← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15121–15160 · переход к 15126.

стр. 15121

منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة ... والعقل (١) الدكتور ربيع بن هادي مدخلي رئيس قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون. وبعد: فإن الدافع لاختيار هذا الموضوع عدة أمور من أهمها: أولاً: أن الأمة الإسلامية اختلفت في مناحٍ شتى عقدية وغيرها وتفرقت بها السبل، فنزل بها من الويلات- نتيجة لهذا التفرق ولعدم الاحتكام في قضايا الخلاف إلى كتاب الله وسنة نبيهم- مالا يعلم مداه وفداحته إلا الله من تمزق صفوفهم وتأجج نيران الخلاف والخصومات فيما بينهم، ثم تغلب أعداء الإسلام على أوطانهم واستباحتهم لبيضتهم واستعبادهم واستذلاهم. ثانيا: حدوث تيارات فكرية برزت في الساحة الإسلامية بطرق ومناهج، لإصلاح حال الأمة وإنقاذها: منها السياسي. ومنها الفكري. ومنها الروحي. وكل واحد من هذه التيارات يدعى ممثلوه أنه المنهج الإسلامي الحق الذي يجب اتباعه والذي لا ينقذ الأمة سواه. هذان السببان مع أسباب أخر دفعتني إلى القيام بواجب من أعظم الواجبات وأهمها ألا وهو بيان منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة وبيان مزاياه التي لا يُشارك فيها وبيان ضرورة اتّباعه وحده لأنه الطريق الأوحد الذي يوصل إلى الله ويكسب رضاه وهو السبيل الأوحد لإنقاذ الأمة والموصل إلى السيادة في الدنيا والسعادة في الأخرى. نص المحاضرة مع إضافات واسعة ومهمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

стр. 15122

فإن الله تعالى الخالق البارئ المصور العليم الحكيم قد خلق هذا الكون العظيم ودبره ونظمه بعلمه المحيط وحكمته العالية وقدرته الشاملة، لحكم جليلة وغايات نبيلة بعيدة كل البعد عن العبث والباطل واللعب. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الدخان: الآيتان ٣٨، ٣٩) . وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: ١- ٣) . وخلق الجن والإنس وبين الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . (الذاريات: ٥٦_ ٨ هـ) . وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ, فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ . (المؤمنون: ١١٥- ١١٦) . وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (القيامة: ٣٦) . أي لا يؤمر ولا ينهى. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير, الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . (الملك: ١-٢) . فأخبر تعالى أنه ما خلقهم إلا للابتلاء، والاختبار ليتبين أيهم أحسن عملاً بانقياده لمنهج الله واتباعه لرسل الله.

стр. 15123

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ً الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (البقرة: ٢١-٢٢) . فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها، وبين لهم أنه قد وفر وهيأ لهم كل الأسباب التي تساعدهم على القيام بمهمتهم العظيمة، وحذرهم من الانحراف عن هذه الغاية، والتنكر لهذه النعم الجليلة، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ . (الإسراء: ٧٠) ، وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وأحله هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خلق من أجلها، ألا وهى عبادة الله وحده وتعظيمه وتنزيهه، عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وكثيراً ما نوّه الله بكرامة الإنسان ومنزلته في هذا الكون، وأن هذا الكون، قد سخر لراحته وسعادته، حتى يؤدى وظيفَته ويقوم بغايته التي خلق من أجلها على أتم الوجوه وأكملها.

стр. 15124

قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ، الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ, وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . (إبراهيم: ٣١- ٣٤) . إكرام الإنسان بالعقل والفطرة [١] وإلى جانب هذه النعم العظيمة والإكرام الفائق لهذا الإنسان فقد منحه نعمة العقل الذي يرفعه إلى مستوى التكاليف الإلهية ويؤهله لإدراكها وفهمها، وزوده بالفطرة التي توائم ما يأتي به رسل الله عليهم الصلاة والسلام من الوحي الكريم ومن الدين الحق الذي يشرعه الله وينهجه لهذا الإنسان على ألسنة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (الروم: ٣٠) . وقال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ . الآية [٢]

стр. 15125

وعن عياض بن حمار، المجاشعي ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته [٣] عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء [٤] كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم [٥] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم، أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ... " [٦] الحد يث. إكرام البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم ثم لم يكِلهم الله إلى ما آتاهم من فطرة وعقل، بل أرسل إليها الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب لتبيّن لهم الحق من الباطل ولتكون مرجعا لهم، فيما يختلفون فيه، حتى لا يبقى للناس أي عذر، ولتقوم عليهم الحجة، فلا يبقى لهم حجة على الله بعد الرسل. وكلّف جميع الأمم بطاعة هؤلاء المصطفين الأخيار واتباعهم والانقياد لهم وأنزل أشد العقاب بمن كذبهم وعاندهم في الدنيا، وسوف ينزل بهم العذاب الأنكى والأشد، العذاب السرمدي الخالد في دار الجزاء العادل. ما هي رسالة هذه الصفوة المختارة من البشر صلوات الله وسلامه عليهم وما الذي قدموه لأممهم؟ إن رسالتهم تشمل كل خير وتبعد من كل شر، فقدموا للإنسانية كل ما يسعدها في الدنيا والآخرة، فما من خير إلا دلوا الناس عليه، ولا شر إلا حذروا الناس منه.

