← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14701–14740 · переход к 14706.

стр. 14701

١- اتهام الرسول ﷺ بمختلف التهم ليبعدوا الناس عنه، فكانوا يقولون: "هذا أساطير الأولين", قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . (سورة الفرقان: ٥) . ونعتوا الرسول ﷺ بالكاهن حيناً والكاذب المفتري حيناً والمتعلم المقتبس من غيره حيناً, وظلوا يكرّرون ذلك حتى آخر العهد المكي, قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ . (سوره ص: ٤) . وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراًً﴾ . (سورة الفرقان: ٥) . ووصفوا القرآن بالسحر قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . (سورة سبأ: ٤٣) . ٢- اتبعوا أسلوب الحِجاج فكانوا يحاجّون الرسول ﷺ وهو أسلوب أهل الكتاب ومن ذلك قصة النضر بن الحارث الذي حاول أن يخصم الرسول ﷺ فجاء بعظم بالٍ يتفتت بين يديه ويقول: "أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا؟ "فأجابه محمد ﷺ : "نعم ويدخلك جهنم". ونزل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . (سورة يس: ٧٨-٧٩) .

стр. 14702

ومن قوله يبيّن أسلوبهم في الحجاج: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (سورة الأنعام: ١٤٨) . وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . (سورة الجاثية: ٢٤- ٢٥) . ٣- مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه كما فعل الأنبياء السابقون، قال تعالى على لسانهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ . (سورة الأنبياء: ٥) . وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً﴾ . (سورة الإسراء: ٩٠-٩٣) .

стр. 14703

٤- محاولة استمالة الرسول ﷺ وإقناعه بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له: "يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب, وبذلنا فيه أحوالنا حتى نبرئك منه ", فقال ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: "نعم"قال: فاسمع مني: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . (سورة فصلت:١ - ٣٨) حتى انتهى إلى آية السجدة فسجد، ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد", فقام عتبة إلى أن جلس لقومه وقال: "إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ... يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به". فقالوا: "قد سحرك يا أبا الوليد بلسانه", قال: "هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم". فقال النضر بن الحارث: "بماذا جاءنا محمد؟ " واللات ما محمد بأحسن حديثا مني" [٦] .

стр. 14704

هكذا كان زعماء قريش يحاولون إقناع محمد ﷺ بالعدول عن الدعوة أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ . (سورة القلم: ٩) . فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة ولا تعدداً. ٥- أسلوب التعذيب: لما رأى زعماء قريش إصرار الرسول ﷺ وانتشار الإسلام توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعذيب العبيد والضعفاء من المسلمين ليعودوا إلى الشرك وليحولوا دون إسلام المزيد، فكان من صور هذا التعذيب أن يعرّى صدر المسلم ويطرح فوق الرمال والصخور المحرقة المتوهجة من شدة حرارة الشمس ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم الماء والطعام وتقيّد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون بالسياط جلدا شديدا، فزهقت أرواح بعضهم ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار، وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسراً وزوٍجة وابنه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها فيمر الرسول ﷺ فيقول: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" [٧] . وقد مات ياسر وهو يعذّب وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها [٨] . وكان بلال يخرجه مولاه ويأمره أن يستلقي على الرمّل المتّقد تحت الشمس المحرقة في الصحراء ثم يضع قطعا ثقيلة من الحجارة على صدره، ويبقى على هذه الحال إلى أن يُغشى عليه وهو يقول: "أحد.. أحد"لا يزيد على كلمة التوحيد، وقد ضرب المسلمون مثلاً خالدا للتمسّك بالعقيدة وتحمّل أنواع الأذى والتضحية بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء وخاصة أبو بكر يشترون الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من الاضطهاد.

стр. 14705

ثم خطا المشركون خطوة أخرى في التعذيب فأخذوا يعتدون على المسلمين جميعاً ودون تمييز حتى شمل الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة كأبي بكر وعثمان والزبير وطلحة وأبي عبيدة وعثمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى (أسد قريش) أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين [٩] , وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد ابن العاص، فكان يضربه بقراعة في يده حتى يكسرها على رأسه ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه ويجيعه ويعطشه حتى لقد مكث في حر ّمكة ثلاثاً ما ذاق ماء [١٠] . ونتيجة لتعرض المسلمين جميعاً للعذاب أذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته، واختياره للحبشة يعود لشخصية النجاشي أصحمة بالذات لعدله، خلافاً لما يراه المستشرقون بأن الإذن بالهجرة كان لكون الحبشة على صلة ببيزنطة, بانين ذلك على ما ورد في سورة الروم من تنبؤ بنصر الروم على الفرس، وخلافاً لما ذهب إليه الأستاذ الكبير الصعيدي من أن الإسلام كان ناشئا ولم تفسد السياسة بعد بينه وبين النصرانية فآثر المسلمون مصافاتها على مصافاة أعدائهم من مشركي قريش [١١] . والأمر واضح في قوله ﷺ لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرضِ الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه" [١٢] . وقوله كما في اليعقوبي: "ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار" [١٣] . فتسلل بعض المسلمين مهاجرين، ومع الذين هاجروا جعفر بن أبي طالب، وقد يكون ندبه الرسول ﷺ ليكون وكيله في المهاجرين ورسوله إلى ملك النجاشي، وبنو هاشم كانوا ينصرون النبي ﷺ مع احتفاظ أكثرهم بدينه وكان رئيسهم في ذلك أبو طالب الذي تولى قيادة النصرة والتعصب للنبي ﷺ وجعفر هو ابنه.

стр. 14706

٦- تهديد الرسول ﷺ بالكف عن دعواه والعدوان عليه: حين باءت أساليب مقاومة كفار قريش بالفشل لجأوا إلى عمه أبي طالب وقال زعماؤهم: "يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه". فردّهم أبو طالب ردّاً جميلاً دون أن يتوقف ﷺ عن نشاطه أو يتهاون في الدعوة، فعاودوا الكرة وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد وأنهم لن يصبروا على هذا الحال، وخيرّوه بين أن يمنعه عمّا يقول أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمداً ﷺ بما جاء به إليه قومه وقال له: "يا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق". فكان ردّ المبلّغ الداعية إلى الحقّ الذي يحمل نفساً أبيّة لا تعرف الذل ولا تنحني للوهن، ينظر إلى خصمه من علٍ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا بإيمانه، فهو على الحق وان لقي العنت الشديد, قال ﷺ : "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" [١٤] . فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته. فعاد زعماء قريش إلى أبي طالب يعرضون عليه عمارة بن الوليد أوسم شباب قريش ليسلموه إليه على أن يسلمهم محمداً ﷺ فردهم ساخراً بقوله: "بئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه!! " [١٥] . فاتجه بعضهم إلى إنزال الأذى بالرسول ﷺ مباشرة، قال الهيثمي: "ورجاله

стр. 14707

ثقات", عن منيت الأزدي قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فمنهم من تفل في وجهه, ومنهم من حثا عليه التراب, ومنهم من سبّه حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بعسّ من ماء، فغسل وجهه ويديه وقال: "يا بنيّة لا تخشَيْ على أبيك غيلة ولا ذلة" [١٦] . ومن الذين اشتدوا في إيذائه ﷺ : أبو جهل عمر وبن هشام، وأبو لهب عمه، وأم جميل زوجة أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، ولكنّ إسلام حمزة ثم عمر بن الخطاب كفّ القرشيين عن بعض ما كانوا ينالون به الرسول ﷺ من أذى خوفاً منهما. وفي أثناء ذلك استمر القرآن الكريم يردّد مشاهد الشدة والعنف مع المشركين يندّد بهم وينذرهم بسوء المصير، ويصبّر الرسول ﷺ والمسلمين ويعدهم بالنصر والتأييد وحسن العاقبة. أسلوب المقاطعة: إزداد حنق المشركين من قريش إزاء صبر الرسول ﷺ والمسلمين على الأذى والتعذيب وإصرارهم في المضي بالدعوة وإزاء فشوا لإسلام في القبائل، فاجتمعوا وائتمروا وقرروا مقاطعة المسلمين وبني هاشم دون أبي لهب، فلا يتزوجون منهم ولا يزوّجونهم، ولا يبيعون لهم شيئاً ولا يشترون منهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، وعلقوا صحيفة المقاطعة بالكعبة [١٧] . فاضطر بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى النزوح إلى شعب أبي طالب شرقي مكة، وقطعت عنهم قريش كل أنواع المؤن، ولم يكن يتاح لهم الاختلاط بغيرهم من الناس إلا في الأشهر الحرم حين يفد العرب إلى مكة لزيارة البيت الحرام, وبلغ بهم الجهد حدّاً لا يطاق، فذاقوا الجوع والحرمان حوالي ثلاث سنوات لا يصل إليهم القوت إلا خفية.

