← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15051–15090 · переход к 15056.

стр. 15051

١- خرج أبو أيوب الأنصاري ﵁ من المدينة النبوية إلى عقبة بن عامر بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟. فقال: "حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه غيري وغير عقبة بن عامر فابعث من يدلني على منزله قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة فأخبر عقبة به فعجل إليه فعانقه وقال: "ما جاء بك يا أبا أيوب؟ "فقال: "حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن"قال: "نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة", فقال له أبو أيوب: "صدقت", ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر" [٥] ٢- قال جابر بن عبد الله- ﵁: "بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم أسمعه منه"قال: "فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلت إليه أن جابراً على الباب قال: فرجع إليّ الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. قال: فرجع الرسول إليه فخرج فاعتقني واعتنقته قال: قلت: "حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه" فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد" أو قال: "يحشر الله الناس" قال: -وأومأ يده إلى الشام- "عُراةً غُرلا بهُماً" قلت: "وما بهماً؟ " قال: "ليس معهم شيء" الحديث.

стр. 15052

٣- جاء رجل إلى الشعبي فقال: "يا أبا عمرو إنّ ناساً عندنا يقولون: "إذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بذلته", قال الشعبي: "حدثني أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه أن رسوله الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: الرجل من أهل الكتاب كان مؤمنا قبل أن يبعث النبي ﷺ فله أجران, ورجل كانت له جارية فعلّمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران" [٦] خذها بغير شيء فلقد كان الرجل يرحل في أدنى منها إلى المدينة. ٤- قال شعبة: "حدثني أبو إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: "كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله ﷺ فجئت ذات يوم والنبي حوله أصحابه فسمعته يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فاستغفر الله إلا غفر الله له". قال: فقلت لأبي إسحاق: "من عبد الله بن عطاء؟ " قال: "فغضب ومسعر بن كدام حاضر"قال: "فقلت له لتصحّحنّ لي هذا الحديث أو لأحرقنّ ما كتبت عنك"فقال لي مسعر: "عبد الله بن عطاء بمكة", قال شعبة: "فرحلت إلى مكة لم أرد الحج أردت الحديث فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته؟ "فقال: "سعد بن إبراهيم حدثني". فقال لي مالك بن أنس: "سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام".

стр. 15053

قال شعبة: "فرحلت إلى المدينة فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته, فقال: "الحديث من عندكم لزياد بن مخراق حدثني", قال شعبة: "فلما ذكر زياداً قلت: أي شيء هذا الحديث بينما هو كوفي إذ صار مدنياً إذ صار بصرياً قال: "فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته؟ "فقال: "ليس هو من يأتيك "قلت: "حدثني به "قال: "لا ترده"قلت: "حدثني به"قال: "حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ", قال شعبة: "فلما ذكر شهر بن حوشب قلت: دمّر على هذا الحديث لو صح لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ كان أحبّ إليّ من أهلي ومالي والناس أجمعين" [٧] . على أيّ شيء تدل مثل هذه الرحلات الطويلة الشاقة من أجل حديث واحد, ألا تدل على إيمان صادق وحب صادق لرسول الله ﷺ وسنته وهديه ومعرفة بمكانتها, وأنهم قوم يعرفون القيم الحقيقية للأشياء, وأن حديثا واحداً عندهم خير من الدنيا وما عليها لهذا استحقوا أن يعزهم الله وأن يبوّأهم سنام المجد والعز والتمكين. سمعوا قول الله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ . وسمعوا قول رسول الله: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراَ شربة ماء". وسمعوا قوله: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها". وسمعوا قوله: "لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها". فهانت الدنيا وصغرت في أعينهم وعظم أمر الإسلام والقرآن والرسول وسنته في أعينهم, ونحن على النقيض صغرت هذه الأمور الكبيرة العظيمة في أعيننا وكبرت الدنيا وشهواتها وملاذها في أعيننا وصرنا نركض ونلهث لتخفيف أكبر متاع منها.

стр. 15054

فهُنّا على الله وسلّط علينا الأعداء وحاق بنا في الذل والهوان مالا ينزعه عنا إلا العودة الجادة إلى الله والاعتزاز بهذا القرآن وهذه السنة كما أخبرنا بهذا المصير رسول الله ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" وديننا هو القرآن والسنة. وأول خطوة في طريق العودة إلى الله يتمثل في أمور: ١ـ إصلاح المناهج. ٢- اختيار المدرس. ٣- اختيار الطلاب الأذكياء. أولا: إصلاح المناهج: لست بصدد وضع حطة شاملة أو وضع مناهج تفصيلية لكل المراحل العلمية, فهذه لها من يقوم بها وهم المسؤولون عن هذه المناهج. ولا شك أنهم حريصون على ما يسعد أمتهم ويرفع من شأنهم في الدنيا والآخرة. ولا شك أيضا أنهم على استعداد لتقبل ما يقدم لهم من الاقتراحات النافعة. وهم والحمد لله قد وضعوا مادة القرآن كمادة أساسية ضمن المناهج المقررة في المدارس في مختلف المراحل ظناً منهم أن هذا الأمر كان لتربية أبنائهم تربية إسلامية. غير أن الأيام أثبتت والتجارب برهنت أن نصيب القرآن في هذه المناهج غير كاف ولا مؤثر في أبنائنا التأثير المطلوب. إذن لابد من إعادة النظر ولا بد من العمل الجاد في وضع منهج يخرج شبابا محمديا يفهم الإسلام ويحفظ القرآن ويعتز بمبادئه ومثله, ويطبق شعائره وبجاهد من أجلها حتى آخر رمق من حياته. إنّ واقع المناهج الحالية يعجز أن ينجب هذا النوع الذي نتطلع إليه وهذا شيء لا نريده جميعا ولا نرضاه ولكنه وقع من حيث لا نشعر فمثلا لو استعرضنا منهج المرحلة الابتدائية لوجدنا أننا كلفنا أبناءنا وبناتنا فوق طاقاتهم وهي مرحلة أساسية في بنائهم فلابد أن نراعى مداركهم واستعدادهم وأن يقدم إليهم ما يرغبهم ويشجعهم إلى المضي قدماً في طريق الإسلام عن فهم وحب ورغبة في العلم.

стр. 15055

وليكون الأمر واضحاً أضع أمامكم منهج سنتين من سنوات المرحلة الابتدائية: أولا: مقرر السنة الثالثة ابتدائي: ١- مادة الرياضيات كتاب يقع في ١٨١ صفحة. ٢- مادة العلوم كتاب يقع في ١٠٤ صفحة. ٣- أناشيد كتاب يقع في ٨٤ صفحة. ٤- مادة المطالعة كتاب يقع في ١٤٠ صفحة. ٥- مادة القرآن يضاف إليها المجموع ٥٠٩ صفحة. ثانيا: مقرر السنة الخامسة ابتدائي للبنات: ١- الرياضات في ٢١١ صفحة. ٢- المطالعة في ١٦٧ صفحة. ٣- التربية النسوية في ١٦٥ صفحة. ٤- الجغرافيا في ٦٧ صفحة. ٥- العلوم في ١٤٥ صفحة. ٦- الحديث والتوحيد والفقه والتجويد في ١٨٦ صفحة ٧- القواعد اللغوية في ١٥٨ صفحة. ٨- التاريخ في ٨٠ صفحة. المجموع ١١٧٩ صفحة. إلى جانب مادة القران والخط. كيف يستطيع هؤلاء البراعم أن يهضموا أو يفهموا هذه المواد التي قد يعجز كثير من أساتذتهم أن يفهموهم إياها, وإذا واجه أحد الطلاب مشاكل لا يستطيع أهله ولا جيرانه أن يحلوها وربما الأمر أدهى فيما بعد المرحلة الابتدائية, أما القرآن فحدث عنهم ولا حرج فإن الكثير أو الأكثر يتجاوزون المراحل كلها بما فيها الجامعية وهم لا يحسنون تلاوته من المصحف فضلا عن حفظه وفهمه, هذا حقيقة والواقع أكبر شاهد وهذه خسارة فادحة لا تقدر بثمن ولا تعوض وإذن فما الحل وما هو الطريق الذي يجب أن نرسمه ونقيم حياتها عليه؟ الحل الصحيح في نظري يتمثل فيما يأتي: أولا: تكثيف مدارس تحفيظ القرآن تنصبُّ العنايةُ فيها على تحفيظ القران ثم يضاف إليه ما يساعدهم على إجادة قراءته كالخط والإملاء إلى السنة الرابعة ثم تضاف مادة الحساب: الجمع الطرح الضرب, الجمع في السنَة الرابعة, الطرح في الخامسة, الضرب في السادسة مع كتاب لطيف يشرح لهم العقيدة والصلاة.

