Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
التخدير الجَماعي
بقلم الشيخ رمضان أبو العز
المدرس بكلية الشرية بالجامعة
في مكان ما من المعمورة كان يسكن شعب من الشعوب يقال له (الأرو) وكان يغلو في حاكمه إلى درجة (التقديس) وكان الأرو من الشعوب الرعوية وكان كأنما يعيش في عصر الفخار.
وذات يوم انطلق عجل كاد يقتله الظمأ إلى (زير) من الفخار به ماء فشرب وحينما أراد أن يخرج رأسه من الإناء عاقه قرناه فذهب فريق من الأرو إلى زعيمه الحاكم لحل المشكل فأشار عليهم بذبح العجل في الحال ولما نطق بالحل علا الهتاف بطول الحياة للزعيم على الحل السعيد. ولكن بعد الذبح تعذر إخراج الرأس أكثر من ذي قبل فعادوا إلى الزعيم لإيجاد الحل الأخير فأشار بكسر (زير) الفخار وعلا الهتاف مرة ثانية لا بطول البقاء فحسب بل بالخلود في الأبدية.
ولو كان طفل واع مكان هذا الشعب لفطن إلى أن الحل الذي اقترحه الزعيم هو أسوأ الحلول طرا لأنه لا عجلا أبقى ولا إناء سلم من التكسير بل كان الأولى كسر الزير فداء للعجل وبدلا من أن ينتقد الزعيم زادوا فيه غلوا وما ذلك إلا لأن هذا الشعب وأمثاله كثير قد وضعوا تحت تأثير تخدير روحي فلم يعودوا يعون إلا شيئا واحدا هو تقديس الزعيم وكلما مني بالفشل ازداد تعلقهم به وتقديسهم لآرائه.
ذلك أن الروح تسكر كما يسكر البدن وربما كان سكرها أشد إيغالا وأمعن ذهابا للعقل.
وما الخرافات والأساطير التي شاعت وفشت في كل من مصر القديمة وبابل وآشور والهند واليونان والرومان إلا مظاهر صارخة لهذا السكر الجماعي الذي امتد أمده أحقابا وآجالا قد تتجاوز آلاف السنين.
فما نسجته الهند حول كرشنا وبوذا، ومصر القديمة حول أوزيريس وإيزيس، واليونان حول جوبتر وفينوس، والرومان حول مارس وأدونيس، وسوريا القديمة حول بعل وعشتورات، والجاهلون حول اللات والعزى إن هي إلا أسماء سموها وخرافات لفقوها.
стр. 1542
تخرصا وأحاديثا ملفقة
ليست بنبع إذا قيست ولا غرب
وما كانت جميعا لتروج عاما ولا شهرا ولا يوما ولا ساعة لولا هذا الأفيون الروحي الجماعي الذي كثيرا ما ينتاب الشعوب فيذرها مبنجة في غيبوبة عن المنطق والتفكير الصحيح، وإذا كانت الوثنيات ترتكز على ركائز أربعة:
- أولها: الزعماء وحواشيهم وهم الذين سماهم الحق ﵎ (بالملأ) بقوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ , وهؤلاء يمسكون بالخرافة لا إيمانا بها ولكن لأنها هي التي تحفظ عليهم منصبهم وجاههم وسمعتهم بين العامة.
- وقامت الركيزة الثانية على الكهنة ورجال الدين الضالين المضلين الذين قاموا بنسج هذه الأساطير الملفقة تواطؤا مع الزعماء وضمانا لمكاسبهم المادية ومنزلتهم في النفوس.
- وقامت الركيزة الثالثة على الجيوش والشرطة الذين يعملون كحراس للفئتين السابقتين لتحتفظ لنفسها بقسط وافر من الغنائم والسحت والجاه كذلك.
إلا أن هذه الركائز ما كانت لتبقى لولا الركيزة الرابعة التي هي بحق عمود فسطاط الوثنية ولذا كانت أهمها جميعا.
تلك أيها الإخوة الكرام هي (العوام) و (الجماهير) الذين غالتهم كؤوس الروح فعطلوا عقولهم وسدوا آذانهم وغطوا أبصارهم فلسان حالهم قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ , من هذه الركيزة نجم الخطر الأكبر على الدين الصحيح والدعوة الحقة فلولا (العامة) و (الجمهور) ما قامت أسطوانة واحدة للركائز السابقة بحال وهل كان فرعون مستطيعا أن يدعي الربوبية العليا لولا الدهماء! إقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ .
стр. 1543
وقد علم بالتجربة أن من أهون الأمور تخدير (العوام) فرادى وجماعات، فشيء من الغناء المثير للغرائز والكذب المنمق والقول المزخرف والقصص المخترع يؤثر فيهم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ , فيبتعدون رويداً رويداً عن الحقائق وينأون عن الواقع، ويدخلون في عالم الخيال وظلمات الأوهام، حتى يصعب انتشالهم من ظلمة الوهم إلى وضح اليقين ونور الحق.
فالغناء والكذب والتلفيق هي أفيون سريع الوصول إلى ألبابهم وعقولهم قوي التأثير على أبصارهم فتحجب عنهم الرؤية إلا ما يبصره لهم الزعماء والرؤساء، وفيهم يقول شوقي:
صور العمى شتى وأقبحها إذا
نظرت بغير عيونهن السهام
وكذلك السمع فقد سدوا آذانهم ولم يفتحوها إلا لما يلقيه عليهم الكبراء والسادة وفيهم يقول شوقي:
ياله من ببغاء
عقله في أذنيه
ملأ الجو هتافا
بحياتي قاتليه
ولما بعدوا عن توحيد الحق وإفراده بالعبادة سارعت إلى نفوسهم الآلهة القديمة ولكن بأسماء مستحدثة، وبدلا من تسميتهم آلهة سموهم أولياء، فكما تعلق القدماء باللات والعزى تعلق هؤلاء بالبدوي والجيلاني والتيجاني والدسوقي.
أما هبل الأكبر فيقرن به البدوي وربما زاد عليه، والأدهى من هذا أن أحد الملاحدة في التاريخ الإسلامي قد وجد من أعلى قبره وأنشأ له ضريحا هائلا في عاصمة من كبرى عواصم البلاد الإسلامية بالرغم من انه هو القائل:
العبد رب والرب عبد
فليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
أو قلت رب أنى يكلف
وهي مقالة وحدة الوجود الآثمة المجرمة، وبرغم هذا الإلحاد استغاثوا به وسألوه النفع والضر.
стр. 1544
بل إن التخدير وصل إلى درجة لم تبلغها الجاهلية الأولى فأشركوا الآلهة الجديدة المسماة بالأولياء أشركوها مع الله في الربوبية فضلا عن العبادة فادعوا أن ديوانا يعقد أسبوعيا للبت في مصائر الكون ترأسه زينب بنت علي ﵁ وبرأها مما قالوا، بل قسموا الكون إلى أربعة اركان ونيط بكل ولي ركن منها...
أي بلاء وأي أفيون خبيث أصاب طائفة من المسلمين في صلب العقيدة حتى أشركوا مع الله الآلهة الجدد في أصل الربوبية.
وقد يستلزم الخمر المعنوية خمورا حسية فقد أنشأ الحسن الصباح وشيعته فكرة الحشيش وأكثروا من تعاطيه وكاد الحشاشون أن يفتكوا بصلاح الدين الأيوبي ﵀ رحمة واسعة.
وكثيرا ما تناولت أشعارهم التغزل بالخمر وما إليها.
ولقد تبلورت الوثنيات القديمة فجمعت في وثنية مستحدثة متطورة تلك هي (الاشتراكية العلمية) التي أنشأها اليهودي ماركس والأباضي المتخنث انجلز ونفذها المارق لينين.
فبينما تركز أشد تركيز على الكفر بالله عزوجل وإنكار وجوده بشتى الأساليب وإعلان لينين اللعين بقوله: "الآن أعلن أن الله خرافة", تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فبينما يدأبون ويدأب أشياعهم على هذا ليل نهار إذا بهم يتخذون من لينين معبودا ومن قبره مزارا وصنما يعبد.
وإذا بهم يقولون عن السفاح ستالين (الأب الرحيم) وهو لفظ لا يطلق عندهم إلا على الإله، وإذا بأحد الكتاب المنتسبين إلى الإسلام يقول في رثاء ستالين: "بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا", كبرت كلمة تخرج من أفواههم!.
