وتعاليمها.
стр. 188
ففي مؤتمر القدس الذي عقده المبشرون أيام الاحتلال البريطاني خطب القسّيس (زويمر) رئيس المبشرين في إخوانه المؤتمرين, فبيّن لهم أهداف التبشير الحقيقة, وقال في بعض خطبته: "إن مهمة التبشير ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية, فإن في هذا هداية لهم وتكريما, وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله, وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها, وبذلك تكونون أنتم بأعمالكم هذه طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ... لقد قبضنا أيها الإخوان - في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا - على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية, ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير ... " إلى آخر ما قال.
فالتبشير الذي هو استعمار فكري كان إذن لخدمة الاستعمار العسكري وتمهيدا لدخول الجيوش الأجنبية, وضمان لبقائها في البلاد, وكان هذا الاستعمار العسكري الفكري يعمل ضمن مخططات مدروسة, ويستعين بشتى الوسائل الممكنة.
فقد هال المستعمرون ما رأوه عليه المسلمين من وحد روحية وعادات وآداب مشتركة, فحاولوا تحطيم هذه الوحدة, وتمزيق وشائج القربى بين المسلمين, فأثاروا النعرات القومية, وشجعوا أصحابها, وتآمروا على الخلافة الإسلامية حتى قضوا عليها, ليجعلوا بأس المسلمين بينهم ليعودوا أمماً ضعيفة, لا تملك من أمرها شيئا ... ورأوا في اعتزاز المسلمين بدينهم واحترامهم لنبيهم خطرا عليهم؛ لأنه يجعل الغربيين الكافرين الغرباء مكروهين, لا يركن المسلمون إليهم, ولا يثقون بهم, ولا يقبلون حكمهم, فحاولوا تغيير هذا ولجأوا إلى وسائل كثيرة منها:
стр. 189
فتح المدارس التبشيرية الكثيرة, وتزويدها بالأساتذة الحاقدين على الإسلام, والإكثار من الإرساليات التبشيرية التي تنشر باسم الدين الدسائس على الإسلام والشبهات والمفتريات على نبي المسلمين, وإنشاء المستشفيات, ومداواة المسلمين مجانا لكسب ثقتهم, وحسن الاتصال بهم, ومنها نشر الكتب التي تدسّ على الإسلام باسم العلم والمدنية والثقافة, وتشجيع المجلات الخليعة الأدب الماجن ,والسيطرة على دور النشر لإفساد النشء الجديد وتمييعه, ومنها قبول عدد كبير من أبناء المسلمين للدراسة في جامعاتهم, وتغذيتهم بأفكارهم, ومنها تمجيد الحضارات القديمة التي كانت في جاهلية الشعوب الإسلامية لإلهائها عن نبيها وتاريخها وحضارتها.
ومنها السيطرة على مناهج التعليم في بلاد المسلمين لتوجيهه كما يريدون, وذلك بإمدادهم بالنظم والخبراء, والعمل على تعيين تلاميذهم ومريدهم في الوظائف التعليمية الحساسة.
ومنها تشجيع المذاهب والمبادئ الهدامة من شيوعية ووجودية وفوضوية وقومية, بتشجيع دعاتها لإشغال المسلمين عن دينهم وإلهائهم عن حقيقة عقيدتهم وشريعتهم.
ومنها إفساد المرأة ودعوتها إلى التبرج باسم الثقافة والحرية والتقدمية لتفسد الأسرة وتصرف الشباب عن دينهم إلى شهواتهم.
وقد كان لهذه المخططات الخبيثة أثرها في المسلمين, مما عمل في إضعافهم وتمكين المستعمرين في بلادهم.
стр. 190
ولو اقتصر أثرهم على عدد من المسلمين دخلوا النصرانية وارتبطوا بالغرب وثقافته نهائيا لهان الأمر, ولكن أثر الغربيين في بلادنا كان أبلغ وأخطر, فقد راع المسلمين ما هم عليه من تخلف مادي وحضاري, وتأخر في مجال العلوم والمكتشفات, ورأوا الغرب يرفل في ثياب المدنية, وظنوا ذلك مرتبطاً بالإسلام, وما فيه من تعاليم, فأعجبوا بالغرب, وبكل ما يأتي به الغرب, وعلى رأس هؤلاء الشباب الذين درسوا في المدارس التبشيرية, وتأثروا بتوجيهها, أو مضوا إلى الغرب ينهلون من ثقافته وعاداته, ثم رجعوا إلى بلادهم وفي أعماقهم احترام الغربيين, واحتقار أمتهم وما هي عليه من عقيدة وثقافة وعادات, وحاولوا جاهدين أن ينشروا المدنية الغربية في بلادهم, وقد أسهم الاستعمار بما له من نفوذ في بعض الأقطار الإسلامية في أن يرفع من قدر هؤلاء, ويلفت إليهم الأنظار, ويوليهم المناصب الحساسة الموجهة في البلاد, وقد كثر هؤلاء, وسيطروا على سياسة التعليم, وخرّجوا أجيالاً تؤمن بما يؤمنون.
وقد تربى هؤلاء على العقيدة القومية ودعوا إلى الحرية في الأخلاق ليفلتوا من رقابة المجتمع, ودعوا إلى تحرير المرأة ولحاقها بالمرأة الغربية. ولم تقف هذه الفئة عند حد في تقليد المجتمع الأوربي وأبت إلا أن تخرج المجتمع الإسلامي من دائرة الإسلام وتقطعه عن ماضيه, وتعلن التلمذة على الغرب, والاستسلام لكل ما يأتي من عنده, حتى بلغ الأمر ببعضهم أن يقدس الغربيين, ويتباكى عليهم إذا كانوا مستعمرين للبلاد وأكرهوا أن يخرجوا منها.
فهذا طه حسين مثلا يكتب مقالاً وهو في مصر عند جلاء الفرنسيين عن سورية ينعى على السوريين كفرهم بالنعمة, وطردهم أساتذتهم ومعلميهم الحضارة, وولى الدين يكن يتوجس خيفة من زوال الاحتلال البريطاني عن مصر مرتعاً للجهالة والتخلف لولا وجود البريطانيين المتحضرين فيها.
