Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15156–15195 · переход к 15161.
стр. 15156
فهذه الأحاديث توضح لنا دعوة رسول الله ﷺ في العهد المكي والمدني.
تعذيب أصحابه من أجل لا إله إلا الله عقيدة التوحيد:
لقد عذب أصحاب رسول الله ﷺ اشد ألوان التعذيب من أجل تمسكهم بالعقيدة وإخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك والكفر. عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: "أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمار، وأمه سمية، وصهيب وبلال، والمقداد. فأما رَسول الله ﷺ فمنعه الله تعالى بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، صهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وآتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد " [٣٣] .
وفي السيرة لابن هشام "وكان أمية بن خلف يخرجه (يعني بلالا) إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد" [٣٤] .
وقال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: "قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ "قال: "نعم. والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً، من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن العجل ليمر بهم فيقولون له أهذا العجل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم افتداء مما يبلغون من جهده" [٣٥] ، وهذا إسناد حسن صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فأمن تدليسه.
стр. 15157
وتُعذَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّب سمية حتى الموت من أجل عقيدة التوحيد، لا لأنها كانت زعيمة سياسية. فعن مجاهد قال: "أول شهيدة في الإسلام سمية والدة عمار أتى أبو جهل فطعنها بحربة في قبلها" [٣٦] ، وقال ابن سعد: "أسلَمت قديما بمكة، وكانت ممن يعذب في الله لترجع عن دينها، وصبرت، حتى مر بها أبو جهل يوما، فطعنها بحربة في قبلها، فماتت" [٣٧] .
الاهتمام بعقيدة التوحيد في العهد المدني:
وبعد أن هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام على كواهل المهاجرين والأنصار، وعلى أساس التوحيد ظل الاهتمام بالتوحيد عَلى أشده والآيات القرآنية تنزل به والتوجيهات النبوية تدور حوله ولم يكتف رسول الله ﷺ بكل هذا.
(١) المبايعة على التوحيد (١)
فكان يبايع عليها عظماء الصحابة فضلا عن غيرهم بين الفينة والفينة وكلما تسنح له فرصة للبيعة عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢) ، وهذه الآية وإن كانت في بيعة النساء فإن رسوله الله ﷺ كان يبايع على مضمونها الرجال.
стр. 15158
فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاًَ ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم- قرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ فمن وفّى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" [٣٨] .
وساق ابن كثير عدداً من الأحاديث التي فيها أن رسول الله كان يبايع النساء بمضمون هذه الآية [٣٩] منها حديث عائشة، وحديث اميمة بنت رقيقة، وحديث أم عطية [٤٠] ، وحديث سلمى بنت قيس إحدى خالات الرسول [٤١] وحديث رائطه بنت سفيان الخزاعية [٤٢] . ثم قال: "وكان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة. ثم ساق حديث ابن عباس [٤٣] وأحاديث أخر.
أقول: وكذلك كان يتعاهد الرجال، فمما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت السابق، ومن ذلك حديث عوف بن مالك الأشجعي رضى الله عنه قال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول الله؟ "وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله". فقلنا: بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " قال: فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا- وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناس شيئاً" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه " [٤٤] .
стр. 15159
٢- وكان يرسل دعاته ومعلميه وقضاته وأمراءه إلى الملوك والجبابرة في الأقطار المختلفة بدعوة التوحيد. فعن أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى [٤٥] وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ " [٤٦] .
يوضح ذلك نص كتابه إلى قيصر وأن هدفه الدعوة إلى التوحيد ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم ... من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد- فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين [٤٧]- ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباًَ من دون الله فإن تولوا، فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون" [٤٨] .
وعندما وصل الكتاب النبوي إلى قيصر، أرسل إلى أبي سفيان بن حرب في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان، وكفار قريش، فأتوه وهم بابلياء فوجه أسئلة إلى أبي سفيان من جملتها، قال قيصر: "ماذا يأمركم، قال أبو سفيان، قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمر بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة" [٤٩]
стр. 15160
(٢) وكان رسول الله ﷺ يجهز جيوشه للجهاد في سبيل الله لأعلاء كلمة التوحيد:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، ويرشد قواده وجنوده إلى البدء قبل القتال بدعوة الناس إلى التوحيد. فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهَاجرين ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فارادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم ولكن انزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم" [٥٠] .
ومثل حديث بريدة حديث النعمان بن مقرن المزني ﵁ أشار إليه كل من مسلم وأبي داود وابن ماجة، بقولهم قال علقمة فحدثت به مقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ﷺ مثل ذلك.
стр. 15161
(٤) وبعث معاذاً إلى اليمن أميراً وقاضيا ومعلماً فقال له رسول الله ﷺ في وصيته: "إنك تأتى قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفى رواية إلى أن يوحدوا الله وأني رسوله الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك، فاخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" [٥١] ، ولا يشك أنه كان يوصي كل دعاته وأمرائه وقضاته بمثل هذه الوصية.
(٥) وشرع الجهاد من أجل التوحيد وتطهير الأرض من فتنة الشرك. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
قال ابن جرير [٥٢] ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه: "وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا تكون فتنة يعني حتى لا يكون شرك بالله، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان ... "، قال قتادة: "حتى لا يكون شرك". وساق أسانيده بهذا التفسير إلى قتادة ومجاهد والسدى وابن عباس، وقال المراد بالدين الذي ذكره الله في هذا الموضع: العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه. قال ومن ذلك قول الأعشى:
هودان الرباب إذ كرهوا
الدين دراكاً بغزوة وحيال
ثم ساق إسناده إلى الربيع ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يقول: حتى لا يعبد إلا الله، وذلك لا إله إلا الله عليه قاتل رسول الله ﷺ وإليه دعا.
стр. 15162
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" [٥٣] .
وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله حين عزم على قتال المرتدين بما فيهم مانعي الزكاة فقال له الفاروق ﵁: "كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال أبو بكر ﵁: "والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسوله الله ﷺ ﷺ لقاتلتهم على منعها" [٥٤] .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ثم قرأ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ " [٥٥] .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسوله الله ﷺ :"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" [٥٦] .
