← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14631–14670 · переход к 14636.

стр. 14631

وقد شرع الله للمسلمين صلاة العيدين، يأتي عيد الفطر بعد شهر كامل يقضيه المسلمون، بين الصيام والقيام، والتلاوة والذكر والبر والرحمة، لقد جعله الله ميقاتا للعطاء، والتشرف بضيافة الله، وأما عيد الأضحى فيأتي في آخر عشر ذي حجة، وهي أيام وليال لها فضلها وميزتها، وفيها ذكريات جليلة، توقظ المشاعر، وتبعث الهمم، إنها ذكريات إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم جميعا الصلاة والصلاة، وإذا كان ما يسمى بالأعياد عند غير المسلمين مواسم تحرر وانطلاق، ومناسبات لذة وتمتع تتناقض أشد التناقض مع العبادات ومفهومها، فإن هذين العيدين، يبدءان بالصلاة لله رب العالمين، بشعار هو التكبير لدى الذهاب إلى الصلاة، وفي انتظارها، وفي الخطبة وبعدها ثم صدقة الفطر قبل صلاة عيد الفطر، والأضحية بعد صلاة عيد الأضحى، كما شرع في هذين العيدين الصلاة بالمصلى خارج البلد، إظهارا لشوكة المسلمين، وعنوانا على وحدتهم وتضامنهم.، وكبتا لعدوهم وتكثيرا لجمعهم، ليعظم لهم العطاء. لقد كان للجمعة والجماعة، والعيدين، وصلاة الاستسقاء وصلاة الخوف في الأمصار والأقطار، فضل كبير في حفظ هذا الدين، وسلامة الشريعة والأوضاع الدينية، وبقائها على ما تركها عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وبعدها عن تحريف المنحرفين وعبث العابثين، فلو كان المسلمون- أعاذهم الله من ذلك- تركوا الجمعة والجماعة، انفردوا بعباداتهم وصلواتهم في بيوتهم وقاموا بها منفردين منعزلين، موزعين مشتتين، لحرفت هذه الصلوات ومسخت مسخا كبيرا أفقدها أصالتها ووضعها الأولى، وتنوع المسلمون فيها، وصاروا فرقا وأقساما كما في كثير من مظاهر حياتهم المدنية، وآدابهم الاجتماعية وكان للصلاة أنماط ونماذج محلية كما هو حاصل لدى اليهود والنصارى.

стр. 14632

لقد كانت هذه الجماعة عاملا كبيرا من عوامل وحدة المسلمين في العبادات وعاصما لأحكام الدين من التحريف، كما كانت سببا عظيما في تضامنهم، وجمع كلمتهم، وبلغ من اهتمام الإسلام بالجماعة أنه رغب في إقامتها، والحرص عليها حتى في أوقات المحن والشدائد، حين يلقى المسلمون عدوهم، ويواجهون خصومهم، لأن الصلاة في ذاتها سبب المعونة الإلهية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ] البقرة: ١٥٣ [. ولأن في إقامتها مع الجماعة مزيدا من العون والعطاء، تتضاعف بركاتها، وتكثر خيراتها قال سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ] النساء:١٠٢ [.

стр. 14633

ولم تجز الشريعة الإسلامية ترك الصلاة، أو تأخيرها عن ميقاتها في أمن أو خوف، شدة أو رخاء، صحة أو مرض، سفراً أو إقامة، إلا أنه قد جعل لكل حالة وضعا خاصا يتلاءم مع تلك الحالة، يتحقق به التيسير، ورفع الحرج الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، يقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ] البقرة: ٢٣٨-٢٣٩ [. الزكاة: لعل من نافلة الحديث أن نقول: إن المال مهم غاية الأهمية للأفراد والجماعات، وأنه قوام الحياة، وأساسها، وعليه تقوم النهضات، وتتقدم الحضارات، به صيانة الحرية، وقوة الشوكة، والعزة والمنعة، فذلك أمر واضح، لا يحتاج إلى بيان، ويكفي أن يصفه القرآن الكريم بأنه قيام الحياة، وينصح بالتوسط فيه إن ملكه المرء فلا يسرف حتى يقف عاجزا عن التصرف، ولا يقتر حتى يتعرض للسخط والملامة قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ] النساء:٥ [. ويقول جل شأنه: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ ] الإسراء: ٢٩ [. ويثني على فريق من عباده بالتوسط في النفقة بين الإسراف والتقتير فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ] الفرقان: ٦٧ [.

стр. 14634

ولما كانت للمال هذه الأهمية في إعداد العدة، وأخذ الأهبة، كان الجهاد بالمال مقدما في القرآن الحكيم على الجهاد بالنفس، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ] الصف:١٠- ١١ [. وكان للنفقة في سبيل الله امتيازها عن الإنفاق في وجوه الخير الأخرى بزيادة أجرها، وكثرة أضعافها قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ] البقرة: ٢٦١ [. ثم كان للمال الأهمية البالغة في دفع الحاجات، وتفريج الكربات بإطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك ضائقة المحتاج، فإن الله تعالى أوصى بالبذل في هذه الوجوه، وفرض من ذلك نصيبا معروفا في أموال الأغنياء يرد على الفقراء وسمي ذلك زكاة تارة وصدقة تارة، مشيرا بهذه الأسماء، إلى أمور اتسم بها البذل والإنفاق في الإسلام، لأن الزكاة لغة: التطهير والنماء، وهذا الجزء القليل الذي يبذله المؤمن الغني من ماله يطهر صاحبه من رذائل الشح والبخل، وقلة المبالاة بالناس، وعدم الاهتمام بهم، ثم يحليه بطائفة من الأخلاق الكريمة كالسخاء والإيثار، وحب الخير للناس، ورعاية المجتمع، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ] التوبة: ١٠٣ [.

стр. 14635

وسماه الله صدقة لأن بذل المال لله، وابتغاء مرضاته، دليل الإيمان وآية اليقين، وأمارة التصديق، قال ﵊:" ... والصدقة برهان" [٢٣] . والصدقات في الإسلام تقوم بوظائف شتى لذلك كان القرآن الحكيم حريصا على بيان مصاريفها بيانا قاطعا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ] التوبة: ٦٠ [. والمتأمل في هذا النص الكريم يرى ما ينطوي عليه نظام الصدقة من تكافل اجتماعي بين أبناء المجتمع الإسلامي، بمواساة الغني للفقير والمسكين، ومراعاة المجتمع للذين يتفرغون لشئون المجتَمع، وإعانتهم على القيام بما ندبوا إليه من ذلك خير قيام، ثم إعطاء المؤلفة قلوبهم وهم الذين دخلوا في الدين ولم يتمكن من نفوسهم التمكن الكامل، ثم يعطى المكاتبون لاستخلاص رقابهم، وشراء حريتهم، وفي هذا دليل على أن الإسلام توّاق إلى الحرية، معين عليها، مرغب في منحها، وهذا ملحظ سياسي واجتماعي عظيم، ثم من أحاطت به المكاره والديون، جعل الله له في ذلك المال نصيبا، يسدد به دَيْنه، ويستأنف به حياته، أما ابن السبيل وهو المسافر الذي نفد ماله أوضاع فينبغي أن يعان من الزكاة حتى يبلغ أهله، فإنه في هذه الحالة أخو الفقير والمسكين، وإن كان في بلده غنيا، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أما الإنفاق في سبيل الله فهو قمة الإنفاق يقول ﵊:"من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا" ١. إن الصدقات شرعت إذن سدا لحاجات الفقراء والمساكين، وتفريجا لكرب المحتاجين، وتثبيتا للإيمان في القلوب، وتحريرا للرقاب من ذل الرق، وإعزازا لدين الله، والدفاع عن حرمات الإسلام.