стр. 14708

وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام بن عمرو بن الحارث العامري, وزهير بن أمية بن المغيرة المخزومي, والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف, وأبو البختري ابن هشام, والأسود بن عبد المطلب بن أسد, وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل, وخرجوا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة فوجدوا الأرض قد أكلتها إلا ما كان من: "بسمك اللهم, وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش [١٨] . وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام بن عمر وبن الحارث العامري، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة المخزومي، والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأبو البختري ابن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل، وخرجوا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة فوجدوا الأرضة قد أكلتها إلّا ما كان من: بسمك اللهم، وهى فاتحة ما كانت تكتب قريش [١٩] . المرحلة الثالثة: عرض الرسول ﷺ نفسه على القبائل: فقد الرسول ﷺ بعد المقاطعة بقليل عمه أبا طالب وزوجه خديجة فخسر نصيرين كبيرين، وتألم لفقدهما، فسمي ذلك العام بعام الحزن [٢٠] . وأدرك ﷺ أن مجتمع الشرك في مكة وصل مرحلة التحجر فلا تجدي الدعوة فيه، فأخذ يتلمسّ النصرة من قبائل العرب، فكان يقف على منازل القبائل مِن العرب فيقول: "يا بني فلان: إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبينّ عن الله ما بعثني به" [٢١] .

стр. 14709

عرض الرسول ﷺ نفسه على بني عامر بن صعصعة وغسان وفزارة وبني مرة وبني حنيفة وبني سليم وبني عبس وبني نصر وكندة وكلب وبني الحارث بن كعب وبني عذرة، دون مساومة. فقد دعا بني شيبان بن ثعلبة فقال لهم: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني حتى أؤدي عن الله ما أمرني به", فقال له المثنى بن حارثة: "ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك مما يلي بلاد العرب فعلينا ", فأجابه رسول الله ﷺ بحزم لا يقبل المساومة: "ما أسأتم الردّ إذا أفصحتم بالصدق, إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه " [٢٢] . وقال له أحد بني عامر بن صعصعة: "أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال ﷺ : "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء" [٢٣] . وذهب ﷺ إلى الطائف يتلمسّ نصرة ثقيف فاتصل بسادتها وأشرافها ودعاهم إلى عبادة الله وإلى نصرته فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم أن يتأثروا بدعوته، فأمروه بالخروج من بلدهم، وأغروا به سفهاءهم يسبون ويصيحون به، وقد اصطفوا على جانبي الطريق على مسافات طويلة في داخل المدينة، فلما مر ّمن بينهم جعلوا يرشقونه بالحجارة حتى أدموا قدميه، حتى إذا وصل شجرة فاستظل بظلها اتجه إلى ربه سبحانه يستمدّ منه القوة والعون ودعا قائلا: "اللهم إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي" [٢٤] .

стр. 14710

ورجع الرسول ﷺ إلى مكة فوجد قومه يقفون له بالمرصاد، ليمنعوه من دخول مكة، فاستجار بالمطعم بن عدي فأجاره، وتسلح هو وبنوه لحمايته حتى دخل مكة وطاف بالبيت ثم انصرف إلى منزله في حراسة المطعم وأولاده ليعود إلى الكفاح من جديد وليستأنف تبليغ الدعوة في ذلك الجو العاصف المليء بالأخطار والمخاوف, فامتدت له يد الرحمن بالرحمة والخير والحنان واحتضنت العناية الإلهية محمداً ﷺ لترتفع به إلى أسمى مكان، فأسري به من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، ثم عرج به من الصخرة المشرفة إلى سدرة المنتهى بجسده وروحه حيث فرضت الصلوات الخمس، واطِّلع على جوانب الإعجاز الإلهي في الكون الكبير, قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . (الإسراء: ١) . وبحادثة الإسراء والمعراج تأكد الرباط المتين الذي يشدّ البلدين مكة والقدس إلى بعضهما، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون يدعون إلى عبادة الله الواحد ورفض الأصنام والطواغيت، ففي مكة حيث أقام إبراهيم أبو الأنبياء وابنه إسماعيل- ﵉ أول بيت وضع للناس لعبادة الله على الأرض، وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكافح من أجل تعزيز دعوة إبراهيم، حيث اجتمع هؤلاء الأنبياء الكرام في صلاة جماعية أمهّم فيها خاتمهم تعبيراً عن الدور الذي جاءوا إلى العالم لأدائه، واتجاهاً إلى الهدف الواحد الذي بعثوا لتحريك الناس إليه، وسجوداً لله الواحد الذي كرم الإنسان وشرّفه بالدين.

стр. 14711

لقد سرّت الحادثة عن رسول الله ﷺ وأيقن بنصر الله، وزادت من إيمان المؤمنين المخلصين من أصحابه، فاستمر ّيقدم نفسه إلى قبائل العرب في موسم الحج، ويدعوهم إلى الله والإسلام ويقول: "من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي" [٢٥] . وكانت قد لاحت بشائر النصر حين التقى ﷺ بستة من الخزرج من عرب يثرب التي أنهكتها المنازعات القبلية ودسائس اليهود، فحدّثهم ﷺ عن دعوته وبيّن لهم أسس الدين فاستجابوا له وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام ووعدوه أن يحدّثوا قومهم، وقالوا: "إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك" [٢٦] . وفي موسم الحج في السنة الحادية عشرة من بعثته ﷺ قدم اثنا عشر رجلا, تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، قابلهم الرسول ﷺ عند العقبة بمنى وبايعوه على الإسلام بيعة العقبة الأولى، وسميت بيعة النساء لأنها لم تكن بيعة على القتال وإنما أخذاً للعَهد والميثاق على الشروط التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (سورة الممتحنة: ١٢) .

стр. 14712

وأرسل فيها معهم مصعب بن عمير معلماً ومرشداً، يقرؤهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فانتشر الإسلام في يثرب وغزا كل بيت [٢٧] . إما إيجاباً أو قبولاً, أو رفَضاً ومناهضة, فتفاعلت الدعوة مع مجتمع يثرب تفاعلا قوياً وتهيأت يثرب لتكون نقطة ارتكاز للدعوة تمهيداً لانطلاقها إلى شبه الجزيرة ثم العالم. وفي موسم الحج التالي وفد مصعب إلى مكة ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من المسلمين، وأعلمه أن يثرب أصبحت جاهزة لتتلقى رسول الله ﷺ وأنّ الغرس نما واشتد وبدأ يعطي ثماره، واجتمع الرسول ﷺ بمسلمي يثرب اجتماع العقبة الثانية ليلاً وسرّاً بعيدا عن عيون قريش وعرض عليهم شروطه التي رآها ضرورية للدعوة والضمانات الضرورية ليترك مكة وينتقل إلى يثرب، فكانوا على استعداد أن يمنعوا ما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم، وأن يحاربوا معه الأسود والأحمر وأن ينصروه على القريب والبعيد, وشرط لهم الوفاء بذلك والجنة [٢٨] . فقال له أحدهم: "يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا (يقصد عهودهم مع اليهود) وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ ", فتبسّم الرسول ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم" [٢٩] . وطلب منهم أن يخرجوا من بينهم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وبايعوا الرسول ﷺ بيعة العقبة الثانية التي مهّدت لهجرة المسلمين إلى يثرب.