стр. 15056

وليكن التركيز في هذه المرحلة على حفظ نصف القرآن على الأقل. ويشرف على اختبار الطلاب في نهاية كل سنة لجان من حفاظ القرآن الثقات بحيث لا ينتقل الطالب من صف إلى آخر إلا بعد التأكد من حفظ مقرر القرآن في الصف الذي ينتقل. والطالب الذي يعجز عن حفظ المقرر يبق في سنته تلك للقيام بواجب حفظه القرآن في سنته التي يبق فيها ولا يجتاز هذه السنة إلا بعد التأكد من حفظه لمقررها.. ثم تستمر هذه المدارس في تحفيظ القرآن ودراسة علومه في المرحلة المتوسطة ولتكن هذه المرحلة خمس أو ست سنين. ويكون التركيز في هذه المرحلة على حفظ النصف الباقي من القرآن مع مراجعة النصف الأول مراجعة جادة حتى لا ينساه الطلاب ثم يضاف إلى حفظ القرآن مادة التجويد ومادة التوحيد والفقه والحديث يختار لهم الأمور المهمة في العقيدة والفقه ويكلفون بحفظ أربعين حديثا على الأقل في كل سنة. ثم الجغرافيا في السنة الأولى والتاريخ في باقي السنوات. ثم تستمر هذه المدارس في العناية الجادة بحفظ القرآن في المرحلة الثانوية ولتكن هذه المرحلة أربع سنوات أيضاً, يعتني فيها بمراجعة حفظ القرآن عناية جادة مع دراسة علوم القرآن وعلوم الحديث والحديث والفقه والفرائض ويستمر اختبارهم في حفظ القرآن عن طريق اللجان المذكورة في كل سنة من السنوات على الوجه السابق. ثم بعد اجتيازهم المرحلة الثانوية يوزعون على كليات الشريعة والحديث والقرآن الآتي ذكرها. ثانيا: المدارس القائمة حاليا تكون المرحلة الابتدائية على غرار ما ذكرته في الابتدائية من مدارس تحفيظ القرآن في كل شيء.

стр. 15057

ب- المرحلة المتوسطة: لتكن ست سنوات ويعنى فيها بحفظ النصف الباقي من القرآن ويجرى الامتحان في حفظ القرآن على غرار ما ذكرناه في مدارس تحفيظ القرآن والذي لا ينجح في مقرر السنة التي هو فيها يبقى فيها إلى أن يجتازها بنجاح ويقرر في هذه المرحلة مواد المرحلة الابتدائية الحالي مع استحسان تخفيفها باختصار بعض المواد الصعبة وتوضيحها وإبعادها عن الرموز والتعقيد وتصفيتها من الشوائب مع ربطها بالعقيدة الإسلامية الحقة. ج- المرحلة الثانوية: لتكن أربع سنوات وفي هذه المرحلة يحسن تقسيمهم على حسب ميولهم واستعدادهم للتخصصات المستقبلة فقسم للطب وقسم للهندسة وقسم للقرآن وعلومه وقسم للحديث وعلومه وقسم للشريعة وقسم للاقتصاد الإسلامي وهكذا مع العناية بمراجعة حفظ القرآن والاختبار فيه في نهاية كل سنة يتقدم الناجح ويبقى الراسب إلى أن يجتاز سنته بنجاح. ومع دراسة قضايا مهمة في العقيدة والفقه وشيء من حفظ الحديث في كل سنة من سنوات قسم الطب والهندسة والاقتصاد. ثم يتخرج طلاب كل قسم إلى الكلية التي فيها اختصاصه. المرحلة الجامعية: ينبغي أن تقوم في كل جامعة من جامعات المملكة كليات. ١ - للقرآن. ٢- للحديث. ٣- للشريعة. ثم يستمر في المرحلة الجامعية في كل الكليات كلية الطب, كلية الهندسة,..الخ, في مراجعة حفظ القران وحفظ مقدار مناسب من الحديث في كل سنة من السنوات ويختبرون في الحفظ ولا يجتاز الطالب سنة إلى أخرى إلا بعد النجاح فيما يقرر مراجعة حفظه في القرآن ومقرر الحفظ من الحديث, مع إضافة شيء من علوم القرآن والحديث إلى المواد المقررة في كل كلية من الكليات.

стр. 15058

وإضافة مادة للرد على شبهات المستشرقين وغيرهم من أعداء الإسلام. الشبهات التي يوجهونها ضد الإسلام في كل سنة من سنوات جميع الكليات هذا مع إشعار الطلاب جميعاً وفي كل المراحل أنهم إخوة في الله وأن غايتهم جميعاً واحدة وأنهم جميعاً جند في سبيل الله وأنهم لَبِنات في صرح مجتمع إسلامي واحد يشد بعضهم بعضاً, وأن تزال كل أسباب التنافر الموجودة بينهم وأن يساوى بين خرّيجي مختلف الكليات في الرواتب والمراتب, وأن توجه كل طاقاتهم ضد أعداء الإسلام الذين تكالبوا على الإسلام والمسلمين والذين تداعوا على المسلمين كما تتداعى الأكلَة على قصعتها. أعداء الإسلام على اختلاف أديانهم وعقائدهم من استعماريين وشيوعيين وصهيونيين ومبشرين الذين يجمعهم التعصب الأعمى والحقد المميت ضد الإسلام والمسلمين. إن أعداء الإسلام الذين يدركون تمام الإدراك تأثير القرآن والسنة في حياة المسلمين فيحاولون بدهاء وخبث أن يفصلوا بين المسلمين وبين كتابهم الخالد وسنة نبيهم المطهرة اللذين يبعثان في المسلمين بين الفينة والأخرى الحياة الصحيحة حياة الإيمان الصادق ويبعثان فيهم روح الجهاد ويكسبانهم النصر على أعدائهم لأنهم حينما يعتصمون بكتاب ربهم وسنة نبيهم يكون الله معهم فيؤيدهم وينصرهم على أعدائهم. فتحت شعار البحث العلمي وحرية الفكر تناول المبشرون والمستعمرون والصليبيون والصهيونيون والشيوعيون القرآن شر تناول. وباسم الحضارة والمدنية قضوا على ما فيه من تشريع وعبادة. وباسم حرية الفكر وإطلاقه من أغلال العقيدة زعزعوا قواعد دين الإسلام في نفوس المهزوزين. وباسم البحث العلمي نزعوا عن القرآن قداسته من نفوس الضعفاء وهذا أشد وأنكى على الإسلام والمسلمين من الحروب العسكرية.

стр. 15059

ولا يرد هذا الكيد الخبيث والعمل الرهيب إلا أن نحصن أبناءنا بتعاليم الكتاب والسنة وأن نسلحهم بالحجج الدامغة المزهقة لباطل ومفتريات أعداء الإسلام وإلا أن نخرج الجندي المسلم والطبيب المسلم والمهندس المسلم والمحدث الواعي والفقيه المتبصر. وكل هذا سيحققه إن شاء الله المنهج الذي رسمناه وتحدثنا عنه. ثانيا: اختيار المدرس: المدرس له أثره البالغ على التلميذ فهو أسوته ومثله فيجب اختيار المدرس الرباني التقي قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ . والعلماء هم ورثة الأنبياء في علمهم وأخلاقهم ودعوتهم إلى الله، فلا بد للمدرس أن يتمتع بحظ وافر من هذه الوراثة. في علمه أن يكون عالما بدينه, وفي أخلاقه من الإخلاص والصبر والحلم وصدق الحديث والفعل إلى جانب الذكاء والحرص على تنشئة تلاميذه على الإسلام الحق وأخلاقه وآدابه ومثله. ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يكون الاعتماد في اختيار المدرس على الشهادات بل يجب أن يراعي في الدرجة الأولى عقيدتة وأخلاقه الإسلامية وتمسكه بدينه. وهذا أمر مهم جداً لا مناص من اعتباره. فالمدرس الذي انجرف في عقيدته وفكره أو الضعيف الأخلاق والسلوك أو المتهاون في العبادة والصلاة أخطر على أبنائنا من الأمراض الفتاكة, وما نشاهده من انحراف في سلوك كثير من الطلاب أو تهاونهم في أداء الصلوات بل استثقالها وما نراه من زههدهم في القرآن وتلاوته وحفظه وفهمه يعود معظم وزره على كثير من المدرسين الذين أثروا بسلوكهم في أبنائنا وفلذات أكبادنا.

стр. 15060

فعلينا أن نستمر عن ساعد الجد لعلاج المصابين منهم في أخلاقهم وسلوكهم وعلينا أن نبذل كل ما نستطيع من طاقات لحمايتهم ووقايتهم من الأمراض الفكرية والخلقية أشد مما نبذله لعلاج أجسادهم وحمايتها. فكما لا نثق بالطبيب الذي يقدم الإبر المسمومة والدواء الفاسد الذي قد يؤدي بحياتهم كذلك يجب أن نحميهم ممن يفتك بأخلاقهم وسلوكهم من المدرسين. وكما يجب أن نختار الطبيب الأمين المخلص كذلك يجب أن نختار المدرس الأمين الصادق المخلص أكثر وأكثر وأهم وأهم. ثالثا: اختيار الطلاب الأذكياء الطلاب هم أبناء اليوم ورجال الغد فهم رجال المستقبل الذين سيكون منهم الأستاذ المسلم والقاضي المسلم والجندي المسلم والطبيب المسلم والمهندس المسلم. وهذه أمور مهمة وعظيمة جدا فلا بد من دراسة مواهبهم واستعداداتهم ولا بد لكل ثغر من ثغور الإسلام أن يملأ برجاله وأهل الكفاءات فيه فمن المرحلة الثانوية يبدأ التقسيم، تقسيم الطلاب إلى الاختصاصات التي ذكرتها سابقا لا بمجرد أن يختار كل طالب ما يريد. بل لابد من الاستعانة برأي الأساتذة الأذكياء المخلصين الذين يعرفون المواهب والاستعدادات بفراستهم وتوسمهم وخبرتهم وتجارتهم. إن الأذكياء من أبنائنا اليوم ينصرفون عن العلوم الإسلامية من قرآن وحديث وتفسير وفقه لأسباب يعلمها الله. والمعاهد العلمية والكليات الشرعية لا يوجد فيها إلا النادر من الأذكياء, لقد كان الأذكياء والعباقرة في عهود الإسلام الزاهية يتجهون إلى دراسة العلوم الإسلامية وتدريسها والتأليف فيها خصوصاً علوم الحديث فوصلوا بالعلوم الإسلامية وبالأمة الإسلامية إلى مستوى لا يوجد له نظير في تاريخ الإنسانية كله.