стр. 15126

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنا في سفر، فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل [٧] ، ومنا من هو في جشَره [٨] إذ نادى منادى رسول الله ﷺ الصلاة جامعة [٩] فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا وكان حقا عليه أن يدل أمته على خيرِ ما يعلمه وينذرهم شرما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء، وأمور ينكرونها. وتجئ فتن فيرقق [١٠] بعضها بعضا، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف. وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله، واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". هذه رسالة كل الأنبياء تدل على كل خير وتحذر من كل شر، لكن من أين تنطلق وبماذا تبدأ وعلى أي شيء تركز؟ إن هناك دعائم وقواعد وأصولا تركز عليها دعواتهم وتكون أول منطلقاتهم في دعوة الناس إلى الله. تلك الأسس والقواعد هي: (١) التوحيد، (٢) النبوات، (٣) المعاد [١١] هذه الأسس الثلاثة هي ملتقى دعواتهم وأصولها وقد أهتم بها القرآن غاية الاهتمام وبينها غاية البيان وهي أهم مقاصده التي يدور عليها ويكررها، ويورد الأدلة العقلية والحسية عليها في جميع سوره وفي غالب قصصه وأمثاله، يعرف ذلك من له كمال فهم وحسن تدبر وجودة تصور. وقد عنيت بها كتب الله بأجمعها واتفقت عليها الشرائع السماوية بأسرها. وأهم هذه الأسس الثلاثة وأجلها وأصل أصولها هو توحيد الله ﵎ الذي تضمنته غالب سور القرآن، بأنواعه الثلاثة المشهورة بل تضمنته كل سورة من سور القرآن، فإن القرآن:

стр. 15127

(١) إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد الخبري. (٢) وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي. (٣) وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد، ومكملاته. (٤) وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء التوحيد. (٥) وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم نما الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم [١٢] . توحيد الألوهية وأهميته وسوف أتناول توحيد الألوهية وأهميته لسببين: أولا: أنه الجانب الأهم من دعوات الرسل الذي عرضه علينا القرآن ولأنه موضوع الصراع الدائر بينهم وبين خصومهم من المستكبرين والمعاندين من كل الأمم، ولا يزالا موضوع الصراع إلى اليوم، ولعله يستمر إلى يوم القيامة ابتلاء واختباراً لورثة الرسل ورفعاً لمنزلتهم. ثانيا: أن أخطر وأشد وأصعب انحراف مني به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الجانب في أكثر جهال المسلمين وفى كثير من مثقفيهم والمنتسبين إلى العلم منهم. فلنبدأ بعرض دعوات الأنبياء بصفة عامة ثم نعرض دعوات بعضهم بصفة خاصة.

стр. 15128

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . (النحل:٣٦) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (الأنبياء: ٢٥) ، وقال تعالى بعد أن ذكر قصص عدد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . (الأنبياء:٩٢) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥١_٥٢) . قال الحافظ ابن كثير: قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . يقول: دينكم واحد [١٣] . وفى معنى الآيتين من السنة، قوله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات [١٤] أمهاتهم شتى ودينهم واحد" [١٥] .

стр. 15129

وقال تعالى عنِ أولى العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى:١٣) . تلك دعوة الأنبياء جميعاً وعلى رأسهم أولوا العزم منهم الأنبياء الذين يبلغ تعدادهم أربعة وعشرين ألفا ومائة ألف [١٦] يسيرون في دعوتهم في منهج واحد، وينطلقون من منطلق واحد، هو التوحيد، أعظم القضايا والمبادئ التي حملوها إلى الإنسانية جميعا في جميع أجيالهم ومختلف بيئاتهم وبلدانهم وأزمانهم. مما يدل على أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك في دعوة الناس إلى الله، وسنة من سننه التي رسمها لأنبيائه واتباعهم الصادقين، لا يجوز تبديلها ولا العدول عنها. نماذج لدعوات بعض الرسل ثم إن الله تعالى أخبر عن بعض أفراد الأنبياء العظام كيف واجهوا أقوامهم وإذا بهم يسيرون في الخط العام الذي رسمه الله لهم وإذا بهم في المنهج الذي قرره الله لجميعهم لا تند عنه دعوة أحد منهم: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ . (هود: ٢٥-٢٧)

стр. 15130

﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ , أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ, قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ, فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . (الأعراف: ٦٥-٧٢) . وهكذا دعوات كل الأنبياء، كلهم ساروا في هذا المنهج في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده أولاً وواجههم أقوامهم- إلا من هدى الله- بالسخرية والتكذيب والاستهزاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ، وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . (الزخرف: ٦-٧) .

стр. 15131

وما أشد التكذيب والاستهزاء والسخرية على النفوس المؤمنة الأبية، إنها أشد عليهم من وقع السيوف ومن السجون والتعذيب ولقد عبر عن هذا المعنى الشاعر العربي بقوله: وظلم ذوى القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند ولقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت له: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة، قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره، بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربى إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين [١٧] ، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم، من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً" [١٨] . وقد ذكرت كتب السيرة بعض أجوبة هؤلاء الساخرة ومواقفهم المزرية، وأن رسول الله ﷺ عمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة، عبد يا ليل ومسعود، وحبيب ... فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرة الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة، إن كاَن الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لإن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولإن كنت تكذب على الله، ما كان ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ ، وقد يئس من خير ثقيف [١٩] .

