Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15016–15055 · переход к 15021.
стр. 15016
١ ـ أن الحداد حق من حقوق الشرع ولهذا لو أمرها الزوج بتركه لا يجوز لها تركه فلا تخاطب الصغيرة بذلك، وكذا شرط الإيمان فيه حيث قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر" الحديث.
٢ ـ إنّ منع الصغيرة المتوفى عنها زوجها من اللبس والطيب هو فعلها الحسّي محكوم بحرمته فلابد فيه من خطاب التكليف بخلاف العدة وإنها قد تقال على كف النفس عن الحرمات الخاصة وعلى نفس الحرمات وعلى مضي المدة وهي اللازمة لها على كل حال بمعنى أنه يثبت بعد الموت صحة نكاح الصغيرة إلى انقضاء مدة معينة وهي مدة العدة فإذا باشروا لها عقد النكاح قبل انقضاء عدتها لا يصح شرعا ولا خطاب للعباد فيه تكليفي بل هو من ربط المسببات بالأسباب وهذا كله لا يوجد في الحداد لأن الخطاب به خطاب تكليفي فلو اكتحلن أو لبسن المزعفر واختضبن لا يأثمن لعدم التكليف به [٢٥] .
هذا ما استدل به الفريقان بالنسبة لهذه المسألة وهي مشكلة كما نرى ووجه الإشكال هو أن الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة من الصوم والصلاة والحج لأنها فاقدة للأهلية وهي التكليف فالخطاب إنما يتوجه إلى المكلفين, وعموم السنة التي استدل بها الفقهاء على وجوب الحداد قاضية بوجوب الحداد على كل امرأة من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة, زد على هذا أن العدة واجبة من غير فرق أيضا, وقد قلبت النظر في هذه المسألة كثيراً لعلي أهتدي إلى الراجح منهما وبعد نظر طويل وتفكير عميق شرح الله صدري بترجيح القول الأول وهو وجوب الحداد عليها وذلك لما يأتي:
стр. 15017
١ ـ أن الصغيرة المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها أن تفعل شيئا من المحرمات كالزنا والخمر والسرقة وغيرها من المحرمات, والولي مطالب بمنعها فإذا لم يمنعها من الوقوع في الفعل المحرم فهو آثم, ومن ذلك ترك الحداد وفعل ما ينافيه كالطيب وسائر أنواع الزينة, فكما أنّ الولي لا يجوز له أن يمكِّنَها من ارتكاب سائر المحرمات فكذلك لا يجوز له أن يمكّنها من ترك الحداد وهو مخاطب بذلك كما يفيده عموم قوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع" [٢٦] , فلو لم يفعل الولي ذلك فهو آثم ولاشك, وكذلك ما نحن فيه.
٢ ـ أنّ وجوب العدة على الصغيرة لا خلاف فيه عند أئمة الفتوى فيما علمنا, يوضحه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . (سورة البقرة: ٢٣٤) . والصغيرة زوجة والتنكير يفيد العموم والعدة عبادة وهي لازمة للصغيرة فهل يقول قائل إنها تجب هنا ولا يجب الحداد هنالك, فإن كان كذلك فهو مطالب بالدليل على وجود الفرق.
٣ ـ نعم الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة وإنما الولي هو المطالب بمنعها من فعل المحرمات على ما بينا, ألا ترى أن الولي لوليّ بالحج عن الصغيرة أو الصغير؟. كانت أحكام الحج لازمة لوليها بمعنى أن الولي لا يمكنه من فعل محظورات الإحرام من الطيب واللبس ونحو ذلك فلو فعل ذلك كان آثما فأي فرق بين المسألتين إنني لا أجد فرقا.
стр. 15018
٤ ـ العمومات التي استدل بها أصحاب القول الأول من مثل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشر", لم تفرق بين ما إذا كانت الزوجة كبيرة أو صغيرة بل هي شاملة بعمومها لكل أحد, فقوله: (لامرأة) نكرة تفيد العموم, وقد أكد هذا العموم بذكره النكرة بعد النفي وهذا زيادة في العموم كما تفيده قواعد الأصول, وسيأتي تحرير المقام في قوله صلى الله عليه ويلم (أن تؤمن) عند الكلام على حكم الحداد من الكتابية. ولا حجة في قوله ﷺ (امرأة) للقائلين بعدم وجوب الحداد على الصغيرة وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن الصغيرة تسمى امرأة فلها من الحقوق كالكبيرة, وعليها ما عليها, صحيح أنها لا تبتغى لطلب الولد لصغرها لكونها لا يوطأ مثلها بيد أن اللفظ شامل لها.
الأمر الثاني: لو سلمنا أنها لا تسمى امرأة فلا دلالة فيه للمخالفين لأننا نقول إنه خرج مخرج الغالب فإن الغالب الكثير أن المرأة لا يفارقها زوجها إلا وهي كبيرة وليس معناه أن الحداد لا يجب على الصغيرة.
المبحث الثالث: كون الحادة مسلمة:
اتفق الفقهاء فيما علمنا على أن الحداد يجب على المرأة الكبيرة العاقلة البالغة المسلمة على ما بيّنا, واختلف الفقهاء في سوالب ذلك, ومنه اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية, وتجدر الإشارة هنا إلى أن أئمة الفتوى لم يختلفوا في إباحة الحداد لكل من ذكرنا ومن سنذكر قريبا, وإنما الخلاف في الوجوب أو السنية.
وبيان اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية كالآتي:
стр. 15019
١ـ ذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى وجوب الحداد على الكتابية, وقد استدلوا لذلك بأدلة بيانها كالآتي: العمومات التي تفيد وجوب الحداد على الكتابية لأنها من جملة النساء, والأحاديث لم تفرق بين ما إذا كانت المرأة مسلمة أو كتابية, وإخراج الكتابية من هذا العموم يحتاج إلى دليل, ولا دليل عليه, ومن ادّعى خروج الكتابية فعليه الدليل, أضف إلى هذا أن الكتابية زوجة وقد أوجب الله تعالى العدّة على الزوجات من غير تخصيص. يوضحه قوِله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ فهذا إيجاب من الله تعالى العدة على الزوجات من غيرفرق ولا تجب عدة الوفاة إلا حيث يجب الحداد؛ لأن الحداد حق للزوج فهو يلتحق بالعدة في حفظ النسب فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه [٢٧] .
فإن قيل كيف يكون الحداد واجباً على الكتابية وقد شرط رسول الله ﷺ في وجوبه الإيمان بدليل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تحد..". فهذا دليل على عدم وجوبه على الكتابية؟ قيل الجواب عن ذلك من أوجه:
أـ أن شرط الإيمان إنما ذكر تأكيداً للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له كما يقال هذا طريق المسلمين وقد يشاركهم غيرهم [٢٨] .
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم مجيبا عن هذا الاعتراض ومبيِّناً أنه لا دليل فيه "وأن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع وينتفع به وينقاد له فلهذا قُيّد به" [٢٩] . أضف إلى هذا أن السبكي نقل في فتاويه عن بعضهم أن الذمية داخلة في "تؤمن بالله واليوم الآخر" [٣٠] .
ب ـ أنّ الحداد حق للزوجية على ما بيّنا فهو ملتحق بالنفقة والسكن فكما أن الزوج تجب عليه نفقة زوجته وسكنها فكذلك يجب على الزوجة الحداد على زوجها [٣١] .
стр. 15020
ج ـ أن العدة لا تجب على الذمية إلا إذا كان زوجها مسلماً أما إذا كان زوجها ذميا فإن الحداد لا يجب عليها, وأهل الذمة مطالبون بتنفيذ عقودهم مع المسلمين وهذا منها. قال ابن القيم في الهدي مشيراً إلى ما قلنا: "ولكن عذر الذين أوجبوا الحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضا" [٣٢] . وذهب الحنفية وبعض المالكية وأبو ثور إلى عدم وجوب الحداد على الذمية سواء كان زوجها مسلماً أو ذمياً [٣٣] .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ ـ إنَّ الكتابية غير مخاطبة بحقوق الشرع والحداد من حقوقه يوضحه قوله ﵊: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر.." الخ.
فالإيمان شرط لوجوب الحداد وهو لا يوجد في الكتابية لكونه حقاً من حقوق الشرع, والذمية ليست أهلا لذلك يوضحه أن المسلمة لو أمرت بترك الحداد لم يكن لها ذلك فدل على أنه تكليفي, والأحكام التكليفية خاصة بالمسلمين قال ابن القيم في الهدي مستدلا لهذا القول بأن النّبي ﷺ "جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة ولأنها غير مكلفة بأحكاَم الفروع فعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال: من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته" [٣٤] .
