← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14666–14705 · переход к 14671.

стр. 14666

وإذا كان تطبيقها يحقق ما تقدم فإن تعطيلها يهدر ذلك كله وبسببه تتعطل أحكام الشرع من أمر ونهي لعدم وجود ضمان لها يحمل عليها من لا ينفذها طوعاً وتعود حياة المجتمع إلى مثل حياة الغاب يتسلط فيها القوي على الضعيف نهباً وسلباً وقتلاً واعتداء بل تعود الحياة إلى مثل قطعان البهائم لا شرف ولا كرامة ولا عرض مصان. فتعطيل عقوبة الزنا مثلاً معناه إباحة الزنا الذي حرمته جميع الأديان الإلهية لما فيه من المفاسد العظيمة والمضار الشديدة. وتعطيل عقوبة السرقة معناه إباحة لها كذلك فيؤدي ذلك إلى الاعتداء على ممتلكات الناس فيكون الإنسان غير آمن على طعامه وشرابه وكسائه ومسكنه وَأداة عمله. وتعطيل عقوبة الردة معناه إباحة الاعتداء على نظام المجتمع المسلم والخروج على مبادئه والتشكيك في صحة دينه ولا يمكن أن تستقيم الأمور في هذا المجتمع إذا وضع نظامه موضع التشكيك والطعن. وتعطيل القصاص معناه إباحة الاعتداء على حياة الأفراد من ناحية واعتداء على نظام المجتمع من ناحية أخرى. وتعطيل عقوبة القذف معناه إباحة الاعتداء على نظام الأسرة حيث أن القذف هنا قاصر على الأعراض والذي يمس الأعراض يشكك في صحة نظام الأسرة ... كما يترتب على القذف إشاعة الفاحشة فما ترامى الناس بها إلا شاع فعلها بينهم فإن القول يسهل الفعل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . (النور: ١٩) . وتعطيل عقوبة الخمر معناه إباحة للفساد في الأرض عموماً إذ هو يؤدي إلى فقدان الشعور وإذا فقد الشارب شعوره فقد أصبح على استعداد لارتكاب جميع الجرائم فضلاً عن أن شربها يضيع المال ويفسد الصحة ويضعف النسل ويذهب العقل الذي هو ملاك التكليف.

стр. 14667

وعلى العموم فإن تعطيل هذه العقوبات مدعاة إلى تعطيل أحكام الشرع وانتشار الفساد والفوضى في المجتمع، وتطبيقها هو الضمان الوحيد لتنفيذ أحكام الشرع وقطع دابر الفساد والحفاظ على النظام والأمن والاطمئنان. وما يُرى الآن في بعض المجتمعات من مفاسد وفوضى واضطراب واختلال أمن وكثرة جرائم إنما هو بسبب تعطيل العقوبات في الشريعة الإسلامية التي شرعها وأنزلها العليم الخبير بهذا الكون وما يصلحه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ (المائدة: ٥) . وتأديب الجاني ليس للانتقام والتشفي منه وإنما لإصلاحه، والعقوبات على اختلاف أنواعها تتفق- كما يقول الفقهاء- في أنها "تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب" [٢] . فهي إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم ولذا يجب على من يؤدب المذنبين أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهَم كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض. هذا وقد نشأت مذاهب مختلفة في العقوبة تعددت اتجاهاتها في الغرض منها. فمذهب يقول: إن العقوبة يجب أن تكون انتقامية فلابد أن ينال الجاني جزاء ما اقترفت يداه حتى يشعر بأن النتائج الشريرة لجرائمه وبال عليه هو. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة رادعة فالغاية منها ردع الجاني وزجره عن العودة للجناية. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة واعظة للغير فالغاية منها زجر الناس عن ارتكاب جرائم تشبه جريمة الذي يعاقب المجرم من أجلها فهي تعظ قوما ليسوا مجرمين لكيلا يصبحوا يوماً مجرمين. ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة مصلحة فمعاقبة الجاني الغاية منه أولاً وآخراً هو إصلاح الجاني لا الانتقام منه واكتفاء شره ولا عظة غيره [٣] .

стр. 14668

وبالنظر إلى هذه المذاهب نجد كل واحد منها نظر إلى العقوبة والغرض منها من زاوية واحدة ولو نظر إليها من جميع الجهات فقد يجد الأغراض الأخرى يمكن أن تأتي تبعاً للغرض الذي يراه هو المقصود، وكما تقدم أن العقوبات في الشريعة الإِسلامية هي في الدرجة الأولى استصلاحية بيد أن هذا لا يمنع أن تردع العقوبة وأن تزجر في نفسِ الوقت كما لا يمنع أن تكون قصاصاً من الجاني فيه معنى الانتقام فتتحقق الأغراض جميعاً، وكل ما تقدم لا يمنع أن يكون هناك مسائل استثنائية مثل قتل المرتد وقتل القاتل قصاصاً إذ لا يتأتى إصلاح الشخص بعد إزهاق روحه ومثل هذا روعي فيه مصالح أخرى تتعلق بنظام المجتمع وأمنه يجب أن تراعى قبل مراعاة مصلحة الجاني. ومما يؤيد القول بأن العقوبات في الشريعة الإسلامية استصلاحية نظرية العفو في الشريعة الإسلامية في مجال التعازير والقصاص والديات ... فلولي الأمر أن يعفو عن تعزير من استحقَ التعزير إذا رأى أن المصلحة في ذلك مثلما إذا تاب المذنب وندم على ذنبه واستقام وهكذا. أما الحدود فلا مجال للعفو فيها إذا وصلت إلى الحاكم إنما شرع التستر على المسلم ومنع التجسس عليه، والحدود تدرأ بالشبهات وكل ذلك يؤيد أن الاستصلاح مراعى فيها بالدرجة الأولى. والعقوبات في الشريعة الإسلامية - وخاصة الحدود - أُحيطت بضمانات كثيرة حتى تنحصر في أضيق دائرة ممكنة فالحدود تدرأ بالشبهات والإثبات فيها اقترن بضمانات قوية تمنع الكذب كما أن الإسلام في تطبيقه القضائي ما سوغ لأحَد التتبع والتجسس على الناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ... ﴾ . (الحجرات: ١٢) . وقال الرسول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة- ﵁ "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ... " [٤] .

стр. 14669

إن الإسلام يعاقب على الجرائم إذا أعلنها فاعلها وكشف أمره فيها ولم يستتر عن الناس إذ في الإعلان تحريض عليها ودعوة إليها. "أيها الناس قد آن لكم تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" [٥] . إذاً فلا تجسس ولا تتبع للعورات بل إنّ العقاب يكون حيث يتحقق الإثبات فهو مفسدة ودفعها مصلحة وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهو أقوى المراتب في المصالح" [٦] . والحدود تقوم على دعامتين هما: ١- حماية المجتمع من الشرور والآفات التي تفتك به وتروع أمنه وعلى مقدار ما في الجريمة من ضرر وفساد وترويع وإفزاع تكون غلظة العقوبة بقدر ذلك. ٢- عموم العقاب في أحكام الشريعة الإسلامية فالحدود تطبق على الجميع ولا يعفى منها أحد لمركزه أو شخصه أو لغير ذلك من الاعتبارات. الموازنة بين الضرب والسجن: إن المشرعين في القوانين الوضعية يعيبون على الإسلام أن العقوبات فيه أكثرها بدني بالضرب المبرح وقالوا إن هذه العقوبات ليست إنسانية بل فيها استهانة وحط للكرامة الواجب توفيرها للإنسان. ويرد على هذا بأن الإسلام لاحظ في العقوبات ما لاحظه في كل تشريعه وهو ملاحظة أكبر منفعة والموارنة بين الضَرر الواقع والنفع المطلوب من حيث المقدار وتحمل أقل الضررين ولاشك أن العقاب كيفما كان ضرره لابد منه لأنه يترتب عليه نفع أكبر من الضرر اللاحق بالمعاقب. وقد لاحظ الإسلام في العقاب الرادع أن يكون ضرره غير وخيم العاقبة بحيث يكون عاجلاً غير معطل للقوى أو مفضياً إلى ما هو أشد ضرراً في عاقبته. والناظر في عقوبة السجن التي تعتمد عليها القوانين الوضعية إلى حد بعيد يوازن بين ضرر السجن وضرر الضرب أيهما أوخم عاقبة وأيهما أحسم للداء، إنه يلاحظ في السجن أضراراً كثيرة وبالغة الخطورة منها:

стр. 14670

١- انقطاع الجاني عن أهله وأولاده مدة قد تطول لا يرعونه ولا يرعاهم. ٢- أنه يعاشر في السجن المجرمين فتصل إليه عدواهم -وعدوى الجريمة كعدوى المرض يسري بالمجاورة والاختلاط- فيدخل مريضاً بجريمة واحدة ربما كان وقوعه فيها بسبب عارض وليس متمكناً من نفسه ولكنه يخرج وقد أصيب بعدة أمراض أخرى ربما حولته إلى إنسان شاذ في المجتمع. ٣- أن السجن تهان فيه الكرامة, وحيث فقدت الكرامة واستمر السجين أمدا ذليلا مهينا فإن قلبه يفسد ويكون مستعدا لارتكاب الكثير من الجرائم لأن الجريمة مهانة تسهل عند المهين وتصعب على الكريم. ٤- أن السجناء وقت سجنهم قوة إنسانية معطلة وبذلك يوقع السجن ضرراً بالمجتمع. ٥- أن السجين يعاقب أثناء السجن بعقوبات بدنية إذا ارتكب ما يخالف لوائح السجن وقليل من ينجو من هذه المخالفات وآثارها وبهذا يقعون فيما فروا منه. هذه بعض أضرار السجن فوق ما فيه من تقييد الحريات وعدم الردع الكافي عن ارتكاب الجرائم. أما عقوبة الضرب فإنها وإن كانت لا تخلو من امتهان لكنه لا يدوم وسرعان ما يسترد المعاقب بالضرب اعتباره إذا عمل بعد ذلك صالحاً ونفسه لم تتدرن بدرن يأكل الكرامة وإذا مازالت جراحه استأنف نشاطه واستئناف النشاط يرد إليه اعتباره ويستمر بين أهله يرعاهم ويرعونه ولا تصل إليه عدوى من أمراض أخرى كما لا يوقع الضرب ضررا بالمجتمع كما هي الحال في السجن. وقولهم إن في الضرب استهانة وحطاً للكرامة فكرة لا محل لها في العقاب ولا يصح أن يحتج بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.