стр. 15132

والشاهد من الحديث، والقصة أن ما يلقاه الأنبياء من السخرية والاستهزاء ومن أذى المشركين السفهاء أشد على أنفسهم من كل بلاء حتى من المعارك الطاحنة التي تزهق فيها الأرواح وتراق فيها دماء أصحابهم الزكية. فلقد قتل يوم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر من سبعين شهيداً [٢٠] ، فيهم مصعب بن عمير [٢١] وحمزة بن عبد المطلب [٢٢] عمّ رسول الله ﷺ ، وشُجّ رسول الله ﷺ وكُسرت رباعيته [٢٣] ، ولقي ما لقي هو وأصحابه من أذى المنافقين، ولقي ما لقي قبل ذلك وهو بمكة وفي يوم بدر وغيرها من المشاهد، ومع كل ذلك يرى أن أشد ما لقيه هو يوم الطائف، لأنه لقي من السخرية والاحتقار مالا تحتمله النفوس الأبية. ومن هنا يقول رسول الله ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل " [٢٤] فالأمثل ثم الأمثل هم الصالحون السائرون في منهاجهم في الدعوة إلى الله والداعون إلى ما دعوا إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، ونبذ الشرك بما سواه، وينالهم من الأذى والبلاء مثل ما أصاب أسوتهم الأنبياء. ومن أجل هذا ترى كثيراً من الدعاة يحيدون عن هذا المنهج الصعب، والطريق الوعر، لأن الداعي الذي يسلكه سيواجه أمه وأباه وأخاه وأحبابه وأصدقاءه وسيواجه المجتمع وعداوته وسخرياته وأذاه، يحيدون إلى جوانب من الإسلام لها مكانتها ولا يتنكر لها من يؤمن بالله لكن هذه الجوانب ليس فيها تلك الصعوبة والشدة والسخرية والأذى خصوصا في المجتمعات الإسلامية فإن سواد الأمة الإسلامية يلتفّون حول هذا اللون من الدعاة ويحيطونهم بهالَة من التبجيل والتكريم لاَ سخرية ولا أذى اللهم إلا إذا تعرضوا للحكام وهددوا كراسيهم فإنهم حينئذ يقمعونهم بكل شدة كأحزاب سياسية تناوئ الحكام وتهدد عروشهم، والحكام في هذا الباب لا يحابون قريبا ولا حميما ولا مسلما ولا كافراً.

стр. 15133

وعلى كل حال نقول لهؤلاء الدعاة مهما شنشنوا وطنطنوا ومهما رفعوا أصواتهم باسم الإسلام أربعوا على أنفسكم فإنكم خرجتم عن منهج الله وصراطه المستقيم اللاحب الذي مرت به مواكب الأنبياء واتباعهم في الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له ومهما تفلسفتم ورفعتم عقيرتكم باسم الإسلام فإنكم عن منهج الأنبياء الذي سنه الله لناكبون. ومهما بذلتم من الجهود وجسمتم دعوتكم ومنهجكم فإنكم تتشاغلون بالوسائل قبل الغاية وما اقل جدوى الوسيلة إذا أضرت بالغاية وضُخمت على حسابها بل يا ويل هؤلاء الدعاة إن أصروا على المضي فيما ابتدعوه من مناهج وحاربوا منهج الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله تحت شعارات براقة تخلب ألباب البلهاء والجهلاء بمنهج الأنبياء. إن الحديث عن دعوات الأنبياء إلى توحيد الله ومنهجهم وما لاقوا في سبيل ذلك من الأهوال والبلايا والمحن أمر لا يتسع له مجال كهذا. ولسوف أقتصر على عرض دعوات خمسة منهم صلوات الله وسلامه عليهم وذلك سيجعلنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك:

стр. 15134

١- فأولهم نوح، أبو البشر الثاني، وأول رسول إلى أهل الأرض عاش هذا النبي العظيم عمراً مديدا ودهراً طويلا ألف سنة إلا خمسين عاما لبثها في دعوة قومه إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، لا يكل ولا يمل، ليلاً ونهاراً سراً وجهاراًَ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً، مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً، وَالله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً وَالله جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً، قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ

стр. 15135

إِلا خَسَاراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراًً، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالاً مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ الله أَنْصَاراً﴾ (نوح: ١- ٢٥) . ماذا في دعوة هذا الرسول الكريم، وقد قص الله علينا خلاصة دعوته الكريمة التي استغرقت ألف سنة إلا خمسين عاماً. إنها دعوة جادة إلى توحيد الله وعبادته وحده، في جهد دائب ما ترك وسيلة تمكنه إلا استخدمها لإقناعهم بدعوته سرا وجهاراً وترغيبا وترهيبا ووعداً ووعيداً، واحتجاجا واستدلالا بالأدلة العقلية والحسية، من واقع أنفسهم وحياتهم ومما بين أيديهم من السماء والأرض، وما فيهما من آيات وعبر وكل ذلك لم يُجد فيهم نفعا ولا دفعهم إلى استجابة بل أصروا على كفرهم وضلالهم، واستكبروا استكبارا. أصروا على التشبث بأصنامهم ومعبوداتهم الباطلة، فكانت النتيجة لهذا الإصرار والاستكبار، الهلاك والدمار، وفى الآخرة الخلود في عذاب النار. وهنا نتساءل لماذا يستمر هذا النبي العظيم كل هذه الآماد الطويلة، ويبذل هذه الجهود الكبيرة، دون كلل أو ملل يدعو إلى مبدء التوحيد؟. ولماذا يمدحه الله ويثني عليه الثناء العاطر، ويخلّد ذكره ويجعله في عداد الرسل أولي العزم؟. هل دعوة التوحيد تستحق كل هذه العناية والإكبار؟، هل هذا المنهج وتحديد هذا المنطلق لهذا النبي الكريم مجانب للمنطق والحكمة والعقل؟ أو أنه عين الحكمة ومقتضى المنطق الصحيح، والعقل الواعي الرجيح لماذا يقره الله على سلوك هذا المنهج في الدعوة طوال ألف سنة إلا خمسين عاما ويشيد به ويخلد اسمه وقصصه، ويكلف أعظم الرسل وأعقل البشر أن يجعل منه أسوة في دعوته وصبره؟.

