Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15086–15125 · переход к 15091.
стр. 15086
"قد أوردت جميع كلام أبي البقاء معزوًّا إليه، ليعرف قدر ما زدته عليه، وتتبعت ما ذكره أئمة النحو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب للأحاديث فأوردتها بنصهّا معزوّة إلى قائلها".
والسيوطي - كعادته- جمَّاعة للآراء لا يكاد يغفِل عن نقل رأي منها له قيمته في إعراب الحديث، ولا نكاد نجد له دوراً في الإعراب إلاّ نادراً.
وأهم المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في إعراب الحديث:
١- إعراب الحديث للعكبري، وقد صرّح بنقله جميع كلامه.
٢- إعراب الحديث لابن مالك.
٣- شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي.
٤- شروح صحيح البخاري للكرماني، والزركشي، والخطابي، وابن حجر.
٥- شروح صحيح مسلم للقاضي عياض، والقرطبي، والنووي.
٦- شرح الكافية الشافية لابن مالك.
٧- أقوال النحاة واللغويين في مصنفاتهم كالزمخشري في المفصل، والرضي في شرح الكافية، والأندلسي في شرح المفصل، وابن يعيش في شرح المفصل، والجوهري في الصحاح، والزمخشري في الفائق، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية، الأولى في دار الكتب المصرِية، والثانية في أيا صوفيا، والنسخة الثالثة في الخزانة العامة بالرباط. وقد بذلت جهداً كبيرا في تقويم النصّ والتعليق عليه، وتوثيق الآراء والنقول، وتخريج الأحاديث.
وقد آثرت تقديم مادة الكتاب على طريقة النص المختار، واستبعدت الفروق بين النسخ، لعدم حاجة القاريء إليها، إلى أن يأذن الله بإتمام الكتاب، وإعادة طبعه كاملاً.
ومن الله العون وبالله التوفيق ...
* * *
كتاب
عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد
في إعراب الحديث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة الكتاب]
ربّ يسر وأتمم بخير فأنت كريم ...
стр. 15087
الحمد لله الذي خصّ هذه الأمة بالإسناد والإعراب، وصلى الله على سيدنا محمد والآل والأصحاب.
وبعد:
فقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من التصنيف في إعراب القرآن، ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري، فإنه لما ألّف إعراب القرآن المشهور [١٣] أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث، أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند أحمد وأعربها، إلاّ أنه لاختصاره، ونزرة ما أورده فيه من النزر القليل، لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل.
والثاني الإمام جمال الدين بن مالك، فإنه ألّف في ذلك تأليفاً خاصاً بصحيح البخاري، يسمى "التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح".
وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع هامع [١٤] ، شامل للفوائد البدائع شافٍ. كافلٍ بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كُلّ فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خريدة [١٥] وأجعله على مسند أحمد مع ما أضمّه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كلَّ سحابة.
واعلم أن لي على كلّ كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي الموطأ [١٦] ، ومسند الشافعي [١٧] ، ومسند أبي حنيفة [١٨] ، والكتب الستة [١٩] ولم يبق إلا مسند أحمد. ولم يمنعني من الكتابة عليه إلاّ كبر حجمه جداً، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدّات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد.
فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب، عرّفته بمسند أحمد، عوضاً مما كنت أرومه عليه من التعليقة، ولكونه جامعاً لغالب الحديث المتكلّم على إعرابه. فإن شئت فسّمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد"وإن شئت فقل "عقود الزبرجد في إعراب الحديث"ولا تتقيدّ.
стр. 15088
والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز بجنات النعيم، إنه البرّ الرحيم ...
مقدمة
[في الاستشهاد بالحديث]
اعلم أن كثيراً من الأحاديث روتها الرواةُ بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا، وأبدلوا الفصيح بغيره، ولهذا تجد الحديث الواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح،
ومنها ما يخالف ذلك [٢٠] .
وقد قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس [٢١] : "إذا ورد الحديث على وجهين ما يوافق الفصيح وما يخالفه، فالموافق للفصيح هو لفظ النبي ﷺ لأنه لم يكن ينطق إلاّ بالفصيح".
وقد نقل هذا الكلام عن المزني [٢٢] .
قال أبو عاصم العبادي [٢٣]- من متقدمي أصحابنا- في طبقاته: "قال المزني: لا يروى في الحديث خطأ، فإن النبي ﷺ أفصح العرب، فلا يجوز أن يروي خطأ".
وقال أبو الحسن بن الضائع [٢٤]- بالضاد المعجمة- في شرح الجمل [٢٥] :
"تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب. ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي ﷺ ، لأنه أفصح العرب".
قال: "وابن خروف [٢٦] يستشهد بالحديث كثيراً فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن، وان كان يرى أن من قبله أغفل شيئاً وجب عليه استدراكه فليس كما رأى".
وقال أبو حيان [٢٧] في شرح التسهيل [٢٨] :
стр. 15089
"قد أكثر ابن مالك من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحداً من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. على أن الواضعين الأوّلين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء [٢٩] ، وعيسى بن عمر [٣٠] ، الخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي [٣١] ، والفراء [٣٢] ، وعلي بن المبارك الأحمر [٣٣] ، وهشام الضرير [٣٤] من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك. وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس. وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين:
أحدهما: أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه ﷺ تقل بتلك الألفاظ جميعها. نحو ما روي من قوله "زوجتكها بما معك من القرآن" "ملكتكها بما معك", "خذها بما معك"وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة، فنعلم يقيناً أنه ﷺ لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم أنه قال بعضها. إذ يحتمل أنه قال لفظاً مرادفاً لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه ﷺ ، إذ المعنى هو المطلوب، ولاسيما مع تقادم السماع، وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما ضبط اللفظ فبعيد جداً، لاسيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى.
стр. 15090
الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث، لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وهم لا يعلمون ذلك. وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، ونعلم قطعا غير شك أن رسول الله ﷺ كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلم إلاّ بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها, وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز، وتعليم الله ذلك له من غير معلم.
وابن مالك قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر، متعقباً بزعمه على النحويين، وما أمعن النظر في ذلك.
"وابن المصنف ﵀ كأنه موافق لأبيه في استدلاله بما روي في الحديث، فإنه يذكره على طريقة التسليم".
وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وكان ممن أخذ عن ابن مالك- قلت له: يا سيدي هذا الحديث رواية الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول. فلم يجب بشيء.
قال أبو حيان: "وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتديء: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما. فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث". انتهى كلام أبي حيان.
وقال القاضي عياض [٣٥] في شرح مسلم: قال الشعبي [٣٦] : "إذا وقع في الحديث اللحن البينّ يعرب". وقاله أحمد بن حنبل. قال: "لأنهم لم يكونوا يلحنون". وقال النسائي: [٣٧] "إن كان شيئاً تقوله العرب فلا يغيّر، وإن لم يكن من لغة قريش، لأنه ﵊ كان يكلم الناس بألسنتهم، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول الله ﷺ لا يلحن".
فصل
[في عزو الأقوال إلى أصحابها]
стр. 15091
قد أوردت جميع كلام أبي البقاء معزوّا إليه، ليعُرف قدر ما زدته عليه، وتتبعت ما ذكره أئمة النحو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب للأحاديث، فأوردتها بنصهّا معزوّة إلى قائلها، لأن بركة العلم عزو الأقوال إلى قائلها، ولأن ذلك من أداء الأمانة، وتجنب الخيانة، ومن أكبر أسباب الانتفاع بالتصنيف، لا كالسارق الذي خرج في هذه الأيام فأغار على عدة كتب من تصانيفي، وهي المعجزات الكبرى، والخصائص الصغرى، ومسالك الحنفاء، وكتاب الطيلسان وغير ذلك، وضمّ إليها أشياء من كتب العصريين، ونسب ذلك لنفسه من غير تنبيه على هذه الكتب التي استمد منها، فدخل في زمرة السارقين، وانطوى تحت ربقة المارقين، فنسأل الله تعالى حسن الإخلاص والخلاص، والنجاة يوم يقال للمعتدين لات حين مناص.
وقد رمزت على كل حديث رمز من أخرجه من أصحاب الكتب الستة المشتهرة، وإن لم يكن فيها ولا في المسند صرّحت بذكر من أخرجه من أصحاب الكتب المعتبرة.