ولقد قامت هذه الاشتراكية العلمية بعملية تخدير واسعة النطاق بتنظيمها الأيديولوجي وهو الغوز الفكري الذي حشدت له أبالسة الكتاب المتخصصين في علم النفس الذين عملوا على تزوير التاريخ بما اتبدعوه من التفسير المادي للتاريخ.
стр. 1545
ومن استعصى على غزوهم الفكري فلتصب عليه وسائل البطش والانتقام الذي لم يعهد له مثيل من قبل.. فيخدره البطش الجبار والعذاب الأليم ثم الغزو الفكري حتى تحولت الإنسانية على أيديهم إلى سائمة شقية تساق إلى المصانع بمنتهى الهوان والذلة، وقد لا تجد ما تقتات به إلا حساء الكرنب الذي هو والماء المغلي سواء. ومع ذلك فقد أطلقوا على هذا الذل عزة وكرامة، وعلى هذا الحرمان الشديد رخاء وسعة، وعلى الضيق القاتل حرية وانطلاقا، وما كان للسامئة أن تبدي تملمها أو اعتراضها، وإلا فالسوط فوق الجلود والزمهرير القارس في سيبيريا بالمرصاد لكل من يبدي أدنى حركة وراء الستار الحديدي.
وإن تعجب فعجب أن يتقمص هؤلاء المخمورون التائهون شخصية المفيق الواعي فيرموك أنت بدائهم.. ألم يسموا من قبل محمدا ﷺ ومن معه الصائبة الخارجين على أصل الدين في نظرهم، الناكبين عن طريق الحق الذي هم فيه بزعمهم. ألم يزعموا أنهم هم أهل الصلاة والصلة بالله فرد عليهم الحق ﵎ بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ . ألم يدعوا أن محمدا ﷺ هو قاطع الرحم دونهم.
ثم جاءت الوثنية المتطورة أعني بها الاشتراكية العلمية فرمت الأديان عامة والإسلام بوجه أخص أنه هو أفيون الشعوب ومخدر الجماعات، وهل يعقل أن دينا يلزم معتنقه بالمسؤولية الكاملة عن كل ما يصدر منه ولوكان في حجم الذرة.. اقرأ إن شئت هذه الآية الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ , ثم قوله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
стр. 1546
ولقد كانت القرون الإسلامية الأولى التي نفذت تعاليم الإسلام تنفيذا صحيحا أشد أهل الدنيا محاسبة للنفس وأبعدهم عن الخدر والأفيون، ولم يستطع حتى الأعداء الألداء أن يرموهم بمثل هذا ولكن كما قالوا قديما: "رمتني بدائها وانسلت"ومع ذلك فإنّ إيديولوجيتهم الخبيثة قد استطاعت أن تلبس الأمر على كثير من الناس، فالواقع الذي لا مراء فيه أن كثيرا من المسلمين في عصور الانحطاط ينطبق عليهم وصف المخمورين على أوسع مدى، ولكنهم لم ينحدروا إلى هذا الدرك المزري إلا بعد أن خلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم، وتاهوا في الضلالة والغي والشركيات الفاضحة, أما السلف الصالح فكانوا مثلا يحتذى في كل خير وبر ويقظة في الدين والدنيا والحرب والسلم جميعا, ولكن التلبيس والدسائس هو شغل الاشتراكية الشاغل كما كان شغل زعيمها اللعين إبليس عليه لعنة.
وإذا كان لا بد من سوق بعض الأمثلة على الخدر الجماعي الذي يصيب الناس في مختلف العصور فإليكم ما يأتي:
إن قلب نجد الذي أنجب من الفصحاء أمثال الأعشى ولبيد العامري الذي قال أصدق كلمة بشهادة الرسول ﷺ لما يروى عنه ﷺ قوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد وهي: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) "
فهل يعقل أن بلادا تنجب هؤلاء ومعهم زهير وامرؤ القيس وغيرهم تنجب من يستمع إلى هراء مسيلمة فضلا عن أن يؤمنوا إيمانا عميقا بمثل قوله: "يا ضفدعة بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء، ونصفك في الطين"ومن مثل قوله: "والحارثات حرثا، والحاصدات حصدا، والطاحنات طحنا، والثاردات ثردا واللاقمات لقما.."الخ, إنما استمعوا إلى هذا الهراء في فترة سكرة من الروح أعمت أبصارهم وأصمت أذانهم وذهبت بعقولهم وألبابهم فلم يصحوا ولا أفاقوا إلا على سيف خالد بن الوليد وزيد بن الخطاب وعبد الله بن عبد الله بن أبي وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
стр. 1547
مثال آخر نرى فئاماً من المسلمين إلى اليوم قد صدقوا بعض الجهال في خرافتهم وتزييفهم للحقائق الذين يزعمون أنهم لا يعبدون الله خوف ناره، فهذه في زعمهم عبادة العبيد، ولا من أجل جنته فهذه عبادة التجار، وإنما عشقوه لذاته، ولم تندفع هذه الفئام في تصديق هذا الهراء إلا لأنهم في سبات روحي عميق، وإلا فالخشية من ذي الجلال والرغبة فيما عنده من عليا مراتب الإيمان بل من شأن الرسل العظام، اقرأ إن شئت قوله تعالى في حق زكريا ﵇ وأهل بيته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ , ثم قال جل شأنه بعدها: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
وآخر مثال في هذا مآسي التسعة والتسعين في المائة من الأصوات بل فضلا في التسعة والتسعين في المائة وتسعمائة وتسعة وتسعين في الألف.. ما كان هذا كله ليروج على الناس لولا التخدير الجماعي الذي ساعد على تكوينه الإيديولوجية الملفقة التي تفتأ تزيف الحقائق آناء الليل وأطراف النهار، ثم البطش الجبار وألوان التعذيب والإرهاق.. ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
اللهم هب المسلمين يقظة من سباتهم العميق وأزح يا رب الغشاوة عن أبصارهم والريبة عن قلوبهم قبل أن تأخذهم بذنوبهم إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
стр. 1548
الضّوابط الأخلاقيّة للاقتصاد الإسلامي
بقلم الدكتور محمود بابللي
الاقتصاد والدين الإسلامي
قد يستغرب البعض ممن تأثروا بالثقافة الغربية، ولم يكن لهم حظ الاطلاع على الثقافة الإسلامية، أن يكون في الإسلام نظام اقتصادي خاص به.
وهذا الاستغراب لا يستبعد من أناس جهلوا حقيقة الإسلام وحسبوه دينا تقتصر علاقته على الأمور التعبدية وذلك حسب مفهومهم للدين الذي أخذوه عن المفهوم الغربي.
أما ما يجب أن يستغرب منهم - وهم أدعياء التقدمية - أن يكون حكمهم على الدين الإسلامي أنه مجرد دين تعبدي تقتصر تعاليمه على الصلة بين الله والإنسان، دون أن يكلفوا أنفسهم بدراسة هذه التعاليم، لذلك يأتي حكمهم مشوبا بالجهالة بهذا الدين الحنيف.
وجهل هؤلاء الناس بالإسلام يجعلهم أعداء له فيقدمون على إصدار حكمهم عليه دون تبصر أو اطلاع شأن الجهال عندما يصدرون أحكامهم على شيء دون معرفة.
فالدين الذي ينظم أمور أتباعه، بل أمور الإنسانية قاطبة، في كل مرافق الحياة، ولا يقطع الصلة بين هذه الحياة الدنيا، وما بعد هذه الحياة, لا يمكن أن يكون دينا تعبديا صرفا لا شأن له بأمور المعاملات وتنظيمات الدولة، وإن كان من أهم مبادئه توحيد الله وإخلاص العبودية له، هذا الإخلاص الذي هو في صلاح المؤمنين به دنيا وأخرى، لأن من أخلص عبادته لله استقام أمره وطابت سريرته وحمدت مغبته.
وعلى هذا لا يعقل أن يكون الدين الإسلامي ناظما لشؤون الدنيا والآخرة ولا يكون متضمنا نظاما اقتصاديا خاصا به متميزا عن غيره.
والأمور الاقتصادية في الإسلام تدخل في قسم المعاملات من الفقه الإسلامي، وقد فصل الفقه الإسلامي هذه المعاملات تفصيلا دقيقا، وكانت موضع التطبيق في العالم الإسلامي من لدن قيام الدولة الإسلامية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى.
стр. 1549
وإذا جد في التعامل الاقتصادي أمور لم تكن من قبل، فإن الفقه الإسلامي لا يقف حجر عثرة أمام اقتباس ما يصلح من هذه الأمور ولا يتعارض مع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، لأن الشرع الإسلامي يدور حيث تدور المصلحة المعتبرة شرعا.