стр. 15136

الجواب المنصف القائم على العقل والحكمة، ومعرفة مكانة النبوة والثقة العظيمة فيها وتقديرها حق قدرها، أن دعوة التوحيد ومحاولة القضاء على الشرك وتطهير أرض الله منه تستحق كل هذا وانه عين الحكمة ومقتضى الفطرة والعقل. وأن الواجب على كل الدعاة إلى الله أن يفهموا هذا المنهج، وهذه الدعوة الإلهية العظيمة، والمطلب الكبير، فيكرسوا كل جهودهم وطاقاتهم لتحقيقه ونشره في أرض الله كلها، وأن يتعاونوا ويتكاتفوا ويتحدوا، ويصدق بعضهم بعضا، كما كان الرسل دعاة التوحيد يبشر سابقهم بلاحقهم ويصدق لاحقهم سابقه ويؤيد دعوته ويسير في مضماره. يجب أن نعتقد أنه لو كان هناك منهج أفضل وأقوم من هذا المنهج لاختاره الله لرسله وآثرهم به، فهل يليق بمؤمن أن يرغب عنه ويختار لنفسه منهجاً سواه ويتطاول على هذا المنهج الرباني وعلى دعاته. وثانيهم: أبو الأنبياء وإمام الموحدين الحنفاء- إبراهيم خليل الله- الذي أمر الله سيد المرسلين، وخاتم النبيين وأمته باتباعه والاتساء بدعوته والاهتداء بهديه ومنهجه [٢٥] .

стр. 15137

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٤-٧٩) . دعوة حارة قوية متدفقة إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له ونبذ الشرك ورفضه، تبدأ بالأسرة وتمتد إلى الأمة تحارب الشرك بالأصنام، وتزلزل الشرك بالكواكب. ويسلك خليل الله أقوم الطرق في المناظرة والمحاجة، لإقامة حجة الله ودحض الشرك وباطله وشُبَهِهِ. فالتعبير بالأصنام تحقير لآلهتهم المزعومة المصطنعة، وتسفيه لأحلامهم، ورصده للكواكب المذكورة واحدا تلو الآخر وهى تغيب وتأفل عنهم ليأخذ من حالها البرهان الواضح على بطلان ما يزعمون من ألوهيتها فمن يرعاهم ويحفظهم ويدبر شؤونهم وشؤون هذا الكون حين غيابها وأفولها، وإذن فعليهم أن يرفضوا هذه الآلهة المزعومة الباطلة ويكفروا بها، وينفضوا أيديهم منها، ويتجهوا إلى إلههم الحق، الذي فطر السماوات والأرض، والذي لا يغيب ولا يحول يعلم جميع أحوالهم ومطلع على حركاتهم وسكناتهم، ويرعاهم ويحفظهم ويدبر شؤونهم حجج قوية يستمدها من الواقع الملموس والكون المنظور.

стр. 15138

قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً، إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً، فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً، وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ (مريم: ٤١-٥٠) . دعوة حارة إلى التوحيد، قائمة على العلم والمنطق والعقل وعلى الخلق القويم، وتهدي الضال إلى الصراط المستقيم يقابلها تعصب أعمى يقوم على الهوى والجهل والعناد والمكابرة وإلا فكيف يعبد ويخضع لمن لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنه شيئاًَ. إن علم التوحيد أيها القارئ، هو العلم الذي يعتز به جميع الأنبياء وبه يصولون على الباطل والجهل والشرك، فالجهل بهذا العلم- علم الأنبياء الهادي إلى الحق والمنقذ من الضلال والشرك- هو الجهل المميت والسم القاتل الذي يقتل العقل والفكر. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ .

стр. 15139

وبعد هذه الجولات القوية الواعية يقوم بها إبراهيم ﷺ في ميدان الدعوة إلى الله دعوة الأسرة والأمة التي أقام فيها على أبيه وقومه الحجج الدامغة واجه بهذه الدعوة العظيمة ذلك الحاكم الجبار الطاغية المتأله بكل قوة وشجاعة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨) . لقد دعا إبراهيم ﷺ هذا الطاغية المتأله إلى توحيد الله والإيمان بربوبيته وألوهيته، فطغى واستكبر عن الإجابة إلى توحيد الله والتنازل عن دعوى الربوبية. فحاجّه إبراهيم وناظره هذه المناظرة النيرة البرهان الواضحة المعالم قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو المنفرد بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة. فقال الغبي المتجبر: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ .

стр. 15140

أي أقتل من أردت قتله واستبقي من أردت استبقاءه. وهذا الجواب فيه تمويه وتضليل للأغبياء وحَيدة عن الجواب، لأن قصد إبراهيم ﵊ أن ربه ينشئ الحياة في الإنسان والحيوان والنبات من العدم، ويردها إلى الأموات بقدرته وأنه هو الذي يميت الناس والحيوانات بآجالها بأسباب ربطها وبغير أسباب، فلما رآه إبراهيم يموه ويدجل تدجيلا ربما انطلى على الأغبياء والهمج، قال ملزما له بتصديق قوله إن كان كما يزعم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي وقف متحيراً مشدوها، منقطع الحجة قد ألقم حجرا وأخرس لسانه وزهق باطله، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ . وفى هذا درس لمن ألقى السمع وهو شهيد، إنها دعوة إلى التوحيد تمثل قمة الإخلاص والحكمة، والعقل، وتأتي البيوت من أبوابها وتنطلق من حيث أراد الله، لا مصارعة على الملك، ولا منافسة على الحكم، ولو كان هدف إبراهيم ﵊ الوصول إلى الحكم لسلك منهجا غير هذا المنهج ولوجد من يلتف حوله ويصفق له ولكن يأبى الله وأنبياؤه وصالحوا الدعاة من أتباع الأنبياء حقا في كل زمان ومكان إلا سلوك طريق الهداية والرشاد وبيان الحق وإقامة الحجة على المكابر والمعاندين. وقد قام إبراهيم ﵇ بهذا الواجب العظيم على أكمل الوجوه وأتمها أقام الحجة على أبيه وقومه حكومة وشعبا، فلما رأى منهم الإصرار على الشرك والكفر والإقامة على الباطل والضلال لجأ إلى الإنكار والتغيير باليد والقوة.

стр. 15141

فمن أين يبدأ بالتغيير وما هو الأسلوب الرشيد لتغيير هذا الواقع المظلم الجاثم على أمته أيثور على الدولة لأنها منبع الشرور والفساد ومصدر الشرك والضلال كيف لا والحاكم يدعي الربوبية ويصر عليها. لماذا لا يدبر انقلابا يطيح فيه بهذه الحكومة الكافرة وعلى رأسها جبار متأله وبذلك يقضي على كل ألوان الفساد والشرك وتقوم على أنقاضه الدولة الإلهية بقيادة إبراهيم ﵊، والجواب حاشا الأنبياء وحاشا نزاهتهم من سلوك هذه الطرق أو التفكير فيها فإنها طرق الظلمة والجهلة والسفهاء وطلاب الدنيا والملك. إن الأنبياء دعاة توحيد ورواد هداية إلى الحق وإنقاذ من الباطل والشرك فإذا امتدت أيديهم إلى التغيير وهم أعلم الناس وأعقلهم فلابد أن تبدأ بالقضاء على منابع الشرك وضلال الحقيقية وكذلك فعل إبراهيم الحليم الحكيم الرشيد البطل الشجاع.

стр. 15142

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ. قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثم نكسواٍ على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٥١-٧٠) . آتى الله إبراهيم رشده على علم بأنه أهل لذلك هذا النبي الحكيم الرشيد واجه فساداًَ في

стр. 15143

العقيدة وفساداً في الحكم. أمة انحط تفكيرها وضلت عقولها، فعبدت الأصنام من الأخشاب والأحجار والكواكب وتحكمها حكومة فاسدة يقودها جبار متأله فأسلموا له القياد. فمن أين يبدأ بالإصلاح يا ترى؟ أيبدأ بمصاولة الحاكم لأنه قطعا يحكم بغيِر شريعة الله ويحكم بقوانين وتشريعات جاهلية، لاشك في ذلك، ويدعي الربوبية جهاراًَ وحق التشريع أو يبدأ بإصلاح العقيدة عقيدة الأمة وعقيدة الحكومة الجاهلية. القرآن يحدثنا عن هذا النبي الرشيد إمام الأنبياء أنه بدأ بإصلاح العقيدة أي الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده ومحاربة الشرك والقضاء عليه وعلى أسبابه واقتلاعه من جذوره فدعاهم فعلا إلى توحيد الله ونبذ عبادة ما سواه، وجادلهم في هذا المجال وجادلوه، فدمغهم بالحجج القاهرة والبراهين الظاهرة وجردهم من كل سلاح من أسلحة الحجة حتى ألجأهم إلى الاعتراف بالظلم والضلال والتعصب الأعمى والجمود القاتل على تقليد الآباء ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .

стр. 15144

فلما رأى إبراهيم أهواء جامحة وعقولا متحجرة، دبر لهم مكيدة ورسم لهم خطة حكيمة شجاعة لتحطيم آلهتهم وتم تنفيذ هذه الخطة بكل قوة وشجاعة وجرأة وأثار هذا العمل البطولي [٢٦] الحكومة والشعب ضده واستدعوه للمحاكمة العلنية، ووجهوا إليه الاتهام ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ فأجابهم بأسلوب تهكمي ساخر ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فكان هذا الجواب التهكمي المفحم كالصاعقة العنيفة هوت على رؤوسهم المخبولة ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ثم لما أعوزهم سلاح الحجة لجأوا إلى القوة سلاح كل عاجز عن الحجة في كل زمان ومكان، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ِ ونجىّ الله خليله إبراهيم وردّ الله كيد الكافرين الخاسرين في نحورهم ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ . وكان في نجاة إبراهيم من تلك النار العظيمة بعد أن حولها الله برداً وسلاما على إبراهيم آية عظيمة من أعظم آيات الله على نبوته وصدقه وصدق ما جاء به من التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك والضلال، وكافأ الله إبراهيم ﵇ على هذه الدعوة الحكيمة وعلى هذا الجهاد والتضحية الرائعة ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١- ٣ ٧) .

стр. 15145

(ثالثهم) : يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم [٢٧] الذي أنزل الله في شأنه سورة طويلة تقصّ لنا حياته الكريمة ومراحلها من طفولته إلى موته وكيف تقلبت به الأحوال، وما واجه من صعاب، فتلقاها بقوة النبوة وصبرها وحكمتها وحلمها. رأى يوسف ﵇، فساد قصور الفراعنة في مصر وظلمها وعرف عقائد الأمة التي عاش فيها عرف ما فيها من فساد ووثنية تتخذ الأصنام والأبقار آلهة مع الله. قصة هذا النبي الكريم ﵇ طويلة نأخذ منها الإشارة إلى سجنه ودعوته. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِالله مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ إلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٣٦- هـ ٤) .

