Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.
стр. 14771
وذلك لأن هذه الصفة لا تقبل التاء فلا تجمع جمع مذكر سالما. وقد عرفت ذلك آنفاً.
وهذا وبالله التوفيق،،،
стр. 14772
غريب يبحث عن غريب
للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي
مدير المعهد الثانوي التابع للجامعة
والحب تطلبه النفوس وتقبل
العشق يسكن في القلوب فيقتل
حينًا فتمسكها وحينًا ترسل
وتصارع الأشواق في سكراتها
يسعى إليها جاهداً ويهرول
كل يروم محبة لينالها
ضل الطريق إلى الحبيب فيفشل
يفني الحياة لأجلها ولربما
يتلمس الأعوان فيه فيخذل
فيظل طول طريقه متعثراً
هو في فؤادي ساكن متغلغل
أنا لي حبيب حبه في مهجتي
من نبعه الصافي دواما أنهل
هو راحتي هو قوتي هو عزتي
كالأمس يدنو للمحب ويقبل
يا صاح ما بال الحبيب فلم يعد
أتراه يتركنا وعنا يرحل
قد غاب عن عيني سوى أطيافه
ونسير بين العالمين ونسأل
هيا بنا يا صاح نطلب إثره
فلعله فيها يقيم وينزل
أرني بلاد العرب فهو يحبها
فلعلنا نجد الحبيب فندخل
وأقصد بلاد الشام وأطرق بابها
إن قيل من هو قل إمام عادل
وأدخل دمشق فربما عمر بها
أو هل ترى القعقاع وهو يهلل
قف في ربا اليرموك هل ترى خالدا
كالأمس هاهي قد بدت تتبدل
ماذا دها الشام الحبيبة لم تعد
ولكم تشد لها الرحالَ وتنقل
لا تنس أولى القبلتين نزورها
أمروا إلى البلد الحرام تحولوا
صلى إليها المسلمون وحينما
أيدي اليهود الغاصبين مكبل
من يخبر الفاروق أن القدس في
عن عالم الإِسلام يومًا يعزل
ما كان يخطر للقلوب بأنه
إني لأذكره ودمعي يهطل
واليوم في لبنان ينزف للقلوب بأنه
من آمنين وكم نساء رملوا
كم من رضيع يتموه وخوفوا
ساموهمو سوء العذاب ونكلوا
عاثوا فسادًا في البلاد وأهلها
يا أمة الإسلام أمر مخجل
فإلى متى والذل فوق رقابنا
بغداده دار الرشيد ومنزل
هيا بنا نحو العراق فكان في
стр. 14773
في أي أرض شئت قطرك ينزل
من خاطب المزن الثقال بقوله
بالعدل يأتينا ولو لم نسأل
فلسوف يأتيني خراجك إنه
قد كان صحبته أقول تمهلوا
والقادسية هل ترى سعدا ومن
مما يشيب له الوليد ويذهل
حتى تروا ماذا جرى من بعدكم
قالوا رويدك قد مضى أفتجهل
وسألت أرض النيل هل عمرو بها
لاقيت فيها من أحب وأقبل
يا صاحبي عودًا إلى الحرمين إن
أنا لم أجدها بل إلي يخيل
يا رب هل أنا في بلاد العرب أم
هيا لأندلس ودعني أسال
ارحل بنا يا صاح نطلب غيرها
من ضيعوا الملك العظيم وأهملوا
يا أهل أندلس أجيبوا من همو
يدري حقيقتها فسارع يعمل
يا صاح عن أفريقيا أرأيت من
ظلمًا فمن لمصيرها يتحمل
أو يترك الباغي يعيث بأهلها
قد أعجز الإِلحاد شعب أعزل
هيا إلى الأفغان إن جهادهم
للمسلمين به الصعاب تذلل
لكنه الإِيمان أعظم قوة
فالجسم منها بالهزائم مثقلُ
كيف الخلاص لأمتي مما بها
والمستجيب لما سواه سيخذل
الله ينصر من يجيب لأمره
فالموت في أشلائها يتسللُ
كثرت مصائب أمتي فتمزقت
ح وزهرنا في كل يوم يذبل
في كل أرض نشتكي ألم الجرا
لكننا نحو الظلام نهرول
النور ننبذه ولاء ظهورها
والسنة الغرا كذاك وأغفلوا
يا ويل قوم ضيعوا قرآنهم
والنور والأحزاب والمزمل
ولسورة الأنعام فيها منهج
وهناك من يذكى الخلاف ويشعل
ساد الشقاق مع التفرق بينهم
في حضنهم وهدى المهيمن أكمل
ظنوا الكمال لدى العدل فتهافتوا
أقوى نظام للحياة وأشمل
وتلمسوا نظمًا تصاغ وفيهم
من بأسه وببعضهم قد أشغلوا
في كل يوم والعدو يذيقهم
فالله يجزى بالجميل ويجزل
يا أمة الإسلام هل من توبة
فالباب مفتوح فهيا فادخلوا
توبوا إلى الرحمن توبة صادق
للحق والأعدا تتزلزل
стр. 14774
أين الشباب اليوم هل من يقظة
عن جسم أمتنا الجريح ونغسل
ونزيل أدران الهزائم كلها
بالنصر يأتيكم فلا تستعجلوا
فترسموا نهج الرسول وأيقنوا
لله وجهتكم عليه توكلوا
وعلى المحجة فاستقيموا ولتكن
كم نكبة أسبابها المستعجل؟
وسلوا الثبات من المهيمن
وأكاد من ألم الحقيقة أقتل
وأقولها، والحزن يعصر مهجتي
الموت خير للجبان وأجمل
كم من خبايا في الزوايا إنما
إني أنا الإسلام يا من تسأل
يا صاحبي وأراك تسأل من أنا
стр. 14775
من تراثنا الشعري
للشاعر: أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي
لقبيح ما يأتي فليس بِزَاكِ
من ليس بالباكي ولا المتباكي
ما عدّ في الأكياس من لَباكِ [١]
نادت بي الدنيا فقلْتُ لها: اقْصِري
منه امرؤ صَافاكِ أو دَاناكِ
ولما صفا عند الإلهِ ولا دنَا
ولو اهتديت لما انخدعت لِذاكِ
ما زلت خادعتي ببرق خُلَّب
وكأن به قد قُصَّ في أشْراكي [٢]
قالت: أغرَّكَ من جناحك طوله
إلا وقد نصبت عليه شباكي
تالله ما في الأرض مَوْضعُ راحة
عان بها لا يرتجى لِفَكاك
طِرْ كيف شئت فأنت فيها واقع
فعليّ صرْعَتُهُ بغير عِراكِ [٣]
من كان يصرع قرنه في معرك
ولقد بَطَشْتُ بذي السلاح الشَّاكي
ما أعرف العضب الصقيل ولا القنا
ولكم فتكت بأفتك الفُتَّاكِ
كم ضَيْغَمٍ عفرته بعرينه
أجزيت بالبغضاء من يَهْواكِ
فأجبتها متعجباً من غدرها
أسراك أو جرحاك أو صَرعاكِ
لأجلت عيني في بنيك فكلهم
قطعوا مدى أعمارهم بِقِلاَكِ [٤]
لو قارَضوكِ على صنيعك فيهم
فتهافتوا حرصاً على حَلْواكِ [٥]
طُمسَتْ عقولهم ونور قلوبهم
في الأرى حتى استؤصلوا بهَلاكِ [٦]
فكأنهم مثل الذباب تساقطت
عطفاً عليه وأنت ما أقْسَاك
ولقد عهدنا الأم تلطف بابنها
إلا سَيُهْشَمُ في ثفال رَحاكِ [٧]
ما فوق ظهرك قاِطنٌ أو ظاعنٌ
بين الضلوع فما أعَز دَواكِ
أنت السراب وأنت داء كامن
لله ربي أن أشق عَصاكِ [٨]
يُعْصى الإله إذا أطعت وطاعتي
وعُقوقهنَّ محرم إلاّكِ!
