Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15226–15265 · переход к 15231.
стр. 15226
والسياسيون، أو أبناؤهم ولا يطلقون إلا مقابل فدية مالية كبيرة، وتختطف الطائرات أما لأغراض سياسية أو لأغراض إجرامية بحته، وأصبح الناس في كثير من الدول التي تزعم أنها متطورة ومتقدمة وفي قمة الحضارة، أصبح الناس يحذرون من التجول بعد غروب الشمس، وهذا الأستاذ محمد قطب يذكر في إحدى محاضراته أنه في سان فرنسسكو حدثه أكثر من شخص وأنه قرأ في الصحف كذلك، أن الإنسان لا يملك أن يخرج وحده في هذه المدينة بعد غروب الشمس، ويقول: كنت في زيارة قصيرة لمدينة صغيرة في فلادليفيا مدينة أشبه بالمدن الريفية وهي بالنسبة لمدننا كبيرة ولكنها بالنسبة للمدن الأمريكية صغيرة جدا، وجاء الغروب فحدثتنا أنفسنا أن نخرج قليلا للتنزه، فقال لنا المقيمون هناك، احذروا، لا تستطيعون أن تخرجوا، قلنا لماذا، قالوا بسبب العصابات، حيث إنها تبدأ عملها بعد غروب الشمس، قتلا وخطفا وسرقة [٢٧] .
وهذه دولة من الدول الحديثة، المتقدمة صناعيا، وهي ألمانيا، تقول عنها إحدى الجرائد اليومية، أنه في تقرير نشر عنها أظهر أن لصوص ألمانيا الغربية يحافظون على سمعة مواطنيهم، بوصفهم شعباً عرف بتفانيه في العمل، فقد أوضح التقرير أن هؤلاء اللصوص يرتكبون حادث سرقة كل دقيقة في شتى أنحاء البلاد، وتقدر لجنة غير حكومية قيمة الممتلكات التي تتعرض للفقد أو الإتلاف نتيجة للسرقات بثلاثة آلاف مليون مارك في العام الواحد، وقد طالبت اللجنة المواطنين الذين يقضون عطلاتهم خارج مساكنهم بتأمين منازلهم بواسطة الأقفال والسلاسل، أو أجهزة الإنذار [٢٨] .
стр. 15227
ولم يزل الإجرام يفتك بالدول الغربية وغيرها حتى أصبح المجرمون لهم مراكز خطيرة، وكلمة نافذة، بل أصبح لهم مؤسسات رسمية أو شبه رسمية، تحميهم وتدافع عنهم، حتى صاروا كما يقال حكومات داخل الحكومات. ويقول الأستاذ عودة ﵀ في هذا الصدد، وهو يتحدث عن سلطان المجرمين "ومن المجرمين من يغادر السجن ليعيش عالة على الجماعة، يستغل جريمته السابقة لإخافة الناس وإرهابهم، وابتزاز أموالهم، ويعيش على هذا السلطان الموهوم وهذا المال المحرم، دون أن يفكر في حياة العمل الشريف والكسب الحلال، وقد أصبح سلطان هؤلاء المجرمين على السكان الآمنين، يزاحم سلطان الحكومات، بل أصبح المجرمون في الواقع أصحاب الكلمة النافذة، والأمر المطاع، ومن الوقائع التي اعرفها ويعرفها غيري أن رجال الإدارة يستعينون بالمجرمين أيام الانتخابات العامة، ليوجهوا الناخبين المتمسكين بحزبيتهم، وجهات معينة بعد أن يعجزوا هم عن هذا التوجيه.
وقد أدى هذا المركز الخطير، إلى زيادة المجرمين الشباب الذين يتطلعون بدافع من طموحهم إلى نوال كل مركز ممتاز كما أدى إلى قلب الموازين والأوضاع، فبعد أن كانت الجريمة عارا وذلا في القديم، أصبحت اليوم مدعاة للتباهي والتفاخر، وبعد أن كان المجرم يطرد ذليلا مهانا، أصبح اليوم عزيز الجانب مسموع الكلمة نافذ السلطان" [٢٩] .
فهذه هي بعض آثار العقوبات الوضعية في المجتمعات الغربية ليست إلا خوفا واضطرابا ورعبا وزيادة مضطردة في عدد الجرائم وأساليبها وأنواعها.