стр. 14671

وبعد فإن العقوبات في الحدود وغيرها شرعت لمنع الكافة عن الجريمة وزجرهم عنها فهي ضمانات لتطبيق أحكام الشريعة وليس كما يتصورها الجاهلون بها وبحقيقتها وبطبيعة المجتمع المسلم حيث يتصورونه أو يصورونه مجتمعاً مقطع الأيدي في كل زاوية رجل مصلوب وفي كل شارع رجل مجلود أو مرجوم ويكفينا لتقرير هذه الحقيقة ورد هذه التصورات الجاهلة أننا حينما ننظر في المجتمع الملتزم بأحكام الله وحدوده أن هذه الجرائم لا تقع إلا في حالات قليلة بل نادرة في بعض أنواعها، في حين أننا نلاحظ ازدياد جرائم السرقة مثلاً في المجتمعات التي لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية رغم أنها تعاقب عليها أحياناً بالإعدام. آمنا بالله وبشرعه فهو العليم الخبير أعلم بطبيعة خلقه وبما يصلحهم وما تستقيم به أحوالهم وشئون حياتهم. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ بعض مراجع البحث غير ما ذكر في الهامش ١- التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة. ٢- الجرائم في الفقه الإسلامي لأحمد فتحي بهنسي. ٣- جرائم الحدود في التشريع الإسلامي لمحمد عطية راغب. ٤- التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر. ٥- الجريمة في الفقه الإسلامي للشيخ محمد أبو زهره. ٦- العقوبة في الفقه الإسلامي له. غنى وملك رأى زينون الحكيم رجلا على شاطىء البحر مفكرًا حزينًا على الدنيا فقال له: "يا فتى ما تلهفك على الدنيا...؟ لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر وقد انكسرت بك السفينة وأشرفت على الغرق!! أما كانت غاية مطلوبك النجاة وأن يذهب كل ما بيديك؟ قال: "نعم". قال: "ولو كنت ملكا وأحاط بك من يريد قتلك، أما كان مرادك النجاة من يده ولو ذهب جميع ما تملك؟ ". قال: "نعم". قال: "فأنت ذلك الغني الآن وأنت ذلك الملك"، فتسلى الرجل بكلامه.

стр. 14672

-------------------------------------------------------------------------------- [١] الأحكام السلطانية ص ٢٢١ طبعة مصطفي الحلبي (الطبعة الثالثة) . [٢] الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦. [٣] انظر فلسفة العقوبة لمحمد مهدي علام ص ٣٦. [٤] البخاري بشرح فتح الباري الطبعة السلفية ١٠/ ٤٨١. حديث رقم ٦٠٦٤ ومسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٤/١٩٨٥ حديث رقم ٢٨ من كتاب البر والصلة. [٥] رواه مالك في الموطأ ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ٢/٨٢٥ ضمن حديث مرسل وقد وصل ذلك الحاكم في المستدرك ٤/٣٨٣ والبيهقي في السنن ٨/٣٣٠ وهو حديث مشهور معروف العمل عليه. [٦] المستصفى للغزالي ص ٢٥١ تحقيق محمد مصطفى أبو العلا.

стр. 14673

الملك عبد العزيز آل سعود بين نصره لله ونصر الله له للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة ٢ لقد وفق الله الملك عبد العزيز آل سعود في كل ما قام به، والتوفيق أمر عظيم لا يهبه الله إلا لرجل عظيم، ومما لا شك فيه أن عبد العزيز كان عظيما، وتظهر هذه العظمة واضحة جلية في توفيق الله له، ونصره إياه في وقعة الرياض وفتحها. كان عبد العزيز في سن دون العشرين من عمره المبارك، وما تزال ترن في أذنه نصائح أبيه الرجل الصالح الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، الذي كان دائماً يقص عليه تاريخ الآباء والأجداد، ومواقف الضعف والقوة فيهم، ويذكر بالخير مواقف الصلحاء والأتقياء منهم، ويحرص كل الحرص على أن يبث في نفس ابنه عبد العزيز الروح الدينية، ويغرس في قلبه حب الجهاد والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله، ويذكره بالعهد الذي تم بين جده محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏، الذي يقضى بالعمل على نشر العقيدة السلفية، وجذب الناس إلى توحيد الله ، وإقراره بالعبادة، ودحض حجج الآثمين والمشركين، وإقامة الأدلة والبراهين الناصعة على ثمرة التمسك بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وما يجنيه الإنسان من وراء ذلك من سعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 14674

لقد رأى حوادث جساماً، وهو صغير، رأى الأعداء على أبواب عاصمة الآباء والأجداد، وشاهدهم وهم يحاولون الاستيلاء على الرياض وما حولها، ثم استسلم للبيداء بقسوتها وبحرّها وبردها، حتى انتهى به المطاف إلى الكويت, وفي الكويت عرف الكثير عن أمرائها وعلمائها، كان يجلس صامتا، ويسمع أكثر مما يتكلم، وكان ما يسمعه ويقرؤه ويتعلمه يلقى به في بئر آماله وأحلامه العريضة ويضطرب كل ذلك في بحر لجي تتدافقه الأمواج العالية، التي تصل به إلى قمة التفكير ألا وهو كيف يخلص بلاده الغالية من يد الغاصبين. لقد ذهب إلى الرياض مسقط رأسه، ومحط آماله، وملعب طفولته غازياً، ومكث بها أربعة أشهر، لكنه تركها أمام مالا قبَل له به، فوقعة الصريف [١] وانتصار الأعداء بها، والهزيمة التي لحقت بجيش الشيخ مبارك كان لها أكبر الأثر في التأثير على مجريات الأحداث في ذلك الوقت. ولقد مرت الأيام، وبلغ عبد العزيز الواحدة والعشرين، وما تزال تراوده فكرة الرجوع إلى بلده، فإما أن يعيش فيها، وإما أن يستشهد في سبيلها، لقد اختمرت في ذهنه فكرة استرداد الحق المغتصب، والمُلك الذي سلب، ونُهِب قسراً عن أهله، والذي لا يُسْتَطاع بغيره أن يُمْتَلك الزمام، فتقام حدود الله، وتطبق أسس الدعوة التي كاد يقضى عليها، إلا من أنفس ما تزال تعض عليها بالنواجذ، ثم أقسم ليستردنّ مجد آبائه وأجداده، ولينشرنّ الدعوة لربه جل وعلا، كما قام بها أجداده الأوائل. ثم كاشف بما جال في خاطره الأصفياء من ذويه، وأقاربه الشباب، فوافقوه على ما دعا إليه، وذهب إلى والده الإمام، واستأذنه في السفر، بعد أن بين له الدافع الشديد الذي دعاه إلى ذلك فإيمانه القوي بنصر الله، وتوكله عليه، واطمئنان قلبه إلى توفيقه تعالى، جعله متأكداً من عون الله، وشد أزره له.