فرض علينا برنا أماتنا
стр. 14776
سيَّان فقرك عندنا وغِناكِ
ما إن يدوم الفقر فيك ولا الغنى
قد باشروا بعد الحرير ثَراكِ [٩]
أين الجبابرة الألى ورَياشُهُمْ
فتعوضوا منها رداء ردَاكِ
ولطالما رُدُّوا بأردية البها
فغدت مُسَجَّاةً بثوب دُجاكِ
كانت وجوههم كأقمار الدُّجا
رب الجميع، وقاهر الأمْلاكِ [١٠]
وعنت لقيوم السماوات العل
لزهدت فيك ولابْتَغَيتُ سِواكِ
وجلال ربي لو تصح عزائمي
وشددت إيماني بنقض عُراكِ
وأخذت زادي منك من عمل التقى
ولما رآني الله تحت لِواكِ
وحططت رحلي تحت ألوية الهدى
فترى بلا أرض ولا أفْلاك
مهلا عليك فسوف يلحقك الفنا
ليكون يرضى غير من أرضاكِ
ويعيدنا رب أمات جميعنا
إلا لبيب لم يزل يَشنْاكِ
والله ما المحبوب عند مليكه
يضحكن حبا للولي الباكي
هجر الغَواني واصلاً لعقائل
تبكي الهديل على غصون أراكِ
إني أرقت لهن لا لحمائم
تصفو وتحمد عيشة النّسّاكِ
لا عيش يصفو للملوك وإنما
عدد النجوم وعِدَّةَ الأمْلاكِ [١١]
ومن الإلهِ على النبي صلاته
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أقصر (بهمزة القطع) : انتهى، وسهّلها الشاعر ضرورة.
[٢] ضبطت الكاف من (أغرك) و (جناحك) بالكسر في الأصل المخطوط قلت. وانظر الخطاب بعد ذلك.
[٣] القِرن بالكسر كفؤك في الشجاعة، أو هو عام.
[٤] في الأساس: فلان يقارض الناس مقارضة: يلاحيهم ويواقعهم. وعن أبي الدرداء: "إن قارضت الناس قارضوك وإن تركتَهم لم يتركوك".
[٥] في الأساس: طمس الأثر، وطمسته الريح.
[٦] الأرى: العسل.
стр. 14777
[٧] الثقال: الحجر االأسفل من الرحى.
[٨] شق العصا: قال في القاموس. هي مخالفة جماعة الإسلام
[٩] الرياش والريش (بمعنى) وهو اللباس والفاخر، ومنه قوله تعالى، ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ .
[١٠] في التنزيل الحكيم (طه ٢٠ /١١١) ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ والأملاك ج ملك.
[١١] قلت: الظاهر من البيت أن يريد بالأملاك: الملائكة.وفي القاموس: الملك تجمع على ملائكة وملائك.
стр. 14778
الأقراص - الحبوب - الكبسول
Capsules pills tablets
صيدلي/ حمدي إبراهيم علي إبراهيم
مستشفي الجامعة الإسلامية
يمكن تعاطي العقاقير بطرق عديدة.
ويعتبر التعاطي عن طريق الفم هو أشهر هذه الطرق وأبسطها وكثرها أمناً, بل وأفضلها من الناحية الاقتصادية.
وهَناك بعض الاستثناءات النادرة التي نضطر فيها إلى أخذ الدواء عن طريق آخر.
فقد يتأثر العقار بإفرازات المعدة ويعتبر غير ذي فعالية كما في الأنسولين insulin والأدرينالين adrenaline.. وبعض الأدوية بالرغم من عدم تأثرها بالعصارات المعدية ولكنها عديمة الامتصاص. ولذلك لا يعتمد عليها إلا في التأثير الموضعي داخل المعدة والأمعاء كما في حالات الإصابات المعوية أو لتقليل البكتريا الموجودة في الأمعاء الغليظة قبل إجراء العمليات الجراحية فيها.
ومن هذه الأدوية عديمة الامتصاص عقار النيومايسين neomycin والسلفات الشحيحة الذوبان كما في السلفاجواندين والسلفاثيازول. أيضا هناك بعض الأدوية تؤثر تأثيرا مباشرا على جدران المعدة gastric mucosa ويمكن تقليل التأثير المباشر لها إذا أعطيت بعد الطعام أو كسوة الأقراص والكبسولات بالكسوة المعوية. وتعتبر الأمزجة mixtures هي الأدوية السائلة التي يمكن تعاطيها عن طريق الفم بكميات مناسبة عند الحاجة أو يتناولها المريض دفعة واحدة، adraught وهذا حديث عن الأقراص والحبوب والكبسولات.. مركزاً الجانب الأكبر على الأقراص وأسأل الله التوفيق.
الأقراص tablets
стр. 14779
الأقراص هي مستحضر صيدلي جامد يشتمل على مادة فعالة أو أكثر.. مخففه أو غير مخففة بمادة خاملة أو أكثر diluents ومقسمة إلى جرعات متفردة في كتل صغيرة متماسكة ومعدّة للتعاطي بالفم عن طريق البلع أو عن طريق المضغ كما نص عقار الفينولفثالين أو phnolphthaline بوضعها تحت اللسان حيث تمتص منها المواد الفعالة مباشرة كما في مادة الأيزوبرينالين isoprenaline.
ويمكن أن تكون الأقراص معدة للاستحلاب lozenges لتذوب ببطؤ في الفم فضلا عن تفتتها إذا لزم الأمر.
