← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

ينكر الله على المشركين من قريش ويوبخهم أن لا يتبصروا في هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله عليهم، فقد جعل الليل والنهار خلفة، جعل النهار ليكسبوا فيه ويبتغوا من فضله، وجعل الليل ليستريحوا فيه من عناء ويسكنوا من جهد، ينكر الله عليهم أن لا يتَبصّروا في ذلك فيعلموا أن المنعم بهذه النعمة وهو الله جل وعلا هو وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الشكر، فيعبدوه وحده لا شريك له، ويتبعوا ما جاء به رسوله ﷺ الآية الثانية:قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ . الآية (٢٧) من سورة السجدة. تضمنت هذه الآية الكريمة إقامة الحجة على الكافرين المنكرين للبعث، وبيان بعض النعم التي ينعم الله بها على عباده، فذكر جل وعلا في هذه الآية أنه يسوق الماء إلى الأرض اليابسة الجافة التي لا نبات فيها فيخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم ويأكلون، وفي ختام هذه الآية قال تعالى: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ , وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على المكذبين بالبعث أن لا يبصروا ذلك بأعينهم إبصارا يشوبه التدبر والتفكر فيعلموا أن القدرة العظيمة التي تسوق الماء إلى الأرض المجدبة المغبرة فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم لا يعجزها أن تبعث الأموات من قبورهم أحياء يوم القيامة كما كانوا من قبل في حياتهم الدنيا. الآية الثالثة: في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ . الآيتان: (٥١-٥٢) من سورة الزخرف.

стр. 14737

يخبر الله في هاتين الآيتين الكريمتين أن فرعون قد جمع قومه من القبط فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملكه مصر وما هو فيه من خير ونعيم، فقال: أليس لي هذا الملك العظيم ملك مصر, وهذه الجنان الناضرة الحسان, وهذه الأنهار الجارية من بين يدي لا تقف ولا تجف؟!! أين موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين من هذا كله؟!!. وقد جاء الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ للفخر وتعظيم نفسه. الآية الرابعة: في قوله: ﴿وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . الآيتان: (٢٠- ٢١) من سورة الذاريات. تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان أن الله قد جعل في هذه الأرض التي دحاها وفي هذه الأنفس التي سواها آيات كثيرة للموقنين الذين ينظرون إليها نظرا صحيحا متدبرا معتبرا، فيؤمنون بعظمة خالقها وقدرته الباهرة، ويصدقون بما جاءت به الرسل دونما ريب. وفي ختام هاتين الآيتين قال تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُون﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على الكافرين ويوبخهم أن لا ينظروا النظر الصحيح السليم المتأمل المتبصر إلى ما في هذه الأرض من آيات دالة تثير التفكر، وإلى ما في هذه الأنفس من عجائب التركيب ودقائق الصنع التي تبعث على الاعتبار، فيعلموا وحدانية الذي خلقها وقدرته له على أن يعيدهم إلى الحياة بعد الموت كما بدأهم أول مرة. وأما الصيغة السادسة: فهي ما دخلت فيه همزة الاستفهام على (لا) النافية لمضارع (علم) . وقد جاءت هذه الصيغة في ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:

стр. 14738

الآية الأولى: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون﴾ . الآيتان: (٧٦-٧٧) من البقرة. تبين الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن منافقي اليهود في المدينة زمن الرسول ﷺ كانوا يقولون للذين آمنوا -إذا لاقوهم-: "قد آمنا بما آمنتم به"، ويذكرون أن سبب إيمانهم ما وجدوه في التوراة من نعت النبي ﷺ والتبشير به، وإذا خلا اليهود بعضهم إلى بعض بعيداً عن المؤمنين أخذ الفريق الذي لم يؤمن ولم ينافق ينكر على الفريق الآخر المنافق أن يحدثوا المؤمنين بأن التوراة قد ذكرت صفة النبي ﷺ وبشّرت به؛ لأن عاقبة ذلك أن يكون للمؤمنين في هذا الحديث حجة عليهم عند ربهم، ثم يختمون إنكارهم قائلين: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ تقدم الحديث عنه في الرسالة العاشرة. وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهو استفهام يفيد التقرير على معنى أن أولئك اليهود المنافقين واليهود اللائمين يعلمون أن الله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنون.

стр. 14739

ويفيد أيضا الإنكار والتوبيخ على معنى لا ينبغي لهم مع علمهم هذا أن يفعلوا ما فعلو: فيأتي المنافقون منهم إلى المؤمنين قائلين لهم كذباً ونفاقاً: "لقد آمنا بما آمنتم به"، ويأتي الفريق الذي لم ينافق فيلوم في الخفاء الفريق الذي آمن نفاقاً على تظاهرهم بالإيمان وعلى تحديثهم المؤمنين بأنّ نعته ﵊ قد ورد في التوراة وأنها قد بشّرت به. ألا ساء ما كانوا يفعلون!! وأَقْبِحْ بما كانوا يزرون!!. الآية الثانية: في قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . الآيتان: (١٣-١٤) من سورة الملك. تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن السر والجهر يتساويان بالنسبة إلى علمه ، فالله عليمٌ بما تهمس به الألسن وما تكنّه الأنفس وما تخفيه الصدور، لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ولا في أنفسكم أيها الناس. وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ. ينكر الله على أولئك الذين يزعمون عدم إحاطة علمه بالمظهر والمضمر، ويوبخهم على ذلك، كيف لا يعلم الله الذي خلق الأشياء من عدم وخلقكم أنتم أيضا أيها الناس، كيف لا يعلم الخالق أحوال من خلقهم ما ظهر منها وما بطن وحاله أنه اللطيف الخبير المحيط علمه بخفيات الأمور وجلياتها؟!!.

стр. 14740

الآية الثالثة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ . الآيات: (٦- ١١) من سورة العاديات. هذه الآيات الكريمة جاءت في سورة العاديات، وتعني الآية السادسة من آيات هذه السورة أن الإنسان لجحود لنعم ربه، لا يذكرها ولا يشكرها. وتعني الآية السابعة أن الإنسان ليشهَد بلسان حاله على جحوده هذا ولا يقدر أن ينكره لظهوره في أقواله وأفعاله، وتعيى الآية الثامنة أن الإنسان لشديد الحب للمال. وفي الآية التاسعة جاء هذا الاستفهام: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ وجاء بعده في الآية العاشرة والآية الحادية عشرة ما يتصل بهذا الاستفهام ويتمّم معناه. وهو استفهام إنكار وتهديد ووعيد على معنى لا ينبغي لهذا الإنسان الجحود لنعم ربه، لا ينبغي لهذا الإنسان الذي استولى على قلبه حب المال، لا ينبغي له أن ينسى شكر الله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ولا أن ينسى العمل الصالح للدار الآخرة، سوف يعلم هذا الإنسان مآله ويرى جزاءه يوم يبعث الأموات من قبورهم، ويبرز ما في صدورهم من خير وشر، إن الله خبير بما عمل، ومجازيه يومئذ على ما قدم، ويل له يومئذ وثبور!!. وإعراب ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ : (أفلا يعلم) : الهمزة حرف استفهام، والفاء عاطفة على ما قبل الهمزة، ولا نافية، ويعلم مضارع مرفوع وهو متعد إلى مفعولين.

стр. 14741

﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ : إذا: ظرف زمان مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل المضارع (يعلم) ومعمولة له، وهي هنا لا تفيد الشرط فلا جواب لها، وكون (إذا) متعلقة بالفعل المضارع يعلم ومعمولة له هو رأي العكبري والحوفي وجملة ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ في محل جر بإضافة إذا إليها. وجملة ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ معطوفة بالواو على جملة (بعثر ما في القبور) فهي مثلها في محل جر. وجملة ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ في محل نصب سدّت مسد ّ مفعولي (يعلم) ، والجار والمجرور (بهم) والظرف (يوم) المضاف إلى (إذ) يتعلقان بخبر (إنّ) وهو (خبير) . وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: "إن الرأي القائل (إذا) ظرف معمول ليعلم غير متضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن وليس إذا بعثر ما في القبور"، ومن رأيه أنّ إ (ذا) متعلقة بمحذوف تقديره: "مآله: أو "أنه مجازف"، وهذا المحذوف هو مفعول ليعلم المتعدية إلى مفعول به واحد، ومن رأيه أيضا أن جملة ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ تكون استئنافية دالة على مفعول (يعلم) وعلى متعلق (إذا) . والأرجح -فيما يبدو لي- هو إعراب العكبري والحوفي من أن العلم سيكون إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور؛ لأنه الظاهر المتبادر من الآية فلا تقدير ولا حذف، ويؤيده -في أن العلم سيكون في المستقبل وليس الآن- قوله تعالى في سورة التكاثر: ﴿كلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فهو صريح في أن العلم سيكون في المستقبل، وفي كلتا الآيتين تهديد ووعيد. أما الصيغة السابعة: من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع فهي: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن﴾ . وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم.