стр. 15163
ويُلاحَظ أن حديث عمر وأبي بكر وأبي هريرة وجابر قد اقتصرت على قضية التوحيد، ولم تتعرض لغيرها. ولعل السبب في ذلك شدة اهتمام الرسول ﷺ بهذه القضية بحيث أنه يحدثهم بها المرة تلو المرة مقتصراً عليها تنبيهاً منه لهم على عظمتها وأهميتها وإدراكا منه صلوات الله وسلامه عليه أنهم يفهمون أن كل أمور الإسلام من مقتضياتها ومستلزماتها وحقوقها خصوصا أركان الإسلام والإيمان.
أقول: وبسبب اقتصار الرسول ﷺ على ما يتعلق بالعقيدة كان استدلال عمر بهذا القدر وكان جواب أبي بكر في تأييد موقفه بقياس الزكاة على الصلاة "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ... "ولو كان يحفظ ما رواه ابن عمر لاستدل به رأسا، ولو كان عمر يحفظ ما رواه ابنه لما اعترض على أبي بكر ولو كان الحاضرون وفيهم أبو هريرة يحفظون ما رواه ابن عمر لذكروا الشيخين به، ولعل السر هو ما أشرنا إليه شدة اهتمام الرسول بالعقيدة وإشادته بها وكثرة حديثه عنها.
ولما كان أبرز جانب وأهمه فيما جاء به الأنبياء من تعاليم ربانية هو توحيد الإلهية، وكان هو في الواقع أعظم قضايا الصراع مع كل أعداء الأنبياء.
стр. 15164
وكان أبرز جانب من جوانب الباطل والضلال مما أعلن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه الحرب من جهة واستمات المشركون المكذبون من كل الأمم في الدفاع عنه من جهة أخرى هو عبادة الأصنام والأوثان، وقبور الصالحين والأنبياء وتقديسها وتقديم القرابين لها وتعلق قلوب البشر حكاما ومحكومين بها حبا ورجاء وخوفا وطمعاً وأملا في شفاعتها لهم عند الله في قضاء مطالبهم، وكان هذا اللون هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر كان لابد- إلى جانب ما قدمناه من الحديث عن منهج الأنبياء خصوصا في الحديث عن إبراهيم إمام الحنفاء ومحطم أصنام السخفاء- من ذكر طرف من حرب رسول الله ﷺ الشعواء لهذا الشرك الأكبر ممثلة في سحق هذه الأوثان فعلا وفى سد كل ذريعة يستدرج بها الشيطان أولياءه من البشر إلى عبادتها واتخاذها أنداداً من دون الله باسم الآلهة أو الأولياء أو تحت أي شعار مضل.
стр. 15165
فمن تلك الحرب التي شنها القرآن ورسول منزل القرآن قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (النجم: ٩ ا-٢٣) . فهذا تحقير لمعبوداتهم وأي تحقير وحرب عليها أي حرب، وقول الله تعالى: ﴿ ... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: ٣٠- ا ٣) ، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) .
وعن عمرو بن عنبسة ﵁ وقد تقدم حديثه وفيه: "قلت: الله أرسلك، قال: نعم، قلت: بأي شيء أرسلك، قال: بأن يوحد الله، ولا يشرك به شيء، وكسر الأوثان وصلة الرحم" [٥٧] .
وفى حديث جعفر بن أبى طالب: " ... حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان ... " [٥٨] الحديث.
وفي حديث أبى سفيان مع هرقل ملك الروم: "يقول- يعنى رسول الله ﷺ اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم" [٥٩] .
стр. 15166
وفى حديث أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن الله بعثني رحمة للعالمين. وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير، والأوثان والصلب، وأمر الجاهلية ... " الحديث.
ولقد طاشت ألباب زعماء قريش وضاقت ذرعا بهجوم رسول الله ﷺ على أوثانها سواء فيما أنزل عليه من القرآن أوفي دعوته السرية والعلنية لأن هذا أمر لا هوادة فيه، ودعوته الصادقة تقتضيه.
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول: فلو بعثت إليه، فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت ... فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول. قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة، يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إِليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته، ولقوله وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرا، فقالوا: ما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي، فقال: لا إله إلا الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب" [٦٠] .
стр. 15167
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فيأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم، حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله ﷺ : "فرغت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : " ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ... - حتى بلغ- ... فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا، والذي نصبها بنية، ما فهمت شيئاً مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك أيكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة" [٦١] .
стр. 15168
تلك الحرب كانت حربا كلامية ونفسية بالنقد اللاذع والتحقير والسخرية ودمغ المشركين بالضلال والجهل مع إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وكان من آثار تلك الحرب ومن آثار تلك الدعوة والبيان أن هدى الله كثيراً من العرب من قريش وغيرهم ومن الأوس والخزرج وفتح الله بصائرهم وعرفوا حقيقة التوحيد ومكانته وعرفوا حقارة الشرك بالأوثان وغيرها وخطورته في الوقت نفسه على المشركين في الدنيا والآخرة.
وهذه ثمار طيبة عظيمة كانت نتيجة لجهاد رسول الله ﷺ وأصحابه وصبرهم في ميدان الدعوة الحقة إلى الله وحملتهم المكثفة على الطواغيت والأوثان والأنصاب.
ثم لما أصبح للمسلمين شوكة ودولة انتقل رسول التوحيد ﷺ إلى خطوة عملية جديدة هي سحق الأصنام وتحطيمها وإبادتها وتطهير الأرض منها إدراكا منه لخطورتها فهي المصدر الأساسي والخطير على الأجيال البشرية من فجر تاريخها وإلى أن ينتهي تاريخها كما قالٍ إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ (إبراهيم: ٣٥-٣٦) . فمن هنا قرر الرسول الأعظم محمد ﷺ القيام بتطهير الأرض من الأوثان وتسوية القبور لأنها قرينة الأصنام في إضلال البشرية.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقوله: "جاء الحق وزهق الباطل "، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد" [٦٢] .