стр. 14636

وهذا هو أحد جوانب الصدقات، وهو جانب العطاء، أما ما يترتب عليه وهو الذي يطلق عليه الجانب الاجتماعي، فهو الوجه الآخر لتشريع الصدقات. ونستطيع أن نبين الأثر الاجتماعي للزكاة، حين نطرح السؤال الآتي: ماذا يكون الحال لو بخل الأغنياء بأموالهم على الفقراء والمحتاجين وعلى البذل في وجوه البذل الأخرى؟ والجواب: إن صورة المجتمع تصبح صورة مخيفة مفزعة، فالفقراء والمحتاجون تمتلئ صدورهم بالأحقاد والضغائن، وتمتد أيديهم إلى هذه الأموال التي لم يحصلوا عليها طواعية، ليستولوا عليها بوسائل أخر يفسد بها نظام الحياة ويصبح المجتمع طوائف متناحرة تتربص كل منها بالأخرى، وتغدوا الحياة جحيما لا يطاق. ويقول قائل: إن الدول والحكومات تقوم بضرائب وجبايات وتبذل صدقات ومعونات، ألا تسد هذه مسد الزكاة؟ ألا تصلح عوضا عنها؟

стр. 14637

والجواب: كلا، لأن ما يفرضه البشر على البشر لا يمكن بحال أن يرقى إلى ما شرع الله لعباده، فإن ما يفرضه البشر فيه قصورهم وأهواؤهم، وكثيرا ما يحمل ألوانا من التسلط والابتزاز، ثم هو في أغلب الأحيان يوضع في غير موضعه، ويوجه إلى غير مستحقيه، أما الزكاة التي شرعها العليم الحكيم لعباده فإن لها خصائص وسمات تميزها عما عداها، فمن أبرز هذه الخصائص أنها قربة لله ، تصحبها النية والإخلاص، والاحتساب، لتكون مقبولة ولا شيء من ذلك يقصد في الضرائب، بل أنها في الأعم الأغلب تكون مصحوبة بروح السخط والمقت والاستثقال والإنكار، لأن دافع هذه الضرائب لا يعتقد أنها مشروعة من الله تعالى، ولا يرجو عليها ثوابا بل يعتقد أنها مفروضة عليه من أفراد منه مثله، وربما أقل منه، وأنها تنفق في كثير من الأحيان في الأهواء والشهوات، احتفاظا بسلطة أو خدمة لأفراد محدودين، لا يرافقها شيء من الترغيب في الإخلاف والجزاء، أو الترهيب من النكول والبخل، بل إنها كثيرا ما تؤدى تحت ضغط التهديد والتغريم، التي تزيد دافعها كراهية وسخطا. ولهذه الحكمة البالغة، والتي لا تتأتى إلا فيما شرع الله سبحانه جاءت الزكاة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة مشفوعة بما يرغب في إخراجها بطيب نفس، وصدق نية، وكريم احتساب، وذلك ببيان ما يترتب على إخراجها من نتائج وثمرات في الدنيا والآخرة من إخلاف وثواب ونمو وبركة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ] الحديد: ١١ [. ويقول ﵊:"من تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصَاحبها كما يربى أحدكم فلوه،. حتى تكون مثل الجبل" [٢٤] .

стр. 14638

ويقول ﵊:"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" [٢٥] . ويقول ﵊:"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" [٢٦] . وينعى القرآن الكريم على أولئك الذين استولى الشح على نفوسهم فصاروا يعيشون في الحياة، ولا هم لهم إلا الجمع والمنع، يأخذونه من غير حله، ولا يضعونه في محله، فويل لهم حين أخذوه، وويل لهم حين بخلوا به، وويل لمن سلك في الجمع والمنع مسلكهم. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ] التوبة: ٣٤- ٣٤ [. ومن خصائص الزكاة، أنها تؤخذ من الأغنياء، وترد على الفقراء وهذا بخلاف الضرائب فإنها تؤخذ من الجميع، ثم أنها تنفق في وجوه إذا وزنت بميزان الشريعة تبين أنه إذا كان فيها الكريم المشروع، ففيها الخبيث الممنوع لقد كانت الزكاة بهذا التوجيه الذي يرعى جانب الفقير، ومصلحة الغني كذلك. فإذا كان المرء بالشهادتين يدخل في الإسلام، فإنه بالصلاة قد أوفي بالجانب المهم في عهده مع الله، وهو بالزكاة يبدأ عهدا جديدا مع إخوانه في الدين، وشركائه في المجتمع، عهدا ترفرف عليه رايات الحب، ويغمره التعاون والتراحم.

стр. 14639

ومن هذه الخصائص أنها وسيلة لتقويم مؤديها، ورفعه إلى مقام المراقبة والإحسان، وتحليته بالفضائل النفسية الرفيعة، وقد أثنى الله على المتصدقين من أجله، والباذلين لأموالهم ابتغاء مرضاته. وذكره لأوصافهم ومشاعرهم يدل على ما وصلوا إليه من سمو لا يدانى ولا يمكن- بحال من الأحوال- أن يحصل فيما يشرع البشر للبشر. يقول الله سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ ] الإنسان:٨-١٣ [. ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ] المؤمنون: ٦٠- ٦١ [. الصيام. لا نعتقد أنه بوسعنا ولا بوسع بشر، مهما أوتي من علم، ورزق من حكمة أن يحيط علما بأسرار الله التي تضمنتها العبادات التي شرعها. والشعائر التي وضعها، ولولا أن الله -بمنه وكرمه- أوضح من ذلك جوانب، وأشار إلى أخرى، إيناسا للنفوس وجذبا للقلوب، ما كان لبشر أن يخوض في ذلك أو يتكلم فيه والتسليم معيار الإيمان، وميزان الإخلاص ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ] النور: ٥١-٥٢ [.