стр. 191
وقد نفذت هذه المخططات إلى أعمق من ذلك, فوصلت حتى إلى المصلحين والكتّاب الإسلاميين الذين لم ينجوا من بعض آثارها.
فقد استطاع الغرب بخبثه ودسائسه أن يدفع بعض الأقلام المخلصة لتعريف بعض المفاهيم الإسلامية بنية الدفاع عن الإسلام ورد الشبهات عنه, فإذا كتب المستشرقون أن الإسلام انتشر بقوة السيف, حاولوا أن يجعلوا الجهاد في الإسلام دفاعيا, واجتهدوا في إقناع الناس بأن المسلمين لم يحملوا السلاح لنشر كلمة الله, كأنما نشر دين الله وحمل الناس على الحق عيب يستحي منه.
وإذا كتب المستشرقون الخبثاء أن الإسلام لا يقوم على العقل, جهد بعض الكتاب في أن يردوا ذلك, ويتجاوزوا الحد, فيخضعوا الشرع للعقل, ويفسروا المعاني الإسلامية تفسيرا عقليا بحتا, ونحن نعلن أنه لا تناقص بين الإسلام والعقل السليم, ولكن الإيمان بالله يوجب علينا أن نخضع العقل للنص في الأمور التي يصعب على العقل إدراكها وتفسيرها.
стр. 192
كما حاول بعض المصلحين التقريب بين الإسلام والفكر الأوربي الحديث, ليجعل من الإسلام في رأيه دينا تقدميا يقبله النشء الجديد من المسلمين؛ لأنه لا يتنافى مع العقل والمدنية الحديثة. ورأوا المسلمين متخلفين في ميادين العلوم, وأرادوا لهم التقدم ومجاراة المستعمرين في قوتهم المادية, فدعوا إلى الأخذ بالثقافة الغربية الحديثة, ودعوا إلى عدم التخوف منها, فهي كلها خير, والتاريخ الحديث يخبرنا مثلا عن أحمد خان في الهند الذي رأى أن الثقافة الأوروبية هي سبب تفوق الأوروبيين, فدعا المسلمين في الهند إلى التعلم في مدارس الإنكليز وأدار الجامعة الإسلامية البريطانية في (عليكرة) , وأرسل ابنه إلى الجامعات الإنكليزية لينهل منها, ولم ينتبه إلى ما في الفكر الأوربي من انحراف وتناقص مع منهج الإسلام وحقائقه, وهدم للشخصية الإسلامية التي حرص الإسلام على استقلالها, فساهم أحمد خان بهذا في هدم هذه الشخصية الإسلامية التي كانت مصدر قلق كبير للإنكليز.
стр. 193
وأنا لا أعني أن نبقى جهالا, وأن لا نستفيد مما عند الغربيين من رقي مادي وتقدم علمي, فالعلم فريضة, ولكن علينا أن نعرف ما نأخذ وما ندع, علينا أن نحسن الاختيار في اقتباسنا, ولا نتهالك على ما عند أعدائنا كما يتهالك الفراش على النار الموقدة. فنحن يمكننا أن نأخذ من الأوروبيين وغيرهم العلوم البحتة كالكيمياء والفيزياء والطب والصناعة وغيرها مما هو نتاج الفكر وحده, فهذا يدخل في قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم". أما ما يتعلق بتصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان, وغاية وجوده, وما يتعلق بالمبادئ والشرائع, وما يتعلق بالأخلاق والعادات والقيم والمفاهيم التي تكّون ملامح المجتمع المسلم, فهذا كله لا يجوز أن نأخذه عن الغربيين, ونتلمذ فيه عليهم؛ لأن هذا كله يكون شخصية المسلم ونظرته للحياة, ولا يجوز للمسلم أن يتلقى هذا إلاّ عن ربه, ولا يعتمد في تعلم ذلك إلا على مسلم يثق بعلمه وتقواه, أَوَلَمْ يُنبِّهُنَا الله تعالى إلى خطر الأخذ في مثل هذا عن أهل الكتاب لأنهم ضالون؟ أَوَلَمْ يسمع المسلمون لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ . إن هؤلاء الغربيين انحرفوا عن الحق حين أعرضوا عن ربهم, وكفروا بالآخرة, ولم يريدوا في تفكيرهم إلاّ الحياة الدنيا, لذلك جاءت حضارتهم منحرفة لا يجوز اتباعها, والثقة بها, والله تعالى يقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا, ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ, إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ .
стр. 194
ولو أخذ المسلمون عن الغربيين ما عندهم من علوم مادية بحتة, واعتمدوا في دراسة العقائد والشرائع والأخلاق والعلوم النفسية والاجتماعية على ما عندهم من مصادر إسلامية لتقدمت البلاد الإسلامية في المجال المادي دون أن تقع فيما وقعت فيه من فساد العقيدة, وانحلال الأخلاق, وضعف الشخصية, مما زاد في تفكك المجتمع الإسلامي وتخلفه.
فالاستعمار الفكري الذي توغل في بلاد المسلمين وكان له أثره الكبير فيها, كان إذاً أخطر من الاستعمار العسكري؛ لأن الاستعمار العسكري مكشوف واضح لكل ذي عينين, وهو يحمل في طبيعته كراهيته, ويدفع الأمة المستعمرة بما فطر الإنسان عليه من حب للحرية والكرامة إلى أن تحاربه وتحاول التخلص منه.
لذلك لم يستطع الاستعمار العسكري أن يدوم طويلا في بلاد المسلمين لأن الإسلام بما يغرسه في نفوس المسلمين من روح الجهاد وحب الشهادة في سبيل الله, وبما يزرعه في أذهان المسلمين من أنّ المشركين نجس, وأنه يحرم على المسلم أن يخضع لحكم كافر, وأن عليه أن يجاهده ويقضي عليه ما وجد إلى ذلك سبيلا, كل هذا كان كافيا في أن لا يمكن للمستعمرين, ولا يديمهم طويلا في بلاد المسلمين.
إذا كان هذا الشأن الاستعمار العسكري, فإن الاستعمار الفكري يختلف كثيرا عنه, فهو كالشرك الخفي, أخفى من دبيب النمل, وهو أشد إيذاء وفتكا بأبناء البلاد المستعمرة؛ لأنه يجعل من أبناء البلاد أعوانا للمستعمرين دون أن يشعروا بجريمتهم, وهم بدورهم أشد جرأة على هدم شخصية الأمة وتحطيم بنيانها من المستعمرين الغرباء.