стр. 15169
وجهز رسول الله ﷺ جيشا لذى الخلصة من المدينة إلى خثعم فغزاها. عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال:"كان بيت في الجاهلية يقال له ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي ﷺ : ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فنفرت في خمسين ومائة فارس من أحمس، فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس، وفى لفظ للبخاري: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة [٦٣] . ولفظه في البخاري ومسلم وأحمد: "ألا تريحني من ذي الخلصة".
انظر إلى هذا التعبير النبوي فكان وجود الأوثان يقض مضجعه ويقلقه ﵊ فلا يقر له قرار ولا يجد راحة واعجب من واقع كثير من الدعاة اليوم يرون أمام أعينهم مظاهر الشرك فلا تحرك فيهم ساكنا ولا يحسبون لهذا الواقع المر حسابا بل الأدهى والأمر انهم يتذمرون ممن ينكر ويتألم لهذا الواقع الجاهلي السيئ.
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات، وهدم البيت، الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئاً" فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى، يا عزى فأتاها خالد، فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فاخبره فقال: "تلك العزى " [٦٤] .
وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب، فبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان ليهدمها وقيل علي بن أبى طالب [٦٥] .
стр. 15170
وسألت ثقيف رسول الله ﷺ أن يدع الطاغية وهي اللات، لا يهدمها، ثلاث سنين فأبى رسول الله ﷺ ، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذرياتهم ... فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان ابن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها [٦٦] ، وعن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم [٦٧] .
قال ابن جرير [٦٨] : "وكانوا قد استقوا اسمها من اسم الله فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وروى بأسانيده إلى قتادة، وابن عباس ومجاهد وابن زيد، إن اللات بتشديد التاء رجل كان يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره فعبدوه.
وقال الإمام البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: اللات والعزى. "كان اللات رجلا يلت سويق الحاج" [٦٩] .
ولما كانت فتنة القبور والأوثان من باب واحد، والرباط بينها وثيق جداً حيث إن الأوثان والأنصاب إنما نحتت وصورت وعبدت حبا وغلوا في الصالحين كما فعل قوم نوح بود وسواع ويغوث ويعوق ونسر لأنهم رجال صالحون كذلك إنما شيدت القبور وشدت إليها الرحال وقدمت لها القرابين حبا وغلوا في رجال صالحين وفي أقوامٍ اللهُ أعلم بأحوالهم وبمآلهم.
стр. 15171
وعلى كل حال فلما كان النوعان من باب واحد لم يدخر رسول الله ﷺ وسعا في الأمر بهدم القبور ونهى أن يبنى عليها أو يزاد عليها ونهى عن تجصيصها ونهى عن الصلاة عليها وإليها وحذر التحذير الشديد من شرها ولعن من يتخذون المساجد عليها، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبِى طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، "ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراًَ مشرفا إلا سويته " [٧٠] .
ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان يبعث عليا لتسوية القبور كما يبعثه لطمس التماثيل ولا تستبعد أن رسول الله ﷺ كان يجند رجالا هنا وهناك للقيام بهدم الأصنام والقبور كما مر بنا سابقا.
وعن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد، بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره، فسوى ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها [٧١] ، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه [٧٢] ، وعن أبى مرثد الغنوى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" [٧٣] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [٧٤] .
стр. 15172
وتستمر هذه العناية النبوية الواعية، لأخطار الأوثان والقبور إلى آخر لحظة من لحظات حياة الرسول الناصح الأمين صلوات الله وسلامه عليه. فعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاًَ، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" [٧٥] .
وعند احتضاره وبعد اختياره للرفيق الأعلى كان شغله الشاغل خطر فتنة القبور على هذه الأمة التي جهل أكثرها قدر هذه الاهتمامات النبوية وجهلت خطر هذه الفتنة الماحقة.
فعن عائشة أم المؤمنين وابن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال: وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"يحذر مثل ما صنعوا [٧٦] .
وعن أسامة بن زيد ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: "ادخلوا عليّ أصحابي، فدخلوا عليه وهو مقنع ببردة معافري [٧٧] فكشف القناع، فقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [٧٨] .
وعن أبي عبيدة ﵁ قال: كان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ : "اخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد" [٧٩] .
стр. 15173
سرّح طرفك في مشارق بلاد المسلمين ومغاربها تر العجب العجاب تر واقعا يتحدى هذه النصوص النبوية، وإذا قرأت عليهم هذه النصوص وبينت لهم مصادرها وتمسك الصحابة واعيان الأمة بها واجهوك بتأويلات اسخف من تأويل من قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ . واتهموك بعداء الأولياء.
والآن نتساءل إذا كانت دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تحمل في طياتها كل خير، وتحذر من كل شر، فما بالنا نرى فيما قص الله علينا في كتابه وفى دراستنا لسنة وسيرة نبينا محمد ﷺ أن دعواتهم إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره وأسبابه ووسائله قد أخذت مساحة كبيرة جداً من دعواتهم واستغرقت زمنا طويلا من حياتهم حتى لكأنما كان هذا الجانب هو شغلهم الشاغل. فأين مواقفهم من الحكام الطغاة المستبدين؟.
والجواب إن ما انتهجه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو عين الحكمة والصواب ومقتضى العقل السليم.
فليس في مشاكل البشر سياسيها واقتصاديها واجتماعيها من الخطر ما يساوى مشكلة الشرك ومضاره ولا يقاربها ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ .
فالعقل والحكمة والفطرة تقتضي إذاً أن يبدأ بمحاربة خطر الشرك وأن تستمر دعوات الأنبياء واتباعهم على محاربته ما بقيت منه بقية أو بقى له شكل أو مظهر. فإذا أحاطت بأمة مشاكل عقائدية شرك يدمر عقيدتها ومشاكل اقتصادية ومشاكل سياسية فبأيها تبدأ المعالجة الحكيمة.