стр. 14640

وهذا الركن الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو: الصيام له آثاره البعيدة المدى على النفوس، وله فوائده المحققة على المجتمع، في كافة جوانبه وأحواله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ] البقرة: ١٨٣ [. ويقول ﵊:"الصيام جنة" [٢٧] ، وقد أمر ﵊، من اشتدت عليه شهوة النكاح- ولا قدرة له عليه- بالصيام. إن الفضائل النفسية، والفوائد الاجتماعية التي يثمرها الصوم أجل من أن تحصى، وإذا كان الصوم يثمر التقوى، وعفة النفس واستقامة الجوارح ويقظة الضمير، ورحمة القلب، وخشية الرب، فإن هذه الفضائل، تنعكس على المجتمع كله، وتنشر بركتها عليه. والتقوى التي جعلها الله غاية للصيام، والجُنَّة التي وصف بها النبي ﷺ الصوم يمكن أن يندرج تحتها كل ما أدركنا، وما لم ندرِك من حكم الصيام، فليس للتقوى حد تنتهي عنده، أو غاية تنتهي إليها، وكذلك الجُنّة، قد تكون من التقصير والمخالفات، وقد يرقى بها صاحبها، فتكون من الشبهات، وقد يزداد رقيا فتصبح جُنَّة من الغفلات والخطرات. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 14641

"لما كان صلاح القلب واستقامته، على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالفة الأنام وفضول الكلام، وفضول المنام مما يزيده شعثا ويشتته في كل واد يقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعرقله، اقتضت رحمة العزيز العليم بعباده أن شرع لهم من الصوم، ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة" [٢٨] . إن المجتمع الذي يستقيم على شريعة الصوم، يكون مجتمعا قويا في عقيدته، قويا في استجابته لأمر ربه، قويا بتماسكه وتضامنه، وتراحمه، قويا بأخلاقه الكريمة، وشمائله النبيلة. وقد اختار الله سبحانه بحكمته البالغة، شهر رمضان المبارك ليكون موسم الصيام، المفروض على المسلمين من كل عام، وقد أشار القرآن الكريم إلى السر في اختيار هذا الشهر لهذه الفريضة المباركة ذلك أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان. وبين الصوم والقرآن صلة متينة عميقة، ولذلك كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القران، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة [٢٩] . لقد أصبح رمضان بما شرع فيه من صيام، وسن فيه من قيام وما رغب فيه من عبادة، وذكر وتلاوة للقرآن الكريم، وصدقات وتراحم، وبر وإحسان، موسما فذا من مواسم العبادة المتعددة النواحي، المتشعبة الجوانب، تلك العبادات التي تطبع النفوس بطابع الرحمة والخير، وتغمر المجتمع كله، بموجة من الحب والود والتعاون والتضامن، والتراحم.

стр. 14642

وبجوار التعبد بقراءة القرآن في شهر القرآن، تذكر لشريعة الله وما يريده رب العباد من العباد، من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر وتراحم، وتحاب وتآلف وصدق حديث، وأداء أمانة ورعاية للعهود، وما يترتب على ذلك، من عظيم الأجر والثواب في العاجلة والآجلة لمن أخلص ذلك لله وحده، وابتغى به وجهه وقام به إيمانا واحتسابا. يقول الشيخ أحمد الدهلوي:"والصوم إذا التزمته أمة من الأمم، سلسلت شياطينها، وفتحت أبواب جناتها وغلقت أبواب النيران عنها" [٣٠] . ويقول في نفس المرجع"وأيضا فان اجتماع طوائف عظيمة من المسلمين على شيء واحد في زمان واحد، يرى بعضهم بعضا معونة لهم على الفعل ميسر عليهم، ومشجع إياهم، وأيضا فان اجتماعهم هذا لنزول البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم، وأدنى أن تنعكس أنوار كلهم على من دونهم، وتحيط دعوتهم مَنْ وراءهم" [٣١] . وأيضا فان في الصيام آثارا عظيمة في إعداد المسلمين للعبادات وتأهيلهم لجني ثمارها، والانتفاع بخيراتها وبركاتها. وبالصيام تصبح النفوس مستعدة للخير، راغبة في البر، كارهة للشر، نافرة من الفجور. وإذا كانت تلاوة القرآن في رمضان عبادة لها ثمارها فإن هذه الثمار تكون أزكى وأنمي، وأبقى، إذا كان القلب مستعدا، والنفس متهيئة. يقول ﵊:"الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام رب منعته الطعام بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان" [٣٢] . الحج:

стр. 14643

الحج هو: الركن الخامس في الإسلام، وهو الفريضة التي تستوجب مفارقة المألوفات، والعادات، استجابة لرب العالمين، المسلم حين يستعد لتلبية هذه الدعوة بالإحرام يطهر باطنه بالنية الصالحة، والتوبة النصوح، ويطهر ظاهره بالاغتسال فإنه يعلن استجابته لأمر ربه مضاعفة مكررة، ولا يزال ذلك شعاره حتى يفرغ من حجه (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) . وفي الإحرام التمرين العملي على فضيلة المساواة بين الناس وفيه كذلك تذكير لهم بما كانوا عليه، وبما سيصيرون إليه في الطريق الذي سبق هذه الحياة، والطور الذي سيعقبها وإنما هم فيه من زينة الدنيا وزهرتها إنما هو عارية مستردة"والحج تدريب عملي للمسلم على المبادئ التي جاء بها الإسلام فقد أراد الإسلام ألا يكون مبادئه، وقيمه الاجتماعية مجرد شعارات أو نداءات، بل ربطها بعباداته وشعائره، حتى تخط مجراها في عقل المسلم وقلبه، فهما وشعورا، ثم تخط مجراها في حياته سلوكا وتطبيقا، وقد رأينا في صلاة الجماعة كيف تنمي معاني الأخوة، والمساواة والحرية، وهنا في الحج نرى معنى المساواة في أجل صورة وأتمها، فالجميع قد طرحوا الملابس والأزياء المزخرفة، التي تختلف باختلاف الأقطار واختلاف الطبقات، واختلاف القدرات واختلاف الأذواق، ولبسوا جميعا ذلك اللباس البسيط- الذي هو أشبه ما يكون بأكفان الموتى- يلبسه الملك والأمير، كما يلبسه المسكين والفقير، وأنهم ليطوفون جميعا بالبيت، فلا تفرق بين من يملك القناطير المقنطرة، ومن لا يملك قوت يومه".

стр. 14644

وفي الحج ترى معنى الوحدة جليا كالشمس، وحدة في المشاعر، ووحدة في الشعائر، ووحدة في الهدف، ووحدة في العمل، ووحدة في القول لا إقليمية، ولا عصبية للون أو جنس أو طبقة، إنما هم جميعا مسلمون، برب واحد يؤمنون، وببيت واحد يطوفون، ولكتاب واحد يقرأون، ولرسول واحد يتبعون، ولأعمال واحدة يؤدون، فأي وحدة أعمق من هذه وأبعد غورا؟ [٣٣] . والحج أكبر مؤتمر عالمي يجمع المسلمين من جميع أنحاء العالم جمعتهم رابطة الإسلام، ووحدت بينهم كلمة الإيمان"في هذا المؤتمر يلتقي رجال العلم، ورجال الإصلاح، ورجال السياسة، فما أجدرهم وقد التقوا على هدف واحد أن يتعارفوا، ويتفاهموا، ويتعاونوا على تدبير أفضل الخطط وأحسن الوسائل ليبلغوا الأهداف، ويحققوا الآمال" [٣٤] . في هذا المؤتمر العالمي يتذاكر المسلمون خطبة نبيهم ﷺ الجامعة على عرفه عام حجة الوداع والتي قد جاء فيها: " ... وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي.. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، إن كل مسلم أخ للمسلم، وإن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد" والمسلم يذكر كذلك- في الحج- إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة حينما أنزل الله على رسوله ﷺ في هذا الموقف في يوم الجمعة عشية عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا ً﴾ ] ائدة: ٣ [.