وقد سبق لنا أن بينا خصائص الاقتصاد الإسلامي [١] وسنتعرض هنا، في هذا البحث إلى ذكر بعض ضوابطه المستمدة من الأخلاق الإسلامية.
ومن ضوابط الاقتصاد الإسلامي التي تحضن خصائصه وتؤكد معالمه هذه المعاني الإنسانية المنبثقة عن تعاليمه الأخلاقية، لأن الإسلام في حقيقته أخلاق كله.
والله وصف رسوله الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ , كما أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت مجيبة لمن سألها عن خلقه ﷺ : "كان خلقه القرآن".
والاقتصاد الإسلامي فرع من المعاملات التي تدور بين الناس، وقد حدد لها الشرع الإسلامي حدودا لا تتعداها وألزم بها المسلمين ولو تجاوز الطرف الآخر هذه الحدود، لأن المسلم وقّاف عند حدود الله، وصدق الله العظيم:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ , وقال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
وقال ﵊: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".
وسيقتصر البحث في هذه العجالة على الضوابط الأخلاقية التالية وهي:
١- الإخاء.
٢- الإحسان.
٣- النصيحة.
٤- الاستقامة.
٥- التقوى.
وهذه الضوابط لها من الأهمية ما جعلني أقدمها على غيرها من الضوابط التي لا تخفى على من عرف حقيقة الإسلام عقيدة وتعاملا وسلوكا ولأنها تؤدي الغرض من الاستشهاد بها في هذا الموضوع الاقتصادي. وأهم هذه الضوابط بنظري التقوى، ولذلك ختمت بها هذ الحديث.
٢ـ ضوابط الاقتصاد الإسلامي الأخلاقية
стр. 1550
أولا ـ الإخاء:
إن الدين الذي يجعل من الإخاء الإنساني أصلا من أصول التعايش بين الناس، والذي يشيد بأخوة العقيدة كأساس للترابط بين المسلمين، والذي يؤكد أن المسلمين نساء ورجالا بعضهم أولياء بعض، هذا الدين لا يمكن أن يكون قاصرا على الأمور التعبدية، بل هو دين عام شامل لشئون الحياة الإنسانية كلها، وهو دين الإنسانية قاطبة حتى قيام الساعة.
هذا الدين الذي لا يفرق بين الناس المنحدرين من أصل واحد، والذي لا يقيم لاختلاف الأجناس والألوان أي وزن، والذي يقرر المساواة أصلا في التعامل الإنساني، لا يصح أن يطلق عليه أنه دين عبادة وليس دين حياة، كما وأن العبادة لا تنفصل عن الحياة لأن كل ما يقوم الإنسان به في سبيل نفسه وغيره - إذا التزم به حدود الشرع - يكون عبادة.
وإن أخوة العقيدة في الإسلام لا تعدلها أخوة الدم والنسب، لأن هذه الأخوة تقوم على رباط الصلة بالله والإرتباط بشريعته، فكل من انتسب إلى هذه الشريعة انتساب اعتقاد وعمل، فهو أخ في الله لسائر المسلمين لا فرق بين إناثهم وذكورهم، أو بين حقيرهم وأميرهم إذ يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.
والأخوة في الله تعني الانقطاع عن كل علاقة دنيوية غير مشروعة وتنمي كل علاقة تقوم على المحبة والتناصر في الله، كما أنها تعني معاداة كل من لا يؤمن بالله وموالاة كل من آمن بالله.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
هذا النص يقيد الإطلاق بأن المؤمنين إخوة في الدين، والتناصر والتناصح بين الإخوة أمر محقق، كما أن هذه الأخوة توجب العمل على الإصلاح بين المؤمنين - عند الاقتضاء - لأن هذه الآية وردت بعد ورود النص على وجوب قتال الفئة الباغية من المؤمنين حتى تفيء إلى أمر الله.
стр. 1551
وهذا القتال لا يعني انعدام معاني الأخوة بين المسلمين، لأنها أصل ثابت لا يؤثر عليه سوى الخروج عن الإسلام بالكفر والعياذ بالله، وهي تذكير أيضا لهؤلاء المتقاتلين بأن الصلات بينهم يجب أن تكون قائمة على هذه الأخوة المقررة في الشرع الإسلامي، وضابطها التقوى التي تلازم الإنسان المسلم في أية حالة كان عليه.
ونجد هذا المعنى أيضا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .
إن كلمة (أخيه) تشير إلى أكثر من معنى، فهي تشير إلى أن حادثة القتل - التي هي موضوع سياق هذه الآية - مهما كانت عظيمة ومستقبحة فإنها لا تقطع روابط الأخوة بين الجاني والمجني عليه، وإن هذه الصلة الوثقى بين المؤمنين هي من صلات الأخوة في الدين وفي العقيدة، وفي الإيمان بالله وبما أنزل من عنده، فالمؤمنون إخوة مهما حصل بينهم ما داموا يؤمنون بإله واحد وبشرع واحد، ويرجعون إلى حكم واحد, وهو حكم الله في الأرض الذي بيّنه القرآن وفصّلته السنة المطهرة.
وكلمة (أخيه) تتضمن هذا المعنى كما تتضمن الإشارة إلى أن العفو يعيد آصر الأخوة إلى عهدها السابق ويزيل الأحقاد ويمحو الضغائن ويخزي الشيطان، فهو معنى مستمد من هذا التوجيه الإلهي الحكيم.
ويقول تذكيرا وعرضا لحالة المؤمنين الأولين قبل اعتناقهم الإسلام، وما يجب عليهم تجاه هذا التفضل بالهداية منه :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ, وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ .
стр. 1552
ويقول سبحانه: ﴿.. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
هذه هي الأخوة الحقيقية في الله، وما أقواها صلة وأبقاها أثرا وأحفلها نتائج، ومن نتائجها انتشار هذا الدين الإسلامي في العالم كله من يوم نزول القرآن العظيم إلى قيام الساعة.
وأثر الإخاء في التعامل بين الناس يوجب العدل والإنصاف والنصح، ويحول دون الإضرار، أو الكسب الحرام، أو الغش، أو الاحتكار، فهو ضابط أخلاقي, له وزنه في الميزان الاقتصادي وحسن التعايش بين الناس.
ثانيا ـ الإحسان:
الإحسان في الإسلام لا يمكن أن نجد له شبيها لمفاهيمه ودلالته عند غير المسلمين، لأنه نابع من شرع الله الذي أبدع كل شيء، وهو يلي مرتبة الإيمان.
فهو مفهوم إسلامي صرف. وقد عبر عنه الرسول ﷺ بهذا التعبير الجامع الشامل: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وهذه العبادة أو هذه الرقابة لله، ومن الله، لا تترك مجالا للمسلم أن ينحرف عن الصراط السوي، وإذا ما زاغ بعض الشيء تذكر رقابة الله عليه فعاد إلى الجادة، وأصلح ما فسد منه، وهذه هي حقيقة التقوى لأن التقوى هي رقابة الله في كل شيء.
وهذا غاية التوجيه الأخلاقي للفرد وللجماعة، لأن التعاليم الإسلامية تهدف إلى تحسين أوضاع الفرد، فهو اللبنة التي تبني منها الجماعو. فصلاح الجماعة متوقف على صلاح الفرد، والتلازم بينهما وارد والاعتبار هو للجماعة، لأن المصلحة الفردية تتوقف عند اصطدامها بمصلحة الجماعة، ومصلحة الجماعة لا تعتبر إلا إذا كانت مصلحة عامة يقرها الشرع.
وقد كتب الله الإحسان على كل شيء حتى في القتل والذبح.
стр. 1553
عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
وقد نهى الإسلام عن اتخاذ الشيء الحي هدفا لتعلم الرماية، كما أنه نهى عن تعذيب الحيوان، وقد جعل الشرع الإسلامي، وهو في مدلوله من موجبات دخلو الجنة.
هذه بعض مفاهيم الإحسان في الشرع الإسلامي، وهو في مدلوله يشمل كل قول وعمل يصدر عن الإنسان، لأن الإحسان - كما قلنا - مطلوب في كل شيء.
والآيات التي تشير إلى الإحسان وتحض عليه كثيرة نذكر منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
هذه الأوامر والنواهي هي دستور الحياة الإنسانية المثلى وهي جماع الخير كله، لأنها جمعت بين العدل الذي تقوم عليه السموات والأرض، والإحسان الذي هو في حقيقته مراقبة الله في كل أمر، والتكافل الإجتماعي بين ذوي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي التي هي جماع الشر كله.