стр. 14713

كانت زعامات قريش المشركة تدرك أبعاد اتصال الرسول ﷺ بالقبائل وبخطر ذلك على كيانها وعقيدتها وزعامتها الدينية والسياسية فكانت تعمل للحيلولة دون هذه الاتصالات، وكان الرسول ﷺ يدرك قوة قريش وتزعّمها للعرب وقوة تأثيرها، ولذلك أحاط اتصالاته هذه بمنتهى السرّية، ورغم ذلك فقد تسللت الأخبار إلى قريش فجاء وفد منهم إلى اليثربيين وتهدّدوهم، فحلف لهم عبد الله بن أبيّ أنه لا علم له بذلك، وكان لا يعلم بالفعل، وتعقب بعض قريش مسلمي يثرب وقبضوا على بعضهم وضربوهم وعذبوهم [٣٠] . بدأت بيعة العقبة الثانية مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية فأذن الرسول ﷺ لأتباعه بالهجرة قائلا: "إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها" [٣١] . فأخذ المسلمون يتجهزون بسرعة وفي ستر وخفية، فخرجوا جماعة بعد جماعة وفرادى، وأخذت مكة تقفر من المسلمين يوماً بعد يوم، وزعماء قريش يلحظون ذلك والغيظ يملأ قلوبهم وقد خرج الأمر من أيديهم، حتى لم يبق في مكة من المسلمين غير الرسول ﷺ وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، فلجأوا إلى آخر سهم ليسددوه إلى الدعوة الإسلامية في قلبها وصميمها، للقضاء على محمد ﷺ نفسه، في الوقت الذي كان يعدَّ للهجرة واللحاق بالمسلمين. اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة فتشاوروا في أمر الدعوة الإسلامية ففكروا في ثلاث وسائل وهي: حبسه ﷺ أو اغتياله أو نفيه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ . (سورة الأنفال: ٣٠) . واتفق رأيهم أخيراً على قتله شريطة اشتراك شبان من مختلف بيوتات قريش حتى يتوزع دمه فلا يستطيعِ آله المطالبة بدمه.

стр. 14714

علم الرسول ﷺ بذلك فخرج من داره ليلاً بعد أن ترك عليا ليقوم بتأدية الأمانات، وشق طريقه مع صاحبه أبي بكر- ﵁ إلى المدينة المنورة لتتشرف باستقبال رسول الله ﷺ وتبدأ الدعوة مرحلة جديدة مليئة بالكفاح والنضال والجهاد. وقد يتساءل المرء عن استجابة يثرب لدعوة الإسلام وللإجابة على ذلك: كان نشاط الأوس والخزرج الاقتصادي والسياسي قد اتسع، فلجأ اليهود إلى الدسّ والوقيعة بينهما وأخذوا يحالفون القبيلة المهزومة على المنتصرة حتى تضعف شوكتها فيحتفظون بالسيادة واحتكار الموارد الاقتصادية، وكانت يوم (بعاث) آخر حرب عنيفة بين الأوس والخزرج فشعر الفريقان بالخطر فاتفقا على أن يضعا حدّاً لهذه المآسي، وشعر اليهود مقدار الخطر الذي يهدد مصالحهم من جرّاء هذا التقارب فاتبعوا أسلوب الدسّ الذي برعوا فيه وتمكنوا أن يرشحّوا عميلهم عبد الله بن أبي، ليكون ملكاً على الأوس والخزرج. ولا ريب أن بعض المستنيرين من الأوس والخزرج أدركوا ما ينطوي عليه تتويج عبد الله من محافظة على مصالح اليهود حلفائه فأسرعوا لتصديق الرسول ﷺ لإنقاذهم فبايعوه. كما كان أهل يثرب قد ألفوا فكرة المسيح [٣٢] المخلص الذي ينتظر اليهود عودته فكان اليهود يستفتحون به على الأوس والخزرج بقولهم: إن نبيّاً الآن مبعوث قد أطلّ زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فسارع الأوس والخزرج لتصديق الرسول ﷺ ، فقد قال النفر الذين بايعوا بعضهم لبعض: "تعلمنّ والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه" [٣٣] .

стр. 14715

وقد أرجع جورجي زيدان أسباب انتشار الإسلام في يثرب إلى كثرة من في المدينة من اليهود وهم أهل كتاب يعتقدون الوحي ويدركون معنى النبوة، وليس فيهم من يخاف على تجارته إذا بطلت عبادة الأصنام، بل هم يفضلون إبطالها لتسقط مكة وتنهض مدينتهم وخصوصاً إذا هاجر إليها صاحب الدعوة نفسه وصارت مركزاً للدين الجديد [٣٤] . وكأن جورجي يحاول أن يثبت أن الذين استجابوا لدعوة الإسلام كانوا من اليهود، وواضح أن ذلك بعيد عن الحقيقة ومجافٍ لها فاليهود أول من وقف في وجه الدعوة الإسلامية، كما أن نص الطبري السابق يوضح أن استجابة الأوس والخزرج كانت بناءاً على قنَاعتهم بصحة ما حدثهم به اليهود. كما حاول جورجي أن يرجع الاستجابة إلى أثر العصبية الجاهلية فيقول: "ناهيك بما كان بين تينك المدينتن من المنافسة والمسابقة والتحاسد لتباعدهما في الانساب، لأن أهل مكة من العدنانيين وأهل المدينة من القحطانين ... [٣٥] ولسنا نريد تفنيد هذه المزاعم فهي واهية ويكفي أن نذكر من مظاهر العلاقة الحسنة بين المدينتين المصاهرات التي تمت بين قريش وأهل المدينة، ثم محاولات الأوس قبل بعاث أن تستنجد بقريش ضد الخزرج فرفضت قريش حتى لا ترضى فريقاً دون آخر. والحق أن استجابة الأوس والخزرج للإسلام كانت لحسن إدراك الزعماء فيهما لدعوة الإسلام نكاية باليهود، ومحاولة للتخلص من استغلالهم الاقتصادي وللتخلص من فتنهم ودسائسهم ومن حليفهم الذي رشحته لحكم المدينة، ثم لا ننس أسلوب الرسول ﷺ في عرض دعوته عليهم واجتذابهم. وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه. رسول الله ﷺ يربي أصحابه كان ﷺ في سفر فأمر بذبح شاة، فقال رجل: "يا رسول الله عليّ ذبحها"، وقال آخر: "عليّ سلخها"، وقال ثالث: "عليّ طبخها"، فقال ﷺ : "وعليّ جمع الحطب".

стр. 14716

قالوا: "يا رسول الله نحن نكفيك ذلك", فقال: "قد علمت، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه"، وقام ﷺ فجمع الحطب. -------------------------------------------------------------------------------- [١] حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي (ج اص ٧٠) . [٢] ابن هشام. السيرة (ج ١ص ٢١٨) . [٣] تهذيب سيرة ابن هشام: (ج اص ٧٨) . [٤] البداية والنهايةج٣ ص ٢٤. [٥] ناديه: تعني مجلس قومه، ولعلها دار الندوة. [٦] ابن هشام: السيرة: (ج ١ ص ٢٤٨) . [٧] ابن الأثير: (ج٣ ص ٣٠) . [٨] انظر ابن هشام: السيرة: (ج ١ ص١٧٢ - ٢٠٢) . [٩] البداية والنهاية: (ج ٣ ص ٢٩) . [١٠] انظر تاريخ الطبري: (ج ٢ ص ٣٢٣-٣٢٦) . [١١] السياسة الإسلامية في عهد النبوة: (ص ٥١) . [١٢] ابن هشام: السيرة: (ج اص ٣٤٣) , الكامل: (ج٢ ص ٣٢٧) . [١٣] اليعقوبي: تاريخ: (ج ٢ ص ٢٩) . [١٤] ابن هشام السيرة: (ج اص ٢٧٨) . [١٥] ابن هشام: (ج اص٢٧٧ - ٢٧٩) الطبري: (ج ٢ ص٣٢٧) ، طبقات ابن سعد: (ج٤ ق١ ص ٦٨) . [١٦] الكاندهلوي: حياة الصحابة: (ج اص ٢٨٩) . [١٧] الطبري: (ج ٢ ص ٧٤) , ابن هشام: (ج اص ٢٣١) . [١٨] الطبري: ج٢ ص٨٠, وابن هشام: ج١ ص٢٣١) . [١٩] الطبري. (ج ٢ ص ٨٠) ابن هشام (ج اص ا ٢٣) . [٢٠] ابن هشام: (ج ١ ص٤١٦) . [٢١] حياة الصحابة: (ج ١ ص٧١) , اليعقوبي: (ج ٢ ص ٣٦) . [٢٢] حياة الصحابة: (ج اص ٧٤-٧٥) . [٢٣] الطبري: (ج ٢ ص ٨٤) . [٢٤] البداية والنهاية: (ج ٣ ص ١٣٦) . [٢٥] المقريزي: إمتاع الأسماع (ج اص ٣٠) . [٢٦] ابن هشام: السيرة: (ج١ص٤٢٩) . [٢٧] الطبري: (ج ٣ ص٦٠) . [٢٨] اليعقوبي: تاريخ: (ج ٢ ص ٣٨) . [٢٩] ابن هشام: (ج ٢ ص ٤١٢) .