стр. 15021
هذا ما يمكن أن يستدل به بهذا القول, وقد عرفت الجواب عن اشتراط الإيمان في وجوب الحداد عند الكلام على أدلة الجمهور, ونضيف هنا ما ذكره ابن القيم عند عرضه للمسألة حيث قال: "والتحقيق أنّ نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار ولا إثبات الحكم لهم أيضا, وإنما يقتضي أنّ من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه ولكن لا يلزم الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه, وهذا كما لو قيل للمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر وهذا كما قال في لباس الذهب: "لا ينبغي للمتقين"فلا يدل إنه ينبغي لغيرهم وكذا قوله: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً" [٣٥] .
كما عرفت مزيداً من أدلة الفريقين عند الكلام على وجوب الحداد على الصغيرة, وسبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة راجع من حيث الجملة إلى أمرين:
الأمر الأول: الاختلاف في خطاب أهل الذمة بفروع الشرع هل يخاطبون بها أولا؟ فمن قال: إنهم يخاطبون بها قال: يجب الحداد على الذمية, ومن قال: إنهم لا يخاطبون بها قال: لا يجب الحداد عليها.
الأمر الثاني الاختلاف في العدة هل هي حق لله أم حق للزوج؟ فمن قال: إنها حق لله قال: لا تجب العدة على الذمية, ومن قال: إنها حق للزوج قال: تجب العدة عليها, والذي يترجح عندي هو أن الذمية لا يجب عليها الحداد إلا إذا رفع ذلك إلى الحاكم المسلم فإنه يلزمها حينئذ بالحداد.
стр. 15022
وأما إذا لم يترافعوا إلينا فلا نتعرض لهم, ومن المعلوم أنهم لا ينزجرون عن ارتكاب الذنوب والآثام ولا يتورعون عن فعل المحرمات على اختلاف أنواعها من ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلك من صنوف الذنوب والآثام, ولا ذنب أعظم من الكفر فكيف يرجى منهم فعل الحداد وهم لا يفعلون ما هو أعظم من الحداد, وإلى ما قلنا أشار ابن القيم في الهدي بقوله: "وسر المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان, ومن لم يلتزمه وخلى بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه كما خَلى بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء" [٣٦] .
فهذا ابن القيم يرى أن الحدود لا يجب على الذمية بإيجاب الشرع إلا أن يحصل الترافع منهم إلى المسلمين فحينئذ يلتزمون بأحكام الإسلام, وإلا فهم لا يتورعون عن ارتكاب المعاصي من الكبائر والصغائر والإسلام, لم يوجب على أتباعه إلزام أهل الذمة بشرائع الإسلام, وإنما يخلى بينهم وبين أحكَام الدين الذي يدينون به ما لم يترافعوا إلينا أو يتعرضوا للإسلام أو أحدٍ من أتباعه بالإهانة؛ لأنهم بعقدهم الذمة مع المسلمين وفرض الجزية عليهم وهم صاغرون إنما هو لحفظ دمائهم وأموالهم وعدم التعرض لهم إلا في الأمور التي فيها ضرر على الإسلام والمسلمين, وإيجاب الحداد على الذمية ليس فيه شيء من ذلك نعم الله أرادَ منهم الإسلام, ولكن هم لم يمتثلوا فإذا دخلوا في الإسلام وجب عليهم ما يجب على المسلمين.
المبحث الرابع: هل شرط وجوب الحداد كونه من الوفاة؟:
اتفق الفقهاء على أن الحداد يجب على المعتدة من الوفاة إذا توفرت الشروط الأخرى التي ذكرناها آنفاً والتي سنذكرها قريبا ولا نعلم في هذا خلافاً إلا خلافاً شاذاً ذكرناه في الفصل الثاني.
стр. 15023
أما المعتدة من طلاق فهي على قسمين: رجعية وبائن. فالرجعية لا يجب عليها الحداد اتفاقاً لأنها في حكم الزوجات, لها أن تتزيّن لزوجها وتستشرف له ليرغب فيها [٣٧] , فنعمة النكاح لم تفت بعد لأن الزوج له أن يراجعها, والتزين مما يبعثه على مراجعتها فتكون مندوبة إلى التزين لهذا المعنى [٣٨] .
أما البائن فقد اختلف الفقهاء في وجوب الحداد عليها على قولين مع اتفاقهم على إباحة ذلك لها, ونحن نبيّن هذين القولين وأدلة كل قول وما قد يرد على الدليل المرجوح من المناقشة مسترشدين في ذلك بالمراجع المعتمدة في كل مذهب, فنقول:
١ ـ ذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي في الجديد وأحمد في أحد قوليه وبه قال عطاء وربيعة وابن المنذر إلى عدم وجوب الحداد على المبتوتة [٣٩] .
الاستدلال لهذا الرأي:
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والمعقول:
أما المنقول: فقد استدلوا منه بقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشر" [٤٠] . وهذه عدة الوفاة فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة [٤١] .
وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه:
أـ أنّ الحداد في عدة الوفاة إنما هو لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته وهذا مالا يوجد في الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه وقطع نكاحها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه.
ب ـ أنّ المتوفى عنها لو أتت بولد لحق الزوج الميت لكونه ليس له من ينفيه على فرض أنه ليس له فاحتيط عليها بالإحداد لئلا يلحق بالميت من ليس منه بخلاف المطلقة فإن زوجها باق فهو يحتاط عليها بنفسه وينفي ولدها إذا كان من غيره.
ج ـ إنّ المبتوتة معتدة من غير وفاة فلا يجب عليها الحداد قياسا على الرجعية والموطؤة بشبهة.
стр. 15024
٢ ـ وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين والشافعي في القديم وبعض المالكية وأبو ثور وأبو عبيد إلى وجوب الحداد على المبتوتة [٤٢] .
الاستدلال لهذا الرأي:
استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والنظر.
أما المنقول فقد استدلوا منه بما يأتي:
١ـ ما روي أنّ النبي ﷺ : "نهى المعتدّة أن تختضب بالحنّاء, وقال: الحناء طيب" [٤٣] .
فأنت ترى أنه لم يفرّق بين معتدة الوفاة وغيرها فدل هذا على وجوب الحداد على المعتدة مطلقا كما يفيده عموم الحديث.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأمرين:
أـ أنه ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأنه لم يذكر في كتب السنة المعتبرة ولو كان صحيحا لذكروه, والحديث الضعيف لا يحتج به في الأحكام.
ب ـ لو سلّمنا بصحته لم نسلّم بعمومه في كل المعتدات, فالرجعية لا يجب عليها الحداد اتفاقاً, فعلى هذا يكون محمولا على المعتدّة من الوفاة, وتخرج البائن من هذا العموم كما خرجت الرجعية [٤٤] .
٢ـ روى الطحاوي في شرح الآثار بإسناده إلى حماد عن إبراهيم قال: "المطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة لا يختضبن ولا يتطيبن ولا يلبسن ثوباً مصبوغاً ولا يخرجن من بيوتهن". وإبراهيم أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى فيجوز تقليده [٤٥] .
ويجاب عن هذا الاستدلال: بأنه قول تابعي, وقول التابعي ليس بحجة, فإنه إذا وقع الاختلاف بين الفقهاء في الاحتجاج بقول الصحابي فعدم الاحتجاج بقول التابعي أولى, زد على هذا أنه معارض لقول من قدّمنا من الصحابة.
стр. 15025
وأما استدلالهم من طريق النظر: فهو إلحاق المبتوتة بالمتوفى عنها زوجها بطريق الدلالة, وتقريره أن النص ورد في وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها بلا خلاف, ومناط حكمه: إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنها, والإبانة اقطع لها من الموت حتى كان لها أن تغسله ميتا قبل الإبانة لا بعدها فكان إلحاق المبتوتة بالمتوفى عنها زوجها كإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف [٤٦] .
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
١ـ أن القياس غير صحيح وذلك لوجودِ الفارق بين المقيس والمقيس عليه, فإن الحداد إنما وجب على المتوفي عنها زوجها إظهاراً للتأسف على فوت زوج وفي لها حتى الموت بخلاف المبتوتة فإن زوجها لم يكن وفياً لها بل على العكس من ذلك فإنه أوحشها بالإبانة فلا تتأسف بفوته.
