← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

في الزِيّ والسِحنةِ والمَأثَمَة ولو حوى رأسُك بعضَ النّهى لم تَرَ في التقليد غَيرَ العَمَه فأبشر بما نلتَ من العار وَلْ تَهنئْكَ يا (خُنفُس) هذي السّمَه (المجذوب)

стр. 1507

من تاريخ المذاهب الهدامة كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٥) بقلم محمد بن مالك اليمني باب ذكر أولاد المنصور: مات لعنه الله سنة اثنتين وثلثمائة واستخلف على أهل دعوته رجلا يقال له عبد الله بن عباس الشاوري والي ولده أبي الحسن المنصور. وقال: "قد أوصيتكما بمبدأ الأمر فاحفظاه ولا تقطعا دعوة بني عبيد بن ميمون فنحن غرس من غرسهم ولولا ناموسهم وما دعونا به إليهم ما صار إلينا من الملك ما قد نلناه ولا تم لنا في الرياسة حال فعليكما بمكاتبة القائم منهم واستيراد الأمر منهم فأوصيكما بطاعة المهدي يعني عبيد بن ميمون حتى يرد أمره بولاية أحدكما ويكون كل واحد منكما عونا لصاحبه"... وقد كان لعبد الله بن عباس عند عبيد بن ميمون سابقة ومعرفة لأن المنصور قد كان لعنه الله بعثه مع أبي عبد الله الشيعي الخارج بكتامة من بلاد الغرب [١] على ما أذكره فيما بعد.

стр. 1508

ثم إن عبد الله بن عباس كتب إلى عبيد بن ميمون المسمى بالمهدي بموت المنصور وهو يومئذ بمدينة بناها وسماها المهدية بالغرب وأنه قام بمذهبه من بعد المنصور ودعا إليه وأنه لم يبق إلا استيراد الأمر ويسأله الولاية وعزل أولاد المنصور وخرج ولد المنصور بنفسه إلى القيروان يسأل الولاية لنفسه ولا ينزع الأمر منهم بعد أبيهم، وقد كانت وصلت هدايا ابن عباس وكتابه وولاه الأمر وكتب له فلما وصل ابن المنصور أمره بطاعة ابن عباس وبعث لابن عباس بسبع رايات، فرجع ولد المنصور إلى مسور وقد يئس مما كان يرجو من الولاية فلقيه عبد الله بن عباس بنفسه وأهل دعوته فبجله وعظمه ولقيه أخوه جعفر وأبو الفضل وبقية أولاد القرمطي لعنه الله فسألوه بما ورد به الأمر فعرفهم بصرف الأمر عنهم إلى عبد الله بن عباس دونهم فتبين لجعفر في وجه أخيه أبي الحسن الشر والعداوة لابن عباس والحسد فنهاه عن ذلك وقبح عليه وزجره وقال له: "أنت تعلم أنه غرس أبينا وأنه لا يقدم علينا سوانا في هذا الأمر", قال: "والله لا تركته يتنعم في ملك عني به غيره ونحن أحق به منه"فقال له أخوه جعفر: "إن أمرنا إذن يتلاشى ويزول ملكنا وتتفرق هذه الدعوة ويذهب الناموس الذي نمسناه على الناس فلا تحدث نفسك بهلاكه فتهلك"فلم يلتفت إلى قوله وكتم السر في نفسه وكان أولاد المنصور لا يحجبون عن أبي العباس ليلا ونهارا فوثب عليه أبو الحسن بن المنصور فقتله غدرا وولي الأمر من بعده فولي ما كان أبوه يلي ورجع إلى مذهب الإسلام وجمع العشائر من بلده وأشهد أنه رجع عما كان عليه أبوه فأحبه الناس فدخل عليه جعفر فقبح ما فعله وقال: "قطعت يدك بيدك"فلم يلتفت إلى قوله, وخرج جعفر إلى ولد عبيد المسمى بالقائم فكاتب أخاه يعيب عليه فعله بشعر طويل يقول فيه: فكنتم وأنتم تهدمون وابتني فشتان من يبني وآخر يهدم

стр. 1509

وتتبع أبو الحسن من كان على دين أبيه يقتلهم فأباد القرامطة وبقي منهم قوم يتكتمون منه وأقاموا ناموسهم برجل منهم وكان لا يقطع مكاتبة بني عبيد ثم إن أبا الحسن خرج من مسور إلى عبر محرم وفيه يومئذ رجل من بني العرجي واستخلف أبو الحسن على مسور رجلا يقال له إبراهيم بن عبد الحميد السباعي وهو جد المنتاب فوثب ابن العرجي على أبي الحسن فقتله فلما انتهى الخبر إلى إبراهيم بن عبد الحميد السباعي لزم مسورا وادعى الأمر لنفسه وخرج أولاد المنصور وحريمه من مسور إلى جبل ذي أعسب فوثب عليهم المسلمون من أهل المغرب [٢] فقتلوهم الصغير منهم والكبير وسبوا حريمهم ولم يبقوا على وجه الأرض من الكافرين ديارا ولم يبق للمنصور عقب يعرف بحمد الله ومنه.

стр. 1510

ثم إن إبراهيم بن عبد الحميد اتفق هو وابن العرجي واقتسما المغرب بينهما نصفين لكل واحد منهما ما يليه ورجع عن مذهب القرامطة وكان أبوه من كبار قواد المنصور وأصله من قدم من حمير وكان أبوه قتل في مخلاف البياض لأن المنصور كان أخرجه إلى هناك بالعساكر ثم إن إبراهيم بنى في بيت ريب مسجدا ونصب منبرا وخطب لأمير المؤمنين من بني العباس وكاتب الأمير أبا الحسن بن إبراهيم بن زياد وبذل له من نفسه السمع والطاعة والدخول في الخدمة وسأله أن يبعث إليه محاصر من قبله يكون عنده فأرسل رجلا يقال له السراج وقال له: إذا تمكنت قبضت على إبراهيم بن عبد الحميد فوصل من زبيد ولقيه إبراهيم بن عبد الحميد إلى بيت ريب وطلع إبراهيم بن عبد الحميد إلى الحصن في رأس الجبل وكان ينزل إليه كل يوم يصحبه ويعظم حقه ثم إن السراج عامل على إبراهيم ناسا من أهل الجبل فنزل إليه يصحبه فلقيه رجل من العاملين فأخبره بالمعاملة فرجع إلى حصنه فضرب الطبول فاجتمع إليه الناس ومن كان فيه من أهل دولته فدخل على السراج فقبض عليه فأمر بحلق لحيته ونفاه عن بلده وانقطعت المكاتبة بينه وبين ابن زياد واستمر أمره وجعل يتتبع القرامطة يقتلهم ويسبي ذراريهم فبقي منهم قليل في ناحية جبل مسور فأقاموا قرمطيا منهم يقال له ابن الطفيل فسمع به إبراهيم بن عبد الحميد فخرج إليه فقتله وتفرق من بقي من أصحابه إلى نواحي عمان وقطاية وانكتم أمرهم عن إبراهيم.