وهناك الأقراص الفوارة effervescent_tablets دون العقار أكثر استساغاً..كما في أقراص البوتاسيوم.
ويوجد أيضا في بعض الأحيان مستحضرات طبية ليست للتعاطي عن طريق الفم. ولكنها تحضر على شكل أقراص سريعة الذوبان في الماء كما في محاليل غسول الفم.
وأخيراً فإن الأقراص التي تحتوي على مواد سامة.. لابد أن تكون على شكل خاص وألوان محددة.
صناعة الأقراص
وصف الأقراص:
الأقراص المكسوة والغير مكسوة تكون على هيئة أجسام جامدة مستديرة بيضية أو مزواة مسطحة الأوجه أو محدبتها.
ولا يزيد وزن كل منها في المعتاد على- و١ جم.
وأسطحها ناعمة ملساء. وقد تكون مصقولة لامعة.
ومظهرها العام متجانس منتظم وحوافيها تامة كاملة غير متآكلة وهي غير هشة ولكنها صلبة بحيث تتحمل الصدمات فلا تتكسر إذا سقطت من ارتفاع متر على سطح خشبي.
ولا يحتوى القرص كله على المواد الفعالة فحسب.. وإنما يحتوي بجانب ذلك على سواغات ومواد مضافة إليها.
وهذه المواد بطبيعة الحال هي مواد غير ضارة وليس لها تأثير طبي على القيمة العلاجية للمواد الفعالة في الأقراص.
وهذه المواد المضافة هي:-
- مواد مخففة.
- مواد مبللة.
- مواد مفتتة.
- مواد مزلقة.
- مواد مساعدة على التماسك.
- مواد ملونة ومحسنة للطعم.
стр. 14780
ومن المواد المخففة: فسفات الكالسيوم- السيليكا الرغوي- الدكستروز المائي والغير مائي- سكر اللبن وملح الطعام.
والمواد المبللة: تفيد في تحويل مسحوق المواد إلى حبيبات أكبر تخلو من فقاقيع الهواء. ويتحدد نوعيتها وطريقة التعامل معها بالتجربة والخبرة في صناعة الأقراص.
المواد المفتتة:
وهذه المواد تساعد على تفتيت الأقراص وسهولة اختراق المحاليل لها لامتصاص الدواء.
وقد تكون أساساً للمادة الفوارة في الأقراص الفوارة, مثال حمض الليمون أو حمض الطرطريك مع بيكربونات الصوديوم أو البوتاسيوم. ومن المواد التي تساعد على تفتيت الأقراص أيضا: سليكات الألمونيوم والمغنسيوم- ميثيل السليولوز والنشا.
المواد المزلقة:
وهذه لها أهمية خاصة في عملية تصنيع الأقراص.. فهي تساعد على انزلاق الخليط, ومثال لها:
بودرة التلك.
وتقليل الاحتكاك مع الآلات.
ومنع التصاق حبيبات الخليط أثناء عملية الضغط.
ومثال لذلك: مادة حمض الستياريك (الدهنيك) ، ستيارات المغنسيوم.
P (٢٨١)
المواد المساعدة على التماسك:
وهي التي تساعد على احتفاظ الأقراص بشكلها النهائي بعد التصنيع. ويجب أن توضع بعناية وبكميات مناسبة لكي لا يتحول القرص إلى جسم صلب لا يتفتت في المعدة أو الأمعاء, وبالتالي لا يستفاد من مواده الفعالة. ومن المواد التي تستعمل لهذا الغرض: الصمغ العربي- الجيلاتين- صمغ الكتيرة- محلول الجلوكوز والنشا.
كسوة الأقراص tablet coating:
قد تكسى الأقراص بطبقة أو بعدة طبقات من مادة خاصة أو أكثر للأسباب التالية:
- إخفاء طعمها الغير مستساغ.
- حمايتها من تأثير تعرضها للجو والرطوبة.
- حمايتها من تأثير العصير المعدي الحمضي.
- تحسين مظهرها.
- قد يصقل سطح الأقراص بالشمع أو بمادة أخرى مناسبة ليصير أملس ناعما.
стр. 14781
ومن المواد المستعملة لكسوة الأقراص:
- إيثيل السليولور.
- بولي فينيل بيروليدون.
- السكر.
ويجب أن تكون مادة التغليف من طبقة رقيقة حافظة, علاوة على عدم تأثيرها على حجم أو وزن القرص, خاصة إذا كان حجمه أو وزنه قبل الكسوة كبير.
الكسوة المعوية enteric coating
في هذا النوع تغطى الأقراص بطبقة من مادة خاملة أو أكثر لا تتأثر بالعصير المعدي.. فتمر الأقراص من المعدة سليمة دون أن تتفتت ودون أن تؤثر محتوياتها في ظهارة المعدة, ولكنها تذوب في العصير المعوي القلوي حيث تمتص موادها الفعالة.
ومثال ذلك الأقراص التي تحتوي على أملاح البزموت يوديد الإميتين والإرثرومايسين.
Bismuth_ salts, emetine- iodide, erythromycin
ومن أمثلة المواد المستعملة في الكسوة المعوية:
- الجيلاتين المعامل بالفورمالين formlized- gelatin
- الكيراتين keratin.
-السالول salol
- اللك المصفى shellac.
P (٢٨٢)
الأقراص طويلة المفعول sustained-action:
في هذه الأنواع من الأقراصِ: يذوب جزء منها في المعدة ليعطي تأثيراً سريعاً.. ثم يذوب باقي القرص في الأمعاء.. ليعطي تأثيراً متجدداً.
ومن أمثلة ذلك الأقراص المحتوية على هالوجينات المعادن القلوية alkali metal halides والإرثرومايسين.
ومن هنا نجد أن مميزات تعاطي الدواء بواسطة الأقراص: أن التعاطي يتم بكمية ثابتة من العقار ذات خاصية طبيعية وكيميائية خاصة لمدة محدودة وله قوة علاجية.
ولكن تبقى صعوبة البلع عند بعض الأفراد.. خاصة عند الأطفال.
الحبوب pills
هي مستحضرات على هيئة كتل صغيرة كروية أو بيضاوية الشكل, تحتوي على جرعات معينة من الأدوية المعدة للاستعمال الباطني.
تزن الحبة ما بين (٠.١ – ٠.٣) جرام عدا الكسوة إذا ما وجدت
стр. 14782
وتحضر الحبوب بخلط مادة دوائية أو أكثر خلطاً جيداً مع قاعدة التماسك (السواغ) المناسب.. بنسب تجعل الناتج عجينة شبه صلبة متماسكة متجانسة لدنة تحتفظ بقوامها وشكلها جمع تخزينها
ويجب أن تتفتت الحبوب بعد تعاطيها في المعدة أو الأمعاء.