стр. 195
وقد استطاع أعداء الإسلام على يد تلامذتهم الفكريين أن يحطموا وحدة العالم الإسلامي, ويهدموا بنيان أخلاقه وعقيدته, فإذا الروح القومية تجعل المسلمين دويلات يسهل على المستعمرين اقتسامها, وإذا تحررت المرأة من حيائها, وتحرر الرجل من أخلاقه, يهدم في المسلمين تماسكهم, ويميت روح الجهاد في نفوسهم, فيميلون إلى تخنث, والاستمتاع بالدنيا شهواتها, وإذا باحترام المسلمين للغربيين والشعور بالنقص أمامهم وأمام حضارتهم الزائفة يجعل من المسلمين تلاميذ متواضعين, يقفون كالمتسولين, يأخذون كل ما تجود به فضلات موائد المستعمرين من أفكار هدامة وفلسفات منحرفة وأنظمة مخالفة لطبيعة البلاد الإسلامية.
ويقف المسلمون المخلصون متألمين, بينما يبيت المستعمرون الخبثاء ناعمي البال, وقد حمل عنهم بعض المسلمين الأغبياء التهديد والتخريب وكفوهم مؤونة الحرب.
وهكذا نرى أن استعمار أفكار الأمة أخطر من استعمار بلادها, ومرافقها العامة, وأن الدول الأجنبية مهما ملكت من طاقات جبارة لا تملك أن تخطط للمسلمين وأن تقودهم وفق مصلحتها بشكل أفضل مما يقوم به العملاء المنحرفون من خدمة لهذه الدول الأجنبية والعمل في مخططاتها.
ولا يفوتني أن أنبه إلى أنني لا أرى أن حالة المسلمين قبل احتكاكهم بالغرب وتأثرهم به كانت حالة مرضية, لا فقد كانت أوضاعهم سيئة, ولكن هذا العالم الإسلامي الذي صحا على أصوات المدافع الغربيين تدك حصونه, وتقتل أبناءه, كان عليه أن يلتمس طريقه الصحيح, ويبني قوته على أساس متين, ويقتبس من الغرب ما ينفعه ويهجر ما يضر, ولكنه لم يفعل بل تخبط في مسيرته, وانحرف اتجاهه, حتى وصل إلى حالة من الضعف مزرية.
رب يوم بكيت فيه فلما
صرت في غيره بكيت عليه
стр. 196
ولكن الفرصة لم تفتنا فبعد أن تحررت معظم أقطار المسلمين من الاستعمار العسكري ما علينا إلاّ أن نعمل لنحرر نفوس المسلمين مما علق بها من آثار الاستعمار الفكري, وهذه المصادر الشريعة لا تزال بين أيدينا خالصة من كل تحريف, وما وصلنا إليه من فوضى فكرية كاف لأن يعيدنا إلى ديننا تائبين ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
стр. 197
الجامعي بين التحصيل والتبليغ
للشيخ ممدوح فخري المدرس بالجامعة
يظن بعض الجامعيين خطأ أنّ فترة التحصيل معناها الانقطاع التام عن التبليغ, والتفرغ الكلي لاستيعاب الدروس وهضم المقرر, وأما التبليغ فمهمة تنتظر الجامعي يوم يتخرج ويحمل المؤهلات التي ترشحه للقيام بالمهمة الجديدة.
وفي هذه الفكرة الخاطئة خطر كبير محقق على دور الطالب في الدعوة والتبليغ وشل كبير لنشاطه, وإخماده لدفقة الحياة في عروقه وإطفاء لجذوة النور في مرحلته التي تعتبر ربيع حياته كلها, وكيف لا وهي مرحلة الشباب الدافقة بالخير والحركة, وإذا كان في هذه الفكرة صرف الطالب عن مهمته في الحياة, فالمنتظر من الطالب الواعي المدرك لمركزه في هذا الوجود, ولدوره في الحياة أن يبادر إلى طرح هذه الفكرة جانبا, والالتحاق فورا بركب المجاهدين من جميع المسلمين العاملين على فهم الدين والعمل به وتبليغه, وهذه النقاط الثلاث الأخيرة هي في الحقيقة محور حياة كل مسلم, سواء كان عاميا أو جامعيا, ولكن الذي يقدر عليه الجامعي من ذلك لا يقدر عليه من سواه.
ولتوضيح هذه الفكرة توضيحا أكثر وعرضها عرضا محددا دقيقا, لا بد من التركيز ووضع النقاط على الحروف كما يقال, ووضع برنامج بارز المعالم يمكن لكل من بيتغي الخير لنفسه وأمته والإنسانية أن يلتزمه.
لاشك في أن التحصيل واستيعاب الدروس هي المهمة الأولى في حياة الطالب التي وقف عليها الجزء الأعظم من حياته, ولأن الطالب الذي يخفق في مهمته الأولى جدير أن يخفق فيما يليها من المهمات من باب أولى, ولكن هذه المهمة ليست كل شيء في حياة الطالب, وإذا كان ذلك كذلك, فما هي الجوانب الأخرى غير الدراسية التي يجب أن يلعب فيها الطالب دوره.
هنالك حقائق أساسية في حياة كل مسلم ينبغي أن تتوفر, وخاصة في الطالب المسلم, ذلك الإنسان الواعي المتعلم المنظم في تفكيره وسلوكه:
стр. 198
- وأولى هذه الحقائق المبادرة إلى التوبة إلى الله من جميع الكبائر والصغائر, وغسل القلب من كل درن لحق به, وتنقيه النفس من كل ران تراكم عليها؛ لأن القلب المظلم لا يمكنه أن ينير الطريق أمام الآخرين؛ ولأن النفس العاصية والمصرة على عصيانها لا يمكنها أن تردع الآخرين عن المعصية, ومن يرى القذى في عين أخيه فلير الخشبة في عينه, ولا يستقيم الظل والعود أعوج.
- ثانيا: إخلاص النية لله تعالى في كل عمل.