стр. 14742

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . الآية (٨٢) من سورة النساء. هذا الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يفيد الإنكار والتوبيخ؛ الإنكار على أولئك الذين أعرضوا عن الإيمان برسول الله جيدا، ولم يصدّقوا بأن هذا القرآن الذي يبلغهم إياه هو من عند الله تعالى، وَتوبيخهم على ذلك. ينكر الله على أولئك ويوبخهم أن لا يتدبروا القرآن ويتأملوا ما فيه وينعموا النظر في إِحكام آياته واتساق معانيه وصدق أخباره مع أنه نزل في أزمنة متقاربة ومتباعدة، وفي أماكن متعددة، وفي أمور شتى، وأخطر عن الماضي والحاضر والمستقبل. ينكر عليهم ويوبخهم أن لا يتدبروا القرآن وهو على هذه الصفات فيدركوا أنه لو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لوجدوا أن بعض آياته يخالف بعضها الآخر، وأن معانيه يناقض بعضها بعضا، وأن أخباره جاء بعضها غير مطابق للواقع. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .الآية (٢٤) من سورة محمد. الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ للإنكار والتوبيخ. ينكر عليهم، ويوبخهم أن لا يتأمّلوا في القرآن ويتفهموا ما اشتملت عليه آياته من حجج وبراهين ومواعظ وعبر فيعلموا أنّ ما هم عليه هو الباطل، وأنّ ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق. ولكن من أين لهم تدبّر القرآن وتفهّم ما جاء فيه, وقلوبهم مقفلة ليس لها أبوابه مفتوحة يدخل منها التدبر والتأمل فنور الهدى والإيمان؟!!. أما الصيغة الثامنة: فهي: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ . وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم.

стр. 14743

الآية الأولى: في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ الآيات (٣٣-٣٥) من سورة ياسين. تتضمن هذه الآيات الكريمة الدلالة على قدرة الله تعالى على ما يشاء، وعلى إعادة الحياة إلى الموتى كما كانوا عليه في الحياة الدنيا، فإحياؤه جل وعلا الأرض الميتة التي لا نبات فيها، ينزل عليها من السماء ماء فيخرج به زرعا وحبا يأكل منه أولئك المشركون بالله المنكرون للبعث، فإحياؤه هذا آية لهم محسوسة لا تردّ ولا تنكر. وتتضمن أيضا أن الله قد جعل في هذه الأرض التي أحياها بعد موتها عيوناً يتفجر منها الماء وبساتين نخيل وأعناب يأكلون منها ثمراً طيّبا لم تعمله أيديهم ولا كان بكدّهم ولا سعيهم، وإنما هو فضل من عند الله ورحمة. وفي ختام هذه الآيات قال تعالى: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على أولئك الذين يشركون به جل وعلا ويكذبون بالبعث، ويوبخهم أن لا يشكروا له تلك النعم العظيمة ذلك الشكر الذي ينبغي أن يتجلى في إفراده تعالى بالعبادة وفي الإيمان بقدرته على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة. الآية الثانية: في قوله تعَالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُون﴾ الآيات: (١ ٧-٧٣) من سورة ياسين.

стр. 14744

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله قد خلق لبني آدم ومنهم هؤلاء المشركون، قد خلق لهم مما خلق هذه الأنعام من إبل وبقر وغنم، وجعلهم يملكونها ويضبطون أمورها، وجعلها مذلّلة لهم يتخذون منها ركائب يحملون عليها أنفسهم وأثقالهم في تنقلاتهم وأسفارهم، ويتخذون من لحومها طعاماً يأكلون منه ويطعمون. وفوق هذا وذاك لهم فيها منافع شتى: فهم يتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ملابس دافئة وأكناناً تقيهم الحر والقر، وأثاثاً فارهاً به يستمتعون، ولهم فيها مشارب مختلفة كثيرة مريئة سائغة للشاربين. وفي ختام هذه الآيات قال تعالى: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على هؤلاء المشركين ويوبخهم أن لا يشكروه تعالى على هذه الأنعام التي خلقها نعمة لهم وللناس جميعا، وشكر الله تعالى إنما يكون بطاعته وإفراده بالعبادة، وبالإيمان أنه الرازق الخالق لها ولكل شيء. أما الصيغة التاسعة: فهي (ألا تكلون) وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى: في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات (٨٥ ـ٩٦) من سورة الصافات.

стр. 14745

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن إبراهيم ﵇ قال لأبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، قال لهم منكرا موبخا: ما هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله؟!! إن عبادتكم لغير الله إفك، وإن الآلهة التي تعبدونها من دون الله لباطل. ثم ما ظنكم أن يفعل بكم رب العالمين وقد عبدتم غيره؟!!. وحين أرادوه على أن يخرج معهم إلى عيد لهم ليشاركهم فيه نظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، فتولوا عنه مدبرين خائفين من أن تصيبهم عدوى مرضه، وتركوه وحده في بيت أصنامهم، وتركوا وراءهم في ذلك البيت الطعام الذي أتوا به ليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم بعد أن تصيبه بركة الأصنام فيما يزعمون، فأقبل إبراهيم على أصنامهم هذه يخاطبها مخاطبة من يعقل؛ لأنهم أنزلوها تلك المنزلة، فقال ساخراً مستهزئاً: مالكم أيها الأصنام لا تأكلون؟! طعام كثير لذيذ شهي!!. ولما كانت الأصنام لا تعقل ولا تنطق -ومن أين لها العقل والنطق؟! - عاد إبراهيم ﵇ يقول ساخرا زاريا: مالكم لا تنطقون، مالكم لا تجيبون؟! أيّ آلهة أنتم؟! إن كنتم آلهة حقاً وصدقاً فادفعوا عن أنفسكم ما أنا فاعل بكم، وراحت يده اليمنى تهوي على رءوسهم بفأسه القوية ضرباً ملؤه الغيظ والكراهية لآلهة الباطل. والاستفهام - كما رأيت - في قوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ استفهام سخرية واستهزاء وزراية. الآية الثانية: في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُون فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم﴾ الآيات: (٢٤ -٨ ٢) من سورة الذاريات.

стр. 14746

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن جماعة من الملائكة أرسلهم الله إلى إبراهيم ﵇، فجاءوه ضيوفاً في صور بشرية جميلة، فلما دخلوا عليه حيّوه وقالوا سلاما، فردّ عليهم التحية قائلا لهم: سلام أيها القوم الذين لم نعرفهم من قبل، وما لبث أن ذهب إلى امرأته مسرعاً لتعدّ لهم طعام الضيافة، وعاد به إليهم مسروراً بإكرامهم يحمل عجلاً سميناً مشويّاً، وقرّبه إليهم، ولكنه رأى أيديهم لا تمتد إليه، فأنكر ذلك منهم وقال مستغربا: مالكم لا تأكلون؟!! ولكنهم ظلوا ممسكين عن تناول طعامه، فأحس بالخوف منهم وبدت عليه علاماته، فقالوا -وقد رأوا ذلك منه-: لا تخف، وبشروه بغلام سيكون على جانب عظيم من العلم. وقد رأيت أن الاستفهام في قوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ قد جاء للإنكار والاستغراب: أنكر إبراهيم ﵇ على ضيوفه أن لا يأكلوا من طعامه، واستغرب ذلك منهم، وحق له أن ينكر ويستغرب، فقد كان طعاماً شهياً فيه سخاء وكرم، وما كان يعرف حينئذ أنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون. أما الصيغة العاشرة: فهي (أفلا تسمعون) , وقد وردت في آيتين اثنتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ . الآية (٧١) من سورة القصص. تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله قال لرسوله محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل دائما مستمرا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة من إله غير الله المعبود بحق يأتيكم بالنهار فتقدرون في ضوء شمسه أن تبتغوا من رزقه الواسع وتذهبوا في وجوه المعاش كل مذهب.