стр. 1511

ثم إنهما أقاموا ناموسهم برجل يقال له ابن رحيم وذلك في أيام المنتاب بعد موت أبيه إبراهيم وكان ابن رحيم هذا لا يستقر في موضع واحد خوفا من المنتاب ومن المسلمين وهو يكاتب بني عبيد وذلك بعد خروج المعز من القيروان إلى بلاد مصر عند بناءه القاهرة المنسوبة إليه فلم يزل ابن رحيم يكاتب أهل مصر المعز ومن بعده وينهي أخبار أهل اليمن حتى مات لا ﵀. واستخلف على من بقي من القرامطة لعنهم الله رجلا يقال له يوسف بن الأمشح من أهل شبام حمير فأقام لعنه الله يدعوا إلى الحاكم ويبايع له على وجه السر حتى مات لعنه الله. واستخلف على مذهبه رجلا يقال له سليمان [٣] عبد الله الزواحي من حمير من ضلع شبام من موضع يقال له الحفن فأقام يدعوا إلى الحاكم وإلى المستنصر وكان الملعون كثير المال عظيم الجاه فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه وكان في أيامه قد شهر نفسه بالمباعية لأهل مصر من بين عبيد بن ميمون الملعون وقد كان عرف بذلك ونسب إليه فكل ما هم به المسلمون من حمير وشبام وما حوله من القبائل دفعهم بالجميل ووقال لهم أنا رجل مسلم فكيف يحل لكم قتلي فينتهون عنه. وكان فيه كرم نفس وكان يكرم الناس ويتلطف بهم فلم يزل كذلك حتى مات لا ﵀. باب ذكر ابتداء دولة الصليحيين:

стр. 1512

وكان هذا الصليحي المسمى علي بن محمد كثير الخلطة به والمعاشرة وكان أحظى من عنده وأطوع أهل مذهبه له وكان يأتيه من بلد الأخروج وهو سبع من أسباع حراز وكان الصليحي الملعون شهما شجاعا مقداما فلما عرفه سليمان بذلك وحضرته الوفاة لا ﵀ أوصاه بأهل مذهبه وأمرهم بالسمع والطاعة وسلم إليه مالا كثيرا قد كان جمعه من أهل مذهبه ثم إن الصليحي الملعون أرسل إليه القرامطة من أوطان كثيرة بعيدة ومواضع متباينة وعدهم بالوصول إليه ليوم معلوم فلما وصلوا إليه طلع بهم مسار [٤] وكان طلوعه ليلة الخميس للنصف من جمادى الأوى سنة تسع وثلاثين [٥] وأربعمائة وطليعته تسعمائة رجل وخمسون رجلا فلما استقر بالجبل كتب [٦] إلى صاحب مصر وهو معد المستنصر من بني عبيد ووجه إليه بهدايا سبعين سيفا مقابضها عقيق واثني عشر سكينا نصبها عقيق لأن للعقيق عندهم قدرا لأنه لا يكون إلا في اليمن وخمسة أثواب وشي وجام عقيق وفصوص من عقيق مع إهليلج كابلي ومسك وعنبر. فوجه معد المستنصر المستنصر برايات وألقاب وعقد له الولاية وكان سفيره خاله أحمد بن المظفر وأحمد بن محمد الذي انهدم عليه الدار بعدن وهو أبو زوجة المكرم المسماة بالسيدة بنت أحمد. فالحذر الحذر أيها المسلمون من مقاربته ومخالطته والركون إلى قوله فإنه وأهل مذهبه يستدرجون العقول ويضلون من ركن إليهم لقد سمعته مرارا وأسفارا وهو يقول لأصحابه قد قرب كشف ما نحن نخفيه وزوال هذه الشريعة المحمدية والله سبحانه أكرم من أن يبلغه مأموله من فساد الدين وهلاك المسلمين. خلعت العذار ولم أستر وأظهرت ما ليس بالمظهر وبحت بما كنت أسررته من الغي والمذهب الأخسر وتبت إلى الله مستغفرا منيبا إنابة مستغفر وحرمت ما كنت حللته لقومك من كل مستنكر وحذرت من فعلك العالمين وعدت إلى المنهج الأنور فإن جئت نحوك مستغفرا فبالله بالله لا تغفر

стр. 1513

أتحسبني أنثني صبوة إلى رائق اللون والمنظر وحاشا لمثلي أن ينثني إلى الكفر والمذهب الأغبر فإن لم يكن غير هجر الملاح فلا زال ذاك إلى المحشر عباد الله إني لم أزل أتلطف بخاصته وأهل مذهبه ولم أقنع حتى خالطته وأطعته بقبول ما هو عليه من مذهبه وضلالته وكفره وبدعته وأعماله الشنيعة وضلالته الفظيعة التي تنكرها القلوب وتشمئز منها النفوس. وذلك أن الصليحي [٧] ومن هو على مذهبه يدعون إلى ناموس خفي كل جهول غبي بعهود مؤكدة ومواثيق مغلظة مشددة على كتمان ما بويع عليه ودعي إليه وأنه لا يكشف لهم سرا ولا يظهر لهم أمرا، ثم يطلعه على علوم مموهة وروايات مشبهة يدعوه في بدء الأمر إلى الله ورسوله كلمة حق يراد بها الباطل ثم يأخذه بعد ذلك بالرفض والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ فإذا انقاد له وطاوعه أدخله في طرق المهالك تدريجا ويأتيه بتأويل كتاب الله تحريفاً وتعويجاً بكتب مصنعة وأقوال مزخرفة إلى أن يلبس عليه الدين ويخرجه منه كما يخرج الشعرة من العجين وقصارى أمره إبطال الشرائع وتحليل جميع المحارم فسارع إليه من لم يكن له بالشرع معرفة لأنه صادف أكثر الناس عواما فأجابه إلى دعوته الرعاع والطغام ومن لم يكن له معرفة بالإسلام من حسب وسنحام ويام [٨] فحرم الحلال وأحل الحرام وناقض بجهده الإسلام وأبطل الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام فأهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق. (آخر الرسالة محمد بن مالك ﵀ رحمة الأبرار ووقاه عذاب النار) . -------------------------------------------------------------------------------- -[١] بإفريقية.ز. -[٢] مغرب اليمن. [٣]- وكان هذا داعيا فقط وفي تاريخ عمارة بعض توسع في أبناء هؤلاء.ز. [٤]- مسار: حصن عظيم في حراز باليمن فوق مدينة مناخة.