стр. 14675

وتنفس الصعداء الرجل العارف بأخبار العدو وقوته، وحرصه على ما اغتصبه، وقد أدرك أن عبد العزيز الذي رباه وعلمه لساعة آتية، قد أدرك الآن أنه أصاب الهدف، واعتمد على من عليه الاعتماد، وأوى إلى ركن حصين وسند عظيم، ولذلك لم يتردد في الإذن له بالعمل، ودعا له بالتوفيق والنجاح [٢] . وإذا وجد الإيمان والتوفيق، والنصر والتوكل على العليم الخبير، فكل ما عداه من الأسباب هين لتحقيق الرغبة القوية. لقد تمكن عبد العزيز الشاب من الحصول على أربعين جملا، وثلاثين بندقية، وبعض الزاد، ومعه أربعون رجلاً من عائلة آل سعود الذين بالكويت، ومن المقربين إليه، ثم راح يغزو الأرض التي استولى عليها ابن الرشيد، والناس يجتمعون معه، ويتفرقون عنه، حتى وصلوا إلى الألفين، لم يبق منهم في آخر الأمر إلا عشرون ضمهم إلى الأربع فأصبح جيش عبد العزيز ستين رجلا، واتجه ببصره إلى الرياض، واستطاع القائد الشاب عبد العزيز ابن عبد الرحمن بما وهبه الله من الذكاء أن يخطط للاستيلاء على الرياض. ففي الخامس من شوال عام ١٣١٩ هـ كان الشاب عبد العزيز والستون شاباً على مسافة من الرياض. قالوا: إنها كانت على بُعْد ساعتين، ترك فيها عشرين شابا ممن معه، وتقدم بالأربعين الآخرين، فلما وصل إلى البساتين خارج سور المدينة، ترك أخاه محمدا، ومعه ثلاثون رجلاً، ومشى بالعشرة في الظلام الدامس، حتى تمكن من اقتحام الأسوار، والوصول إلى حاكم الرياض من قبل ابن الرشيد، وقتله في مغامرة مثيرة, رافقه فيها تأييد الله له وتوفيقه, وأظلته العناية الإلهية التي شدت من أزر الشاب عبد العزيز، حتى تم له النصر، واستولى على الرياض [٣]

стр. 14676

أرسل من ينادي في الناس، في محل تجمعاتهم، وفي الأسواق، وكان الخبر قد سرى في كل مكان، والبشر والفرح يعلو الوجوه، وهم يشكرون الله الذي أرجع الحق إلى أصحابه، كان المنادي يقول بأعلى صوته: "الله اكبر.... الحكم لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود" [٤] هذا الفتح العظيم جدير بأن نسميه "فتح الفتوح في العصر الحديث"فلقد كان بداية لسلسلة من الانتصارات التي مَنَّ الله بها لا على عبد العزيز وحده، بل على العالم الإسلامي، وهذا ما أثبته مرور الأيام. لقد تناول المؤرخون والكتاب والأدباء هذا الحدث العظيم بالدرس والتحليل والثناء والإكبار، واتفقوا على أن هناك توفيقا إلهيا، سار في ركب تلك الفتية التي آمنت بربها، فظَلت عناية الله تحرسهم وترعَاهم فحققوا النصر على أول طريق الجهاد والكفاح حتى أتم الله نوره. يقول نجيب نصار في كتابه (الرجل) : "إن ابن سعود الذي تعلم الصعود إلى مراقي العظمة، في مدرسة الإسلام، كما تعلمه فيها أبو بكر وعمر وعلي وخالد ومعاوية، وغيرهم من الصحابة الكرام، وتمرن على الخشونة، وشظف العيش، والشدة في مدرسة بني مرة الساذجة، ارتقى أول درجة من سلّم العظمة بالاستيلاء على الرياض" [٥] . وقال حافظ وهبة: "إن هذه القصة تشبه قصص أبطال اليونان، وترينا عظم الأخطار التي أحاطت بابن سعود" [٦] . لقد جاء الناس من كل مكان، وتجمعوا في قصر الحكم، يرحبون بالأمير عبد العزيز، ويبايعونه زرافات ووحدانا، والفارس الشجاع يدعوهم إلى تناسي ما حدث في الماضي، وإلى المحبة والتعاون، والاستعداد للمستقبل.

стр. 14677

لم يضيع الأمير عبد العزيز لحظة من وقته، فقام بالبناء والتحصين والاستعداد لكل ما يطرأ من أحداث، وكتب للوالد الإمام عبد الرحمن أن يأذن لأخيه سعد بالقدوم إليه، ومعه نجدة من الرجال والعتاد، ثم أرسَل إلى والده بالكويت، يطلب إليه العودة إلى الرياض؛ فسير الحوادث تفضي أن يكون بجواره، فودع الإمام والشيخ مبارك، وغادر الكويت تلبية لولده، وسلك طريقا غير معروف، فابن الرشيد ما يزال يسيطر على البلاد، وليس من الصواب أن يعرف طريقه في ذاك الوقت. لم يمض زمن طويل بل أيام معدودات حتى وصل الإمام عبد الرحمن إلى الرياض بسلام، وأسرعت الوفود من كل مكان للتهنئة والتحية والسلام، وتجديد البيعة لآل سعود، ثم دعا الإمام شيوخ العاصمة وعلماءها إلى اجتماع طلب عقده في المسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة، وبعد الصلاة وقف الإِمام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ، وأعلن أمام الجميع تنازله عن جميع حقوقه في الإمارة والإمامة إلى ابنه عبد العزيز. ولكن الابن البار الذي تربى في رحاب الإسلام، ووعى قضاء الله للوالدين رد قائلا: "الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم". فجمع الإمام العلماء، وأرسل إلى عبد العزيز، وخاطبه قائلا: "إذا كان قصدك في استدعائي إلى الرياض لأتولى الإمارة فيها، فهذا غير ممكن ولا أقبله مطلقا...." وبعد مناقشات طويلة، قال الحاضرون من العلماء للقائد عبد العزيز: "على الابن أن يطيع أباه" وقالوا للإمام: "أنت كوالد عبد العزيز رئيس عليه، وبالتالي على أهل نجد". فقال الإمام ﵀: "ولكن الإمارة له". فقال عبد العزيز: "إني قابلها بشرط أن يكون والدي مشرفا على أعمالي دائما، فيرشدني إلى ما فيه خير البلاد، ويردعني عما يراه مضراً في مصالحها" [٧] .

стр. 14678

موقف فريد في زمنه، زمن قتل الطامع أخوته في سبيل الملك، وتنمر الابن فيه للأب، وضاعت فيه مُثُل الإسلام العليا إلا من فئة قليلة، ظلت محافظة على تعاليم الحنيفية السمحة، تمثلت في أصل عبد الرحمن وفرعه وعين الله ترعاهم، وتوجههم إلى الطريق المستقيم. تمت البيعة لعبد العزيز، وأصبح قريبا من الله، متحملا مسئولية من تولى أمرهم، فليضاعف النشاط، وليسهر على راحة رعيته، وليتجه إلى ربه، يطلب منه العون والمساعدة والتوفيق. لو أسرع ابن الرشيد إلى الرياض بجيوشه الجرارة، وقوته الكبيرة لتغير وجه التاريخ، ولقضى على تلك العصابة التي أخذت على عاتقها نشر الدعوة، وإقامة حدود الله. قال الإمام عبد العزيز: "أما ابن الرشيد، فقد أشار عليه بعض رجاله بأن يسير من "ثادق"ويضبط الحفر، ولكنه رفض، والحقيقة لو أطاع رأي قومه، ورحل إلى الحفر، لكانت ضربة قوية علينا " [٨] , ولكن الله شغل ابن الرشيد بآماله، وتطلعاته التي دار في فلكها، وشغلته عما سواها، فهو يخطط ليستولي على الكويت، فقد طغى عليه التفكير في امتلاكها، وأخذها من الشيخ مبارك، وحسبها هي الأصل، والرياض هي الفرع, وإذا امتلك الأصل، فإن الفرع يأتي إليه بأقل جهد. لقد مناه الأتراك بالمساعدة، ورسموا له كيفية الاستيلاء على الكويت، ولكنه ما كاد يقترب منها، حتى كان له الإنجليز -حلفاء الشيخ مبارك- بالمرصاد، فقد قضوا على آماله وتطلعاته، وأخيرا وبعد فوات الوقت، عرف أنه أمام قوة لا قبل له بها. كان كلما ذكروا له عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، واستيلاءه على الرياض، أجاب بلا مبالاة، وأظهر عدم الاهتمام بهذا الاستيلاء، وأن الأمر لا يستحق أقل مجهود، وحينما ألحوا عليه في الذهاب إليه، قال المثل المشهور وهو غير مكترث: "أرنبة محجرة وأهلها مقيمون "أي أنه يستطيع أي يوم شاء أن يخرج عبد العزيز من الرياض" [٩] .

стр. 14679

ومرت شهور، وأتى ابن الرشيد، وفي حسبانه أنه سوف يتسلم الرياض، وأن ساعة تخليصها له قد دنت، ولكنه ارتد على عقبه أمام قوة لم تخطر على باله، بل إنه كلما حاول الاقتراب منها لم يستطع، فنكص على عقبيه، ورجع غير موفق فصرف النظر عنها مؤقتا، لكن كانت له جولات، ومواقع في أماكن أخرى، لازم النصر فيها الإمام عبد العزيز آل سعود ﵀. ظلت الحرب سجالا بين الإمام عبد العزيز وابن الرشيد، وربما كان ابن الرشيد قويا وذا بأس، وكان أكثر عدة وعتاداً، إلا أن الإمام كان أصلب عوداً وأكثر تحملا، وأشد إيماناً؛ فهو يحارب من أجل حق اغتصب، وسُطي عليه، ومن أجل دعوة ودين خف الوازع إليه، وإن له لمبدأ عظيماً يستمد منه الحماسة والقوة. كانت الجيوش تصول وتجول من قبيلة إلى قبيلة، ومن أرض إلى أرض، والناس قد قلّ تمسكهم بالدين، فتاهوا في البيداء الواسعة، يسعون لمغنم دنيوي، وقد يكونون معك بالنهار، فإذا ما أتى الليل تراهم قد انقلبوا عليك، وتعقدت الأمور بالتقارب الذي لم يكن يخطر على بال، هذا التقارب الذي تم بين الشيخ مبارك وابن الرشيد، وكان هذا مما يستبعد، والعداء ما يزال مستحكما بين طرفي الجزيرة، وبدأ النفاق في بعض القبائل ظاهراً جلياً، وبين رجال تنكبوا الطريق، فكانوا متذبذبين بين الطرفين فأحذ الإمام عبد العزيز الحذر والحيطة منهم، وظل يتنقل وهو في أوج حماسه وقوته وتخطيطه، والمولى جَل وعلا يدبر له الأمر، ويوفقه إلى الطريق الذي سيوصله بإذنه تعالى إلى النجاح الذي يريده. لقد وصل ابن الرشيد إلى روضة مهنا، بعد سلسلة من التنقلات والمناوشات ولحق به الإمام عبد العزيز، وشرع يجمع رجاله، ثم بدأ هجوما على خط الدفاع الأول ليلا، على من تقدم من رجال ابن الرشيد، وتواقعا في ٨ صفر سنة ١٣٢٤، وتمكن جيش الإمام من أن يزيح جيش ابن الرشيد قليلا، ويقهقره، ويحتل مكانه.