والسواغ المستعمل في صناعة الحبوب يمكن أن يكون أحد المواد التالية:
النشا
الماء
الصمغ العربي
الجلسرين
مسحوق الآجار
الجلوكوز
مسحوق العرقسوس
الشراب البسيط
سكر اللبن
كسوة الحبوب:
وكما في الأقراص.. قد تكسى الحبوب لتحسين مظهرها أو لتغطية الطعم الغير مستساغ للمواد التي تحتويها.. ولحفظ محتوياتها من الفساد عند التخزين.. أو لحمايتها من العصير المعدي.. أو لمنع تأثيرها على جدار المعدة.
والمواد المناسبة لذلك:-
السكر- الشيكولاتة- زبدة الكاكاو- الجيلاتين- بلسم الطولو.. أيضا.. يمكن كسوة الحبوب بالكسوة المعوية بواسطة الكيراتين أو حمض الاستياريك أو بالسالول حينما يراد تفتيتها في الأمعاء وليس في المعدة كما في حالة الأقراص.
ومن أمثلة الحبوب:- حبوب الكسكارا والبلادونا- حبوب الصبر والحديد- حبوب الكوديين- حبوب الحنظل والسكرات.
الكبسول capsules
الكبسولات هي جرعات مفردة جامدة يكون الدواء فيها في داخل محافظ صلبة أو لدنة أو مرنة قابلة للذوبان.
وتكون كروية أو بيضاوية أو أسطوانية ذات أطراف مستديرة, وهي مختلفة الأحجام وتتكون المحافظ عادة من جزأين.. ينطبق أحدهما على الآخر.
وتصنع من الجيلاتين gelatin أومن ميثيل السليولوز methyl cellulose وقد تلدن بالجلسرين أو بالسورتبول أو بالسكر.. أو بأية مادة أخرى مناسبة وقد تضاف إليها أصباغ أو مواد ملونة.
كل يلزم إضافة مادة حافظة لمنع التخمر الفطري وبخاصة في حالة المحافظ الجيلاتينية.
стр. 14783
وتستعمل المحافظ اللدنة soft capsules للمواد السائلة أو شبه السائلة. ولا تستعمل الكبسولات للمحتويات التي تذيب مادة المحافظ, والمواد القوية المفعول.. والتي تكون جرعاتها صغيرة.. يجوز تخفيضها بمواد خاملة قبل توزيعها على المحافظ.
أما المواد التي تتسيل مخاليطها مثل مخلوط المنثول والكافور والكلورال هيدرات, menthol, campher, chloral hydrate فيمكن وضعها في محافظ صلبة.. على أن تخلط بمادة ماصة مثل:- كربونات المغنسيوم:
أما الخلاصات السائلة وكذلك المواد التي تحتوى على نسبة كبيرة من الماء فيجب تبخيرها وتركيزها أولا ثم مزجها بالبرافين السائل أو أي زيت مناسب, ثم وضعها في محافظ لدنة.
وتمتاز الكبسولات على الأقراص بأنه يمكن التحكم في كمية المفرد الدوائي أو المفردات الدوائية بحسب حاجة المريض.
وأمثلة على الكبسولات المستعملة:
- كبسولات الأمبسلين.
- كبسولات الكلورا مفنيكول.
P (٢٨٤)
- كبسولات أوكسى تتراسيكلين.
- كبسولات تتراسيكلين.
- كبسولات كلور تتراسيكلين.
والحمد لله رب العالمين
المرا جع
text book of pharmaceutics. E.A.Rawlins
دستور الأدوية المصري ١٩٧٢م
المعجم الطبي الصيدلي الحديث. دكتور علي محمود عويضة.
стр. 14784
القرآن يتحدّى..!
للأستاذ الدكتور محمد سيّد طنطاوي
رئيس شعبة التفسير بالدراسات العليا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . (سورة البقرة: ٢٢- ٢٤) .
بعد أن أمر الله الناس بعبادته في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ . وساق من الأدلة المقنعة ما يحملهم على اعتناق عقيدة التوحيد، ونبذ عقيدة الشرك... أتبع ذلك بإيراد الأدلة على صدق النبي ﷺ الله فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر ...
ففي هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزأي الإيمان، وهو صدق النبي ﷺ في رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدَانية الله تعالى وعظيم قدرته.
والمعنى: وإن ارتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة، وعلو الطبقة، واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم في مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقن في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم.
والمقصود بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ... ﴾ نفى الريب عن المنزل عليه بنفيه عن المنزل.
стр. 14785
والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه، أو للتنبيه على أنّ كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أنّ القرآن من عند الله تعالى.
وعبر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزَّلنا, للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أي شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم.
وأتى بـ (إن) المفيدة للشك مع أنّ كونهم في ريب، مما نزل على النبي ﷺ أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أيّ أحد، وتوبيخاً لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها.
ووجه الإتيان بـ (في) الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾ دون أنزلنا؛ لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجّما في مدة تزيد على عشرين سنة.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: لم قيل: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم, وذلك أنهم كانوا يقولون: "لوكان هذا القرآن من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة، وآيات غب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد حيناً فحيناً، حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة ... " فقيل لهم: "إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً فرداً من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل" [١] .
стр. 14786
والمراد بالعبد في قوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد ﷺ وفي إضافته إلى الله تعالى تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به.
وفي ذكره- صلوات الله عليه- باسم العبودية تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائها فادّعت ألوهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات، والضمير في قوله: ﴿مِّنْ مِثْلِهِ﴾ يعود على المنزل وهو القرآن.
والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة.
وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿مِّنْ مِثْلِهِ﴾ يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبي ﷺ ولكن الرأي الأول أرجح.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: "وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه:
* أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لاسيما ما ذكره في سورة يونس من قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ ... ﴾ .
* وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا ... ﴾ فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزّل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله ﷺ أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمداً منزّل عليه فهاتوا قرآنا مثله.
стр. 14787
* وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزِين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا, وسواء أكانوا أمّيين أو عالمين، أما لو كان عائداً إلى محمد ﷺ فذلك لا يقتضي إلا كون آحادهم من الأمّيين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمي، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد؛ لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولاشك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.
* ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﷺ لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدلّ ذلك على أن صدور مثله من الأمي ومن غير الأمي ممتنع فكان هذا أولى [٢] .
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ .
وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أي نادوهم.
وشهداءكم: أي: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل: الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور.
ودون: بمعنى غير، وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى أمر.