ومن جهة أخرى فإنه لا مناسبة بين البينونة وبين الموت؛ إذ أن البينونة لا يمتنع معها عود النكاح بعقد جديد بخلاف الموت فإنه لا يتصور عود النكاح بعده, ثم لو سلمنا بهذا في المطلقة لم نسلم به في المختلعة؛ لأنها قد افتدت نفسها برضاها لطلب الخلاص منه فكيف تتأسف.
ب ـ لو سلمنا بأن الحداد يجب على المبتوتة لفوات نعمة النكاح لقلنا بوجوبه على الأزواج أيضا؛ لأن نعمة النكاح مشتركة بينهما.
وهكذا تتصور المسألة بين القول والدليل والاستدلال والمناقشة, والحق واحد ومصيبه واحد, وسبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة راجع إلى أمرين:
стр. 15026
الأمر الأول: هل وجوب الحداد على المرأة لإظهار التأسف على الزوج أو لإظهار التأسف على فوات الزوجية؟ فمن قال: هو لإظهار التأسف على فوات الزوج قال: بعدم وجوب الحداد على المبتوتة, ومن قال: هو لإظهار التأسّف على فوات الزوجية وبيان ذلك هو أن الحداد لإظهار التأسف على فوت نعمة النكاح والوطء الحلال بسببه قال بوجوب الحداد على المبتوتة؛ لأن عين الزوج ما كان مقصوداً لها حتى يكون التحزّن بفواته بل كان مقصودها نعمة النكاح, وهذا يفوتنا في الطلاق والوفاة بصفة واحدة.
الأمر الثاني: هل الحداد حق لله أو حق للزوج؟
فمن قال هو حق لله قال بوجوب الحداد على البائن, ومن قال هو حق للزوج قال بعدم وجوب الحداد عليها.
والذي أراه راجحا في هذه المسألة هو عدم وجوب الحداد على البائن, وإنما رجحت هذا القول لما يأتي:
١ـ الأدلة التي استدل بها القائلون بهذا القول أقوى في نظري من أدلة المخالفين, فحديث الصحيحين الذي ذكرناه في الاستدلال يفيد أن الحداد لا يكون إلا على ميّت كما هو ظاهر اللفظ, ثم قيّد الجواز بما ذكر في الحديث واستثني من ذلك الحداد على الزوج الميت وبين المدة التي يكون بها الحداد, فالمستثنى هنا من جنس المستثنى منه, وكذلك الأدلة التي ذكرناها هنالك كلها تلتقي حول هذا المعنى, وقد عرفت الجواب عن أدلة المخالفين عند ذكرها وهي كلها محتملة, والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.
стр. 15027
٢ ـ إنّ الحداد حكم أوجبه الشارع على المرأة المتوفى عنها زوجها لأن تركه (أي الحداد) بفعل ما ينافيه من التطيب واللبس والتزيّن يدعو إلى الجماع, فمنعت المرأة منه زجراً لها عن ذلك فكان ذلك ظاهراً في حق الميت لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه بخلاف المطلّق الحي في كل ذلك ومن ثم وجبت العدة على كل متوفى عنها وإن لم تكن مدخولا بها بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا إحداد عليها اتفاقا [٤٧] .
٣ ـ إنّ المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد وليس الأمر كذلك في المتوفى عنها زوجها؛ فإن عودتها إلى الزوج الميت مستحيلة فليس ثمة ما يدعو إلى إيجاب الحداد على المبتوتة, فإن قيل: هذا لا يستقيم في الملاعنة فإن تحريمها على الملاعن تحريم أبدي ومع هذا فلا حداد عليها؟ قيل: الجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن تحريم الملاعنة على الملاعن ليس محل اتفاق عند أئمة الفتوى, بل من الفقهاء من قال: إنها لا تحرم تحريما أبدياً, وإنما يكون الملاعن بعد الفرقة خاطبا من الخطاب, وقد قال بهذا فقهاء الحنفية.
الوجه الثاني: لو سلّمنا بأن الملاعنة تحرم على الملاعن على التأبيد لم نسلم بالاعتراض؛ لأننا نقول: إن وجوب الحداد إنما هو لفقد الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية.
٤ ـ إن الزوج الميت فارق زوجته وهو على نهاية الإشفاق عليها والرغبة فيها, ولم تكن المفارقة من قبله, فلزمها لذلك الإحداد وإظهار الحزن, والمطلقة فارقها مختارا لفراقها مقابحاً لها فلا يتعلق بها حكم الإحداد كالملاعنة [٤٨] .
стр. 15028
٥ ـ روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" رواه أبو داود والنسائي [٤٩] . فهذا الحديث نص في وجوب الحداد على المعتدة من الوفاة وهو مخصص لعموم الحديث الذي استدل به المخالفون على فرض صحته. فإن قيل: هذا الحديث لا يدل على عدم وجوب الحداد على المبتوتة بدليل آخر؟ قلنا: بل هو يدل على عدم وجوب الحداد عليها إذ أنه لم يوجد دليل أقوى منه بل ولا مساوياً له يفيد هذا الوجوب, فلما لم يوجد ذلك دل على أن المصير إلى مدلوله واجب.
والحاصل أن الاقتصار على مورد النص هو الذي تقتضيه قواعد الشرع عملا بالبراءة الأصلية فيما عداه, فمن ادّعى وجوب الحداد على غير المتوفى عنها زوجها فعليه الدليل.
إذا تبين هذا فاعلم أنهم لم يختلفوا في عدم وجوب الحداد على المعتدة الرجعية على ما بينا بيد أن فقهاء الشافعية اختلفوا فيما بينهم هل يسن لها الحداد أولا؟ على قولين: أحدهما: يسن, والثاني: لا يسن لها الحداد بل أولى لها أن تتزين بما يدعوا الزوج إلى رجعتها, وضعف هذا الاحتمال أن يظن أنها فعلت ذلك إظهارا للفرح بفراقه وعلى تقدير صحته فينبغي تخصيصه بمن ترجو عودته [٥٠] . والمعمول به الأول.
كذلك لم يختلفوا فيما أحسب في إباحة الحداد على المبتوتة بل إن فقهاء الشافعية يرون أن أقل أحواله الاستحباب لئلا تدعو الزينة إلى الفساد.
وقد نقل صاحب المبدع الإجماع على جواز الحداد من المبتوتة وبين أنه لا يُسَنُّ لها [٥١] .
وبهذا تعلم أن اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إنما هو في الوجوب فقط.
المبحث الخامس: هل من شرط وجوب الحداد كون النكاح صحيحا؟
стр. 15029
النكاح الصحيح هو المستكمل لأركانه وشروطه من الإيجاب والقبول والشاهدين والولي والمهر وخلو الزوجين من الموانع فإذا وجد النكاح على هذه الصورة وحصلت الفرقة بين الزوجين بالموت وذلك بأن توفي الزوج قبل الزوجة وجب الحداد على الزوجة العاقلة البالغة المسلمة من غير خلاف أعلمه عند أئمة الفتوى اللهم إلا ما نقل عن الحسن البصري والشعبي من القول بعدم وجوب الحداد كما تمّ ثبته قريبا.
ولهذا أجمع الفقهاء على عدم وجوب الحداد على المرأة المنكوحة بنكاح فاسد أو نكاح شبهة.
أما المنكوحة بنكاح فاسد فلأنها ليست زوجة حقيقية والنبي ﷺ إنما أوجب الحداد على الزوجات وذلك بقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" فقوله ﷺ "إلا على زوج" يفيد بمنطوقه وجوب الحداد على الزوجة كما يفيد بمفهومه عدم وجوب الحداد على غيرها, زد على هذا أن المنكوحة بنكاح فاسد لا تحزن على فقد الزوج لأنها لا يجب لها ما يجب للزوجة من الحقوق
فليس ثمة سبب يدعو إلى حدادها. وأما المنكوحة بشبهة فكذلك لما بينا؛ ولأنها -أي المنكوحة بنكاح فاسد أو شبهة- ما فاتها نعمة النكاح والأصل هو الإباحة في الزينة لاسيما في النساء: [٥٢] يحققه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . (الأعراف:٣١) .
فهذا دليل على إباحة الزينة مطلقا بما فيها زينة المرأة المعتدّة بنكاح فاسد أو شبهة وتحريم ذلك عليهما يحتاج إلى دليل ولا دليل. ثم إن النكاح الفاسد ووطأ الشبهة كل منهما معصية في الدين فيلزم الشكر على فواته لا التأسف عليه [٥٣] .