وكل هذا من مبادئ الإسلام الاجتماعية التي تتصل بمعاملات الناس وصلاتهم بعضهم ببعض، وأهم ما في هذا الإحسان أن تجعل رقابة الله قائمة في كل عمل أو قول أو تصرف يصدر عنك. وبذلك يكون التعامل الاقتصادي قد احتضنته هذه الرقابة وأدت حق الله فيه.
ثالثا ـ النصيحة:
ما المقصود من النصح أو التناصح؟ يكون النصح خاصا وعاما، فالنصح الخاص هو الذي يقتصر على شخص معين في قضية معينة، أما النصح العام، فهو النصح الذي يكون له أثر واسع ويدخل في التعامل بين الناس.
والتناصح خلق إسلامي تفرضه الأخوة الإسلامية، والمبدأ في هذا هو أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك.
стр. 1554
عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: إني أتيت رسول الله ﷺ قلت: "أبايعك على الإسلام، فشرط علي النصح لكل مسلم فبايعته على هذا".
وهذا النصح يعتمد مفهومه أيضا على الحديث الشريف التالي:
عن تميم الداري ﵁ قال: قال ﵊: "الدين النصيحة - ثلاث مرات - قالوا:: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فالنبي ﷺ فسر النصيحة بهذه الأمور الخمسة التي تشمل القيام بحقوق الله وحقوق كتابه، وحقوق رسوله، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم وطبقاتهم فشمل ذلك الدين كله، ولم يبق منه شيء إلا دخل في هذا الكلام الجامع المحيط.
فكلمة الدين النصيحة تجعل مفهوم النصيحة أمرا تعبديا خالصا، لأنه من متعلقات الدين، أو هو من الدين، أو كما ورد في الحديث الشريف: "الدين - كله - النصيحة".
وبذلك تكون النصيحة إلزامية بأن يتحراها الإنسان لأخيه الإنسان وأن لا يكتمه النصيحة إن وجد لزوما لها.
والتناصح يدخل أيضا في باب التعاون الذي يتناول البر والتقوى، والنهي عن التعاون بالإثم والعدوان، لأن النصح للغير فيه عون له على إرشاده إلى ما فيه صلاحه.
والتناصح يدخل أيضا في مفهوم التواصي بالحق والتواصي بالصبر المؤكد عليهما في سورة العصر.
والتواصي كالتناصح الحاصل بين اثنين فأكثر، لأن المر يشمل المؤمنين عامة، واقتران الحق بالصبر له دلالته على أن الدعوة إلى الحق لا بد لها من صبر وحسب أداء، وكذلك التناصح فإنه إن لم يكن في حكمة وبصيرة ويستعان عليه بالصبر لم يعط مردوده المرجو منه.
ومن هذا يتحقق لنا أن التعامل الاقتصادي في الإسلام يجب أن يبنى على النصيحة، وإذا ما نصحت في عملك، أي صدقت , فإنك تكون قد حققت أحد المفاهيم أو الأوامر الإسلامية المطلوبة منك.
стр. 1555
أي إنك عملت بما توجبه عليك أخلاقك الإسلامية في أداء النصيحة إلى الغير في جميع تصرفاتك وأعمالك وأقوالك.
والنصح لا يقبل الغش، لأن الغش لا يتفق مع النصح، ولا يكون نصح إذا كان فيه غش، وإنما يعتبر كذبا وتمويها واستغلالا وخيانة.
لذلك فإن النصح يفرض عليك أن تصدق في التعامل وأن لا تقبل لغيرك إلا ما ترتضيه لنفسك.
وهذا الضابط الأخلاقي له أثره البين في التعامل الاقتصادي، لأن هذا التعامل لا يقتصر على ذات الإنسان، وإنما يتعداه إلى الغير، فإذا تحقق التناصح بين المتعاملين اطمأنت النفوس بعضها لبعض، وعم الخير والتضامن بين أفراد المجتمع, وكان لذلك أثره في جميع شؤون الحياة.
ولا بد من الإشارة إلى أن النصيحة تدخل في باب الشورى، وقد جعل الإسلام الشورى واجبة على من يلي أمر المسلمين وصفة إيمانية لهم, ولا تتحقق الشورى إلا بالتناصح وبيان الرأي الأفضل.
وأثر النصيحة في التعامل الاقتصادي - بالمفهوم الإسلامي - أضحى واضحا، وبذلك يمتنع الفشل والاحتيال، والاحتكار وجميع ما يتصل بسوء المعاملة، فيما إذا افترضنا أن المجتمع يعيش حياة إسلامية، لأن الفرد المسلم حريص على اكتساب مرضاة الله سبحانه ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
رابعا ـ الاستقامة:
الاستقامة سلوك فردي وجماعي، وهو أبرز في حياة الجماعة وأبعد أثرا، وبذلك يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلآّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ... إلى آخر هذه الآيات الكريمات من سورة فصلت رقم٣٠/٣٢.
стр. 1556
هذا التوجيه الإسلامي للسلوك الفردي والجماعي يبتدأ بالاستقامة الجماعية، ويتأيد هذا المعنى بالآية القرآنية الكريمة الواردة في سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
ومن ثم يتلو مبدأ الاستقامة البشري من الله للمؤمنين بأن لهم النصر في الدنيا والآخرة وبما أعد الله لهم في الجنة من نعيم دائم، ثم ينتقل إلى الفرد ويرسم له حسن المعاشرة (أو التعايش) بين الناس بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ, َمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
والاستقامة تتعلق بسلوك الإنسان ظاهرا وباطنا، وذلك بفعل المأمورات واجتناب المنهيات والمداومة على ذلك حتى الممات.
ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ومن تاب معه بالاستقامة فيقول سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
فالاستقامة للرسول ﷺ أن يثابر على تبليغ أوامر ربه وعلى ما هو عليه من خلق عظيم، والاستقامة للمؤمنين هي التأسي بالرسول ﵊ والثبات على الدعوة الإسلامية.
والطغيان غير وارد في حق الرسول الأعظم، وإنما هو تحذير من الله سبحانه للمؤمنين بعدم تجاوزهم الحدود التي يرسمها لهم لأنه لا يخفى عليه شيء فهو بصير بما يعملون.
стр. 1557
ثم يوجه الله سبحانه عباده تأكيدا لما سبق من معاني بهذا الخصوص بقوله جل من قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
وهذه الاستقامة استقامة جماعية أيضا مطلوبة من جميع المسلمين بأن يتمسكوا بتعاليم الإسلام ويثبتوا عليها، لأنها جماع الأخلاق الكريمة، وفيها ضمان صلاح الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فالاستقامة في حقيقتها تعني الثبات على السلوك السوي والطريق المستقيم حتى قيل عنها في الأمثال الدارجة: (الاستقامة عين الكرامة) .
ومرد هذا السلوك المستقيم في التعامل الاقتصادي أمر لا مراء فيه، لأن المجتمع المسلم يحرص على استقامة أفراده وحسن سلوكهم.
ونستطيع أن نعيد إلى الأذهان إقبال الناس على اعتناق الإسلام في البلاد التي لم تصل إليها جيوش المسلمين، وإنما وصلت إليها نماذج من أفراد المسلمين في أهم حقل اقتصادي وهو التجارة.
فكان من سلوك هؤلاء التجار المسلمين واستقامتهم أن حمل أمما عديدة علىاعتناق الإسلام والدخول في دين الله أفواجا.
والتجارة من الأمور المادية التي تقوم على طلب الربح، فهي مختبر عملي لكشف أخلاق التجار، وقد أثبت التجار المسلمون أنهم دعاة الإسلام بما كانوا يتخلقون به من أخلاق الإسلام حتى رغب الناس في اعتناق دينهم حبا في أخلاقهم وحسن معاملتهم.
خامسا ـ التقوى:
كلمة التقوى كلمة كثر ورودها في القرآن العظيم في مواضيع عديدة ومختلفة، وإننا إذا تتبعنا هذه الكلمة وما يتفرع عنها، وتحققنا من الأغراض التي تقصد إليها لوجدناها الرباط الذي يعقل النفوس عن أن تنطلق حسب رغباتها ووفق هواها، فهي قيد وثيق محكم لا يستطيع المؤمن أن يتفلت منه إذا كان يخشى الله ويتقيه.
стр. 1558
والتقوى هي ضابط رئيسي من ضوابط الاقتصاد الإسلامي، بل هي ضابط أساسي من ضوابط السلوك الإنساني جميعه في مضمار هذه الحياة لأنها في حقيقتها مراقبة الله والحرص على مرضاته والخوف من عذابه.