стр. 14788
قال الجمل: "والمعنى: وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنّكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله ... أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة" [٣] .
وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد، وفى تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، في كل ذلك أقوى ألوان التهكُّم، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سبباً لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ جملة معترضة في آخر الكلام, وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى: إن كنتم صادقن في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجمع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
وفى هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرّض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ .
والمعنى: فإن لم تفعلوا أي: تعارضوا القرآن، وتبيّن لكم أن أحداً لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة.
стр. 14789
والوقود: ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ . (الأنبياء: ٩٨) .
واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم. والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلاّ جيء بـ (إذا) الذي للوجوب دون (إن) الذي للشك؟ قلت: فيه وجهان:
* أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأنّ العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
* والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه تهكُّما به" [٤] .
وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ , ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ جار مجرى الكناية التي تعطي اختصارا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه؛ ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا, فيقال لك: نعم ما فعلت.
وجملة: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته, فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيداً لنفيها في الحال.
стр. 14790
قال الإمام الرازي: "فإن قيل: فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب: أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله ﷺ وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر. وجعل قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ قائماً مقام قوله فاتركوا العناد. وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذَلك بتهويل صفة النار [٥] .
ومعنى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ هيِّئت لهم؛ لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين -أيضا- لأنه يريد بذلك ناراً مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾ .
وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لاسيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فحين لم ينقل عُلِمَ أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة" [٦] .
стр. 14791
وقال بعض العلماء: هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدي الكافرين بالتنزيل الكريم. وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ , وقال في سورة الأسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ , وقال في سورة يونس: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم أيضاً في المدينة بهذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ... ﴾ الآية.
فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب البيان، وقد خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب, فيخطبون، ويمدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة
القرآن منهم أحد، ولم ينهض- لمقدار سورة منه - ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط والمضارة ... وقد جرد لهم النبي ﷺ الحجة أولا، والسيف آخرا, فلم يعارضوا إلا السيَف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة وبذلك يظهر أن قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا, وما قدروا ...
وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر ... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر، أنزله تصديقاً لرسوله، وتحقيقا لمقوله [٧] .
стр. 14792
من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا ...
بينما عثمان بن عفان- ﵁ في أرض له في العالية في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق جملين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر فقال عثمان لمولى له: "انظر من هذا؟ ".
فقال: "أرى رجلا معمّمًا بردائه يسوق بكرين"ثم دنا الرجل فقال: "أَنظر من هذا؟ ".
فنظر فإذا هو عمر بن الخطاب!!.
فقال: هذا أمير المؤمنين. فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا لفح السموم, فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: "ما أخرجك في هذه الساعة؟ " فقال: "بكران من إبل الصدقة تخلّفا وقد مضى إبل الصدقة للمرعى فأردت أن ألحقهما بالمرعى وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما يوم القيامة". فقالت عثمان: "هلم إلى الظل، والماء ونكفيك؟ ".
قال عمر: "عُدْ إلى ظلك!! "قال عثمان: "عندنا من يكفيك! "قال عمر: "عُدْ إلى ظلك! "ومضى ...
فقال عثمان: "من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا ... "
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تفسير الكشاف: ج ١ص ٩٧.
[٢] تفسير الرازي: ج ١ ص ٢٢٢.
[٣] حاشية الجمل على الجلالين: ج اص ٢٨.
[٤] تفسير الكشاف: ج اص ١٠١.
[٥] تفسير الفخر الرازي: ج ١ ص٢٢٤.
[٦] تفسير الكشاف: ج اص ١٠١.
[٧] تفسير القاسمى: ج ٢ ص ٧٧.
стр. 14793
تنَبيهَاتٌ هَامّة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني
في صفات الله
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فقد اطلعت على المقابلة التي أجرتها مجلة "المجتمع"مع فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني ونشرت في العدد رقم ٦١٣ وتاريخ ٧/ ٦/١٤٠٣ هـ, وعلى مقالاته الست المنشورة في أعداد المجتمع رقم ٦٣٧ وتاريخ ١٧/ ١٧/١٤٠٣ هـ ورقم ٦٢٨ وتاريخ ٢٤/ ٩/ ١٤٠٣هـ ورقم ٦٢٩ وتاريخ ٩/ ١٠/ ٤٠٣اهـ ورقم ٦٣٠وتاريخ ١٦/ ١٠/ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٣١ وتاريخ ٢٣/ ١٠/ ١٤٠٣هـ ورقم ٦٤٦ وتاريخ١٧/٢/١٤٠٤. وقد اشتملت على أخطاء نبّه على بعضها صاحب الفضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في مقاله المنشور بمجلة الدعوة في عدد ١٥ رقم ٩٠٤ وتاريخ ٢٩/ ١٠/١٤٠٣هـ وفي مجلة المجتمع بعددها رقم ٦٤٦ وتاريخ ١٧/ ٢/ ١٤٠٤ هـ و٦٥٠ في ٢٤/٢/ ١٤٠٤ هـ. وقد أجاد وأفاد وأحسن جزاه الله خيرا ونصر به الحق. وقد رأيت التنبيه على ما وقع فيها من أخطاء تأكيداً لما ذكره الدكتور صالح ومشاركة في الخير ونشر الحق واستدراكا لأخطاء لم يتعرض لها فضيلة الدكتور صالح في مقاليه المشار إليهما والله الموفق. فأقول:
стр. 14794
١ - قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب الواجبات"لاشك أن هذا الإطلاق خطأ إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغاً عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة كما فصّل ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين, ولذلك كان الأئمة ﵏ لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلا ما كان موافقا للكتاب والسنة, قال الإمام مالك ﵀: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"يشير إلى قبر رسول الله ﷺ . وهكذا قال إخوانه من الأئمة هذا المعنى.
فالذي يتمكّن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعيّن عليه ألا يقلّد أحداً من الناس ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم كما قال الله : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
٢- قال: "إذا كان ابن تيمية ﵀ مع درجة علمه لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد وإنما مذهبه حنبلي يتقيّد به في كثير من الأحيان" وهذا القول فيه نظر بل هو خطأ ظاهر؛ فان شيخ الإسلام ﵀ من أعلم المجتهدين, وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد, وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لا يخرجه عن ذلك؛ لأن المقصود من ذلك موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده, وليس المقصود من ذلك أنه يقلده فيما قاله بغير حجة, وإنما كان يختار من الأقوال أقربها إلى الدليل حسبما يظهر له ﵀.