стр. 15146

عاش هذا النبي الكريمٍ ﵇ في القصور وعرف مفاسد الحكم والحكام عن كثب، وذاق من ويلاتهم كيدا وظلما واضطهاداًَ وسجنا وعاش بين ظهراني أمة وثنية تعبد الأصنام والأبقار والكواكب، فمن أين ينطلق للإصلاح ومن أين تكون نقطة البدء؟. هل يبدأ في الدعوة إلى الله وهو مسجون ظلما ويشاركه في السجن مظلومون مثله من إثارتهم وتهييجهم على الحكام الظلمة المستبدين، وهذا منطلق سياسي لاشك فيه والفرصة متاحة أمامه أو يبدأ بالدعوة من حيث انطلق آباؤه الكرام وعلى رأسهم إبراهيم خليل الله وإمام الدعاة إلى توحيد الله ومن حيث انطلق جميع رسل الله لاشك أن طريق الإصلاح الوحيد في كل زمان ومكان هو طريق الدعوة إلى العقيدة والتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. إذن فليبدأ يوسف من هذا المنطلق مقتديا بآبائه الكرام ومعتزاً بعقيدتهم ومحقراً ومندداً بسخف المشركين واتخاذهم أربابا من دون الله من الأصنام والأبقار والكواكب. وبعد هذا البيان الواضح والدعوة الصارخة إلى التوحيد ونبذ الشرك يؤكد دعوته وحجته بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [٢٨] ثم يفسر هذه الحاكمية بتوحيد الله وعبادته وحده ﴿أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ، ويقول عن التوحيد ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ويصل يوسف ﵊ إلى أعلى منصب في هذه الدولة [٢٩] وهو يدعو إلى توحيد الله ويقيم على دعوته ونبوته البينات. قال تعالى في بيان هذه الأمور: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٤- هـ ٥) .

стр. 15147

وقال شاكراً لمولاه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١) . وقال الله في بيان دعوته: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ (غافر: ٣٤) . من فقه سيرة يوسف ﵇ التي عرضتها علينا هذه الآيات الكريمة أن الدعوة إلى التوحيد أمر لابد منه، وأن الشرك لا هوادة ولا مداهنة في محاربته فلا يجوز السكوت عنه مهما كانت ظروف الداعية إلى الله بل لا يجوز لمسلم إطلاقا أن يحابى ويداهن في أمره وهذا يبين مكانة العقيدة وعظم شأنها عند الله وعند أنبيائه ورسله وأن الفرق والبون شاسع جدا بينها وبين فروع الإسلام فلا يجوز أن يكون المسلم- خصوصا الداعية- كاهنا من كهنة المشركين أو سادنا لأصنامهم، فإن فعل ذلك كان من المشركين الضالين. أما الجانب التشريعي، فإن قامت دولة الإسلام فلابد من تطبيق شريعة الله، وإلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والكفر حينئذ على ما فصله علماء الإسلام من الصحابة وغيرهم قد يكون كفراً أكبر إذا كان يحتقر شرع الله ويستحل الحكم بغيره، وقد يكون كفراً أصغر إذا كان يعظم شريعة الله ولا يستحل الحكم بغيرها لكن غلبه هواه فحكم بغير ما أنزل الله.

стр. 15148

أما إذا كانت دولة الإسلام غير قائمة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها وللمسلم أن يتبوأ منصبا في دولة غير مسلمة شريطة أن يقوم بالعدل وأن لا يطيعهم في معصية الله ولا يحكم بغير ما أنزل كما فعل نبي الله يوسف. تبوأ منصب النيابة عن ملك كافر وما كان يحكم بشريعته ﴿ ... مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِك﴾ (يوسف: ٧٦) ، وكان يقوم بالعدل بين الرعية ويدعوهم إلى توحيد الله. وفى هذا رد حاسم على من يهون من أمر عقيدة التوحيد ويجامل ويحابي في قضية الشرك الذي ملأ الدنيا وينظر إلى دعاة التوحيد وأعداء الشرك بعين الاحتقار والازدراء ويربأ بنفسه ويشمخ بأنفه أن يهبط إلى مستوى دعاة التوحيد- وهو من دعاة السياسة ومَا اثقل على سمعه وقلبه أن يسمع أو يقول كلمة توحيد أو شرك. لقد أوقع هذا النوع من الدعاة أنفسهم في هوة سحيقة في حين يظنون أنهم في أعلى القمم الشامخة. وهل يفلح قوم هذا موقفهم من دعوة الأنبياء إلا أن يتوبوا عما هم فيه إلى الله توبة نصوحاً. (رابعهم) : موسى كليم الله، القوي الأمين، نرى دعوته تتجه إلى التوحيد وتحمل في طياتها أنوار الهداية والحكمة. لقد تربى موسى ودرج في قصور أعظم طاغية متأله وعرف من ألوان الفساد والكفر والطغيان والظلم والاستبداد في قصور الحكم عن مشاهدة واطلاع ما يصعب تصوره واحتماله ورأى ما نزل بقومه بنى إسرائيل من استعباد واستذلال واستحياء النساء وقتل الأبناء ما فاق كل ظلم عرفته البشرية. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:٤) وكان قوم فرعود أهل وثنية دون شك.