стр. 14645

ونتذكر كذلك أن الحج هو تعويد على مكارم الأخلاق، ومقابلة السيئة بالحسنة، ابتغاء وجه الله، وإحسان إلى الناس طلبا للإحسان من الله رب العالمين ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ ] البقرة: ١٩٧ [. ويقول ﵊:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" [٣٥] . والحق أن الحج بما فيه من أوضاع وشعائر، ودعوات، وابتهالات وذكريات مدرسة تملأ القلب رضا وسكينة وإيمانا وطمأنينة وتغمره بالخير من جميع نواحيه فيعود مسلما مؤمنا، حقا وصدقا مسارعا للاستجابة لربه الذي خلق فسوى، وقدر فهدى يصدق عليه قول الصادق المصدوق ﷺ : "ذاق طعام الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا" [٣٦] . -------------------------------------------------------------------------------- [١] المخصص لابن سيدة: (١٣/٩٦) . [٢] القاموس المحيط: (١/٣١١) . [٣] لسان العرب: (٤/٢٦٤) . [٤] العبودية لابن تيمية: ٤٤/٥٥. [٥] مدارج السالكين: ١/ ٢٤. [٦] تفسير ابن كثير: ج١ ص٢٥. [٧] رواه أحمد ومسلم. [٨] رواه البخاري. [٩] رواه الترمذي وقال حديث حسن. [١٠] متفق عليه. [١١] صيد الخاطر لابن الجوزي: ٣٥٥ [١٢] العبودية لابن تيمية: ٣٨-٤٠. [١٣] البخاري. [١٤] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. [١٥] في ظلال القرآن ٢٤٤٦. [١٦] في ظلال القرآن ص١٦٧٥. [١٧] متفق عليه. [١٨] متفق عليه. [١٩] رواه أبو داود. [٢٠] رواه البخاري.

стр. 14646

[٢١] رواه البخاري. [٢٢] رواه البخاري. [٢٣] جزء من حديث رواه مسلم. [٢٤] متفق عليه. [٢٥] رواه مسلم. [٢٦] متفق عليه. [٢٧] رواه البخاري. [٢٨] زاد المعاد لابن القيم: ١/١٦٨. [٢٩] رواه البخاري. [٣٠] حجة الله البالغة: ١/٥٩. [٣١] حجة الله البالغة: ٢/٣٧. [٣٢] رواه أحمد. [٣٣] العبادة في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي: ٢٨٩-٢٩٠. [٣٤] المصدر السابق: ٢٩٢. [٣٥] رواه البخاري. [٣٦] رواه مسلم.

стр. 14647

التضَامن الإسلامي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله وحده.. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد: فلا ريب أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقد أمر الله عباده بهذه العبادة وبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لبيان هذا الحق وتفصيله والدعوة إليه كما قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ومعنى قضى في هذه الآية أمر ووصى وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ففي هذه الآيات الكريمات الأمر بعبادته سبحانه والتصريح بأنه خلق الثقلين لهذه العبادة وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها.

стр. 14648

وحقيقة هذه العبادة هي طاعة الله ورسوله ﷺ بالإخلاص له في جميع الأعمال والامتثال لأوامره والحذر من نواهيه والتعاون في ذلك كله وتوجيه القلوب إليه سبحانه في كل ما يهمها وسؤاله جميع الحاجات عن ذل وخضوع وإيمان وإخلاص وصدق وتوكل عليه سبحانه ورغبة ورهبة مع القيام بالأساليب التي شرعها لعباده وأمرهم بها وأباح لهم مباشرتها. وبهذا كله يستقيم أمر الدنيا والدين وتنظيم مصالح العباد في أمر المعاش والمعاد ولا صلاح للعباد ولا راحة لقلوبهم ولا طمأنينة لضمائرهم إلا بالإقبال على الله والعبادة له وحده والتعظيم لحرماته والخضوع لأوامره والكف عن مناهيه والتواصي بينهم بذلك والتعاون عليه والوقوف عند الحدود التي حد لعباده كما قال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . ومن المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم ولا تنتظم مصالحهم ولا تجتمع كلمتهم ولا يهابهم عدوهم إلا بالتضامن الإسلامي الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى والتكافل والتناصر والتعاطف والتناصح والتواصي بالحق والصبر عليه. ولاشك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية والفرائض اللازمة وقد نصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين أفراداً وجماعات حكومات وشعوباً من أهم المهمات ومن الواجبات التي لابد منها لصلاح الجميع وإقامة دينهم وحل مشاكلهم وتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك.

стр. 14649

والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جداً، وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن فقد وردت بمعناه وما يدل عليه عند أهل العلم والأشياء بحقائقها ومعانيها لا بألفاظها المجردة فالتضامن معناه التعاون والتكاتف والتكافل والتناصر والتناصح والتواصي وما أدى هذا المعنى من الألفاظ. ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة وما فيه صلاح أمر الدنيا والآخرة. ويدخل في ذلك أيضاً تعليم الجاهل وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم ورد الظالم عن ظلمه وإقامة الحدود وحفظ الأمن والأخذ على أيدي المفسدين والمخربين وحماية الطرق بين المسلمين داخلاً وخارجاً وتوفير المواصلات البرية والبحرية والجوية والاتصالات السلكية واللاسلكية بينهم لتحقيق المصالح المشتركة الدينية والدنيوية وتسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحق ويقيم العدل وينشر الأمن والسلام في كل مكان. ويدخل في التضامن أيضاً الإصلاح بين المسلمين وحل النزاع المسلح بينهم وقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله عملا بقول الله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

стр. 14650

ففي هذه الآيات الكريمات أمر الله المسلمين جميعاً بتقواه سبحانه والقيام بالإصلاح بينهم عموما وبالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين منهم خصوصاً وقتال الطائفة الباغية حتى ترجع عن بغيها وأن يكون الصلح على أسس سليمة قائمة على العدل والإنصاف لا على الميل والجور، وفيها التصريح بأن المؤمن جميعاً إخوة وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم وتناءت ديارهم فالإسلام يجمعهم ويوحد بينهم ويوجب عليهم العدل فيما بينهم والتصافي والكف عن عدوان بعضهم على بعض ويوجب على إخوانهم الإصلاح بينهم إذا تنازعوا. ثم ختم الله هذه الآية بالأمر بالتقوى وعلق الرحمة على ذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فدل ذلك على أن تقوى الله في كل الأمور هي سبب الرحمة والعصمة والنجاة وصلاح الأحوال الظاهرة والباطنة. ويدخل في التضامن أيضاً تبادل التمثيل السياسي أو ما يقوم مقامه بين الحكومات الإسلامية لقصد التعاون على الخير وحل المشاكل التي قد تعرض بينهم بالطرق الشرعية واختيار الرجال الأكفاء في عملهم ودينهم وأمانتهم لهذه المهمة العظيمة. ويدخل في التضامن أيضاً توجيه وسائل الإعلام إلى ما فيه مصلحة الجميع وسعادة الجميع في أمر الدين والدنيا وتطهيرها مما يضاد ذلك.