والإخلاص هو الركن الأعظم في جميع الأعمال, وهو الأساس الذي يتقبل الله به العمل, وإنّ أمثال الجبال من الأعمال لا تزن عند الله حبة خردل ما لم يكن أساسها التجرد لله.
- ثالثا: استغلال الوقت بكل جزئياته في صالح النافع من الأعمال, وعند هذا تنتهي حكمة الحكماء, والوقت هو الحياة, وقد بخس الوقت كثيراً حداً من قال: "الوقت من ذهب", وهذا منطق عباد الذهب والمادة, وأما منطق عباد الله فالوقت في نظرهم أسمى من ذلك وأهم, وهو الذي يتوصل به إلى جوار الله والنظر في وجهه الكريم, والتقلب في جنات النعيم, ومن أروع ما قيل في إظهار قيمة الوقت ما قاله الحسن البصري ﵀: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك".
стр. 199
- رابعا: استدامة ذكر الله ﵎ في السر والعلن, والليل والنهار, ورأس ذلك تلاوة كتاب الله تعالى, فهو أفضل ذكر. ويتأكد من الذكر ما كان موقوتا بأوقات معينة كأذكار الصباح والمساء, وسائر أحوال الإنسان, والذكر به حياة القلوب والأرواح, وهو ماؤها ونماؤها, والقلب الغافل عن ذكر الله قلب مظلم ميت, واللسان الذي لا يكون رطبا بذكر الله لسان محبوس عن الخير, مطلق في اللغو الفارغ ومالا طائل تحته, ولابد في هذا المجال من تحصيل بعض كتب الأذكار التي تكلفت ببيان أذكار رسول الله ﷺ في كل أحيانه, وأفضل هذه الكتب في نظري كتاب (تحفة الذاكرين بشرح عدة الحصن الحصين) , الأصل لابن الجزري, والشرح للشوكاني - رحمهما الله - وكذلك كتاب (الأذكار) للإمام النووي, وقد قيل فيه: "بِعِ الدار واشتر الأذكار".
- خامسا: الاتصال الوثيق الدائم بالتراث الإسلامي قديمه وحديثه, يتطلب هذا تحديد عيون الكتب من كل فن من المكتبة الإسلامية الزاخرة, فلابد من الرجوع إلى الأمهات, ولابد من الرجوع إلى الثمرات الجديدة التي نتجت من تلك الأمهات, من كتب الثقافة الإسلامية التي تعتبر ترجمة للإسلام إلى لغة العصر, ومحاولة مباركة لإخضاع هذا العصر لفكرة الإسلام ونظامه, وأما تحديد الكتب من القديم والجديد فله مجال آخر غير هذا.
стр. 200
- سادسا: إدراك الواقع الذي يعيشه الطالب والاحاطة قدر الإمكان بوقائع الحياة ومشاكل العصر, والعلم بالتيارات الفكرية التي تتقاسم العلم وتتنازعه, وما هي الاتجاهات الجديدة للشعوب والأمم, وما موقف الإسلام من كل ذلك, وما هو دور الطالب إزاء كل ذلك. إنّ الحركة الطلابية في العالم تلعب دورها الكبير والخطير في توجيه السياسات, وتبني الشعارات وقيادات التيارات المختلفة, وهي وإن كانت في معظمها تحت تأثيرات, وسيطرة أعوان الشر ودعاة الكفر والظلال, ولكنها على أيّ حال قوة جبارة وقادرة على فعل الكثير إذا ما تسلمتها الأيدي النظيفة المنداة بالوضوء.
والطالب المسلم له دوره القيادي في هذه الحركة لأنه صاحب عقيدة وصاحب منهج وصاحب ماض مشرق مجيد يشهد بجلال تلك العقيدة وروعه ذلك المنهج (المجلات والصحف) , ومن خلال إدراك الطالب لواقعه ومشاكل بيئته ومعضلات عصره يستطيع أن يلعب دوره في مقاومة جميع المنكرات والضلالات التي تواجهه, والتي تتلاءم مع عقيدته وفكرته ونظرته للحياة, وهو الذي يحدد الزمان والمكان والأسلوب الذي تقتضيه الحالة مع مراعاة "إن الله يعطي بالرفق مالا يعطي بغيره.. وما يكون الرفق في شيء إلاّ زانه, ولا ينزع منه شيء إلاّ شانه, ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله".
стр. 201
وبعد هذا كله تأتي المرحلة السابقة والأخيرة والتي تضع جميع المراحل السابقة حيز التنفيذ, وتخرجها من عالم النظريات والمثل إلى عالم الحس والواقع ألا وهو الالتقاء على كلمة الله والتعاون على تنفيذ أوامر الله, والاعتصام بحبل الله, وتجمع المسلمين الصالحين الصادقين أفرادا وشعوبا وحكومات على دين الله القويم وصراطه المستقيم, الأمر الذي يتوقف عليه أكثر من غيره استعادة المسلمين لكل مجد وعز فقدوه, وبدون التعاون والالتقاء لو عاد كل مسلم وليا يمشي على الماء ويطير في الهواء لما نفع المسلمين شيئا, وما أوسع مجال التعارف والالتقاء أمام طالب الجامعة الإسلامية التي تعتبر قبلة المسلمين, ومنهلهم العذب الزلال, لتحصيل العلم الخالص من كل شائبة, وهي تضم بين جدرانها أفلاذ أكباد العالم والنخبة الخيِّرة من شبابه.
стр. 202
إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
للشيخ إبراهيم السلقيني المدرس في الجامعة
ما أحوج العالم اليوم في اصطراعه, واضطرابه, وبلبلته, واعوجاج خطاه, وحيرة قادته, وثورة شعوبه, إلى قبس من نور الإسلام الخالد, يبدد به الظلمة, ويبصره عواقب هذا النضال, الذي يوشك أن يعيد المأساة, ويذهب من جديد, بما ادخره من أخضر ويابس, ونفس ونفيس, ويلقي بها كلها طعمة لنيران الحقد والانتقام والطمع والهوى.
وما أحوجنا في مشكلاتنا الاجتماعية التي تنعقد يوما بعد يوم ويأخذ بعضهم برقاب بعض, ويتسع خرقها على الراقع إلى أن نسمع كلمة الإسلام فيها, لنتبين وجه الصواب في علاجها, وسلامة المبادئ التي ترد إليها الحلول القويمة, مع رعاية الظروف وما استجد في الحياة من مطالب.