فائدة
[هل يتعدى "سمع"إلى مفعولين؟]
يتكرر كثيرا في الحديث قول الراوي "سمعت رسول الله ﷺ يقول "وقد اختلف هل يتعدّى "سمعت" [٣٨] إلى مفعولين؟
فجّوزه الفارسي [٣٩] ، لكن لابد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، نحو: سمعت زيداً قال كذا. فلو قلت: سمعت زيداً أخاك، لم يجز.
والصحيح تعدّيه إلى مفعول واحد، وما وقع بعده منصوباً فعلى الحال، والأول على تقدير مضاف، أي سمعت قول رسول ﷺ ، لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بيّن هذا المحذوف بالحال المذكور، وهي يقول، وهي حال مبيّنة، ولا يجوز حذفها.
وقال الزمخشري [٤٠] في قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ [٤١] : تقول سمعت رجلاً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا منه، فأغناك عن ذكره. ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدّ وأن يقال: سمعت كلامه.
стр. 15092
وقال الطيبي [٤٢] : الأصل في "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ": سمعتُ قول رسول الله، فأخّر القول وجُعل حالاً ليفيد الإبهام والتبيين. وهو أوقع في النفس من الأصل.
فائدة
[في قولنا "﵁"و"رضوان الله عليه"]
سئل الإمام أبو محمد بن السِّيد البَلْيوسي [٤٣] عن قولنا: "﵁ ورضوان الله عليه هل "عليه"هنا مبدلة من "عنه"كما يتبدل بعض الحروف من بعض، فيسوغ فيها على وعن، أم ليست مبدلة؟
فأجاب: ليست "على"هاهنا ببدل من "عن"التي حكم "رضي"أن يتعدى بها، بدليل أن "عليه"قد صارت خبراً عن المبتدأ، ولو كانت بدلاً من "عن"لكانت من صلة الرضوان، ولم يصح أن يكون خبرا عنه، وعن مضمنّة في الكلام، كأنه قال: رضوان الله عنه سابغ عليه، أو واقع عليه، ونحو ذلك.
فائدة
[في إعراب غير]
سئل ابن الحاجب [٤٤] عن إعراب "غير"في قولهم: هذا الحديثُ لا نعلمُ أحداً رواه عن فلان غير فلان؟ أينصب غير أم يرفع؟.
فأجاب بما نصّه: إن جعلت "نعلم"متعدياً إلى مفعولين أحدهما "أحداً"والثاني "رواه"، كما نقول: ما أظن أحداً رواه غيرُ فلان، وهو الظاهر، فالفصيح الرفع على البدل من الضمير المرفوع المستتر في "رواه"العائد على أحد، لأنه المنفي في لا نعلم.
ويجوز نصبه على الاستثناء، وهي قراءة ابن عامر [٤٥] ، ولا يجوز أن يرفع على أن يكون فاعلاً برواه، لأن في "رواه"ضمير فاعل عائد على أحد، فلا يستقيم أن يرفع به فاعل آخر.
فإن جعلت "نعلم" بمعنى نعرف المتعدي إلى واحد، كان "رواه"صفة له، كأنك قلت: لا نعرف راوياً غير فلان، تعينّ النصب، جعلته بدلاً أو استثناء، كقولك: ما أكرمت أحداً راوياً غير زيد. فلا يجوز في "غي" إلاَّ النصب.
نقلته من خط ابن الضائع في تذكرته، وهو نقله من خط ابن الحاجب.
стр. 15093
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر ترجمة السيوطي ومؤلفاته: حسن المحاضرة للسيوطي١ /٣٣٥-٣٤٤.
ترجمة جلال الدين السيوطي لتلميذه الداودي/ مخطوطة بمكتبة عارف حكمت رقم ١٧٣ مجاميع.
البدر الطالع للشوكاني١/ ٣٢٨.
الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ٦٥.
الكواكب السائرة للغزي ١/ ٢٢٦.
شذرات الذهب لابن العماد ٨/ ٥١.
السيوطي وجهوده في الدراسات اللغوية- رسالة ماجستير أعدها الأستاذ محمد يعقوب تركستاني بجامعة أم القرى.
فهرست مؤلفات السيوطي/ مخطوطة بمكتبة عارف حكمت رقم ١٧٣ مجاميع.
مكتبة الجلال السيوطي- تأليف أحمد الشرقاوي جلال الدين السيوطي- بحوث ألقيت في الندوة التي أقامها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية/ الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة ١٩٧٨ م.
الأعلام للزركلي ٤/ ٧١.
معجم المؤلفين- عمر كحالة٥ /١٢٨.
تدريب الراوي للسيوطي/ المقدمة.
[٢] حسن المحاضرة ١/ ٣٣٨.
[٣] حسن المحاضرة١ /٣٣٨.
[٤] فهرست مؤلفات السيوطي/ مخطوط بمكتبة عارف حكمت رقم ١٧٣ مجاميع.
[٥] بغية الوعاة بتحقيق محمد أبو الفضل١ /١٣٤.
[٦] راجع موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث في الفصل الثاني من كتابنا النحاة والحديث النبوي.
[٧] الاقتراح ص ١٦.
[٨] همع الهوامع٢ /٤٢بتحقيق د. عبد العال سالم.
[٩] أنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ١٠٩، نكت الهميان للصمدي ١٧٨، الذيل على الروضتين لأبي شامة ١٩٩، أنباه الرواة للقفطي ٢/ ١١٦، وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ١٠٠، بغية الوعاة ٢/ ٣٨، شذرات الذهب٥/ ٦٧ معجم الأدلاء٦/ ٤٦، البداية والنهاية ١٣/ ٨٥، الأعلام ٤/ ٢٠٨.
стр. 15094
[١٠] حققت هذا الكتاب مع دراسة لعنوان "النحاة والحديث النبوي "وحصلت بهما على درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر لإشراف أستاذنا الدكتور أحمد كحيل. وقد طبعت الكتابين في عمان.
[١١] انظر ترجمته في. بغية الوعاة ١/ ١٣٠، البداية والنهاية ١٣ /٢٦٧، نفح الطيب بتحقيق محمد محي الدين ٢/ ٤٢١، طبقات النحاة واللغويين لابن قاضي شهبة ١٣٣، التسهيل/ التمهيد.
[١٢] حققه محمد فؤاد عبد الباقي، وطبع في القاهرة ١٣٧٦ هـ ١٩٧٧م.
[١٣] مطبوع باسم "إملاء ما منّ به الرحمن". وقد حققه علي البجاوي وطبعه باسم "التبيان في إعراب القرآن".
[١٤] هامع أي ماطر.
[١٥] الخريدة: البكر التي لم تمسس. “القاموس) .
[١٦] للسيوطي “تنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك) مطبوع.
[١٧] للسيوطي "الشافي العيّ على مسند الشافعي".
[١٨] للسيوطي "التعليقة المنيفة على مسند أبي حنيفة".
[١٩] للسيوطي عليها: التوشيح على الجامع الصحيح، والديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ومرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، وقوت المغتذي على جامع الترمذي، وزهر الربى على المجتبى، ومصباح الزجاجة على سنن ابن ماجة.
[٢٠] ذكر السيوطي رأيه هذا في كتابه الاقتراح، ثم نقل فيه كلام ابن الضائع وأبي حيان. انظر الاقتراح ص ١٦ _١٩. وراجع هذه المسألة بالتفصيل في كتابنا "النحاة والحديث النبوي ".
[٢١] فتح الدين بن سيد الناس: الإمام العلامة فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الأندلسي المصري الشافعي، ولد سنة ٦٧١ هـ لازم ابن دقيق العيد وتخرج عليه وأخذ العربية عن البهاء النحاس. صنف السيرة الكبرى والصغرى. مات فجأة سنة ٧٣٤هـ.
انظر طبقات الشافعية للسبكي ٩/٢٦٨ ذيل تذكرة الحفاظ ١٦، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ٣٥٠.
стр. 15095
[٢٢] أبو إبراهيم إسماعيل بن يحي بن إسماعيل المزني المصري (٧٥ ١_ ٢٦٤ هـ) كان إماماً ورعاً زاهدا، معظما بين أصحاب الشافعي، حدّث عن الشافعي ونعيم بن حماد وغيرهما. من مصنفاته: المبسط، الجامع الكبير، الجامع الصغير، المختصر. أنظر: طبقات الشافعية للسبكي٢ /٩٣، طبقات الشافعي للأسنوي١ /٣٤.