الفصل الرابع: أقسام الإحداد:
стр. 15030
عرفت في الفصل الأول معنى الحداد, وأنه في اللغة: المنع مطلقا, وفي الاصطلاح: منع المرأة نفسها الزينة والطيب وكل ما يدعو إلى الرغبة فيها زمن الحداد, وذكرنا هنالكَ في أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي لأنه مجرد المنع مطلقا, أما المعنى الاصطلاحي فهو المنع بالنسبة إلى شيء خاص؛ وبناء على ذلك نرى أنه من المفيد أن نذكر أقسام الحداد الجائز منها والممنوع ليكون القارئ على بصيرة؛ لأن الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها (وبضدها تتميز الأشياء) فالجائز يعرف ليعمل به والممنوع يعرف لتركه. وإليك تحرير المقام في ذلك:
ينقسم الحداد من حيث الجملة إلى قسمين: جائز وغير جائز، والجائز قسمان: حداد المرأة على زوجها الميت وحدادها على قريبها الميت, فالتقسيم هنا من حيث النوع لا من حيث الحكم لأن الحكم لا يختلف في القسمين إنما الاختلاف في النوع أما زوجها الميت فليس في وجوب الحداد عليه خلاف إلا خلافا شاذاً على ما بيّنا, وقد عرفت الخلاف في وجوب الحداد عليها عند أئمة الفتوى إذا كانت مبتوتة كذلك لم يختلف الأئمة فيما علمت في جواز الحداد منها على قريبها الميت والمتتبع لنصوص الشرع وقواعده العامة يرى أن الحداد إنما يشرع للنساء دون الرجال فالمرأة هي التي تحد على زوجها أو على قريبها لما بينا وما سنبينه قريبا وهاك الأدلة التي تفيد هذا المعنى وإن كنا قد ذكرناها قريباً إلا أنّ المقام يقتضي إعادتها هنا بإيجاز:
١ ـ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين:
الأمر الأول: أن التربص خاص بالمرأة التي مات زوجها خاصة بها وأن مدة التربص في حقها أربعة أشهر وعشراً)
стр. 15031
الأمر الثاني: أنّ الزوج لا يجب عليه التربص بوفاة زوجته وبالتالي لا يجب عليه الحداد بل له أن يتزوّج ثانية دون أن يكون منوطاً بمدة معينة, والأوّل يفيده منطوق الآية, والثاني يفيده مفهومها قال الشوكاني في شرح الآية: "ومعنى الآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ أي ولهم زوجات فالزوجات يتربصن بعدهم وهو كقولك: "السمن منوان بدرهم"أي منه, وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: "وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون", وقيل: "التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن"ذكره صاحب الكشاف وفيه "أنّ قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ لا يلائم ذلك التقدير؛ لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة"وقال بعض النحاة من الكوفيين: "أن الخبر عن (الذين) متروك, والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن" [٥٤] .
٢ ـ قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" فقد تضمّن هذا الحديث ثلاثة أمور:
الأمر الأول: جواز الحداد على القريب الميت وأنّ مدة ذلك ثلاثة أيام.
الأمر الثاني: الحداد على الزوج الميت أربعة أشهر وعشراً.
الأمر الثالث: هو أنَّ حكم الحداد خاص بالنساء دون الرجال, فالحديث وافق الآية الآنفة الذكر في وجه الدلالة في الأمرين الثاني والثالث, وتضمن حكماً زائداً على ما دلت عليه الآية وهو الأمر الأول.
٣ ـ الإجماع:
أجمع المسلمون من عصر الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا على جواز القسمين السابقين وأنّ الرجال لا يدخلون في هذا الجواز وإنما هو خاص بالنساء.
стр. 15032
وقد عرفت قريباً عند الكلام على حكم الإحداد مزيداً من الأدلة التي تتعلق بهذا الموضوع, وحاصلها بالإضافة إلى ما قلنا هو أنّ المرأة هي التي بحاجة إلى الرجل ولذلك وجب الحداد عليها لضعفها ولفوات نعمة النكاح عليها بموت العائل الذي يصونها ويحفظها ويرعى مصالحها على حد قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . (سورة النساء: ٣٤) , ولهذا كان مطالباً بالإنفاق على زوجته وكسوتها وسكنها إذا لم تكن ناشزة, وهذا كله لا يوجد في الرجل ولذلك أجمع أئمة الفتوى كما بينا أكثر من مرة على أنه لا يجب الإحداد على الرجل لعدم وجود الحكمة التي من أجلها شرع الحداد فيه.
القسم الثاني من قسمي الحداد: الحداد الممنوع في الإسلام:
عرفت آنفاً القسم الأول من قسمي الحداد وهو القسم الجائز في الإسلام, وعرفت أنه قسمان من حيث النوع، بقي أن تعلم القسم الذي لا يجوز وهو على ضربَين:
أحدهما: ما كان قبل الإسلام.
وثانيهما: الإحداد في عصرنا الحاضر بالنسبة للدول.
ونحن نفصّل القول في هذين الضربين بحسب الإمكان والله المستعان فنقول:
القسم الأول: الحداد في الجاهلية:
стр. 15033
كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها تتجنّب كل ملذّات الحياة, وتشق على نفسها, فلا تستعمل طيبا ولا تغسل جسما ولا تقلم ظفراً, وتلبس شرّ ثيابها, وتعتزل المجتمع في بيت صغير وقديم تمكث فيه حولا كاملا تخرج بعده وهي في أقبح صورة وأشنع منظراً وأسوء حالا مما كانت عليه, فتعمد إلى دابة فتغتسل بها فقلّما تغتسل بشيء إلا مات, يحقّق هذا قوله ﷺ للمرأة التي قالت له: يا رسول إنّ ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" -مرتين أو ثلاثا- كل ذلك يقول: "لا", ثم قال رسول الله ﷺ : "إنما هي أربعة أشهر وعشر, وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". قال حميد: فقلت لزينب: "وما ترمى بالبعرة على رأس الحول؟ " فقالت زينب: "كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها ولم تمسّ طيباً حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره" [٥٥] .
وقد تضمّن هذا الحديث: ما كانت تعانيه المرأة في الجاهلية من الظلم بسبب وفاة زوجها، فمن حزن على فراق الزوج إلى حياة قاسية بعده لمدة حول كامل, بقيت المرأة في الجاهلية على هذا الحال واستمرت زمناً وهي تعاني منها في بداية الإسلام يوضحه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ . (سورة البقرة: ٢٤٠) .
стр. 15034
وبما أنّ الشريعة الإسلامية قائمة على العدل والإنصاف وتحقيق المصالح الخاصة لأفراد المجتمع الإسلامي بشرط أن لا يتضرر أحد الطرفين بدفع الضرر عن الآخر فهي لا تقر ظلماً ولا تضيع حقاً, فقد نسخت ما كانت تعاني منه المرأة بسبب وفاة زوجها واستبدلته بحكم آخر حفظ حقوق الطرفين أعني الزوج والزوجة على السواء وذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ (نقدم تخريجه) .
فنسخت السنة المذكورة في الآية الآنفة الذكر بالمدة المذكورة في هذه الآية, وحدّ الشارع للمرأة المتوفى عنها حدوداً وسنّ لها قيوداً في الإسلام, ونسخت القيود التي كانت تعاني منها في الجاهلية وذلك بالأحاديث التي تم ثبتها قريباً قال ابن حجر في الفتح بعد تقريره هذا الحكم نقلا عن ابن دقيق العيد "قال ابن دقيق العيد: "فيه -يعنى الزمن الذي يجب على الحادة في الإسلام- إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك وتهوين الصبر عليهما ولهذا قال بعده: "وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول" وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع لكن التقدير: بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: ﴿مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ثم نسخت بالآية التي قبلها وهي ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ "اهـ[٥٦] .