стр. 14717

[٣٠] ابن هشام: (ج اص ٤٦٨) . [٣١] ابن هشام: (ج٢ ص ٧٦) . [٣٢] أرنولد: الدعوة إلى الإسلام (ص ٤٢) . [٣٣] الطبري. (ج ٢ ص ٣٥٤) . [٣٤] التمدد الإسلامي: (ج ١ ص ٤٨) . [٣٥] نفسه: (ج١ص٤٨) .

стр. 14718

العهدة العمرية الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود رئيس قسم التاريخ بالجامعة مناقشة نص كتاب الصلح الذي قيل إن عمر بن الخطاب قد منحه لأهل القدس كان من عادة المسلمين أن يمنحوا أهل الذمة، في المدن التي يفتحونها صلحاً، عهداً يتعهدون بموجبها، حمايتهم ومنحهم حرية العبادة وممارسة حياتهم المعتادة، مقابل دفعهم الجزية والدخول في طاعة المسلمين. وقد تفاوتت هذه العهود في الشروط التي اشترطتها عليهم، والحقوق والامتيازات التي ضمنتها لهم, حتى أن نصوص العهد الواحد قد رويت بصيغ مختلفة. وقد كان التحريف أو التزوير يحدث من قبل أهل الذمة أنفسهم، طمعاً في اكتساب حقوق جديدة إضافة إلى الحقوق التي منحهم إياها المسلمون، أو تخفيفاً لبعض الشروط التي اشترطها المسلمون عليهم. وهم في هذا متأكدون بأن ذلك سينطلي على المسلمين، في الأغلب، ذلك أن المسلمين في ذلك العهد المبكر، لم يكونوا يحتفظون بنسخ من هذه العهود، حتى أن بعض أهل الذمة قد وضعوا عهوداً ليس لها أصول على الإطلاق، وفي بعض الأحيان كان النصارى خاصة يحرفون في عهودهم عندما يلمسون ضعفاً من المسلمين في بلادهم. ومن العهود المشهورة التي شغلت المؤرخين والباحثين زمناً طويلاً (العهدة العمرية) وهو الاسم الذي أطلق على العهد الذي قيل إن الخليفة العادل عمر بن الخطاب، ﵁ قد منحه لأهل القدس حينما جاء لتسلمها من بطريرها صفرونيوس في العام الخامس عشر للهجرة!!؟. ومن الغريب أن المصادر الإسلامية الأولى لم تشر إلى ذلك العهد، فأول مصدر إسلامي أشار إليه هو اليعقوبي، ثم أورده من بعده ابن البطريق وابن الجوزي، والطبري، ومجير الدين العليمي، وأورد فيما يلي مجموعة الروايات المختلفة التي وردت في هذه المصادر التاريخية لهذا العهد. ١- نص اليعقوبي:

стр. 14719

أورد اليعقوبي المتوفى عام ٢٨٤ هـ نصاً مختصراً لهذا العهد جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدسِ: إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، لا تسكن ولا تخرّب، إلا أن تحدثوا حدثاً عاماً, وأشهد شهودا" [١] . ٢- نص ابن البطريق: وقد أورد أفثيشيوس (ابن البطريق) المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، صيغة تشبه صيغة اليعقوبي جاء فيه: "بسم الله، من عمر بن الخطاب لأهل مدينة إيلياء، إنهم آمنون على دمائهم وأولادهم وأموالهم وكنائسهم، لا تهدم ولا تسكن, وأشهد شهوداً" [٢] . ٣- نص ابن عساكر:

стр. 14720

أورد ابن عساكر المتوفى عام ٥٧١ هـ عهد عمر على صيغة شروط وضعها أهل الذمة على أنفسهم في كتاب وجهوه للخليفة عمر بن الخطاب عندما جاء إلى الشام وهذا نصه:- "عن عبد الله ابن غنم أن عمر بن الخطاب كتب له النصارى حين صالحوه عهدا يقولون فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى أهل الشام إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وأهالينا وأموالنا وأهل ملتنا، على أن نؤدي الجزية عن يد ونحن صاغرون، وعلى ألا نمنع أحداً من المسلمين أن ينزل كنائسنا في ليل أو نهار، ونضيفهم فيها ثلاثاً، ونطعمهم الطعام ونوسع لهم أبوابها، ولا نضرب فيها بالنواقيس إلا ضرباً خفيفا، ولا نرفع فيهاأصواتنا بالقراءة، ولا نؤوي فيها ولا في شيء من منازلنا جاسوساً لعدو لكم, ولا نحدث كنيسة ولا ديراً ولا صومعة ولا قلاية, ولا نجدد ما خرب منها، ولا نقصد الاجتماع فيما كان منها من خطط المسلمين وبين ظهرانيهم، ولا نظهر شركاً ولا ندعوا إليه، ولا نظهر صليباً على كنائسنا، ولا في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، ولا نتعلم القرآن، ولا نعلمه أولادنا، ولا نمنع أحداً من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إذا أراد ذلك، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ونلزم ديننا، ولا نتشبه بالمسلمين في لباسهم ولا في هيئتهم، ولا في سروجهم، ولا في نقش خواتيمهم فننقشها نقشاً عربيا، ولا نتكنى بكناهم. وعلينا أن نعظمهم ونوقرهم، ونقوم لهم من مجالسنا، ونرشدهم في سبلهم وطرقاتهم، ولا نطلع في منازلهم، ولا نتخذ سلاحا ولا سيفا، ولا نحمله لا حضر ولا سفر في أرض المسلمين، ولا نبيع خمراً ولا نظهرها، ولا نظهر ناراً مع موتانا في طريق المسلمين، ولا نرفع أصواتنا مع جنائزهم، ولا نجاور المسلمين بهم، ولا نضرب أحداً من المسلمين، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهامهم. شرطنا ذلك كله على أنفسنا وأهل ملتنا. فإن خالفنا

стр. 14721

فلا ذمة لنا ولا عهد، وقد حل لكم منا ما يحل لكم من أهل الشقاق والمعاندة" [٣] . وذكر مجير الدين المتوفى سنة ٩٢٧ هـ أن الخليفة عمر بن الخطاب عندما جيء إليه بهذا الكتاب زاد فيه "ولا نضر بأحد من المسلمين. شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا شيئاً مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا". وأضاف مجير الدين بأن هذا العهد قد رواه البيهقي أيضاً واعتمده أئمة المسلمين والخلفاء الراشدون وعملوا به [٤] . ٤- نص ابنِ الجوزي: أورد ابن الجوزي المتوفى في عام ٥٩٧ هـ ما يلي: "كتب عمر (بن الخطاب) لأهل بيت المقدس إني قد أمنتكم على دمائكم وأموالكم وذراريكم وصلاتكم، وبيعكم، لا تكلفون فوق طاقتكم, ومن أراد منكم أن يلحق بأمته فله الأمان, وأن عليكم الخراج كما على مدائن فلسطين" [٥] . ٥- نص الطبري ومجير الدين العليمي المقدسيِ: أوردَ مجير الدين العليمي المقدسي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ نصاً منقولاً عن نص الطبري، الذي أسنده لسيف عن أبي حازم وأبي عثمان عن خالد وعبادة، بأن عمر بن الخطاب صالح أهل إيلياء بالجابية وكتب لهم:

стр. 14722

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر، أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حدها ولا من صلبانهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن (يقصد مدن فلسطين) ، على أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعتهم وصليبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم, ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أرضه، فإنه لا يؤخذ منه شيء حتى يحصد حصادهم, وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسول الله ﷺ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليه من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. كتب وحضر سنه خمس عشرة [٦] . ٦- النص المعتمد حاليا: وآخر هذه النصوص، النص المعتمد حالياً لدى كنيسة القدس الارثوذكسيه والذي نشرته بطريركية الروم الأرثوذكس عام ١٩٥٣م، وهو الأساس الذي ينظم العلاقة بين السلطات الإسلامية الحاكمة للقدس، والنصارى فيها. وهذا نصه:

стр. 14723

"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه ﷺ ، وهدانا من الضلالة، وجمعنا بعد الشتات وألف قلوبنا، ونصرنا عَلى الأعداء، ومكن لنا من البلاد، وجعلنا إخواناً متحابين، واحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة. هذا كتاب [٧] عمر بن الخطاب لعهد وميثاق أعطي إلى البطرك المبجل المكرم وهو صفرونيوس بطرك الملة الملكية في طورزيتا بمقام القدس الشريف في الاشتمال على الرعايا والقسوس والرهبان والراهبات حيث كانوا وأين وجدوا، وأن يكون عليهم الأمان، وأن الذمي إذا حفظ أحكام الذمة وجب له الأمان والصون منا نحن المؤمنين وإلى من يتولى بعدنا وليقطع عنهم أسباب جوانحهم كحسب ما قد جرى منهم من الطاعة والخضوع، وليكن الأمان عليهم وعلى كنائسهم وديارهم وكافة زياراتهم التي بيدهم داخلا وخارجاً وهي القمامة وبيت لحم مولد عيسى ﵇ كنيسة الكبراء، والمغارة ذي الثلاثة أبواب، قبلي وشمالي وغربي، وبقية أجناس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتون للزيارة من الإفرنج والقبط والسريان والأرمن والنساطرة واليعاقبة والموارنة تابعين للبطرك المذكور, يكون متقدما عليهم لأنهم أعطوا من حضره النبي الكريم والحبيب المرسل من الله وشرفوا بختم يده الكريم، وأمر بالنظر إليهم والأمان عليهم، كذلك نحن المؤمنون نحسن إليهم إكراماً لمن أحسن إليهم، ويكونوا معافاً (معافيين) من الجزية والغفر (الخفر) والمواجب، ومسلمين من كافة البلايا في البر والبحور وفي دخولهم للقمامة وبقية زياراتهم لا يؤخذ منهم شيء, وأما الذين يقبلون إلى الزيارة إلى القمامة، يؤدي النصراني إلى البطرِك درهم (درهما) وثلث من الفضة، وكل مؤمن ومؤمنة يحفظ ما أمرنا به سلطاناً كان أم حاكماً والياً يجرى حكمه في الأرض, غني أم فقير من المسلمين المؤمنين والمؤمنات. وقد

стр. 14724

أعطى لهم مرسومنا هذا بحضور جم الصحابة الكرام، عبد الله، وعثمان بن عفان وسعد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبقية الأخوة الصحابة الكرام. فليعتمد على ما شرحنا في كتابنا هذا ويعمل به، وأبقاه في يدهم، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين حسبنا الله ونعم الوكيل. في العشرين من شهر ربيع الأول سنة خامس وعشر للهجرة النبوية. وكل من قرى (قرأ) مرسومنا هذا من المؤمنين وخالفه من الآن والى يوم الدين فليكن لعهد الله ناكثا ولرسوله الحبيب باغضاً [٨] . مناقشة هذه النصوص من المرجح أن مكانة القدس لدى النصارى من أهم أسباب تعدد الرِوايات للعهدة العمرية، واختلاف نصوص هذه الروايات، وقد كان هذا الاختلاف قليلا، كما نراه بين روايات اليعقوبي وابن البطريق وابن الجوزي، أو جزئيا أحيانا أخرى كما هو الحال بين هذه النصوص ونص الطبري ومجير الدين. أوكلياً، في الصيغة والأسلوب والمحتوى، كما هو يبين الروايات المذكورة ورواية ابن عساكر, ورواية الوثيقة التي نشرتها بطريركية الروم الأرثوذكس سنة ١٩٥٣م. ومكانة القدس لدى النصارى تعود إلى أنها تضم أقدس مقدساتهم، ومحجهم الذي يحجون إليه، ومقر بطريركية الروم الأرثوذكس. فكان هذا التحريف تلبية لرغبتهم في الحصول على أكبر قسط من الامتيازات والتسهيلات لهم، وللحجاج من الطوائف الأخرى، وخاصة حجاج الإفرنج، مستغلين في ذلك علمهم بأن المسلمين لا يحتفظون بنسخة من هذا العهد، وبعض فترات ضعف السلطة الإسلامية.

стр. 14725

إنّ المطلع على أسلوب الكتابة عامة، وكتابة العهود والمواثيق والمراسلات الرسمية خاصة في عصر صدر الإسلام، يدرك أنها كانت تعمد إلى الاختصار، وتبتعد عن المقدمات، وألفاظ التفخيم، والمحسنات، وتعالج الموضوع المقصود مباشرة، بأوضح الألفاظ وأقل الكلمات. كما أن من غير المحتمل ولا المقبول عقلاً أن ترد في هذه الروايات شروط وعهود تنظم أحوالاً وأوضاعاً لم تكن قد وجدت بعد. لذلك يتوقع المطلع والمؤرخ أن يكون هذا العهد مصوغاً بأسلوب ذلك العصر، وأن يتضمن نصاً يعطي لأهل الذمة أماناً على أنفسهم وأموالهم وذراريهم وعبادتهم، مقابل دفع الجزية والدخول في طاعة المسلمين [٩] . وبناء على ذلك نستنتج أن أقرب النصوص توافقاً مع مثل هذه الصيغة المتوقعة هو ما نقلناه عن اليعقوبي [١٠] ، وابن البطريق [١١] ، وابن الجوزي [١٢] . وذلك لأن هذه النصوص قد جاءت مختصرة، ومعانيها وألفاظها أقرب ما تكون لما هو متوقع من عهد كتب في ذلك العصر، وإنها وإن اختلفت بعض الكلمات فيما بينها، تشير إلى أنها قد أخذت عن مصدر واحد. والأرجح أن اليعقوبي قد روى عن مصدر أقدم منه قد يكون سيف وإن لم يشر إلى ذلك، كما يرجح أن ابن البطريق قد نقل عن اليعقوبي أو عن مصدر نصراني. أما ابن الجوزي فإنه قد نقل عن أحدهما، على الأغلب.

стр. 14726

أما النص الذي أورده الطبري عن سيف، والنص الذي أورده مجير الدين عن سيف أيضاً وعن آخرين، فبالرغم من ورود بعض الاختلافات بينهما، إلا أنه من المرجح أنهما أخذا عن مصدر واحد، وإن مجير الدين قد أخذ عن الطبري، مع بعض التصرف في النص, هذه واحدة، أما الثانية فهي أن ما ورد فيهما من تحفظات وشروط قصد بها مصلحة النصارى، كالتعهد بعدم هدم الكنائس، وعدم إكراههم على دينهم، وعدم مساكنة اليهود لهم بالقدس، وغيرها [١٣] ، يدعو للشك فيهما، ومما يقوى هذا الشك أنهما وردا مفصلين ومطولين، مع أن عهود المدن الأخرى جاءت مختصرة وبسيطة، بالغة البساطة كعهد حمص, ومما يؤكده أيضاً أن الطبري ومجير الدين الذي نقل عنه، أشارا إلى أنه أعطي لأهل القدس في الجابية، مع أن المشهور أنه أعطى لهم في القدس نفسها [١٤] ، كما أن التحفظات المذكورة تنافي الواقع ولم تذكر الروايات الأولى ما يؤيدها. ومن المحتمل أن هذا العهد قد وضع في فترة لاحقة حيث يذكر الدكتور عبد العزيز الدوري "أن الأمر لم يخل من ادعاءات يهودية" [١٥] . كما تدعي رواية يهودية بأن اليهود طلبوا من عمر بن الخطاب السماح لهم باستقدام مائتي عائلة يهودية من مصر للسكن في القدس، ولكن البطريق صفرونيوس عارض ذلك، فسمح عمر بن الخطاب لسبعين عائلة بالحضور من مصر وأسكنهم جنوب الحرم [١٦] القدسي. ويسهل كشف كذب هذا الادعاء ببساطة، فمصر قد فتحت بعد فتح القدير بأربع سنوات. ومن المحتمل أن عبارٍة "ألا يساكنهم فيها اليهود" المذكورة في النصين إنما تدل على أن القدس كما هو معلوم تاريخيا كانت خالية من اليهود، ولم يشأ النصارى أن يسكنها اليهود من جديد تحت حكم المسلمين. وليس كما فسرها اليهود سن أن اليهود كانوا يسكنون في القدس, واشترط النصارى على المسلمين إخراجهم منها.