٣- ذكر أن الخلافات في العقيدة ضيّقة وقال: "الذين يقولون بضلال مذهب الأشاعرة نقول لهم: ارجعوا إلى فتاوى ابن تيمية واقرءوا ماذا كتب ابن تيمية عن أبي الحسن الأشعري حتى نفهم أن هؤلاء جهلة" اهـ.
стр. 14795
والجواب أن يقال: لاشك أنه ضلّ بسبب الخلاف في العقيدة فرق كثيرة كالمعتزلة والجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم, وأيضا الأشاعرة ضلّوا فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى كالصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين فيما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله, وأبو الحسن الأشعري ﵀ ليس من الأشاعرة وإن انتسبوا إليه لكونه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السنة, فمدح الأئمة له ليس مدحاً لمذهب الأشاعرة.
ولا يصح أن يرمى من اعترض على الأشاعرة فيما خالفوا فيه عقيدة أهل السنة بالجهل؛ لأن حقيقة الجهل هو القول على الله بغير علم, أما من أخذ بالكتاب والسنة وقواعد الشرع المعتبرة, وسار على طريق سلف الأمة, وأنكر على من تأول أسماء الله وصفاته أو شيئا منها على غير تأويلها فإنه لا يرمى بالجهل.
٤- قال: "إنما القوامة للرجل قوامة تكليف وليست قوامة تشريف".
والجواب أن يقال: هذا خطأ والصواب أن يقال إن قوامة الرجال على النساء قوامة تكليف وتشريف لقول الله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ الآية. فأوضح سبحانه أنه جعل الرجال قوّامين على النساء لأمرين:
- أحدهما: فضل جنس الرجال على جنس النساء.
- والأمر الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات.
٥- قال في مقاله الأول بعد المقدمة ما نصه: "ولا يجوز أن تجعلهم -يعني بتلك الأشاعرة والماتريدية- في صف الروافض والمعتزلة والخوارج الذين انحرفوا عن أهل السنة والجماعة غاية ما في الأمر أن نقول إنهم مخطئون في التأويل, ذلك لأن الأسلم أن نفوّض الأمر في موضوع الصفات إلى علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية"اهـ.
стр. 14796
والجواب أن يقال: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك ولكن ذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطأوا فيه ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بيّن خطأهم غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغاً عن الله سبحانه وعن رسوله ﷺ وحذراً من الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . ثم يقال ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علاّم الغيوب لأنه سبحانه بيّنها لعباده وأوضحها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ ولم يبيّن كيفيتها, فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني, وليس التفويض مذهب السلف بل هو مذهب مبتدع مخالف لما عليه السلف الصالح. وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السلف على أهل التفويض، وبدّعوهم؛ لأن مقتضى مذهبهم أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منه, والله يتقدس عن ذلك, وأهل السنة والجماعة يعرفون مراده سبحانه بكلامه ويصفونه بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل مالا يليق به . وقد علموا من كلامه سبحانه ومن كلام رسوله ﷺ أنه سبحانه موصوف بالكمال المطلق في جميع ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ , وأنا أذكر بعض النقول المهمة عن السلف الصالح في هذا الباب ليتضح للقاريء صحة ما ذكرنا.
стр. 14797
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة (الفتوى الحموية) ما نصه: "روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا -والتابعون متوافرون- نقول: "إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات". فقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية.
وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: "سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: "أمروها كما جاءت", وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: "سألت مالك ابن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا: "أمروها كما جاءت"وفي رواية قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف". وقولهم ﵃:"أمروها كما جاءت"رد على المعطلة وقولهم: "بلا كيف"رد على الممثلة.
والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم, والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقاتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.
стр. 14798
وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قالت: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: "قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها, من اهتدى بها فهو مهتد, ومن استنصر بها فهو منصور, ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول, والكيف غير معقول, ومن الله الرسالة, وعلى الرسول البلاغ المبين, وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه.
(ومنها) ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فاطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا "فأمر به أن يخرج.
стр. 14799
فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب"موافق لقول الباقين: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول"ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل يكون مجهولا بمنزلة حروف المعجم, وأيضا فانه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف فمن قال: "إن الله ليس على العرش "لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف"فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف". وأيضا فقولهم: "أمروها كما جاءت"يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه, فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة, وحينئذ تكون قد أُمرّت كما جاءت, ولا يقال حينئذ: "بلا كيف"إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول"اهـ.
٦- نقل في المقال المذكور عن الشيخ حسن البنا ﵀ ما نصه: "نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
стр. 14800
والجواب أن يقال: نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله, أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل؛ فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض. أما ما خالف النص من الكتاب والسنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ الآية. وقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . وقول النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان", وقوله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أخرجهما مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
стр. 14801
٧- ثم نعى الكاتب الشيخ محمد علي الصابوني في مقاله الثاني على المسلمين تفرقهم إلى سلفي وأشعري وصوفي وماتوريدي ... الخ. ولاشك أن هذا التفرق يؤلم كل مسلم, ويجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق ويتعاونوا على البر والتقوى, ولكن الله سبحانه قدر ذلك على الأمة لحكم عظيمة وغايات محمودة يحمد عليها سبحانه ولا يعلم تفاصيلها سواه ومن ذلك: التمييز بين أوليائه وأعدائه, والتمييز بين المجتهدين في طلب الحق والمعرضين عنه المتبعين لأهوائهم, إلى حكم أخرى, وفي ذلك تصديق لنبيه ﷺ ودليل على أنه رسول الله حقاً لكونه قد أخبر عن هذا التفرق قبل وقوعه فوقع كما أخبر حيث قال ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة, قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة", وفي رواية أخرى قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وهذا يوجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق وأن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول لقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ , وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ الآية., وهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على أن الواجب على المسلمين رد ما تنازعوا فيه في العقيدة وغيرها إلى الله , وإلى رسوله ﷺ , وبذلك يتضح الحق لهم وتجتمع كلمتهم عليه ويتحد صفهم ضد أعدائهم, أما بقاء كل طائفة على ما لديها من باطل وعدم التسليم للطائفة الأخرى فيما هي عليه من الحق فهذا هو المحذور والمنهي عنه وهو سبب تسليط الأعداء على المسلمين, واللوم كل اللوم على من تمسك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق, أما من تمسك بالحق ودعا إليه وأوضح بطلان ما خالفه
стр. 14802
فهذا لا لوم عليه, بل هو مشكور وله أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته للحق.
٨- ذكر الصابوني في مقاله الثاني أن أهل السنة اشتهروا بمذهبين اثنين: أحدهما مذهب السلف والآخر مذهب الخلف ... الخ.