стр. 14747

أفلا تسمعون هذا الذي أقوله لكم سماع تفهّم وتبصّر فتدركوا أن الله هو وحده الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة, وجعل الليل سكنة وراحة، وجعل النهار سعيا ومعاشا، فتفردوه بالعبادة. وقد أفاد هذا الاستفهام ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ الإنكار والتوبيخ. أنكر الله عليهم ووبخهم ألا يكون لديهم سمع يتفهم ما يسمعه ويتدبره، فيدرك أن الله الذي خلق الليل والنهار يتعاقبان قادر على أن يجعل الليل مستمرا دائما إلى يوم القيامة فيكون لهم في ذلك شقاء وفناء. لو كان لديهم سمع يدرك ويعتبر لأدركوا أن الله الذي أنعم عليهم بليل يعقبه نهار, ونهار يعقبه ليل هو وحده الذي يستحق العبادة دون أن يكون له شريك. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ الآية (٢٦) من سورة السجدة. في هذه الآية الكريمة ينكر الله على المشركين من أهل مكة وغيرهم أنْ لم يبين لهم وأن لم يعظهم كثرة من أهلكهم من الأمم بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل مع أنهم يمشون في مساكن أولئك المهلكين وهم مسافرون إلى الشام وغيرها، ويتقلبون في بلادهم ويشاهدون آثار العذاب الذي نزل بهم. وقد جاء الاستفهام ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ في ختام هذه الآية مفيدا الإنكار والتوبيخ: ينكر الله على أولئك الذين لم يعظهم هلاك الأمم السابقة بسبب تكذيبهم الرسل وها هي ذي مساكنهم يمرون بها غدوّا ورواحا تشهد وتذكر وتعظ، ينكر الله على أولئك المشركين من أهل مكة ويوبخهم أنْ لا يسمعوا آيات الله وعظاته وتذكيره إياهم سماع تفهم وتدبر واعتبار. أختي العزيزة "هل":

стр. 14748

بقي من صيغ همزة الاستفهام الداخلة على (لا) النافية للفعل المضارع صيغ لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، وها أنا ذي أقدمها إليك (بحسب ورودها في القرآن الكريم) في الاستفهامات التالية: الاستفهام الأول: ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وقد جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ . الآية (٥٠) من سورة الأنعام. تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله قال لنبيه ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، فالرزق والعطاء بيد الله لا بيدي. وهذا رد على ما كانوا يقولونه له وهو: "إن كنت رسولا من عند الله فاطلب منه أن يهب لنا الغنى ويذهب عنا الفقر". وقل يا محمد لهم: "لا أقول لكم إني أعلم الغيب". وهذا رد على قولهم له: إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا بما ينفعنا وما يضرنا فنعمل على تحصيل المصالح ودرء المضار. وقل يا محمد: "لا أقول لكم إني ملك". وهذا رد على قولهم ما لهذا الرسول يأكل ويمشى في الأسواق. وقل يا محمد لهم: لا أتبع إلا ما يوحيه الله إليّ، ولا يستوي الذي عمي عن آيات الله وما جاء به الوحي والذي أبصر آيات الله واتبع ما جاء به القرآن، أفلا تتفكرون. وهذا الاستفهام ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ؛ إنكار على هؤلاء المشركين, وتوبيخ لهم أن لا يكون لديهم تفكر في الأمور وتبصر فيدركوا أن ما جاء به الوحي هو الحق، وأن ما هم عليه من الشرك هو الباطل.

стр. 14749

الاستفهام الثاني: (أفلا يتوبون) قد جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . الآيتان: (٧٣-٧٤) من سورة المائدة. تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن الذين يقولون إن الله أحد آلهة ثلاثة (يريدون بالثلاثة: الله ، وعيسى، وأمه) إن الذين يقولون هذا قد كفروا كفراناً مبيناً، فما من إله في الوجود مستحق للعبادة إلا إله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له صاحبة ولا ولد، وما كان معه من إله، وهو الله . وإن لم يرجع هؤلاء الذين كفروا وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، إن لم يرجعوا عن مقالتهم ويتوبوا إلى الله تعالى ليصيبنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين جاء هذا الاستفهام: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ . وهو استفهام إنكار وتوبيخ وتعجب. ينكر الله على أولئك الكافرين القائلين إن الله ثالث ثلاثة, ويوبخهم أن لا يرجعوا عن مقالتهم هذه ويتوبوا إليه تعالى ويستغفروه، فقولهم هذا لا يقبله عقل سليم، ولا تقوم به حجه بيّنة. وهو استفهام يدل أيضا على التعجب بمعنى كيف لا يتوبون إليه تعالى ويستغفرونه من هذا الذنب الذي ليس بعده ذنب وقد تهيأت لهم أسباب التوبة والاستغفار، فالله غفور لذنوب التائبين الراجعين عن معاصيهم، رحيم بهم بقبوله توبتهم والعفو عما سلف من كفرهم. أختي العزيزة:

стр. 14750

جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان أنّ ابن عطية يرى أن استفهام ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ﴾ للتحضيض على التوبة وطلب المغفرة. وقد علق أبو حيان على رأي ابن عطية هذا فقال: "وما ذكره من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى لا من حيث مدلول اللفظ؛ لأن مدلول (أفلا) غير مدلول (ألا) التي للحض والحث"اهـ أبو حيان. وإنما كانت (أفلا) لا تدل على الحث والحض نصاً ومباشرة أو كما قال أبو حيان من حيث اللفظ؛ لأن الفاء الفاصلة بين الهمزة و (لا) تحتّم أن تكون الهمزة للاستفهام، وأن تكون الفاء للعطف، و (لا) نافية. وأفاد هذا الاستفهام الحث والتحضيض من حيث المعنى والسياق لا من حيث دلالة اللفظ النصية؛ لأنه استفهام إنكار وتوبيخ، وإنكار عدم التوبة، والتوبيخ على تركها يفيد بطريق غير مباشر الحث على التوبة والتحضيض عليها. وقد سها أبو حيان فقال في صيغة (أفلا تتفكرون) ما قاله ابن عطية في صيغة (أفلا يتوبون) ، قال في تفسير البحر المحيط: " (أفلا تتفكرون) هذا عرض وتحضيض معناه الأمر أي ففكروا"اهـ أبو حيان. وليس لي هنا إلا أن أقول لأبي حيان ما قاله أبو حيان نفسه لابن عطية من أن دلالة (أفلا تتفكرون) على العرض والتحضيض إنما هو من حيث المعنى لا من حيث مدلول اللفظ؛ لأن مدلول (أفلا) غير مدلول (ألا) التي للحثّ والحض. وقد تقدّم قبل قليل بيان ذلك وسببه. الاستفهام الثالث: (أولا يذكر الإنسان) وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وََلمْ يَكُ شَيْئاً﴾ . الآيتان: (٦٦-٦٧) من سورة مريم. تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن الإنسان الكافر المنكر للبعث يقول لن أخرج حيا من القبر بعد أن أكون قد متُّ وأصبحتُ عظاما بالية، إن هذا لن يكون.

стр. 14751

وقد تضمنت الآية الثانية الرد على هذا بأن الله قد خلقه وأنشأه في هذه الحياة الدنيا ولم يك شيئاً قبل ذلك، فكيف ينكر قدرة الله تعالى أن يعيد خلقه وأن يبعثه من قبره إن الإنسان الذي يذّكرّ ويتبصر ّويفكر ّليرى بلا ريب أن الذي قدر على خلق الإنسان وإبداعه في هذه الدنيا قادر على أن يعيد خلقه يوم القيامة. وقد جاء هذا الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وََلمْ يَكُ شَيْئاً﴾ جاء مفيداً الإنكار والتوبيخ والتعجب. أنكر الله على هذا الإنسان الذي لا يؤمن بالبعث يوم القيامة ووبَّخه أن لا يذّكرّ ويتبصر، ويتفكر أن خلق الله تعالىَ إياه أول مرة ولم يك شيئا من قبل يدل دلالة بيّنة على قدرة الله تعالى على خلقه مرة ثانية. ويفيد هذا الاستفهام التعجب على معنى كيف يعجز الله عن إعادة خلقك أيها الإنسان بعد موتك، وقد خلقك من قبل ذلك ولم تك شيئا. وقد أعرب الزمخشري الواو في (أولا يذكر) عاطفة عطفت (لا يذكر) على (يقول) الواردة في الآية المتقدمة على هذه الآية، وقد وسّطت همزة الاستفهام بين المعطوف وواو العطف.