стр. 15061

ونحن اليوم بأشد الحاجة والضَرورة إلى هذا النوع من عباقرة الرجال ليعيدوا لنا مجد الإسلام وليسددوا الضربات القاتلة بفكرهم وأخلاقهم إلى أعداء الإسلام من مبشرين وغيرهم من منطلق الهجوم إلى ثغرات الأعداء التي لا تحصى في عقَائدهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم.. إننا اليوم بخلوِّ الميادين من أمثال هؤلاء في مركز دفاع هزيل عن الإسلام وأهله لا يحمي الأبناء ولا يصد هجوم الأعداء. فلا بد إذن من ملء هذا المجال بالعباقرة والأذكياء بدل أن تضيع كثير من طاقاتنا أو تذهب إلى مجالات أخرى لا تفيد منها بل قد تضر بأمتها ودينها كما تحوَّل كثير من أبناء الأمة الإسلامية إلى معاول بأيدي خصومنا وتوجههم هدم كياننا وديننا. رابعا: تهيئة الجو لتربية الطلاب تربية إسلامية صالحة: يجب أن يفهم الطلاب أن المدرسة معقل من معاقل الإسلام ومحضن يتربى فيه أبناء المسلمين ليؤدي كل واحد دوره في خدمة دينه وعقيدته. وعلينا أن نفهمهم دينهم دين أخلاق عالية ومثل رفيعة وأن رسولهم خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق", وقد قال الله في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . ويجب أن يكون مديرو المدارس والأساتذة على مستوى عالٍ من الدين والخلق الرفيع.

стр. 15062

كما يجب أن يحببوا الصلاة إلى نفوس الطلاب وأن يشعروهم أنها عماد الإسلام لن يقوم الدين إلا بها وأنها أهم شيء في حياتهم بعد الشهادتين فليقيموها جماعة في المسجد إن كان بجوار المدرسة مسجد وإلا ففي المدرسة حتى يتم بناء مسجد يجاورها, ومما يؤسف له مر الأسى أن بعض المدارس لا تقام فيها الصلاة وذلك يرجع في الأغلب إلى سوء الإدارة وتهاون بعض المديرين في أمر الصلاة كما يساهم إلى حد بعيد بعض المدرسين الذين لا يخافون الله في أنفسهم ولا في أمتهم ولا يدركون فداحة الجناية التي يرتكبونها في حق الأمة ودينها. هذه الصلاة تركها كفر قال رسول الله ﷺ : "إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر" [٨] وكان الصحابة لا يرون شيئاً من العمل كفراً سوى ترك الصلاة, وقد اتفق العلماء أن من تركها جحداً فهو كافر ويقتل على هذا الكفر وإن تركها تكاسلاً وتهاونا فبعضهم يرى أنه كافر وهو مذهب قوي وله أدلته, والآخرون يرون أنه يقتل حداً ومن يرى السجن دون القتل مذهبه ضعيف. من المحتم علينا أن نشعر الطلاب باحترامها وأهميتها والذي تحدثه نفسه بالتهاون فيها فعلى المسؤولين أن يرغموه عليها إرغاما كما قال رسول الله ﷺ : "علموهم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع". والذي لا تنجع فيه وسائل الترغيب والترهيب والعقوبة فالواجب إبعاده عن المدرسة لأنه جرثومة فاسدة قد يسرى بلاؤه فيمن حوله كما أن هذه الجدية والصرامة يجب أن تلاحقهم حتى في خارج الدوام كالأندية الرياضية ومما يؤسف له أشد الأسف أن كثيراً من الأندية تمر بهم الصلاة وهم في غمرة اللهو واللعب فلا يستحون من الله ولا يخجلون من الأمة.

стр. 15063

وقد يكون فيهم بعض الأساتذة وقد يكون معهم بعض الشخصيات, إن هؤلاء يجب أن تنالهم يد العدالة وأن تنكل بهم تنكيلا شديداً يكون رادعاً لأمثالهم ممن تسوّل له نفسه الاستخفاف بشيء من تعاليم الإسلام كالصلاة. إنّ التهرّب من الصلاة واستثقالها من سمات المنافقين الذين همّ رسول الله بإحراقهم والذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾ . ما يجري في الأندية الرياضية في العالم الإسلامي يجب على المسلمين أن يتخلصوا أو يخلصوا أبناءهم منه فإن له دوراً كبيراً في قتل الوقت وقتل الدين والخلق وينبغي أن يكون فقط في حدود الإطار الذي أباحه الإسلام دون أن يصطدم بشيء من مبادئ الإسلام وأخلاقه ومثله. كذلك وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة من واجبها أن تقدم النافع من البرامج للأمة وان تبتعد عمالا يتفق مع تعاليم الإسلام, وعلى الآباء أن يراقبوا أبناءهم في متابعة البرامج حتى لا تضيع أوقاتهم في ملاحقتها فتصرفهم عن الدراسة الجادة وحفظ القرآن وينبغي أن يكون هناك توعية وتنبيه الآباء والأمهات في دعامة أولادهم والمحافظة على وقتهم فلا يسمحون لأبنائهم في متابعة البرامج إلا بوقت محدود وبالنافع منها فقط وإبعادهم عن الضار إن كان هناك ما يضر بدينهم أو خلقهم. هذا ما بدا لي حول ربط أجيالنا بالقرآن والسنة كما كان أسلافهم في أزهى عصور الإسلام. وأرجو أن أكون قد وفقت كما أرجو أن يجد آذانا صاغية وأمة واعية مستعدة للعودة إلَى ربها والتمسك بكتاب ربها وسنة نبيها وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 15064

[١] أخرجه البخاري: ٣- كتاب العلم بدون إسناد، وأخرجه مسلم ٤٨ من كتاب الذكر والدعاء باب ا١- حديث (٢٧٠١) ضمن حديث طويل, وأبو داود: ١٩- العلم باب ا- حديث (٣٦٤١) ضمن حديث طويل, الترمذي: ١٩ كتاب العلم حديث (٢٦٨٢) , وأحمد في المسند: ٢/ ٢٥٢. [٢] أخرجه البخاري: ٣- العلم باب كيف يقبض العلم حديث (١٠٠) , ومسلم: ٤٧- كتاب العلم ١٤ حديث ٢٦٧٣. [٣] أخرجه البخاري: ٣- العلم حديث ٧٩. [٤] راجع تفسير المنار ١١/ ٢٠١- ٢٠٥. [٥] أخرجه الإمام أحمد في المسند مختصراً (٤/ ١٥٣) , والرحلة للخطيب ص١٢٠. [٦] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٩٥ والبخاري في الأدب المفرد ٢/ ٤٣٣. وأخرجه في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم ١/ ٢٢ والحاكم في المستدرك وصححه ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨ ووافقه الذهبي, والرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي ص ١١١. [٧] الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي ص ١٥١، وأصل الحديث في صحيح مسلم ١/ ١٤٤. [٨] أخرجه النسائي: باب الحكم في تارك الصلاة ١/١١٧. وأحمد في المسند ٦/٣٤٦.

стр. 15065

العدد ٦٣-٦٤ فهرس المحتويات ١- كلمة التحرير: للدكتور صالح بن عبد الله العبود ٢- آية العدد: للشيخ أبي بكر الجزائري ٣- أوَّلُ واجبٍ على المكلفِ.. عِبَادةُ الله تَعاَلى وُضوح ذَلكَ من كِتابِ الله وَدَعواتِ الرُسُل: للشيخ عبد الله الغنيمان ٤- منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة ... والعقل: الدكتور ربيع بن هادي مدخلي ٥- دفاعٌ عنِ العقوُباَت الإسلاَمِيةِ: للشيخ محمد بن ناصر السحيباني ٦- الإمدَادُ بأحكاَمِ الحداَدِ: للدكتور فيحان شالي المطيري ٧- نظامُ الإثبَات في الفِقهِ الإسلاَمي: للدكتور عوض عبد الله أبو بكر ٨- تَحقِيقُ جُزءِ الضُّعَفَاءِ وَالمترُوكينَ "للإمام الدارقطني": د. عبد الرحيم محمد القشقري ٩- الملَكُ عَبدُ العَزِيز ِآل سُعود بين نَصرِهِ لله ونَصرِ الله لَهُ: للشيخ إبراهيم محمد حسن جمل ١٠- ظاَهِرة التقاَصّ في النَّحو العرَبيَّ: للدكتور دردير محمد أبو السعود ١١- عُقُود الزّبَرجَدِ عَلىَ مُسنَد الإمام أَحمد في إعرَاب الحَدِيث: تأليف: جلال الدين السيوطي تحقيق: الدكتور حسن موسى الشاعر ١٢- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤف اللبدي عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 15066

كلمة التحرير للدكتور صالح بن عبد الله العبود رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأصلى وأسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد: فإن هذا العدد من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هو بداية تحديد اتجاه المجلة إلى الاقتصار على نشر الأبحاث العلمية التي يسهم فيها أساتذة المجامعة، ولذا جاء عددنا هذا حافلاً ببحوث علمية في العلوم الإسلامية والعربية لعدد من الأساتذة الفضلاء. وما من شك أن البحث والنظر والاستدلال والتوثيق يفيد العلم وهو من خصائص الإسلام التي اقتبسها رواد الكشوفات العلمية فاستضاء بها العلم كله. وهذا المنهج من طرق التَماس العلم. فسلوكه سلوكًا يلتزم بالإِسلام وينبثق منه ويستند في دقته ونتائجه على عقيدته الحية كما يستمد مناهجه وخططه من شريعته هو سلوك راشد مشروع يرجى لصاحبه أن يسهل الله له به طريقاً إلى الجنة. ذلك أن العقيدة الإسلامية هي التي جمعت الصدق والصلاح وسلمت من الضلال والفساد وتضمنت جميع الحَكمة والعلم النافع والعمل الصالح وهذا هو سر السيادة وسبب العز والظهور والنصر والغلبة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 15067