[٢٣] محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد (٣٧٥_٨ ٤٥هـ) كان إماماً مفنناً مناظراً. من تصانيفه. المبسوط، طبقات الفقهاء. انظر: طبقات الشافعية للسبكي ٤/ ١٠٤، طبقات الشافعية للأسنوي٢/ ١٩٠.
[٢٤] أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الضائع، بلغ الغاية في النحو ولازم الشلوبين، وفاق أصحابه بأسرهم. ومن مصنفاته: شرح جمل الزجاجي. توفى سنة ٦٨٠هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ٢٠٤.
[٢٥] أنظر شرح الجمل لابن الضائع/ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٩ نحوجـ٢ ورقة ٧٢.
[٢٦] أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن خروف الأندلسي، أخذ النحو عن ابن طاهر المعروف بالِخدَبّ. أقرأ النحو بعدة بلاد. من مصنفاته: شرح كتاب سيبويه، شرح الجمل توفى سنة ٦٠٩ هـ. انظر بغية الوعاة٢ /٢٠٣.
[٢٧] محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، نحوي عصره ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه من مصنفاته: البحر المحيط، التذييل والتكميل في شرح التسهيل، ارتشاف الضرب من لسان العرب، توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر بغية الوعاة ١/ ٢٨٠- هـ ٢٨
[٢٨] أنظر التذييل والتكميل/ مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٦٢ نحوجـ٥ ورقة: ٦٨ ا-. ١٧.
[٢٩] أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة المشهورين، كان إمام أهل البصرة في القراءات والنحو واللغة مات سنة ٥٤ ١هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ٢٣١.
стр. 15096
[٣٠] عيسى بن عمر الثقفي مولى خالد بن الوليد إمام في النحو والعربية والقراءة، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق. وصنف في النحو الإكمال والجامع، توفى سنة ٤٩ ١ هـ. انظر بغية الوعاة٢/ ٢٣٧.
[٣١] علي بن حمزة الكسائي، إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين توفى سنة ٨٢ اهـ انظر بغية الوعاة٢ /١٦٣.
[٣٢] يحي بن زياد أبو زكريا الفراء، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي، أخذ عنه وعن يونس. من مصنفاته: معاني القرآن، المقصور والممدود، المذكر والمؤنث. مات سنة ٢٠٧ هـ. بغية الوعاة ٢/ ٣٣٣.
[٣٣] علي بن المبارك الأحمر صاحب الكسائي، كان متقدماً في النحو، واسع الحفظ. مات سنة ١٩٤ هـ. بغية الوعاة٢/ ١٥٨.
[٣٤] هشام بن معاوية الضرير النحوي الكوفي أحد أصحاب الكسائي. صنف مختصر النحو، الحدود، القياس. توفى ٢٠٩ هـ. بغية الوعاة٢/ ٣٢٨.
[٣٥] القاضي عياض بن موسى اليحصبي عالم المغرب ولد بسبتة سنة ٤٧٦ هـ. قال ابن خلكان: إمام الحديث في وقته وأعرف الناس بعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. ومن تصانيفه: "إكمال في شرح مسلم "، مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار من الموطأ والصحيحين توفى سنة ٥٤٤ هـ. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ص ٣٠٤ ا-١٣٠٧.
[٣٦] الشعبي علامة التابعين، عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، مولده في أثناء خلافة عمر، كان إماماً حافظاً فقيهاً متقناً ... انظر تذكرة الحفاظ للذهبي١ /٧٩.
[٣٧] الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بن شعيب الخرساني صاحب السنن، ولد سنة ٢١٥ هـ وتوفى سنة ٣٠٣ هـ. برع في الحديث وتفرد بالإتقان وعلو الإسناد. سكن مصر، وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال ... أنظر تذكرة الحفاظ للذهبي٢ /٦٩٨.
[٣٨] فصّل البغدادي القول في استعمالات سمع في خزانة الأدب جـ ٩ص ٦٧ ا-١٧٣ بتحقيق هارون.
стр. 15097
[٣٩] أبو علي الفارسي: الحسن بن أحمد عالم مشهور أخذ عن الزجاج وابن السراج، وعنه أخذ ابن جني، له مصنفات كثيرة منها: الإِيضاح والتكملة، والحجة، والبغداديات والتذكرة. توفى سنة ٣٧٧ هـ. انظر بغية الوعاة ١/ ٤٩٦ هـ ٤٩٧.
[٤٠] محمود بن عمر أبو القاسم جار الله وفخر خوار زم ولد سنة ٤٩٧ هـ. وجاور بمكة، من مصنفاته: الكشاف في التفسير، المفصل في النحو، الفائق في غريب الحديث، أساس البلاغة. توفى سنة ٥٣٨ هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ٢٧٩-. ٢٨.
[٤١] آل عمران آية ٩٣ ١. انظر تفسير الكشاف ١/ ٤٨٩.
[٤٢] الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي: كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلاً على نشر العلم. من مصنفاته: شرح الكشاف، شرح مشكاة المصابيح. توفى سنة ٧٤٣ هـ. انظر بغية الوعاة١ /٥٢٢.
[٤٣] عبد الله بن محمد بن السّيد عالم باللغة والنحو والأدب. ومن مصنفاته: شرح أدب الكاتب، شرح الموطأ، شرح ديوان المتنبي، إصلاح الخلل الواقع في الجمل. مات سنة ٥٢١ هـ. بغية الوعاة٢ /٥٥.
[٤٤] العلامة عثمان بن عمر المقرئ النحوي المالكي الأصولي الفقيه، من مصنفاته النحوية: الكافية وشرحها ونظمها، وفي التصريف الشافية وشرحها، وله الإيضاح في شرح المفصل، والأمالي في النحو. توفى سنة ٦٤٦ هـ. أنظر بغية الوعاة ٢/ ١٣٤.
[٤٥] في قوله تعالى ﴿ما فعَلوه إلا قليل منهم﴾ (سورة النساء٦٦) . قرأ السبعة غير ابن عامر بالرفع، وقرأ ابن عامر بالنصب "قليلا" ... أنظر التصريح ١/ ٣٥٠، تفسير القرطبي ٥/ ٢٧٠.
стр. 15098
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ عبد الرؤف اللبدي
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
أختي العزيزة: "هل":
هذه هي الرسالة الثالثة عشرة، وسوف أحدثك فيها عن همزة الاستفهام الداخلة على أداة الشرط "إِنْ"في القرآن الكريم، لقد وردت هذه الهمزة في ثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ . (الآية ١٤٤ من سورة آل عمران) .
تتضمن هذه الآية الكريمة أن محمداً ﷺ ما هو إلا رسول كغيره من الرسل الذين أرسلهم الله إلى خلقه دعاة إليه والى طاعته ثم ماتوا وقبضهم الله إليه حين انقضت آجالهم، وبقي أتباعهم من بعدهم يلتزمون بما دعوا إليه، ومحمد مثله مثل أولئك الرسل جاء مبلغا عن الله تعالى داعيا إليه وإلى طاعته، وسوف يموت ويقبضه الله إليه حين ينتهي أجله، وعلى أتباعه أن يلتزموا بما دعا إليه الجهاد في سبيل الله تعالى، والصبر على طاعته، فلا ينبغي لأولئك الذين آمنوا به وبصدق ما دعاهم إليه، لا ينبغي لهم أن يصيبهم الفزع والهلع فينكصوا على أعقابهم فراراً من المعركة حين قيل في معركة أحد إن محمدا قتل.
والله لا تنفعه طاعة من أطاع، ولا تضره معصية من عصى، فالله جلّ وعلا غنيّ عن العالمين، فمن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وسيجزى الله الشاكرين الذين شكروا الله على نعمته عليهم بالإسلام، فجاهدوا في سبيله، وصبروا على طاعته، وصدقوا الله في الدفاع عن دينه، فثبتوا حَتى انتهت المعركة أو استشهدوا فيها. والشاكرون لفظ عام يندرج فيه كل شاكر فعلاً وقولاً وإن فُسّر هنا بالمجاهدين الثابتين في معركة أحد.