стр. 1514

[٥]- ونقل ابن خلكان عن أخبار اليمن لعمارة اليمني أنه كان ذلك سنة ٤٢٩ (١-٣٦٨) .ز. -[٦] سنة ثلاث وخمسين يستأذن في إظهار الدعوة فأذن له فطوى البلاد طيا وفتح الحصون والتهايم ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام كما في ترجمة الصليحي هذا في وفيات الأعيان. وأطال عمارة اليمني في بيان أنبائه وأنباء أبنائه بنوع من الميل إليهم. وفي تاريخ الجندي أيضا بعض بسط في أنباء الصليحيين خذلهم الله.ز. [٧]- لم يدرك المصنف أواخر عهد الصليحي وكان قتل (علي بن محمد الصليحي) في يوم السبت ١٢ ذي القعدة ٤٧٣ على التحقيق ثم قام مقامه ابنه أحمد ثم ابنه (أبو حمير سبأ) ثم الداعي الزواجي ثم انتقلت الدعوة إلى آل زريع إلى أن استأصل رجال صلاح الدين الأيوبي شأفة المذهب الباطني من البلاد اليمنية فعاد إلى الكمون في القبائل الآتية.ز. [٨]- وقبيلة (يام) إلى اليوم باطنية تنتمي إلى بهرة الهند.ز.

стр. 1515

الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح بقلم الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بكلية الشريعة بالجامعة نسب الإمام البخاري: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي. فجده بردزبه ضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها هاء. قال الحافظ ابن حجر: "هذا هو المشهور في ضبطه, وبردزبه في الفارسية الزراع كذا يقول أهل بخارى, وكان بردزبة فارسيا على دين قومه"انتهى. وجده المغيرة ابن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى ويمان جعفي فنسب إليه لأنه مولاه من فوق, عملا بمذهب من يرى أن من أسلم على يد شخص كان ولاؤه له. وجده إبراهيم قال الحافظ ابن حجر إنه لم يقف على شيء من أخباره. وأبوه إسماعيل ترجم له ابن حبان في الثقات وقال: "إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروي عن حماد بن زيد ومالك وروى عنه العراقيون", وترجم له الحافظ في تهذيب التهذيب. متى وأين ولد: - ولد ﵀ في بخارى (وهي من أعظم مدن ما وراء النهر بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام) في يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة. نشأته وبدؤه طلب العلم: -

стр. 1516

توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه وأقبل على طلب العلم منذ الصغر وقد تحدث عن نفسه فيما ذكره الفِرَبْري عن محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري قال: سمعت البخاري يقول: "ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب"، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟، قال: "عشر سنين أو أقل"، إلى أن قال: "فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء - يعني أصحاب الرأي-"، قال: "ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج, فلما طعنت في ثمان عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين ثم صنفت التاريخ بالمدينة عند قبر النبي ﷺ وكنت أكتبه في الليالي المقمرة"، قال: "وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب". رحلته في طلب العلم وسماعه الحديث: -

стр. 1517

اشتغل وهو صغير في طلب العلم وسماع الحديث فسمع من أهل بلده من مثل محمد بن سلام ومحمد بن يوسف البيكنديين وعبد الله بن محمد المسندي وابن الأشعث وغيرهم ثم حج هو وأمه وأخوه أحمد وهو أسن منه سنة عشر ومائتين فرجع أخوه بأمه وبقي في طلب العلم فسمع بمكة من الحميدي وغيره وبالمدينة من عبد العزيز الأويسي ومطرف ابن عبد الله وغيرهم ثم رحل إلى أكثر محدثي الأمصار في خراسان والشام ومصر ومدن العراق وقدم بغداد مرارا واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علمي الرواية والدراية وسمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وغيره وبمرو من علي بن الحسن وعبد الله بن عثمان وغيرهما وبنيسابور من يحيى بن يحيى وغيره وبالري من إبراهيم بن موسى وغيره وببغداد من شريح بن النعمان وأحمد بن حنبل وغيرهما وبالبصرة من أبي عاصم النبيل ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغيرهما وبالكوفة من طلق بن غنام وخلاد بن يحيى وغيرهما وبمصر من سعيد بن كثير بن عفير وغيره وسمع من أناس كثيرين غير هؤلاء ونقل عنه أنه قال: "كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلا صاحب حديث", وقال أيضا: "لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل". ذكاؤه وقوة حفظه: - وكان ﵀ قوي الذاكرة سريع الحفظ ذكر عنه المطلعون على حاله ما يتعجب منه الأذكياء ذوو الحفظ والإتقان فضلا عمن سواهم فقد قال أبو بكر الكلذواني: "ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة".

стр. 1518

وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته في المصنف، قال: "لا يخفى علي جميع ما فيه", وقال محمد بن حمدوية: سمعت البخاري يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح, ومائتي ألف حديث غير صحيح". وقال محمد بن الأزهر السجستاني: كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب فقيل لبعضهم: ماله لا يكتب فقال: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه, ولعل من أعجب ما نقل عنه في ذلك ما قاله الحافظ أبو أحمد ابن عدي كما في تاريخ بغداد ووفيات الأعيان وغيرهما سمعت عدة مشائخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: "لا أعرفه"، فسأله عن آخر فقال: "لا أعرفه", فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: "لا أعرفه"، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم, ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم, ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله كما سأله الأول والبخاري ﵀ يجيب بما أجاب به الأول ثم الثالث والرابع حتى فرغ العشرة مما هيأوه من الأحاديث فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا وحديثك الثاني قلت كذا وصوابه كذاوالثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل

стр. 1519

بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، وعند ذكر هذه القصة يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا, بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة". نماذج من ثناء الناس عليه ﵀: - وقد كان البخاري ﵀ موضع التقدير من شيوخه وأقرانه تحدثوا عنه بما هو أهله وأنزلوه المنزلة التي تليق به وكذلك غيرهم ممن عاصره أو جاء بعده وقد جمع مناقبه الحافظان الكبيران الذهبي وابن حجر العسقلاني في مؤلفين خاصين كما ذكر ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن حجر في تهذيب التهذيب. ولعل من المناسب هنا ذكر بعض النماذج من ذلك:

стр. 1520

قال أبو عيسى الترمذي: "كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة فاستجاب الله تعالى له فيه"..ويقول الإمام البخاري: "كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: "بيّن لنا غلط شعبة"، وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول: "لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت فإن موتي يكون موت رجل واحد وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم".. وقال أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل", ولما بلغ علي بن المديني قول البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني"قال لمن أخبره: "دع قوله؛ ما رأى مثل نفسه".. وقال رجاء بن رجاء: "هو - يعني البخاري - آية من آيات الله تمشي على ظهر الأرض". وقال أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور: "هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل".. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري".. ويقول الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: "وكان رأسا في الذكاء رأسا في العلم رأسا في الورع والعبادة"، ويقول في كتابه العبر: "وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاء ولم يخلف بعده مثله رحمة الله عليه"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب: "أبو عبد الله البخاري جبل الحفظ وإمام الدنيا ثقة الحديث".