стр. 14752

وهذا من المواضع التي رجع فيها الزمخشري إلى مذهب سيبويه والجمهور، وهو أنّ حرف العطف إذا تقدمته همزة الاستفهام فإنه يعطف ما بعدها على ما قبلها، وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصلح أن يعطف عليه, وإعراب (ولم يك شيئا) : الواو حاليا، و (لم) نافية جازمة، و (يك) مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، وهذا الفعل المضارع يأتي ناقصاً كماضيه، يرفع المبتدأ على أنه اسمه وينصب الخبر على أنه خبره، فالضمير المستتر فيه العائد على الإنسان اسمه، و (شيئاً) منصوب على أنه خبره، وجملة (ولم يك شيئا) في محل نصب حال من الهاء في (خلقناه) ، والرابط الواو والضمير المستتر في (يك) معا. الاستفهام الرابع: (أفلا يؤمنون) وقد جاء في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ . الآية (٣٠) من سورة الأنبياء. اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ . فقال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بالله بأبصار قلوبهم فيرَوا بها ويعلموا أن السموات والأرض كانتا رتقا, يقول: ليس فيهما ثقب بل كانتا ملتصقتين، ... وقوله: (ففتقناهما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما"اهـ. وقال أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط) : "وقالت فرقة: "السماء قبل المطر رتق، والأرض قبل النبات رتق، ففتقناهما بالمطر والنبات. قال ابن عطية: "وهذا قول حسن، ويناسب قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾ أي من الماء الذي أوجده الفتق"اهـ.

стр. 14753

وعلى الرأي الأول الذي قاله الطبري تكون الرؤية في ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ علمية، وعلى الرأي الثاني الذي ذكره أبو حيان وحسّنه ابن عطية تكون الرؤية بصرية. أما تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ فقد أفاد أبو حيان أن (جعلنا) إن كانت بمعنى خلقنا فالمعنى: وخلقنا من الماء كل حيوان، وإن كانت بمعنى صيرنا فالمعنى: وصيرنا كل شيء حيٍّ بسبب من الماء لابد له منه. وأما الاستفهام (أفلا يؤمنون) الذي جاء في ختام هذه الآية فهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله على الذين كفروا ويوبخهم أن لا يؤمنوا بألوهية من قدر على ما تضمنته هذه الآية من فتق السماوات والأرض وإنزال الغيث من السماء وإخراج النبات من الأرض وخلق كل حيوان من الماء، فيفردوه بالعبادة ولا يشركون به شيئا. الاستفهام الخامس: (ألا تحبون) وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية (٢٢) من سورة النور. مما تضمنته هذه الآية الكريمة: لا يحلف الذين آتاهم الله فضلا منه وسعة رزق لا يحلفوا بالله أن لا يعطوا ذوي قراباتهم والمساكين المهاجرين من ديارهم وأموالهم في سبيل الله، وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليتركوا ما يعاقبونهم به من حرمانهم ما كانوا يعطونهم إياه من قبل.

стр. 14754

ومما جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية: "وهذه الآية نزلت في الصدّيق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبداً بعد ما قال في عائشة ﵂ ما قال ... فلما أنزل الله براءة عائشة أم المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎ -وله المنة والفضل- يعطّف الصدّيق على قريبه مسطح، وكان ابن خالة الصدّيق، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾ الآية ... فعند ذلك قال الصدّيق: "بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا"، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: "والله لا أنزعها منه أبدا ... ". اهـ تفسير ابن كثير مع حذف بعض الكلمات والجمل. وهذا الاستفهام ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾ يفيد التعطيف؛ تعطيف أبي بكر ﵁ على ابن خالته مسطح بعد أن تاب ونال العقاب، ويفيد أيضاً الترغيب ترغيب أبي بكر ﵁ في مغفرة الله الغفور الرحيم برجع ما كان يصل به مسطحاً من نفقة. والآية تعم كل من كان متصفاً بهذا الوصف الذي تضمنته هذه الآية الكريمة وإن كان سبب نزولها خاصا. والذي دل على أن (ألا) في ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾ ليست للتحضيض، وإنما هي همزة الاستفهام دخلت على (لا) النافية، الذي دل على ذلك هو جواب الصديق ﵁ بقوله: (بلى) , و (بلى) لا يجاب بها إلا النفي. الاستفهام السادس: (ألا تستمعون) وقد جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ الآيات: (٢٣-٢٥) من سورة الشعراء.

стр. 14755

بعد أن قال موسى وهارون ﵉ لفرعون: إنا رسول رب العالمين، وبعد محاورة موسى لفرعون (قد سبق بيانها وتفصيلها في الرسالة التاسعة من هذه الرسائل حين تحدثت عن استفهام (ألم نربك فينا وليدا) بعد ذلك ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأجابه موسى ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فلما سمع فرعون هذا الجواب التفت إلى من حوله من أشراف قومه ورؤساء دولته قائلا: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ وهو استفهام تهكّم واستهزاء بموسى ﵇ وتكذيب له فيما قاله وتعجيب لمن حوله من جواب موسى ﵇ الدال على أنّ لهم إلها غير فرعون. الاستفهام السابع: (ألا يظن) في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . الآيات: (١-٦) من سورة المطففين. في هذه الآيات الكريمة يتوعد الله بالعذاب الشديد المطففين الذين إذا استوفوا حقهم من الناس بالمكيال يستوفونه وافراً تاماً، وإذا أدّوا حق الناس الذي هو عليهم، إذا أدّوا بالمكيال أو الميزان أنقصوا في الكيل والوزن ولم يعطوهم حقوقهم كاملة.

стр. 14756

وبعد أن توعد الله المطففين بسوء العذاب قال: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا الاستفهام (ألا يظن) استفهام إنكار وتوبيخ وتعجب: ينكر الله على أولئك المطفّفين ويوبّخهم أن لا يظنوا ويوقنوا أنهم مبعوثون فمسؤولون عما يفعلون يوم القيامة العظيم الشأن والهول، يوم يخضع الناس ويقفون خشّعا لله رب العالمين، ولو أنهم ظنوا وأيقنوا ما نقصوا في كيل ولا وزن، ولخشوا عاقبة ذلك، وأعطوا الناس حقّهم موفوراً. وهذا الاستفهام يفيد أيضاً التعجّب على معنى: كيف يجرءون على ذلك كأنما لا يخطر لهم إثمه على بال، ولا يلمّ بعقباه ظن؟!!. الاستفهام الثامن: (أفلا ينظرون) وقد جاء في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اْلإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى اْلأََرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ . الآيات (١٧- ٢٠) من سورة الغاشية. تضمنت الآيات الكريمة المتقدمة على استفهام ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تضمنت ما يلاقيه الكافرون يوم القيامة من عذاب ونكال، وما يلاقيه المؤمنون من نعيم وتكريم، ثم جاء هذا الاستفهام ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اْلإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى اْلأََرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ جاء منكراً موبّخا كفارَ مكةَ الذين كذّبوا بيوم القيامة وأنكروا قدرة الله على أن يبعث الأموات أحياء في ذلك اليوم العظيم.

стр. 14757

أنكر عليهم ووبّخهم أن لا ينظروا بعيونهم نظراً يصحبه التدبر والتفكر والاعتبار إلى هذه الإبل كيف خلقت خلقاً بديعاً فريداً لم يأت على سنن غيرها من الحيوان الداجن: فلحمهَا يؤكل، ولبنها يشرب، وفي أوبارها وجلودها منافع كثيرة، ثم هي ركائب أسفار طويلة مضنية، وحاملات أثقال إلى بلاد دانية ونائية، صبور على الجوع والعطش أياما وليالي، طعامها سهل المنال، وقيادها هيّن لينّ لا يعرف جماحا ولا نفورا. وإلى السماء كيف رفعت من فوقهم عالية بعيدة في علاها، لا تقوم على عمد، وليس فيها من فطور، زانها القمر والشمس والنجوم، فما أجمل وما أروع وما أعظم!!. وإلى الجبال كيف نصبت من فوق الأرض أشكالا عجيبة وأحجاما غريبة وألوانا مختلفة، منها ما يملأ النفس بهجة وسرورا, ومنها ما يملأ القلب هيبة وجلالا، ومنها ما هو جمال ومتاع، ومنها هو رعب وخوف وفزع، بعضها أجرد أقرع عريان عابس، وبعضها مكسوّ بالشجر والزهر والنبات الأخضر، من قممها تتفجر الأنهار، وعلى سفوحها تسيل العيون. وإلى الأرض كيف سطحت، فقطع خضر لا يمل منها بصر، وصحارى واسعة تحبو على وجهها الرمال، وتطير في أجوائها العواصف، وأنهار تدفّق فيتدفق على ضفافها المدن العامرة والجنان الناضرة، وعيون جارية فتجري الحياة في النبت والأنعام وبني آدم، وبحيرات في جنبات الأرض صغيرة وكبيرة، وجزر كثيرة هنا وهناك مبعثرة، وأبحر ومحيطات يطول في أوصافها ومنافعها وألوان جمالها الحديث والبيان. إن الأعين التي تنظر، والقلوب التي تبصر، والعقول التي تفكر وتعتبر، إنها لو نظرت بتأمل، وأبصرت بتدبر، وفكرت بدقة وعمق لأدركت أن القادر على خلق هذه الأشياء التي لا ينظر إليها كفار مكة بتدبر وتفكر قادر على إخراجهم وإخراج الناس جميعا أحياء يوم القيامة وإدخال المنكرين منهم نار جنهم وبئس المصير.