стр. 15099
وجاء الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جاء مفيدا العتب والإنكار: فقد عتب الله على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أن يصيبهم الفزع والهلع وأن يفروا من المعركة حين قيل لهم في معركة أحد إن محمدا قتل، عتب عليهم ذلك وأنكره، فما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ما فعلوا، كان يجب عليهم أن يثبتوا في المعركة وأن يدافعوا عن هذا الدّين الذي آمنوا به وبرسوله، سواء أكان حيا أم ميتا، فشريعة الله لا تموت بموت الرسول الذي بلّغها عن ربه، ودعا الناس إليها، فهي باقية إلى يوم القيامة يدافع عنها أتباعها الذين يؤمنون بها صادقن، ويجاهدون في سبيلها حتى النصر أو الشهادة.
وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ سهل واضح: فالفاء عاطفة، عطفت الجملة الشرطية التي بعدها على الجملة الخبرية التي قبل الهمزة و"مات"فعل الشرط فهو في محل جزم بـ "إن"و"انقلب"جواب الشرط فهو في محل جزم أيضا، والجار والمجرور "على أعقابكم"في محل نصب حال من فاعل انقلبتم، والتقدير انقلبتم راجعين.
وهذا الذي تقدم من أن همزة الاستفهام قد دخلت على "إن"الشرطية وقد استوفت شرطها وجزاءها هو مذهب سيبويه.
وذهب يونس إلى أنّ فعل "انقلبتم"ليس جواب الشرط، وإنما هو الفعل المستفهم عنه، فهو مدخول الهمزة فينوى به التقديم، وتقدير الكلام عند يونس: أتنقلبون إن مات أو قتل، وجواب الشرط عنده محذوف دلّ عليه مدخول الهمزة المتأخر لفظا المتقدم تقديرا، وعلى مذهبه تكون "إِنْ"مع شرطها معترضة بذهن الهمزة ومدخولها، وبرأي يونس أخذ كثير من المفسرين في هذه الآية.
ولكن أبا البقاء العكبري ذكر في كتابه "إملاء ما منّ به الرحمن" عند إعرابه هذه الآية أن مذهب سيبويه هو الحق لوجهين:
стр. 15100
أحدهما: أنك لو قدّمت الجواب لم يكن للفاء وجه، إذْ لا يصح أن تقول أتزورني فإن زرتك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ .
والثاني: أن الهمزة لها صدر الكلام، وإن لها صدر الكلام، وقد وقعا في موضعهما، والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجواب لأنها كالشيء الواحد"اهـ.
وقال الزركشي في كتابه البرهان: "وقد ردّ النحويون على يونس بقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ، ولا يجوز في "فَهُم"أن ينوي به التقديم لأنه يصير التقدير: "أفهم الخالدون فإن مت"، وذلك لا يجوز لئلا يبقى الشرط بلا جواب، إذ لا يتصور أن يكون الجواب يدل عليه ما قبله، لأن الفاء المتصلة بإن تمنعه من ذلك، ولهذا يقولون: "أنت ظالم إن فعلت"، ولا يقولون: "أنت ظالم فإن فعلت"فدلّ ذلك على أن أدوات الاستفهام إنما دخلت لفظا وتقديرا على جملة الشرط والجواب". اهـ.
وجاء في شرح الرضيّ لكافية ابن الحاجب في النحو ما يؤيّد قول العكبري وقول الزركشي.
وبناء على رأي سيبويه ومن ذهب مذهبه يكون مصبّ الاستفهام ومورده هو جملة الشرط والجواب معاً، وعلى رأي يونس يكون مصبّ الاستفهام ومورده هو جواب الشرط وإن لم يسمه يونس جواباً.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ . الآية (٣٤) من سورة الأنبياء.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله قال لنبيه محمد ﷺ : لم نخلِّد أحدا من بني آدم قبلك يا محمد فنخلّدك أنت، فلابدّ من أن تموت كما مات من كان قبلك، ولن يخلّد الله أحدا في هذه الدنيا، فكل نفس ذائقة الموت، وهؤلاء المشركون الذين يتمنون موتك ليشمتوا به هم ميتون على كل حال، فلا شماتة في الإماتة.
стр. 15101
وهذا الاستفهام: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ يفيد النفي والاحتقار: النفي على معنى لن يخلد الله تعالى هؤلاء المشركين في هذه الحياة الدنيا، فكل نفس ذائقة الموت. ويفيد الاحتقار على معنى إذا كنت أنت يا محمد على علوِّ منزلتك وعظيم قدرك عند الله تعالى سوف تموت، أفيخلد الله تعالى هؤلاء المشركين وليس لهم من الفضل ما يزن مثقال ذرة!!
وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ سهل واضح. فالفاء عاطفة عطفت الجملة الشرطية التي بعدها على الجملة الخبرية التي قبلها، و "مت"مؤلفة من "مات"وهو فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ومن التاء ضمير المخاطب المبني على الفتح في محل رفع على الفاعلية، وجملة "فهم الخالدون" المؤلفة من الفاء الواقعة في جواب الشرط ومن المبتدأ أو الخبر في محل جزم جواب الشرط وقد قريء فعل الشرط السابق "مُتّ"بضم الميم وكسرها: فعلى قراءة الضم يكون الفعل على لغة مات يموت مثل صام يصوم وقام يقوم، وأصله: مَوَت يمْوُت "بفتح الواو في الماضي وضمها في المضارع" من باب نصَر ينصُر.
وحين أسند الفعل الماضي "مات"على هذه اللغة إلى ضمير الرفع المتحرك سُكَََّّّّّّّّّّّّّّّّّّن آخره وحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وضُمّت الميم للدلالة على أن الألف المحذوفة من هذا الفعل الماضي منقلبة عن واو.
وعلى قراءة كسر الميمِ "مِتّ"يكون الفعل على لغة مات يمات مثل خاف يخاف ونام ينام، والأصل: موِت يموت "بكسر الواو في الماضي وفتحها في المضارع"من باب علم يعلم، وحين أسند هذا الفعل الماضي على هذه اللغة إلى ضمير الرفع المتحرك سكّن آخره وحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وكسرت الميم للدلالة على أن حركة الحرف الأصلي الذي انقلبت عنه الألف في الماضي كانت كسرة.
стр. 15102
الآية الثالثة: في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ. قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ. قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . (الآيات: ٣ ا-١٩) من سورة يس.
تتضمن هذه الآيات الكريمة حواراً بين رسل أرسلهم الله ﵎ إلى أهل قرية لم يسّمها كانوا يعبدون غيره، وبين أهل تلك القرية، وفى آخر هذا الحوار قال أهلها لأولئك الرسل: لقد كنتم شؤما علينا ولإن لم تنتهوا عما تدعوننا إليه لنرجمنّكم بالحجارة وليصيبنكم منا عذاب أليم، فقال لهم الرسل شؤمكم معكم وفيكم، فهذا الضلال الذي أنتم فيه هو شؤمكم، أإنْ دعوناكم إلى الهدى ونهيناكم عن الضلال وبيّنا لكم فساد ما أنتم عليه، تشاءمتم بنا وتوعدتم وتهدّدتم؟!! بل أنتم قوم مسرفون في الضلالة ممعنون في الغيّ.
وهذا الاستفهام: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ يفيد الإنكار والتوبيخ: فقد أنكر الرسل على أهل القرية أن يتشاءموا منهم وأن يجعلوا من دعوتهم إلى عبادة الله وحده ونهيهم عن عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، أن يجعلوا من ذلك طيرة وشؤما، وكان ينبغي بدلا من ذلك أن يفرحوا بقدومهم وأن يستجيبوا إلى ما دعوهم إليه، وأن يشكروا الله تعالى أن هداهم للإيمان.
стр. 15103
لقد أنكر الرسل على أهل القرية ذلك ووبخوهم عليه، وقالوا لهم في نهاية إنكار والتوبيخ: بل أنتم قوم مسرفون قد تجاوزتم الحدّ في الضلال والظلم والعدوان، ومن هنا جاءكم الشؤم وأنزل الله بكم المصائب.
وإعراب هذا الاستفهام: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ سهل واضح: فـ "ذُكّر"من ذُكرتم فعل ماض مبني للمجهول، ولك أن تقول في إعرابه مبنّي على فتح مقدر منع من ظهوره السكون العارض لأجل اتصاله بضمير رفع متحرك، ولك أن تقول مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والفعل على الإعرابين في محل جزم بإن الشرطية و "تم"ضمير في محل رفع نائب فاعل، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه الكلام السابق، وقد قدّره العكبري: كفرتم، فيكون تقدير الكلام عنده: أإن ذكرتم كفرتم. وقدّره أبو السعود في تفسيره: أإن ذكرتم تطيرّتم وتوعدتم بالرجم والتعذيب.