стр. 15174
أما الأنبياء فلم يبدؤا إلا بمعالجة مشكلة العقيدة بكل قوة والبدء بمعالجة الأمر الأخطر أمر يتفق عليه كل عقلاء البشر. فمثلا لو رأى عاقل ثعبانا ونملة يدبان إلى إنسان لأملى عليه عقله أن يبادر إلى دفع الثعبان أو قتله لشدة خطره على هذا الإِنسان ولا يمكن أن يلقى بالاً للنملة ولا لألف نملة.
ولو رأى عقلاء أسداً هصوراً وجماعة من الفئران تهجم عليهم لحملوا حملة واحدة لصد هجوم الأسد وتناسوا الفئران ولو كان معها جماعة أخرى من الضفادع.
ولو أن مسافرين انتهى بهم السير إلى طريقين لا خيار لهم من سلوك أحدهما. أحدهما فيه براكن تقذف بلهبها ونيران تلتهم أشجارها وأحجارها، وثانيهما فيه الأشواك والرمضاء وأشعة الشمس اللاهبة لما أختار عقلاؤهم إلا سلوك الطريق الثاني.
لنأخذ الآن أشد المفاسد أعني المفاسد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأشدها فساد الحكم لنوازنها بفساد العقيدة فهل هما في ميزان الله وميزان الأنبياء سواء. أو أن أحدهما أشد خطراً وأدهى وأمر عاقبة.
ففي ميزان الله وميزان أنبيائه أن أشدهما خطراً وأجدر بالتركيز عليه على مر الدهور والعصور وفى كل الرسالات إنما هو الشرك ومظاهره الذي لا يضاهيه فساد مهما عظم شأن هذا الفساد، وبناء على هذا نعود فنقول: إنَّ بَدْأ جميع الأنبياء بإصلاح الجانب العقائدي ومحاربة الشرك ومظاهره هو مقتضى الحكمة والعقل وذلك للأمور الآتية:
стр. 15175
أولاً: أن المفاسد المتعلقة بعقائد الناس من الشرك والخرافات وأنواع الضلال أخطر آلاف المرات من المفاسد المترتبة على فساد الحكم وغيره، فإن لم نقل هذا ونعتقده سفهنا من حيث لا نشعر جميع الأنبياء. ونعوذ بالله من الضلال. إن هذه المفاسد تشمل الحاكم والمحكوم فالحكام أنفسهم في كل زمان ومكان إلا المؤمنين منهم- يخضعون للأصنام والأوثان والقبور ويقومون بتشييدها وحمايتها وعبادتها وتقديم القرابين لها، ويعتقدون أن لها سلطة غيبية قاهرة فوق سلطانهم المادي، فهي تضرهم وتنفعهم بذلك السلطان الغيبي في زعمهم وبتلك القوة القاهرة الخفية أو على أقل تشفع لهم عند الله في تحقيق مآربهم.
وأوضح مثال لخضوع الحكام للأوثان ذلك الطاغية المتأله فرعون الذي قال متبجحاً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ، فقد حكى الله مقالة قومه له وهم يستثيرون فيه الحمية والغيرة لآلهته ومعبودا ته فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ . (الأعراف: ١٢٧) ألا ترى أكبر طاغية عرفته الأرض مع دعواه الربوبية يخضع للأوثان ويتخذها آلهة.
وهذا النمروذ ملك الكلدانيين الذي ادعى الربوبية يأمر بإحراق إبراهيم ﵇ عندما حطم الأصنام أخذاً بثأر هذه الأصنام لأنها آلهته.
وهؤلاء ملوك الهند والفرس يعبدون الأوثان والنيران وملوك الرومان في الماضي وحكام أوربا وأمريكا في الحاضر يعبدون الصلبان والصور، وكم من حكام المسلمين في الماضي والحاضر من فُتِنَ بالأموات وشاد عليهم القبور وتعلق بها قلبه حبا ورجاء وخوفا وارتكبوا ما خشيه رسول الله على هذه الأمة وحذر منه.
стр. 15176
ومن هنا يتضح لك جدية منهج الأنبياء وأحقيته، ويتضح لك أهمية مواقف الرسول الحاسمة من الأوثان والقبور كما يتضح لك حكمة إبراهيم وعمق فكره وبعد نظره حينما أطلقها صيحة مدوية تتجلجل في الأفاق والأجيال ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (إبراهيم ٥ ٣، ٦ ٣) .
فترى إبراهيم وهو على غاية من الحق والصواب- يجأر إلى الله من مخاطر الأصنام ولا يجأر إليه من مخاطر الحكام على جسامة فسادهم وخطرهم.
ثانياً: أن الله ما أرسل الرسل إلا ليعلموا الناس الخير وينذرونهم بطش الله والشر قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (البقرة: ٢١٣) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأنعام: ٤٨) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (الكهف: ٥٦) ، وقال تعالى: ﴿ ... رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) .
стр. 15177
وقال رسول الله ﷺ : "ولا أحد أحب عليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" [٨٠] ، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النحل: ٣٥) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤) ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وهذه مهمة الإنذار والتبشير والإبلاغ مهمة جليلة وعظيمة نبيلة يكفيها عظمة ونبلا أنها مهمة الأنبياء وتتناسب مع مكانتهم الرفيعة فإنها أشق وأعظم ما يتحمله البشر أو يتحمله ورثتهم من الدعاة الصادقين المخلصين السائرين في منهاجهم ولهذا قال رسول الله ﷺ : "أشهد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وقد ذكرنا سلفا مدى ما يواجه الداعية إلى التوحيد من المشقة وكيف لا يستطيع غيرهم أن يجول في هذا الميدان.
ثالثاً: أن الله ، لم يكلفهم بإقامة دول وإسقاط أخرى وذلك في غاية الحكمة، لأن الدعوة إلى إقامة دولة تلوح فيها المطامع لطلاب الدنيا وطلاب الجاه والمناصب وأصحاب الأغراض والأحقاد وأصحاب التطلعات والطموحات فما أسرع ما تستجيب هذه الأصناف للدعوة إلى قيام دولة يرون فيها تحقيق مآربهم وشهواتهم ومطامعهم.