стр. 14680

وفجأة وبدون تدخل من البشر، والليل حالك الظلام، والنجوم ترسل شعاعاً خافتاً على الرمال، والبصر محدود الرؤيا، والحرس يضعون أيديهم على الزناد استعدادا لإخراج الطلقات، وعين الله الحارسة تتولى الأمور، وتصرفها كما يشاء لها رب الكون، وفجأة يحدث ما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على بال إنسان، وما أراه إلا من صنعِ الله العلي القدير. لقد ركب ابن الرشيد فرسه، وراح يدور في معسكره مستنهضاً همم القوم ممن معه، ومحرضاً للضرب والنزال، يجري هنا وهناك، حتى وصل إلى المكان الذي كان له فيه فرقة من جنوده، ظن أنها لا تزال هناك، وأنسي أنها تراجعت، وتركت مكانها لجيش الإمام عبد العزيز. صاح بحامل البيرق يحرضه على الهجوم، وما حسب أنه بين القوم الذين يحرض عليهم، ويدبر لهم الشر، ويبتغي الغلبة عليهم. كان يصيح باسم حامل البيرق، وعرف رجال الإمام الصوت، وعرفوا أنه ابن الرشيد، فصوبت عليه البنادق، ونفذت إرادة الله, وحمل سيفه وخاتمه إلى الإمام [١٠] . أما الإمام عبد العزيز آل سعود فكان حينما يبشر بنصر من الله يخر ساجداً، ويطيل التضرع والدعاء، حامداً شاكراً فضله سبحانه على ما أولاه من نصر وتأييد، وبهذا قُضي على أكبر قوة كانت أمام الإمام ﵀. لقد شمل تأييد الله جل وعلا لعبده عبد العزيز ﵀ في كل ما دخل من معارك، وإن كان قد خف أوارها في ملحقات الرياض، رغم تشعبها وكثرتها، إلا أنها كانت تنتهي دائماً بنصر من الله، وفي النهاية الاستقرار والهدوء. وشاء الله أن ينتقل الصراع من نجد إلى الحجاز، وكأن ما حدث ما هو إلا مقدمة لتنفيذ إرادة الله، حتى يوفي بوعده، فيستجيب دعاء سيدنا إبراهيم ﵇ كلما اشتد البأس، وانعدم الأمن والطمأنينة بأرضه المقدسة.

стр. 14681

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ . (إبراهيم: ٣٥) . وكان ذلك في أرض الحجاز حيث البيت العتيق. والحرم الآمن، وحيث يجب أن تقام شريعة الله، وتنفذ حدوده، والله أشد غيرة من أحدنا على حرماته، ولكن الله يؤخر، ويممهل ولا يهمل. لقد ظلت حدود الله معطلة زمنا طويلا، وشرائعه مستباحة، والمكان الطاهر مسرحاً للمساومة والمزايدة، والنهب والسلب في كثير من الأوقات, تقام فيه البدع والمنكرات، ويساق الناس وكأنهم قطعان ماشية، وكأنما هذه الأرض الطاهرة ما هي إلا ضيعة لفئة من الناس بلا وازع، فليس لهم -كما يقال- من الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه؛ والدليل القوي على ذلك قانون (أبو نمى) وهو الدستور الذي كانت تسير عليه الأمة في الحجاز في معاملتها مع السادة الأشراف، فشرعت قوانينه لأشراف الحجاز، وضعه (أبو نمى) الذي تولى إمارة مكة سنة ٩٣٢هـ، وظل يعمل به إلى أن قضى عليه الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، حينما طهر الأرض المقدسة من الرجس والآثام. إن قانون (أبو نمى) يمثل أفدح الظلم في أطهر بقعة على وجه البسيطة، وهو بعيد كل البعد عن التشريع السماوي، ولم يسمع بمثله إلا في العصور الوسطى، ومحاكم التفتيش. يقول حسين محمد نصيف: "وهذا القانون على ما أعتقد لم يوضع أقسى ولا أظلم منه, وإذا بحثنا عن معنى الظلم في أي قاموس، فلا نجده وافياً بمعناه الحقيقي إلا في هذا القانون" [١١] .

стр. 14682

كانت انتصارات الإمام عبد العزيز في نجد وما يجاورها مثار إعجاب وإكبار من أبناء شبه الجزيرة، وهو واحد من أبنائها، وهذا ما أوغر صدر حكام الحجاز وأقضّ مضجع الحاكم في ذلك الوقت، وبخاصة أن الإمام كلما أخضع جهة، أقام فيها حدود الله، ونفذ حكم الشرع، والناس قد استجابوا، وسكنوا إلى أحكام الله، وحار الشريف فيما يفعل، وقد أصبحت بلاد نجد قوة لا يستهان بها!! ماذا يفعل؟ إنه كلما حاول مساعدة البقية الباقية من الخارجين، أو معاونة واحد من أعداء نجد الذين يحاربهم الإمام، ارتدت إليه سهامه. كان الشريف بين المَد والجزر، والبعد والقرب، فهو يتقرب إلى الإمام أحياناً، حتى ليظن الإمام أن الصفاء والمودة ستمحو كل ما سبق من عداء، وفجأة لا يلبث أن يقلب ظهر المجن فيظهر ما يضمر فإذا به عداء مستحكَم، لا يستقر به على حال، والإمام عبد العزيز ينظر إلى تحركاته نظرة الواعي المستفيد من كل هذه التحركات، إلى أن ظهرت نواياه أخيرا، وهي قوله: "إن الجزيرة بما فيها من نجدٍ من رعاياه، وأن كل هذه البلاد من حق الشريف". وتذرع الإمام بالصبر والأناة كعادته، وتركه يقول كل ما يريد أن يقوله, وكانت هناك عهود ومواثيق لحلفاء الشريف من الإنجليز، احترمها الإمام، ولم يثر أي مشكلة لهؤلاء الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، حتى كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ وهي مسألة الخلاف على الحدود بين نجد والحجاز، وبالأخص تربة والخرمة -وهما قريتان على الحدود- الشريف يرى أنها من قرى الحجاز، والإمام عبد العزيز يؤكد أنها من نجد وكلاهما يدلي بحججه.

стр. 14683

لقد كان من المتعارف عليه أنهما من نجد، وأن جبل (حَضَن) هو الفاصل بين نجد والحجاز, وأنه يبعد عن القريتين بمسافة قدرت بسبعين كيلومترا بالنسبة لتربة، وبخمسين كيلو بالنسبة للخرمة، وأنّ البلدين وعربانهم حنابلة المذهب من زمن بعيد، وأنّ كثيراً من تجار نجد يعيشون بين ظهرانيهم، كذلك ما يزال ولاؤهم لآل سعود قائماً منذ زمن بعيد. ولما لم تنفع المكاتبات، ولم تغن الوساطات، ولم يجد الشريف ملاينة من الإمام عبد العزيز، وقد استقل الشريف بالحجاز، وطرد الأتراك، وأصبح يتمنى حكم الجزيرة كلها عزم على غزو نجد مبتدئاً بتربة والخرمة، وهو يعتقد أنه سيفتحهما، بعد أن تكتسح جيوشه كل من يقف أمامه. ومما تجدر الإشارة إليه ما حصل بين خالد بن لؤي أمير الخرمة والذي يعتبر عاملا من قبلِ الشريف على هذه الجهة وبين ابن الشريف الأمير عبد الله بن الحسين، وكان بالعيص قريباً من المدينة المنورة بعد أن اشترك مع الأمير عبد الله في القضاء على الحكم التركي بالمدينة المنورة، فقد ضرب خالداً على وجهه أحدُ المقربين إلى الأمير عبد الله هو فاجر بن شليويع أحد شيوخ الرقة، فاشتكى خالد إلى الأمير، ولكن الأمير لم يهتم كثيراً لخالد، لحاجة في نفسه, وكل ما فعله أنه حبس فاجراً ثم أطلق سراحه بعد أيام. لم يرض خالد عن هذا الحكم، ولما خاطب الأمير في ذلك لم يأبه به، فغضب خالد، واستأذن على خلاف المعهود في الرحيل، فأذن له غير مكترث به، ولا بما سيتم عليه الأمر، ورجع خالد إلى الخرمة [١٢] . إن آثار هذه الحادثة البسيطة كانت السبب في تغيير مجرى الحوادث، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها غيرت وجه التاريخ، فبمجرد أن وصل خالد إلى موطن إقامته، وثق علاقته مخلصا بالإمام عبد العزيز، وقد كان على علاقة طيبة به، إذ كانت تجمعهما وحدة المذهب ويرى أنه من رجاله, وربما كانت هذه من الأسباب التي أوغرت صدر الأمير عبد الله.