إن العقيدة الإِسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى تصديقَا وِإقراراً وتسليما وانقيادًا بالقلب واللسان، والجوارح وأعلى ذلك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وعمومَا فالإِيمان هو طاعة الله تعالى وتحقيق امتثال أمره وأمر رسوله ﷺ ابتداء من أعلى شعب الإِيمان وهي شهادة أن لا إله إلا الله إلى أدناها وهى إماطة الأذى عن الطريق كما شرع الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ والتعبد لله تعالى بهذه الطاعة حبا ورجاء وخوفا لله ومنه تعبدا يصل على درجة المراقبة والإحسان وهي أن يعبد الإِنسان ربه بذلك كأنه يراه فإن لم يكن يراه استشعر أن الله يراه شعورا لا يغيب عن باله في جميع أحواله التعبدية أو غالبها فيثمر تقوى الله في السر والعلن. إن عقيدةً هذه ماهيتها تثمر الأمن والهداية في الدنيا والآخرة وبقدر اعتقادها يتحقق ثمرها من الأمن والهداية فمن اعتقدها اعتقادا تاما كان له الأمن التام والهداية التامة ومن كان اعتقاده دون التمام حصل له من الأمن والاهتداء بقدر اعتقاده. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:٨٢) .

стр. 15068

وإن من يتأمل الواقع الذي نعيشه في المملكة العربية السعودية يدرك أن ما نحن فيه من أمن يفوق ما فيه أهل عصرنا من الدول وغيرها هو من أثر العقيدة الإسلامية التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وناصره آل سعود عليها ووازروه على إعلاء كلمة الله تعالى فأقَبلوا على معرفة ما عند الشيخ من العلم والإرادة حتى إذا عرفوا صدق موافقته للحق نفذوا ذلك بالسلطان والإدارة والسيف والعزيمة يريدون ما عند الله تعالى، فصنع لهم الله من عظيم صنعه، وأظهر لهم من الدولة ما ظهروا به على سائر العرب، وكلما كان الأمر على ذلك العهد المبارك كلما كان في بحبوحة العز والنصر والظهور، ولا نزال ولله الحمد، ننعم بوارف ظلال عقيدة السلف الصالح المبنية على صحة العلم وصلاح العمل تحت دوحتي أهل العلم وأهل العمل من علماء الدعوة وأنصارها. هذا وإن اقتصار المجلة على نشر البحوث العلمية الموثقة من الأساتذة الجامعيين ليرجى منه أن يجمع قوتها ويركزها على التخصص العلمي النافع فما ذلك إلا استجابة لمتطلبات المسيرة العلمية التي تسيرها الجامعة الإسلامية لتفي بسد بعض حاجات المجتمع الإسلامي العالمي للتخصص العلمي حسبما يُمليه وجودها إذ هي مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية، وعربية سعودية من حيث التبعية، ذات شخصية اعتبارية مستقلة، ومن أهدافها إعداد البحوث العلمية وترجمتها ونشرها وتشجيعها في مجالات العلوم الإسلامية والعربية خاصة، وسائر العلوم وفروع المعرفة الإنسانية التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي عامة، وتجميع التراث الإسلامي والعناية بحفظه وتحقيقه ونشره. ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه وأن يسلك بنا سبيل أتباع رسوله ﷺ أهل البصيرة والصدق والإخلاص في العلم والعمل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 15069

ظاَهِرة التقاَصّ في النَّحو العرَبيَّ للدكتور دردير محمد أبو السعود أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية بالجامعة التَّقاص أسلوب من أساليب العرب، وطرفة من طرفهم، وملحة من ملح كلامهم، فهو يكسب التراكيب طلاوة وتبادلاً، والقواعد دقة، والقياس شمولا، واتساعاً، واللغة مرونة وتداخلاً، والكلام إحالة وتبدلاً وقد أشار إليه بعض النحاة [١] في مصنفاتهم، ولم يتناولوه تناول شمول وإحاطة، ولكن تعرضوا له تعرض إيماء وإشارة. لذلك رأيت أن أعرض هذه الظاهرة عرضا يوقفنا عليها، ويجليها ويطلعنا على دورها في الأساليب، ويجدر بنا أن نعرفها لغة واصطلاحا ونستعين بالله تعالى فنقول: التقاص لغة. مأخوذ من القص، والقصاص لغة فيه، وهو القتل بالقتل، أو الجرح بالجرح، أو القطع بالقطع. وفى القاموس [٢] قاصصته مقاصة وقصاصا إذا كان لك عليه دين مثل ما له عليك، فجعلت الدين في مقابلة الدين، مأخوذ من اقتصاص الأثر، ومثل ذلك المعنى في المصباح والمختار. وفي اللسان والتاج والمحكم [٣] : التقاص: هو التناصف في القصاص. قال الشاعر: فرمنا القصاص وكان التقاص حكما وعدلا على المسلمينا فالمادة تدور حول معنى القطع والتتبع. واصطلاحا: هو أن تأخذ الكلمة حكما من أخرى أخذت مثله منها تلك الكلمة الأخرى. وبعبارة أخرى: أن تتبادل الكلمتان حكما خاصا بهما. بمعنى أن تعطي كل منهما الأخرى حكما مساويا لما أخذته منها. وقد تتأتى هذه الظاهرة بين ألقاب الإعراب، وفى إبدال بعض الحروف من بعض، وفي زيادة بعض الحروف. أولا: تحقيقها بين ألقاب الإِعراب: أما ورودها بين ألقاب الإعراب فقد تحقق بين الجر والنصب حيث جاء الجر محمولا على النصب فيما لا ينصرف لشبهه بالفعل في وجود العلتين الفرعيتين أو علة تقوم مقامهما.

стр. 15070

كما حمل النصب على الجر في جمع المؤنث السالم، وفى التثنية، وجمع المذكر السالم طلبا للمقاصة [٤] . أما نصب جمع المؤنث بالكسرة فهو تابع للجر إجراء للفرع على وتيرة الأصل الذي هو جمع المذكر السالم، فإن النصب فيه تابع للجر، لأنه لولم يحمل نصبه على جره للزم مزية الفرع على الأصل [٥] . وأما نصب المثنى فقد جاء بالياء حملا على الجر، لأنه يجر بالياء. وأما حمل النصب على الجر في جمع المذكر السالم كما في التثنية فلأنك لو قلبت الواو ألفا في النصب لأفضى ذلك إلى الالتباس بالمثنى المرفوع [٦] . وإنما حمل النصب على الجر دون الرفع، لوجود مناسبة بينهما في وقوع كل منهما فضلة في الكلام [٧] ، ولأنه يشبهه في الافتقار إلى العامل اللفظي [٨] ، ولأن الفتحة إلى الكسرة أقرب من الضمة إليها فحمل على الأقرب منه [٩] . وقد علل أبوعلي الفارسي لهذه الظاهرة في هذا المقام تعليلا حسنا حيث بين أن موافقة الجر النصب فيما لا ينصرف، كموافقة النصب الجر في التثنية والجمع فليس الاتفاق للبناء، وإنما هو لاجتماع النصب والجر في كونهما فضلتين، وفي كونهما كاملتين بعد استعمال الجملة المتضمنة للفعل، أو معنى الفعل بجزئيها اللذين هما الحدث والمحدث عنه، ومن ثم اتفقا أيضا في باب الضمير [١٠] . ومما يقوي هذه الظاهرة ويؤكد تحقيقها في هذا الموضع وجود شبه بذهن علامة كل من النصب والجر. فالفتحة تشبه الكسرة وإن اختلف موضعها. كما أن الياء لا يتغير وضعها سواء أكانت علامة للجر، أم علامة للنصب، وإن اختلفت حركة ما قبلها وما بعدها في التثنية والجمع. ثانيا: في إبدال بعض الحروف من بعض: ١- إبدال الهمزة من الهاء: من حروف الإبدال القياسي الهمزة والهاء، لأنهما من حروف "هدأت موطيا"وهما يتبادلان الإبدال، بمعنى أن الهاء قد تبدل همزة، كما أن الهمزة قد تبدل هاء.

стр. 15071

فإبدال الهمزة من الهاء يكون في الاسم والحرف. فإبدالها من الهاء في الاسم جاء في قولهم: ماء وشاء [١١] . والأصل موه وشوه. قلبت الواو ألفا، وأبدلت الهمزة هاء. وكذلك جاء في الجمع. قالوا في جمع ماء: أمواء، والأصل أمواه، وإذا ثبت أن أصلها هاء، ثبت أن الهمزة مبدلة عنها قال الشاعر: وبلدة قالصة أمواؤها ما صحة رأد الضحى أفياؤها [١٢] والدليل على أن هذه الهمزة مبدلة من الهاء، رجوعها في التصغير والتكثير، قالوا في تصغير ماء مُوَيه، وفي جمعه مياه وأمواه. والتصغير والتكثير يردان الأشياء إلى أصولها. وقد أكد ابن عصفور إبدال الهمزة من الهاء بقوله: "وإنما جعلت الهاء هي الأصل، لأن أكثر تصاريف الكلمة عليها، قالوا: أمواه ومياه وماهت الركية [١٣] . إلى غير ذلك من تصاريفها" [١٤] وكذلك ورد إبدال الهمزة من الهاء في قولك: (آل) [١٥] ، وأصل آل: أهل فأبدلت الهاء همزة فقيل: أَأْل، ثم أبدلت الثانية ألفا لسكونها إثر فتح فقيل: آل، كما قالوا آدم وآخر في الاسم، وآمن وآثر في الفعل، والأصل: أأْدم وأَأخر، وأَأمن وأَأَْثر. والدليل على أن أصل آل: أهل قول الجماعة في التصغير: أُهَيْل، ولو كانت الألف منقلبة عن غير هاء- أي عن واو- لقيل في تصغيره (أُوَيل) . وقد اختار هذا الرأي يونس [١٦] . ومما يؤكد أن الهمزة في (آل) أصلها هاء الإضافة إلى الضمير، فقد قالوا أهلك وأهله كثيرا، لأن الضمير يرد الأشياء إلى أصولها. ولاَ يقال: آلك وآله إلا قليلا، وذلك مثل قول عبد المطلب جد النبي ﷺ : وانصر على دين الصليـ ـب وعابديه اليوم آلَكْ [١٧] وقول الآخر: أنا الرجل الحامي حقيقة والدي آلي كما تحمي حقيقة آلكا [١٨] ونحو قول الكناني: "رجل من آلك وليس منك " [١٩] .