فلنعالج بالقوة التي أضفاها الإسلام على الروح, فمكن لها وجعل لها الغلبة على نزوات المادة, دون أن يقل من شأن هذه المادة ما دامت تؤتى من وجهها, وتصرف في مصارفها الصحيحة, ولنعالج حالنا بوسائل الإسلام في مكافحة الآفات الاجتماعية التي تهدد كياننا, وتقوض أركان نهضتنا.
وما أحوجنا لتعرف وسائل الإسلام في دعم الأسرة, والإحاطة بقدر ما حبا به هذه الخلية الحية في جسم الأمة, وما وفر لها من أسباب الرخاء والاستقرار, وما جنبها من عوامل الشقاء والانحلال.
وما أحوجنا إلى تعرف وسائل الإسلام في طرائق المعاملات, وكيف حض على احترام العهود والعقود, وكيف نظم البر ودعا إليه, وجعله أقرب قربات إلى الله تعالى.
стр. 203
وما أحوجنا أن نعرف أيدت أحدث النظريات الحديثة في التربية والطب والاجتماع, نظرة الإسلام الثاقبة في تربية الجسم والعقل والخلق, وما حرم من المتاع صونا للروح والجسد من آفة الانحلال والمرض, وما أحل منه رغبة في تصفية الذوق, وتهذيب النفس, وإذكاء الشعور الطيب, وما حرم من عبث ليجعل النفوس بمنجاة عن الإسفاف والفسوق, واللهو الفارغ, ومغريات الشهوات الدنية.
لقد تناولت تعاليم الإسلام حياة الإنسان في جميع أحواله, تناولته غنيا ففرضت في أمواله حقاً لطائفة من المجتمع ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ , فرض الإسلام على الأغنياء الزكاة وأوجب عليهم بذل المال أيضا في ميادين ومناسبات أخرى: كصدقة الفطر, وكفارة اليمين, وغيرها من الكفارات, وندب إلى الإنفاق في سائر وجوه البر في آيات أخرى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم﴾ , مما يكفل إنعاش الفقراء وهنائهم ورفاهيتهم, ودعت إلى التلطف في إيصال الصداقات, واستحسنت في أن تكون في خفية حتى لا يجرح من شعور الفقير ولا ينال من كرامته, وفي القرآن الكريم: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .
стр. 204
لهذا التشريع غايته السامية فهو (إلى أنه؟؟) تعاون بين الغني والفقير, يسد من حاجة الفقير, ويخفف عنه المرارة والحرمان, وهو بالتالي إصلاح لحال المجتمع من الانهيار, وتناولت تعاليم الإسلام, وحياة الإنسان عاملا وصاحب عمل, وفلاحا وصاحب أرض, وموظفا ومستخدما, ورئيسا ومرؤوسا, فدعت الجميع إلى إتقان العمل والوفاء والإخلاص والأمانة, وتجنب الخيانة والغش, وعدّت الغاش والخائن شاذّاً عن الجماعة الإسلامية, كما كرّهت الشريعة أن يخلد الإنسان إلى البطالة, ودعت إلى العمل, وألحّت الدعوة, وفي الحديث: "لأن يأخذ أحدكم حبلة فيحتطب خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه".
стр. 205
وتناولت تعاليم الإسلام حياة الإنسان جاهلا ففرضت عليه أن يتعلم من العلم ما يحتاج إليه في شؤون دينه ودنياه, وتناولته عالما, ففتحت له أبواب العلم على مصارعها ليعرف أسرار الله في خلقه, وليستنبط من هذه الأسرار المبادئ العلمية الصحيحة التي تسهل لله سبل العيش, وترفه عليه وسائل الحياة, وأغرته بالاستزادة من العلم ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ , ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ , وتناولت تعاليم الإسلام حياة الإنسان في بيعه وشرائه ومطعمه وملبسه وحديثه وحركاته وسكناته, ووضعت له فيها جميعا أسمى مبادئ اللياقة والذوق, وهكذا لم يترك الإسلام شاردة ولا واردة إلاّ تعهدها ووضعها, بحيث تكفّل سعادة الإنسان وهناءه, فالصلاة مثلا حيث يقف العبد أمام رب العالمين يناجيه, فبين الفينة والفينة مجبور على أن يتذكر أن له ربا يراقبه على حركاته وسكناته, يراقبه على أعماله صغيرها وكبيرها, عظيمها وحقيرها, ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ , فكيف يكذب؟ أم كيف يخون؟ أم كيف يسرق؟ أم كيف يغش؟ أم كيف يتغافل عن الواجب الملقى على عاتقه؟ وهكذا فالصلاة وحدها جعلت من الإنسان ملكا من الملائكة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ , ناهيك عن المساواة التي في الصلاة حيث عجزت عنها أعظم النظم الحديثة, فيسجد الغني والفقير والعظيم والكبير والحقير والصغير والجندي إلى جانب القائد, ليس هناك رأس مرتفع على رأس, بل كلها خاضعة لله وحده, ويقفون بجانب بعضهم, ليس هناك أمكنة مخصصة لأناس (من لا يخضع للخالق يخضع لأحقر مخلوقاته, ومن يخضع للخالق تتلاشى في عينيه قدرة المخلوقات) , فهذا عرض موجز لبعض التعاليم الإسلام في بعض شئون الحياة, وليس من المستطاع عرض كل ما احتوته الشريعة الإسلامية في هذه النواحي وفي غيرها, ولكن من المستطاع أن نقول إنها كلها على هذا النمط من السمو, وأنها تهدف إلى سعادة الفرد والمجتمع,
стр. 206
وتوفير حياة الأمن والاستقرار للبشرية عامة, وأنها أسس صالحة لأرقى مدينة تتطلع إليها الإنسانية.