أختي العزيزة "هل":
بهذا تنتهي رسالتي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على "إِن"الشرطية، وسوف أحدثك في الرسالة القادمة إن شاء الله تعالى عن همزة الاستفهام الداخلة على "إذا" الشرطية، وأسأله تعالى أن يعين ويسدد ويوفق.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته،،،
أختك
همزة الاستفهام
مراجع هذه الرسالة
(أ) المراجع على وجه الإجمال:
١- تفسير أبي جعفر بن جرير الطبري/ الطبعة الثالثة/ الناشر: شركة الحلبي بمصر.
٢- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي/ الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض.
٣ - تفسير أبي السعود/ الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
٤- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين/ الناشر: الحلبي بمصر.
٥- تفسير ابن كثير/ الناشر: الحلبي بمصر.
стр. 15104
٦- تفسير القرطبي/ الطبعة الثالثة المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.
٧- الكشاف للزمخشري/ الناشر: الحلبي بمصر.
٨- إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري/ الطبعة الأولى/ الناشر: الحلبي بمصر.
٩- شرح الرضي على الكافية في النحو/ طبعة مصورة/ الناشر: دار الكتب العلمية بيروت.
١٠- البرهان في علوم القرآن للزركشي/ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم/ الطبعة الثانية/ الناشر: عيسى الحلبي وشركاه بمصر.
(ب) المراجع على وجه التفصيل:
١- الآية الأولى: (١٤٤) من سورة الأنعام:
الطبري: (جـ ٤ ص ١١٠) - البحر المحيط: (جـ ٣ ص ٦٨) - أبو السعود: (جـ ٢ ص ٩٢) - الفتوحات: (جـ ١ص ٣١٩) - ابن كثير: (جـ ١ص ٨٨) - الزمخشري: (جـ ١ص ٤٦٨) - القرطبي: (جـ ٤ ص ٢٢٦) - العكبري: (جـ ١ص ا ١٥) - الزركشي: (جـ ٢ ص ٣٦٦) - شرح الكافية: (جـ ٢ ص ٣٩٤) .
٢- الآية الثانية: (٣٤) من سورة الأنبياء:
الطبري: (جـ ١٧ ص ٢٤) - البحر المحيط: (جـ٦ ص ٣١٠) - أبو السعود: (جـ ٦ ص ٦٦) - الفتوحات: (جـ٣ ص ١٢٧) - ابن كثير: (جـ ٣ ص ١٧٨) الزمخشري: (جـ ٢ ص ٥٧٢) .
٣- الآية الثالثة: (١٩) من سورة يس:
البحر المحيط: (جـ ٧ ص ٣٢٧) - ابن كثير: (جـ ٣ ص ٥٦٧) - العكبري: (جـ ٢ ص ٠٢ ٢) - أبو السعود: (جـ ٧ ص ١٦٣) - تفسير الجلالين: (هامش الفتوحات) : (جـ ٣ ص ٥٠٧) .
стр. 15105
آية العدد
للشيخ أبي بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
الآية (١) من سورة الفاتحة
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. محمد وآله وصحبه ومن آمن به واهتدى بهداه ...
وبعد: فإن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو الآية الأولى من كتاب الله تعالى (القرآن الكريم) هذا على ما رجحناه، وإلا فعند الشافعي ﵀ أن الآية الأولى هي بسم الله الرحمن الرحيم. وحينئذ فالحمد لله رب العالمين هي الآية الثانية. وعلى كلا المذهبين فآيات الفاتحة سبع لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ . (الحجر:٨٧) . وقوله ﷺ : "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت". (الصحيح) .
وبناءً على أن البسملة آية من الفاتحة فالآية السابعة هي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . وإلا فالآية السابعة هي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
وفائدة هذا الخلاف أن مَن رأى البسملة آية من الفاتحة وجب عليه أن يقرأها كلما قرأ الفاتحة في الصلاة، وإلا بطلت صلاته. ومَن لم يَر أنها آية قرأها أولم يقرأها فصلاته صحيحة إلا أن قراءتها سراً في الصلاة الجهرية أحوط وأكثر أجرا.
стр. 15106
ومنشأ هذا الخلاف: أن الفاتحة نزلت مرتين مرةً بالبسملة ومرة بدونها والمقصود من البسملة هو التبرك بذكر اسم الله تعالى والاستعانة به على التلاوة والصلاة فلذا قراءتها أرجح من عدمها، وإنما نظراًَ لحديث أنس في الموطأ والصحيحين: "أنه صلى وراء رسول الله ﷺ ووراء أبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين"، فإن الاختيار أن تقرأ البسملة سراً، ثم يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية.
بعد هذه المقدمة نشرح الآية الكريمة فنقول:
شرح الكلمات في الآية:
الحمد: "ال"فيها لاستغراق الجنس أي أن عامة ألفاظ الحمد وسائر كلمات الثناء والمحا مد التي عرفها الناس، وما لم يعرفوا منها هي لله تعالى، والله مستحق لها جميعها. وفي الحديث: "اللهم لك الحمد كما أنت أهله".
والحمد: هو الوصف بالجميلِ الاختياري والمدح مثله إلا أنه يُفارقه فيكون بالجميل غير الاختياري كأن نحمد زيداً فنقول: زيد ذو خلق فاضلٍِ، ونَمدَحُه فنقول: زيدٌ جميل الوجه معتدل القامة. فكان قولنا: زيد ذو خلق فاضِل حمداًَ، لأنه على الجميل الاختياري، وكان قولنا: زيد جميل الوجه معتدل القامة مدحاًَ، لأن جمال وجهه واعتدال قامته حصل له بالاضطرار لا بالاختيار، أي لم يكن هو الذي جمل وجهه وعدل قامته بل الفاعل لذلك هو الله تعالى بخلاف حسن خلقه فإنه حصل له بكسبه واختياره. وصفات الجمال في الله تعالى كلها اختيارية. لذا يَحسن أن نقول حمدنا الله تعالى ونحمدُه، ولا نقول مدحنا الله تعالى ونمدَحُه، كما يحسن أن نقول: مدحنا زيداً نمدحه، ولا نقول: حمدنا زيداً نحمده لما علمنا من أن الحمد هو الوصف بالجميل الاختياري، والمدح هو الوصف بالجميل الاختياري أو الاضطراري.
стр. 15107
والشكر كالحمد، وفى الحديث الشكر رأس الحمد. إلا أن الشكر هو المدح بالفواضل وهي النعم المتعدية. والحمد هو المدح بالفضائل. وقد يجمع بينها فيقال زيد جميلٌُ كريم تصدق بألف. ولذا فالحمد يكون باللسان فقط والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
والشكر بالقلب معناه اعتراف القلب بنعمة المنعم فيحمده عليها بلسانه ويثنى بها عليه بتكراره.
لله: اللام في لله هي لام الاستحقاق والملك كقولنا الجائزة أو الدار لعمرو أي أن الجائزة مستحقة لعمرو والدار ملك له. وجميع المحا مد مستحقة لله تعالى ملك له، فليس لغيره من سائر خلقه حق فيها ولا استحقاق ولا ملك. وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.
الله: اسم الربّ ﵎ وهو علم على ذاته ، ولله تعالى مائة اسم إلا اسماً واحداً للحديث الصحيح. وأعظم تلك الأسماء الحسنى هو اسم ﴿الله﴾ وإذا نودي به تعالى قد يحذف حرف النداء (يا) وُيعوض عنه ميم مشدَّدة تلحق آخره فيقال: اللهمّ. وقد ينادى بدون إلحاق حرف الميم في آخره، فتقطع همزة الوصل فيه فيقال: يا ألله. وهو واسم الرحمان لا يسمى بهما غير الرب ﵎. وأما لفظ الربّ فقد يطلق على غير الله تعالى مضافاً نحو: قولنا رب الدار، ورب السلعة بمعنى مالكها، ويقال: فلان ربّ، أو الرب بلا إضافة. ومن خصائص اسم الجلالة ﴿الله﴾ أنه يوصف ولا يوصف به فيقال: الله الرحمن الرحيم، أو العزيز الحكيم. ولا يقال الرحمن الله، أو العزيز الله، ولذا رجح بعض أهل العلم أن يكون الاسم الأعظم لله تعالى هو ﴿اللَّهُ﴾ أو مع الحيّ القيوم. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ . وذلك للخبر ...