стр. 15072

وجاء إبدال الهمزة من الهاء- أيضا- في اسم الإشارة حيث إنهم قالوا في هذا آذا. وجاء على ذلك قول الشاعر: فقال فريق: آأذا إذ نحوتهم نعم وفريق لا يمُنُ الله ما ندري [٢٠] أراد: أهذا، فقلبت الهاء همزة، ثم فصل بين الهمزتين بألف، وأبدلت كذلك في غير اسم الإشارة، مثل قولهم: الأزل والهزل، وهو مأزول ومهزول [٢١] . وأما إبدالها في الحرف فقد ورد في: هَلْ وهَلاَّ. فقالوا: ألْ فعلت كذا؟ يريدون هل فعلت كذا؟ حكى ذلك قطرب [٢٢] عن أبي عبيدة. وقالوا: ألاَّ فعلت يريدون هلاَّ فعلت. والإبقاء على الأصل في (هل) هو الأكثر، بيد أن الهمزة والهاء في ألاَّ وهلا سواء. وقد عدهما بعض النحويين [٢٣] من حروف التحضيض، كما ذهب غيرهما إلى أنهما مادتان مستقلتان [٢٤] . فالهمزة أصلية في (ألاَّ) كما أن الهاء أصلية في (هلاَّ) بخلاف (هل وأل) فإن الاستفهام بهما ليس على درجة واحدة، لكثرة الاستفهام ووضوحه بهل، وندرته بألْ. وجاء إبدال الهمزة من الهاء- في غير ما تقدم- على قلة في اسم الفعل [٢٥] . قالوا في هيهات: أيهات. فإبدال الهمزة من الهاء إبدال قياسي، وهما من مخرج واحد. وكونهما من مخرج واحد جدير بأن يقوي هذا الإبدال ويؤكده. قال الصيمري: "قلبت الهاء همزة، لأنها من مخرج الهاء، وهي أقوى منها في الصوت " [٢٦] . ولكن ابن يعيش [٢٧] ذهب إلى أن هذا الإبدال إنما تم لضرب من التقاص. وذلك لكثرة إبدال الهاء من الهمزة على العكس. وذلك أمر يقتضينا الإشارة إلى إبدال الهاء من الهمزة- عكس ما تقدم- حتى نلم بأطراف المسألة. ونؤكد الظاهرة التي ارتضاها ابن يعيش. ٢-إبدال الهاء من الهمزة: ذهب ابن الأنباري وابن عصفور وابن يعيش إلى أن الهاء تبدل من الهمزة في مواضع كثيرة من كلام العرب [٢٨] . وهذا الإبدال وارد في الاسم والفعل والحرف. (أ) إبدالها في الاسم:

стр. 15073

أما إبدالها في الاسم فقد ورد في: إياك. قالوا: هياك. قال الشاعر: فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره [٢٩] وقال الآخر: [٣٠] يا خال هلا قلت إذ أعطيتني هياك هياك وحنواء العنق [٣١] كما ورد قولهم: هِبْرِيَّة، والأصل فيه: إبرية، وهو الحزاز في الرأس. وقالوا في مهيمن، أصله: مؤيمن فأبدلت الهمزة هاء [٣٢] . (ب) إبدالها في الفعل: وأما إبدالها في الفعل فقد ورد في قولهم: أنرت الثوب، وأرحت الماشية وأرقت الماء، وأردت الشيء، فأبدلوا في الجميع الهاء من الهمزة فقالوا: هنرت الثوب، وهرحت الماشية، وهرقت الماء، وهردت الشيء. وذلك لاتفاقهما مخرجا لأنهما من أقصى الحلق [٣٣] . (جـ) إبدالها في الحرف: وأما إبدالها في الحرف فقد ورد في همزة إِنَّ المؤكدة، وإنْ الشرطية، وأيَا في النداء، وفي همزة الاستفهام، وإليك بيان ذلك. جاء إبدال الهاء من همزة إِنَّ المشددة المكسورة مع اللام. وذلك على طريق اللزوم حيث قالوا: يهَنَّكَ قائم، قال الشاعر: ألا يا سنا برق على قُلَل الْحِمْيَ لَهِنَّك من برق عَلَيَّ كريم [٣٤] وكذلك أبدلت من همزة (إِنْ) الشرطية [٣٥] مثل قولهم: هِنْ فعلت. تريد: إِنْ فعلت. وهي لغة طيء [٣٦] . وأما إبدالها من همزة (أَيَا) في النداء ففي قولهم: هيا وأيا، وإن كان أيا أكثر من هيا. قال الشاعر: وانصرفت وهي حَصَان مُغضبة ورفعت بصوتها هَيَا أَبه [٣٧] وإبدالها من همزة الاستفهام في مثل قولهم: هَزَيْدُ منطلقٌ. يريدون: أزيد منطلق. وأنشد الفراء: وأتى صواحبها فقلن: هذا الذي منح المودة غيرنا وجفانا [٣٨]

стр. 15074

يريدون: أذا الذي. بإبدال الهاء من الهمزة. فإبدال الهاء من الهمزة مقصور على السماع- كما بينا- غير أن ابن يعيش [٣٩] جعله كثيرا، وقاس عليه إبدال الهمزة من الهاء، وجعله ضربا من التقاص. أي أن كل واحد منهما أخذ حكما أخذه منه الآخر. فإبدال الهمزة من الهاء، تم لأن الهاء أبدلت من الهمزة. فكل منهما فعل بالآخر مثل ما فعل الآخر به، وهذا الضرب هو الذي عرف لدى النحاة بالتقاص، وارتضوه سمة لهذه الظاهرة، ومصطلحا لهذه القاعدة. ٣- قلب الهمزة واواً: تبين لنا مما تقدم أن ظاهرة التقاص تتأتى في إبدال الهمزة من الهاء، وإبدال الهاء من الهمزة. ونبين الآن ورودها بين الواو والهمزة، ويتحقق ذلك في إبدال كل منهما من الآخر. فالهمزة تقلب واواً، كما أن الواو تقلب همزة، ويتضح ذلك على النحو التالي: (أ) قلب الهمزة واواً: تبدل الهمزة واواً في عدة مواضع هي [٤٠] : ا- أن تكون الهمزة للتأنيث، فإنها تبدل واواً باطراد على سبيل اللزوم في التثنية والجمع بالألف والتاء والنسب. فتقول في صحراء وعشراء ونفساء: صحراوين وعشراوين ونفساوين، وصحراوات وعشراوات ونفساوات، وصحراويّ وعشراويّ ونفساوي. ٢- أن تكون الهمزة قبل الألف في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، بشرط أن يكتنف ألف الجمع همزتان، وذلك نحو: ذوائب في جمع ذؤابة. أصله ذآئب، فأبدلت الهمزة واواً هروباً من ثقل اجتماع الهمزتين والألف، وهذا الإبدال اطرادي لازم. ٣- أن تقع الهمزة لاماً لجمع على مفاعل وقد سلمت في المفرد، وذلك مثل: هِراوة، قالوا في جمعه هراوي، بإبدال الهمزة واوا ليشكل الجمع مفرده. ٤- أن تلتقي همزتان في كلمة وتسكن الثانية بعد ضم. فإنها يجب إبدالها واواً. وذلك نحو: أومن وأوثر. والأصل: أؤمن وأؤثر. إلا أنه رفض الأصل هروبا [٤١] من اجتماع همزتين.