وهذا غلط بين لم يسبقه إليه أحد فيما أعلم فان مذهب أهل السنة واحد فقط وهو ما درج عليه أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان وهو إثبات أسماء الله وصفاته وإمرارها كما جاءت والإيمان بأنها حق وأن الله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويض بل يؤمنون بأن معانيها معلومة وأنها حق لائقة بالله لا يشابه خلقه في شيء منها ومذهب الخلف بخلاف ذلك كما يعلم ذلك من قرأ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء- ثم ذكر أن أهل السنة يفوضون علم معاني الصفات إلى الله وكرر ذلك في غير موضع وقد أخطأ في ذلك ونسب إليهم ما هم براء منه كما تقدم بيان ذلك فيما نقلناه من كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ عن جمع من أهل السنة رحمة الله عليهم وإنما يفوض أهل السنة إلى الله سبحانه علم الكيفية لا علم المعاني كما سبق إيضاح ذلك.
стр. 14803
٩- ثم ذكر الصابوني هداه الله تنزيه الله سبحانه عن الجسم والحدقة والصماخ واللسان والحنجرة وهذا ليس بمذهب أهل السنة بل هو من أقوال أهل الكلام المذموم وتكلفهم فإن أهل السنة لا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه أو نفاه رسوله ﷺ ولا يثبتون له إلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ولم يرد في النصوص نفي هذه الأمور ولا إثباتها فالواجب الكف عنها وعدم التعرض لها بنفي ولا إثبات ويغني عن ذلك قول أهل السنة في إثبات صفات الله وأسمائه أنه لا يشابه فيها خلقه وأنه سبحانه لا ند له ولا كفو له, قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث", وهذا هو معنى كلام غيره من أئمة السنة, وأما ما وقع في كلام البيهقي ﵀ في كتابه الاعتقاد من هذه الأمور فهو ممل دخل عليه من كلام المتكلمين وتكلفهم فراج عليه واعتقد صحته والحق أنه من كلام أهل البدع لا من كلام أهل السنة.
١٥- ثم قال الصابوني في مقاله الثاني ما نصه: "أما ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليوم الذين يصورون الله بصورة غريبة عجيبة ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس له وجه ويدان وعينان وله ساق وأصابع وهو يمشي وينزل ويهرول ويقولون في تقرير هذه الصفات أن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير, وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج. يريد بزعمه أن يقرر مذهب السلف الصالح للتلاميذ ويثبت لهم حقيقة معنى الاستواء والنزول وأنه جلوس حس لا كما يتأوله المؤولون فهذا والعياذ بالله عين الضلالة لأنه شبه وجسم وهو كمن فرّ من حفرة صغيرة ليقع في هوة عميقة يتحطم فيها ويهوى فيها إلى مكان سحيق"أ. هـ.
стр. 14804
وأقول: "إن الأخ الصابوني هداه الله قد جمع في هذا الكلام حقا وباطلا يعلمه كل صاحب سنة وإليك أيها القارئ المؤمن التفصيل في ذلك:
أما الوجه واليدان والعينان والساق والأصابع فقد ثبتت في النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة وقال بها أهل السنة والجماعة وأثبتوها لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه وهكذا النزول والهرولة جاءت بها الأحاديث الصحيحة ونطق بها الرسول ﷺ وأثبتها لربه على الوجه اللائق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه ولا يعلم كيفية هذه الصفات إلا هو سبحانه فإنكار الصابوني هذه الصفات إنكار على النبي ﷺ بل إنكار على الله لأنه سبحانه ذكر بعضها في كتابه العزيز وأوحى البعض الآخر لنبيه ﷺ فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى, وإنما يخبر عن الله سبحانه بما أوحى إليه. فالصابوني هداه الله تارة يقول: "إنه يلتزم بمذهب أهل السنة", وتارة ينقضه ويخالفه فإنا لله وإنا إليه راجعون, ونسأل الله لنا وله الهداية والرجوع إلى الحق، وأما قوله: "ويقولون في تقرير هذه الصفات أن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج.. الخ". فهذا أهل السنة براء منه بل هو من كلام المشبهة الذين كفرهم السلف الصالح وأنكروا مقالتهم لكونها مصادمة لقول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وما جاء في معناها من الآيات, فلا يجوز لأحد أن يخلط بين كلام أهل الحق من أهل السنة وكلام أهل الباطل من المشبهة وغيرهم, ولا يميز بينهما بل الواجب التفصيل والتمييز.
١١- ثم زعم الصابوني في مقاله الثالث أنّ أوّل من كتب في أصول الدين ورد شبهات أهل الزيغ والضلال أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتوريدي.
стр. 14805
وهذا جزم غير صحيح فقد سبقهما في ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ والإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون والإمام مالك ﵀ والإمام أحمد بن حنبل والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة والإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي والإمام عبد العزيز الكناني صاحب الحيدة وغيرهم ممن لا يحصى.
١٢- ثم كرر الصابوني هداه الله في قال الثالث قوله: "إن السلف لهم مذهبان مذهب أهل التفويض ومذهب أهل التأويل.."إلى آخر ما قال, إلى أن قال: "إنّ بعضهم يفضل مذهب السلف ويقول: "إنه أسلم" والبعض الآخر يفضل مذهب الخلف ويقول هو أحكم".اهـ
стр. 14806
والجواب: أن هذا التقسيم باطل كما تقدم وليس للسلف إلا مذهب واحد وهو مذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة ﵃, وأتباعهم بإحسان, وهو الأسلم والأعلم والأحكم، أما المذهب الثاني فهو مذهب الخلف المذموم, وهو مذهب أهل التأويل والتحريض والتكلف, ولا يلزم من ذم مذهب الخلف والتحذير منه القول بتكفيرهم؛ فإن التفكير له حكم آخر يبنى على معرفة قول الشخص وما لديه من الباطل ومدى مخالفته للحق فلاَ يجوز أن يقال إنه يلزم من ذم مذهب الخلف أو الإنكَار على الأشاعرة ما وقعوا فيه من تأويل الصفات وتحريفها إلا صفات قليلة استثنوها القول بتكفيرهم, وإنما المقصود بيان مخالفتهم لأهل السنة في ذلك وبطلان ما ذهب إليه الخلف من التأويل وبيان أن الصواب هو مذهب السلف الصالح وهم أهل السنة والجماعة في إمرار آيات الصفات وأحاديثها وإثبات ما دلت عليه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تكييف ولا تمثيل كما سبق ذكر ذاك غير مرة والله المستعان. ثم ذكر كلام البيهقي هنا وقد تقدم ما فيه وأنه ﵀ دخلت عليه ألفاظ من ألفاظ أهل البدع فراجت عليه وظنها صوابا فأدخلها في كتابه وهو من جملة الذين خاضوا في الكلام وعلق باعتقاده بعض ما فيه من الشر سامحه الله وعفى عنه, كما نبه على ما يدل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ج ٦ ص ٥٣.