стр. 14758

وإعراب كلمات هذا الاستفهام سهل واضح ومع ذلك أعرب لك (كيف خلقت) : (كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، وصاحب الحال الضمير المستتر في خلقت العائد على الإبل وهو نائب الفاعل للفعل الماضي المبني للمجهول: (خلق) , والتاء تاء التأنيث حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب, وجملة (كيف خلقت) في محل جر بدل اشتمال من الإبل، والمعنى أفلا ينظرون إلىَ الإبل كيفية خلقها. أختي العزيزة: بهذا الذي قد مضى ينتهي حديثي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على (لا) النافية للفعل المضارع، على أنه قد بقي في هذه الرسالة أن أحدثّك عن همزة الاستفهام الداخلة على (لن) النافية الناصبة لهذا الفعل، وهو حديث قصير، فإنّ همزة الاستفهام هذه لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، وكان ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ . الآيات (١٢٣-١٢٥) من آل عمران. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أن الله أخبر عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين الذين كانوا معه في يوم بدر: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ . وكان هذا الاستفهام للتقرير ولطمأنة قلوب المؤمنين، ومعنى التقرير هنا طلب الاعتراف من المؤمنين بما تضمنه السؤال: إما بالإيجاب وإما بالسلب.

стр. 14759

ولما كان من الواضح البينّ أن هذا العدد من الملائكة فيه الكفاية بادر السائل نفسه ﷺ إلى الإجابة بدلا من المؤمنين فقال: (بلى) أي إن هؤلاء الملائكة يكفون. ويحسن هذا الأسلوب وهو أن يقوم السائل نفسه بالإجابة عن سؤاله، يحسن في الأمور البينة التي لا مجال لاختلاف الجواب فيها كهذا الذي ذكر وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ . أختي العزيزة: بهذا تنتهي رسالتي هذه إليك وينتهي حديثي عن همزة الاستفهام الداخلة على الأدوات النافية للفعل المضارع: على (لم) وعلى (لا) وعلى (لن) . سوف أحدثك في الرسالة القادمة إن شاء الله عن همزة الاستفهام الداخلة على أدوات الشرط، أسأله تعالى أن يعين وأن يسدد الخطا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أختك: همزة الاستفهام مراجع ما جاء في هذه الرسالة: أ- المراجع على وجه الإجمال: ١- تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري- الطبعة الثالثة- الناشر: الحلبي بمصر. ٢- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- الناشر: مكتبة ومطبعة النصر الحديثة بالرياض. ٣- تفسير أبي السعود - الناشر: دار المصحف- مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة. ٤- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين- الناشر: الحلبي بمصر. ٥- تفسير ابن كَثير- الناشر: الحلبي بمصر. ٦- تفسير الكشاف للزمخشري- الناشر: الحلبي بمصر. ٧- تفسير القرطبي -نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية- الناشر: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة. ٨- تفسير الفخر الرازي - الطبعة الثانية- الناشر: دار الكتب العلمية بطهران. ٩- إملاء ما منّ به الرحمن لأبي البقاء العكبري - الطبعة الأولى- الناشر: الحلبي بمصر.

стр. 14760

١٠- مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري -تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله- الطبعة الثانية, الناشر: دار الفكر. ب: المراجع على وجه التفصيل: ١- الآية: (١٢٦) التوبة: الطبري: (ج١١ ص ٧٣) . أبو حيان: (ج٥ ص١١٦) . أبو السعود: (ج٤ ص١١٣) . الفتوحات: (ج٢ ص ٣٣٠) . ٢- الآيتان (٥٨-٥٩) يوسف: الطبري: (ج١٣ ص ٨) . الفتوحات: (ج٢ ص٤٦٥) . أبو حيان (ج ٥ ص ٣٢١) أبو السعود: (ج٤ ص ٢٨٨) . ابن كثير: (ج٢ ص ٤٨٣) . ٣- الآية (٨٩) طه: الطبري: (ج١٦ ص ٢٠٢) . الفتوحات: (ج٣ ص ١٠٨) . أبو السعود: (ج ٦ص ٣٦) . ٤- الآية: (٤٤) الأنبياء: الطبري: (ج١٧ ص٣١) . الفتوحات: (ج٦ ص٣١٥) العكبري: (ج٢ ص ٦٥) . ٥- الآية (٧٢) القصص: الطبري: (ج٢٠ ص١٠٣) . الزمخشري: (ج٣ ص١٨٩) . ٦- الآية (٢٧) السجدة: الطبري: (ج٢١ ص١١٤) .الفتوحات: (ج٣ ص٤٢٠) . أبو حيان: (ج٧ ص٢٠٥) . ابن كثير: (ج ٣ ص ٤٦٣) . ٧- الآيتان (٥١-٥٢) الزخرف: الطبري: (ج٢٥ ص٨٠) . أبو السعود: (ج٨ ص٥٠) . ابن كثير: (ج٤ ص ١٢٩) . ٨- الآيتان (٢٠- ٢١) الذاريات: الطبري: (ج٢٦ ص (٢٠٤) . أبو حيان: (ج٨ ص ١٣٦) . ابن كثير (ج٤ ص٢٣٥) . ٩- الآيتان (٧٦-٧٧) البقرة: الطبري: (ج١ ص٣٦٩) . أبو حيان: (ج١ ص٢٧٤) . أبو السعود: (ج١ ص ١١٨) . الفتوحات: (ج١ ص ٦٨) . ١٠- الآيتان: (١٣-١٤) الملك: الطبري: (ج٢٩ ص٦) . أبو حيان: (ج٨ ص٣٠١ ) .أبو السعود: (ج٩ ص٦) . الفتوحات: (ج٤ ص٣٧٧) . ١١- الآيات: (٦-١١) العاديات: الطبري: (ج٣٠ ص٢٨٠) . أبو حيان: (ج٨ ص ٥٠٥) . الفتوحات: (ج٤ ص٥٧٧) . أبو السعود: (ج٩ ص١٩١) . ابن كثير: (ج٤ ص٥٤٢) . العكبري: (ج٢ ص٢٩٢) . ٤ ٢ ١- الآية (٨٢) النساء: الطبري: (ج٥ ص١٧٩) . أبو حيان: (ج٣ ص٣٠٤) . أبو السعود: (ج٢ ص٢٠٧) . ١٣- الآية: (٢٤) محمد: الطبري: (ج٢٦ ص٥٧) . أبو حيان: (ج٨ ص٨٣) . أبو السعود (ج٨ ص٩٩) .