فالمسلم الذي يخشى الله ويتقيه يحرص على أن يكون نظيف السلوك ومستقيمه، ويتجنب كل ما يجعله في قرارة نفسه مسؤولا في يوم تعرض فيه الأعمال على رب العالمين الذي لا تخفى عليه خافية.
وسأقتصر فيمايلي على الاستشهاد ببعض الآيات التي وردت فيها التقوى كضابط من ضوابط السلوك الإنساني لأن استقصاء هذه الضوابط ليس بالأمر السهل.
أ - في الوفاء بالعهد:
يقول تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .
ب ـ في الإصلاح:
يقول تعالى أيضا: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
ويقول أيضا: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ج ـ في الإيمان والعمل الصالح والإحسان:
يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
د ـ في الصبر:
يقول تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
وقال أيضا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
هـ ـ في المداينة والتعامل:
стр. 1559
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ - إلى قوله: – ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ , ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّه﴾ .
وـ في الاستقامة:
يقول تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .
ز ـ في التواضع:
يقول تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
ح ـ في الصوم:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ط ـ في القصاص:
يقول تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وسنورد بعض الآيات التي تكشف لنا عن أثر التقوى وما تخلفه من نتائج:
стр. 1560
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
ويقول أيضا: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ .
ويقول أيضا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ .
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ .
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ .
ويقول أيضا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
ويقول أيضا: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
هذه بعض آيات استشهدت بها عن مفهوم التقوى وأثرها، وهي في الحقيقة ضابط شديد الحساسية وتحوي الأثر، ولا يمكن أن نجد له ذكرا في القوانين الوضعية، لذلك فإن الرقابة إن لم تتوصل إلى اكتشاف ما اقترفه الإنسان، فإن المؤمن يعلم على اليقين أن عمله هذا مكشوف عند الله وأنه محاسب عليه، فهو رقيب على نفسه ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ, وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ . وبذلك يتراجع عن اقتراف ما يمكن أن يكون مسؤولا عنه, ويحرص على أداء ما يسجل له في سجل حسانته يوم القيامة.
وهذه الضوابط التي عددناها هي أيضاً على سبيل المثال لأن مكارم الأخلاق في الإسلام هي من محاسن الأخلاق، وقد بيّن ﷺ حسن الخلق بأنه البر.
وقال أيضا: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وهو من جوامع كلمه ﵊.
стр. 1561
وهذه الضوابط يتداخل بعضها مع بعض لأن الإسلام كل لا يتجزأ في جميع تعاليمه وهديه.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] نشر بحث خصائص الاقتصاد الإسلامي في مجلة التجارة في جدة في الأعداد (٣ و٤ و٥) من السنة العاشرة.
стр. 1562
المدلسون (٥)
بقلم الشيخ حماد الأنصاري
المدرس بكلية الدعوة
١٥٣ (يعقوب) ابن عطاء بن أبي رباح في ترجمته في ثقات ابن حبان ما يقتضي أنه يدلس توفي سنة ١٥٥هـ من الطبقة الرابعة.
١٥٤ (ع س يونس) بن عبيد البصري من حفاظ البصرة ثقة مشهور وصفه النسائي بالتدليس وكذا ذكره السلمي عن الدارقطني، وقال ابن سعد في طبقاته: "توفي سنة ١٤٠هـ"من الطبقة الثانية.
١٥٥ (ع يونس) بن عبد الأعلى الصدفي المصري عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي حديث أنس الذي أخرجه ابن ماجه وأشار الذهبي إلى أن يونس هذا سواه تفرد عنه الشافعي بذاك الحديث "لامهدي إلا عيسى"وهو حديث منكر جدا، من الطبقة الثانية سنة ١٦٤هـ.
١٥٦ (ع يونس) بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي حافظ مشهور كوفي يقال إنه روى عن الشعبي حديثا وهو حديثه عن الحارث الأعور عن علي ﵁ "أبو بكر وعمر سيدا كُهولِ أهل الجنة" فأسقط الحارث وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال: كذا وكذا، قال الذهبي: "هذه العبارة يستعملها عبد الله بن أحمد بن حنبل كثيرا فيما يجيبه والده وهي بالاستقراء كناية عمن فيه لين"، من الطبقة الثانية، قال ابن سعد توفي سنة ١٥٩هـ.
(الكنى)
١٥٧ (أبو إسرائيل) الملائي اسمه إسماعيل بن خليفة العبسي مُتَكَلّمٌ فيه، وخرّج الترمذي من طريقه عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال حديث "لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر"قال الترمذي: "لم يسمع أبو إسرائيل هذا الحديث من الحكم وإنما رواه عن الحسن ابن عمارة عنه من الخامسة توفي سنة ١٦٩هـ عن أكثر من ٨٠ سنة.
стр. 1563
(أبو حرة) الرقاشي واسمه واصل بن عبد الرحمن صاحب الحسن البصري وعنه يحيي بن سعيد القطان, وصفه أحمد والدارقطني بالتدليس، قال الفلاس: "مات سنة ١٥٢هـ"من الطبقة الثالثة.
(أبو سعد) البقال واسمه سعيد بن المرزبان متكلم فيه مشهور بالتدليس رماه به أحمد وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم قال ابن المبارك قلت لشريك بن عبد الله النخعي تعرف أبا سعد البقال فقال إي والله أعرفه عالي الإسناد أنا حدثته عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم وروي عن عبد الله بن معقل عن ابن مسعود حديث "الندم توبة" فتركني وترك عبد الكريم وزياد بن أبي مريم وروى عن عبد الله بن معقل عن ابن مسعود هذا الحديث. من الطبقة الخامسة مات سنة بضع وأربعين ومائة.
(أبو قلابة) عبد بن زيد الجرمي ذكر الذهبي في ميزانه أنه كان يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم وكان له صحف يحدث منها ويدلس من الأولى قال خليفة مات بالشام سنة ١٠٤هـ وقيل سنة ٦ وقيل سنة ٧.
(ع أبو عبيدة) بن عبد الله بن مسعود ثقة مشهور من أهل الكوفة اسمه عامر حديثه عن أبيه في السنن وعن غير أبيه في الصحيح واختلف في سماعه من أبيه والأكثر على أنه لم يسمع منه وثبت له لقاؤه وسماع كلامه فروايته عنه داخلة في التدليس وهو أولى بالذكر من أخيه عبد الرحمن من الطبقة الثالثة توفي سنة ٨١هـ.
(تنبيه)
стр. 1564
ومما يستغرب ما ذكر عن شعبة في ذلك مع كراهيته للتدليس وذلك ما قرأه الحافظ على فاطمة بنت المنجا عن عيسى بن عبد الرحمن المطعم قرئ على كريمة بنت عبد الوهاب وأنا أسمع عن محمد بن أحمد بن عمرو الباعنان أنا أبو عمرو بن أبي عبد الله بن منده أنا أبو عمرو عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب إملاء ثنا أبو عبد الله أحمد بن يونس بن إسحاق ثنا أحمد بن محمد الأصفر حدثني النفيلي ثنا مسكين بن بكير ثنا شعبة قال: سألت عمرو بن دينار عن رفع الأيدي عند رؤية البيت؟ فقال أبو قزعة: حدثني مهاجر المكي أنه سأل جابر بن عبد الله ﵄: "أكنتم ترفعون أيديكم عند رؤية البيت"فقال: "قد كنا مع رسول الله فلم يكن يفعله".
قال الأصفر: "ألقيته على أحمد بن حنبل فاستعادنيه فأعدته عليه" فقال: "ما كنت أظن أن شعبة يدلس"، حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي قزعة بأربعة أحاديث هذا أحدها ولم يذكر فيه عمرو بن دينار, قال الحافظ: "اسم أبي قزعة سويد بن حجر"، وهذا شيء قاله الإمام أحمد ظنا والذي عندي أن شعبة لم يدلسه بل كان يسأل عمرو بن دينار فحدثه بهذا ثم لقي أبا قزعة فسأله عنه فحدثه به والدليل على ذلك أنه صرح بسماعه منه لهذا الحديث فيما رواه أبو داود في السنن عن يحيى بن معين عن محمد بن جعفر المعروف بغندر عن شعبة سمعت أبا قزعة به، وكيف يظن بشعبة التدليس وهو القائل: "لأن أخر من السماء أحب من أن أقول عن فلان ولم أسمعه عنه"وهو القائل: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس".
وقال البيهقي في المعرفة: "روينا عن شعبة قال: "كنت أتفقد فم قتادة فإذا قال: حدثنا وسمعت حفظته وإذا قال حدث فلان تركته".