١٣- ثم قال الصابوني في مقاله الثالث ما نصه: "ولا يظن أحد أننا نفضل مذهب الخلف على مذهب السلف ولسنا على الرأي الذي يقوله علماء الكلام: "مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم", بل نقول عن إيمان ويقين: "إن مذهب السلف هو الأسلم وهو الأحكم فلا نحاول أن نؤول صفات الخالق جل وعلا, بل نؤمن بها كما جاء, ونقربها كما وردت مع نفي التشبيه والتجسيم".
ثم استشهد بقول بعض الشعراء:
مما تكلفه المؤول
стр. 14807
إنّ المفوّض سالم
إلى أن قال: "وإذا كان من أول في الصفات ضال فسنضلل السلف الصالح جميعاً لأنهم أوّلوا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ .
قالوا معهم بعلمه لا بذاته وأوّلوا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ قالوا: "معية علم لئلا تتعدد الذات". وسنحكم بضلال الحافظ بن كثير لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم كما أولى قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قال: "المراد ملائكتنا أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه والحلول والاتحاد منفي بالإجماع تعالى الله وتقدس". وقال: "بل نقول إنه يتعين التأويل أحيانا كما في الحديث الصحيح: "الحجر الأسود يمين الله في أرضه"وكما قال عن سفينة نوح ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ا. هـ.
стр. 14808
والجواب أن يقال: قد أحسنت في اختيار مذهب السلف الصالح واعتقاد أنه الأسلم والأحكم ولكنك لم تثبت عليه بل تارة تختار مذهب التأويل وتارة تختار مذهب التفويض والواجب على المؤمن الثبات على الحق وعدم التحوّل عنه, وما ذكرته عن السلف من تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ بالعلم ليس بالتأويل, ولكنه هو معنى آيات المعية عند أهل السنة والجماعة. كما حكى الإمام أبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة على ذلك؛ وذلك لأن النصوص من الكتاب والسنة الدالة على علوه وفوقيته وتنزيهه سبحانه عن الحلول والاتحاد تقتضي ذلك, ومن تأمل الآيات الواردة في ذلك علم أنها تدل على أن المراد بالمعية العلم بأحوال عباده واطلاعه على شؤونهم مع دلالة المعية الخاصة على كلاءته ورعايته وحفظه ونصره لأنبيائه وأوليائه, مع علمه واطلاعه على أحوالهم والعرب الذين نزل الكتاب وجاءت السنة بلغتهم يعلمون ذلك ولا يشتبه عليهم, ولهذا لم يسألوا النبي ﷺ عن معاني هذه الآيات لظهورها لهم. أما النصوص الأخرى فلا تحتاج إلى تأويل لأن المعنى فيها ظاهر مثل قوله سبحانه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ و ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ , ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فلا يدور بخلد أحد أن السفينة بعين الله سبحانه ولا أن محمداً ﵊ في عين الله, وإنما المراد بذلك أن السفينة تجري برعاية الله وعنايته وتسخيره لها وحفظه لها وأنّ محمدا ﷺ تحت رعاية مولاه وعنايته وحفظه كلاءته, وهكذا قوله في حق موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي تحت رعايتي وحفظي, وهكذا حديث: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" يفسره قوله في الرواية الأخرى: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" ولا يظن من له أدنى بصيرة ممن يعرف اللغة العربية أن المراد بذلك: أن الله سبحانه هو سمع
стр. 14809
الإنسان وبصره, وهو يده ورجله, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, وإنما أراد من ذلك سبحانه بيَان توفيقه لأوليائه وتسديده لهم في حواسهم وحركاتهم بسبب طاعاتهم له وقيامهم بحقه, وهكذا الأحاديث الأخرى كقوله: "الحجر يمين الله" فإنه حديث ضعيف والصواب وقفه على ابن عباس, ومعناه ظاهر سواء كان مرفوعا أو موقوفا, وقد قال في نفس الحديث: "فكأنما صافح الله وقبّل يمينه" فدل على أن الحجر ليس هو يمين الله وإنما شبه مستلمه ومقبله بمن صافح الله وقبّل يمينه ترغيبا في استلامه وتقبيله, وهكذا قول الله سبحانه في الحديث الصحيح لعبده "مرضت فلم تعدني, وجعت فلم تطعمني"قد بيّن في هذا الحديث ما يدل على معناه حيث قال سبحانه: "أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده, ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي " فعلم بذلك أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع, وإنما أراد سبحانه من ذلك حث العباد على عيادة المريض وإطعام الجائع.
стр. 14810
وأما قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ , وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ فقد فسره جماعة بقرب الملائكة لأن قربهم من العبد حين يتلقى المتلقيان وحين الموت كان بأمره سبحانه وتقديره ورعايته لعباده, وفسره آخرون بأنه قربه سبحانه بعلمه وقدرته وإحاطته بعباده كالمعية وكقربه من عابديه وسائليه مع علوه وفوقيته سبحانه, وليس المراد الحلول ولا الاتحاد -تعالى الله عن ذلك وتقدس- لأن الأدلة القطعية من الكتاب والسنة تدل على أن الله سبحانه فوق العرش بائن من خلقه عال عليهم, وعلمه في كل مكان, فمن تدبر النصوص من الكتاب والسنة وفسّر بعضها ببعض اتضح له المعنى ولم يحتج إلى التأويل, وقد اختار أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسيره القول الثاني في سورة (ق) , والقول الأول في سورة الواقعة, وقد أنكر أهل السنة على من تأول نصوص الصفات وبدّعوه لما يترتب على تأويلها من أنواع الباطل وتحريف الكلم عن مواضعه وتجريد الرب سبحانه من صفات الكمال وسوء الظن به وأنه خاطب عباده بما ظاهره تشبيه وتمثيل وأن المراد غيره. وهذا هو التأويل المذموم وهذا هو الذي سلكه أهل الكلام وأنكره عليهم أهل السنة وضللوهم في ذلك لكونهم تأولوا النصوص عن ظاهرها وصرفوها عن الحق الذي دلت عليه بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة بل بمقتضى عقولهم وآرائهم التي لم ينزل الله بها من حجة ولا قام عليها برهان. وقد ألزموهم فيما أثبتوا نظير ما فرّوا منه فيما تأولوه, وهو لازم لهم بلا شك ولا يسلم من التناقض واللوازم الباطلة إلا من أثبت ما أثبته الله ورسوله ونفى ما نفاه الله ورسوله وهم أهل السنة والجماعة والله المستعان.
следующие страницы →