وتلك بعض آثار العقوبات الشرعية ونتائجها في المجتمع الإسلامي قديما وحديثا، أمن واستقرار واطمئنان وانخفاض في نسبة الجرائم، فأي الفريقين أحق بالأمن، وأي الفريقين أحق بالفخر والاعتزاز، فليصفوا العقوبات الشرعية بما شاءوا من الأقاويل، وليتهجموا مادامت تلك آثارها وهذه نتائجها.
стр. 15228
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] لسان العرب لابن منظور ج/١٢ ص ٩١.
[٢] تاج العروس للزبيدي ج/٨ ص ٢٢٤.
[٣] انظر تفسير النسفي ج/٣، ج/ ٤ ص ٦٠، ٣٤١، ص ٢٨٢.
[٤] الأحكام السلطانية للما وردي ص ٢١٩.
[٥] وانظر القرطبي ج/١٩ ص ٢٦٧، ج/١٨ ص ٢٨٦، ٢٤٦.
[٦] انظر فتح الباري ج/١٣ ص ٢٦٤.
[٧] المسند ج/٦ ص ٥٧، الفتح الرباني ج/٧ ص ١١٦.
[٨] انظر فتح الباري ج/١٣ ص ٢١٦.
[٩] انظر فتح الباري ج/٢ ١ ص ٢٥٩، ج/٦ ص ٢٦٩.
[١٠] المسند ج/٥ ص ٤ ٤١ وهو صحيح وقد أخرجه مسلم والترمذي أنظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج/ ٤ ص هـ ٣٤.
[١١] جامع الأصول ج/ ٢ ص هـ ١ ٥، سنن الترمذي ج/٧ ص ١ ٩ ١ وراجع كشف الخفاء ج/ ٢ ص ٧٦ ١ وأسنى المطالب للحوت البيروتي ص ١٦٧.
[١٢] لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن العقوبة لا توقع عليهم إلا في حالة الإصرار بل أن العقوبة توقع على المجرم بمجرد ارتكابه للجريمة ولو لم يصر أو تتكرر منه، إلا في التعازير فالأمر فيها يختلف.
[١٣] تعريف العقوبة:
يقول صاحب اللسان: العقاب والمعاقبة أن تجزي الرجل بما فعل سوء، والاسم العقوبة وعاقبه بذنبه معاقبة وعقابا: أخذه به. هذا عند أهل اللغة. (لسان العرب لابن منظور ١/ ٦١٩) .
عرفها بعض الفقهاء "بأنها الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع". (أورده عبد القادر عودة في التشريع الجنائي (١/٦٠٩) .
[١٤] الجريمة والعقاب في المجتمع القبلي الإفريقي: محمد عبد الفتح إبراهيم (ص ٤٠ ا-١٤١) .
[١٥] جريدة الرياض العدد ٤٧٢٣ الصادر بتاريخ ٣/١/ ١ ٠ ٤ ١ هـ.
стр. 15229
[١٦] العقوبات الجنائية في التشريعات العربية: د. توفيق الشاوي الصفحات ٢٤، ٧٣- هـ ٧.
[١٧] العقوبات الجنائية في التشريعات العربية. د. توفيق الشاوي الصفحات ٢٤، ٧٣- هـ ٧.
[١٨] العقوبات الجنائية في التشريعات العربية. د. توفيق الشاوي الصفحات ٢٤، ٧٣- هـ ٧.
[١٩] العقوبات الجنائية في التشريعات العربية. د. توفيق الشاوي ٢٤، ٧٣- هـ ٧.
[٢٠] التشريع الجنائي الإسلامي ج ١ص ٩ ٦٨.
[٢١] التشريع الجنائي ج١ ص ٣٨١.
[٢٢] محاضرات عن المسئولية الجنائية في التشريعات العربية. د. توفيق الشاوي ص ٣٢.
[٢٣] لقلتها من التشريع الجنائي ج١ من الصفحة ٧٣٢-.٧٤. ملخصة بشيء من التصرف.
[٢٤] ذكر صاحب المغنى أنه حصل في عهد الإمام أحمد بن حنبل ﵀ واقعة زنا ثبتت بالشهادة وذلك في الجزء السابع ص١٦٣ في كتاب الفرائض.
[٢٥] من نهر كابل إلى نهر اليرموك أبو الحسن الندوي ص ١٥٥.