стр. 1521

وقال الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: "هو إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه"، وقال: "وقد كان البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء"، وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "هو إمام المسلمين وقدوة الموحدين وشيخ المؤمنين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين وحافظ نظام الدين"، وقال محمد بن يعقوب الأخرم سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة". هذا غيض من فيض مما قيل في الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى برحمته الواسعة. مصنفاته: - وقد أتحف الإمام البخاري ﵀ المكتبة الإسلامية بمصنفات قيّمة نافعة أجلّها وعلى رأسها كتابه الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي. ومن مؤلفاته: الأدب المفرد, ورفع اليدين في الصلاة, والقراءة خلف الإمام, وبر الوالدين, والتأريخ الكبير, والأوسط, والصغير, وخلق أفعال العباد, والضعفاء, والجامع الكبير, والمسند الكبير, والتفسير الكبير, وكتاب الأشربة, وكتاب الهبة, وأسامي الصحابة, إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أورد كثير منها الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة فتح الباري... عناية العلماء بترجمته ونقل أخباره ﵀: - لما قام الإمام البخاري ﵀ بالعناية التامة في تدوين سنة النبي ﷺ وتنقيتها من الشوائب وتجريد الأحاديث الصحيحة جعل الله له لسان صدق في الآخرين فما زال الناس منذ عصره ولا يزالون يثنون عليه ويترحمون عليه ويولون كتابه الجامع الصحيح العناية التامة وما من مؤلف في التاريخ وتراجم الرجال إلا ويزين مؤلفه بذكر ترجمته والتنويه بشأنه ونقل أخباره ﵀.

стр. 1522

فهذا الحافظ الذهبي ﵀ يترجم له في تذكرة الحفاظ ويقول بعد نقل شيء من مناقبه: "قلت: قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزء ضخم فيه العجب". وهذا الحافظ ابن حجر يترجم له في تهذيب التهذيب ويقول في ترجمته: "قلت: مناقبه كثيرة جدا قد جمعتها في كتاب مفرد ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق الجامع الصحيح". وقد ترجم له أيضا في آخر كتاب هدي الساري مقدمة فتح الباري ونقل شيئا من ثناء مشائخه وأقرانه عليه ثم قال: "ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحر لا ساحل له". وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في أعيان سنة ست وخمسين ومائتين وقال: "وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه ولنذكر هنا نبذة يسيرة من ذلك", فذكرها في ثلاث صفحات. وترجم له ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وعّدد شيئا من مناقبه ثم قال: "واعلم أن مناقب أبي عبد الله كثيرة فلا مطمع في استيعاب غالبها والكتب مشحونة به وفيما وردناه مقنع وبلاغ". ويجدر بهذه المناسبة أن أضع بين يدي القارئ جدولا يوضح بعض الكتب المطبوعة التي اشتملت على ترجمته وتسمية مؤلفيها مع ذكر تاريخ وفياتهم وعدد صفحات الترجمة وتعيينها من كل كتاب ليكون راغب الوقوف على أخباره ﵀ على علم بمظنتها كما يدرك من ذلك أيضا المطوّل منها والمختصر وذلك فيما يلي: المؤلف وتاريخ وفاته اسم الكتاب عدد صفحات الترجمة الصفحة الأولى الجزء تاريخ الطبع ومكانه ١. الخطيب البغدادي ٤٦٣هـ تاريخ بغداد ٣١ ٤ ٢ مصر ١٣٤٩هـ ٢. القاضي محمد بن أبي يعلى ٥٢٦هـ طبقات الحنابلة ٩ ٢٧١ ١ مصر مطبعة السنة المحمدية ٣. ابن خلكان ٦٨١هـ وفيات الأعيان ٣ ٣٠٩ ٣ ١٣٦٧ مصر ٤. الحافظ الذهبي ٧٤٨هـ

стр. 1523

تذكرة الحفاظ ٢ ١٣٤ ٢ في حيدرأباد بالهند ٥. ابن السبكي ٧٧١هـ طبقات الشافعية الكبرى ١٨ ٢ ٢ ١٣٢٤ مصر ٦. الحافظ ابن كثير ٧٧٤هـ البداية والنهاية ٣ ٢٤ ١١ مطبعة السعادة بمصر ٧. الحافظ ابن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ هدي الساري ١٧ ٢٥٥ ٢ ١٣٨٣ مصر ٨. الحافظ ابن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ تهذيب التهذيب ٩ ٤٧ ٩ ١٣٢٦ حيدر أباد ٩. العليمي الحنبلي ٩٢٨هـ المنهج الأحمد ٤ ١٣٣ ١ ١٣٨٣هـ بمصر ١٠. ابن العماد الحنبلي ١٠٨٩هـ شذرات الذهب ٢ ١٣٤ ٢ ١٣٥٠هـ مصر ١١. صديق حسن خان ١٣٠٧هـ التاج المكلل ٣ ١٠٦ ٠ ١٣٨٢ الهند وفاته ومدة عمره: ـ توفي ﵀ في خرتنك قرية من قرى سمرقند ليلة السبت بعد صلاة العشاء, وكانت ليلة عيد الفطر, ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. ومدة عمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوما رحمه الله تعالى, قال الحافظ ابن كثير ﵀ في كتابه البداية والنهاية: "وقد ترك ﵀ بعده علماً نافعاً لجميع المسلمين فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة". وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به" الحديث, رواه مسلم. صحيح البخاري اسمه: - اشتهر بين الناس قديماً وحديثا تسمية الكتاب الذي ألفه الإمام البخاري ﵀ في الحديث النبوي بصحيح البخاري...

стр. 1524

أما اسمه عند البخاري ﵀ فالجامع الصحيح كما ذكر ذلك في الباعث له على تأليفه وقد سماه الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري وذكر ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث أنه سماه: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه. السبب الباعث للإمام البخاري على تأليفه: - ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري أسبابا ثلاثة دعت الإمام البخاري رحمه إلى تأليف كتابه الجامع الصحيح: أحدها: أنه وجد الكتب التي ألفت قبله بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين, قال فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب في صحته أمين. الثاني: قال وقوّى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية وساق بسنده إليه أنه قال: "كنا عند إسحاق بن راهوية فقال: "لو جمعتم كتاباً مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ ", قال: "فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الصحيح". الثالث: قال: وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال سمعت البخاري يقول: "رأيت النبي ﷺ وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه, فسألت بعض المعبرين فقال لي: "أنت تذب عنه الكذب فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح". مدى عنايته في تأليفه: -

стр. 1525

ولم يأل البخاري ﵀ جهدا في العناية في هذا المؤلف العظيم يتضح مدى هذه العناية مما نقله العلماء عنه فنقل الفربري عنه أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين"، ونقل عمر بن محمد البحيري عنه أنه قال: "ما أدخلت فيه (يعني الجامع الصحيح) حديثا إلا بعد ما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته". ونقل عنه عبد الرحمن بن رساين البخاري أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى". موضوع الجامع الصحيح: - والأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ هي موضوع كتابه الجامع الصحيح فهي التي وجه عنايته إليها وجعل كتابه مشتملا عليها ويدل لذلك أمور منها: ١ـ تسميته لكتابه الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه... ٢ـ تصريحه بذلك في نصوص كثيرة نقلت عنه تقدم ذكر بعضها في السبب الباعث له على تأليفه وفي التنويه بمدى عنايته في تأليفه ومن ذلك غير ما تقدم ما نقله الإسماعيلي عنه أنه قال: "لم أخرج هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر". وروى إبراهيم بن معقل عنه أنه قال: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول"... محتويات الجامع الصحيح: -