وقد يقول قائل: إذا كانت التعاليم الإسلام كافية في إصلاح البشرية وشفائها, فلماذا نرى أثرها قد تخلف عنها؟ ولهؤلاء أقول: ليس العيب عيب الشريعة, ولكن الوزر كل الوزر على الذين انحرفوا عنها, وعادوها وظنوا جهلا منهم أنها تقف بعيدا عن مقتضيات الرقي الصحيح, ومع ذلك لازالوا يتسمون بأسماء إسلامية, ويحسبون في عداد المسلمين, ومثل الشريعة الإسلامية للبشر مثل الدواء الشافي يصفه الطبيب الماهر للمريض, ولكن المريض لا يتعاطاه تهاونا منه, فلا يكون العيب إذن عيب الطبيب, ولا عيب الدواء, ولكن العيب كله عيب المريض المتهاون في تعاطي الدواء.
ويزداد الأمر وضوحا لهؤلاء أن نذكّرهم بحال الأمة الإسلامية في صدر الإسلام, وما بلغته من مجد, وما بهرت به العالم من نهوض علمي واجتماعي في زمن وجيز لا يزال مثار عجب العلماء والفلاسفة, ومحل بحثهم, وليس له من سر في حقيقة إلاّ أن أولئك المسلمين السابقين أخلصوا لدينهم, وأخذوا بأحكامه وآدابه بجد وإيمان, فقادهم إلى مواطن المجد وأنزلتهم منازل السيادة والعز ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ, يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه, ِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
стр. 207
الشباب.. ومستقبل الإسلام
للشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس في الجامعة
إن الشباب هو الجيل الوارث, وهو في كل أمة مصدر قوتها, وعنوان مجهدها, وصمام حياتها, وعليه مدار مستقبلها, فإن كان شباب الأمة واعياً مدركاً لمسؤولياته, مضطلعا بأعباء رسالته, صالحا جسما وروحا, قويا بنية وعقيدة, كان جديرا أن يحقق لأمته كل ما تصبوا إليه من خير وسعادة, ومجد وسيادة, وإن كان الشباب جاهلا غير مدرك لمسؤولياته, ولا مستعد للنهوض بأعباء رسالته في الإصلاح والبناء والتعمير, كان أحرى بتلك الأمة التي هذا شبابها أن تضيع حياتها, وتخسر مستقبلها, وتقتل في نفسها آمالها وأحلامها في العزة والكرامة والمجد والسيادة.
стр. 208
إنّ هذه حقيقة علمية لا تكاد تخطىء, وسنة كونية لا يرجى أن تتخلف, وعليه - وأمة الإسلام اليوم تتطلع إلى مستقبل تسترد فيه مجهدها وكرامتها, وتسترجع قيادتها وسيادتها, وتعيد فيها إلى العالم الإنساني ما فقد من خير هداية, وما خسر من سعادة صلاح - فإنّ عليها أن تعي هذه الحقيقة, وتتفهم هذه السنة, وتجعل سلمها الوحيد الذي تريد أن ترقى به إلى أمجادها هو شبابها, وحينئذ فلتنظر في شبابها نظرة جد وحزم لترى في أي شيء هو, وعلى أيّ مستوى من مستويات القوة والصلاح, فإن وجدته الشباب المدرك الواعي, والقوي العصامي, الذي لا يباري في طموحه, شعاره حب الكفاح, والرغبة الصادقة في الإصلاح, هدفه الخير وغايته الشرف, اطمأنت عندئذ إلى مستقبلها السعيد, وإلى غدها المشرق القريب. وإن وجدته شبابا خائر القوى, فاقد العزيمة, ضعيف الإرادة, تتقاسمه التيارات الجارفة, وتتنازعه المبادئ الفاسدة, والأفكار المنحرفة, فاقد الوعي, محروم التفكير الصالح, يعيش بلا هدف, ويحيا بلا غاية, هو إلى اليأس أقرب منه إلى الأمل, وإلى الأماني الكاذبة أدنى منه إلى الآمال الصادقة, وجب عليها أن تفكر في الجد, وبسرعة في إصلاح شبابها, الذي هو وارث حياتها, وعدة مستقبلها, وقوام قوتها, ومفتاح سعادتها, لتجعله - بإذن الله - في مستوى المسؤولية, وعلى قدر المهمة التي تعلقها عليه وتنيطها به.
وإن قيل: فما هو طريق إصلاح هذا الشباب المسلم؟ ولم لا تسهم أيها الكاتب في بيان هذا الطريق؟
فجوابي: إني مع اعترافي بالعجز عن وضع خطة ناجحة لإصلاح الشباب المسلم, أو توضيح طريق معين لذلك, فإني لا أبخل بجهد المقل, وأحرم نفسي شرف الإسهام والمشاركة في وضع خطة لابد أن توضع, وبيان طريق لابد أن يبين, إذ هو من ضروريات بقاء هذه الأمة المسلمة, ووصولها إلى غايتها وأهدافها في العزة والكرامة والجد والسيادة.
стр. 209
فلذا أتقدم إلى الذين يعنيهم شأن أمة الإسلام ويهمهم الأمر بقائها وسعادتها باقتراح يتمثل في الفكرة التالية: وهي إنشاء منظمة للشباب المسلم تديرها مؤمنة من المفكرين ذوي الكفاءة والإخلاص, يكون مقرها الدائم المدينة المنورة حيث ترعاها الحكومة المسلمة, ويدعمها حامي الحرمين الشريفين.
ومن المدينة منطلق الهداية الأولى ومصدر الإلهام للإسلام, تنطلق دعوة الإصلاح للشباب المسلم, وتعاليم نافعة وتوجيهات صالحة وإرشادات هادية, وخطط للعمل والسلوك محكمة صائبة, يحملها فتيان الإيمان ورسل الإسلام السلام إلى كل بلد فيه للإسلام شباب, وللمسلمين آمال عذاب, في مستقبل طاهر زاهر, وحياة شريفة سعيدة, حيث تتلقى الرسالة أيد قوية مؤمنة, وتعيه قلوب طاهرة نقية, فتجعل لها في كل مدينة قاهرة وقرية ظاهرة دارا كدار الأرقم ابن الأرقم, حيث يجتمع المؤمنون وينطلق الهداة المصلحون.
وما هي إلاّ أزمنة محدودة إن لم تكن أيام معدودة وإذا المسلمون قد تلاقت على الإيمان والحب قلوبهم ... وتعارفت على البر والتقوى نفوسهم, أمرهم واحد على من سواهم عزة قعساء, وراية تناطح الجوزاء.