[٢٦] التشريع الجنائي ج ١ص ٧٤٠.
[٢٧] من محاضرة ألقاها الأستاذ محمد قطب في كلية الشريعة لجامعة قطر في أول عام ٤٠١ اهـ.
[٢٨] جريدة الرياض العدد ١٣٣٣ الصادر بتاريخ ٦/ ٥/ ٣٩٦ ١ هـ.
[٢٩] التشريع الجنائي ١/٧٣٧.
стр. 15230
الإمدَادُ بأحكاَمِ الحداَدِ
(٢)
للدكتور فيحان شالي المطيري
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
الفصل الخامس في زمن، الإحداد
عرفت آنفاً أقسام الإحداد من حيث الجملة وأنها قسمان جائزٌ وغير جائزٍ وأن كل منهما ينقسم إلى قسمين إذا تقرر هذا فاعلم أن كلامنا هنا خاصٌ بزمن الإحداد والجائز في شريعتنا إذ أننا مطالبون بما فيها من أحكام فنقول: الحداد الجائز على ضربين. على ما بينا قريباً، حداد على القريب الميت غير الزوج وحداد على الزوج وطبقا لهذا التقسيم يكون الكلام في المدة الزمنية اللازمة للإحداد.
وقد رأيت أن أجعل هذا الفصل مبنيا على مبحثين. المبحث الأولى زمن الإحداد على القريب الميت غير الزوج، المبحث الثاني زمن الحداد على الزوج الميت.
المبحث الأول: زمن الحداد على القريب الميت:
إعلم أن الحداد على القريب الميت هو ابتعاد المرأة عن كل مظاهر الزينة التي يدعو فعلها إلى الفرح والسرور ويتنافى مع مظاهر الحزن من المرأة على ذلك الميت. ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد رسمت الطريق الذي ينبغي أن تسلكه المرأة عند فقد قريبها وبينت المدة اللازمة للإحداد والتي لا ينبغي تجاوزها وقد رعت الشريعة في ذلك حق المرأة وحق القريب على حد قوله: "لا ضرر ولا ضرار" ومقدار هذه المدة ثلاثة أيام بلياليها يوضحه قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا".
стр. 15231
فقوله: "فوق ثلاث" يفيد جواز الثلاث فما دونها وعدم جواز الزيادة عليها إلا فيما دلّ عليه الاستثناء. قال ابن حجر في الفتح بعد ما ذكر الحديث: "واستدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها وتحريمه فيما زاد عليه وكأن هذا القدر أُبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية ولهذا تناولت أم حبيبة وزينب بنت جحش ﵄ الطيب لتخرجا عن عهدة الإحداد وصرحت كل منهما بأنها لم تتطيب لحاجة إشارة إلى أنّ آثار الحزن باقية عندهما، لكنهما لا يسعهما إلا امتثال الأمر" [١] .
وهذا الذي ذكره ابن حجر ﵀ وما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله ﷺ والتي تفيد بمنطوقها ومفهومها أن الحد الأعلى في حق المرأة للحداد على قريبها الميت هو ثلاثة أيام بلياليها.
وقد ذكر أبو داود في المراسيل بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديثا يعارض ظاهره هذه الأحاديث ونصه: "أن النبي ﷺ رخّص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام" [٢] . والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث من وجهين: (أ) أنه ضعيف لا تقوم به حجة لكونه مرسل قال: فإن عمرو بن شعيب لم يكن من الصحابة بل ولا من التابعين، والمرسل في ضعف الاحتجاج به إنما يكون من التابعين فإذا كان الأمر كذلك فلا تعارض به الأحاديث الصحيحة.
(ب) لو سلّمنا بصحته وسلامة الاستدلال به لم نسلّم بمعارضته للأحاديث الصحيحة بل نقول هو مخصص للأب من عمومها فتحد ابنته عليه سبعة أيام بلياليها على ما هو مبين في الحديث ويبقى ما عداه من الأقارب على العموم الوارد في الأحاديث والذي يتعين اتباعه والمصير إليه هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي تم ثبتها قريباً أكثر من مرة.
المبحث الثاني: زمن الإِحداد على الزوج الميت
стр. 15232
زمن الإحداد على الزوج الميت هو زمن العِدة ولهذا نستعرض بشيء من التفصيل لعِدة المتوفى عَنها زوجها لما بين الأمرين من العلاقة ليتّضح المراد وبالتالي نخلص لمعرفة زمن الإحداد.