القسم الثاني: الحداد في العصر الحاضر:
стр. 15035
إعلم أنها قد انتشرت في عصرنا الحاضر ظاهرة مخالفة للإسلام التبس أمرها على بعض زعماء المسلمين وهي الحداد وتنكيس الأعلام لوفاة زعيم من الزعماء مدة معينة تقدر غالبا بثلاثة أيام أو سبعة أيام أو ثلاثين يوما أو أربعين يوما أو أكثر أو أقل وبما أن ذلك مخالف لتعاليم الإسلام فالواجب على العلماء تبيين أمر هذه الشبهة لأبناء المسلمين الذين جهلوها أو تجاهلوها, ودحضها بالأدلة الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة أداء للواجب على حد قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (آل عمران: ١١٠) : وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (آل عمران: ١٠٤) وحيث أنني واحدٌ من المتخصصين في علوم الشريعة فقد رَأيتُ أنه من الواجب عليّ القيامُ بهذه المهمة حسب الإمكان؛ لأن أمرها قد شاع وذاع في الأوساط الإسلامية حتى أصبحت من الأمور العادية المألوفة, وصدق القائل حيث يقول: "إذا كثر الإمسَاس قلّ الإحساس"فأقول -وبالله التوفيق-: المسلم هو الذي يطبق أحكام الإسلام بفعل الأوامر واجتناب النواهي, والأحكام الشرعية لا تعرف إلا بالأدلة الشرعية وقد دلت النصوص النبوية والأدلة العقلية وإجماع الصحابة الذين عاشوا أيام الرسالة على أنه لا يجوز العمل بحكم مّا إلا إذا كان له أصل يدل عليه دَليل من الأدلة التي قررها أئمة الفتوى مصدراً للاستدلال, ومن ذلك الحداد في العصر الحديث فانه لا دليل على جوازه ولا إباحته ويظهر ذلك فيما يأتي:
стр. 15036
١ ـ لا ريب أن الحداد لا يشرع إلا للمرأة في حق زوجها أو قريبها الميت, وقد دلّ الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على أنه ليس لغير المرأة أن تحد على ميت بل ذلك خاص بها, فالأحاديث الصحيحة التي تم ثبتها قريباً كلها تنهى عن الحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشراً كما جاءت الرخصة عنه ﷺ للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقلو كذلك الآيات القرآنية التي تفيد إيجاب العدة على المرأة المتوفى زوجها قاضية بعدم جواز الإحداد من غيرها, وكذلك إجماع الصحابة الذي تم ثبته قريبا.
أما ما سوى ذلك من الحداد فهو ممنوع شرعاً وليس في الشريعة الكاملة من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا قول صحابي ما يدل على ذلك فدل على أنه لا يجوز على ملك ولا زعيم ولا غيرها.
٢ ـ أن هذا العمل فيه مخالفة صريحة للشريعة المطهرة، وأمر تترتَّبُ عليه أضرار كثيرة, وتعطيل المصالح, والتّشبه بأعداء الإسلام, وهو ممنوع شرعاً.
стр. 15037
٣ ـ أنه قد مات في حياة الكريم النبي ﷺ ابنه إبراهيم وبناته الثلاث رقية وأم كلثوم وزينب وعمه حمزة وأعيان آخرون في غزوة مؤتة فلم يحد عليهم ثم توفي النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيّد ولد آدم, والمصيبة بموته أعظم مصائب لأن بموته ينقطع خبر السماء لكونه آخر الأنبياء, ومع هذا لم يحد عليه الصحابة ﵃ ثم مات أبو بكر الصديق ﵁ وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحد عليه ثم قتل عمر وعثمان وعلي ﵃ وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم, وهكذا مات الصحابة جميعاً فلم يحد عليهم التابعون, وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من التابعين ومن بعدهم كسعيد بن المسيب وعلي بن الحسن زين العَابدين وابنه محمد ابن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبى حنيفة وصاحباه والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام الشافعي والإمَام أحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية. وغيرهم من أئمة العلم والهدى ولم يحد عليهم المسلمون ولو كان خيراً لكان السَّلفُ الصالح إليه أسبق, والخير كله في اتباعهم والشر في مخالفتهم.
стр. 15038
٤ ـ أن الدين الإسلامي قد اكتمل بوفاة النبي الكريم على حد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ . (المائدة: ٣) فهل في شريعة الإسلام ما يشير ولو من طرف خفي إلى جواز هذَا الأمر؟ إننا لا نجد ما يدل على ذلك, وفعله من زعماء المسلمين وقادتهم مع عدم وجوده في الشريعة المطهرة مخالفة ظاهرة لهذه الشريعة وقدح في كمالها وانتقاص لها وأنها لم تفِ بما يجدّ من الأحكام, وقد قد قرر أئمة الهدى ومصابيح الظلام قديماً وحديثا أنها صالحة لكل زمان ومكان وشاملة لمصالح العباد ماضيها وحاضرها ومستقبلها. إن الأحكام الشرعية توقيفية أعني أنه لا يجوز إثباتها إلا من طريق الشارع خصوصا ما يقدّر بالزمن منها وإلا لجاز لكل أحد أن يقول برأيه ما شاء فدل على أنه لا يجوز الحداد إلا ما ورد به الحكم عن الشارع خصوصاً ما كان مقدراً بزمن معين, وهذا الأمر فيه تقدير بزمن وهو الحداد ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو ثلاثون يوماً أو أربعون يوماً وهذا لا يكون إلا بخبر السماء, وخبر السماء لا يعرف إلا من طريق الأنبياء, ولم يعرف عنهم جواز هذا العمل فدل على أنه مخالفٌ لمنهج الله القديم.
إذا تبيّن هذا فالواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على منهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم, والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونا على البر والتقوى, ولما أوجب الله النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم.
اللّقاء على العقيدة
стр. 15039
في الإسلام يلتقي الناس على العقيدة في الله يلتقون الآن, كلاً منهم يحب الله ورسوله، فلا تكون ذواتهم بارزة ولا متوفرة لاقتناص المصلحة من الآخرين، إنما يكون الجانب البارز هو الحب، والحب عنصر سريع التلاحم شديد الالتصاق ...
والإنسان المؤمن ليس في حاجة إلى توكيد ذاته بالبروز الزائد عن الحد، إنه موجود بالفعل، مطمئن على وجوده، يجد ذاته متكاملة في هذه العقيدة ويطمئن قلبه بذكر الله ...
من كتاب:"منهج التربية الإسلامية"
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر القاموس المحيط ج١ ص ٢٩٦، فتح الباري ج ٩ ص٤٨٥.
[٢] فتح الباري ج ٩ ص٤٨٥.
[٣] تبيين الحقائق ج ٣ ص ٣٤.
[٤] المصدر السابق.
[٥] تبيين الحقائق ج ٣ ص ٣٤، والمدونة الكبر ى ج ٢ ص ٤٣٠، ومغني المحتاج ج ٣ ص ٣٩٨، والكافي لابن قدامة ج ٣ ص ٣٢٦.
[٦] صحيح البخاري ج ٧ ص ٧٦، وصحيح مسلم ح ١٤٨٦، وسنن أبي داود ج ٢ ص ٧٢٣، وجامع الترمذي ح ١١٩٧، وسنن النسائي ج ٦ ص ٢٠٦، وسنن ابن ماجه ح ٢٠٨٤.
[٧] بدائع الصنائع ج ٣ ص ٢٠٩، والمغني ج ٧ ص٥١٧.
[٨] بدائع الصنائع ج ٣ ص ٢٠٩.
[٩] فتح الباري ج ٩ ص ٤٨٦.
[١٠] المغني ج٧ ص ٥١٧.
[١١] عنه تسلبي- ألبي الثياب الحداد السود وهي السلاب ككتاب.
[١٢] مسند الإمام أحمد ج٦ ص ٣٦٩.
[١٣] المصدر السابق.
[١٤] الجامع لأحكام القرآن ج٣ ص ١٨١.
[١٥] المصدر السابق.
[١٦] فتح الباري ج٩ ص ٤٨٦.
على حد قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ وتكليف الصغير والنائم والمجنون ظلمٌ.
[١٧] بدائع الصنائع ج ٣ ص ٢٠٨.
[١٨] سنن ابن ماجة ج ارقم ٢٠٤١.
[١٩] المغني: ج ٧ ص ٥١٧، والمنتقى للباجي: ج ٤ ص ١٤٥، ومغني المحتاج: ج ٣ ص ٣٩٨.
стр. 15040
[٢٠] سبق تخريجه في الفصل الثاني.
[٢١] المغني ج ٧ ص ٥١٧، والمنتقى للباجي ج ٤ ص ١٤٥، ومغني المحتاج ج ٣ ص ٣٩٨.
[٢٢] فتح الباري ج ٩ ص ٤٨٥, والمنتقى للباجي ج ٤ ص١٤٥.
[٢٣] المغني ج٧ ص ٥١٧.