стр. 14684

صار خالد من رجال الدعوة، وما عاد يخفي شيئاً، فقد أخلص لها، واستعد لأن يضحي في سبيلها بكل شيء، وكأنما رسمت المقادير لخالد دوراً، كان له أكبر الأثر في الاستيلاء على الحجاز. قطع خالد كل صلته بحكام الحجاز، فكان كلما أرسل إليه الشريف بالحضور والمثول بين يديه، تخلص من هذا بحيلة من الحيل، وتكرر منه ذلك، وعلم الشريف أن خالداً غير راغب في مقابلته، ورأى أن القوة هي الفيصل بينه وبين خالد الذي هو واحد من رجاله، واعتبره خارجاً على طاعته، فأرسل إليه جيشاً تلو جيش، فكان نصيبه الهزيمة، ففكر في أن يرسل إليه جيشاً قوياً بقيادة صهره، الشريف عبد الله بن محمد فلما وصل إلى جبل (حَضن) كان القدر له بالمرصاد، فقد تفشت فيه الأمراض فأفنته [١٣] وكفى الله المؤمنين القتال. ويقال: إن الشريف طلب من صهره ألا يباشر عملاً عسكرياً وأن يلتزم مكانه حتى يصل الأمير عبد الله قائد الجيوش [١٤] . عبأ الشريف كل قوته استعداداً لإعلان الحرب على الخارجين على طاعته أولا ثم على الإمام عبد العزيز، واستحث ابنه الأمير عبد الله الذي ولاه قيادة الجيوش الغازية أن يعجل بإخضاع القبائل في تربة والخرمة، وأن يقضي على من فيها من الولاة والخارجين، ثم يتجه إلى الرياض.

стр. 14685

بدأ الأمير عبد الله في الإغارة والتأديب، واستمالة القبائل على حدود تربة، وقتل بعض التجار النجدين، واستَكان له الأعراب المتفرقة في هذه الجهات، فأخذه الزهو، واستصغر شأن خصمه حينما نظر إلى جيشه وكان تعداده ١٢٠٠٠ مقاتل على أن هناك من يقول إن تعداد الجيوش وصلت إلى ٢٥٠٠٠ مقاتل [١٥] منهم خمسة آلاف من الجيش النظامي، والباقي من المتطوعة والأعراب، ومعهم المعدات وآلات الحرب والقتال التي لا تعد ولا تحصى مما أخذ من الإنجليز، وغنم من الأتراك, فنظر إلى كل هذا الأمير القائد، وأرسل إلى والده قائلا: "إني في ٣٠ يوماً سأطوي نجداً بأجمعها وأخاطبكم من البحرين" [١٦] . كان الإمام يراقب ما يجرى في تربة، وتأتيه الأخبار تحت جناح السرعة، فأعدّ جيشا قوامه ٠٠٠ ١٢ مقاتل، تحرك به من الرياض، إلا أنه حينما وصل إليه أخبار جيش الشريف أرسل سريعاً إلى سلطان بن بجاد كبير هجرة الغطْغُط، أن يلتحق بسرعة وسرية مع جيشه بخالد بن لؤي بالخرمة لنجدته، حتى يصل هو ومن معه، وأسرع سلطان بن بجاد، والتقى بخالد، وجلسا يفكران في كيفية الوصول إلى هذه الجيوش، وكيف يدفعان هذه القوه العظيمة التي لا قبل لهما بها. وراودهما التفكير أن ينتظرا ابن سعود، ومدده الذي سيأتي به إليهما، ولكن إيمان خالد بالله كان أقوى من كل شيء، وأن من معه متعطشون إلى الجنة، وهُدِي إلى خطة عجيبة، راح يخطط لها: وهي مهاجمة جيش الأمير عبد الله، واتفقا على كيفية الهجوم. اتفقا على تقسيم القوة إلى ثلاثة أقسام: الأول: يهاجم مخيم الأمير عبد الله. الثاني: ينازل القوات النظامية. الثالث: ينتشر على الخطوط لقطع خط الرجعة عليها.

стр. 14686

وما إن سكن الليل، وهدأ كل شيء، واستسلم الجيش والأمير القائد للنوم، وإذ بخطة خالد تبدأ في التنفيذ وإذا بالأصوات تملأ عنان السماء تنادي: "الجنة.. الجنة.. الجنة "، ودارت معركة رهيبة، استخدمت فيها مختلف الأسلحة، وكان في مقدمتها السلاح الأبيض، واختلط الحابل بالنابل، وصار جنود الأمير عبد الله يضرب بعضهم بعضا في وسط الظلام على غير هدى، ووصل خالد بن لؤي إلى مخيم الأمير، وأحاطوا به من كل جانب يريدون قتله، فاستيقظ من نومه مذعوراً، فشق له خادمه الخيمة، وخرج منها، وأقبل على فرس فامتطاه بملابس نومه، وأطلق له العنان، ولم يتوقف به العَدْو إلى أن بلغ الطائف، وكانت نجاته من تلك المجزرة التي لم ينج منها إلا النزر القليل من رجاله أعجوبة الأعاجيب. أما الذين نجوا من المعركة، ومن المذبحة، ولم يستطيعوا الفرار، فقد التجأوا إلى حصن من الحصون القريبة، فهجم عليهم جيش خالد وابن بجاد في اليوم التالي، فجعلوا خاتمة المذبحة كأولها. تراكمت الجثث بعضها فوق بعض، ولم ينج إلا من سابق الريح، ومن انضم إلى جيش خالد، وكان أكثرهم من عتيبة، وكان عدد القتلى خمسة آلاف، بينما خسر خالد وابن بجاد من جنودهما حوالي خمسمائة، أربعمائة من رجال الغُطْغُط، ومائة من أهل تربة والخرمة. تمت هذه المعركة التي قضت على كل آمال الشريف، والتي قصمت الظهر، ليلة ٢٥ شعبان ١٣٣٧ هـ على مقربة من تربة، واستولى خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد ومن معهما على معدات جيش الشريف وذخائره، وكان أكثرها لم يزل في صناديقه [١٧] .

стр. 14687

ثم وصل الإمام عبد العزيز على رأس جيشه، وكان تعداده ١٢٠٠٠ اثني عشر ألف مقاتل بقيَادته إلى تربة بعد انتهاء المعركة، ولم يعلم بها إلا وهو في الطريق, رأى ضحايا الواقعة، ولم يطق الإمام رؤية هذه المناظر الرهيبة، فقد جيفت الجثث، ولعبت برائحتها الريح، ونقلتها من مَكان إلى مكان، فأطرق ﵀ حزيناً، وتساقطت الدموع من عينيه [١٨] , ثم أمر بدفن الجثث، وقد حمّل الشريف نتيجة كل ما حدث. بعد هدوء الحالة في منطقة تربة والخرمة، واستقرار الوضع بها، اجتمع الإمام عبد العزيز بجيوشه وقواده، واستعرضوا موقف الشريف، وبينوا أنه هو الذي اعتدى، وعليه دارت الدائرة، وأن هذا النصر من الله وحده، فله الحمد في الأولى والآخرة. كان في قيادة الإمام من يرى أن ساعة الخلاص من حكام الحجاز قد قربت، وأنه ينبغي الزحف إلى مكةَ، وكان الجنود متحمسين لإنهاء الأمر، وتخليص الأراضي المقدسة من كل دنس إلا أن الإمام عبد العزيز رأى أن الأمر يقتضي التريث حتى يُسْمَع الصدى الذي ستأتي به هذه المعَارك، وأن الاحتياط واجب، فليس المهم الآن ما عليه الشريف وإنما مَنْ هم وراء الشريف.