стр. 15149

فكيف كان بدء دعوة موسى هل اتجهت إلى إصلاح عقيدة هذه الأمة الوثنية أو بدأت بالمطالبة بحقوق بنى إسرائيل والمصارعة على الحكم والسعي الجاد في إقامة الدولة الإسلامية وانتزاع السلطة من أيدي الطغاة وعلى رأسهم فرعون المتأله. لقد كانت دعوة موسى كغيرها من دعوات آبائه وإخوته من الأنبياء لقد لقنه ربه أصل التوحيد واصطفاه لحمل رسالته والقيام بعبادته. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ . (طه: ٩-١٥) . هكذا في مفتتح رسالته تملى عليه عقيدة التوحيد ويكلف شخصياً أن يقوم بها في واقع نفسه ويتمثلها في حياته. ثم يكلفه بالدعوة لهذا المبدء العظيم فيرسله إلى فرعون ويبيّن له طريق الدعوة وأسلوبها الحكيم الذي يواجه به فرعون. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات: ٧ ا-١٩) .

стр. 15150

ويشد عضده بأخيه هارون مبالغة في إقامة الحجة ويعلمهما الرفق واللين في الدعوة فإن ذلك أقرب الطرق إلى هداية من يريد الله هدايته ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣-٤٤) . فنفذا أمر ربهما ودعواه إلى الله قاصدين هدايته وتزكيته ليكون ممن يخشى الله ويتقي عواقب الشرك والظلم، فلم يستجب لهذه الدعوة الهادئة الحكيمة فبرهن موسى على نبوته وصدق رسالته بآيات كبرى لكن الطاغية فرعون زاد طغيانا وتكذيبا ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ . ازدياد طغيان فرعون وعسفه وظلمه ومواجهة موسى وقومه هذا الطغيان بالصبر الجميل والتحمل: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧) . ما ذنب موسى وقومه في نظر هؤلاء المجرمين، لا ذنب لهم إلا الدعوة إلى توحيد الله والثبات عليها والكفر بفرعون ومعبوداته، ثم ما موقف موسى من هذه الانتهاكات البشعة والتي تجاوزت حدود الوحشية والهمجية. إنه الثبات على العقيدة والصبر الجميل والاستعانة بالله في مواجهة هذه الشدائد ثم انتظار العاقبة الطيبة والنصر نتيجة وثمرة حميدة لهذا الثبات والصبر ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . (الا عراف: ١٢٨) .

стр. 15151

ولما لم يبق أي أمل في إيمان فرعون وقومه واشتد البلاء على بني إسرائيل كان مطلب موسى الوحيد من فرعون أن يترك لبنى إسرائيل حرية الخروج والهجرة إلى حيث يريد الله لهم إنقاذا لهم من التعذيب والتنكيل ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ . (طه: ٤٧) . إنها لدعوة سامية إلى توحيد الله فيها النور والحكمة وفيها الحرص على هداية المدعوين وتزكيتهم، وفيها أقوى أنواع الصبر في تحمل الأذى وفي مواجهة الطغيان والكبرياء وفيها معالجة المواقف الصعبة بالحكمة والصبر مع قوة الأمل في الله في نصر المؤمنين وإهلاك الظالمين وفيها دروس وعظات لمن يريد بدعوته وجه الله ويريد إصلاح البشر وربطهم بالله وهدايتهم إلى صراطه المستقيم. (والخامس) : سيد الأنبياء وخاتمهم محمد بن عبد الله صاحب أعظم رسالة وأكملِها وأشملها، الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذرها منه. بماذا بدأ هذا النبي العظيم من مبادئ الإِسلام؟ ومن أين انطلقت دعوته؟

стр. 15152

إنه ﵊ بدأ بما بدأ به كل الأنبياء وانطلق من حيت انطلقوا بدعواتهم من عقيدة التوحيد والدعوة إلى إخلاص العبادة لله وحده، من لا إله إلا الله محمد رسول الله وهل يتصور منه أومن أحد من الأنبياء أن يبدأ بغير هذا الأصل العظيم أصل أصول الرسالات كلها. لقد بدأ رسول الله ﷺ بهذا الأصل فأول شيء طرق مسامع قومه قولوا لا إله إلا الله. فقال المستكبرون منهم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ . (ص: ٥- ٦) ، واستمر داعيا إلى هذا المبدأ الأسمى والمطلب الأعلى طيلة العهد المكي من رسالته ثلاثة عشر عاما لا يكل ولا يمل صابراً على كل ألوان الأذى في سبيل نشر هذا المبدأ فلم يُفرض عليه من التشريعات وأركان الإسلام إلا الصلاة في السنة العاشرة من البعثة اللهم إلا ما كان يأمر به قومه من معالي الأخلاق كصلة الرحم والصدق والعفاف ولكن محور الدعوة وموضوع الصراع والخصومة إنما هو ذلك الأصل العظيم. لقد كلف الله هذا النبي الكريم ﷺ تكليفا خاصا أن يقوم بهذا الأصل العظيم. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . (الزمر: ٢-٣) .

стр. 15153

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ . (الزمر: ١١-١٤) . ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) . كما أمره أن يقوم بدعوة الناس جميعاً إلى تحقيق هذا المبدأ والنهوض به. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (البقرة: ٢١-٢٢) ، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ . (البقرة: ١٦٣) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . (الأعراف: ١٥٨) . والآيات في هذا كثيرة والذي قدمناه إنما هو نموذج لمنهج رسول الله ﷺ في الدعوة إلى التوحيد. أما السنة ففيها الشيء الكثير الدال على افتتاح رسول الله ﷺ دعوته بالتوحيد واختتامها بذلك واستمراره فيما بين ذلك طوال حياته ﷺ .