стр. 1526

وصحيح البخاري كما أنه يشتمل على الأحاديث الصحيحة التي هي موضوع الكتاب فهو يشتمل أيضا على ما في تراجم أبوابه من التعليقات والاستنباط وذكر أقوال السلف وغير ذلك مما ليس داخلا في موضوع كتابه, قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري بعد الإشارة إلى موضوع الكتاب: "ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة"انتهى... وبذلك جمع الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح بين الرواية والدراية بين حفظ سنة رسول الله ﷺ وفهمها... التعليقات في صحيح البخاري: -

стр. 1527

التعليق هو حذف راو أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد وهو كثير في صحيح البخاري بخلاف صحيح مسلم فإنه قليل جدا وقد ألف الحافظ ابن حجر في وصل تعليقات البخاري كتابا سماه (تعليق التعليق) واختصر هذا الكتاب في مقدمة الفتح في فصل طويل ذكر فيه تعاليقه المرفوعة والإشارة إلى من وصلها وكذا المتابعات لالتحاقها بها في الحكم في أوائل الفصل "وقد بسطت ذلك جميعه في تصنيف كبير سميته تعليق التعليق ذكرت فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة وذكرت من وصلها بأسانيدي إلى المكان المعلق فجاء كتابا حافلا وجامعا كاملا"- إلى أن قال -: "وما علمت أحدا تعرض لتصنيف في ذلك", وقال في نهاية الفصل بعد ذكر آخر ما في الصحيح من الأحاديث المعلقة المرفوعة: "وقد بينت ما وصله منها في مكان آخر من كتابه ووصله في مكان من كتبه التي هي خارج الصحيح بينته أيضا وما لم نقف عليه من طريقه بينت من وصله إلى من علق عنه من الأئمة في تصانيفهم"إلى آخر كلامه ﵀, وحاصل الحكم على التعليقات أن ما كان منها بصيغة الجزم كقال وروى وجاء ونحو ذلك مما بُني الفعل فيه للمعلوم فهو صحيح إلى من علقه عنه, ثم النظر فيما بعد ذلك, وما كان منها بصيغة التمريض كقِيل ورُوي ويُروى ويُذكر ونحو ذلك مما بُني الفعل فيه للمجهول فلا يستفاد منها صحة ولا ينافيها، ذكر معنى ذلك الحافظ ابن كثير في اختصاره لمقدمة ابن الصلاح، وقال: "لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح وربما رواه مسلم"، وقال الحافظ في مقدمة الفتح بعد ذكر الصيغة الأولى: "الصيغة الثانية وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح...". عدد أحاديث صحيح البخاري: - قد حرّر الحافظ ابن حجر عدد الأحاديث المرفوعة في صحيح البخاري والمعلقة وأوضح ذلك في مقدمة الفتح إجمالا وتفصيلا وإليك خلاصة ما انتهى إليه في ذلك على سبيل الإجمال: - حديثا

стр. 1528

٧٣٩٧ عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بما فيها المكررة ١- حديثا ١٣٤١ عدد الأحاديث المرفوعة المعلقة بما فيها المكررة ٢- حديثا ٣٤٤ عدد ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ٣- حديثا ٩٠٨٢ عدد ما فيه من الموصول والمعلق والمتابعات المرفوعة بالمكررة ٤- حديثا ٢٦٠٢ عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بدون تكرار ٥- حديثا ١٥٩ عدد الأحاديث المعلقة بدون تكرار ٦- حديثا ٢٧٦١ عدد الأحاديث المرفوعة موصولة أو معلقة بدون تكرار ٧- وهذه الأعداد إنما هي في المرفوع خاصة دون ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين ومن بعدهم، وبعد ذكر الحافظ ابن حجر لجملة الأحاديث بدون تكرار قال: "وبين هذا العدد الذي حررته والعدد الذي ذكره ابن الصلاح وغيره تفاوت كثير", ويعني بذلك ما جاء عن ابن الصلاح حيث قال في علوم الحديث: "وقد قيل إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث"ثم إنه علل ذلك بقوله: "يحتمل أن يكون العدد الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول إما لبعد العهد به أو لقلة المعرفة بالصناعة ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين والله الموفق"انتهى كلامه ﵀ وغفر له وجزاه عن خدمته التامة للسنة وبخاصة أصح الكتب الحديثية خير جزاء. السر في إعادة البخاري للحديث الواحد في موضع أو مواضع من صحيحه: -

стр. 1529

معلوم أن البخاري ﵀ لم يرد الاقتصار في صحيحه على سرد الأحاديث وإنما أراد مع جمع الحديث الصحيح استنباط ما اشتمل عليه من حكم وأحكام ولذلك يستنبط من الحديث الحكم ويجعله ترجمة ثم يورد الحديث تحتها للاستدلال به عليها ويستنبط منه حكما آخر يترجم به ويورد الحديث مرة أخرى للاستدلال به أيضا فيكون التكرار لغرض الاستدلال على أنه إذا أعاد الحديث مستدلا به لا يخلي المقام من فائدة جديدة وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه من قبل وذلك يفيد تعدد الطرق لذلك الحديث ولهذا قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي فيما نقل عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: "وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد"، وذكر الحافظ ابن حجر أن الذي وقع له من ذلك قليل جدا، وقال صاحب كشف الظنون: "والتي ذكرها سندا ومتنا معادا ثلاثة وعشرون حديثا"، وللبخاري أغراض أخرى في إعادة الحديث في موضع أو مواضع ذكر كثيرا منها الحافظ في مقدمة الفتح. تراجم صحيح البخاري:

стр. 1530

وصف الحافظ ابن حجر تراجم صحيح البخاري بكونها حيّرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار, وبكونها بعيدة المنال منيعة المثال انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه وقد فصّل القول فيها في مقدمة الفتح وذكر أن منها ما يكون دالا بالمطابقة لما يورده تحتها وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو معناه وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام حيث لا يجزم بأحد الاحتمالين وكثيرا ما يترجم بأمر لا يتضح المقصود منه إلا بالتأمل كقوله: "باب قول الرجل ما صلينا"فإن غرضه الرد على من كره ذلك, وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معه أثرا أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطه، لهذه الأمور وغيرها اشتهر عن جمع من الفضلاء قولهم: "فقه البخاري في تراجمه". شرط البخاري في صحيحه:

стр. 1531

روى الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح بسنده إلى الحافظ أبي الفضل ابن طاهر المقدسي أنه قال: "شرط البخاري أن يخرّج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ويكون إسناده متصلا غير مقطوع وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفى"انتهى. وهذا الذي رواه الحافظ عنه في مقدمة الفتح صرح به المقدسي نفسه بلفظ قريب منه في أول كتابه شروط الأئمة الستة، وقال الحافظ في مقدمة الفتح وفي شرح نخبة الفكر في معرض ترجيح صحيحه على صحيح مسلم: "أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة"، وقال في شرح النخبة أيضا في أثناء تعداد مراتب الصحيح: "ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح...". ثناء العلماء عليه وتلقيهم له ولصحيح مسلم بالقبول: - قال الحافظ في مطلع مقدمة الفتح: "وقد رأيت الإمام أبا عبد الله البخاري في جامعه الصحيح قد تصدى للاقتباس من أنوارهما البهية - يعني الكتاب والسنة - تقريرا واستنباطا وكرع من مناهلهما الروية انتزاعا وانتشاطا ورزق بحسن نية السعادة فيما جمع حتى أذعن له المخالف والموافق وتلقى كلامه في الصحيح بالتسليم المطاوع والمفارق.."إلى آخر كلامه ﵀... وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "وأجمع العلماء على قبوله - يعني صحيح البخاري - وصحة ما فيه وكذلك سائر أهل الإسلام...". وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: "وأما كتابه الجامع الصحيح فأجل كتب الإسلام بعد كتاب الله...". وقال أبو عمرو ابن الصلاح في علوم الحديث بعد ذكره أن أول من صنف في الصحيح البخاري ثم مسلم: "وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" ثم قال: "ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين وأكثرهما فوائد".

стр. 1532

وقال النووي في مقدمة شرحه لمسلم: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد الكتاب العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث"انتهى... وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الكمال - فيما نقله ابن العماد في شذرات الذهب -: "الإمام أبو عبد الله الجعفي مولاهم البخاري صاحب الصحيح إمام هذا الشأن والمقتدى به فيه والمعول على كتابه بين أهل الإسلام". وقال الإمام الشوكاني في مطلع كتابه قطر الولي على حديث الولي - وهو حديث من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب - قال: "ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه المتلقى بالقبول المجمع على ثبوته وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة ويزول كل تشكيك وقد دفع أكابر الأئمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما وردوه أبلغ رد وبينوا صحته أكمل بيان فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يعتد بها فكل رواته قد جاوزوا القنطرة وارتفع عنهم القيل والقال وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام أو يتناولهم طعن طاعن أو توهين موهن"انتهى... هذه أمثلة لكلام العلماء في صحيح البخاري وبيان علو درجته وتلقي الأمة له ولصحيح مسلم بالقبول... وجوه ترجيح صحيحه على صحيح مسلم: - تقدم ذكر بعض أقوال الأئمة الدالة على تقديم الصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم على غيرهما وتلقي الأمة لهما بالقبول وفي بعضها النص على تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم وهو أمر مشهور عند أهل العلم وذلك لأمور: -

стр. 1533

الأول: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا, المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم مائة وستون رجلا, ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قادحا. الثاني والثالث: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم وأن أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف من أحوالهم واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من موهومها بخلاف مسلم في الأمرين... الرابع: أن البخاري اشترط ثبوت التلاقي بين الراوي ومن روى عنه ولو مرة واكتفى مسلم بمجرد المعاصرة وذلك واضح الدلالة على تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم لما فيه من شدة الاحتياط وزيادة التثبت... الخامس: أن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر. وهذه الوجوه بالإضافة إلى اتفاق العلماء على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم وأن مسلما تلميذه وخريجه وكان يشهد له بالتقدم في هذا الفن والإمامة فيه والتفرد بمعرفة ذلك في عصره. وقد أوضح هذه الوجوه وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وفي شرحه لنخبة الفكر... وهذا الترجيح لصحيح البخاري على صحيح مسلم المراد به ترجيح الجملة على الجملة لا كل فرد من أحاديث الآخر كما أشار إلى ذلك السيوطي في ألفيته بقوله: وربما يعرض للمفوق ما يجعله مساويا أو قدما ومن أمثلة ذلك كما في شرح النخبة للحافظ ابن حجر أن يكون الحديث عند مسلم وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم فإنه يقدم على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردا مطلقا...

стр. 1534

أما ما نقل عن بعض العلماء من تقديم صحيح مسلم على صحيح البخاري فهو راجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب لا إلى الأصحية كما قرر ذلك أهل هذا الشأن... عدد شيوخ البخاري في الجامع الصحيح وطبقاتهم: - ذكر صاحب كشف الظنون أن عدد مشائخ البخاري الذين خرج عنهم في الجامع الصحيح مائتان وتسعة وثمانون، وعدد الذين تفرد بالرواية عنهم دون مسلم مائة وأربعة وثلاثون وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن مشائخه منحصرون في خمس طبقات: الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبي عبيد ومثل أبي عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبي عبيد أيضا ومثل عبيد الله ابن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد ومثل أبي نعيم حدثه عن الأعمش ومثل خلاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طهمان ومثل علي بن عياش وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين... الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وسعيد بن أبي مريم وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم... الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشائخه وهم من لم يلق التابعين بل كبار تبع الأتباع كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد ابن حنبل واسحاق ابن راهوية وأبي بكر وعثمان بن أبي شيبة وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم... الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا كمحمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وعبد بن حميد وأحمد بن النضر وجماعة من نظرائهم وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه أو ما لم يجد عند غيرهم.

стр. 1535

الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم للفائدة كعبد الله بن حماد الآملي وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي وحسين بن محمد القباني وغيرهم. وقد روى عنهم أشياء يسيرة وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: "لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه"، وعن البخاري أنه قال: "لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه..". ثناء العلماء على الرواة المخرج لهم في صحيح البخاري وانتقاد بعض الحفاظ لبعضهم والجواب على ذلك: تقدم في كلام الشوكاني على صحة حديث من عادى لي وليا قوله: "فكل رواته قد جاوزوا القنطرة وارتفع عنهم القيل والقال وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام أو يتناولهم طعن طاعن أو توهين موهن". وقال الحافظ في مقدمة الفتح: "وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي خرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل ما فيه"، وقال الحافظ في شرح نخبة الفكر: "ورواتهما (يعني الصحيحن) قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم, فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل"انتهى. وقد كان من دأب العلماء أحيانا عند إرادة التعريف ببعض الرواة: الاكتفاء بالقول بأنه من رجال الصحيحين أو أحدهما.