[٢٤] انظر فتح القدير ج ٤ ص ٣٤٠, والمبسوط ج ٦ ص ٥٦, وبدائع الصنائع ج ٣ ص ٩.
[٢٥] فتح القدير ج ٤ ص ٣٤٠/ والمبسوط ج ٦ ص ٦٠/ بدائع الصنائع ج ٣ ص ٩.
[٢٦] سنن أبي داود (ح: ٤٩٥) , مسند أحمد ٢ ص ١٨٠, موطأ مالك ج اص ١٩٧.
[٢٧] فتح الباري ج٩ ص ٤٨٦.
[٢٨] فتح الباري ج ٩ ص ٤٨٦.
[٢٩] شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٥ ص ١١٢.
[٣٠] فتح الباري ج ٩ ص ٤٨٦.
[٣١] فتح الباري ج٩ ص ٤٨٦.
[٣٢] زاد المعاد ٤ ص ٢٦٩.
[٣٣] المبسوط ج ٦ ص ٥٩, وفتح الباري ج ٩ ص ٤٨٦, والجامع لأحكام القرآن ج ٣ ص ١٧٩.
[٣٤] زاد المعاد ج ٤ ص ٢٦٩.
[٣٥] زاد المعاد المصدر السابق.
[٣٦] زاد المعاد: ج٤ ص ٢٦٩.
[٣٧] المغني: ج ٧ ص ٥١٨, شرح العناية: ج ٤ ص ٣٤٠.
[٣٨] المبسوط: ج ٦ ص ٥٩.
[٣٩] المنتقى للباجي: ج ٤ ص ١٤٥, مغني المحتاج: ٣ ص ٣٩٨, المغني: ج ٧ ص ٥٢٧.
[٤٠] تقدم تخريجه في الفصل الثاني.
[٤١] المغني: ج ٧ ص ٥٢٨.
[٤٢] المبسوط: ج ٦ ص ٥٨, المغني: ج ٧ ص ٥٢٧, مغني المحتاج: ج ٣ ص ٣٩٨, فتح الباري: ج ٩ ص ٤٨٦.
[٤٣] فتح القدير: ٤ ص ٣٣٨.
[٤٤] شرح معاني الآثار: ٣ ص ٨١.
[٤٥] شرح العناية: ج ٤ ص ٣٣٨.
[٤٦] المصدر السابق.
[٤٧] فتح الباري: ج٩ ص ٤٨٦.
[٤٨] المنتقى للباجي: ج ٤ ص ١٤٥.
[٤٩] سنن أبى داود: ج ٢ ص ٧٢٧, سنن النسائي ج ٦ ص ٢٠٣.
[٥٠] مغني المحتاج ج ٣ ص ٣٩٨.
[٥١] المبدع ج ١٤٠٨.
[٥٢] شرح العناية ج ٤ ص ٣٤٢.
[٥٣] حاشية الشلبي.
[٥٤] فتح القدير ١ ص ٢٤٨.
стр. 15041
[٥٥] صحيح البخاري مع فتح الباري ج ٩ ص ٤٨٤.
[٥٦] فتح الباري ج٩ ص ٤٨٤.
стр. 15042
الكتاب والسنة
أثرهما ومكانتهما والضرورة إليهما في إقامة التعليم في مدارسنا
للدكتور ربيع هادي مدخلي
أستاذ مشارك بقسم الدراسات العليا بالجامعة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون. اللهم صل وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه.
وبعد: فإنّ الإسلام العظيم يحثّ على العلم ويشيد به ويمجّد أهله ويرفع من شأنهم قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (سورة الزمر: الآية ٩) , وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ . (سورة فاطر: الآية ٢٨) .
وبيَّن الرسول الكريم سيد العلماء وخاتم الأنبياء ﵊ أنّ طلب العلم نوع من أنواع الجهاد فقال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ".
وأنّ البحث عنه وتطلّبه يفضي بصاحبه إلى الجنة.
"من سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقا إلى الجنة " [١] وللعلماء عند ربهم درجات رفيعة عالية قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
وبيّن تعالى الفرق الكبير بين العالم والجاهل فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
стр. 15043
وحكومتنا الرشيدة وفقها الله وثبّت أركانها وسدّد خطاها إدراكاً منها لمكانة العلم ومخاطر الجهل جنّدت إمكانيات هائلة ورصدت الميزانيات الضخمة ليشمل العلم والتعليم كل أفراد شعبها الكريم ذكوراً وإناثاً وصغاراً وكباراً تتدرّج بهم في سُلَّم العلم من المراحل الابتدائية إلى أعلى مراحل التعليم الجامعية وما بعد الجامعية (الدراسات العليا) في مختلف العلوم والفنون.
وهذه نعمة كبرى على هذا البلد العظيم مهبط الوحي ومنبع النور الذي أضاء العالم فبدّد ظلمات الجهل والشرك والكفر فيجب على هذا البلد العظيم حكومة وشعباً أن يدرك قيمة هذه النعمة الكبرى ليبذل أقصى جهده في إرضاء ربه والقيام بواجب شكره حتى تدوم هذه النعمة الكبرى وتستمر قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ .
ويجب أن يدرك أنه لم يحتل هَذه المكانة الرفيعة إلا بالعلم الذي أنزله على أفضل خلقه وأكرم رسله ألا وهو علم الكتاب والسنة, والذي يحاول أعداء الإسلام بطرق خطيرة غاية الخطورة أن يحولوا بيننا وبينه فيضعون بيننا وبينه الحواجز والسُدود الظاهرة والخفية حتى نعيش في ظلمات كثيفة من الجهل ونحيا حياة البهائم لا همّ لنا إلا الأكل والشرب والمتاع الدنيوي.
إننا جميعاً حكومة وشعبا نعتز بالإسلام ونحبه ونجله ونفتديه بأموالنا وأرواحنا وكل غال ونفيس, ومع كل هذا- ونحن في غمرة السباق مع أعدائنا في ميادين العلوم الدنيوية, السباق الذي لا يمكن أن ندرك شأوهم فيه؛ لأنهم قوم لا هم لهم إلا الارتواء من متع الدنيا وشهواتها وملذاتها ولا يبالون بما وراء ذلك من جنة أو نار أو حساب أو عذاب بل هم بذلك كافرون ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ .
стр. 15044
إنّ أكثرنا اليوم: يقفون على حافة هوة خطيرة من الجهل بالقرآن والسنة ويوشك أن يصدق فينا قول الرسول الكريم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جُهّالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " متفق عليه. [٢]
إنّ ما جاء به محمد ﷺ غيث مغدق لا بد أن ينهل منه أبناؤنا حتى التضلع كأسلافهم واتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا.
قال رسول الله ﷺ : "مثل ما بعثتي الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً, فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا, وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً, فذلك مثَلُ من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم, ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " [٣] .
إننا نريد أن يكون أبناؤنا من الطائفتين الأوليين ونعيذهم بالله أن يكونوا من الطائفة الثالثة ولا يتم ما تطمح إليه إلا بالتركيز على دراسة الكتاب والسنة لأننا والحمد لله قد رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً, فمن البديهي أن يكون أسمى أهداف حياتنا أن نعرف مصدر عزّنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وبيانه وشرحه وتفصيله سنة رسول الله ﷺ اللذين غيَّرا مجرى تاريخ البشرية على وجه الأرض بعد أن أحيا من رفاة الأمة العربية ولمّ من شتاتهم وأخرج منهم خير أمة أخرجت للناس. وما كانت الأمة الإسلامية والعربية إلا بهذا القرآن ولا كان لها دولة ولا صولة إلا به ولننظر إلى تأثير هذا القرآن.
١ـ تأثير القرآن الكريم في أنفس العرب:
стр. 15045
لقد أحدث هذا القرآن المعجز أكثر تحوّل في حياة البشر فقلّب طباع الكهول والشباب وأخلاقهم وتقاليدهم وعاداتهم وحوّلها إلى ضدها علماً وعملاً بما لم يعهد له نظير في تاريخ الإنسانية.
فكان القران آية خارقة للمعهود من سنن الاجتماع البشري في تأثيره بالتبع لكونه آية معجزة للبشر في لغته وأسلوبه.