стр. 15154

١_فعن عمرو بن عنبسة السلمي ﵁ قال: "كنت وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا جرءاء عليه قومه فتلطفت، حتى دخلت عليه، بمكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: "أنا نبي". فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله". فقلت: وبأي شيء أرسلك. قال: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء". فقلت: ومن معك على هذا. قال: "حر وعبد". قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به.." [٣٠] (الحديث) .

стр. 15155

٢- ولما وفد عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعه المخزومي كلما النجاشي ملك الحبشة فقالا له يغريانه بالمسلمين المهاجرين إلى الحبشة: "أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت ... فسألهم النجاشي فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ديني ولا دين أحد من هذه الأمم؟ ... فكان الذي كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، قال فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه، على ما جاء به فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك ... " [٣١] الحديث. وفي أسئلة هرقل لأبي سفيان في مدة صلح الحديبية عن حال رسول الله ﷺ قال لأبي سفيان: "ماذا يأمركم؟ "قال أبو سفيان قلت: "يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاًََ واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف، والصلة" [٣٢] .

стр. 15156

فهذه الأحاديث توضح لنا دعوة رسول الله ﷺ في العهد المكي والمدني. تعذيب أصحابه من أجل لا إله إلا الله عقيدة التوحيد: لقد عذب أصحاب رسول الله ﷺ اشد ألوان التعذيب من أجل تمسكهم بالعقيدة وإخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك والكفر. عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: "أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمار، وأمه سمية، وصهيب وبلال، والمقداد. فأما رَسول الله ﷺ فمنعه الله تعالى بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، صهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وآتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد " [٣٣] . وفي السيرة لابن هشام "وكان أمية بن خلف يخرجه (يعني بلالا) إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد" [٣٤] . وقال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: "قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ "قال: "نعم. والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً، من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن العجل ليمر بهم فيقولون له أهذا العجل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم افتداء مما يبلغون من جهده" [٣٥] ، وهذا إسناد حسن صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فأمن تدليسه.

стр. 15157

وتُعذَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّب سمية حتى الموت من أجل عقيدة التوحيد، لا لأنها كانت زعيمة سياسية. فعن مجاهد قال: "أول شهيدة في الإسلام سمية والدة عمار أتى أبو جهل فطعنها بحربة في قبلها" [٣٦] ، وقال ابن سعد: "أسلَمت قديما بمكة، وكانت ممن يعذب في الله لترجع عن دينها، وصبرت، حتى مر بها أبو جهل يوما، فطعنها بحربة في قبلها، فماتت" [٣٧] . الاهتمام بعقيدة التوحيد في العهد المدني: وبعد أن هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام على كواهل المهاجرين والأنصار، وعلى أساس التوحيد ظل الاهتمام بالتوحيد عَلى أشده والآيات القرآنية تنزل به والتوجيهات النبوية تدور حوله ولم يكتف رسول الله ﷺ بكل هذا. (١) المبايعة على التوحيد (١) فكان يبايع عليها عظماء الصحابة فضلا عن غيرهم بين الفينة والفينة وكلما تسنح له فرصة للبيعة عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢) ، وهذه الآية وإن كانت في بيعة النساء فإن رسوله الله ﷺ كان يبايع على مضمونها الرجال.

стр. 15158

فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاًَ ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم- قرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفّى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" [٣٨] . وساق ابن كثير عدداً من الأحاديث التي فيها أن رسول الله كان يبايع النساء بمضمون هذه الآية [٣٩] منها حديث عائشة، وحديث اميمة بنت رقيقة، وحديث أم عطية [٤٠] ، وحديث سلمى بنت قيس إحدى خالات الرسول [٤١] وحديث رائطه بنت سفيان الخزاعية [٤٢] . ثم قال: "وكان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة. ثم ساق حديث ابن عباس [٤٣] وأحاديث أخر. أقول: وكذلك كان يتعاهد الرجال، فمما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت السابق، ومن ذلك حديث عوف بن مالك الأشجعي رضى الله عنه قال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول الله؟ "وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله". فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " قال: فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا- وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناس شيئاً" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه " [٤٤] .

стр. 15159

٢- وكان يرسل دعاته ومعلميه وقضاته وأمراءه إلى الملوك والجبابرة في الأقطار المختلفة بدعوة التوحيد. فعن أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى [٤٥] وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ " [٤٦] . يوضح ذلك نص كتابه إلى قيصر وأن هدفه الدعوة إلى التوحيد ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد- فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين [٤٧]- ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباًَ من دون الله فإن تولوا، فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون" [٤٨] . وعندما وصل الكتاب النبوي إلى قيصر، أرسل إلى أبي سفيان بن حرب في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان، وكفار قريش، فأتوه وهم بابلياء فوجه أسئلة إلى أبي سفيان من جملتها، قال قيصر: "ماذا يأمركم، قال أبو سفيان، قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة" [٤٩]

стр. 15160

(٢) وكان رسول الله ﷺ يجهز جيوشه للجهاد في سبيل الله لأعلاء كلمة التوحيد:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، ويرشد قواده وجنوده إلى البدء قبل القتال بدعوة الناس إلى التوحيد. فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهَاجرين ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فارادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم ولكن انزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم" [٥٠] . ومثل حديث بريدة حديث النعمان بن مقرن المزني ﵁ أشار إليه كل من مسلم وأبي داود وابن ماجة، بقولهم قال علقمة فحدثت به مقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ﷺ مثل ذلك.
следующие страницы →