стр. 14761

١٤- الآيات (٣٣-٣٥) ياسين: الطبري: (ج٢٣ ص٤) . أبو السعود (ج٧ ص١٦٦) . ابن كثير (ج٣ ص ٥٧٥) . ٥ ١- الآيات: (٧١-٧٣) ياسين: الطبري: (ج ٢٣ ص ٢٨) ابن كثير: (ج ٣ ص ٠ ٥٨) . ٦ ١- الآيات: (٨٥ـ ٩٦) الصافات: الطبري: (ج ٢٣ ص ٧٢) أبو السعود: (ج ٧ ص ١٩٨) القرطبي: (ج ١٥ص٩٤) . ١٧- الآيات (٢٤! ٢) الذاريات: الطبري: (ج ٢٦ ص ٢٠٨) أبو حيان: (ج ٨ ص ١٣٩) أبو السعود: (ج ٨ ص ١٤٠) الفتوحات (ج ٤ ص ٢٠٥) . ١٨- الآية (٥٠) الأنعام: أبو حيان: (ج٤ ص١٣٣) . أبو السعود: (ج٣ ص ١٣٧) الرازي: (ج١٢ ص٢٣٠) . الفتوحات: (ج٢ ص٣٢) . ١٩- الآيتان: (٧٣-٧٤) المائدة: أبو حيان: (ج٣ ص٥٣٦) . أبو السعود: (ج٣ ص٦٧) . ٢٠- الآيتان: (٦٦-٦٧) مريم: الطبري: (ج١٦ ص١٠٦) . أبو حيان: (ج٦ ص٢٠٥) . أبو السعود: (ج٥ ص٢٧٤) . الزمخشري: (ج٢ ص ٥٢٨) . ٢١- الآية (٣٠) الأنبياء: الطبري: (ج١٧ ص١٩) . أبو حيان: (ج٦ ص٣٠٧) . أبو السعود: (ج٦ ص ٦٥) . ٢٢- الآية: (٢٢) النور: الطبري: (ج١٨ ص١٠١) . ابن كثير: (ج٣ ص٢٧٦) . أبو حيان: (ج٦ ص٤٤٠) . أبو السعود: (ج٦ ص١٦٥) . ٢٣- الآيات: (٢٣-٢٥) الشعراء: ابن كثير: (ج٣ ص٣٣٣) . أبو السعود: (ج٦ ص٢٣٩) . أبو حيان: (ج٧ ص١٢) . ٢٤- الآيات: (١-٦) المطففين: الطبري: (ج٣ ص٩٠) . أبو حيان: (ج٨ ص ٤٣٨) . أبو السعود: (ج٩ ص١٢٤) . الفتوحات: (ج٤ ص٥٠٢) القرطبي: (ج١٩ ص٢٥٤) . ٢٥- الآيات: (١٧-٢٠) الغاشية: الطبري: (ج٣٠ ص١٦٥) . أبو حيان: (ج٨ ص٤٦٤) . أبو السعود: (ج٩ ص١٥٠) الفتوحات: (ج٤ ص٥٢٧) . القرطبي: (ج٢٠ ص٣٤) . الزمخشري: (ج٤ ص٢٤٧) . المغني لابن هشام: (ج١ ص٢٢٧) . ٢٦- الآيات: (١٢٣-١٢٥) آل عمران: أبو حيان: (ج٣ ص٥٠) . الزمخشري: (ج١ ص ٤٦١) . الفتوحات: (ج١ ص٣١١) . ٢٧- الآية (٧١) القصص: الطبري: (ج٢٠ ص١٠٣) . أبو السعود: (ج٧ ص٢٣) (الفتوحات ج٣ ص ٣٥٨) .

стр. 14762

٢٨- الآية (٢٦) السجدة: الطبري: (ج ٢١ ص١١٣) أبو السعود: (ج٧ ص٨٧) .

стр. 14763

الأدب الإسلامي.. وعلاقته بالمجتمع والحياة د. نجيب الكيلاني عالجت كتب الدراسات الأدبية ذلك الموضوع القديم والجديد معاً، ألا وهو علاقة الأدب (أو الأديب) بالحياة. وعندما نقرأ آراء النقاد البارزين ومؤرخي الأدب، وروّاد المدارس الأدبية المختلفة، ندرك أنهم يقتربون كثيراً في مفاهيمهم العامة، وان بدت الخلافات عميقة جداً في بعض الأحيان، كما يحدث بين الكلاسيكيين والرومانسيين مثلاً، أو كما يحدث بين الواقعيين والرمزيين، لكن يظل الأدب دائما وأبداً وثيق الصلة بالحياة، سواء احتفي بالعقل كما هو عند الرومانسيين، أو ركز على العاطفة مثلما يحدث لدى الرومانسيين، وسواء ارتبط بالواقع المحسوس الملموس، أو اهتم بالمثاليات والغيبيات والسمو الروحي كالذي يفعله الرمزيون، فلكل أديب حياته الخاصة والعامة، وله معتقداته التي يؤمن بها. ما نريد أن نقوله أن الحياة واسعة وعميقة، وهي تشمل ما هو داخلُ "الذات "أو خارجها، وتنصهر في بوتقتها المظاهر العديدة، والثقافات المتنوعة، والتقاليد الراسخة، والمعتقدات المتباينة، والحياة في حركة موارة دائبة، تزدحم بالأحداث، وترتج بالصراعات، وتضطرم بالانفعالات والتفاعلات الصاخبة، ومما لا شك فيه أن كل عصر يترك بصماته على البيئات، ويؤثر على الأفراد والجماعات, وبإيجاز كبير فإن مادة الحياة غنية، بحيث يجد الأديب -أيّ أديب مهما كان منزعه- العناصر اللازمة لعمله الفني، وفقاً لمزاجه وتصوراته ومعتقداته وأهدافه.

стр. 14764

الأديب إذن يستمد من الحياة، وينهض أدبه وينمو ويتحرك بما فيه من عناصر تلك الحياة، باعتبار الأديب كائناً حياً. ويؤثر ذلك الأدب تأثيراًَ متفاوتاً في الأفراد والجماعات، فلكم سمعنا أو قرأنا عن أديب أو كتاب معين ساهم في دفع الحياة وتوجيهها، وكان سبباً في حركة تغيير كبيرة، وقد يتناول التغيير أو التأثير مستويات ثقافية بعينها، أو يتناول القاعدة الشعبية العريضة ككل.. وإذا كان الأدب -كما يقال- تعبير عن الحياة وسيلته اللغة، إلا أنه لا يقدم لنا صوراً فوتوغرافية، أو فعلاً حرفياً لتلك الحياة، "لكنه يعبر عنها أو يفسرها أو ينقدها، أو ينقل إلينا فهم الأديب للحياة"، فضلاً عن عملية التأثير في المتلقي، إذ أنها هدف أساسي وإيجابي للأديب الجاد. من هنا نستطيع أن نقول إن الأديب الحق هو الأديب الذي يتخذ موقفاً عقائدياً أو فكرياً من المجتمع، ويؤثر في ذلك المجتمع، وهكذا نرى أن اختيار الأديب لموقفه الفكري أو لمضمون عمله الأدبي إنما يستند على دعامتين، أساسيتين: الأولى: المعتقد الفكري للأديب: الثانية: التشخيص الصحيح لمشاكل المجتمع وسلبياته واحتياجاته والأسلوب الأمثل لحركته الشاملة. الارتباط بين الدعامتين ارتباط عضوي، ومن ثمّ من الصعب الفصل بينهما، لما بين الدعامتين من علاقة متبادلة، وتأثير متبادل أيضا.

стр. 14765

والأدب الإسلامي يتواءم مع هذه المفاهيم الاجتماعية للأدب، بل إن هذه العلاقة بين الأدب والحياة، أو الأدب والمجتمع، علاقة واضحة في فكر الأديب المسلم، الذي يدرك أبعاد رسالته، ويعي تجاربه الحضارية، ويفهم التلاحم الوثيق بين المبادئ الإسلامية وحركة الحياة على مدار العصور، ولقد حفل الفكر الإسلامي بعناصر القوة والتجدد والحركة والابتكار طوال حقب التاريخ، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كانت تلك الحركة العلمية، والتراث الفكري، واتصال عملية الاجتهاد والتجاوب مع ما يجدّ من أحداث الحياة وصورها، ولما ساهمت هذه الأصول الحضارية في إثراء الفكر الغربي، وإثارة الحماسة لنهضته الحديث، ولا ما فتحت الثقافة الإسلامية من قبل نوافذها وأبوابها أمام ترجمات التراث العالمي من اليونان والهند وفارس وغيرها، ولما قامت بحركة التقييم والتصحيح لما انحرف من هذا التراث القديم، أو ضل الطريق، ومن ثم أخرجت فكراً إسلاميا مؤثراً متميّزا مازال يتألّق بروائعه، في شتى الفروع، حتى عصرنا هذا ... والأدب الإسلامي، تحت مظلة العقيدة الإسلامية الشاملة، يهدف أول ما يهدف إلى تكوين الفرد المسلم، ثم المجتمع المسلم، ويهتم بكل صغيرة وكبيرة للأفراد والجماعات، ويتمثل أمراضهم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ويثير في النفوس الرغبة للعمل الجاد، والبناء الصامد، ويجعل من ذلك العمل قيمة لا تقل عن العبادة، بل ويجعل من التفكير والتأمل أيضاً فرعاً من العبادة "لا عبادة كالتفكر"، وبمارس في الواقع فعل الخيرات والتمسك بالإيثار والحب والعدل، ومحاربة الرذائل والمفاسد والمظالم، وصور الاستغلال والتحلل والإباحية، ويربط حياة الفرد، وحركة الجماعة بآداب ونظم وشرائع محكمة، هي مقياس الإيمان الصحيح، والطريق إلى مرضاة الله.