والمعتدة من الوفاة لا يخلو إما أن تكون حائلا أو حاملا.
والحائل لا يخلو إما أن تكون ممن تحيض أو يئست من الحيض أو صغيرة لم يأتها الحيض بعد وطبقا لهذا التقسيم فقد ضمنت هذا المبحث المطالب التالية:
المطلب الأول: عدة غير ذات الحمل:
стр. 15233
غير ذات الحمل وهى الحائل التي عرفت براءة رحمها إما بالحيض أو لكونها آيسة أو صغيرة لم تحض وقد أجمع أهل العلم من عصر الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا على أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها غير ذات الحمل أربعة أشهر وعشرا سواء كانت صغيرة أو كبيرة. مدخولا بها أو غير مدخول بها وهذا هو الزمن اللازم للإحداد فإذا انقضت عدتها بإتمام هذه المدة انقضى الإحداد بانقضائها وإنما أجمع أهل العلم على ذلك لما جاء في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ . ومن السنة قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". متفق عليه [٣] . فهذا الكتاب والسنة قد اتفقا على بيان الظرف الزمني الذي يجب أن تتربصه المعتدة من الوفاة ولا تحل قبله للأزواج وهو الظرف الزمني للإحداد إذ أن العدة والإحداد شقيقان في هذا الباب فإن قيل هذا النص عام شامل لكل معتدة من الوفاة فتكون عدتها أربعة أشهر وعشرا من غير تخصيص قيل ليس الأمر كذلك لأننا نقول إن هذا النص في المعتدات من الوفاة غير الحوامل والشرع شاهِدٌ بذلك فإن الله تعالى أخرج من عموم هذا النص الحامل المعتدة من الوفاة فإن عدتها تنقضي بوضع حملها وبالتالي يزول عنها حكم الإحداد.
تنبيهان:
التنبيه الأول: لو قيل هذا الحكم خاص بالمدخول بها بمعنى أن المدخول بها هي التي تتربص أربعة أشهر وعشرا بدليل أن الله تعالى خصها من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قلنا الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
стр. 15234
(أ) أن الله تعالى خص المطلقة قبل الدخول من عموم آية البقرة فلم يوجب عليها عدة وذلك بآية الأحزاب وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [٤] .
وليس الأمر كذلك في المتوفى عنها قبل الدخول فهي داخلة في العموم وليس ثمة ما يخرجها ولا يجوز إخراجها إلا بدليل ولا دليل.
(ب) قد ورد في السنة ما يفيد صراحة وجوب العدة على غير المدخول بها المتوفى عنها زوجها وذلك أن عبد الله بن مسعود "أُتِي بامرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا "ولم يكن دخل بها قال فاختلفوا إليه فقال: أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الاشجعي أن النبي ﷺ قضى في بَروَع ابنة واشق بمثل ما قضى". رواه الأربعة وصححه الترمذي [٥] .
فهذا الحديث نص على إيجاب العدة على غير المدخول بها وبهذا لا يكون للاعتراض حظّ من النظر.
(جـ) لو سلّمنا بعدم النص وأنّ المعتدة من الوفاة غير المدخول بها مخصصة من عموم آية البقرة وذلك بالقياس على المطلقة قبل الدخول لم نسلّم بهذا التخصيص وذلك لأمرين:
أحدهما: أن النكاح عقد عُمْر فإذا مات أحد الزوجين انتهى والشيء إذا انتهى تقرر أحكامه كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل وأحكام الإجارة بانقضائها والعدة من أحكامه.
ثانيهما: أن المطلقة إذا أتت بولد يمكن للزوج تكذيبها ونفيه باللعان وهذا ممتنع في حق الميت فلا يؤمن أن تأتى بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها عن التصرف والميت في غير منزلها حفظا لها [٦] .
стр. 15235
التنبي هـ الثاني: فإن قيل قد ورد في الأثر عند أحمد وابن حبان والطحاوي من حديث أسماء بنت عميس قالت: "دخل على رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبى طالب. فقال:ٍ"لا تحدى بعد يومك" هذا لفظ أحمد. وفى رواية له ولابن حبان والطحاوي لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ تسلّي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت" [٧] .