стр. 14727

أما النص الذي أورده ابن عساكر، والذي أورد مجيرالدين نصاً يشبهه بالإضافة للنص المذكور سابقاً، فمن المستبعد جداً أن يكون صحيحا، بالإضافة إلى أنه يفيد بأنه وضع لأهل الشام عامة وليس لأهل القدس خاصة كما ذكر مجيرالدين. كما أنه من المستغرب أن يضع المغلوبون الشروط التي يرتضونها لينعقد الأمان لهم على يد الغالب، كما أنه من غير المنطقي أن يتعهد النصارى بعدم قراءة القرآن في الوقت الذي يستشهدون بآية منه في النص نفسه ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . ويلفت النظر أيضاً اختلاف هذا النص المطول عن عهود المدن الأخرى التي كانت بالغة البساطة، وإنه نص يدل على وجود صلات قوية بين المسلمين والنصارى أقوى من الصلات الفعلية التي كانت في مستهل أيام الفتح, وأنه احتوى شروطاً لأمور لم تكن موجودة في ذلك الزمن، كجز المقادم وشد الزنانير ونقش الخواتم والتكني بكنى المسلمين ... ويبدو أن مثل هذا النموذج من العقود كانت تضعه المدارس الفقهية الإسلامية لتصور واجبات وحقوق لأهل الذمة كالنموذج الوارد في كتاب الأم للشافعي [١٧] . من هذا كله نرى أن هذه الروايات لنصوص العهود المسماة بالعهدة العمرية قد وسعت وطورت على الزمن تبعاً لتطور أحوال أهل الذمة منذ عهد عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد والمتوكل إلى عهود بعدها لأنها احتوت شروطاً لأمور لم تكن موجودة أو معروفة زمن الفتح، فطورت من نصوص مختصرة، أقرب ما تكون للحقيقة، كنصوص اليعقوبي، وابن البطريق وابن الجوزي، إلى نصوص مطولة تحتوي شروطاً مستهجنة كنص الطبري ومجير الدين [١٨] أو نص مختلف في الصيغة والشروط والمحتويات كنص ابن عساكر [١٩] .

стр. 14728

أما النص الأخير الذي نشرته بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس عام ١٩٥٣ ميلادية، فإن جميع الدلائل، من أسلوب، وألفاظ، وأحكام، ومعلومات تاريخية، تشير إلى أنه غير صحيح. وسوف أقوم بتفنيده في بحث آخر إن شاء الله. ولعل من المفيد أن نعلم في نهاية البحث أن المؤرخ فيليب حتي ينكر وجود العهدة العمرية [٢٠] ذاتها، بدعوى أن مؤتمر الجابية الذي عقده الخليفة عمر بن الخطاب، لبحث الأمور الإدارية بالشام، لم يعرف بالضبط ما الذي دار فيه وما هي القرارات التي اتخذها [٢١] معتمداً في ذلك مع المؤرخ ترتون [٢٢] على اختلاف روايات تلك النصوص، واحتوائها على معلومات وأحكاماً وجدت في عصور تالية لعصر الفتح. وإنني لا أوافقه على نفي وجود مثل هذا العهد أصلا. والله اعلم. المرا جع ١- ابن البطريق، أفشيشيوس الإسكندري، المتوفى عام ٣٢٨ هـ؛ التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، بيروت ١٩٠٤م. ٢ـ ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن علي بن الجوزي: المتوفى ٥٩٧ هـ فضائل القدس، تحقيق د. جبرائيل سليمان بيروت ١٩٨٠ م. ٣- ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله... الدمشقي الشافعي أبو القاسم، المتوفى عام ٥٧١ هـ، تاريخ تهذيب دمشق وأخبارها ... (التاريخ الكير) ، دمشق دار المسيرة/ بيروت ١٣٢٩هـ. ٤- أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب مصر ١٩١٧م. ٥- البلاذري/ أحمد بن يحي بن جابر بن داود البغدادي (القرن الثالث الهجري) : فتوح البلدان، القاهرة ١٩٥٦ م. ٦- Tritton (A.s) the calisphs and their non _ moslim subjects oxford ١٩٣٠ ٧- حتى، تاريخ العرب، مطول بيروت. ٨- الشافعي، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلبي الشافعي الحجاز المكي أبو عبد الله (١٥٠ ـ ٢٠٤ هـ) ، الأم، القاهرة ١٣٢٥ هـ. ٩- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (٢٢٤-٣١٠) : تاريخ الرسل والملوك، طبعة طهران.

стр. 14729

١٠- عارف الغارف: المسيحية في القدس، القدس ١٩٥١ م. ١١- د. عبد العزيز الدوري: (فكرة القدس في الإسلام) بحث أعده للمؤتمر التاريخي لبلاد الشام (فلسطين) المنعقد بالجامعة الأردنية سنة ١٩٨٠م. ١٢- مجير الدين الحنبلي، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العليمي المقدسي، (٨١٠ - ٩٢٧ هـ) ، الإنس الجليل بتاريخ القدس عمان ١٩٧٧. -------------------------------------------------------------------------------- [١] اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي: ج ٢، ص ٤٦. [٢] ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، ٢، ص ١٤٧. [٣] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج اص ١٧٩, انظر مجير الدين: ج اص ٢٥٤, الطبري: ج ٣ ص٦٠٩, شذرات الذهب، ج١ ص ٢٨, ذكر أن عقد الصلح كتب على جبل الطور بالقدس. [٤] مجير الدين: الإنس الجليل وتاريخ القدس والخليل، ج اص ٢٥٥, انظر جرجي زيدان ج٤ ص ١٠٩, تاريخ العرب. [٥] ابن الجوزي: فضائل القدس ص ١٢٣-١٢٤. [٦] محير الدين: الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، ج اص٢٥٣. [٧] لدي نسخه مطبوعة عام ١٩٥٣ نشرتها بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس، وفي أعلاها صورة للخليفة عمر بن الخطاب يقود جملا يركبه خادمه أمام أسوار القدس التي وقف عليها النصارى يشاهدون هدا المنظر، صفرونيوس يتقدم لاستقبال الخليفة. [٨] انظر: أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب، رسائل الخلفاء الراشدين. [٩] انظر البلاذري: فتوح البلدان ص ١٣٩. [١٠] اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج ٢ ص ١٦٧. [١١] ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، ج ٢ ص١٦. [١٢] ابن الجوزي: فضائل القدس، ص ١٢٥. [١٣] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج ١، ص ٢٤٠٥- ٢٤٠٦. [١٤] البلاذري: فتوح البلدان، ص ١٣١.