стр. 14766

ذلك هو المضمون الفكري للأدب الإسلامي، سواء أكان قصة أو رواية أو مسرحية أو قصيدة أو فيلماً سينمائياً أو تليفزيونياً، ويخطئ من يظن أن الأدب الإسلامي الصحيح ينافق المجتمع، أو يماليء السلطات الجائرَة، أو يعتصم بالجمود والتخلف والرجعية الفاسدة، أو يعتسف حلولاً لقضايا الناس وعللهم لا تمتّ إلى الواقع بصلة، فالعلاقة بين المعتقدات وبين حركة الحياة كما قلنا علاقة فهم وتبادل، وليست علاقة جهل أو تعسف. والمسلم الحق لا يعيش في برج عاجي، أو يعتزل موكب الحياة الصاخب، فهو عامل وصانع ومفكر وعالم وطبيب ومهندس وفلاح وحرفي، وهو باحث اجتماعي، وقوة سياسية فاعلة، وباحث نفسي متعمق، والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يكون لبناته أفراد مسلمون، لكن هذا الذوبان الاجتماعي، لا يلغي شخصية الفرد المسلم، ولا يقضي على تميّزه أو فرديته، ورحم الله الشاعر الفيلسوف محمد إقبال إذ يقول في إحدى قصائده: وهو في الحشد طليق. هو في المجمع خالٍ: حفل: فريد ورفيق مثل شمع الحفل في ال

стр. 14767

وإذا تعمّقنا هذا التصور تعمقاً صحيحاً، نجد أن الأدب كقيمة اجتماعية، هو في الواقع قيمة إسلامية، نعم قيمة إسلامية من ناحية المضمون الفكري، ومن ناحية المجتمع الإسلامي المثالي الذي ينشده ذلك الأدب الإسلامي، ولا افتئات في ذلك، أو مجافاة لواقع الحَياة وحقيقتها، وعلى الرغم من نشوء تيَارات وفلسفات فكرية مخالفة في المجتمعات الإسلامية، وفي المجتمعات الشرقية أو الغربية، إلا أن التيار الإسلامي يبقى راسخاً صامداً، يواجه تلك النزعات المنحرفة، على ضوء التجارب التاريخية وَالمعاصرة، ومن خلال الممارسات التي أفرزت الكثير من الكوارث العالمية، على صعيد السياسة والأخلاق والاقتصاد، إنّ مجتمعا كالمجتمع الأمريكي تحدث فيه جريمة كل ثلاث ثوان، يعني أن ذلك المجتمع والمجتمعات المشابهة له تقف على أبواب فاجعة كبرى، وهناك ملايين الأطفال الذين يموتون جوعاً، في الوقت الذي تقذف فيه الدول الغنية بملايين الأطنان من المواد الغذائية في البحار، للحفاظ على السعر المرتفع لتجاراتها، وهناك الحروب العنصرية، والمجازر الطائفية في الهند وأفغانستان والفلبين وآسيا وأمريكا اللاتينية وروسيا ... فليس بدعاً أن يقف الأدب الإسلامي في هذا العصر، ويدين بقوة تلك المآسي المدمرة، ويحاول -عبر الأشكال الفَنية المستحدثة- أن يفسر ويحلل وينقد ويؤثر، ويزرع الأمل في النفوس، موحيا إليهم بالحياة الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، وإلى التجربة الحضارية الفذة لعصور الإِسلام المزدهرة. فهل إذا أدّى الأدب الإسلامي هذه الرسالة يكون منافياً لروح العصر؟؟. أو يكون مجافياً لاحتياجات الواقع الاجتماعي؟؟. أو يكون متعسفاً وجائراً عندما يقدّم الحل الإسلامي؟؟.

стр. 14768

إنّ صدق التعبير لا يعني الرضا بالواقع المرير، وتكريس ما هو كائن، والسير في ركاب الانحراف بحجة العصرية والحرية؟؟ إنّ تجسيد تلك المأساة على أسس ومقاييس إلهية موضوعية هو الصدق، وإن شفاء الأرواح والقلوب والعقول هدف أسمى، وبداية صحيحة، وإن إزالة الأنقاض والخرائب، تمهيداً لبناء صحي شامخ هو الحل، ولما يوظف الأدب الإسلامي الصحيح في تأديب العنصرية والطبقية والإباحية، لكنه دائماً وأبدا مشعل حق، ومبعث هداية وعامل بناء وسعادة ورفاهية وطاعة، وتآلف وتراحم. إنّ الأوضاع الراهنة قد توحي بالحسرة بل واليأس أحياناً، فالفساد قد تسلح بمختلف الأسلحة الحديثة من فكر وإعلام وفيالق مدربة وقوى خفية تعمل من وراء ستار، وأنوار النيون البراقة قد غطّت على سمات الفضيلة, والحب والمغريات قد غزت عقول الناس وأرواحهم، فتحوّلت الأشواق العلوية إلى مطالب مادية، وملذات جسديه، واحتفت الآداب العالمية بالغرائز وعنفها واشتعالها، وركزّت على إشباع الرغبات الرخيصة، وأنماط الحياة المترهلة الكسلى، والمتع الزائلة، وأصبح ذلك كله هدفاً في حد ذاته. وهذا ليس بجديد على تاريخ البشرية، فالناظر في صفحات الماضي، سوف يجد مثيلاً أو شبيهاً له فيما مضى من حضارات ومدنيات وأحداث، ولا يصح أن نخدع باختلاف العصر والأسماء والأزياء ووسائل الحرب والحياة الجديدة. لكن يبقى أن يكون الأدب الإسلامي كما نقول دائماً، على وعي كامل بنشوء تلك الظواهر الشاذة، وأسباب تلك الأَمراض الاجتماعية وأعراضها، وأن يكون لديه حصيلة كافية من الممارسات والتجارب ومختلف الثقافات، حتى يلعب دوره الاجتماعي -أعني الديني- عن وعي وبصيرة، وأن يكون نداً لحملة الأقلام في أي موقع، محلياً كان أم عالمياً، ولسوف يجد الأديب الإسلامي حافزاً قوياً، يحرّك مشاعره، ويجلي موهبته، وينشط

стр. 14769

فكره: وليترنم دائماً بذلك التعبير القرآني الإلهي: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَه, ُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (الأنعام: ١٦٢- ١٦٣) . إن أحد نقادنا الكبار -د. عز الدين إسماعيل- يقول "مؤلفات كبار الكتاب تهدي إلى السلوك بأوسع معانيه، لأنها تكشف عن النظام الدقيق، وعن الحكمة والتوافق بين العناصر المختلفة، وألا تبدد الحياة أجزاء لا معنى لها. والعمل الأدبي يرتاد بنا الحياة ويخلق بيننا وبينها علاقات جديدة من الفهم والمعرفة ... ". والآن أهناك شك في أن التزام أدبنا المعاصر بالإسلام تشريف لهذا الأدب، وسمو بتلك المجتمعات التي عانت وتعاني مرارة القهر واليأس والحرمان منذ سنوات طويلة؟؟. تعلموا العلم روي عن معاذ بن جبل –﵁ أنه قال: "تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلم صدقة وبذله لأهله قربة. وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على الدين، والمصبّر على البأساء والضراء. يرفع الله به أقواما, فيجعلهم في الخير قادة سادة, هداة يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتصى آثارهم وترمق أفعالهم... يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلا، والتفكر فيه يعدل بالصيام, ومدارسته بالقيام ... به يطاع الله ، وبه يعبد, وبه يوحد ويمجد، وبه يتورع, وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام ... وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعدية ويحرمه الأشقياء ... "

стр. 14770

صفحة لغة لا تقل.. وقل للأستاذ الدكتور: عبد العظيم علي الشناوي رئيس قسم اللغويات بالجامعة ملحوظة: قد يجوز في بعض اللهجات بعض ما منعناه, ولكن النحويين أهملوا تلك اللهجات لأنها لم تأخذ مكانها ف الأساليب العربية الفصيحة الواردة عن جمهور العرب. وقل: فتاة غيور لا تقل: فتاة غيورة وقل: امرأة صبور ولا تقل: امرأة صبورة وقل: هي طموح ولا تقل: هي طموحة وذلك لأن (فعولا) بمعنى (فاعل) لا يقبل التاء ولو كان وصفا لمؤنث. قال ابن مالك: "ولا تلي فارقة فعولا أصلا". أي أن التاء لا تلي فعولا فارقة بين المؤنث والمذكر إن كان أصلا أي بمعنى فاعل, فإن كان فعول بمعنى مفعول وجاء وصفا لمؤنث جاز دخول التاء وعدم دخولها نحو ناقة ركوب وركوبة, وشاة حلوب وحلوبة. وقس على ما ذكرنا فلا تقل: معدة هضومة وقل: معدة هضوم, وهكذا. وقل: نحن فُخرُ. لا تقل: نحن فخورون وقل: نحن صُبرُ. ولا تقل: نحن صبورون وقل: نحن غُيُر. ولا تقل: نحن غيورون ذلك لأنه يشترط في الصفة التي تجمع جمع مذكر سالما قبول التاء, وفعول بمعنى فاعل لا يقبل التاء -كما عرفت- فلا يجمع جمع مذكر سالما, وإنما يجمع جمع تكسير على فُعُل, كقول الصحابي: "نحن صبُرُ عند اللقاء, صدق في المقال", وقول الشاعر: غُفُر ذنبهم غير فُخُر ثم زادوا أنهم في قومهم وقل: امرأة غضبى. لا تقل: امرأة غضبانة وقل: امرأة سكرى. ولا تقل: امرأة سكرانة وقل: امرأة عطشى. ولا تقل: امرأة عطشانة وذلك لأن جمهور العرب لم يؤنث فعلان صفة بالتاء وإنما أنثه بالألف كما مثلنا: وقل: هم سُكارى أو سكرى. لا تقل: هم سكرانون وقل: هم غضابى أو غضبى أو غِضاب. ولا تقل: هم غضبانون وقل: نحن عِطاش. ولا تقل: نحن عطشانون