стр. 15178
لمثل هذه الاعتبارات- والله أعلم- وغيرها مما يعلمه الله الخلاق العليم الحكيم ابتعدت دعوات الأنبياء ومناهجهم عن استخدام هذا الشعار البراق الملوح أو المصرح بالأطماع والشهوات العاجلة وسلكت منهجا حكيما نزيها شريفا ينطوي على الابتلاء والاختبار فيتبعهم ويؤمن بهم كل صادق مخلص متجرد من كل المطامع والأغراض الشخصية، لا يريد بإيمانه وتوحيده وطاعة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إلا الجنة ومرضاة ربه، ولا يخاف إلا من غضبه وأليم عقابه. ولهذا لا يتبعهم في الغالب إلا الفقراء والمساكين والضعفاء. قال تعالى- حكاية عن قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: ١١١) ، وقال عن قوم صالح: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الأعراف: ٧٥-٧٦) . وجاء في أسئلة هرقل لأبى سفيان، "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟. قال أبو سفيان، فقلت: بل ضعفاؤهم. ثم قال هرقل: وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم اتباع الرسل".
فالدعوة إلى إقامة دولة أسهل بكثير وكثير، والاستجابة لها أسرع، لأن أكثر الناس طلاب دنيا وأصحاب شهوات ولما ذكرنا من الأسباب والعقبات والصعاب في طريق دعوات الرسل نجد أنه لا يتبعهم إلا القليل فنوح، لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو إلى الله ومع ذلك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠) .
стр. 15179
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب" [٨١] .
وهذا إبراهيم الخليل قامع المشركين بالحجج الدامغة والبراهين قال الله تعالى في شأنه وشأن من آمن له ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: ٢٦) ، وهذا لوط يقول الله في نجاة من معه من العذاب ولعلهن بناته فقط ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الذارايات: ٣٥-٣٦) .
ولا يغض ذلك من منازل الأنبياء مثقال ذرة بل هم في أعالي المنازل وهم أنبل الناس وأجل الناس وأكرمهم وفوقهم في كل شأن في الرجولة والشجاعة والفصاحة والبلاغة والبيان والنصح والتضحية وقد قاموا بواجبهم على أكمل الوجوه من الدعوة إلى التوحيد والتبليغ والتبشير والإنذار فإذا قل اتباعهم أو لم يتبع بعضهم أحد فالعيب كل العيب على الأمم التي رفضت الاستجابة لدعوتهم لأنها في نظرهم- لا تحقق لهم أغراضهم الدنيئة ومع ذلك ما كانوا طلاب ملك بل كانوا دعاة هداية وتوحيد ولا كانوا يعدون اتباعهم للثورات والانقلابات السياسية.
стр. 15180
وقد يهدي الله قوم نبي من الأنبياء فيستجيبون له أو كثير منهم فتكون لهم دولة، ثمرة طيبة، لإيمانهم وتصديقهم وأعمالهم الصالحة، فيقومون بواجبهم من الجهاد لإعلان كلمة الله وتطبيق التشريعات والحدود وغيرها من الأمور التي شرعها الله لهم كما حصلَ لنبينا محمد ﷺ وأصحابه الكرام توج الله إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم الجميل على بغي المشركين وتطاولهم بأن نصرهم، وأظهر دينهم، ومكن لهم في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ولقد عرض على رسول الله الملك بمكة فرفض إلا المضي في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك والأوثان أرسلت قريش- لما أقلقها أمر رسول الله ﷺ عتبة بن ربيعة فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: "يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت بهم أحلامهم وعبت به آلهتهم، ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني اعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك منِ أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالاًَ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك حتى لا نقطع أمراًَ دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما
стр. 15181
قال- حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: "أفرغت يا أبا الوليد؟ "قال: نعم. قال: "فاستمع مني". قال: أفعل. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ... حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ . ثم مضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك ... "فذهب عتبة إلى قريش فلما جلس إليهم. قالوا ما وراءك يا أبا الوليد. قال: ورائي إني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة. يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها لي خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوا الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم " [٨٢] .
стр. 15182
وروى ابن إسحاق بإسناده إلى ابن عباس أنه اجتمع نفر من قريش وعرضوا على رسول الله ﷺ عرضا قريبا من عرض عتبة ومقالته لرسول الله ﷺ بقوله: "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثتي إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم ... " [٨٣] . ومن هنا رفض رسول الله ﷺ طلب بعض القبائل أن يكون الأمر لهم بعد موته إن صح هذا الخبر.
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم، يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب. ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء"، فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله، كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه" [٨٤] .
стр. 15183
وخلاصة هذا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما جاؤا لإسقاط دول وإقامة أخرى، ولا يطلبون ملكا ولا ينظمون لذلك أحزابا وإنما جاؤا لهداية البشر وإنقاذهم من الضلال والشرك وإخراجهم من الظلمات إلى النور وتذكيرهم بأيام الله ولو عرض عليهم الملك لرفضوه، ومضوا في سبيل دعوتهم، وعرضت قريش الملك على رسول الله فرفضه وقد عرض عليه أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا. عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: "جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل، قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك قال: أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا. قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: بل عبداً رسولا" [٨٥] .
ومن هنا ما كان يبايع الأنصار وغيرهم إلا على الجنة وكانت بيعة الأنصار في أحلك الظروف وأشدها فما كان فيها وعد بالمناصب لا الملك ولا الإمارات ولا بالمال وبغير ذلك من حظوظ العاجلة. عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "إني من النقباء الذين بايعهم رسول الله ﷺ وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، ولا ننتهب، ولا نعصي- بالجنة".
стр. 15184
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: انطلق رسول الله ﷺ ومعه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة فإن عليكم من المشركين عيناً، وإن يعلموا بكم يفضحوكم، فقال قائلهم- وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله ، وعليكم إذا فعلنا ذلك. فقال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأسألكم لي ولأصحابي أن تؤونا وتنصرونا، وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك" [٨٦] .
стр. 15185
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفى المواسم بمنى، يقول: من يؤيني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أومن مضر كذا فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشى بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه فيخرج الرجل منا، فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة، ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة. قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغرهم فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب، كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك، فهو عذركم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبداً، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة" [٨٧] .