стр. 15108
ومعنى (الله) : المعبود بحق، إذ الأصل في تركيبه: إله فحذفت الهمزة منه وعرّف بال فصار (الله) وجُعل عَلماً على ذات الرب الواجب الوجود . وعلى القول بأنه مشتق غير مرتجل فإنه مأخوذ مِن أَلهه يألهه إلهة وألوهية: إذا عَبَدَه محِباً لهُ غايَة الحب مُعظما له غاية التعظيم خاشيا إياه غاية الخشية.
ومادة أَله جاءت في لغة العرب لمعان كثيرة منها أَلِهَ إذا عبد، وأله إذا تحيرّ، وإله إذا فزع، وإله إذا سكن. وكل هذه المعاني صالحة لاسم الله إذ هو تعالى المعبود بحق. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي معبود فيهما معا. والله تعالى تتحيَّر العقول في معرفة كنه ذاته وتضطرب وتقر بالعجز إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وتفزع إليه الخلائق إذا نزل بها أمر تدعوه وتتضرع إليه ليكشف عنها ما نزل بها، وتسكن إليه القلوب المؤمنة وتطمئن بذكره قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فلذا كان أفضل الذكر لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
رَّّّب: الربّ اسم من أسماء الله تعالى، لا يصح إطلاقه على غير الله تعالى إلا مضافاً كما تقدم بيانه. ولفظٌ يطلق ويراد به معان كثيرة فيكون بمعنى الخالق، الرازق، المدبر، المصلح، المربي، المعبود، ويكون بمعنى السيد والمالك. وكل هذه المعاني مستحقة لله تعالى فلا تطلق على الحقيقة إلا عليه وتطلق دون الخالق والمعبود على غير الله تعالى إطلاقا إضافياً غير حقيقي، فيقال فلان مصلح أو مربٍ أو سيد أو مالك. نحو فلان مصلح السيارات، ومربى الأولاد، وسيد البلد، ومالك الدار، وما إلى ذلك. ومن شواهد اللغة على إطلاق لفظ الربّ على المعبود قول الأعرابي، وقد وجد ثعلبا شاغرً رجله يبول على صنم كان يعبده:
أربٌ يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
стр. 15109
وتركه كافراً به فلم يرجع إليه أبداً ...
وللاستغاثة باسم الرب تعالى أثرٌ طيب إذا كانت بلسان صادق وقلب سليم من الشرك إذ قال رسول الله ﷺ : "إذا قال العبد يا رب يا رب ثلاثا، قال الله تعالى عبدي سل تعط". رواه ابن أبي الدنيا في الدعاء عن عائشة ﵂.
العالمين: العالمين جمع واحِدُهُ عالَم، والعالم كل ما سوى الله تعالى، وسمى كل شيء من المخلوقات عالماً كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الإنسان، وعالم الدواب وعالم الطير وعالم النبات، وعالم السماوات، لأنه علامة على خالقه ومدبره ومصلحه وحافظه .
ومن هنا كان ربّ العالمين معناه: خالق الخلائق ومالكهم، ومدبر وجودهم وحياتهم، ومعبودهم الحق الذي لا معبود لهم على الحقيقة غيره .
كان ذلك شرح مفردات الآية الكريمة تفصيلاًَ. وأما تفسير الآية إجمالا فإنه:
"يخبر تعالى عباده بأن له الحمد كله، استحقه بخلقه العوالم كلها، وبملكها كلها، وتدبيرها كلها، والقائم على إصلاحها وتربيتها كلها فلا ربّ لها غيره، ولا معبود حق لها سواه. وضمن هذا الإخبار الأمرُ بحمده تعالى والثناء عليه بلفظ الحمد لله. وأنه تعالى يحب أن يحمد على آلائه، َ كأنما قال: قولوا الحمد لله ربّ العالمين" ...
هذا معنى الآية وأما ما فيها من هداية وأحكام فإلى القارئ الكريم ذلك إزاء الأرقام التالية:
(١) فضل "الحمدُ لله " حيث قالها الله تعالى لنفسه وأمر بها عباده أن يقولوها له، وفى الحديث [١] الصحيح الحمد رأس الشكر، وأن الله تعالى يحب من العبد إذا أكل الأكلة أو شرب الشربة أن يحمده عليها. وما من عبد أنعم الله عليه بنعمة فقال فيها: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ. وما من أحد أحب إليه الحمد من الله تعالى، ولذا حمد نفسه بنفسه فقال الحمد لله.
стр. 15110
(٢) أن الحمد لا يكون إلا لمن له فضائل أوفواضل اقتضت حمده فلا يحلّ حمد أو مدح من لا فواضل له ولا فضائل، إذ مدح البخيل بالكرم زور، ومدح السخيف بالكمال كذب. ومدح الجبان بالشجاعة باطل، ومدح الظالم بالعدل حرام. ودليل هذه الحقيقة أننا بالاستقراء والتتبع ما وجدنا الله تعالى حمد نفسه إلا وذكر موجب الحمد ومقتضاه مثل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ...
(٣) وجوب قول الحمد لله في الصلاة ومشروعيته بالندب عند حصول كل نعمة وتجددها، ومن ذلك عند لبس الثوْب والفراغ من الأكل أو الشرب، وعند دخول المسجد والخروج منه "بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله"وعند افتتاح الخطبة، وختم الدعاء. "سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين"وعند ركوب الدابة أو السيارة والطائرة والسفينة للآية ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ . ولازم ذكر النعمة شكرها والحمد لله رأس الشكر. اللهم اجعلنا من الحامدين لك الشاكرين لإنعامك وإفضالك بطاعتك وطاعة رسولك ﷺ ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أورد هذه الأحاديث ابن كثير في تفسير سورة الفاتحة فليراجعها من شاء.
стр. 15111
أوَّلُ واجبٍ على المكلفِ.. عِبَادةُ الله تَعاَلى
وُضوح ذَلكَ من كِتابِ الله وَدَعواتِ الرُسُل
٢
للشيخ عبد الله الغنيمان
رئيس قسم الدراسات العليا
القسم الثاني: توحيد التوجه والقصد بالنفس واللسان والقلب رغبة ورهبة بالعبادة لله وحده والخلوص من الشرك جليله ودقيقه، فإذا نوى المرء بما يأتي وما يترك التقرب إلى الله تعالى وطلب ما لديه صار موحدا له وبصرفه شيئاًَ من ذلك لغير الله يكون مشركاً علم أنه شرك أولم يعلم إذ أساس العبادة سواء كانت لله أو لغيره هو توجه القلب بالذل والخضوع التام المستولى على الخاضع من القوى الغيبية والأمور الخفية التي يرهبها ممن يذل له أو يطمع فيها على غير الأسباب التي يجري عليها نظام الكون على الدوام سواء كانت تلك القوى الخفية وهمية أو حقيقية، هذا هو باعث العبادة في الغالب، والذي يحمل العابد عليها بالتوجه إلى معبوده بالدعاء وما يتبعه من الأعمال والأقوال، فرع عن وجودها ودليل على عبودية من صدرت منه، لأن التوجّه إليه شاهد على اتخاذه إلها، والأعمال هي شواهد لله ولعباده على الخلق، ودليل على صدق ما ادعى أو كذبه مع أن الله لا يخفى عليه خافية.
وما كان من هذا الذل والخضوع خال عن المحبة والتعظيم، وبدافع الأمور الظاهرة التي تجري عليها السنن الكونية والأسباب التي ربطها الله بمسبباتها ونتائجها مما يدخل تحت مقدور من يخافه العباد، أومن يرجونه من الخلق فهو من تتمة العبادة غير أن ما كان جارٍ منها على الطبائع لا يقدح في إخلاص من داخله شيء منه، لأن الأنبياء فمن دونهم كانوا يخافون من عدوهم، ومن يقدر على أذاهم، ويرجون من يملك أن ينفعهم ويعاونهم من أتباعهم وغيرهم، مع اعتمادهم على الله في حصول مطلوبهم وهذه من الأسباب التي جعلها الله مقتضية وجود مسبباتها.