стр. 14651

ومما ورد في هذا الأصل الأصيل وهو التضامن الإسلامي والتعاون على البر والتقوى قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أمر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين بأن يتقوه حق تقاته ويستمروا على ذلك ويستقيموا عليه حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك، وما ذاك إلا لما في تقوى الله من صلاح الظاهر والباطن وجمع الكلمة وتوحيد الصف وإعداد العبد لأن يكون صالحا مصلحا وهاديا مهديا باذلا النفع لإخوانه كافا للأذى عنهم معينا لهم على كل خير ولهذا أمر الله المؤمنين بعد ذلك بالاعتصام بحبله فقال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وحبل الله سبحانه هو دينه الذي أنزل به كتابه الكريم وبعث به رسوله الأمين محمداً ﷺ والاعتصام به هو التمسك به والعمل بما فيه والدعوة إلى ذلك والاجتماع عليه حتى يكون هدف المسلمين جميعاً ومحورهم الذي عليه المدار ومركز قوتهم هو اعتصامهم بحبله وتحاكمهم إليه وحل مشاكلهم على نوره وهداه وبذلك تجتمع كلمتهم ويتحد هدفهم ويكون ملجأ لكل مسلم في أطراف الدنيا وغوثا لكل ملهوف وقلعة منيعة وحصناً حصيناً ضد أعدائهم، وبهذا الاجتماع وهذا الاتحاد وهذا التضامن تعظم هيبتهم في قلوب أعدائهم ويستحقون النصر والتأييد من الله ويحفظهم سبحانه من مكائد الأعداء مهما كانت كثرتهم كما وقع ذلك بالفعل لنبينا محمد ﷺ وصحابته الكرام ﵃ وأتباعهم بإحسان في صدر هذه الأمة ففتحوا البلاد وسادوا العباد وحكموا بالحق وحقق الله لهم وعده الذي لا يخلف كما قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ

стр. 14652

إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ . ففي هذه الآيات الكريمات حث المسلمين وتشجيعهم على التمسك بدينهم والقيام بنصره وذلك هو نصر الله فإنه في غاية الغنى عن عباده وإنما المراد بنصره هو نصر دينه وشريعته وأوليائه والله ناصر من نصره وخاذل من خذله وهو القوي العزيز وفي هذه الآيات أيضاً البشارة العظيمة بأن الله ينصر من نصره ويستخلفه في الأرض ويمكن له ويحفظه من مكائد الأعداء.

стр. 14653

فالواجب على المسلمين جميعاً أينما كانوا هو الاعتصام بدين الله والتمسك به والتضامن فيما بينهم والتعاون على البر والتقوى ومناصحة من ولاه الله أمرهم والحذر من أسباب الشقاق والخلاف والرجوع في حل المشاكل إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ والتواصي في ذلك كله بالحق والصبر عليه مع الحذر من طاعة النفس والشيطان وبذلك يفلحون ويسلمون من كيد أعدائهم ويكتب الله لهم العز والنصر والتمكين في الأرض والعاقبة الحميدة ويؤلف بين قلوبهم وينزع منها الغل والشحناء وينجيهم من عذابه يوم القيامة. وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ". أخرجه مسلم في صحيحه. ومما ورد في التضامن الإسلامي قوله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وهذه الآية الكريمة من أصرح الآيات في وجوب التضامن الإسلامي الذي حقيقته ومعناه التعاون على البر والتقوى كما سلف بيان ذلك وفيها تحذير المسلمين من التعاون على الإثم والعدوان لما في ذلك من الفساد الكبير والعواقب الوخيمة والتعرض لغضب الله سبحانه وتسليط الأعداء وتفريق الكلمة واختلاف الصفوف وحصول التنازع المفضي إلى الفشل والخذلان. نسأل الله للمسلمين العافية من ذلك. وفي قوله سبحانه في ختام الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تحذير للمسلمين من مخالفة أمره وارتكاب نهيه فينزل بهم عقابه الذي لا طاقة لهم به.

стр. 14654

ومن الآيات الواردة في التضامن أيضا قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ وهذه الصفات العظيمة هي جماع الخير وعنوان السعادة وسبب صلاح أمر الدنيا والآخرة ولهذا علق رحمتهم على هذه الصفات الجليلة فقال: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، فتبين بذلك أن الرحمة والنصر على العدو وسلامة العاقبة كل ذلك مرتب على القيام بحق الله وحق عباده ولا يتم ذلك إلا بالتناصح والتعاون والتضامن والصدق في طلب الآخرة والرغبة فيما عند الله والإنصاف من النفس وتحري سبيل العدل وفي هذا المعنى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ، ويقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وفي هاتين الآيتين أمر المؤمنين أن يقوموا لله بالقسط وأن يشهدوا له بذلك في حق العدو والصديق والقريب والبعيد. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 14655

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ . ومما ورد من الأحاديث الشريفة في التضامن الإسلامي الذي هو التعاون على البر والتقوى قول النبي ﷺ : "الدين النصيحة "قيل لمن يَا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك أصابعه. وقوله ﷺ : "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "، أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحيهما. فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين والتراحم والتعاطف والتعاون على كل خير. وفي تشبيههم بالبناء الواحد والجسد الواحد ما يدل على أنهم بتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم تجتمع كلمتهم وينتظم صفهم ويسلمون من شر عدوهم فواجب المسلمين جميعاً أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يدعوا إلى الحق والهدى وأن يعنوا غاية العناية في الدعوة إلى تضامن المسلمين وأن يبذلوا جميعاً ما يستطيعون من الوسائل في نشر هذه الدعوة ومساندة الداعين إليها وشرح محاسنها ومصالحها لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم حتى يتحقق للجميع ما يرجونه من عز في الدنيا وسعادة في الآخرة، عملا بقول الله سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

стр. 14656

وإمام الجميع في هذه الدعوة العظيمة وقدوتهم في هذا السبيل القيم هو نبيهم وسيدهم وقائدهم الأعظم نبينا محمد رسول الله ﷺ فهو أول من دعا هذه الأمة إلى توحيد ربها والاعتصام بحبله وجمع كلمتها على الحق والوقوف صفاً واحداً في وجه عدوها المشترك، وفي تحقيق مصالحها وقضاياها العادلة عملا بقوله تعالى مخاطبا له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ وقوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

стр. 14657

وقد سار على نهجه القويم صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان ﵃ وأرضاهم فنجحوا في ذلك غاية النجاح وحقق الله لهم ما وعدهم به من عزة وكرامة ونصركما سبق التنبيه على ذلك والإشارة إليه أول هذه الكلمة، ولا ريب أن الله إنما حقق لهم ما تقدمت الإشارة إليه بإيمانهم الصادق وجهادهم العظيم وأعمالهم الصالحة وصبرهم ومصابرتهم وصدقهم في القول والعمل وتضامنهم وتكاتفهم في ذلك لا بأنسابهم ولا بأموالهم. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وكما قال النبي ﷺ : "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" وقال ﵊: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " أخرجهما مسلم في صحيحه فمن سار على سبيلهم ونهج نهجهم أعطاه الله كما أعطاهم وأيده كما أيدهم فهو القائل في كتابه المبين: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهو القائل سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وهو القائل : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 14658

والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى وأن يفقههم في دينه وأن يصلح ولاة أمرهم ويهديهم جميعا صراطه المستقيم وأن يمنحهم الصدق في التضامن بينهم والتناصح والتعاون على الخير وأن يعيذهم من التفرق والاختلاف ومضلات الفتن وأن يحفظهم من مكائد الأعداء إنه ولي ذلك والقادر عليه.. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 14659

العدد ٦٢ فهرس المحتويات ١- كلمة التحرير: للدكتور صالح بن عبد الله العبود ٢- القرآن يتحدّى..! : للأستاذ الدكتور محمد سيّد طنطاوي ٣- القول الفصل في العمل بالحديث المرسل: للشيخ مظفّر رزق ٤- أوّل واجب على المكلّف عبادة الله تعالى وضوح ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل: للشيخ عبد الله الغنيمان ٥- منهج الأشاعرة في العقيدة: للشيخ سفر بن عبد الرحمن الوالي ٦- إضطراب الناس في مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة: للشيخ عبد الكريم مراد ٧- نظامُ الإثبَات في الفقه الإسلامي [دراسة مقارنة] : للدكتور: عوض عبد الله أبو بكر ٨- الإمداد بأحكام الحداد: للدكتور فيحان شالي المطيري ٩- الكتاب والسنة ١٠- بحث حول: طبيعة العقوبة في الشريعة الإسلامية ومثاليتها: للدكتور حمد الحماد ١١- الملك عبد العزيز آل سعود بين نصره لله ونصر الله له: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل ١٢- من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة: الدكتور جميل عبد الله المصري ١٣- العهدة العمرية: الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود ١٤- رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٥- الأدب الإسلامي.. وعلاقته بالمجتمع والحياة: د. نجيب الكيلاني ١٦- صفحة لغة: لا تقل.. وقل: للأستاذ الدكتور: عبد العظيم علي الشناوي ١٧- غريب يبحث عن غريب: للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي ١٨- من تراثنا الشعري: للشاعر: أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي ١٩- الأقراص - الحبوب - الكبسول Capsules pills tablets: صيدلي/ حمدي إبراهيم علي إبراهيم ٢٠- تنَبيهَاتٌ هَامّة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني في صفات الله : لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢١- أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة بالجامعة ٢٢- رسالة إلى رئيس التحرير: الدكتور أحمد عطية الغامدي المحترم ... عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 14660

كلمة التحرير للدكتور صالح بن عبد الله العبود رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية الحمد لله رب العالميين والصلاة والسلام على رسوله الأمين. أما بعد: فإن مجلة الجامعة الإسلامية حين تحفل بمواضيع مكثفة في العقيدة الإسلامية، عقيدة أهل السنة والجماَعة فإنما تنطلق من هدف الجامعة وهو تعميق التديُّن المَبني على إخلاص العمل الصالح لله وحده، وعلى الالتزام بسنة رسوله ﷺ في ذلك. وهذا هو جوهر العقيدة الإسلامية ومرتكزها ... والعقيدة: ضرورة حيوية, فالإنسان الحي مضطر أن يعتقد عقيدة ما, يتحرك من أجلها ويدور عليها حبه وبغضه عن اقتناع؛ لأن الإنسان حساس متحرك بإرادة تنبثق عن عقيدة وقناعة ولو خلا الحي من عقيدة ما كان ذا حركة إرادية ولكن إن كانت عقيدته صحيحة كانت حركته سليمة صالحة، وإن كانت عقيدته فاسدة كانت حركته خطرة مفسدة. ولو تحسسنا أسباب فرِقة المسلمين لوجدناها تكمن في الشبهات التي طرأت على بعضهم وفي الشهوات أيضاً فبسبب ذلك فارقت فرق المسلمين التي تصل إلى اثنتين وسبعين جماعة (؟) أهل السنة والجماعة، وهذه الشبهات والشهوات ما هي إلا فساد في العقيدة.

стр. 14661

وإذا ألقينا نظرة في عالم هذا العصر نجده يموج ويتجاذب بعقائد جازمة وأيديلوجيات حادة، كالشيوعية والديمقراطية والقومية على المفهوم الغربي مثلاً، ونجد أصحابها يتمسكون بها أشد التمسك ويتحركون من أجلها أعظم حركة، وبيد كثير منهم دولاً كبيرة لها ثقلها الراجح في ميزان الأكثرية من الناس، ولهم قوة مادية هائلة، وقد أخذوا بزمام الصناعة والتقدم التكنولوجي والتفوق العسكرى، هذا فضلاً عن حصولهم على مباهج الشهوات الدنيوية وحضارتها ونظرتها، إلا أننا رغم هذا نرِى الإنسان في الحقيقة تحت ظل تلك العقائد والايدلوجيات قلقا حائراً مضطربا خائفاَ لا يقر له قرار، ولا يعرف طريق الاستقرار، قد شقي في دنياه وأضاع نصيبه من أخراه، وعموماً فهو منساق في متاهات الضلال وأوحال الفساد والشرور ومُنْتَهٍ إلى الهلاك والدمار، والشقاء والخسران. وحين نختار العقيدة الإسلامية فإنما نختارها عَلى غيرها من العقائد لأنه ثبت في علم اليقين وعين اليقين أن كل عقيدة تخالفها غير صحيحة ولا صالحة فإما أن تكون مخالفة للواقع أو مخالفة للعدل. أما العقيدة الإسلامية فقد احتوت كل الصحة والصلاح، فالصحة فيها هي مطابقتها للواقع علما ومعرفة وتصورا سواء في النفي أو الإثبات، والتزامها العدل في العمل والإرادة والتصديق فعلا وتركا، أخذا واجتنابا، وحظا ومنعا.

стр. 14662

وهذا ما تفيده شهادة أن لا إله إلا الله، لأن هذه الشهادة تهني أن يعتقد العبد بعلم ويقين، وصدق وإخلاص أنه لا إله يتصف بالتفرد بالأسماء الحسنى وصفات الكمال المطلق واستحقاق العبودية على الحقيقة إلا الله ﵎ وهذا الاعتقاد اعتقاد صحيح مطابق للواقع، وتعني تلك الشهادة أن يعمل العبد بمقتضاها فلا يصرف شيئاً من عبادته كالحب والإرادة والدعاء والنذر لغير الله تعالى لأن ذلك ونحوه من الأعمال التعبدية التي شرع الله أن يعبد بها, لا يستحقه إلا الله, فصرفه أو صرف نوع منه لغير الله ظلم عظيم ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ , وإخلاصه لله تعالى هو العدل الذي لا عدل فيما خالفه. والمخالفون لأهل السنة والجماعة إذا لم يخلصوا عبادتهم لله وأشركوا مع الله غيره لم يكونوا عابدين لله وإن كانوا يقصدون بشركهم التقرب والتزلف إلى الله قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . وإذا عينوا الله بصفات نفي أو إثبات ليست واردة في الكتاب والسنة فإن ما عينوه بتلك الصفات ليس هو الله في الحقيقة والواقع، كما إذا قال قائلهم: "ليس الرحمن على العرش استوى", أو قال: "إن الله لم يتكلم بالقرآن، وإنما القرآن عبارة عن كلام الله", فهذا القائل إذا عبد من يعتقده بهذا الوصف لم يكن عابدا لله وإن قصد الله بعبادته بل يكون عابدا لما اعتقده معطلا عن وصف الكمال. والله برئ من عبادته لأن موصوفه ليس هو الله فتنصرف عبادته إلى غير الله كما انصرف سبُّ قريش عن محمد ﷺ قال ﵊: "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمَّما"أي: أنه محمد لا مذمم. اللهم صل وسلم عليه.