стр. 15186
ومن هنا أيضا كان يربي أصحابه على القرآن والسنة وعلى الإيمان والصدق والإخلاص لله في كل عمل بعيداً عن الأساليب السياسية والإغراء بالمناصب العالية. فما كانَ يمنى أحداً منهم قبل دخوله في الإسلام أو بعده بمنصب في الدولة هذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أحد عظماء الصحابة وأقواهم شخصية ما كان يعده رسول الله ﷺ بالمناصب ولا تتطلع نفسه إليها حتى جاء يوم خيبر أي بعد عشرين سنة من البعثة فاجأهم رسول الله ﷺ بقوله: "لأعطين الراية غداً رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات هو والصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها "وقال عمر ﵁: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" [٨٨] .
لأي شيء تطلع هؤلاء الصحابة الكرام الإمارة نفسها أم لنيل هذه المنزلة العظيمة حب الله ورسوله؟ ولماذا كان عمر بن الخطاب لا يحب الإمارة لو كان رسول الله يحببها إليهم ويربيهم عليها ويمنيهم بها. بل كان ينفرهم منها ويحذرهم من الحرص عليها، عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة " [٨٩] ، وينهى عن طلبها والحرص عليها، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" [٩٠] .
стр. 15187
بل فوق كل هذه الأساليب يرسى قاعدة إسلامية تحرم المناصب على من يتعشقها ويحرص عليها، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين: يا رسول الله أمِّرنا على بعضِ ما ولاك الله . وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا لا نولي على هذا العمل أحداًَ سأله ولا أحداًَ حرص عليه" [٩١] . وفي لفظ عند مسلم: "ما تقول يا أبا موسى أويا عبد الله بن قيس قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلعت، فقال: لن أو لانستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، فبعثه إلى اليمن ثم أتبعه معاذاً "، وفي النسائي: "إنا لا نستعين في عملنا بمن سألنا".
قال الحافظ. قال المهلب: "الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك ووجه الندم أنه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها- لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها، وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته. قال: ويستثنى من ذلك من تتعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال" [٩٢] .
стр. 15188
وعلى كل حال فالإمارة والقضاء من الأمور التي لابد منها ولا تقوم حياة المسلمين إلا بها وبها تعصم الدماء والأموال. ولكن يجب أن نسلك في اختيار الأمراء والقضاء منهاج رسول الله ﷺ فلا تعطى هذه المناصب لمن يسألها أو يحرص عليها أو يرشح نفسه لها عن طريق الانتخابات مثلا فإن هذا من الحرص عليها، وإنما يختار لها الأكفاء علما وزهداً فيها وتقوى. ثم ينبغي أن نستفيد من هذا المنهج النبوي في التربية، فلا ينبغي أن ننشئ الشباب على حب القيادة والرئاسة والسيادة والإمارة فلو نشأناهم على حب هذه الأشياء خالفنا هدى رسول الله ﷺ وأوقعنا الشباب في المهالك وأي فلاح ننتظره في الدنيا والآخرة إن خالفنا منهج رسول الله ﷺ .
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . (النور: ٤٧_٤٨) .
قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"....
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الفطر الابتداء والاختراع، والفطرة: الحالة، كالجلسةِ والركبة
والمعنى. أنه يولد على نوع من الجبلة، والطبع المتهيئ لقبول الدين فلوترك عليها لاستمر على لزومها، وإنما يعدل بالآفة من آفات البشر والتقليد "النهاية لابن الأثير (٣/٤٥٧) .
وقال الحافظ ابن حجر- ﵀: في الفتح (٣/٢٤٨) .
стр. 15189
"اختلف الناس في المراد بالفطرة، وأشهر الأقوال، أن المراد بالفطرة. الإِسلام قال ابن عبد البر: هو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها"الإسلام
[٢] أخرجه البخاري ٢٣- كتاب الجنائز ٧٩- باب إذا أسلم الصبي فمات يصلى عليه، حديث ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٩٢- باب ما قيل في أولاد المشركين حديث ١٣٨٥، ٦٥- كتاب التفسير، حديث ٥ ٤٧٧. ومسلم، ٤٦- كتاب القدر، حديث ٢٢، ٢٣، وأبو داود، ٣٤- كتاب السنة ١٨- باب في ذرا ري المشركين، حديث ٤٧١٤، وأحمد في المسند (٢/ ٥ ٣١، ٣٤٦، ٣٩٣) ، (٢/ ٢٣٣، ٢٧٥) ، ومالك في الموطأ (١: ٢٤١) ١٦، كتاب الجنائز. حديث (٥٢) ، والترمذيَ في السنن (١/ ٤٧ ٤) ، ٣٣- كتاب القدر٥- باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة، حديث (٢١٣٨) ، وفي لفظ في البخاري ومسند أحمد والموطأ والترمذي "كل مولود يولد على الفطرة"
[٣] نحلته أعطيته، والمراد: كل مال أعطيته عبداً من عبادي فهو له حلال، والمراد: إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصلة والبحيرة والحامي وغير ذلك، وإنها لم تصر حراماَ بتحريمهم وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق.
[٤] أي مسلمين.
[٥] أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم، عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل.
[٦] أخرجه مسلم (٤/٢١٩٧) ، ٥١- كتاب الجنة ٢٦- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، حديث ٦٣.
[٧] من المناضلة، وهي: المرامات بالنشاب.
[٨] الجشر: هي الدواب التي ترعى، وتبيت مكانها.
[٩] الصلاة جامعة، هي: بنصب الصلاة على الإغراء، ونصب جامعة على الحال.
[١٠] أن يصير بعضها رقيقاً أي حفيفاً لعظم ما بعده.
стр. 15190
[١١] ألف في بيان هذه الأسس الثلاثة الإمام الشوكاني كتابا سماه: "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد، والمعاد والنبوات "طبع دار الكتب العلمية ببيروت لبنان، وقد ساق أدلته من القرآن والتوراة والأناجيل.
[١٢] شرح الطحاوية ص ٨٨ الطبعة الأولى ١٣٩٢ نشر المكتب الإسلامي وأصله من كلام الإمام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله-.