قال العراقي في شرح جامع الترمذي: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبى طالب بالاتفاق وهي والدة أولاده عبد الله ومحمد وعوف وغيرهم قال: "بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز" [٨] .
قيل الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره العراقي نفسه بأن هذا الحديث شاذ ومخالف للأحاديث الصحيحة
وقد أجمعوا على خلافه. قال: "ويحتمل أن يقال إن جعفر قُتِل شهيدا والشهداء أحياء عند ربهم. قال وهذا ضعيف لأنه لم يرد في غير جعفر من الشهداء ممن قطع بأنهم شهداء كما قطع بجعفر كحمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر" [٩] .
فأنت ترى أنه حكم على الحديث بالشذوذ وحديث الشاذ ضعيف لا تقوم به حجة.
الوجه الثاني: ما ذكره الطحاوي من أن هذا الحديث منسوخ وأن الإحداد كان على المعتدة كذلك في وقت ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرا [١٠] .
وإن كانت هذه دعوى بلا دليل إذ أن النسخ لا يكون إلا بمعرفة التاريخ وهو تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ إلا أن احتمال النسخ وارد هنا لأن حديث أسماء هذا متقدم في الغالب على أحاديث الإحداد الأخرى. فإن حديث أسماء هذا في غزوة موءته وهي في السنة الثامنة من الهجرة والنبي الكريم توفى في السنة الحادية عشرة لكن دعوى النسخ لا تثبت بالاحتمال.
стр. 15236
الوجه الثالث: هو أن المراد بالإحداد والمقيد بالثلاث قدرا زائدا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر فنهاها عن ذلك بعد الثلاث.
الوجه الرابع: هو أن أسماء كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى.
الوجه الخامس: يحتمل أنه ﷺ عَلِم أن عدتها تنقضي عند الثلاث فأمرها بهذا الأمر.
الوجه السادس: يحتمل أن جعفر قد أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد.
الوجه السابع: ما ذكره البيهقي من أن هذا الحديث منقطع وقال لم يثبت سماع عبد الله ابن شداد من أسماء بنت عميس [١١] .
وَرُدَّ هذا بأنه تعليل مدفوع فقد صححه أحمد ويجاب عنه بأن أحمد قال أنه -أي حديث أسماء- مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد قال ابن حجر في الفتح: "وهو مصير منه إلى أنه يعله بالشذوذ وذكر الأشرم أن أحمد سُئلَ عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه لا إحداد فوق ثلاث فقال: "هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه" [١٢] .
قال ابن حجر تعقيبا على كلام أحمد وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم [١٣] .
стр. 15237
هذا وبعد عرض ما تقدم تعلم أن الأوجه التي ذكرناها كلها محتملة اللهم إلا ما ذكره العراقي من اعلال الحديث بالشذوذ والذي ينبغي أن يُعلم هو أن هذا الحديث على فرض صحته معارض لما هو أصحّ منه وأكثر شهرة ومن المعلوم أن الحديث الصحيح إذا تعارض مع ما هو أصح منه وتعذر الجمع قُدم الأصح فإذا كان الحديث في الصحيحين ويعارضه آخر في أحدهما قُدم ما كان في الصحيحين والأمر كذلك فيما كان في صحيح البخاري ويعارضه حديث آخر في صحيح مسلم فإن ما كان في صحيح البخاري يقدم على ما كان في صحيح مسلم عند التعارض وعدم إمكان الجمع وما كان فيهما أوفي أحدهما يقدم على غيره عند التعارض وعدم إمكان الجمع وهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عنه على فرض صحته لم يكن في الصحيحين ولا في أحدهما بخلاف الأحاديث التي تعارضه فإنها صحيحة لامطعن لأحد في صحتها لكونها في الصحيحين.
هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدة المعتبرة للعدة والإحداد في حق الحائل من النساء هي أربعة أشهر وعشرا ولا يشترط وجود الحيض في هذه المدة وإنما تنقضي عدة المعتدة المشار إليها وإتمام أربعة أشهر وعشرا لأن الأدلة التي تفيد هذا المعنى من الكتاب والسنة لم تجعل انقضاء عدتها منوطا بشرط حيض ولا غيره وإنما الزمن الوحيد لانقضاء هذه المدة هو أربعة أشهر وعشرا ولأنه لو اعتبر الحيض في حقها لاعتبر ثلاثة قروء كالمطلقة [١٤] .