стр. 15075

٥- أن تكون الثانية مضمومة مطلقا. أي سواء انضم ما قبلها أو انفتح أوِ انكسر، أو تكون مفتوحة بعد فتح أو ضم. وذلك مثل: أُوُمٌ، وأوُمّ وإِوُمّ. والأصل: أُؤم، وأؤُم، وإِؤُم. ومثل أُُويدم تصغير آدم. وأَوادم جمع آدم. والأصل: أُؤيدم وأَأًدم. فأبدلت الثانية في الجميع واواً. وهذا الإبدال قياسي مطرد لازم. (ب) قلب الواو همزة: تقدمت مواضع قبل الهمزة واواً، وأمر هذه المسألة يحتم علينا ذكر المواضع التي تبدل فيها الواو همزة حتى ينكشف وجه هذه الظاهرة، ونصل إلى النتيجة التي نرجوها. ومن المقرر في هذا الباب [٤٢] أن الواو تقلب همزة في خمسة مواضع: ١ - أن تتطرف إثر ألف زائدة مثل: كساء وسماء ودعاء. والأصل: كساو وسماو ودعاو. ٢- أن تقع عينا لاسم فاعل فعل ثلاثي أعلت عين فعله نحو: صائم وقائم، والأصل: صاوم وقاوم. ٣- أن تقع مدة ثلاثية زائدة في المفرد إذا كان جمعه على مثال مفاعل. نحو: عجائز ورعائف جمعي عجوز ورعوفة، والأصل عجاوز ورعاوف. ٤- أن تقع ثاني لينين اكتنفهما ألف مفاعل مثل: أوائل وسيائد. والأصل: أواول وسياود في جمع أول وسيد. ٥- أن تتصدر في الكلمة واوان. فإن الأولى منهما تقلب همزة بشرط أن لا تكون الثانية منهما مدة غير أصلية، أي: أن تكون الثانية غير مدة وذلك نحو قولك في جمع الأولى أنثى الأول أُوَل. والأصل: وُوَل ونحو ذلك في جمع واصلة وواقية تقول: أواصل وأواق، والأصل: وواصل، ووواق. أو تكون الثانية مدة أصلية نحو: الأولى أنثى الأول. أصلها وولى بواوين أولاهما فاء، والثانية عين ساكنة. هذه هي مواضع قلب الواو همزة، وقد تقدمت مواضع قلب الهمزة واواً. وقد تم هذا القلب المتبادل بين الواو والهمزة على طريق المقاصة. لأن الهمزة وإن لم تكن من حروف العلة، فهي شبيهة بالألف، ولهذا عدها بعض الصرفيين [٤٣] من حروف العلة.

стр. 15076

وأيا ما كان فإن الألف أخف حروف العلة، وكذلك ما أشبهها وهو الهمزة بخلاف الواو فإنها أثقلها. فاللجوء- حينئذ- إلى قلب الواو همزة لجوء إلى التخفيف، لأنه انتقال من الثقل إلى الخفة. بخلاف العكس، وهو قلب الهمزة واواً. لأنه انتقال من الخفيف إلى الثقيل. لهذا كان قلب الهمزة واواً في نحو صحراء وعشراء ونفساء في التثنية والجمع بالألف والتاء، والنسب [٤٤] ، انتقال من الخفة إلى الثقل، لأن الهمزة أخف من الواو- كما علمنا- ولكن ذلك تم على سبيل التقاص. فكما أن الواو قلبت همزة. كذلك أبدلت الهمزة واواً على طريق المبادلة والمقاصة، نظرا لتحقيق الشبه بينهما، بسبب أن الهمزة شبيهة بالألف وهى حرف علة. بيد أن ابن "فلاح "جعل هذه الظاهرة [٤٥] متحققة بإبدال الهمزة واواً في الجمع بالألف والتاء فقط. في مثل صحراء وصحراوات. أي أنه قصر المقاصة على جمع المؤنث السالم، اقتصاصا من قلب الواو همزة. ونحن إذ نقدر لابن فلاح جهده في الإشارة إلى هذه الظاهرة، وفيما ذهب إليه. نرى أنه لا ضير من جعل المقاصة شاملة لكل المسائل التي تقلب فيها الهمزة واواً، اطرادا للقاعدة، وشمولا للظاهرة، وتثبيتا للقياس، وتعميما للمصطلح، وتوسعاً في أساليب اللغة، لأنها- بلا شك- تقبل ذلك ولا تضيق به. ثالثا: في زيادة بعض الحروف: من المقرر أن- اللام ألف- أصلها الألف التي هي مَدَّةَ ساكنة، ولكنها دُعِمت باللام قَبْلها متحركة ليمكن الابتداء [٤٦] بها، وليصح النطق كما صح بسائر الحروف غيرها. لأن الساكن لا يمكن الابتداء به. وإنما دُعمت باللام قبلها ولم تُدعَم بهمزة الوصل التي يؤتى بها توصلا إلى النطق بالساكن، لأنه لا يمكن الإتيان بها قبل الألف، ولأن ذلك يؤدي إلى نقض الغرض الذي قصدوا له، لأن همزة الوصَل قد تأتي مكسورة، ولو كسرت لانقلبت الألف ياءً مكسورة لانكسار ما قبلها.

стр. 15077

فيقال: (إي) فلا تصل إلى الألف التي اعتمدت [٤٧] عليها، فلما لم يجز ذلك، عَدَلوا إلى اللام دون غيرها، لأن العرب توصلوا إلى النطق بلام التعريف بزيادة الألف قبلها، توصلا إلى النطق بها، فحركوا الألف فصارت همزة، وجعلوها همزة [٤٨] وصل نحو: الغلام والفرس والجارية. فلما افتقرت الألف إلى حرف جيء باللام قبلها في (لا) توصلا إلى النطق بالألف الساكنة ليكون ذلك ضرباً من التقاص والتعويض بين الحرفين فصار لا. وبالله التوفيق ... -------------------------------------------------------------------------------- [١] ابن جنى في سر الصناعة ص ٥٠، وابن الأنباري في منثور الفوائد ص ٧٥ والسيوطي في الأشباه ١/ ١٣٤ وغيرهم. [٢] القاموس (قصص) ، والمصباح ٥٠٥ والمختار ٥٣٨. [٣] اللسان والتاج (قصص) والمحكم ٦/ ٦٦. [٤] الأشباه والنظائر ١/ ١٣٥. [٥] حاشية الصبان ١/ ١٠٣ [٦] شرح الألفية لابن الناظم ص ١٥. [٧] المسائل العسكريات للفارسي ٥٣ ١ وابن الناظم ١٣، والتصريح ١/ ٧٩ والجامي على الكافية ٨ ١. [٨] التوطئة للشلوبيني ١٣٠. [٩] التصريح ١/ ٨٤. [١٠] العسكريات ١٥٣. [١١] أنظر سر الصناعة١ / ١١٣. والتبصرة ٨١٥ وشرح المفصل لابن الحاجب٢/ ٣٩٦. والممتع١ / ٣٤٨وابن يعيش ١٠/١٥ والأشباه والنظائر ١/ ١٣٥والأشموني والصبان٤/ ٢١٣، ٢٢٣. [١٢] سر الصناعة ١/١١٣ وشرح الشافية ٣/ ١٠٨ والممتع١ / ٣٤٨وشرح المفصل لابن الحاجب ٢/ ٣٩٦ وابن يعيش ١٠/١٥. [١٣] ماهت: ظهر ماؤها وكثر. [١٤] الممتع ١ / ٣٤٨. [١٥] انظر التصريف الملوكي ٣٩. وسر الصناعة ١/ ١١٤ والإبدال والمعاقبة والنظائر للزجاجي ٢٩ والممتع١ /٣٤٨. [١٦] التصريف الملوكي ٣٩. [١٧] الممتع ١/ ٣٤٩ والدرر اللوامع ٢/ ٦٢ وتاج العروس (أهل) . [١٨] الممتع ١/ ٣٤٩.

стр. 15078

[١٩] المصدر السابق ١/ ٣٥٠. [٢٠] الكتاب٢/ ١٤٧ وسر الصناعة ١/ ١٣٠ والممتع ١/ ٣٥١ والإنصاف٠٧ ٤ والإبدال والمعاقبة ص ٣٠ والمغنى ١٠١ [٢١] الإبدال والمعاقبة ص٣٠. [٢٢] الممتع ١/ ٣٥١. [٢٣] ابن النحوي في شرحه للمفصل٢ /٣٩٦. [٢٤] انظر حاشية الصبان٤/ ٢٢٣. [٢٥] أمالي ثعلب ٤٧ ٥ وابن يعيش ٠ ١/ ٥ ١ والمزهر٢ / ٤٧٣ والأشباه والنظائر١ /٣٩٧. [٢٦] التبصرة والتذكرة ص ٨١٥. [٢٧] شرح المفصل ١٠/١٥. [٢٨] انظر الإنصاف ١٣١. والممتع١ / ٣٩٧وشرح المفصل ٨/١١٨ والأشباه والنظائر١ /١٣٥. [٢٩] التصريف المملوكي ٤٤. والوجيز ٥٤ والإنصاف ١٣١ وشرح المفصل٨/٨ ١١ والممتع١ /٣٩٧. [٣٠] انظر الإبدال السكيت ٢٥ والوجيز ٥٣ والإنصاف ١٣١. [٣١] حنواء العنق. التي تميل عنقها من الإبل وَالغنم. [٣٢] التصريح ٢ /٣٦٨. [٣٣] الإنصاف ١٣٢. [٣٤] انظر مجالس ثعلب ١٣ ١ والخصائص١/ ٣١٥ والممتع١/ ٣٩٨ وابن يعيش ٠ ١/ ٤٢ واللسان (لهن) . [٣٥] انظر شرح الشافية٣ / ٢٢٢والممتع١/ ٣٩٧. [٣٦] المفصل للزمخشري ص٠ ٣٧. [٣٧] الممتع ١/ ٣٩٩. [٣٨] انظر ابن يعيش ١٠/ ٤٣ وشرح الشافية ٣/ ٢٢٤ والممتع ١/ ٣٩٩. [٣٩] ابن يعيش١٠/ ٤٣. [٤٠] انظر سر الصناعة ٤ ٠ ١ وما بعدها والتصريف الملوكي ٣٨ والتبصرة ٤ ١ ٨ والإنصات ٤٧٧ والممتع ١/ ٣٦٣ والتصريح ٢/ ٣٧٢ والأشباه والنظائر ١/ ١٣٥ والأشموني ٤/ ٢١٤. [٤١] ينظر الممتع١ /٣٦٦. [٤٢] أي باب الإبدال والإعلال. [٤٣] رضي الدين الإستراباذي في شرحه للشافية أول باب الإعلال ٣/ ٧٩. [٤٤] الممتع ١/ ٣٦٣. [٤٥] الأشباه والنظائر ١/ ١٣٥. [٤٦] سر صناعة الإعراب ١/ ٤٨ ومنثور الفوائد لابن الأنباري ص ٧٥. [٤٧] سر الصناعة ١/ ٤٩. [٤٨] منثور الفوائد ٧٥.