стр. 14730

[١٥] عبد العزيز الدوري: فكرة القدس في الإسلام، بحث أعده للمؤتمر التاريخي لبلاد الشام (فلسطين) المنعقد بالجامعة الأردنية سنة ١٩٨٠م. encyclobidia judacia Art Jerusalem [١٦] . [١٧] الإمام الشافعي: الأم، ج ٤، ص١١٨. [١٨] مجير الدين: الإنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، ج ١ ص ٢٥٣-٢٥٤. [١٩] ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج ا، ص ١٧٩. [٢٠] انظر عارف العارف: المفصّل في تاريخ القدس، ص ٩١-٩٢, وعبد العزيز الدوري: بحث بعنوان (فكرة القدس في الإسلام) ، ص ١١: ٨. Tritton;The caliphe and their non - Muslim subjects P٥ [٢١] حتى فيليب: تاريخ العرب، ج ٣ ص ١٩ -٢٠. Tritton;The caliphe and their non - Moslem subjects١٢. [٢٢]

стр. 14731

رسائل لم يحملها البريد الشيخ عبد الرؤوف اللبدي أستاذ مساعد بكلية الشريعة أختي العزيزة: "هل" هذه هي الرسالة الثانية عشرة من رسائلي إليك، سوف أحدثك فيها عن الصيغة الرابعة وما بعد الرابعة من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع، وكنت قد حدثتك من قبل عن ثلاث صيغ من هذه الصيغ. أما الصيغة الرابعة فهي (أَوَلا يَرَوْن) وقد وردت في أربع آيات من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة:١٢٦) . هذا الاستفهام ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ في هذه الآية الكريمة يفيد الإنكار والتوبيخ: فالله ينكر على أولئك المنافقين زمن الرسول ﷺ ويوبخهم أن لا يتوبوا من نفاقهم المنتن، وأن لا يتعظوا بما يريهم الله من آيات وحجج، مع أنهم يبتلون في كل عام مرة أو مرتين بما هو حقيق أن يكون زاجرا يزجر، ورادعا يردع، وواعظا يعظ. وفعل (يرون) في هذه الصيغة يحتمل أن يكون بمعنى يبصرون فهو متعد إلى مفعول به واحد هو المصدر المؤول من (أنهم يفتنون) ، ويحتمل أن يكون بمعنى يعلمون فهو متعد إلى مفعولين، والمصدر المؤول من (أنهم يفتنون) في محل نصب سدّ مسدّ هذين المفعولين، وتقدير المصدر المؤول على كلا المعنيين: أو لا يرون فتن الله إياهم. وإعراب ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ واضح، و (مرةً) منصوب على المصدرية فهو مفعول مطلق، و (مرتين) معطوف بأو على (مرة) وهو مثله منصوب على المصدرية مفعول مطلق.

стр. 14732

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ : جملة (لا يتوبون) معطوفة بثم على جملة (لا يرون) فهي داخلة في حيز الاستفهام ولا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ : جملة (لا هم يذّكرون) معطوفة بالواو على جملة (لا يتوبون) فهي مثلها داخلة في حيز الاستفهام ولا محل لها من الإعراب. وأصل (يَرَون) - عند علماء الصرف- (يَرْءَيون) - بسكون الراء وفتح الهمزة وضم الياء التي قبل واو الجماعة-: تحركت الياء التي قبل واو الجماعة وهي لام الكلمة وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصارت الكلمة (يَرْءَاوْن) فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة بعد حذف الألف (يرْءَوْن) - براء ساكنة وهمزة مفتوحة وواو ساكنة- فنقلت فتحة الهمزة إلى الراء الساكنة قبلها فأصبحت الراء مفتوحة والهمزة ساكنة فالتقى ساكنان الهمزة وواو الجماعة فحذفت الهمزة لالتقاء الساكنين وصارت الكلمة بعد حذف الهمزة (يَرَوْن) - بفتح الراء وتسكين الواو- على وزن (يَفوْن) - بفتح الفاء وتسكين الواو- وقد حذفت لام الفعل وعينه وبقيت فاؤه وحدها. الآية الثانية: في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ الآيتان (٥٨-٥٩) من سورة يوسف. استفهام هذه الصيغة (ألا ترون) في آيتنا الكريمة هنا يفيد التقرير والترغيب والإغراء وإلإيناس والاستمالة على معنى: قد رأيتم أني أوفي الكيل لكم ولغيركم، ولا أبخسه أحدا، وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه في هذا البلد، فإنكم إن أتيتم بأخيكم -يعني بنيامين أخاه لأبيه وأمه- وجدتم خير نُزُل وخير مضيف، وازددتم به كيل بعير.

стр. 14733

و (ترون) في هذه الصيغة هنا بمعنى تبصرون، والمصدر المؤول من أن وخبرها مضافا إلى اسمها في ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ في محل نصب مفعول به لفعل (ترون) ، والتقدير: ألا ترون إيفائي الكيل. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المضارع (أوفي) , وهو ضمير مستتر فيه تقديره (أنا) ، ورابط جملة الحال بصاحبها الواو والضمير معا. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ . الآية (٨٩) من سورة طه. الضمير في (يرون) يعود على بني إسرائيل عبدة العجل الذي أخرجه لهم السامريّ من حليّ كانوا قد استعاروها من قوم فرعون وحملوها معهم حين خروجهم من مصر مع موسى ﵇، وفي أثناء غياب موسى لمناجاة ربه جل وعلا ألقوا ما حملته من زينة القوم وكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم من هذه الحلي عجلا جسدا له خوار، فقال السامري وأتباعه الذين افتتنوا به أول ما رأوه: "هذا إلهكم وإله موسى، وقد نسي أن ربه الذي ذهب يريده هو هذا العجل". والضمير المستتر في (يرجع) و (يملك) يعود على هذا العجل المعبود من دون الله. والاستفهام في هذه الآية الكريمة ﴿أَفَلا يَرَوْنَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع, ينكر الله على عبدة العجل من بني إسرائيل ويوبخهم ويسفّه أحلامهم ويعيب عليهم أن يتخذوا العجل إلههم من دون الله، وأن لا يروا أن هذا العجل المعبود لا يقدر أن يردّ عليهم قولا إن كلّموه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا إن رجوا منه ضرا ونفعا, كيف يكون إلها من كان على هذه الصفة أيها الجاهلون الأغبياء؟!!.

стр. 14734

و (يرون) في هذه الصيغة هنا بمعنى يعلمون، و (أن) مخففة من الثقيلة، وليست الناصبة للفعل المضارع لأن الناصبة للفعل المضارع لا تجيء بعدما يفيد العلم، واسم (أن) المخففة من الثقيلة ضمير الشأن محذوف، و (لا) : نافية, و (يرجع) : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على العجل، و (قولا) مفعول به ليرجع. وبقية كلمات الآية واضحة الإعراب، والمصدر المؤول من أن المخففة من الثقيلة وخبرها مضافا إلى اسمها في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يرون) والتقدير: أفلا يرون عدم رجعه إليهم قولا. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ الآية (٤٤) من سورة الأنبياء. يتضمن صدر هذه الآية الكريمة أن الله قد متّع هؤلاء المشركين من قريش وآباءهم من قبلهم بهذه الحياة الدنيا حتى طال عليهم العمر وهم مقيمون على عبادة الأصنام لا يأتيهم عذاب ولا ينزل بهم عقاب جزاء كفرهم هذا، فنسوا نعمة الله عليهم، وضلّوا طريق الشكر إليها. والاستفهام الذي جاء بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ للإنكار والتوبيخ. ينكر الله على أولئك المشركين أن لا يبصروا ما يحدثه الله جل وعلا في الأرض من خراب بعد عمارة, ومن موت بعد حياة, ومن هلاك وعذاب وقهر وإذلال بعد حياة نعيم وعز، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به، ويحذروا أن ينزل بهم من العذاب ما أنزله الله بالأمم التي كذبت الرسل من قبل. أفبعد هذا النقص الذي يحدثه الله- جلّت قدرته- في أطراف الأرض بالهلاك والتدمير والقهر، أفبعد هذا يظن هؤلاء المشركون أنهم الغالبون؟!!.