[١٣] التفسير (٣٦٥/٥) .
[١٤] العلات- بفتح المهملة: الضرائر، وأصله من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى، كأنه علّ منها، والعلل: الشرب بعد الشرب وأولاد العلات: الإخوة من الأم، وأمهاتهم شتى "فتح الباري (٦/ ٩) وفى النهاية (٣/ ٢٩١) ، الأنبياء أولاد علات "أولاد علات الذين أمهاتهم مختلفة، وأبوهم واحد، أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة".
[١٥] أخرجه البخاري٠ ٦- الأنبياء حديث (٤٣ ٣٤) ، ومسلم (٤/١٨٣٧) ٤٣- كتاب الفضائل، ٠ ٤- باب فضل عيسى ﵇، حديث (٤٥ ١) وأحمد في المسند (٢/ ٣١٩، ٤٠٦، ٤٨٢)
[١٦] إشارة إلى حديث أبي ذر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/٤٤٧) وأحمد في المسند (٥/١٧٨) (٥/ ١٧٩)
من طريق المسعودي عن أبي عمر الدمشقي عر عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر.
وابن حيان كما في الموارد رقم ٩٤ وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦_١٦٨) وأشار إلى طرق أخرى أبي ذر، وأحمد (٥/ ٢٦٥) وابن أبي حاتم في تفسيره نقلا عن ابن كثير (٢/٤٢٣) والطبراني (٨/٢٥٨)
وهناك طرق أخرىَ عن أبي إمامه! عدد الرسل وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أخرجه الطبراني (٨/ ١٣٩) وابن حيان كما في الموارد رقم (٢٠٨٥) قال ابن كثير وهذا على شرط مسلم وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة.
[١٧] الاخشبانْ جبلان بمكة، هما أبو قبيس والجبل الذي تقَابله.
стр. 15191
[١٨] أخرجه البخاري ٥٩- كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٣١) ومسلم (٣/ ٤٢١ ١) ، ٢٩- باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١١١) .
وفي الحديث بيان دعوة رسول الله وصبره في سبيلها وحلمه على قومه وانظر كيف استأنى بهم واستبقاهم من الهلاك الماحق الذي اشفوا عليه أملا في الله ورجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا ويالها من غاية نبيلة لا يعرفها إلا من ذاق نعمة التوحيد وعرف مكانته.
[١٩] البداية والنهاية لابن كثيرِ (٣/١٣٥) ، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ط دار الكتب العلمية بيروت (ص١٠٥)
[٢٠] قال البخاري- ﵀ في ٦٤-: المغازي ٢٦- باب من قتل من المسلمين يوم أحد، حديث ٤٠٧٨ حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال. حدثني أبي عن قتادة، قال: "ما تعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار قال: قتادة: وحدثنا أنس بن مالك، أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون ".
[٢١] عن خباب- ﵁ قال: هاجرنا مع النبي ﷺ ، ونحن نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى- أو ذهب- لم يأكل من أجره شيئا وكان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا ما رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه خرجتَ رأسه فقال النبي ﷺ غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإ ذخر..، أخرجه البخاري٦٤- كتاب المغازي ٢٦- باب من قتل يوم أحد حديث (٤٠٨٢) ومسلم كتاب الجنائز. (٧/ ٢) مع شرح النووي وأحمد في المسند (٥ /٠٩ ١) . والنسائي (٤/٣٢)
[٢٢] قصة استشهاده في البخاري ٦٤- كتاب المعازي٣٢- باب قتل حمزة بن عبد المطلب- ﵁ حديث (٤٠٧٢) ومسند أحمد (٣/٥٠٠،٥٠١)
стр. 15192
[٢٣] عن أنس- ﵁ قال شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران١٢٩) أخرجه البخاري ٦٤- كتاب المغازي ٢١- باب ليس لك من الأمر شيء، بدون رقم ومسلم (٣/١٤١٦) ، ٣٢- كتاب الجهاد والسير ٣٧- باب غزوة أحد، حديث ١٠٤.
وفيه حديث سهل بن سعد برقم ١٠١ بلفظ جرح وجه رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ".
[٢٤] أخرجه الترمذي (٢/٤ ٠ ٦) ، ٥٦- باب ما جاء في الصبر على البلاء، حديث (٢٣٩٨) وابن ماجة (٢/ ١٣٣٤) ١٣- باب الصبر على البلاء، حديث (٤٠٣٣) ، والدارمي (٢/٢٢٨) حديث ٢٧٨٦ وأحمد والمسند (١/ ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥) كلهم من طريق عاصم بن أبى النجود وهو صدوق له أوهام عن مصعب بن سعد قال: الترمذي حديث حسن صحيح.وفي تصحيح الترمذي له نظر وكأنه لاحظ في الحكم شواهده فإن له شواهدْ:
١_عن أبي سعيد الخدري أخرجه ابن ماجة (٢/ ٦٣٣٤) ٣٢- باب الصبر على البلاء حديث (٢٤ ٠ ٤) قال في الزوائد إسناده صحيح نقلا عن محمد فؤاد.
٢- من حديث فاطمة بنت اليمان أخرجه أحمد (٦/٣٢٩)
٣- من حديث أبي هريرةَ أشار إليه الترمذي بقوله وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بعد إخراجه حديث سعد.
[٢٥] اشارة إلى قول الله تعالى. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:١٢٣)
وإلى قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩٥.
стр. 15193
[٢٦] هذا العمل البطولي العظيم وماسبقه من دعوة حكيمة إلى التوحيد ونبذ الشرك في ميزان كثير من دعاةَ الإصلاح اليوم يعتبرِ من الاهتمامات بالقشور والتوافه فلا حوِل ولا قوة إلا بالله إنما لا تعمى الأبصار، ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.