وبعد أن قلّب حياة العرب في الجزيرة العربية من جهل إلى علم ومن شرك إلى توحيد ومن فرقة وفوضى إلى اجتماع وتنظيم اندفعوا كالسيل الآتي على الأقطار من نواحي الجزيرة كلها فأطاحوا بعروش الأكاسرة والقياصرة أعظم ملوك الأرض واقتلعوا جذور الشرك والظلم ونشروا التوحيد والحق والعدل ودخل الناس في دين الله أفواجا مختارين الاهتداء بهذا القرآن, لاجرم أن سبب هذا كله هو تأثير القرآن العظيم بهذا الأسلوب الذي نراه في المصحف فقد كان النبي- ﷺ يجاهد به الكافرين كما أمره ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ ثم كان يربي المؤمنين ويزكيهم, وبهدايته والتأسي بمبلّغه ربّوا الأمم وهذبوها وقلما يقرؤه أحد كما كانوا يقرءون إلا ويهتدي به كما كانوا يهتدون, ثم حكموا الدنيا وساسوها بهذا القرآن إذ لم يكن عندهم شيء من العلم بسياسة الأمم وإدارتها إلا هذا القرآن والأسوة الحسنة بمبلغه ومنفذه الأول وبسنته المطهرة أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ , ولن يعود للمسلمين مجدَهم وعزّهم إلا إذا عادوا إلى هدايته. لقد كان لهذا القرآن العظيم في حياة الناس مسلمهم وكافرهم تأثير بعيد الغور, أما تأثيره في الكافرين فبنفوذ بلاغته، وعظمة نظمه, وأسلوبه الجاذب لفهم دعوته والإيمان به, إذ لا يخفي حسنها على أحد فهمها, وكانوا يتفاوتون في الفهم تفاوتا عظيماً لاختلاف درجاتهم في بلاغة اللغة وفهم المعاني العالية, فهذا التأثير هو الذي أنطق الوليد بن المغيرة المخزومي بكلمته
стр. 15046
العالية فيه لأبي جهل التي اعترف فيها بأنه الحق الذي يعلو ولا يعلى والذي يحطم ما تحته.
وهذا التأثير هو الذي كان يجنب رءوس أولئك الجاحدين المعاندين ليلاً لاستماع تلاوة رسول الله ﷺ عظيم في بيته على ما كان من نهيهم عنه ونأيهم عنه وتواصيهم وتقاسمهم بألا يسمعنّ له ثم كانوا يتسللون فرادى مستخفين ويتلاقون في الطريق متلاومين.
وهذا التأثير هو الذي حملهم على منع أبي بكر الصديق ﵁ من الصلاة والتلاوة في المسجد الحرام ليلاً لما كان لتلاوته وبكائه في الصلاة من التأثير الجاذب إلى الإسلام, وعللوا ذلك بأنه يفتن نساءهم وأولادهم، بل هذا التأثير هو الذي حملهم على صدّ النّبي ﷺ بالقوة عن تلاوة القرآن في البيت الحرام وفي أسواق الموسم ومجامعه، وعلى نواصيهم بما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ . (فصلت: ٢٦) .
٢ ـ تأثير القرآن في أنفس المؤمنين:
стр. 15047
أما تأثيره في المؤمنين فكان كل من يدخل في الإسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن ليعبد الله بتلاوته ويعلم الصلاة, ولم يفرض في مكة من أركان الإسلام غيرها فيرتل ما يحفظه في صلاته اقتداء بالنبي ﷺ إذا فرض الله عليه التهجد بالليل من أول الإسلام قال تعالى في أول سورة (المزمل) : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ, قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً, نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً, أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ثم قال في آخرها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ . (المزمل: ٢٠) أي في صلاة الليل وغيرها.
وقد قال تعالى في وصفهم: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . (الفرقان: ٦٤) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ, تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . (السجدة: ١٥- ١٦) .
ومما ورد في وصفهم- ﵃ أن الذين كان يمر ببيوتهم ليلا يسمع منها مثل دوي النحل من تلاوة القرآن.
стр. 15048
وقد شدّد بعضهم على أنفسهم فكان يقوم الليل كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك فتزكية الصحابة وتربيتهم بهذا القرآن هي التي غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية وزكتها تزكية عالية وهى التي أحدثت أعظم تحول روحي واجتماعي في التاريخ هذا كله إنما كان بكثرة تلاوة القرآن في الصلاة وغير الصلاة وتدبره وربما كان أحدهم يقوم الليل بآية واحدة يكررها متدبراً لها وكانوا يقرءونه مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ . (آل عمران: ١٩١) .
وأعظم ذكر الله تلاوة كتابه المشتمل على ذكر أسمائه وصفاته المقدسة وأحكامه وحكمه وسنته في خلقه وأفعاله في تدبير ملكه [٤] .
منزلة السنة من القرآن ومكانتها في نفوس المسلمين:
السنة المطهّرة هي ما صدر من النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير وهي وحي إلهي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . وهي بيان القرآن وتفسيره فهي تبين مجمله وتقيد مطلقه وتخصص عامه وهي واجبة الاتباع بنص القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . (الحشر: ٧) .
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . (النور: ٩٣) .
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . (النساء: ٦٥) .
وأمر الله في كثير من آيات القرآن بطاعة هذا الرسول الكريم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . (النساء: ٥٩) .
стр. 15049
وأخبر تعالى أن طاعة الرسول إنما هي طاعة الله قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وقرر الله انه ليس للمؤمنين أي خيارٍ أمام قضاء رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . (الأحزاب: ٣٦) .
والحياة الحقيقية والصحيحة إنما هي في الاستجابة لهذا الرسول؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . (الأنفال: ٢٤) .
من هذه التوجيهات القرآنية أدرك المؤمنون عظمة السنة ومكانتها وأدركوا أنه يجب عليهم التزامها في كل شأن من الشؤون الإسلامية العقائدية والعبادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لا فرق بينها وبين القرآن من حيث وجوب الالتزام والطاعة والانقياد والتصديق. إن توجيهات وتعاليم القرآن والسنة المطهرة متمازجة متساندة في كل المجالات التي خاضها القرآن لا يعد مؤمنا من يفرق بينهما في النواحي العقائدية أو العملية ذلك لأنه يستحيل تطبيق القرآن بفهم بدون هذه السنة المطهرة وكيف يفرق بينهما من يؤمن بقول الله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . (النحل: ٤٤) . وما جرى مجراها في بيان منزلة الرسول ﷺ وسنته.
من أين نعرف أعداد ركعات الصلوات الخمس وأوقاتها وهيآتها وأذكارها إذا كنا لا نعرف السنة.
وكيف نعرف شروط الزكاة ومقادير أنصبتها إذا لم تكن لدينا سنة محمد ﷺ وبيانه.
стр. 15050
ومن أين نعرف حد شارب الخمر ورجم الزاني وقطع يد السارق إذا لم نرجع إلى السنة المطهرة هذه وغيرها من الأمور الكثيرة التي يتوقف الإيمان بالقرآن وتطبيقه على الإيمان بالسنة ومعرفتها وتطبيقها والتزامها وإتباعها. قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
مكانة السنة في نفوس الأمة:
من هنا أدركت الأمة الإسلامية عظمة السنة ومكانتها فحفظوها كما حفظوا القرآن وصانوها كما صانوا القرآن, ودوّنوا فيها الدواوين من الجوامع والمسانيد والمعاجم والأجزاء والمصنفات وألّفوا في رجالها وأسانيدها الكتب التي لا تحصى وألفوا الصحاح والسنن وفي الموضوعات والعلل بعد أن ميزوا الصحيح من الضعيف في الموضوع, وألوف المحدثين جندو أنفسهم لخدمتها وكابدوا في سبيلها المشاق والسهر والرحلات الطويلة إلى مختلف بلدان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
أما المؤلفات فهذه مكتبات الدنيا تزخر بها حتى مكتبات أوربا وأمريكا والهند حيث استحوذت على إعجابهم وأدركوا أنه أعظم كنز يتباهون به في مكتباتهم.
وأما الرحلات في سبيلها التي بذلها المسلمون في فجر تاريخهم فلا يحصيها إلا الله, وكتب التاريخ والرجال حافلة بذلك.
إلا أننا نختار هنا أربعة نمازج للتدليل على تقدير الأمة الإسلامية لسنة نبيهم واهتمامهم بها ومكانتها في أنفسهم.