стр. 14688

لقد كان الإمام ﵀ يخاف من تدخل قوة خارجة عن المنطقة، ويرى أن ما أصاب الدعوة ورجالهَا من كوارث في الماضي كان بسبب تدخل هذه القوة، وأنه يسير بتؤدة وتأن وصبر، ليفوت على الجميع أمراً قد لا تحمد عقباه، ومن هنا نرى براعة الإمام في معرفته ووعيه للتاريخ، ودراسة أحداثه، والخوف كل الخوف أن يتجمع الصليبيون مرة أخرى مع المسلمين الجاهلين بأمور الدين وتشريعاته، ولكنهم والحمد لله كانوا مشغولين بأمورهم، ففرنسا منصرفة إلى حروبها ونتائجها، وتركيا أصبحت وليس لها من الأمر شيء، أما الإنجليز الذين يهمهم أمر المنطقة، والذين يعتقد الشريف أن لهم التأثير الكبير، ويرى أنهم يستطيعون أن يمدوا له يد العون والمساعدة، فإنهم يدورون في فلك مصلحتهم وحدها، وقد يكونون معك، ولكن حينما لا يرجون الخير منك، فإنهم سينصرفون عنك حتما، ولقد كانوا في طريق الانصراف عن الشريف، حينما رأوا أن التوفيق تخلى عنه. لقد هال الشريف ما حدث في تلك المأساة المروعة، وحار فيما يفعل، وأخيراً استغاث بحلفائه الإنجليز الذين أخذتهم الشفقة والرثاء لحاله، وأرادوا أن يفعلوا له شيئاً، فأرسلوا إلى الإمام هذا الكتاب: "ترجوكم حكومة جلالة الملك -ملك الإنجليز- أن تعودوا إلى نجد عند وصول هذا الكتاب إلى أيديكم، وتتركوا تربة والخرمة منطقة حرة، وغير مملوكة لأحد، حتى عقد الصلح، وتحديد الحدود، وإذا لم تعودوا فإن حكومة بريطانيا تعدّ كل اتفاق بينكم وبينها ملغى، وتتخذ ما يلزم من التدابير ضد حركاتكم العدوانية، ونأسف كل الأسف لما حصل بين أصدقائها، وكانت ترجو ألا يقع" [١٩] . كانت الحكمة تقضي بأن يتريث الإمام حتى تهدأ العاصفة فيتجه بجيشه إلى الرياض، وقد كان هذا ما قام به فعلاً، فأخذ طريقه إلى العاصمة، بعد أن حذر رجاله من عدم التحرك حتى تحين الفرصة وهى قريبة إن شاء الله.

стр. 14689

حقيقة إن الذي كان يشغل الإمام الخوف من التدخل الأجنبي، ومن إثارة الرأي العام الإسلامي في الخارج. "إنني إذا أمنت من جانب تدخل بريطانيا في الأمر من أجل الشريف، فما يدرينا لعلها تتدخل فيما بعد من أجل العالم الإسلامي إذا أنا بسطت نفوذي على الحرمين الشريفين، وحاولت إقامة الدين الحق، ولذلك فلا بد أن أنتظر، وأنتظر طويلاً حتى يأذن الله لي وهو خير الحاكمين" [٢٠] . ولكن الله مؤيده وناصره، ومن كان الله معه، فكل شيء يهون، وكل الأمور تحل بتوفيقه ، وقد بدأ هذا التوفيق بأن أرسلت له جمعية الخلافة المعروفة بشدة تعصبها للدين، وللدولة العثمانية تطالبه بتحرير الحجاز من المظالم، وأن يعمل على عقد مؤتمر إسلامي يقرر فيه مصير البلاد. وكان أول الغيث قطرة، استراح لها قلب الإمام، وهدأت نفسه قليلاً، وحمد الله ، ولكنه مازال يفكر في مخرج مما قد يحدث، وإذا بالبشير يجيئه ليقول له: "إن جيش خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد قد دخلا مكة ملبياً طائعاً كما يريد من غير إراقة قطرة واحدة من الدماء، ودون أن يلحق بأحد من جيرة بيت الله أي أذى" [٢١] سجد الإمام لله شاكراً، معدداً فضله عليه، وكرمه له، ثم شرع ﵀ في الإعداد ليتوجه إلى مكَة فكتب إلى جميع ملوك المسلمين وأمرائهم يشعرهم بسفره إلى مكة المكرمة غير باغ ولا آثم، وأنه عازم على عقد مؤتمر هناك، يفكر فيما يراه كفيلا بتوطيد الأمن، ونشر السلام. وجمع كبار قومه ومعهم العلماء، وخطب فيهم خطبته التاريخية. بدأ الخطبة بحمد الله والصلاة والسلام على نبيه.... وكان مما قاله: "إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة وتأييدها؛ فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا للشرع، الذي يجب أن تطأطأ جميع الرءوس له.

стр. 14690

إن مكة للمسلمين كافة، فيجب أن يكون أمر إدارتها وتنظيمها طبق رغائب العالم الإسلامي. إننا سنجتمع بوفود العالم الإسلامي هناك، وسنتبادل معهم الرأي في كل الوسائل التي تجعل بيت الله بعيداً عن الشهوات السياسية، وتحفظ راحة قاصدي حرم الله" [٢٢] . غادر الإمام عبد العزيز آل سعود الرياض يوم ١٣ ربيع الثاني عام ١٣٤٣ هـ في موكب كبير في طريقه إلى الحجاز، ومعه كبار القوم وعلماؤها، وألوية من أهل الحضر، وسكان الهجر، والفرحة قد عصت الوجوه، وسار الموكب على بركة الله، وجاء البريد من مكة، وهو على آبار المصلوم (المصلوق) مساء ٢٢ ربيع الثاني عام ١٣٤٣ هـ، فأمر بفتحه في الحال- على عادته- وعُرضَ عليه، فإذا به كتاب موقع عليه من معتمدي قناصل الحكومات البريطانية، والإيطَالية، والفرنسية، والهولندية والإيرانية، وهذا نصه: جدة في ٤ نوفمبر سنة ١٩٢٤ م إلى خالد بن لؤي، وسلطان بن بجاد: بعد الاحترام وصلنا كتابكما, ولا يخفى كما أن حكومتنا ملتزمة الحياد التام في الحرب بين نجد والحجاز، وعلى ذلك فنحن محايدون، ولا يمكننا التدخل بأي وجه كان في هذا الخصام، وقد أخذنا علماً بتصريحكما بأن ليس لكما نظر في رعايانا، ونؤيد مضمون كتابنا الأول المختص بهم. والسلام. إمضاءات [٢٣] وعندما انتهى من قراءة الكتاب، خر الإمام عبد العزيز ساجداً لله، ورفع رأسه يشكر الله، ثم قال: "قد لزموا الحياد". يقول الزركلي: "فعرفنا أن سبب قلقه ترقبه ما سيكون عليه موقف بعض الحكومات الأجنبية، فلما اطلع على الرسالة زال ما كان يساوره" [٢٤] . كانت جموع الله وعلى رأسها الإمام عبد العزيز قد وصلت إلى قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، فأحرموا بالعمرة، وانحدر الجمع من فوق جبال الهَدي حتى كانوا بأعلى مكة، بمكان يقال له "الأبطح".

стр. 14691

"..... ولم يكن يخطر على بالي أن أحضر مكة على هذه الصورة، بل إنني لو رأيت في المنام ما تم لي الآن، لما عبرت رؤياي لدى أحد المشايخ (العلماء) مخافة أن يسخروا مني، لكن فضل الله لا يحد، وهذا من محض إحسانه جل وعلا، وإكرامه لي، أسأله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفقني للعمل بكتاب لله، وإحياء سنة سيد المرسلين إنه سميع مجيب الدعوات" [٢٥] . ومما لا شك فيه أن هذا من فضل الله وكرمه وعطفه الذي أولاه لقائد المسيرة عبده وابن عبده الذي كان يستصغر نفسه أمام عطاء الله، وتأييده له، ولقد أثبتت الأحداث أن الله كان دائما معه موفقا وناصرا. كان حاكم الحجاز قد ترك مكة إلى جدة، يريد أن يلعب بآخر ورقة معه، فراح يعد العدة، ويجمع جيوشا، وحاول أن يعمل شيئا لكنه لم يستطع، ولم يجد مالا يدفعه لجنده، فثاروا عليه، وهاج الناس بجدة بسبب ما وقع عليهم من النهب والسلب، وعمت جدة فوضى عظيمة، ولم يستطع الحاكم أن يسيطر عليها، فيئس، وقد ضاعت كل أمانيه [٢٦] ، فتقدم بموافقته على تسليم آخر البلاد. أما الملك عبد العزيز فقد بقي خارج جدة، وكلما طالبه جنده بالسماح لهم بدخول جدة دعاهم إلى الصبر والتؤدة، وطال الحصار لجدة وعبد العزيز واثق من توفيق الله له، ويؤكد خير الدين الزركلي هذا التوفيق ببعض ما حدث في أثناء هذا الحصار فقال: "جهز الشريف عليّ طائرة بمدفع رشاش، وكلف الطيار بأن يغير على قيادة جيش الملك عبد العزيز، ولم يكن عنده مدافع مضادة ولا مخابئ، ووصل الخبر إلى الملك عبد العزيز فقال: "وقانا الله شّرها". وقال الزركلي مكملا:

стр. 14692

"وحلقت الطائرة فوق الخيام، ومن في الخيام ينظرون، وحامت حول أكابر سرادق في المخيم، حيث يجلس عبد العزيز وخاصته، وكان الوقت قبيل الظهر، ومن في الطائرة يرى من في الأرض بالعين المجردة، وكان مع قائدها شاب أعرفه، روى لي من تمنى له النجاح في مطار جدة قبل قيام الطائرة، وأنه رآه يحمل قنبلتين من اللواتي تقذف باليد وسمعه يقول: "سألقيها على رأس عبد العزيز ... " ولم يكن بين الطائرة ورأس ابن سعود أكثر من مئات الأمتار؟ وقد أحكم القائد جعل السرادق هدفاً له، وهيئ الرشاش وإحدى القنبلتين, ولكن التوفيق يقظ، فإذا بالقنبلة تنفجر في الطائرة، وإذا بالنار تشتعل في الجو، وتهوي الطائرة، ثم تصبح ومن فيها كومة من الرماد أمام خيمة عبد العزيز" [٢٧] . وبينما رجال عبد العزيز يواصلون إلحاحهم عليه بدخول جدة، وهو يأمرهم بالتأني والصبر وردت رسالة الملك علي بالتسليم، وأجابه عبد العزيز بالموافقة، ورحل عن جدة والبلاد، وتم الحكم لله ونودي بعبد العزيز في مكة المكرمة في ٢٢ جمادى الثانية ١٣٤٤ هـ الموافق ٨ يناير سنة ١٩٢٦م ملكاً على البلاد [٢٨] . كلمتان لأبي بكر وعلي كان من دعاء خليفة رسوله الله أبي بكر الصديق إذا مدحه الناس أن يقول: "اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي، واجعلني خيرا مما يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون "... وكان أمير المؤمنين علي يقول لمن يتملقه مغاليا في مدحه: "أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك".. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 14693

[١] وقعة الصريف كانت بين قرية الطرفية وماء الصريف بين الشيخ مبارك شيخ الكويت وابن الرشيد عام ١٣١٨هـ، وبالرغم من أن الأمير عبد العزيز كان مستقلا عن هذه الوقعة إذا اتجه بحملته إلى الرياض إلا أن هزيمة الشيخ مبارك في هذه الوقعة كان لها تأثير عليه ففضل الانسحاب هذه المرة. [٢] الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ج اص ١٩. [٣] القصة الكاملة لفتح الرياض رواها بتواضع جم الملك عبد العزيز ﵀، نقلها عنه فؤاد حمزة في كتابه "البلاد العربية السعودية"ونقل جزءاً منها الكاتب خير الدين الزركلي في كتابه "شبه الجزيرة في عهد الملك عد العزيز"وكذلك نقلها الكاتب أمين الريحاني في كتابه "تاريخ نجد وملحقاتها"بتصرف، وتناولها جميع الكتاب الذين كتبوا عن الملك عبد العزيز ﵀ من عرب وأجانب بالشرح والتحليل. [٤] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ٩٠. [٥] شبه الجزيرة ج اص ٨٧. [٦] شبه الجزيرة ج اص ٨٧. [٧] نجد وملحاقتها ص١٢٩. [٨] فتح الرياض كما يرويها الملك عبد العزيز آل سعود من كتاب "المتوكل على الورود عبد العزيز آل سعود "ص ٣٢٢.. [٩] نجد وملحقاتها لأمين الريحاني ص ١٢٧. [١٠] نجد وملحقاتها ص١٥٨. [١١] تاريخ الحجازص١٧. [١٢] صقر الجزيرة ج ١ ص ٢٠٧. [١٣] صقر الجزيرة ص ٢١٠. [١٤] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص ١٨٩. [١٥] تاريخ الحجاز ص ٦٤. [١٦] نفس المصدر ص ٦٤. [١٧] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج ١ ص ٣٢٣. [١٨] نفس المصدر ج اص ٣٢٣. [١٩] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود. [٢٠] الإمام العادل عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج اص ٧٩ – ٨٠. [٢١] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج اص٣٣٣. [٢٢] صقر الجريرة ج ٢ ص هـ ٣١.

стр. 14694

[٢٣] جريدة أم القرى العدد ٢ السنة الأولى، وتاريخ الحجاز ص ١٥١. [٢٤] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج اص٣٤٠. [٢٥] الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج ١ ص ٣. [٢٦] تاريخ الحجاز ص ١٩٩. [٢٧] شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ج ٢ ص ٥٨٤. [٢٨] قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ٣٩٤.

стр. 14695

من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين الدكتور جميل عبد الله المصري تحتاج الأمة أية أمة وهي تتلمس طريقها نحو النهضة إلى ما يسمى بالحس التاريخي تعي فيه ذاتها وتحقق أصالتها، وأي أمة خلت من هذا الحس التاريخي هي أمة تابعة مقلدة لاهثة، لا تعي ذاتها وبالتالي لا تملك ذاتها، ومصيرها يكون إلى زوال. والأمة العربية والإسلامية لم تتميّز ولم تعرف إلا بالإسلام وبدعوته، والكشف عن جذور هذه الدعوة وأصالَتها يجعلها أمة متميّزة شاهدة على الناس، فلا تبعية ولا تقليد ولا ذوبان في حضارة شرقية أو غربية، ويوم تعي هذه الأمة ذاتها تشمخ عملاقة تسير في دروب الخير والعطاء للإنسانية جمعاء، تمديدها لإنقاذ الإنسانية من مهاوي الردى، تنير لها سبيل الخلاص، وتخرجها من الظلمات إلى النور فيصدق فيها قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . (سورة آل عمران: ١١٠) . وتاريخ الإسلام هو تاريخ للدعوة الإسلامية، يتلازمان صعوداً وهبوطاً, وطبيعة تاريخ الدعوة تنبع من طبَيعة الدعوة الإسلامية ذاتهَا التي من أخص خصائصها الشمول والاتساع والعالمية - فهي لا تعترف بحدود جغرافية أو جنسية أو لغوية أو سياسية حتى في الوقت الذي تمزّق فيه المسلمون إلى دول ودويلات وإمارات- لم يتأثر المسلمون بهذا التقسيم بل كانوا ينظرون إلى ذاتهم كأمة دون الناس يطلقون على عالمهم دار الإسلام، يستطيع كل مسلم أن يدخل أي قطر يقيم فيه ويتخذه وطنا هويته الإسلام وجنسيته دار الإسلام.

стр. 14696

هكذا كان المسلمون يدركون ذاتهم ويتميّزون عن غيرهم إلى أن عصفت بالمسلمين موجات الاستعمار الغربي التي حملت معها أفكار القومية والتغريب والعلمانية، فبهت حسّهم التاريخي وتعثروا في تلمس انتمائهم بين يمين ويسار، ورجعية وتقدمية، وشعارات بعيدة عن ذاتهم وعن أصولهم. ودراسة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى طريق إلى إيجاد الحس التاريخي في هذه الأمة، وإنعاشه وبلورته إلى عمل فعّال في استثارة كوامن الطاقات الإسلامية وتجميعها وتوجيهها نحو الخير والعطاء. وسأتحدث عن ثلاث مراحل من مراحل الدَعوة الإسلامية في مكة المكرمة. المرحلة الأولى: الدعوة سّرًا:

стр. 14697

بعدما نزل الوحي على الرسول ﷺ وكلفه حمل الرسالة وأمره بتبليغها بقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . أخذ يدعو لدين الله فبدأت المرحلة السرية التي استمرت ثلاثة أعوام، فكان فيها ﷺ يدعو من آنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة بغضّ النظر عن سنه ومكانته وبغضّ النظر عن جنسه وأصله، فكان يدعو جميع من يتوسّم فيهم القبول والتعقل، فأسلم خلالها جماعة من ذوى العقل والرأي والنضجِ مثل خديجة بنت خويلد زوجه، وزيد بن حارثة مولاه، وعلي بن أبى طالب وكان صبيا، وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة عامر بن الجراح وسعيد بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص والأرقم بن أبي الأرقم وجميع هؤلاء من الأسر المتنفّذة القوية، كما كان من السابقين إلى الإسلام أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، أحرار وموالي، عرب وعجم، تجار وعمال، وبعض الكتابيين أمثال صهيب الرومي، والأرقاء أمثال بلال الحبشي وياسر وزوجته سمية وابنهما عمار. فالإسلام من بدايته لم يكن لفئة دون فئة من الناس ولا لجنس دون جنس أو طبقة دون طبقة، بل جاء للناس كافة، وخلاصاً للإنسانية جمعاء, قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . (سورة الأنبياء: ١٠٧) .

стр. 14698

أخذ الرسول ﷺ يعلم هؤلاء المؤمنين ما ينزل عليه من القرآن الكريم بعيداً عن أعين المشركين، واتخذ دار الأرقم بن الأرقم مركزاً لبث الدعوة فكانت أول مدرسة في الإسلام، كان يلتقي بالمؤمنين سراً في هذه المدرسة أوفي شعاب مكة أثناء الليل أو في الهاجرة، فيحفظهم القرآن الكريم ويثير فيهم الفكر بالتأمل في آيات الله والتدبر في مخلوقاته، ويعوّدهم الصبر على الأذى وبروّضهم على الطاعة والانقياد لأوامر الله حتى خلصوا لله العلي القدير، وكان أثناء ذلك يتصل بالعرب سراً يبلغهم الرسالة [١] فاستجاب نفر غير قليل من قريش الظواهر التي كانت تتألف من بطون قريش المستضعفة وحلفائها [٢] وكان ﷺ يرسل لمن يدخل في الإسلام من يعلمه القرآن ممّن أسلموا من قبل وفقهوا في الدين، فقد أرسل مثلاً خباب بن الأرت يعلم زينب بنت الخطاب [٣] . المرحلة الثانية: الدعوة جهرا: نضج الصحابة السابقون في الإسلام وأصبحت عقليتهم عقلية إسلامية ونفسيتهم نفسية إسلامية، وأصبح إدراكهم لصَلتهم بالله بارزة آثاره على أعمالهم، فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ . (سورة الشعراء: ١٤) . فجمع ﷺ قومه من بني عبد المطلب وكانوا يومئذ أربعين رجلا، واتبع معهم ضروب الملاينة، وتحدث معهم في لطف وشرح لهم الدعوة في بساطة وعطف فقال لهم: "إني ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فلقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة" [٤] .