دعاة ينشرون أروقة الرحمة والعدل على كل البشر, وهداة يبذلون المعروف والخير لكل أبيض وأصفر.
стр. 210
الإيمان المنقذ
للشيخ صالح رضا المدرس في الجامعة
وتتلاطم الأمواج وتعلو حتى تغطي كل شيء في هذه الدنيا, فمن لم تفرّقه أصابته برشاشها, ومن لم تجرفه مزّقت شيئا من ثيابه, وينظر المسلم إلى هذا الفساد الشائع فيحار ماذا يفعل؟! وينظر إلى السبل التي تؤديه إلى السلامة, وتوصله إلى بر الأمان ... فتتلاشى جميع هذه السبل أمام الواقع المر والحقيقة الماثلة, ولا يبقى أمامه إلاّ الصراط الذي اختاره الله لهذه البشرية, ألا وهو الإيمان.
نعم..الإيمان هو سبيل الوحيد لإنقاذ البشرية, وهداية الإنسانية في متاهات هذه الحياة وظلمات هذا الفساد ... والإيمان المقصود هنا الإيمان الكامل الذي تظهر آثاره على صاحبه, الإيمان الذي تغلغل في القلب حتى أذاق صاحبه حلاوته, الإيمان الذي كان زرعة الحب, وثمرته الإيثار والبذل والفداء, الإيمان الذي شع نوره في الروح حتى أبرزت الجوارح كل أعمالها من وحيه, فصدرت الأعمال وعليها نور الساطع, وبريقه المشرق, وغدا اللسان يحكي إيمان الفؤاد, فيغزو بكلامه الأفئدة, وتصغي إليه القلوب لتكرع من بحره الصافي الماء السلسل الشافي, الإيمان الذي تتمثله فئة من الناس ثم تحمله إلى الكون كله فتدعوهم إليه بقولها وفعلها وأخلاقها.
إنه الإيمان الذي نحتاج في تيار الدنيا الجارف, الإيمان الذي له نعمل لنعلي كلمة الحق, ولتزوي أمامه دولة الباطل, الإيمان الذي يقضي مضاجع الباطل, ويفرق له الطواغيت, ويقلق لوجوده الكفر ... فيحيك الحبائل والشباك لصيد أصحابه, فتكون تلك الشباك والحبائل مدعاة لإظهار هذا الإيمان وسببا لثبات أصحابه, وتقوية لحامليه, وأمثلة تحتذي من بعدهم.
стр. 211
والدعوة التي تسير في الطريق المستقيم والخط الصحيح هي التي تقدم لنا صورا كثيرة, وأمثلة عديدة يحمل أصحابها هذا الإيمان, وينطلقون للحق دعاة لا يثنيهم عن دعوتهم باطل, ولا يوقفهم عن سيرهم مشاغب, ولا يحرفهم عن سبيلهم سياسة, ولا يردهم عن مقصدهم غرض قريب, وأمل عاجل, بل كل هذه الدنيا وما فيها في ناظريهم سراب خادع, ومتاع قليل, وظل زائل.
وللناظر في تاريخ الإنسانية أن يقص علينا روائع القصص عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتلامذتهم.., تحكي إيمانهم الثابت, ويقينهم الراسخ.
ويمثل التاريخ الإسلامي السجل الحافل لهذه الصور الرائعة التي تنم عن إيمان صادق يقف أمام الطغاة والظالمين وقفة العزة والكبرياء, وما الفتوح التي رأيناها في الشرق والغرب إلاّ صورة كبيرة لهذا الإيمان, فقد وقف المسلمون وهم أقل عددا وأفقر عتادا أمام الجيوش الجرارة التي تفوقهم في الجند والسلاح, وغلبوهم بقوة الإيمان وثبات ويقينهم.. وعزمهم الأكيد لإحقاق الحق وإبطال الباطل. وأما الأمثلة الخاصة والقصص الفردية فهي أكثر من أن تحصى وأعظم من أن توصف, وأذكر أمثلة من حياة الصحابة ﵃.
فهذا أبو بكر الصديق ﵁ آمن في منزله مع أهله وأولاده, يأتيه الخبر بأن قريشا تؤذي رسول الله ﷺ , فلا يلبث أن يمضي خارج منزله ليقابل قريشا كلها, وهو فريد وحيد يقدم غير هياب ولا خائف, ويقف أمام هذا الجموع المتكاثفة ليقول لهم: "أتقتلون رجلا يقول: ربي الله", ولا يكتفي بالكلام بل يحاول بكل ما آتاه الله من قوة ليدفع القوم عن النبي ﷺ , وفعلا يستطيع أن ينقذ النبي ﷺ من بين أيديهم, ولكن الفداء هو نفسه, فتتحول قريش إلى أبي بكر لتنزل به ما كانت تنزله بمحمد ﷺ , وما تركوه إلاّ وهو على الأرض مقطوع إحدى ضفيرتيه.. والدم ينزف من وجهه حتى يغطيه فلا يدري أنفه من وجهه.
стр. 212
هذه صورة من صور الإيمان الذي نفقد, والذي نريد, إنه الإيمان الذي دفع صاحبه لأن يؤثر التعب على الراحة, والضرب على الأمن, والموت على الحياة.. ويحمل أبو بكر إلى منزله وهو مغمى عليه لا يدري ما حوله, والناس لا يشكون في موته, ولكن الله لم يكتب عليه الموت بعد فيفتح عينيه وتتحرك شفتاه.. ليسمع التاريخ بماذا يتكلم هذا الرجل هل يريد ماء؟ هل يريد راحة؟ لا, لا هذا ولا ذاك, إنه يقول: "ماذا فعل بمحمد", إنه سؤال الفؤاد المشبع بالإيمان, سؤال العالم بأن رسالة الإسلام لم تتم بعد, وتمامها موقوف على بقاء هذا النبي, فأما هو فرجل من الرجال, فخوفه إذاً كان على الإسلام, على الإيمان الذي لا يمكن أن يتم إذا استطاع المشركون أن ينالوا من رسول الله ﷺ .
وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ على صغر قامته, وضعف جسمه, وقلة عشيرته في قومه, يطلب أن يكون الذي يسمع قريشا القرآن الكريم, والإسلام حينئذ ضعيف, والمسلمون حينئذ يسامون من العذاب أشده, ويمضي وحيدا إلى الكعبة عزيزا بعزة الإسلام, وينطلق لسانه بتلاوة كتاب الله تعالى, فما يكون نصيبه إلاّ أن يقع مغشيا عليه من الضرب والإيذاء.. فليندم على فعله إذاً, وليصمم على أن لا يعود إلى مثل ذلك.. لأن الندم على الحق ليس من صفات المؤمن بل يدعوه إيمانه الثابت الراسخ ليكون مرة ثانية صوت الإسلام المدوي في الكعبة بكتاب الله وآياته ليغيظ الكفار.
صورة شاهدة على تقديم رضا الله سبحانه على كل شيء في الوجود, قصص تعتبر لنا عن سر انتشار هذا الإسلام الواسع, الذي ما عرف التاريخ أسرع منه قصصا, ومن أراد المزيد منها فليستنطق التاريخ عن أمثلة الإيمان, وخاصة قصص الفتوحات الأولى حيث غنم الجنود الكنوز, ومع ذلك لم تمتد أيديهم إلى شيء منها, وتصل بتمامها سالمة إلى خليفة المسلمين..
стр. 213
إنه الإيمان وراء هذا كله..الإيمان بالله وحده الرقيب على الإنسان, الحسيب على أعماله.
فإلى الله تعالى نجأر بالدعاء لنكون من أولئك الذين طلقوا الدنيا وأرادوا الآخرة, وقدموا كل ما يملكون في سبيل الله وحده, وكانوا صورة للإيمان الكامل الذي يصفه رسول الله ﷺ بقوله: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله, وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
стр. 214
مشكلات الطلاب الجامعيين وحلها على ضوء الإسلام
للشيخ عطية سالم القاضي في المدينة
ثالثا: التوجيه الخارجي:
وهو تدخل الحكومة أو تأثير السياسة أو أي شخصية غير تعليمية فإن ذلك يؤدي إلى تغيير اتجاه سير التعليم ويحيد بالجامعات عن الغاية المرجوة ويجعلها تسير وفق رغبات أصحابه. وهكذا الجامعات تصنع رجالا أو على الأصح تصنع أفكارا وفق إرادة من يوجهونها, وقد كشف عن هذا المبدأ قديما نابليون في خطاب له قال: "لن يكون استقرار سياسي إلاّ بتحديد أغراض التعليم تحديدا لا شك فيه, فحيث لا يعرف الناس إن كان التعليم يرمي إلى يخلق منهم جمهوريين أو ملوكيين, نصارى أو كافرين, لا توجد جامعة جديرة بهذا الاسم".
إذن فالجامعة في نظره مصنع أفكار حسب اتجاه الدولة ولا تملك حق التوجيه أو الابتكار, وفي هذا سلب القيادة عنها, اللهم إلاّ في التعليم المهني كالطب والهندسة والزراعة لأن في ذلك رفعا لمستوى البلد, وكسبا أدبيا في المجال الدولي وكسبا ماديا في الأسواق التجارية العالمية, ولعل مناهج الدراسة في الجامعات الروسية تشير إلى حقيقة هذا القول, بل إن موقف بعض الدول من منظمة اليونسكو يؤيد هذه النظرية.
ومشكلة هذا التحيد العلمي تعطي لونا خاصا من المنهج من جهات:
١- إلزام الطالب بما تريده الجهة الموجهة وتختاره وإغفال إرادة الطالب واختياره ومن هنا تسد أبواب حرية الفكر ويفوت استقلال الرغبات وبالتالي تموت الملكات, ويصبح الطالب قالبا للون خاص واتجاه معين. فإذا جاءت حكومة أخرى أو غيرت الأمة سياستها, أصبح الطالب بين أحد أمرين: إما أن يصبغ بصبغة أخرى ويصب في قالب أخر وفق السياسة الجديدة ومن ثم يكفر بالمنهج الماضي, وأما أن يظل على ما كان عليه فيصطدم بالمستقبل, ومن ثم تفقد الجامعة كيانها, ويضيع عليها مركزها, وتعجز عن إثبات وجودها بشخصية مستقلة.
стр. 215
ولعل موقف بعض الجامعات من بعض القضايا كان سببا في انصراف الناس عن الثقة كل الثقة بها.
٢- عزل تلك الجامعة - أي الموجهة - عن محيط الجامعات الأخرى حيث لا يمكن تبادل ثقافي معها لا في الكتب ولا في المحاضرات ولا في الأساتذة اللهم ما كان منها وفق اتجاهها. ولا يتأتى هذا الاتفاق إلاّ في النواحي الصناعية الصرفة؛ لأن الإنتاج الصناعي مهما يكن ابتداء من المواد الخام إلى قطع الاستهلاك لا يحمل فكرة ولا يعرف مبدأ وغاية ما فيه إنما هو تنمية للدخل القومي.. أما سياسة الأمة أو تاريخها أو آدابها أو أخلاقها أو دينها فلا دخل له في شيء من ذلك, ولهذا فإن الجامعات الروسية يمكنها تبادل الثقافي مع جامعات العالم في مجال الصناعة والاختراع أما المجالات الفكرية والدينية والسياسية ... الخ فلا, اللهم إلاّ في نطاق النظام الشيوعي فحسب, ومثل ذلك الجامعات الأخرى بالنسبة إلى المعسكر الروسي.. فهذه مشكلة للجامعة بأكملها لا للطلاب فحسب.
أما علاج ذلك على ضوء الإسلام فإن أول آية نزلت في الإسلام قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ, اقرأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم, عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ, كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى, إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ , فجعل القراءة والكتابة والعلم كلها باسم الله الذي خلق كل شيء, والذي خلق الإنسان بالذات من علق.
فجعل اتجاه العلم مبدأ وغاية من الله وإلى الله, أي لا سلطة لإنسان ولا لجهة ما في توجيه العلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ - إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) , وفي جعل القراءة باسم الرب إشارة إلى أهمية القراءة والتعليم في التربية المفهومة من الربوبية في قوله تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
следующие страницы →