قال: وروينا عن شعبة أنه قال: "كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبي إسحاق السبيعي وقتادة"، وقال الحافظ: "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعة".
стр. 1565
ونظير هذا حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر فإنه لم يسمع منه إلا مسموعه عن جابر قال سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث قال: جئت أبا الزبير فدفع إليّ كتابين فسألته أسمعت هذا كله عن جابر؟ قال: "لا فيه ما سمعت وفيه ما لم أسمع"قال: "فأعلم لي على ما سمعت منه", فأعلم لي على هذا الذي عندي"فتبين بهذا أن حديث الليث عن أبي الزبير عن جابر محمول على الاتصال ولا فرق فيه بين العنعنة وغيرها.
(خاتمة في منظومة الحافظ الذهبي في المدلسين)
قال التاج أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ومن نظم الذهبي في أسماء المدلسين.
خذ المدلسين يا ذا الفكر
جابر الجعفي ثم الزهري
والحسن البصري قل مكحول
قتادة حميد الطويل
ثم ابن عبد الملك القطيعي
وابن أبي نجيح المكي
والثبت يحيى بن أبي كثير
والأعمش الناقل بالتحرير
وقل مغيرة أبو إسحاق
والمرئي ميمون باتفاق
ثم يزيد بن أبي زياد
حبيب ثابت من الأجداد
أبو جناب وأبو الزبير
والحكم الفقيه أهل الخير
عباد منصور قل ابن عجلان
وابن عبيد يونس ذو الشان
ثم أبو حرة وابن إسحاق
حجاج أرطاة لكل مشتاق
ثم أبو سعيد البقال
عكرمة الصغير يا نقال
ثم ابن واقد حصين المروزي
وابن أبي عروبة اسمع تفُز
وليد مسلم كذا بقية
في حذف واه خلة دنية
وهنا أيضا قصيدة أخرى في المدلسين لأبي محمود المقدسي تلميذ الحافظ الذهبي وجدتها ضمن مجموعة في مكتبة عارف حكمت تحت رقم (٦٦) أصول الحديث.
يقول فيها:
قتادة والحسن البصري
حميد الطويل والتيمي
هشيم الثوري أبو الزبير
стр. 1566
مغيرة وابن أبي كثير
والقارئ الأعمش والزهري
وابن جريج جابر الجعفي
سفيانهم ابن عيينة الحكم
شريك القاضي ابن إسحاق العلم
أبو عبيد يونس سعيد
ابن أبي عروبة تليد
وابن أبي خالد الوليد
هو ابن مسلم كذا يزيد
وابن أبي يحيى كذا ميمون
مع ابن واقد هو الحسين
وابن عمير وأبو إسحاقا
وابن فضالة معاً وفاقا
وابن غياث وابن عمار عمر
هو المقدمي شباك في الأثر
هو الطفاوي مع الأنصاري
ابن سعيد فاعن بالأخبار
وابن أبي حبة والبقال
مع ابن طائي من ذوي النقال
وابن أبي ثابت وابن انعم
وابن غراب ثم مروان افهم
وطلحة ابن نافع مكحول
ثم ابن أرطاة سويد قولوا
ثم الصريفيني شعيب الواعية
ثم جريرهم أبو معاوية
ثم ابن منصور لمن تحققه
ثم محمد هو ابن صدقه
وابن أبي زائدة عن عامر
والقيد فيه ظاهر للماهر
ثم بقية عن المجهول
ثم الضعيف جاء في المنقول
ثم أبو حرة الرقاشي
يقول تارة بلا تحاشي
حدثنا وتارة عن الحسن
ثم ابن عجلان عن الأعرج عن
صاحبه أبي هريرة
وإنما يرويه عن ربيعة
ثم ابن عقبة عن الزهري روى
بعن وقال في البخاري سوا
وقيل لم يسمعه منه فاعلم
والحمد لله به فلنختم
هذا آخر من رمي بالتدليس من الرواة, جمعتهم من ثلاث رسائل لثلاثة حفاظ البرهان الحلبي والحافظ ابن حجر والسيوطي وزدت عليهم شيئا قليلا من المراجع المعتبرة كالميزان للذهبي ولسانه للحافظ وغيرهما من كتب الجرح التي تعنى بهذا النوع من علوم الحديث. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين...
(مناجاة)
لقد عشت دهراً غير أني لم أزل
أهيم بأرض الله ألهو وألعب
فلا النفس تنهاني ولا العقل ردني
стр. 1567
وما زلت في دوامة أتقلب
وإني أرى الشيطان يحتال دائما
عليّ وإني خائف أترقب
فيارب رفقاً بي فما زلت خائفاً
لعلمي بتقصيري وأني مذنب
فصُنّي من الشيطان والنفس والهوى
فَهُنَ يمين الله دائي المجرب
وإلا أرحني من حياتي وشقوتي
فلا خير فيها حينما أنت تغضب
أحمد عبد الحميد عباس
стр. 1568
المسؤولية في الإسلام
بقلم الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
المدرس بالجامعة الإسلامية
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" متفق عليه.
وضع الرسول ﷺ في هذا الحديث الشريف - الذي هو من جوامع كلمه كل فرد من أرفاد المسلمين - حاكمين ومحكومين، ذكرانا وإناثا، مخدومين وخادمين - أمام مسؤوليته المنوطة به, حسب منصبه ووظيفته.
فكل فرد مسلم يعتبر راعيا ومرعيا في وقت واحد، عليه حقوق يجب أن يؤديها لأهلها وله واجيات يجب أن تؤدى إليه، وقد عم النبي صلى الله عليه في مطلع الحديث بقوله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفي آخره بقوله: "وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" وخص فيما بين ذلك.
فذكر أعلى أصناف الناس في أول من ذكر، وأدناهم في آخر من ذكر، وأوساطهم فيما بين ذلك، فالمقصود من الحديث استغراق كل أفراد المسلمين بذكر أعلاهم، وأدناهم، ومتوسطهم، وهو شبيه بقوله ﷺ في ذكر شعب الإيمان: "الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". وإذا كان المراد من الحديث العموم والتنصيص على من ذكر، أريد به التمثيل، فلنبدأ بالكلام على الأصناف الأربعة - حسب ترتيبهم في الحديث - مع ضرب أمثلة أخرى من واقعنا الذي كثر فيه الرعاة وتعددت المسؤوليات على اختلافها من الجسامة والضئالة، وعلى أثر ذلك ظهر لكل مسؤولية أثرها الملموس.
الإمام راع ومسؤول عن رعيته:
стр. 1569
يطلق الإمام في الشرع على من يقتدى به كإمام الجماعة في صلاتهم، ومعلم الخير وفاعله، والداعي إليه كما قال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ , وكخليفة المسلمين وهو أميرهم العام الذي يدينون له كلهم بالولاء والطاعة، لقيامه فيهم بشرع الله، وهذا هو المقصود من الحديث، وخليفة المسلمين هو أعلى رعاتهم، ومسؤوليته أعظم مسؤولية، لتعلق حقوق كل الرعية به، ولهذا استحق التقديم في الحديث، ويشبه العلماء إمام المسلمين معهم بالقلب مع سائر الأعضاء في الأهمية، وقد قال الرسول ﷺ في القلب: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
والأمر كذلك بالنسبة للإمام فإن غالب رعيته يقتفون أثره ويحاولون محاكاته ما استطاعوا في الملبس والمسكن والمنكح، والعدل والظلم والتواضع والتكبر، والكرم والبخل، والإيثار والإسراف، والحزم والضبط والفوضى والاضطراب، ففي صلاحه صلاح رعيته، وفي فساده فسادهم لأن زمامهم بيده، ومصالحهم تحت تصرفه، يقودهم إلى ما تهواه نفسه، ويميل إليه طبعه، كما أن القلب مصدر صلاح الأعضاء، وفسادها لسيطرته عليها.
حق الإمام على الرعية:
للإمام على رعيته حقوق لا يجوز لهم أن يقصروا في أدائها ما استطاعوا ذلك، وتتلخص في أمرو ثلاثة:
стр. 1570
الأول: طاعته في غير معصية الله تعالى، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ , وقال النبي ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة في ما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليك السمع والطاعة في عسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك". والنصوص في هذا الباب كثيرة جدا، والذي يتضح من الجميع أنه يجب على الرعية طاعة إمامها في ما تحب وتكره، ما لم يأمرها بمعصية الله فإن أمرها بها وجب عليها أن ترفض طاعته لأنها إنما تطيعه، رغبة في رضى الله عنه، ورهبة من غضبه عليها، فإذا أمرها الإمام بما يسخط الله فقد سلك غير سبيله وطلب ما لا حق له فيه.