стр. 14699

ثم نزل قوله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ . (سورة الحجر: ٩٤) فأظهر ﷺ الدعوة وخرج في أصحابه إلى الكعبة في نظام دقيق لم تعهده العرب من قبل، فطاف بهم حول الكعبة، ونادى قريشاً وأبلغهم الدعوة فهتف به عمه أبو لهب: "تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ ", فنزل قوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ . (سورة المسد: ا- ٣) . فانتقلت الدعوة من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور الاتصال بمن يأنس فيهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعاً، فلقي المسلمون من عداوة مشركي قريش وعنتهِم الشيء الكثير، ولكن الدعوة سارت في سبيلها، ولم يرفع المسلمون سيفاً أو يشرعوا رمحاً، إنما كانوا يدعون إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، يتفاعلون مع المجتمع، وتتنزل الآيات تصارع عقائد المشركين وعاداتهم وتقاليدهم دون مهادنة لزعمائهم. كان الرسول ﷺ يصارع بدعوة الإسلام عقائد الجاهلية جاهداً لإحلال العقيدة الإسلامية محل العقائد الزائفة ببيان زيف تلك المعتقدات وسخافة عقول معتنقيها، يتلو عَليهم ما ورد في القرآن الكريم من قصص الأمم السابقة التي تشبههم في عبادة الأوثان ليوقظ تلك العقول الجامدة لعل أصحابها يتعمقون في التفكير، وينذرهم بالعذاب الشديد لعكوفهم على عبادة الأوثان، فكان يتلو عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ . (سورة الأنبياء: ٩٨) .

стр. 14700

وتعدّى الأمر ذلك إلى مهاجمة نظمهم القبلية وعاداتهم وتقاليدهم البالية التي يستمدون منها نظام حياتهم كالربا وجواز اسئتجار الجواري للزنا والميسر واستشارة الكهنة والعراشين، ووأد البنات وقتل الأولاد والنسيء، وتتنزّل الآيات تحمل الردود العنيفة القاسية على زعماء قريش وسادتهم وكبرائهم وأغنيائهم وطغاتهم كقوله تعالى: ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ . (سورة العلق: ١٥-١٧) [٥] , وقوله سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ هماز مشاء بنميم هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ . (سورة القلم:. ا-١٦) . وقوله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ . (سورة الهمزة: ١-٤) . كان الرسول ﷺ يتلو عليهم هذه الآيات ومثلها غير مبالٍ بقوتهم وضعفه وكثرتهم وقلته، جرأة في الحق وعدم خشية أحد فيه، فكان المثل الأعلى لأصحابه الدعاة، فلم يهادنوا عظِيماً ولم يراعوا في الحقّ جباراً، ولم يغضوا البصر عن جانب من جوانب الفساد، ولم يتركوا باباً لتبليغ دعوتهم إلا طرقوه، ولم يجدوا مسلكاً إلا سلكوه. مواقف قريش المضاد للدعوة الإِسلامية في مكة: واجهت الدعوة الإسلامية من اللحظة الأولى لظهورها الوثنية وتزعمتها قريش، وبشكل خاص بعد أن اعتَنق الدعوة كثير من أهل الفضل منهم ووقفوا في سبيلها بمختلف الوسائل. ومن هذه الوسائل:

стр. 14701

١- اتهام الرسول ﷺ بمختلف التهم ليبعدوا الناس عنه، فكانوا يقولون: "هذا أساطير الأولين", قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . (سورة الفرقان: ٥) . ونعتوا الرسول ﷺ بالكاهن حيناً والكاذب المفتري حيناً والمتعلم المقتبس من غيره حيناً, وظلوا يكرّرون ذلك حتى آخر العهد المكي, قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ . (سوره ص: ٤) . وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراًً﴾ . (سورة الفرقان: ٥) . ووصفوا القرآن بالسحر قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . (سورة سبأ: ٤٣) . ٢- اتبعوا أسلوب الحِجاج فكانوا يحاجّون الرسول ﷺ وهو أسلوب أهل الكتاب ومن ذلك قصة النضر بن الحارث الذي حاول أن يخصم الرسول ﷺ فجاء بعظم بالٍ يتفتت بين يديه ويقول: "أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا؟ "فأجابه محمد ﷺ : "نعم ويدخلك جهنم". ونزل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . (سورة يس: ٧٨-٧٩) .

стр. 14702

ومن قوله يبيّن أسلوبهم في الحجاج: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (سورة الأنعام: ١٤٨) . وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . (سورة الجاثية: ٢٤- ٢٥) . ٣- مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه كما فعل الأنبياء السابقون، قال تعالى على لسانهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ . (سورة الأنبياء: ٥) . وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً﴾ . (سورة الإسراء: ٩٠-٩٣) .

стр. 14703

٤- محاولة استمالة الرسول ﷺ وإقناعه بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له: "يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب, وبذلنا فيه أحوالنا حتى نبرئك منه ", فقال ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: "نعم"قال: فاسمع مني: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . (سورة فصلت:١ - ٣٨) حتى انتهى إلى آية السجدة فسجد، ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد", فقام عتبة إلى أن جلس لقومه وقال: "إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ... يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به". فقالوا: "قد سحرك يا أبا الوليد بلسانه", قال: "هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم". فقال النضر بن الحارث: "بماذا جاءنا محمد؟ " واللات ما محمد بأحسن حديثا مني" [٦] .

стр. 14704

هكذا كان زعماء قريش يحاولون إقناع محمد ﷺ بالعدول عن الدعوة أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ . (سورة القلم: ٩) . فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة ولا تعدداً. ٥- أسلوب التعذيب: لما رأى زعماء قريش إصرار الرسول ﷺ وانتشار الإسلام توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعذيب العبيد والضعفاء من المسلمين ليعودوا إلى الشرك وليحولوا دون إسلام المزيد، فكان من صور هذا التعذيب أن يعرّى صدر المسلم ويطرح فوق الرمال والصخور المحرقة المتوهجة من شدة حرارة الشمس ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم الماء والطعام وتقيّد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون بالسياط جلدا شديدا، فزهقت أرواح بعضهم ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار، وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسراً وزوٍجة وابنه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها فيمر الرسول ﷺ فيقول: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" [٧] . وقد مات ياسر وهو يعذّب وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها [٨] . وكان بلال يخرجه مولاه ويأمره أن يستلقي على الرمّل المتّقد تحت الشمس المحرقة في الصحراء ثم يضع قطعا ثقيلة من الحجارة على صدره، ويبقى على هذه الحال إلى أن يُغشى عليه وهو يقول: "أحد.. أحد"لا يزيد على كلمة التوحيد، وقد ضرب المسلمون مثلاً خالدا للتمسّك بالعقيدة وتحمّل أنواع الأذى والتضحية بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء وخاصة أبو بكر يشترون الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من الاضطهاد.

стр. 14705

ثم خطا المشركون خطوة أخرى في التعذيب فأخذوا يعتدون على المسلمين جميعاً ودون تمييز حتى شمل الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة كأبي بكر وعثمان والزبير وطلحة وأبي عبيدة وعثمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى (أسد قريش) أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين [٩] , وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد ابن العاص، فكان يضربه بقراعة في يده حتى يكسرها على رأسه ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه ويجيعه ويعطشه حتى لقد مكث في حر ّمكة ثلاثاً ما ذاق ماء [١٠] . ونتيجة لتعرض المسلمين جميعاً للعذاب أذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته، واختياره للحبشة يعود لشخصية النجاشي أصحمة بالذات لعدله، خلافاً لما يراه المستشرقون بأن الإذن بالهجرة كان لكون الحبشة على صلة ببيزنطة, بانين ذلك على ما ورد في سورة الروم من تنبؤ بنصر الروم على الفرس، وخلافاً لما ذهب إليه الأستاذ الكبير الصعيدي من أن الإسلام كان ناشئا ولم تفسد السياسة بعد بينه وبين النصرانية فآثر المسلمون مصافاتها على مصافاة أعدائهم من مشركي قريش [١١] . والأمر واضح في قوله ﷺ لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرضِ الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه" [١٢] . وقوله كما في اليعقوبي: "ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار" [١٣] . فتسلل بعض المسلمين مهاجرين، ومع الذين هاجروا جعفر بن أبي طالب، وقد يكون ندبه الرسول ﷺ ليكون وكيله في المهاجرين ورسوله إلى ملك النجاشي، وبنو هاشم كانوا ينصرون النبي ﷺ مع احتفاظ أكثرهم بدينه وكان رئيسهم في ذلك أبو طالب الذي تولى قيادة النصرة والتعصب للنبي ﷺ وجعفر هو ابنه.
следующие страницы →