стр. 14771

وذلك لأن هذه الصفة لا تقبل التاء فلا تجمع جمع مذكر سالما. وقد عرفت ذلك آنفاً. وهذا وبالله التوفيق،،،

стр. 14772

غريب يبحث عن غريب للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي مدير المعهد الثانوي التابع للجامعة والحب تطلبه النفوس وتقبل العشق يسكن في القلوب فيقتل حينًا فتمسكها وحينًا ترسل وتصارع الأشواق في سكراتها يسعى إليها جاهداً ويهرول كل يروم محبة لينالها ضل الطريق إلى الحبيب فيفشل يفني الحياة لأجلها ولربما يتلمس الأعوان فيه فيخذل فيظل طول طريقه متعثراً هو في فؤادي ساكن متغلغل أنا لي حبيب حبه في مهجتي من نبعه الصافي دواما أنهل هو راحتي هو قوتي هو عزتي كالأمس يدنو للمحب ويقبل يا صاح ما بال الحبيب فلم يعد أتراه يتركنا وعنا يرحل قد غاب عن عيني سوى أطيافه ونسير بين العالمين ونسأل هيا بنا يا صاح نطلب إثره فلعله فيها يقيم وينزل أرني بلاد العرب فهو يحبها فلعلنا نجد الحبيب فندخل وأقصد بلاد الشام وأطرق بابها إن قيل من هو قل إمام عادل وأدخل دمشق فربما عمر بها أو هل ترى القعقاع وهو يهلل قف في ربا اليرموك هل ترى خالدا كالأمس هاهي قد بدت تتبدل ماذا دها الشام الحبيبة لم تعد ولكم تشد لها الرحالَ وتنقل لا تنس أولى القبلتين نزورها أمروا إلى البلد الحرام تحولوا صلى إليها المسلمون وحينما أيدي اليهود الغاصبين مكبل من يخبر الفاروق أن القدس في عن عالم الإِسلام يومًا يعزل ما كان يخطر للقلوب بأنه إني لأذكره ودمعي يهطل واليوم في لبنان ينزف للقلوب بأنه من آمنين وكم نساء رملوا كم من رضيع يتموه وخوفوا ساموهمو سوء العذاب ونكلوا عاثوا فسادًا في البلاد وأهلها يا أمة الإسلام أمر مخجل فإلى متى والذل فوق رقابنا بغداده دار الرشيد ومنزل هيا بنا نحو العراق فكان في

стр. 14773

في أي أرض شئت قطرك ينزل من خاطب المزن الثقال بقوله بالعدل يأتينا ولو لم نسأل فلسوف يأتيني خراجك إنه قد كان صحبته أقول تمهلوا والقادسية هل ترى سعدا ومن مما يشيب له الوليد ويذهل حتى تروا ماذا جرى من بعدكم قالوا رويدك قد مضى أفتجهل وسألت أرض النيل هل عمرو بها لاقيت فيها من أحب وأقبل يا صاحبي عودًا إلى الحرمين إن أنا لم أجدها بل إلي يخيل يا رب هل أنا في بلاد العرب أم هيا لأندلس ودعني أسال ارحل بنا يا صاح نطلب غيرها من ضيعوا الملك العظيم وأهملوا يا أهل أندلس أجيبوا من همو يدري حقيقتها فسارع يعمل يا صاح عن أفريقيا أرأيت من ظلمًا فمن لمصيرها يتحمل أو يترك الباغي يعيث بأهلها قد أعجز الإِلحاد شعب أعزل هيا إلى الأفغان إن جهادهم للمسلمين به الصعاب تذلل لكنه الإِيمان أعظم قوة فالجسم منها بالهزائم مثقلُ كيف الخلاص لأمتي مما بها والمستجيب لما سواه سيخذل الله ينصر من يجيب لأمره فالموت في أشلائها يتسللُ كثرت مصائب أمتي فتمزقت ح وزهرنا في كل يوم يذبل في كل أرض نشتكي ألم الجرا لكننا نحو الظلام نهرول النور ننبذه ولاء ظهورها والسنة الغرا كذاك وأغفلوا يا ويل قوم ضيعوا قرآنهم والنور والأحزاب والمزمل ولسورة الأنعام فيها منهج وهناك من يذكى الخلاف ويشعل ساد الشقاق مع التفرق بينهم في حضنهم وهدى المهيمن أكمل ظنوا الكمال لدى العدل فتهافتوا أقوى نظام للحياة وأشمل وتلمسوا نظمًا تصاغ وفيهم من بأسه وببعضهم قد أشغلوا في كل يوم والعدو يذيقهم فالله يجزى بالجميل ويجزل يا أمة الإسلام هل من توبة فالباب مفتوح فهيا فادخلوا توبوا إلى الرحمن توبة صادق للحق والأعدا تتزلزل

стр. 14774

أين الشباب اليوم هل من يقظة عن جسم أمتنا الجريح ونغسل ونزيل أدران الهزائم كلها بالنصر يأتيكم فلا تستعجلوا فترسموا نهج الرسول وأيقنوا لله وجهتكم عليه توكلوا وعلى المحجة فاستقيموا ولتكن كم نكبة أسبابها المستعجل؟ وسلوا الثبات من المهيمن وأكاد من ألم الحقيقة أقتل وأقولها، والحزن يعصر مهجتي الموت خير للجبان وأجمل كم من خبايا في الزوايا إنما إني أنا الإسلام يا من تسأل يا صاحبي وأراك تسأل من أنا

стр. 14775

من تراثنا الشعري للشاعر: أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي لقبيح ما يأتي فليس بِزَاكِ من ليس بالباكي ولا المتباكي ما عدّ في الأكياس من لَباكِ [١] نادت بي الدنيا فقلْتُ لها: اقْصِري منه امرؤ صَافاكِ أو دَاناكِ ولما صفا عند الإلهِ ولا دنَا ولو اهتديت لما انخدعت لِذاكِ ما زلت خادعتي ببرق خُلَّب وكأن به قد قُصَّ في أشْراكي [٢] قالت: أغرَّكَ من جناحك طوله إلا وقد نصبت عليه شباكي تالله ما في الأرض مَوْضعُ راحة عان بها لا يرتجى لِفَكاك طِرْ كيف شئت فأنت فيها واقع فعليّ صرْعَتُهُ بغير عِراكِ [٣] من كان يصرع قرنه في معرك ولقد بَطَشْتُ بذي السلاح الشَّاكي ما أعرف العضب الصقيل ولا القنا ولكم فتكت بأفتك الفُتَّاكِ كم ضَيْغَمٍ عفرته بعرينه أجزيت بالبغضاء من يَهْواكِ فأجبتها متعجباً من غدرها أسراك أو جرحاك أو صَرعاكِ لأجلت عيني في بنيك فكلهم قطعوا مدى أعمارهم بِقِلاَكِ [٤] لو قارَضوكِ على صنيعك فيهم فتهافتوا حرصاً على حَلْواكِ [٥] طُمسَتْ عقولهم ونور قلوبهم في الأرى حتى استؤصلوا بهَلاكِ [٦] فكأنهم مثل الذباب تساقطت عطفاً عليه وأنت ما أقْسَاك ولقد عهدنا الأم تلطف بابنها إلا سَيُهْشَمُ في ثفال رَحاكِ [٧] ما فوق ظهرك قاِطنٌ أو ظاعنٌ بين الضلوع فما أعَز دَواكِ أنت السراب وأنت داء كامن لله ربي أن أشق عَصاكِ [٨] يُعْصى الإله إذا أطعت وطاعتي وعُقوقهنَّ محرم إلاّكِ! فرض علينا برنا أماتنا
следующие страницы →