стр. 15079

عُقُود الزّبَرجَدِ عَلىَ مُسنَد الإمام أَحمد في إعرَاب الحَدِيث (١) تأليف: تحقيق: جلال الدين السيوطي الدكتور حسن موسى الشاعر أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة تمهيد: أوَّلا: جلال الدين السيوطي [١] : لقد أعاننا السيوطي في معرفة سيرة حياته وشيوخه ومؤلفاته، إذ ترجم لنفسه في كتابه حُسن المحاضرة، عند الكلام على من كان بمصر من الأئمة المجتهدين. قال: "وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي، فقلَّ أن ألفّ أحد منهم تاريخاً إلاّ ذكر ترجمته فيه ... ". حياته وشيوخه: هو أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين ... الخضيري الأسيوطي الشافعي. نسب إلى أسيوط، مدينة معروفة بمصر. وأما نسبة "الخضيري"فيرجح السيوطي أنها نسبة إلى محلة ببغداد، وقد قيل إن جدّه الأعلى كان أعجمياً أومن الشرق. ولد السيوطي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة ٨٤٩هـ وتوفي والده سنة ٨٥٥هـ وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وكان قد وصل في حفظ القرآن الكريم إلى سورة التحريم، فنشأ يتيماً، وأسندت وصايته إلى جماعة منهم كمال الدين بن الهمام. حفظ القرآن الكريم وله دون ثماني سنين، ثم حفظ العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك.

стр. 15080

وشرع يشتغل بالعلم من مستهلّ سنة ٨٦٤ هـ فلازم كثيراً من شيوخ عصره، وأجيز بتدريس العربية في مستهل سنة ٨٦٦هـ وبدأ بالتأليف في هذه السنة، فكان أول شيء ألفه شرح الاستعاذة والبسملة، وأوقف عليه شيخه علم الدين البلقيني فكتب عليه تقريظاً، ولازمه في الفقه إلى أن مات سنة ٨٦٨هـ ولزم في الفقه أيضاً شيخ الإسلام شرف الدين المناوي آخر علماء الشافعية المتوفى سنة ٨٧١هـ وقرأ على الشمس السيرَامي صحيح مسلم إلاّ قليلاً منه، والشفا، وألفية ابن مالك، وقطعة من التسهيل وأجازه بالعربية وغيرها. ولزم في الحديث والعربية شيخه تقي الدين الشمنيّ الحنفي المتوفى سنة ٨٧٢هـ فواظبه أربع سنين وكتب له تقريظا على شرح ألفية ابن مالك "البهجة المرضية" وعلى تأليفه "جمع الجوامع في العربية". ولزم شيخه العلامة محي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة حتى مات وذلك من سنة ٦٥ ٨ـ ٨٧٩هـ وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني. وقد سافر السيوطي إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ولما حجّ شرب من ماء زمزم لأمور: منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. ولما بلغ السيوطي أربعين سنة ترك التدريس والإفتاء وتجردّ للعبادة، وشرع في تحرير مؤلفاته، ثم قطع صلته بالحياة العامة واعتكف بمنزله في جزيرة الروضة بالمنيل، ولم يتحول عنها إلى أن مات في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة ٩١١هـ رحمه الله تعالى. مصنفاته: قضى السيوطي حياته في تحصيل العلم والدرس والتصنيف، وتنوعت ألوان ثقافته حتى صار إماماً في كثير من العلوم.

стр. 15081

قال في كتاب حسن المحاضرة [٢] : "ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلاً عمنّ دونهم. وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي أوسع نظراً وأطول باعاً. ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات- ولم آخذها عن شيخ- ودونها الطب. وأما علم الحساب فهو أعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلاً أحمله. "وقد كملت عندي آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدّثاً بنعمة الله تعالى لا فخراً، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخر، وقد أزف الرحيل، وبدأ المشيب، وذهب أطيب العمر. ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفاً بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلاّ بالله، ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله. "وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئاً في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوّضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم". وقد ترك السيوطي عدداً ضخماً من المصنفات في أكثر الفنون ما بين مجلدات ورسائل صغيرة وقد ذكر في كتابه حسن المحاضرة أن مؤلفاته إلى ذلك الوقت بلغت ثلاثمائة كتاب سوى ما غسله ورجع عنه [٣] . وللسيوطي رسالة خاصة فهرس فيها مؤلفاته ورتبها على الفنون [٤] . وقد أحصيت مؤلفاته فيها فبلغت ٥٥٢ مؤلَفاً.

стр. 15082

وقد عمل الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال كتاباً ضخماً لمؤلفات السيوطي رتبه على حروف المعجم وسماه "مكتبة الجلال السيوطي"قال في مقدمته: "أحصيت في هذا الفهرست التآليف السيوطية، فكانت ٧٢٥ عدداً، أخرجت منها الطباعة نيفاً ومائتين ... " ثانيا: الكتب المصنفة في إعراب الحديث: النحاة والحديث: الحديث النبوي أصل من أصول النحو، ومصدر من مصادره السماعية، ولكن الناظر في كتب النحو يتملكه العجب وهو يرى قلة احتجاج النحاة بالحديث وكثرة استشهادهم بالشعر. وقد غلب هذا الاتجاه على النحاة الأوائل، وقلّدهم من جاء بعدهم. ثم اختلف موقف النحاة بعد, فمنهم من قويت عنايته بالحديث والاحتجاج به كابن الطراوة (٥٢٨هـ) والزمخشري (٥٣٨ هـ) والسهيلي (٥٨١هـ) وابن خروف (٠ ٦١ هـ) وابن يعيش (٦٤٣ هـ) ، وبلغ الاهتمام بالحديث أوجَّهُ عند ابن مالك الأندلسي (٦٧٢هـ) الذي يعدّ إمام الاحتجاج بالحديث النبوي. وقد لخصّ السيوطي مذهب ابن مالك في الاحتجاج فقال: "كان أمة في الاطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب" [٥] . وهكذا مهّد ابن مالك السبيل لمن جاء بعده، فسار على دربه ابن هشام (٧٦١هـ) والدماميني (٨٢٧ هـ) والأشموني (٩٢٩هـ) وغيرهم. ومن النحاة من تزعّم منع الاحتجاج بالحديث، وأشهرهم اثنان: ابن الضائع (٦٨٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (٧٤٥هـ) ، وذلك لأمرين: أحدهما أن الرواة جوّزوا نقل الحديث بالمعنى، والثاني أن كثيراً من رواة الحديث كانوا غير عرب بالطبع فوقع اللحن في نقلهم [٦] . وقد رجَّح معظم المتأخرين مذهب ابن مالك في الاحتجاج بالحديث، وذلك لشدّة عناية المحدثين برواية الحديث وورعهم في نقله، وتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، بعد الجهد العظيم الذي بذله علماء الحديث.

стр. 15083

ومن العجيب أن الإمام السيوطي، وهو صاحب المصنفات الكثيرة في الحديث، ذهب إلى عدم الاحتجاج بالحديث فيما خالف القواعد النحوية، وصحح مذهب ابن الضائع وأبي حيان. فقال في كتابه الاقتراح: وأما كلامه ﷺ فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المرويّ، وذلك نادر جدا، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضا فإن غالب الأحاديث مرويّ بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدّت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ. ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويّاً على أوجه شتى بعبارات مختلفة، ومن ثَمّ أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث" [٧] . وكرر السيوطي هذا الرأي في كتابه همع الهوامع فقال: " ... وقد بيّنت في كتاب أصول النحو من كلام ابن الضائع وأبي حيان أنه لا يستدل بالحديث على ما خالف القواعد النحوية، لأنه مروي بالمعنى لا بلفظ الرسول، والأحاديث رواها العجم والمولدون لا من يحسن العربية، فأدوها على قدر ألسنتهم" [٨] . كما ذكر السيوطي هذا الرأي أيضا في كتابه عقود الزبرجد حيث قال: "اعلم أن كثيراً من الأحاديث روتها الرواة بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا وأبدلوا الفصيح بغيره، ولهذا تجد الحديث الواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح، ومنها ما يخالف ذلك". ثم ينقل السيوطي كلام ابن الضائع وأبي حيان في هذا المجال. التصنيف في إعراب الحديث: لقد كان لهذه المواقف المتضاربة من النحاة أن قلّ التصنيف في إعراب الحديث، فلا نجد كتباً متخصصة في إعراب الحديث غير ثلاثة كتب: الأول للعكبري، والثاني لابن مالك، والثالث للسيوطي. قال السيوطي في مقدمة كتابه "عقود الزبرجد":

стр. 15084

" ... وبعد فقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من التصنيف في إعراب القرآن ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري ... والثاني الإمام جمال الدين ابن مالك ... وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث مستوعب جامع ... " وفيما يلي وصف لهذه المصنفات: (١) إعراب الحديث النبوي- للإمام العكبري (٥٣٨-٦١٦هـ) : أبو البقاء محب الدين عبد الله بن الحسن العكبري الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي الحاسب الفرضي النحوي الضرير [٩] . برع أبو البقاء في فنون كثيرة وله مصنفات عديدة منها: إعراب القرآن واللباب في علل البناء والإعراب، وشرح الإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، وشرح المفصل للزمخشري وغيرها. وقد صنف أبو البقاء العكبري أول كتاب في إعراب الحديث [١٠] ، وأعتمد في أخذ الأحاديث على كتاب جامع المسانيد لابن الجوزي (٥٩٧هـ) الذي جمع فيه مصنفه غالب مسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم والترمذي. قال أبو البقاء في مقدمته: "أما بعد فإن جماعة من طلبة الحديث التمسوا مني أن أملي مختصراً في إعراب ما يشكل من الألفاظ الواقعة في الأحاديث، وأن بعض الرواة قد يخطئ فيها، والنبي ﷺ وأصحابه بريئون من اللحن، فأجبتهم إلى ذلك، واعتمدت على أتمّ المسانيد وأقربها إلى الاستعياب وهو جامع المسانيد للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ﵀، مرتّبة على حروف المعجم، والله الموفق للصواب". ومجموع الأحاديث التي تعرّض العكبري لإعرابها نحو ٤٣٠ حديثاً، كان يستشهد عليها بالقرآن والشعر، وقد يتعرض للخلافات النحوية، وقد يذكر العكبري للرواية أكثر من إعراب. وإذا خرجت الرواية عن المألوف في كلام العرب ولم يجد لها وجها في قواعد النحاة حكم العكبري عليها باللحن.