стр. 14663

وبالجملة، فإن كل من لم يؤمن بما وصف به الرسول ﷺ ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول ﷺ وقس على هذا. وأما صفة الصلاح في العقيدة الإسلامية فهي بناؤها على شهادة أنّ محمداً ﷺ عبد الله ورسوله، ومعنى ذلك اعتقاد أنه ﷺ عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع, ويصدق فيما أخبر, ويجتنب ما نهى عنه وزجر, ولا يعبد الله إلا بما شرع, ويرفض ما يعارض من ذلك من عقل وذوق وسياسة وعرف وتقليد وعادة. وبهذا صارت العقيدة الإسلامية هي الصالحة المقبولة، وصارت مادة للحياة الطيبة، وإن لم تكن الحياة طيبة لم تكن حَياة حقيقية، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قال ابن كثير- ﵀ في تفسيره: "هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة, هالكاً حائراً فاحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفّقه لاتباع رسله". اهـ. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 14664

ولقد سمى الله ما أنزله على رسوله ﷺ روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونوراً لتوقف الهداية عليه، فقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ . ومما تقدم يتبيَّن لنا أنَّ العقيدة الإسلامية هي روح الحياة ونور الهداية، فلا أشرف ولا أطيب من حياة تنبني عليها, ولا أصلح ولا أهدى من عمل يسير بمقتضاها ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. وصلى الله وسلم على رسوله الأمين وأصحابه الغر الميامين وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

стр. 14665

بحث حول: طبيعة العقوبة في الشريعة الإسلامية ومثاليتها للدكتور حمد الحماد كلية الشريعة إن الأشياء التي تعتبر في نظر الشريعة جرائم إنما نهي عنها لأن في ارتكابها أضراراً جسيمة تلحق بنظام المجتمع وعقائده أو بأمنه وكرامته أو بحياة أفراده وأموالهم وأعراضهم ومشاعرهم. وعمل العقوبة هو أن تشعر المذنب بذنبه وأن تنبّهه إلى خطئه عسى أن يقوده هذا إلى التوبة والإصلاح وبذلك تصبح الجريمة كالملغاة. وإذا أمكن الوصول إلى هذه الغاية بوسيلة أخرى أقل كلفة لم يكن من الحزم الإصرار على استخدام العقوبة في غير الحدود طبعاً لذا كان العفو أحيانا صورة من صور العقوبة بمعنى أنه قد يحقق غرضها من الإصلاح غير أنه له نفوس خاصة وظروف خاصة وذنوب خاصة. وقد شرع العقاب لمنع الناس من ارتكاب المحظور وحملهم فعل المأمور حيث أن الأمر بفعل شيء والنهى عن فعل شيء لا يكفي في تنفيذه فالعقاب هو الذي يحمل على التنفيذ ويجعل للأمر والنهى معنى مفهوماً ونتيجة حقيقية, وهو الذي يزجر ويردع الناس عن المعاصي ويقضي على الفساد في الأرض. قال الماوردي: "والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة وخيفة من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه ممنوعاً وما أمم به من فروضه متبوعاً فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم" [١] . إنّ تطبيق العقوبات في الشريعة يحقق ما تقدم إلى جانب أنه سوف يطارد الجريمة ويحصرها في مجال ضيق بل يقضي عليها قضاء تاما فيعيش المجتمع ملتزما إيجابيا بعيدا عن المحالفات وبذلك يتحقق صلاح حال البشر.

стр. 14666

وإذا كان تطبيقها يحقق ما تقدم فإن تعطيلها يهدر ذلك كله وبسببه تتعطل أحكام الشرع من أمر ونهي لعدم وجود ضمان لها يحمل عليها من لا ينفذها طوعاً وتعود حياة المجتمع إلى مثل حياة الغاب يتسلط فيها القوي على الضعيف نهباً وسلباً وقتلاً واعتداء بل تعود الحياة إلى مثل قطعان البهائم لا شرف ولا كرامة ولا عرض مصان. فتعطيل عقوبة الزنا مثلاً معناه إباحة الزنا الذي حرمته جميع الأديان الإلهية لما فيه من المفاسد العظيمة والمضار الشديدة. وتعطيل عقوبة السرقة معناه إباحة لها كذلك فيؤدي ذلك إلى الاعتداء على ممتلكات الناس فيكون الإنسان غير آمن على طعامه وشرابه وكسائه ومسكنه وَأداة عمله. وتعطيل عقوبة الردة معناه إباحة الاعتداء على نظام المجتمع المسلم والخروج على مبادئه والتشكيك في صحة دينه ولا يمكن أن تستقيم الأمور في هذا المجتمع إذا وضع نظامه موضع التشكيك والطعن. وتعطيل القصاص معناه إباحة الاعتداء على حياة الأفراد من ناحية واعتداء على نظام المجتمع من ناحية أخرى. وتعطيل عقوبة القذف معناه إباحة الاعتداء على نظام الأسرة حيث أن القذف هنا قاصر على الأعراض والذي يمس الأعراض يشكك في صحة نظام الأسرة ... كما يترتب على القذف إشاعة الفاحشة فما ترامى الناس بها إلا شاع فعلها بينهم فإن القول يسهل الفعل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . (النور: ١٩) . وتعطيل عقوبة الخمر معناه إباحة للفساد في الأرض عموماً إذ هو يؤدي إلى فقدان الشعور وإذا فقد الشارب شعوره فقد أصبح على استعداد لارتكاب جميع الجرائم فضلاً عن أن شربها يضيع المال ويفسد الصحة ويضعف النسل ويذهب العقل الذي هو ملاك التكليف.

стр. 14667

وعلى العموم فإن تعطيل هذه العقوبات مدعاة إلى تعطيل أحكام الشرع وانتشار الفساد والفوضى في المجتمع، وتطبيقها هو الضمان الوحيد لتنفيذ أحكام الشرع وقطع دابر الفساد والحفاظ على النظام والأمن والاطمئنان. وما يُرى الآن في بعض المجتمعات من مفاسد وفوضى واضطراب واختلال أمن وكثرة جرائم إنما هو بسبب تعطيل العقوبات في الشريعة الإسلامية التي شرعها وأنزلها العليم الخبير بهذا الكون وما يصلحه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ (المائدة: ٥) . وتأديب الجاني ليس للانتقام والتشفي منه وإنما لإصلاحه، والعقوبات على اختلاف أنواعها تتفق- كما يقول الفقهاء- في أنها "تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب" [٢] . فهي إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم ولذا يجب على من يؤدب المذنبين أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهَم كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض. هذا وقد نشأت مذاهب مختلفة في العقوبة تعددت اتجاهاتها في الغرض منها. فمذهب يقول: إن العقوبة يجب أن تكون انتقامية فلابد أن ينال الجاني جزاء ما اقترفت يداه حتى يشعر بأن النتائج الشريرة لجرائمه وبال عليه هو. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة رادعة فالغاية منها ردع الجاني وزجره عن العودة للجناية. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة واعظة للغير فالغاية منها زجر الناس عن ارتكاب جرائم تشبه جريمة الذي يعاقب المجرم من أجلها فهي تعظ قوما ليسوا مجرمين لكيلا يصبحوا يوماً مجرمين. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة مصلحة فمعاقبة الجاني الغاية منه أولاً وآخراً هو إصلاح الجاني لا الانتقام منه واكتفاء شره ولا عظة غيره [٣] .