стр. 15112
ولم يسجل التاريخ نبأ كائن ينكر وجود إله عليٍّ قدير، حتى العقائد الوثنية التي كانت ومازالت تؤمن بآلهة متعددة، حتى هذه تدين بالتقديس لإله واحد من آلهتها وتؤمن بأنه فوق الكل عزة وعظمة وقدرة، وهو مالك الملك رب السماوات والأرض وأنه رب الأرباب، ومالك كل شيء، إلا أنهم أشركوا بعض عباده معه في الدعاء والتوجه إليهم بصفتهم مقربين إليه ملكهم ما يطلب منهم، بزعمهم ولكن الذي وقف في وجه دعوة الرسل أمم كانت تعبد مع الله آلهة أخرى.
стр. 15113
ولهذا لم تكن رسالة الرسل في دعوة الناس إلى الإيمان بوجود الله أو ربو بيته، إذ كان هذا مستقراً في القلوب وإنما كانت دعوة الرسل إلى توحيد الله في إلهيته بأن يعبد وحده لا شريك له والتخلي عما اتخذوه معبوداً من دون الله تعالى، وأولياء يلجأون إليهم وشفعاء يعبدونهم بالحب والدعاء والخوف والرهبة والرجاء قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . والطاغوت كل من أضلك عن سبيل الله، أو صرفك عن طريق الحق، أو احتكمت إليه في دينك بحكم يحكم فيه بالهوى أو عبدته من دون الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . لم يقل لا رب سواي لأن الناس جميعاًَ يوحدون الله في ربو بيته ولم يقل إني إله لأنهم جميعاًَ يؤمنون بذلك ولكنه قال: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ وأمر بعد ذلك بعبادته ليوحده الناس في الألوهية ويعبدوه وحده وهذه رسالة الرسل وهى توحيد الله في إلهيته بأن يعبدوه وحده لا شريك له، وفى يوم النداء من الطور، في تجلي النور، كان أول ما أمر به موسى أن يسمعه ويطيعه، ويبلغه ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه:١٤) . وملاك ذلك أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبده إلا بما شرع، فمن ابتغى بعمل غير وجه الله، فهو مشرك، ومن عَبَدَ الله وحده، بما لم يأذن به الله ولم يشرعه فهو مبتدع ضال، ولا يكون الدين لله خالصا إلا إذا كان كل ما نعمله ونقوله هو لله خالصا وسواء كان من شئون الدين أومن شئون الحياة مادمنا نرجو الثواب من الله تعالى عليه، قال ﷺ يقول الله : "من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" [١] فذكر العمل مطلقاًَ غير مقيد بكونه عمل ديني أو دنيوي، ليكون وجود العبد كله في الحياة
стр. 15114
والاتجاه وغيره لله وحده، وقال ﷺ : "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله؟. قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" [٢] فمجرد تزين الصلاة لأجل ملاحظة عيون الناس بالإعجاب شرك بالله، فتوحيد الله لا يتحقق إلا أن يكون ظاهر الإنسان وباطنه سره وعلانيته عمله وقوله دينه ودنياه كله لله وحده، فيجب أن يكون هوى قلبك وباعث عملك وغاية جهادك في الحياة لله وحده، وقد يكفر الإنسان بمعبود في لسانه وقلبه مستكين له ومملوك عليه، وتشهد عليه أعماله بأنه عبد الدينار وعبد الدرهم، أو عبد الشيطان، ألم تر إلى قول إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ وما كان آزر يسمى معبوده شيطاناً ولا يؤمن بأنه شيطان، ولكن الذي يصده عن عبادة الله هو الشيطان، أو ولي الشيطان، فهو عونه وأخوه قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (يس: ٦٠) .
стр. 15115
وأنواع العبادة كثيرة متعددة: "وهي اسم لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " [٣] وتكون في القلب كالإخلاص في الأعمال، واليقين بالأمور الغيبية، والخوف والرجاء، والتوبة، والندم على ما صدر من سيئ الأعمال، ومنها ما يدفعه قلب العبد على اللسان من الدعاء، والنداء والاستغاثة ممن يرجو ويتوكل عليه لقضاء حاجة، أو تفريج كربة، ومنها ما يكون باللسان والقلب والجوارح، كالمحبة، فمن أشرك في الحب الذي لا يصلح إلا لله، مع الله غيره، فقد جانب التوحيد، وأتى بما يضاده، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله﴾ ، (سورة البقرة: ١٦٥) . ومنها الصلاة والركوع والسجود والذبح قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . (سورة الكوثر: ٢) . وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ ، (سورة الحج: ٧٧) ، ومنها الطواف، فلا يطاف إلا في بيت الله، ولله وحده، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، (سورة الحج:٢٩) ، وأنواعها كثيرة يصعب حصرها جدا.
وضد التوحيد الشرك وهو أقسام ثلاثة شرك أكبر بأن يجعل شيئاً من العبادة لله وغيره وهذا فاعله إذا مات ولم يتب منه يخلد في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . (سورة النساء: ٤٨)
والثاني شرك أصغر مثل يسير الرياء وقوله لرجل ما شاء الله وشئت والحلف بغير الله وما شابه ذلك، ولو كان المحلوف به خاتم النبيين، وأشرفهم ﷺ .
стр. 15116
الثالث الشرك الخفي وهذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، حسب الباعث عليه والاسترسال معه، ومن أنواع الشرك أن يتوجه الإنسان بالدعاء إلى الله تارة وإلى غيره أخرى سواء قصد ذلك على سبيل الوساطة، أو طلب منه أي من غير الله- غرضه، بالنداء والاستغاثة واللجاء إليه والتمسكن له، فمن فعل ذلك فقد جعل لله عديلا، ومساويا، سواء سمى ذلك توسلا أو شفاعة، وسواء كان المتوسل به نبيا، أو وليا، أو عدوا طريدا، فكل ذلك شرك ينافى التوحيد، ومن الأعمال القبيحة سؤال الله بجاه مخلوق، أو بحقه وعمله لأن من سأل الله بذلك فقد اعتقد أنه يؤثر على الله، كالشفاعة على الرؤساء، ولهذا لا يتوسلون ويسألون الله إلا بجاه من يعتقدون له الجاه العريض، والمكانة الحاملة لله على أن يعطيهم حاجتهم بزعمهم والجاه والمنزلة أصبحت في عرف الناس ولغتهم هي النفوذ والقوة المؤثرة، على من يتوجه إليه لتحصيل خيره، أو دفع شره، فعلى هذا ما يسميه توسلا وزوراً معيدوا الوثنية، من منتحلي الإسلام، وهو على لغة القرآن والعرب، العبادة بعينها، فإذاًَ التوسل الذي يعنونه هو الشرك
الأعظم وهو يشمل عندهم.
أولاً: الطواف عند قبور من يقدسونهم، وتقبيلها وأخذ ترابها للاستشفاء به والتبرك بها، وذبح الذبائح لهم، لأنهم يرجون بذلك أن يعطوهم، أضعاف ما قدموا لهم.
الثاني: ما ينفقونه في هذا السبيل، من الحرث والأنعام، طمعا أن يبارك لهم بدعواتهم، وأسرارهم ونفحاتهم الإلهية في أموالهم وأنفسهم وذرياتهم.
الثالث: عمارتهم قبورهم، بالبناء العالي، والقباب المزخرفة، والستائر الفاخرة، والإِضاءة عليها وبذل المال في هذا السبيل، وتحمل مشقات السفر إليها.
الرابع: الحلف بهم، والخوف منهم، والتخويف بهم، وتحذير بعضهم بعضا من عقابهم، لاعتقادهم أنهم يقدرون على ذلك، كما يعتقدون فيهم النفع لمن يحبهم، ويفي لهم بالنذور، ويزور أوثانهم.
стр. 15117
الخامس: توجههم إليهم بالدعاء والنداء والاستغاثة والاستعانة بهم إذا نزل بهم ضر، أو مسهم كرب.
السادس: سؤالهم الله بحقهم، وتوسلهم إليه بجاههم ومنزلتهم، وما لهم عنده من الدرجات.
السابع: تعبدهم وصلاتهم عند قبورهم، وتفضيل البقاع التي يوجدون فيها، اعتقادا منهم أن الدعاء عندهم مقبول، ومستجاب لما لهم من القداسة. وهذا كله شرك بالله وخروج عن دينه الذي جاءت به رسل الله كلهم.
الثامن: السفر إلى مشاهدهم، قصدا للعبادة عندهم، لاعتقادهم أنها في تلك الأماكن أفضل منها في المساجد، وهذا كله مناقضة لشرع الله، الذي جاء به خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وإعادة لدين الوثنية، ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه الأفعال من خريجي الجامعات، والمتصدرين للفتوى والتوجيه.