стр. 1536

هذا وقد انتقد بعض الحفاظ نحو الثمانين من رجال صحيح البخاري كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند ذكر وجوه ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم وقد عقد الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح فصلا ذكرهم فيه واحدا واحدا وأجاب عما وجه إليهم من انتقادات وقال في معرض تعداد الفصول العشرة التي اشتملت عليها المقدمة: "التاسع في سياق أسماء جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعضهم ممن يقوى جانب القدح فيه إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه وإما لغير ذلك من الأسباب"، وقال في مطلع الفصل المشار إليه: "وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج الصحيح لأي راو كان مفتعل لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين وهذا معنى لم يحصل بغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما, هذا إذا خرج له في الأصول فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل تعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي أو في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح", ثم إنه ذكر الأسباب الخمسة التي عليها مدار الجرح وهي البدعة والمخالفة والغلط وجهالة الحال ودعوى الانقطاع في السند وتكلم على كل منها بالنسبة لرجال الصحيح إجمالا ثم نبه على أمور قدح بها بعض العلماء وهي غير قادحة. وقال الخطيب البغدادي كما في قواعد التحديث للقاسمي: "ما احتج البخاري ومسلم به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت

стр. 1537

الطعن المؤثر مفسر السبب...". وقال الحافظ الذهبي في جزء جمعه في الثقات الذين تكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: "وقد كتبت في مصنفي الميزان عددا كثيرا من الثقات الذي احتج البخاري ومسلم وغيرهما بهم لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك وما زال يمر بي الرجل الثبت وفيه مقال من لا يعبأ به"إلى آخر كلامه ﵀. انتقاد بعض الحفاظ لبعض الأحاديث في صحيح البخاري والجواب عن ذلك: - ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن الدارقطني وغيره من الحفاظ انتقدوا على الصحيحين مائتين وعشرة أحاديث اشتركا في اثنين وثلاثين حديثا وانفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثا وانفرد مسلم عن البخاري بمائة حديث وقد عقد فصلا خاصا للكلام على الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أورد فيه الأحاديث على ترتيب صحيح البخاري وأجاب على الانتقادات فيها تفصيلا وقد أجاب عنها في أول الفصل إجمالا حيث قال: "والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: "لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل"ثم ذكر بعض ما يؤيد ذلك ثم قال: "فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما: الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد. الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد. الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها. الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة. الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله.

стр. 1538

السادس: ما اختلف فيه بتعيين بعض ألفاظ المتن. وفي ضمن ذكره لهذه الأقسام ذكر الجواب عن ذلك في الجملة وأشار إلى بعض الأحاديث المنتقدة التي فصل القول فيها بما يوضح الجواب الإجمالي. ثم قال: "فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر". وقال في نهاية الفصل: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد المطلعون على خفايا الطرق"، إلى أن قال: "فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم". عناية العلماء بصحيح البخاري:

стр. 1539

وقصارى القول أن صحيح البخاري أول مصنف في الصحيح المجرد وهو أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز ورجاله مقدمون في الرتبة على غيرهم وأحاديثه على كثرتها لم ينتقد الجهابذة المبرزون في هذا الفن منها إلا القليل مع عدم سلامة هذا النقد ومع هذا كله جمع فيه مؤلفه ﵀ بين الرواية والدراية وهذه الميزات وغيرها توضح السر في إقبال العلماء عليه واشتغالهم فيه وعنايتهم التامة به فلقد بذل العلماء قديما وحديثا فيه الجهود العظيمة وصرفوا في خدمته الأوقات الثمينة وأولوه ما هو جدير به من اهتمامهم فكم شارح لجميع ما بين دفتيه بسطا واختصارا ومقتصر على إيضاح بعض جوانبه فألفوا في رجاله وفي شيوخه خصوصا وصنفوا في شرح تراجم أبوابه وفي المناسبة بينها وغير ذلك من الجوانب التي أفردت بالتأليف وكان على رأس المبرزين في هذا الميدان الحافظ الكبير أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ فقد أودع كتابه العظيم فتح الباري مع مقدمته ما فيه العجب فكما أن مؤلفه ﵀ أحسن في انتقائه وجمعه غاية الإحسان فقد أحسن الحافظ ابن حجر في خدمته والعناية به تمام الإحسان وإن نسبته إلى غيره من الشيوخ كنسبة صحيح البخاري إلى غيره من المصنفات فرحم الله الجميع برحمته الواسعة وجزاهم خير الجزاء ... الشدة على المتعلمين مضر بهم

стр. 1540

وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراء، وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه. ابن خلدون

стр. 1541

التخدير الجَماعي بقلم الشيخ رمضان أبو العز المدرس بكلية الشرية بالجامعة في مكان ما من المعمورة كان يسكن شعب من الشعوب يقال له (الأرو) وكان يغلو في حاكمه إلى درجة (التقديس) وكان الأرو من الشعوب الرعوية وكان كأنما يعيش في عصر الفخار. وذات يوم انطلق عجل كاد يقتله الظمأ إلى (زير) من الفخار به ماء فشرب وحينما أراد أن يخرج رأسه من الإناء عاقه قرناه فذهب فريق من الأرو إلى زعيمه الحاكم لحل المشكل فأشار عليهم بذبح العجل في الحال ولما نطق بالحل علا الهتاف بطول الحياة للزعيم على الحل السعيد. ولكن بعد الذبح تعذر إخراج الرأس أكثر من ذي قبل فعادوا إلى الزعيم لإيجاد الحل الأخير فأشار بكسر (زير) الفخار وعلا الهتاف مرة ثانية لا بطول البقاء فحسب بل بالخلود في الأبدية. ولو كان طفل واع مكان هذا الشعب لفطن إلى أن الحل الذي اقترحه الزعيم هو أسوأ الحلول طرا لأنه لا عجلا أبقى ولا إناء سلم من التكسير بل كان الأولى كسر الزير فداء للعجل وبدلا من أن ينتقد الزعيم زادوا فيه غلوا وما ذلك إلا لأن هذا الشعب وأمثاله كثير قد وضعوا تحت تأثير تخدير روحي فلم يعودوا يعون إلا شيئا واحدا هو تقديس الزعيم وكلما مني بالفشل ازداد تعلقهم به وتقديسهم لآرائه. ذلك أن الروح تسكر كما يسكر البدن وربما كان سكرها أشد إيغالا وأمعن ذهابا للعقل. وما الخرافات والأساطير التي شاعت وفشت في كل من مصر القديمة وبابل وآشور والهند واليونان والرومان إلا مظاهر صارخة لهذا السكر الجماعي الذي امتد أمده أحقابا وآجالا قد تتجاوز آلاف السنين. فما نسجته الهند حول كرشنا وبوذا، ومصر القديمة حول أوزيريس وإيزيس، واليونان حول جوبتر وفينوس، والرومان حول مارس وأدونيس، وسوريا القديمة حول بعل وعشتورات، والجاهلون حول اللات والعزى إن هي إلا أسماء سموها وخرافات لفقوها.

стр. 1542

تخرصا وأحاديثا ملفقة ليست بنبع إذا قيست ولا غرب وما كانت جميعا لتروج عاما ولا شهرا ولا يوما ولا ساعة لولا هذا الأفيون الروحي الجماعي الذي كثيرا ما ينتاب الشعوب فيذرها مبنجة في غيبوبة عن المنطق والتفكير الصحيح، وإذا كانت الوثنيات ترتكز على ركائز أربعة: - أولها: الزعماء وحواشيهم وهم الذين سماهم الحق ﵎ (بالملأ) بقوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ , وهؤلاء يمسكون بالخرافة لا إيمانا بها ولكن لأنها هي التي تحفظ عليهم منصبهم وجاههم وسمعتهم بين العامة. - وقامت الركيزة الثانية على الكهنة ورجال الدين الضالين المضلين الذين قاموا بنسج هذه الأساطير الملفقة تواطؤا مع الزعماء وضمانا لمكاسبهم المادية ومنزلتهم في النفوس. - وقامت الركيزة الثالثة على الجيوش والشرطة الذين يعملون كحراس للفئتين السابقتين لتحتفظ لنفسها بقسط وافر من الغنائم والسحت والجاه كذلك. إلا أن هذه الركائز ما كانت لتبقى لولا الركيزة الرابعة التي هي بحق عمود فسطاط الوثنية ولذا كانت أهمها جميعا. تلك أيها الإخوة الكرام هي (العوام) و (الجماهير) الذين غالتهم كؤوس الروح فعطلوا عقولهم وسدوا آذانهم وغطوا أبصارهم فلسان حالهم قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ , من هذه الركيزة نجم الخطر الأكبر على الدين الصحيح والدعوة الحقة فلولا (العامة) و (الجمهور) ما قامت أسطوانة واحدة للركائز السابقة بحال وهل كان فرعون مستطيعا أن يدعي الربوبية العليا لولا الدهماء! إقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ .

стр. 1543

وقد علم بالتجربة أن من أهون الأمور تخدير (العوام) فرادى وجماعات، فشيء من الغناء المثير للغرائز والكذب المنمق والقول المزخرف والقصص المخترع يؤثر فيهم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ , فيبتعدون رويداً رويداً عن الحقائق وينأون عن الواقع، ويدخلون في عالم الخيال وظلمات الأوهام، حتى يصعب انتشالهم من ظلمة الوهم إلى وضح اليقين ونور الحق. فالغناء والكذب والتلفيق هي أفيون سريع الوصول إلى ألبابهم وعقولهم قوي التأثير على أبصارهم فتحجب عنهم الرؤية إلا ما يبصره لهم الزعماء والرؤساء، وفيهم يقول شوقي: صور العمى شتى وأقبحها إذا نظرت بغير عيونهن السهام وكذلك السمع فقد سدوا آذانهم ولم يفتحوها إلا لما يلقيه عليهم الكبراء والسادة وفيهم يقول شوقي: ياله من ببغاء عقله في أذنيه ملأ الجو هتافا بحياتي قاتليه ولما بعدوا عن توحيد الحق وإفراده بالعبادة سارعت إلى نفوسهم الآلهة القديمة ولكن بأسماء مستحدثة، وبدلا من تسميتهم آلهة سموهم أولياء، فكما تعلق القدماء باللات والعزى تعلق هؤلاء بالبدوي والجيلاني والتيجاني والدسوقي. أما هبل الأكبر فيقرن به البدوي وربما زاد عليه، والأدهى من هذا أن أحد الملاحدة في التاريخ الإسلامي قد وجد من أعلى قبره وأنشأ له ضريحا هائلا في عاصمة من كبرى عواصم البلاد الإسلامية بالرغم من انه هو القائل: العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف وهي مقالة وحدة الوجود الآثمة المجرمة، وبرغم هذا الإلحاد استغاثوا به وسألوه النفع والضر.

стр. 1544

بل إن التخدير وصل إلى درجة لم تبلغها الجاهلية الأولى فأشركوا الآلهة الجديدة المسماة بالأولياء أشركوها مع الله في الربوبية فضلا عن العبادة فادعوا أن ديوانا يعقد أسبوعيا للبت في مصائر الكون ترأسه زينب بنت علي ﵁ وبرأها مما قالوا، بل قسموا الكون إلى أربعة اركان ونيط بكل ولي ركن منها... أي بلاء وأي أفيون خبيث أصاب طائفة من المسلمين في صلب العقيدة حتى أشركوا مع الله الآلهة الجدد في أصل الربوبية. وقد يستلزم الخمر المعنوية خمورا حسية فقد أنشأ الحسن الصباح وشيعته فكرة الحشيش وأكثروا من تعاطيه وكاد الحشاشون أن يفتكوا بصلاح الدين الأيوبي ﵀ رحمة واسعة. وكثيرا ما تناولت أشعارهم التغزل بالخمر وما إليها. ولقد تبلورت الوثنيات القديمة فجمعت في وثنية مستحدثة متطورة تلك هي (الاشتراكية العلمية) التي أنشأها اليهودي ماركس والأباضي المتخنث انجلز ونفذها المارق لينين. فبينما تركز أشد تركيز على الكفر بالله عزوجل وإنكار وجوده بشتى الأساليب وإعلان لينين اللعين بقوله: "الآن أعلن أن الله خرافة", تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فبينما يدأبون ويدأب أشياعهم على هذا ليل نهار إذا بهم يتخذون من لينين معبودا ومن قبره مزارا وصنما يعبد. وإذا بهم يقولون عن السفاح ستالين (الأب الرحيم) وهو لفظ لا يطلق عندهم إلا على الإله، وإذا بأحد الكتاب المنتسبين إلى الإسلام يقول في رثاء ستالين: "بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا", كبرت كلمة تخرج من أفواههم!. ولقد قامت هذه الاشتراكية العلمية بعملية تخدير واسعة النطاق بتنظيمها الأيديولوجي وهو الغوز الفكري الذي حشدت له أبالسة الكتاب المتخصصين في علم النفس الذين عملوا على تزوير التاريخ بما اتبدعوه من التفسير المادي للتاريخ.

стр. 1545

ومن استعصى على غزوهم الفكري فلتصب عليه وسائل البطش والانتقام الذي لم يعهد له مثيل من قبل.. فيخدره البطش الجبار والعذاب الأليم ثم الغزو الفكري حتى تحولت الإنسانية على أيديهم إلى سائمة شقية تساق إلى المصانع بمنتهى الهوان والذلة، وقد لا تجد ما تقتات به إلا حساء الكرنب الذي هو والماء المغلي سواء. ومع ذلك فقد أطلقوا على هذا الذل عزة وكرامة، وعلى هذا الحرمان الشديد رخاء وسعة، وعلى الضيق القاتل حرية وانطلاقا، وما كان للسامئة أن تبدي تملمها أو اعتراضها، وإلا فالسوط فوق الجلود والزمهرير القارس في سيبيريا بالمرصاد لكل من يبدي أدنى حركة وراء الستار الحديدي. وإن تعجب فعجب أن يتقمص هؤلاء المخمورون التائهون شخصية المفيق الواعي فيرموك أنت بدائهم.. ألم يسموا من قبل محمدا ﷺ ومن معه الصائبة الخارجين على أصل الدين في نظرهم، الناكبين عن طريق الحق الذي هم فيه بزعمهم. ألم يزعموا أنهم هم أهل الصلاة والصلة بالله فرد عليهم الحق ﵎ بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ . ألم يدعوا أن محمدا ﷺ هو قاطع الرحم دونهم. ثم جاءت الوثنية المتطورة أعني بها الاشتراكية العلمية فرمت الأديان عامة والإسلام بوجه أخص أنه هو أفيون الشعوب ومخدر الجماعات، وهل يعقل أن دينا يلزم معتنقه بالمسؤولية الكاملة عن كل ما يصدر منه ولوكان في حجم الذرة.. اقرأ إن شئت هذه الآية الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ , ثم قوله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
следующие страницы →