стр. 14668

وبالنظر إلى هذه المذاهب نجد كل واحد منها نظر إلى العقوبة والغرض منها من زاوية واحدة ولو نظر إليها من جميع الجهات فقد يجد الأغراض الأخرى يمكن أن تأتي تبعاً للغرض الذي يراه هو المقصود، وكما تقدم أن العقوبات في الشريعة الإِسلامية هي في الدرجة الأولى استصلاحية بيد أن هذا لا يمنع أن تردع العقوبة وأن تزجر في نفسِ الوقت كما لا يمنع أن تكون قصاصاً من الجاني فيه معنى الانتقام فتتحقق الأغراض جميعاً، وكل ما تقدم لا يمنع أن يكون هناك مسائل استثنائية مثل قتل المرتد وقتل القاتل قصاصاً إذ لا يتأتى إصلاح الشخص بعد إزهاق روحه ومثل هذا روعي فيه مصالح أخرى تتعلق بنظام المجتمع وأمنه يجب أن تراعى قبل مراعاة مصلحة الجاني. ومما يؤيد القول بأن العقوبات في الشريعة الإسلامية استصلاحية نظرية العفو في الشريعة الإسلامية في مجال التعازير والقصاص والديات ... فلولي الأمر أن يعفو عن تعزير من استحقَ التعزير إذا رأى أن المصلحة في ذلك مثلما إذا تاب المذنب وندم على ذنبه واستقام وهكذا. أما الحدود فلا مجال للعفو فيها إذا وصلت إلى الحاكم إنما شرع التستر على المسلم ومنع التجسس عليه، والحدود تدرأ بالشبهات وكل ذلك يؤيد أن الاستصلاح مراعى فيها بالدرجة الأولى. والعقوبات في الشريعة الإسلامية - وخاصة الحدود - أُحيطت بضمانات كثيرة حتى تنحصر في أضيق دائرة ممكنة فالحدود تدرأ بالشبهات والإثبات فيها اقترن بضمانات قوية تمنع الكذب كما أن الإسلام في تطبيقه القضائي ما سوغ لأحَد التتبع والتجسس على الناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ... ﴾ . (الحجرات: ١٢) . وقال الرسول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة- ﵁ "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ... " [٤] .

стр. 14669

إن الإسلام يعاقب على الجرائم إذا أعلنها فاعلها وكشف أمره فيها ولم يستتر عن الناس إذ في الإعلان تحريض عليها ودعوة إليها. "أيها الناس قد آن لكم تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" [٥] . إذاً فلا تجسس ولا تتبع للعورات بل إنّ العقاب يكون حيث يتحقق الإثبات فهو مفسدة ودفعها مصلحة وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهو أقوى المراتب في المصالح" [٦] . والحدود تقوم على دعامتين هما: ١- حماية المجتمع من الشرور والآفات التي تفتك به وتروع أمنه وعلى مقدار ما في الجريمة من ضرر وفساد وترويع وإفزاع تكون غلظة العقوبة بقدر ذلك. ٢- عموم العقاب في أحكام الشريعة الإسلامية فالحدود تطبق على الجميع ولا يعفى منها أحد لمركزه أو شخصه أو لغير ذلك من الاعتبارات. الموازنة بين الضرب والسجن: إن المشرعين في القوانين الوضعية يعيبون على الإسلام أن العقوبات فيه أكثرها بدني بالضرب المبرح وقالوا إن هذه العقوبات ليست إنسانية بل فيها استهانة وحط للكرامة الواجب توفيرها للإنسان. ويرد على هذا بأن الإسلام لاحظ في العقوبات ما لاحظه في كل تشريعه وهو ملاحظة أكبر منفعة والموارنة بين الضَرر الواقع والنفع المطلوب من حيث المقدار وتحمل أقل الضررين ولاشك أن العقاب كيفما كان ضرره لابد منه لأنه يترتب عليه نفع أكبر من الضرر اللاحق بالمعاقب. وقد لاحظ الإسلام في العقاب الرادع أن يكون ضرره غير وخيم العاقبة بحيث يكون عاجلاً غير معطل للقوى أو مفضياً إلى ما هو أشد ضرراً في عاقبته. والناظر في عقوبة السجن التي تعتمد عليها القوانين الوضعية إلى حد بعيد يوازن بين ضرر السجن وضرر الضرب أيهما أوخم عاقبة وأيهما أحسم للداء، إنه يلاحظ في السجن أضراراً كثيرة وبالغة الخطورة منها:

стр. 14670

١- انقطاع الجاني عن أهله وأولاده مدة قد تطول لا يرعونه ولا يرعاهم. ٢- أنه يعاشر في السجن المجرمين فتصل إليه عدواهم -وعدوى الجريمة كعدوى المرض يسري بالمجاورة والاختلاط- فيدخل مريضاً بجريمة واحدة ربما كان وقوعه فيها بسبب عارض وليس متمكناً من نفسه ولكنه يخرج وقد أصيب بعدة أمراض أخرى ربما حولته إلى إنسان شاذ في المجتمع. ٣- أن السجن تهان فيه الكرامة, وحيث فقدت الكرامة واستمر السجين أمدا ذليلا مهينا فإن قلبه يفسد ويكون مستعدا لارتكاب الكثير من الجرائم لأن الجريمة مهانة تسهل عند المهين وتصعب على الكريم. ٤- أن السجناء وقت سجنهم قوة إنسانية معطلة وبذلك يوقع السجن ضرراً بالمجتمع. ٥- أن السجين يعاقب أثناء السجن بعقوبات بدنية إذا ارتكب ما يخالف لوائح السجن وقليل من ينجو من هذه المخالفات وآثارها وبهذا يقعون فيما فروا منه. هذه بعض أضرار السجن فوق ما فيه من تقييد الحريات وعدم الردع الكافي عن ارتكاب الجرائم. أما عقوبة الضرب فإنها وإن كانت لا تخلو من امتهان لكنه لا يدوم وسرعان ما يسترد المعاقب بالضرب اعتباره إذا عمل بعد ذلك صالحاً ونفسه لم تتدرن بدرن يأكل الكرامة وإذا مازالت جراحه استأنف نشاطه واستئناف النشاط يرد إليه اعتباره ويستمر بين أهله يرعاهم ويرعونه ولا تصل إليه عدوى من أمراض أخرى كما لا يوقع الضرب ضررا بالمجتمع كما هي الحال في السجن. وقولهم إن في الضرب استهانة وحطاً للكرامة فكرة لا محل لها في العقاب ولا يصح أن يحتج بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.
следующие страницы →