الثاني: بذل النصيحة له، بتوجيهه إلى الخير، وتشجيعه عليه، وتقويمه إن عدل عنه وذلك بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بالتي هي أحسن، بأن يذكروه بحقوق الله عليه، ثم بحقوق رعيته حيث أخذ منهم البيعة على الطاعة في غير معصية وأخذوا منه العهد بالقيام بشريعة الله حتى يكون دائما في حذر من الوقوع فيما يعود عليه وعلى رعيته بشر في دينهم ودنياهم.
стр. 1571
الثالث: أن يكفوا عن ذكر معايبه، في المجتمعات والأندية، والأسواق والمساجد ونحوها، وينتهروا من يفعل شيئا من ذلك، ويمسكوا عن حض الناس على القيام ضده، لخلعه ونبذ طاعته ما دام قائما بأحكام الإسلام معترفا بأنها حق، غير جاحد ولا مستهزئ، لأن اغتياب الإمام والحث على الخروج عليه فيه خطر عظيم، من إثارة الفتن والقلاقل التي لا يستطيع ردها ولا دفعها، كما أن ذلك ليس من سيرة علماء المسلمين الفاهمين للإسلام وحكمه وأسراره، ولهذا بالغ النبي ﷺ في النهي عن الخروج على الأئمة أو ارتكاب الأسباب المؤدية إلى ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، - أي تدعون لهم ويدعون لكم - وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة, لا ما أقاموا فيكم الصلاة" فقد نهى في هذا الحديث عن منابذة أئمة هم شرار أئمة المسلمين ما داموا يصلون، وفي بعض الروايات "إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من برهان".
стр. 1572
والحكمة في النهي عن الخروج عن الأئمة، والأمر بالصبر على ظلمهم وفسقهم واضحة جدا، فإن المصائب والمفاسد الحاصلة بسبب الخروج عليهم من سفك للدماء ونهب للأموال واستباحة للأعراض أعظم من ظلمهم، وما على المرء إلا أن يستعرض التاريخ قديما وحديثا ليرى صدق ما قلته، ولا أريد من هذا إدخال الحكام المفضلين لقوانين البشر، على شريعة الله والزاعمين بأن أحكام الإسلام لا تصلح لهذا العصر، الراقي في زعمهم، أقول لا أريد إدخال هؤلاء في عداد الأئمة الجائرين مع قيامهم بأحكام الإسلام واعترافهم بها، فإن الذين لا يعترفون بحكم الله شريعة ودستورا كفار صرحاء لا لبس في كفرهم، يجب على الأمة الإسلامية إذا استطاعت أن تنابذهم وتجتثهم من أصولهم لتضع مكانهم من يقوم بشرع الله الذي شرعه لعباده، عملا بقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده الحديث".
حقوق الرعية على الإمام:
وكما أن للإمام حقوقا على رعيته فإن للرعية حقوقا عليه يجب أن يقوم بها خير قيام، وخلاصتها: أن يجتهد في تحصيل ما ينفعهم ودفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم، ويبتعد عن غشهم وخيانتهم، ولا يتحقق له ذلك إلا بأمور..
الأول: أن يختار لوظائف الدولة الهامة أحسن من يظن فيهم القيام بها، خبرة وأمانة، وقدرة وإخلاصا وحكمة، ويحض كلا منهم على اختيار الأصلح فالأصلح للوظائف التي تحت مسئوليته، وهكذا يكون الاختيار ابتداء من أكبر وزير وانتهاء إلى أصغر موظف في الدولة، حتى يقوم كل منهم بواجبه الذي أسند إليه على أتم وجه وأكمله.
стр. 1573
الثاني: أن يختار لمجالسته أهل التقوى والخشية والعلم والورع والنصح ليعاونوه على فعل الخير ويحسنوه له، وينصحوه بالابتعاد عن مقارفة الأمور التي تعود عليه وعلى رعيته بالسوء، ويقبحوا له ذلك حتى يصبح من طبعه فعل النافع واجتناب الضار، والنتائج المترتبة على اختيار جلساء الخير عظيمة جدا، وقد حث الرسول ﷺ على ذلك وحذر من اتخاذ جلساء السوء، وأحرى الناس باختيار الجليس الصالح، واجتناب جليس السوء هم ولاة الأمور، لأن خيرهم وشرهم يعمان كل الرعية، ولهذا قرنهم النبي ﷺ بالأنبياء كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة الصحيح: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله".
الثالث: أن يأخذ على أيدي السفهاء والفسقة، ويردعهم عن المعاصي والظلم والفوضى ومعارضة أهل الخير بالطرق المؤدية لذلك - كالقصاص والحدود والتعازير - فإن لم يجتهد في هذه الأمور الثلاثة، فقد غش رعيته واستحق وعيد الله الذي أجراه على لسان رسوله ﷺ حيث قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" رواه الشيخان عن معقل بن يسار ﵁.
وهذه الأمور تعتبر أسسا لحقوق الرعية على الإمام إذا توفرت كانت النتائج حسنة، في كل مجالات الحياة، وإذا أردنا أن نفصل بعض التفصيل نجد أن للرعية على الإمام ما يلي:
стр. 1574
١- إنشاء وسائل نشر العلم الديني بين كافة طبقات الناس من مدارس لجميع المراحل التعليمية للمتفرغين لطلب العلم، ويجب أن يختار لكل مؤسسة من تتوفر فيه شروط الانتفاع منها، من علم وأمانة وقدرة وإخلاص، كما يجب على هذا المسئول أن يختار المدرسين الأكفاء الذين يقومون بتربية الطلاب تربية إسلامية شاملة، ومن هؤلاء يكون القضاة والمدرسون، والمرشدون وغيرهم من موظفي الدولة، كل يعطي ما يناسبه، أما من عداهم من عامة الناس الذين لا يتمكنون من التفرغ لطلب العلم فيجب أن يخصص لهم مرشدون لتعليمهم ما يهمهم من أمور دينهم بحيث يعرفون حقوق ربهم وحقوق بعضهم على بعض في المعاملات حتى لا يقعوا في معاصي الله بترك واجباته وارتكاب محرماته ولا يعتدي بعضهم على حقوق بعض.
٢- العمل على توفير أمن الرعية في الداخل والخارج، متمشيا مع القواعد الشرعية العامة، ويحصل ذلك بإعداد رجال أمن داخلي مدربين تدريبا كافيا، ليسهروا على أمن البلاد وسلامتها، بالوسائل التي تكفل المطلوب وإعداد الجيش الكافي المزود بالأسلحة المستطاعة، الرادعة لصد أي هجوم متوقع من خارج البلاد، بل لغزو البلاد الكافرة لفتحها وإقامة دين الله فيها عند الاستطاعة امتثالا لأمر الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُم﴾ , والقوة المأمور بها هي التي ترهب العدو كما نصت على ذلك الآية الكريمة وهي في كل عصر بما يناسبه.
стр. 1575
٣- العمل على توسيع الحالة المعيشية والصحة البدنية، وهذه الأمور الثلاثة تقتضي تشجيع الحركة التجارية إيرادا وتصديرا، بأيسر السبل وأكثرها نفعا والحركة الصناعية والعلوم الطبية العامة والخاصة، لتستغني الرعية عن أعدائها، الذين يتحكمون فيهم بسبب حاجتهم إلى ما عندهم، وبالجملة فكل ما يجلب للرعية نفعا أو يدفع عنها ضررا في الدنيا والآخرة فهو من حقوقها على الإمام ما دام يستطيع ذلك فإذا قصر في شيء يقدر عليه فهو غاش لرعيته مستحق للوعيد المتقدم الذكر، ولا يتم أداء حق الراعي من قبل الرعية وحق الرعية من قبل الراعي إلا بالتعاون التام بينهم، كل يقوم بواجبه عملا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
مصدر تحديد المصلحة والمضرة:
والمصلحة التي يجب على الإمام أن يهييء وسائل تحصيلها يجب أن يكون تحديدها من قبل الشريعة الإسلامية، كما أن المضرة التي يجب أن يهييء وسائل منعها يجب أن يكون تحديدها من قبل الشريعة كذلك، فما اعتبرته الشريعة مصلحة فهو مصلحة، وما اعتبرته مضرة فهو مضرة, وليس تحديد المصلحة أو المضرة من حق الإمام أو الرعية بدون الرجوع إلى الشريعة لأنهما لو جعلتا من حق الإمام أو الرعية مطلقا لحصل في تحديدهما اختلاف عظيم لاختلاف ميول الناس وشهواتهم اختلافا متباينا إذ ما يراه بعضهم مصلحة قد يراه الآخر مضرة, وبناء على ذلك فيسختلف الوزراء في ما بينهم ومع الإمام، وستختلف الرعية في ما بينها ومع المسئولين من موظفي الدولة، فسيزعم بعضهم أن المصلحة أو المضرة تقتضي إباحة شيء ويزعم الآخر أنهما يقتضيان تحريمه، وستضطرب بذلك الأمور ويختل النظام وتنتهك حرمات الله بسبب إسناد تحديد المصلحة والمضرة إلى غيره تعالى.