[٢٧] إشارة إلى حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال. "الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم ﵈". أخرجه البخاري ٠ ٦ كتاب الأنبياء باب ٨ ١ (٣٣٨٢، ٠ ٣٣٩) وأحمد في المسند (٢/٩٦) . وإلى حديث أن هريرة رضى الله عنه سئل رسول الله: ﷺ : "من أكرم الناس؟ فقال اتقاهم لله، قالوا. ليس عن هدا نسألك، قال: فاكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". أخرجه البخاري ٠ ٦ الأنبياء، حديث (٣٣٨٣) ، ِوالترمذي (٢٩٣/٥) التفسير، باب١٣، حديث (٣١١٦) ، "وأحمد في المسند (٢/٣٣٢، ٤١٦) كلاهما عن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
[٢٨] هذه الآية قاعدة أساسية من قواعد التوحيد كما بين الله ذلك على لسان يوسف ﵇، ومن المؤسف جدا أن ترى كثيرا من دعاة الإصلاح السياسيين قد ابتعدوا بتفسيرها جدا عن مدلولها الأساسي إخلاص العبادة لله وحده إلى مدلول سياسي هو إقامة الدولة التي يزعمون انها ستطبق شريعة الله في الأرض بالنيابة عنه وبالغوا في هذا الاتجاه حَتى انسوا الناس المعنى الأصلي للآية ولا يفهمون عنها إلا المعنى الجديد فلا حول وِ لا قوة إلا بالله وهكذا عاملوا كل أو معظم آيات التوحيد وارتكبوا كل هذا تحت شعار الحاكمية وهذا شيء لم يسبقوا إليه فإلى الله المشتكي.
стр. 15194
[٢٩] قال شيخ الإسلام ابن تيميه- ﵀ في الحسبة (ص ٧)
"وكذلك يوسف الصديق كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان ".
[٣٠] أخرجه مسلم (١/ ٥٦٩) ، ٦- كتاب صلاة المسافرين. ٥٢- - باب إسلام عمرو بن عنبسة، حديث (٢٩٤) وأحمد في المسند (٤|١١٢) .
[٣١] أخرجه الإمام أحمد (١/٢٠٢) ، (٥/ ٢٩٠) قال أحمد ثنا يعقوب (يعني ابن إبراهيم ابن سعد الزهري) ثقة ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن أم سلمة بنت أبى أميه (يعنى أم المؤمنين ﵂ وهو إسناد صحيح إلا محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث فحديثه حسن.
[٣٢] أخرجه البخاري ١- كتاب بدء الوحي باب ٧- حديث ٦ وهو حديث طويل.
[٣٣] أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٨٤) ، وصححه، وذكره الذهبي في سير أعلام، النبلاء (١ /٣٤٨) وقال وله إسناد صحيح، وانظر في الاستيعاب (١/١٤٥_١٤٦) والحلية لأبي نعيم (١/ ١٤٩) .
[٣٤] (١/ ٣١٨) .
[٣٥] السيرة لا بن هشام (١/ ٣٢٠) .
[٣٦] الطبقات لا بن سعد (٨/ ٢٦٤-٢٦٥) قال أخبرنا إسماعيل بن عمر أبو المنذر، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور عن مجاهد قال: فذكره وهو إسناد صحيح إلى مجاهد.
[٣٧] الطبقات لا بن سعد (٨/ ٢٦٤) .
[٣٨] رواه البخاري ٢- كتاب الإيمان باب١ ١- حديث ١٨، ٦٣- كتاب مناقب الأنصار ٤٣- باب وفود الأنصار، حديث (٣٨٩٢) ، ومسلم ٢٩- كتاب الحدود ٠ ١- باب الحدود كفارات لأهلها، حديث (٤١_٤٤) ، والنسائي (٧/١٢٨) .
[٣٩] البخاري ٦٥- كتاب التفسير تفسير سورة الممتحنة ٢- باب إذا جاءك المؤمنات مهاجرات حديث (٤٨٩١) وابن ماجة (٢/ ٩٥٩) ٢٤- كتاب الجهاد ٤٣- باب بيعة النساء حديث (٢٨٧٤) ٢- مسند أحمد (٦/٣٥٧) والنسائي كتاب البيعة باب بيعة النساء (٧/١٣٤) .
стр. 15195
[٤٠] أخرجه البخاري ٦٥- كتاب التفسير تفسير سورة الممتحنة ٣- إذا جاءك المؤمنات يبايعنك حديث (٤٨٩٢) ومسلم كتاب الجنائز (٦/ ٢٣٨) شرح النووي.
[٤١] مسند أحمد (٦/ ٣٧٩-. ٣٨، ٤٢٢-٤٢٣) وفي إسناده سليط بن أيوب قال الحافظ. مقبول وقال الذهبي في الكاشف (١/ ٨٨ ٣) وثق فهو حسن لشواهده.
[٤٢] مسند أحمد (٦/٣٦٥) .
[٤٣] في البخاري ٦٥- كتاب التفسير ٣- باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك حديث (٤٨٩٥) ومسلم ٨- كتاب صلاة العيدين ٨- باب صلاة العيدين حديث (١) والحديث طويل وفيه "فقال. يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا"فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها "انتن على ذلك، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله ... "
[٤٤] أخرجه مسلم ٢ ١- كتاب الزكاة ٣٥- باب المسألة للناس حديث ١٨، وأبو داود ٣- كتاب الزكاة، ٧٢- باب كراهية المسألة حديث (١٦٤٢) ، وأحمد (٦/ ٢٧) ، والنسائي (١/ ١٨٦) . وابن ماجة ٢٤- كتاب الجهاد، ٤١- باب البيعة، حديث (٢٨٦٧) .
[٤٥] وانظر كتابه إلى كسرى ملك الفرس في البداية والنهاية (٤/ ٣٦٩) بقريب من كتابه إلى قيصر.
[٤٦] أخرجه مسلم ٣٢- كتاب الجهاد ٢٧- باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله حديث ٧٥ (٣/ ١٣٩٧) ، والترمذي، ٤٣- كتاب الاستئذان ٢٣- باب في مكاتبة المشركين، حديث (٦ ٢٧١) من حديث أنس. وأحمد (٣/٣٣٦) من حديث جابر، للفظ "وكتب رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس إلىكسرى وقيصر، وإلى كل حبار ".
следующие страницы →