стр. 14735

وأنًى لهم الغلبة؟! أمن هذه الآلهة التي لا تستطيع أن تنصر نفسها ولا تملك لهم ضراً ولا نفعا؟!. الله القاهر فوق عباده هو الغالب على أمره ولا معقب لحكمه وهو الذي ينصر رسوله والذين آمنوا معه. و (يرون) في هذه الصيغة هنا بمعنى يبصرون، فهو فعل متعد إلى مفعول به واحد، هو المصدر المؤوّل من أن وخبرها مضافا إلى اسمها في (أنا نأتي الأرض) والتقدير: أفلا يرون إتياننا الأرض. وجملة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ -فيما يرى العكبري- في محل نصب حال من ضمير الفاعل في نأتي أومن الأرض التي هي مفعول به لنأتي. وأما الصيغة الخامسة: من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع فهي (أفلا تبصرون) وقد وردت في أربع آيات من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . الآية (٧٢) من سورة القصص. تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله قال لرسوله محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: أرأيتم يا هؤلاء إن جعل الله عليكم النهار دائما مستمرا إلى يوم القيامة من إله غير الله المعبود بحق يأتيكم بليل تستريحون فيه من عناء النهار ومتاعبه، أفلا تبصرون هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم وهو اختلاف الليل والنهار، فتعلموا أن العبادة لا تكون إلا لمن أنعم بها. وهذا الاستفهام ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذي جاء في ختام هذه الآية الكريمة يفيد الإنكار والتوبيخ.

стр. 14736

ينكر الله على المشركين من قريش ويوبخهم أن لا يتبصروا في هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله عليهم، فقد جعل الليل والنهار خلفة، جعل النهار ليكسبوا فيه ويبتغوا من فضله، وجعل الليل ليستريحوا فيه من عناء ويسكنوا من جهد، ينكر الله عليهم أن لا يتَبصّروا في ذلك فيعلموا أن المنعم بهذه النعمة وهو الله جل وعلا هو وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الشكر، فيعبدوه وحده لا شريك له، ويتبعوا ما جاء به رسوله ﷺ الآية الثانية:قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ . الآية (٢٧) من سورة السجدة. تضمنت هذه الآية الكريمة إقامة الحجة على الكافرين المنكرين للبعث، وبيان بعض النعم التي ينعم الله بها على عباده، فذكر جل وعلا في هذه الآية أنه يسوق الماء إلى الأرض اليابسة الجافة التي لا نبات فيها فيخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم ويأكلون، وفي ختام هذه الآية قال تعالى: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ , وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على المكذبين بالبعث أن لا يبصروا ذلك بأعينهم إبصارا يشوبه التدبر والتفكر فيعلموا أن القدرة العظيمة التي تسوق الماء إلى الأرض المجدبة المغبرة فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم لا يعجزها أن تبعث الأموات من قبورهم أحياء يوم القيامة كما كانوا من قبل في حياتهم الدنيا. الآية الثالثة: في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ . الآيتان: (٥١-٥٢) من سورة الزخرف.

стр. 14737

يخبر الله في هاتين الآيتين الكريمتين أن فرعون قد جمع قومه من القبط فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملكه مصر وما هو فيه من خير ونعيم، فقال: أليس لي هذا الملك العظيم ملك مصر, وهذه الجنان الناضرة الحسان, وهذه الأنهار الجارية من بين يدي لا تقف ولا تجف؟!! أين موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين من هذا كله؟!!. وقد جاء الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ للفخر وتعظيم نفسه. الآية الرابعة: في قوله: ﴿وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . الآيتان: (٢٠- ٢١) من سورة الذاريات. تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان أن الله قد جعل في هذه الأرض التي دحاها وفي هذه الأنفس التي سواها آيات كثيرة للموقنين الذين ينظرون إليها نظرا صحيحا متدبرا معتبرا، فيؤمنون بعظمة خالقها وقدرته الباهرة، ويصدقون بما جاءت به الرسل دونما ريب. وفي ختام هاتين الآيتين قال تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُون﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على الكافرين ويوبخهم أن لا ينظروا النظر الصحيح السليم المتأمل المتبصر إلى ما في هذه الأرض من آيات دالة تثير التفكر، وإلى ما في هذه الأنفس من عجائب التركيب ودقائق الصنع التي تبعث على الاعتبار، فيعلموا وحدانية الذي خلقها وقدرته له على أن يعيدهم إلى الحياة بعد الموت كما بدأهم أول مرة. وأما الصيغة السادسة: فهي ما دخلت فيه همزة الاستفهام على (لا) النافية لمضارع (علم) . وقد جاءت هذه الصيغة في ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:

стр. 14738

الآية الأولى: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون﴾ . الآيتان: (٧٦-٧٧) من البقرة. تبين الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن منافقي اليهود في المدينة زمن الرسول ﷺ كانوا يقولون للذين آمنوا -إذا لاقوهم-: "قد آمنا بما آمنتم به"، ويذكرون أن سبب إيمانهم ما وجدوه في التوراة من نعت النبي ﷺ والتبشير به، وإذا خلا اليهود بعضهم إلى بعض بعيداً عن المؤمنين أخذ الفريق الذي لم يؤمن ولم ينافق ينكر على الفريق الآخر المنافق أن يحدثوا المؤمنين بأن التوراة قد ذكرت صفة النبي ﷺ وبشّرت به؛ لأن عاقبة ذلك أن يكون للمؤمنين في هذا الحديث حجة عليهم عند ربهم، ثم يختمون إنكارهم قائلين: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ تقدم الحديث عنه في الرسالة العاشرة. وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهو استفهام يفيد التقرير على معنى أن أولئك اليهود المنافقين واليهود اللائمين يعلمون أن الله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنون.

стр. 14739

ويفيد أيضا الإنكار والتوبيخ على معنى لا ينبغي لهم مع علمهم هذا أن يفعلوا ما فعلو: فيأتي المنافقون منهم إلى المؤمنين قائلين لهم كذباً ونفاقاً: "لقد آمنا بما آمنتم به"، ويأتي الفريق الذي لم ينافق فيلوم في الخفاء الفريق الذي آمن نفاقاً على تظاهرهم بالإيمان وعلى تحديثهم المؤمنين بأنّ نعته ﵊ قد ورد في التوراة وأنها قد بشّرت به. ألا ساء ما كانوا يفعلون!! وأَقْبِحْ بما كانوا يزرون!!. الآية الثانية: في قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . الآيتان: (١٣-١٤) من سورة الملك. تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن السر والجهر يتساويان بالنسبة إلى علمه ، فالله عليمٌ بما تهمس به الألسن وما تكنّه الأنفس وما تخفيه الصدور، لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ولا في أنفسكم أيها الناس. وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ. ينكر الله على أولئك الذين يزعمون عدم إحاطة علمه بالمظهر والمضمر، ويوبخهم على ذلك، كيف لا يعلم الله الذي خلق الأشياء من عدم وخلقكم أنتم أيضا أيها الناس، كيف لا يعلم الخالق أحوال من خلقهم ما ظهر منها وما بطن وحاله أنه اللطيف الخبير المحيط علمه بخفيات الأمور وجلياتها؟!!.

стр. 14740

الآية الثالثة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ . الآيات: (٦- ١١) من سورة العاديات. هذه الآيات الكريمة جاءت في سورة العاديات، وتعني الآية السادسة من آيات هذه السورة أن الإنسان لجحود لنعم ربه، لا يذكرها ولا يشكرها. وتعني الآية السابعة أن الإنسان ليشهَد بلسان حاله على جحوده هذا ولا يقدر أن ينكره لظهوره في أقواله وأفعاله، وتعيى الآية الثامنة أن الإنسان لشديد الحب للمال. وفي الآية التاسعة جاء هذا الاستفهام: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ وجاء بعده في الآية العاشرة والآية الحادية عشرة ما يتصل بهذا الاستفهام ويتمّم معناه. وهو استفهام إنكار وتهديد ووعيد على معنى لا ينبغي لهذا الإنسان الجحود لنعم ربه، لا ينبغي لهذا الإنسان الذي استولى على قلبه حب المال، لا ينبغي له أن ينسى شكر الله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ولا أن ينسى العمل الصالح للدار الآخرة، سوف يعلم هذا الإنسان مآله ويرى جزاءه يوم يبعث الأموات من قبورهم، ويبرز ما في صدورهم من خير وشر، إن الله خبير بما عمل، ومجازيه يومئذ على ما قدم، ويل له يومئذ وثبور!!. وإعراب ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ : (أفلا يعلم) : الهمزة حرف استفهام، والفاء عاطفة على ما قبل الهمزة، ولا نافية، ويعلم مضارع مرفوع وهو متعد إلى مفعولين.
следующие страницы →