стр. 15085

(٢) إعراب الحديث- للإمام ابن مالك الأندلسي (٦٠٠-٦٧٢ هـ) : أبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني النحوي اللغوي المقريء المحدث الفقيه الشافعي [١١] . من أشهر مصنفاته: الكافية الشافية وشرحها، التسهيل وشرحه- لم يتم-، الخلاصة الألفية في النحو والصرف، شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. وقد صنف ابن مالك كتاباً في إعراب الحديث سماه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" [١٢] . وهو يقوم على إعراب مشكلات وقعت في صحيح البخاري. ويتضح فيه منهج ابن مالك في الاحتجاج بالحديث النبوي، واستنباط القواعد النحوية منه، ويستدل للأحاديث بالقرآن والشعر، ويخطِّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّيء النحوِيين في عدد من المسائل. وهو بذلك يتميز عن منهج العكبري الذي كان يلحّن الرواية أحيانا لمخالفتها قواعد النحاة. (٣) إعراب الحديث- للإمام السيوطي (٨٤٩ ـ ا ٩١هـ) : صنف السيوطي كتاباً ضخماً في إعراب الحديث سماه: "عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد"اعتمد فيه غالباً على مسند الإمام أحمد، وضمّ إليه كثيرا من كتب الحديث. قال في مقدمته: " ... وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع ... وأجعله على مسند أحمد مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كل سحابة ... " وهكذا رتّب السيوطي كتابه على الطريقة التي رتب فيها العكبري كتابه. والسيوطي مطّلع على إعراب الحديث للعكبري وإعراب الحديث لابن مالك فينقل أقوالهما في إعراب الحديث ويزيد عليها بما يعنّ له وما يراه من الأقوال الأخرى. فيقول:

стр. 15086

"قد أوردت جميع كلام أبي البقاء معزوًّا إليه، ليعرف قدر ما زدته عليه، وتتبعت ما ذكره أئمة النحو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب للأحاديث فأوردتها بنصهّا معزوّة إلى قائلها". والسيوطي - كعادته- جمَّاعة للآراء لا يكاد يغفِل عن نقل رأي منها له قيمته في إعراب الحديث، ولا نكاد نجد له دوراً في الإعراب إلاّ نادراً. وأهم المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في إعراب الحديث: ١- إعراب الحديث للعكبري، وقد صرّح بنقله جميع كلامه. ٢- إعراب الحديث لابن مالك. ٣- شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي. ٤- شروح صحيح البخاري للكرماني، والزركشي، والخطابي، وابن حجر. ٥- شروح صحيح مسلم للقاضي عياض، والقرطبي، والنووي. ٦- شرح الكافية الشافية لابن مالك. ٧- أقوال النحاة واللغويين في مصنفاتهم كالزمخشري في المفصل، والرضي في شرح الكافية، والأندلسي في شرح المفصل، وابن يعيش في شرح المفصل، والجوهري في الصحاح، والزمخشري في الفائق، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث. وقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية، الأولى في دار الكتب المصرِية، والثانية في أيا صوفيا، والنسخة الثالثة في الخزانة العامة بالرباط. وقد بذلت جهداً كبيرا في تقويم النصّ والتعليق عليه، وتوثيق الآراء والنقول، وتخريج الأحاديث. وقد آثرت تقديم مادة الكتاب على طريقة النص المختار، واستبعدت الفروق بين النسخ، لعدم حاجة القاريء إليها، إلى أن يأذن الله بإتمام الكتاب، وإعادة طبعه كاملاً. ومن الله العون وبالله التوفيق ... * * * كتاب عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة الكتاب] ربّ يسر وأتمم بخير فأنت كريم ...

стр. 15087

الحمد لله الذي خصّ هذه الأمة بالإسناد والإعراب، وصلى الله على سيدنا محمد والآل والأصحاب. وبعد: فقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من التصنيف في إعراب القرآن، ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري، فإنه لما ألّف إعراب القرآن المشهور [١٣] أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث، أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند أحمد وأعربها، إلاّ أنه لاختصاره، ونزرة ما أورده فيه من النزر القليل، لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل. والثاني الإمام جمال الدين بن مالك، فإنه ألّف في ذلك تأليفاً خاصاً بصحيح البخاري، يسمى "التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح". وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع هامع [١٤] ، شامل للفوائد البدائع شافٍ. كافلٍ بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كُلّ فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خريدة [١٥] وأجعله على مسند أحمد مع ما أضمّه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كلَّ سحابة. واعلم أن لي على كلّ كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي الموطأ [١٦] ، ومسند الشافعي [١٧] ، ومسند أبي حنيفة [١٨] ، والكتب الستة [١٩] ولم يبق إلا مسند أحمد. ولم يمنعني من الكتابة عليه إلاّ كبر حجمه جداً، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدّات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد. فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب، عرّفته بمسند أحمد، عوضاً مما كنت أرومه عليه من التعليقة، ولكونه جامعاً لغالب الحديث المتكلّم على إعرابه. فإن شئت فسّمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد"وإن شئت فقل "عقود الزبرجد في إعراب الحديث"ولا تتقيدّ.

стр. 15088

والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز بجنات النعيم، إنه البرّ الرحيم ... مقدمة [في الاستشهاد بالحديث] اعلم أن كثيراً من الأحاديث روتها الرواةُ بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا، وأبدلوا الفصيح بغيره، ولهذا تجد الحديث الواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح، ومنها ما يخالف ذلك [٢٠] . وقد قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس [٢١] : "إذا ورد الحديث على وجهين ما يوافق الفصيح وما يخالفه، فالموافق للفصيح هو لفظ النبي ﷺ لأنه لم يكن ينطق إلاّ بالفصيح". وقد نقل هذا الكلام عن المزني [٢٢] . قال أبو عاصم العبادي [٢٣]- من متقدمي أصحابنا- في طبقاته: "قال المزني: لا يروى في الحديث خطأ، فإن النبي ﷺ أفصح العرب، فلا يجوز أن يروي خطأ". وقال أبو الحسن بن الضائع [٢٤]- بالضاد المعجمة- في شرح الجمل [٢٥] : "تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب. ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي ﷺ ، لأنه أفصح العرب". قال: "وابن خروف [٢٦] يستشهد بالحديث كثيراً فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن، وان كان يرى أن من قبله أغفل شيئاً وجب عليه استدراكه فليس كما رأى". وقال أبو حيان [٢٧] في شرح التسهيل [٢٨] :

стр. 15089

"قد أكثر ابن مالك من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحداً من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. على أن الواضعين الأوّلين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء [٢٩] ، وعيسى بن عمر [٣٠] ، الخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي [٣١] ، والفراء [٣٢] ، وعلي بن المبارك الأحمر [٣٣] ، وهشام الضرير [٣٤] من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك. وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس. وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما: أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه ﷺ تقل بتلك الألفاظ جميعها. نحو ما روي من قوله "زوجتكها بما معك من القرآن" "ملكتكها بما معك", "خذها بما معك"وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة، فنعلم يقيناً أنه ﷺ لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم أنه قال بعضها. إذ يحتمل أنه قال لفظاً مرادفاً لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه ﷺ ، إذ المعنى هو المطلوب، ولاسيما مع تقادم السماع، وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما ضبط اللفظ فبعيد جداً، لاسيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى.

стр. 15090

الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث، لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وهم لا يعلمون ذلك. وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، ونعلم قطعا غير شك أن رسول الله ﷺ كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلم إلاّ بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها, وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز، وتعليم الله ذلك له من غير معلم. وابن مالك قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر، متعقباً بزعمه على النحويين، وما أمعن النظر في ذلك. "وابن المصنف ﵀ كأنه موافق لأبيه في استدلاله بما روي في الحديث، فإنه يذكره على طريقة التسليم". وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وكان ممن أخذ عن ابن مالك- قلت له: يا سيدي هذا الحديث رواية الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول. فلم يجب بشيء. قال أبو حيان: "وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتديء: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما. فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث". انتهى كلام أبي حيان. وقال القاضي عياض [٣٥] في شرح مسلم: قال الشعبي [٣٦] : "إذا وقع في الحديث اللحن البينّ يعرب". وقاله أحمد بن حنبل. قال: "لأنهم لم يكونوا يلحنون". وقال النسائي: [٣٧] "إن كان شيئاً تقوله العرب فلا يغيّر، وإن لم يكن من لغة قريش، لأنه ﵊ كان يكلم الناس بألسنتهم، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول الله ﷺ لا يلحن". فصل [في عزو الأقوال إلى أصحابها]
следующие страницы →