ومما يتعلق به المشركون قديما وحديثا الشفاعة:
стр. 15118
الشفاعة: لقد كانت الشفاعة في قديم الزمان وحديثه طريقا إلى الشرك، ثم أصبحت تطلق على الشرك بعينه كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهى ضم طلب الشافع إلى طلب المشفوع له، وما عبد المشركون في كل عصر صالحيهم إلا بحجة أنهم يشفعون لهم عند الله، وعملهم لهذه الغاية صادر بلا ريب عن اعتقادهم في أوليائهم أنهم يملكون الشفاعة، ولو كان عندهم عقل لأخلصوا العبادة لله وحده، لأن الشفاعة وغيرها ملكه لا يشاركه في ذلك أحد، وهو الرحمن الرحيم الغفور الودود، وهؤلاء يدعون العبيد الأموات، أن يمنحوهم ما يملكه الله وحده، ولا يسألون مالك الملك بدل إذلالهم أنفسهم لأصنامهم وطواغيتهم، وإذا كانوا لا يؤمنون بالقرآن، أيجوز في عقل الإنسان أن يطلب الشيء ممن لا يملكه، إنّ عقل المشركين هو الذي أباح للعبيد أن يسألوا الصخرة الصماء رحيق الجنة والميت إمداد البركات، في الحياة، والعاجز الضعيف الفقير أن يهب لهم القدرة، والقوة والغنى، وزين الشيطان لهم، أن رحمة القبور، أقرب إليهم من رحمة الخلاق الرحيم، فاستجاروا بمن لا يجير نفسه، من دود الأرض، واسترحموا من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
стр. 15119
إن الشفاعة ملك خاص لله وحده، فمن الشرك القول: "نسألك الشفاعة يا رسول الله "لأن السائل ذلك يسأله ما يملكه الله وحده، فيحبب أن يقول: اللهم اجعلنا ممن يستحق شفاعة نبيك. بيد أن الشيطان زين لعباده أنه لا فرق بين الأمرين، وأن التفريق بينهما تزمت وتنطع، في الدين قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . نفى الله عمن سواه كل ما يتعلق به المشركون، نفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك، أو يكون عوناًَ لله، فلم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ فالشفاعة التي يظنها المشركون، منفية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ . وأخبر النبي ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد لله ويحمده ثم يأذن له في الشفاعة بقول الله له اشفع. وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" [٤] فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص وهي محرمة على المشرك، وحقيقتها تفضل الله سبحانه على أهل الإخلاص بمغفرته بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، والتي أثبتها هي ما كانت بإذنه، ولمن رضي عنه، وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] رواه مسلم في صحيحه انظر مسلم بشرح النووي ج١٨ص١١٥، وابن ماجه في سننه ج٢ص١٤٠٥
стр. 15120
[٢] أحمد. انظر المسند ج٣ص٣٠ وسنده صحيح
[٣] قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنظر الرسالة المعروفة بالعبودية فاتحتها
[٤] فتح الباري ج اص١٩٣ وج ا ١ص٤١٨
стр. 15121
منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة ... والعقل
(١)
الدكتور ربيع بن هادي مدخلي
رئيس قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون.
وبعد: فإن الدافع لاختيار هذا الموضوع عدة أمور من أهمها:
أولاً: أن الأمة الإسلامية اختلفت في مناحٍ شتى عقدية وغيرها وتفرقت بها السبل، فنزل بها من الويلات- نتيجة لهذا التفرق ولعدم الاحتكام في قضايا الخلاف إلى كتاب الله وسنة نبيهم- مالا يعلم مداه وفداحته إلا الله من تمزق صفوفهم وتأجج نيران الخلاف والخصومات فيما بينهم، ثم تغلب أعداء الإسلام على أوطانهم واستباحتهم لبيضتهم واستعبادهم واستذلاهم.
ثانيا: حدوث تيارات فكرية برزت في الساحة الإسلامية بطرق ومناهج، لإصلاح حال الأمة وإنقاذها:
منها السياسي.
ومنها الفكري.
ومنها الروحي.
وكل واحد من هذه التيارات يدعى ممثلوه أنه المنهج الإسلامي الحق الذي يجب اتباعه والذي لا ينقذ الأمة سواه.
هذان السببان مع أسباب أخر دفعتني إلى القيام بواجب من أعظم الواجبات وأهمها ألا وهو بيان منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة وبيان مزاياه التي لا يُشارك فيها وبيان ضرورة اتّباعه وحده لأنه الطريق الأوحد الذي يوصل إلى الله ويكسب رضاه وهو السبيل الأوحد لإنقاذ الأمة والموصل إلى السيادة في الدنيا والسعادة في الأخرى.
نص المحاضرة مع إضافات واسعة ومهمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
стр. 15122
فإن الله تعالى الخالق البارئ المصور العليم الحكيم قد خلق هذا الكون العظيم ودبره ونظمه بعلمه المحيط وحكمته العالية وقدرته الشاملة، لحكم جليلة وغايات نبيلة بعيدة كل البعد عن العبث والباطل واللعب.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الدخان: الآيتان ٣٨، ٣٩) .
وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: ١- ٣) .
وخلق الجن والإنس وبين الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . (الذاريات: ٥٦_ ٨ هـ) .
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ, فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ . (المؤمنون: ١١٥- ١١٦) .
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (القيامة: ٣٦) . أي لا يؤمر ولا ينهى.
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير, الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . (الملك: ١-٢) . فأخبر تعالى أنه ما خلقهم إلا للابتلاء، والاختبار ليتبين أيهم أحسن عملاً بانقياده لمنهج الله واتباعه لرسل الله.
стр. 15123
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ً الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (البقرة: ٢١-٢٢) . فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها، وبين لهم أنه قد وفر وهيأ لهم كل الأسباب التي تساعدهم على القيام بمهمتهم
العظيمة، وحذرهم من الانحراف عن هذه الغاية، والتنكر لهذه النعم الجليلة، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ . (الإسراء: ٧٠) ، وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وأحله هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خلق من أجلها، ألا وهى عبادة الله وحده وتعظيمه وتنزيهه، عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وكثيراً ما نوّه الله بكرامة الإنسان ومنزلته في هذا الكون، وأن هذا الكون، قد سخر لراحته وسعادته، حتى يؤدى وظيفَته ويقوم بغايته التي خلق من أجلها على أتم الوجوه وأكملها.
стр. 15124
قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ، الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ, وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . (إبراهيم: ٣١- ٣٤) .
إكرام الإنسان بالعقل والفطرة [١]
وإلى جانب هذه النعم العظيمة والإكرام الفائق لهذا الإنسان فقد منحه نعمة العقل الذي يرفعه إلى مستوى التكاليف الإلهية ويؤهله لإدراكها وفهمها، وزوده بالفطرة التي توائم ما يأتي به رسل الله عليهم الصلاة والسلام من الوحي الكريم ومن الدين الحق الذي يشرعه الله وينهجه لهذا الإنسان على ألسنة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الروم: ٣٠) .
وقال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . الآية [٢]
стр. 15125
وعن عياض بن حمار، المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته [٣] عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء [٤] كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم [٥] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم، أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ... " [٦] الحد يث.
إكرام البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم
ثم لم يكِلهم الله إلى ما آتاهم من فطرة وعقل، بل أرسل إليها الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب لتبيّن لهم الحق من الباطل ولتكون مرجعا لهم، فيما يختلفون فيه، حتى لا يبقى للناس أي عذر، ولتقوم عليهم الحجة، فلا يبقى لهم حجة على الله بعد الرسل.
وكلّف جميع الأمم بطاعة هؤلاء المصطفين الأخيار واتباعهم والانقياد لهم وأنزل أشد العقاب بمن كذبهم وعاندهم في الدنيا، وسوف ينزل بهم العذاب الأنكى والأشد، العذاب السرمدي الخالد في دار الجزاء العادل.
ما هي رسالة هذه الصفوة المختارة من البشر صلوات الله وسلامه عليهم وما الذي قدموه لأممهم؟
إن رسالتهم تشمل كل خير وتبعد من كل شر، فقدموا للإنسانية كل ما يسعدها في الدنيا والآخرة، فما من خير إلا دلوا الناس عليه، ولا شر إلا حذروا الناس منه.
следующие страницы →