стр. 1576
وخلاصة الكلام أن الحلال ما أحله الله وليس لأحد تحريمه، والحرام ما حرم الله، وليس لأحد تحليله, وإذا تعارضت مفسدتان , لا بد من ارتكاب إحداهما، وجب ارتكاب أخفهما، وإن تعارضت مصلحتان لا بد من تحقيق إحداهما وجب تقديم أعظمهما، والتحديد في كل ذلك يرجع إلى القواعد الإسلامية، والمعنيون بالبحث والمقارنة هم علماء الأمة، المعروفون بالورع والتقوى وخشية الله والتضلع من العلوم الإسلامية أصولها وفروعها، الذين لا يخافون في الله لومة لائم بل يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم، هؤلاء هم الذين يجب أن يسند إليهم البحث في مصالح الناس ومضارهم، وهم أهل الحق في تعيين المصلحة والمضرة وعلى ضوء بحثهم واجتهادهم يجب على الإمام أن ينفذ ما أشاروا به، ولا يلتفت لمعارضة أهل الأهواء ممن يدعون العلم وقصدهم الشهرة والتقرب إلى الإمام والرعية بإفتائهم بما يوافق أهواءهم وميولهم، ولو كان مخالفا للشريعة، كما هو حال أكثر العلماء في الأقطار التي اتخذ حكامها لأنفسهم دساتير غير دستور وقانون الإسلام، خلص الله المسلمين منهم وأبدلهم بهم خيرا منهم.
стр. 1577
فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ﴾ , وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ , وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه", وقال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" إهـ. من رسالة السياسة الشرعية الجديرة بأن يهتم بها الخليفة ويعمل بمقتضاها، فإنها على اختصارها وقصر وقت كتابتها الذي يقال إنه ليلة واحدة ذات أهمية كبيرة في هذا الموضوع.
بعض المسؤوليات المكملة:
والمسئوليات التي لها علاقة بمن ذكر في الحديث كثيرة جدا ولكني أذكر أهمها فيما يلي:
الأولى: تتعلق بموظفي أجهزة الإعلام. إن الدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام على اختلافها دور خطير يجب أن يعطى حظا وافرا من العناية والملاحظة لأنها تملأ أسماع الناس بأصواتها وتشغل أبصارهم بأفلامها وصحفها وصورها، وتكد عقولهم بأفكارها ومبادئها وهي سلاح ذو حدين، أحدهما قاتل فتاك يقطع العلاقة المتينة بين المسلم وأصول دينه التي يتوقف عليها نجاحه في الدنيا والآخرة. وثانيهما مقوم بناء يصل المسلم بماضيه المجيد بما يبث فيه من روح التهذيب والجد والرجوع إلى أصول دينه الحنيف، ليكون رجل الساعة المرتقب وأهم تلك الأصول فيما أرى:
стр. 1578
١- العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تتضمن توحيد الله في خلقه ورزقه، وتدبيره وطاعته والإيمان برسله وكتبه وملائكته والبعث والجزاء والحساب وغير ذلك مما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، العقيدة التي إذا تزعزعت في أمة من الأمم انهارت انهيارا كاملا في كل مجالات حياتها وخسرت دينها ودنياها.
٢- السلوك الحسن الذي يترتب على وجوده في الأمة وجود كل خصال الخير والشرف من عفة ونزاهة، وشجاعة وإقدام، وبذل وتضحية وصدق ووفاء، ونصح وصراحة، كما يترتب على عدمه كل خصال الشر من خسة ونذالة ودناءة وجبن وإحجام وبخل وشح، وكذب وغدر، ونفاق ومداهنة. ولقد تفشت الأخلاق الرذيلة في شباب الشعوب الإسلامية وكهولها - ولا أبالغ إذا قلت وشيوخها - تفشيا ذريعا، متسببا عن تلك الأجهزة الخبيثة لما تبثه من خلاعة وفجور وميوعة بأصواتها وأفلامها وصحفها وصورها.
٣- الشعائر التعبدية كأركان الإسلام الخمسة، التي تعتبر للعقيدة كالوقود للآلات، ولقد عملت أجهزة الإعلام دورا خطيرا، في صرف أبناء الإسلام عن أداء تلك الشعائر العظيمة حيث شغلتهم بما يستمعون وما يبصرون وما يقرؤون حتى إنك لتجد الكثير منهم يتسابقون إلى أمكنة اللهو تاركين المساجد وراءهم في الوقت الذي يقول فيه المؤذن: (حي على الصلاة حي على الفلاح) مهرولين كما يهرول الشيطان، مدبرا إذا سمع الأذان، وليتهم يتركون تلك الشعائر فحسب بل إنهم ليبغضون من يؤديها ويسخرون منهم، ويرون أن ما يتسابقون إليه أكثر نفعا وأجدى فائدة من أدائها!
стр. 1579
٤- إجتماع كلمة المسلمين وبث روح الألفة والمودة بينهم حتى يكونوا يدا واحدة كما أمرهم الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ , وأمرهم نبيهم ﷺ "وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة". ولقد اتخذت تلك الأجهزة شتى الأساليب والطرق لتفريق كلمة المسلمين وبث العداوة والبغضاء بينهم وأصبحت كل دولة تكيل للأخرى السباب والشتائم، وتختلق عليها الدسائس والتهم الكاذبة!.
стр. 1580
ورعاة هذه المسئولية في كل شعب من الشعوب الإسلامية هم وزراء الإعلام فالواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى دينهم الذي يدعونه، فيسيروا هذه الأجهزة في طريق مستقيم بحيث ينتفع بها أبناء شعوبهم بتوعيتهم بالثقافة الإسلامية واطلاعهم على الأحداث الجارية، وتحذيرهم من تخطيطات أعدائهم التي يقصدون من ورائها اجتثاث إيمانهم من قلوبهم أو إضعافه - على الأقل - كما يجب أن تستخدم هذه الأجهزة في بيان الطرق والأساليب الواجب اتخاذها ضد تلك المخططات بكشفها للناس عن طريق الخطابة والكتابة الإذاعة وغيرها، وأن يتخذوها وسائل للتعليم المتنوع بحيث يستفيد منه جميع طبقات الأمة، من شرح لأمور الدين التي لا يسع أحدا من المسلمين جهلها، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والمعاملات المصرفية والعلاقات الزوجية وأشباهها, ومن دروس علمية في التفسير والحديث والأخلاق الإسلامية والجهاد في سبيل الله الذي يعتبر أهم سلاح حاول ويحاول كسره الأعداء الصرحاء منهم والمنافقون، حتى لا تكاد الشعوب الإسلامية إلا ما شاء الله تفكر في رفع راية الجهاد ضد أعداء الله في هذا العصر، بتأثير من حكامهم الطغاة، الذيت تربعوا على كراسي الحكم بالقوة وأشاعوا بين المسلمين ما أراده أصدقاؤهم الكفار الصرحاء، من أن الجهاد وحشية لا يصلح للقرن العشرين! والواقع أن القتال من أجل الباطل هو سلاح أولئك الكفار، ينفذون به مأربهم، يغزون الشعوب ويقتلون أهلها، ويستحلون محارمهم، وينهبون أموالهم وثرواتهم، ويحدثون بينهم الفوضى والاضطراب والخراب والدمار، من أجل إشباع شهواتهم المسعورة، ومن أجل السيطرة التي ليس لهم فيها أدنى حق، ولا يعتبرون ذلك وحشية بل يعتبرون الجهاد الذي هو وسيلة تحرير الناس كلهم من عبودية الناس إلى عبودية الله وحده، ولا يقوم حق الله وحق عباده إلا به, يعتبرونه وحشية وهمجية، فلو أن المسئولين عن تلك الأجهزة استخدموها في كشف وفضح هذه المؤامرات لا في تأييدها وبثها،
следующие страницы →