стр. 15051
١- خرج أبو أيوب الأنصاري ﵁ من المدينة النبوية إلى عقبة بن عامر بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟. فقال: "حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه غيري وغير عقبة بن عامر فابعث من يدلني على منزله قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة فأخبر عقبة به فعجل إليه فعانقه وقال: "ما جاء بك يا أبا أيوب؟ "فقال: "حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن"قال: "نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة", فقال له أبو أيوب: "صدقت", ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر" [٥]
٢- قال جابر بن عبد الله- ﵁: "بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم أسمعه منه"قال: "فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلت إليه أن جابراً على الباب قال: فرجع إليّ الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. قال: فرجع الرسول إليه فخرج فاعتقني واعتنقته قال: قلت: "حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه" فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد" أو قال: "يحشر الله الناس" قال: -وأومأ يده إلى الشام- "عُراةً غُرلا بهُماً" قلت: "وما بهماً؟ " قال: "ليس معهم شيء" الحديث.
стр. 15052
٣- جاء رجل إلى الشعبي فقال: "يا أبا عمرو إنّ ناساً عندنا يقولون: "إذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بذلته", قال الشعبي: "حدثني أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه أن رسوله الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: الرجل من أهل الكتاب كان مؤمنا قبل أن يبعث النبي ﷺ فله أجران, ورجل كانت له جارية فعلّمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران" [٦] خذها بغير شيء فلقد كان الرجل يرحل في أدنى منها إلى المدينة.
٤- قال شعبة: "حدثني أبو إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: "كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله ﷺ فجئت ذات يوم والنبي حوله أصحابه فسمعته يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فاستغفر الله إلا غفر الله له".
قال: فقلت لأبي إسحاق: "من عبد الله بن عطاء؟ " قال: "فغضب ومسعر بن كدام حاضر"قال: "فقلت له لتصحّحنّ لي هذا الحديث أو لأحرقنّ ما كتبت عنك"فقال لي مسعر: "عبد الله بن عطاء بمكة", قال شعبة: "فرحلت إلى مكة لم أرد الحج أردت الحديث فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته؟ "فقال: "سعد بن إبراهيم حدثني".
فقال لي مالك بن أنس: "سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام".
стр. 15053
قال شعبة: "فرحلت إلى المدينة فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته, فقال: "الحديث من عندكم لزياد بن مخراق حدثني", قال شعبة: "فلما ذكر زياداً قلت: أي شيء هذا الحديث بينما هو كوفي إذ صار مدنياً إذ صار بصرياً قال: "فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته؟ "فقال: "ليس هو من يأتيك "قلت: "حدثني به "قال: "لا ترده"قلت: "حدثني به"قال: "حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ", قال شعبة: "فلما ذكر شهر بن حوشب قلت: دمّر على هذا الحديث لو صح لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ كان أحبّ إليّ من أهلي ومالي والناس أجمعين" [٧] .
على أيّ شيء تدل مثل هذه الرحلات الطويلة الشاقة من أجل حديث واحد, ألا تدل على إيمان صادق وحب صادق لرسول الله ﷺ وسنته وهديه ومعرفة بمكانتها, وأنهم قوم يعرفون القيم الحقيقية للأشياء, وأن حديثا واحداً عندهم خير من الدنيا وما عليها لهذا استحقوا أن يعزهم الله وأن يبوّأهم سنام المجد والعز والتمكين.
سمعوا قول الله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ . وسمعوا قول رسول الله: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراَ شربة ماء".
وسمعوا قوله: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها".
وسمعوا قوله: "لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها".
فهانت الدنيا وصغرت في أعينهم وعظم أمر الإسلام والقرآن والرسول وسنته في أعينهم, ونحن على النقيض صغرت هذه الأمور الكبيرة العظيمة في أعيننا وكبرت الدنيا وشهواتها وملاذها في أعيننا وصرنا نركض ونلهث لتخفيف أكبر متاع منها.
стр. 15054
فهُنّا على الله وسلّط علينا الأعداء وحاق بنا في الذل والهوان مالا ينزعه عنا إلا العودة الجادة إلى الله والاعتزاز بهذا القرآن وهذه السنة كما أخبرنا بهذا المصير رسول الله ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" وديننا هو القرآن والسنة.
وأول خطوة في طريق العودة إلى الله يتمثل في أمور:
١ـ إصلاح المناهج.
٢- اختيار المدرس.
٣- اختيار الطلاب الأذكياء.
أولا: إصلاح المناهج:
لست بصدد وضع حطة شاملة أو وضع مناهج تفصيلية لكل المراحل العلمية, فهذه لها من يقوم بها وهم المسؤولون عن هذه المناهج.
ولا شك أنهم حريصون على ما يسعد أمتهم ويرفع من شأنهم في الدنيا والآخرة. ولا شك أيضا أنهم على استعداد لتقبل ما يقدم لهم من الاقتراحات النافعة.
وهم والحمد لله قد وضعوا مادة القرآن كمادة أساسية ضمن المناهج المقررة في المدارس في مختلف المراحل ظناً منهم أن هذا الأمر كان لتربية أبنائهم تربية إسلامية.
غير أن الأيام أثبتت والتجارب برهنت أن نصيب القرآن في هذه المناهج غير كاف ولا مؤثر في أبنائنا التأثير المطلوب.
إذن لابد من إعادة النظر ولا بد من العمل الجاد في وضع منهج يخرج شبابا محمديا يفهم الإسلام ويحفظ القرآن ويعتز بمبادئه ومثله, ويطبق شعائره وبجاهد من أجلها حتى آخر رمق من حياته.
إنّ واقع المناهج الحالية يعجز أن ينجب هذا النوع الذي نتطلع إليه وهذا شيء لا نريده جميعا ولا نرضاه ولكنه وقع من حيث لا نشعر فمثلا لو استعرضنا منهج المرحلة الابتدائية لوجدنا أننا كلفنا أبناءنا وبناتنا فوق طاقاتهم وهي مرحلة أساسية في بنائهم فلابد أن نراعى مداركهم واستعدادهم وأن يقدم إليهم ما يرغبهم ويشجعهم إلى المضي قدماً في طريق الإسلام عن فهم وحب ورغبة في العلم.
стр. 15055
وليكون الأمر واضحاً أضع أمامكم منهج سنتين من سنوات المرحلة الابتدائية:
أولا: مقرر السنة الثالثة ابتدائي:
١- مادة الرياضيات كتاب يقع في ١٨١ صفحة.
٢- مادة العلوم كتاب يقع في ١٠٤ صفحة.
٣- أناشيد كتاب يقع في ٨٤ صفحة.
٤- مادة المطالعة كتاب يقع في ١٤٠ صفحة.
٥- مادة القرآن يضاف إليها المجموع ٥٠٩ صفحة.
ثانيا: مقرر السنة الخامسة ابتدائي للبنات:
١- الرياضات في ٢١١ صفحة.
٢- المطالعة في ١٦٧ صفحة.
٣- التربية النسوية في ١٦٥ صفحة.
٤- الجغرافيا في ٦٧ صفحة.
٥- العلوم في ١٤٥ صفحة.
٦- الحديث والتوحيد والفقه والتجويد في ١٨٦ صفحة
٧- القواعد اللغوية في ١٥٨ صفحة.
٨- التاريخ في ٨٠ صفحة.
المجموع ١١٧٩ صفحة.
إلى جانب مادة القران والخط.
كيف يستطيع هؤلاء البراعم أن يهضموا أو يفهموا هذه المواد التي قد يعجز كثير من أساتذتهم أن يفهموهم إياها, وإذا واجه أحد الطلاب مشاكل لا يستطيع أهله ولا جيرانه أن يحلوها وربما الأمر أدهى فيما بعد المرحلة الابتدائية, أما القرآن فحدث عنهم ولا حرج فإن الكثير أو الأكثر يتجاوزون المراحل كلها بما فيها الجامعية وهم لا يحسنون تلاوته من المصحف فضلا عن حفظه وفهمه, هذا حقيقة والواقع أكبر شاهد وهذه خسارة فادحة لا تقدر بثمن ولا تعوض وإذن فما الحل وما هو الطريق الذي يجب أن نرسمه ونقيم حياتها عليه؟
الحل الصحيح في نظري يتمثل فيما يأتي:
أولا: تكثيف مدارس تحفيظ القرآن تنصبُّ العنايةُ فيها على تحفيظ القران ثم يضاف إليه ما يساعدهم على إجادة قراءته كالخط والإملاء إلى السنة الرابعة ثم تضاف مادة الحساب: الجمع الطرح الضرب, الجمع في السنَة الرابعة, الطرح في الخامسة, الضرب في السادسة مع كتاب لطيف يشرح لهم العقيدة والصلاة.
следующие страницы →