стр. 15238
والحاصل هو أن زمن الإحداد في حق المتوفى عنها زوجها غير الحبلى هو زمن العدة وزمن العدة في حقها أربعة أشهر وعشرا وإنما هو لكون الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة فتلك مائة وعشرون يوماً وهى أربعة أشهر. وهذا منصوص عليه في حديث ابن مسعود الصحيح ولفظه"حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي وسعيد ... " الحديث [١٥] .
فالحديث دليل على أن النفخ يكون بعد المدة المذكورة في الحديث وهى العشرة التي لم نذكرها هنا فأمرت المعتدة إلى تربص هذه المدة ليستبين الحبل إن كان ثمة حبل هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام وقبل أن نترك هذا المطلب يحسن أن نشير إلى مسألتين لهما علاقة بما نحن فيه.
المسألة الأولى: متى يبدأ الإحداد؟، المسألة الثانية هل المعتبر لخروج المعتدة المتوفى عنها زوجها من عدتها الليالي أو الأَيام في قوله عشراً؟.
فنقول المسألة الأولى متى يبدأ الإحداد اختلف الفقهاء في تحديد الزمن الذي تبدأ فيه المعتدة عدتها وبالتالي إحدادها أهو من وقت موت الزوج أومن وقت علمها؟ على قولين:
стр. 15239
القول الأول للجمهور: وهو أن عدة المتوفى عنها تبدأ من حين موت الزوج وهو زمن وجوب الإحداد عليها سواء علمت بذلك حين الوفاة أولم تعلم إلا بعد ذلك ما لم تنقضي أربعة أشهر وعشرا. فإذا انقضت قبل علمها فلا عدة عليها ولا إحداد وذلك لأن المقصود من العدة هو عدم التزوج وقد وجدوا أيضاًَ العالمة بالوفاة لو مرت عليها أربعة أشهر ولم تحد خرجت من العدة اتفاقا فكذا هنا [١٦] . فالعدة هي مضي المدة وذلك يتحقق بدون علمها فهي وعدة الطلاق سواء. غاية ما في الأمر أنها لم تفعل الإحداد ولكن ذلك لا يمنع من انقضاء العدة كما لو كانت عالمة بموت زوجها.
القول الثاني: عن علي ﵁ وهو أن العدة تبدأ من وقت علمها بالوفاة فعلى هذا لا تجب عليها العدة وكذلك الإحداد إلا إذا علمت بوفاة زوجها حتى ولو مرت على وفاته أربعة أشهر وعشرا قبل علمهَا لم تنقضي عدتها لأن عليها الإحداد ولا يمكنها إقامته إلا بالعلم بموته [١٧] . ولأن هذه العدة تجب بطريق العبادة فلابد من علمها بالسبب لتكون مؤدية للعبادة.
ورد هذا بأن العبادة تبع لا مقصود بدليل أن العدة تجب على الكتابية إذا كانت تحت مسلم وهي لا تخاطب بالعبادات.
وعندي أن العدة تجب عليها من وقت الوفاة لما بيّنا ولأن المقصود براءة الرحم وقد وجدت فلا مجال لإيجاب العدة عليها بعد مرور المدة المنصوص عليها.
المسألة الثانية: هل المعتبر لخروج المعتدة المتوفى عنها زوجها من عدتها الليالي أو الأيام في قوله عشراً؟ المدة المنصوص عليها التي تخرج بها المعتدة من عدتها والحال أنها متوفى عنها هي أربعة أشهر وعشرا وهذا لا خلاف فيه لأنه منصوص عليه وإنما اختلف الفقهاء في أمر واحد وهو الاحتمال الوارد في قوله عشراً فإنه يحتمل أن يكون المراد بذلك الأيام وأن يكون المراد بذلك الليالي ولهذا اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
стр. 15240
القول الأول للجمهور: وهو أن المعتبر في ذلك الأيام مع الليالي لأن الاستعمال في مثل هذا من ذكر عدة الليالي يدخل ما بإزائها من الأيام على ما عرف بالتاريخ حيث يكتب بالليالي فيقال لسبع خلون مثلا ويراد كون عدة الأيام كذلك [١٨] .
القول الثاني: للأوزاعي وعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أن المعتبر في ذلك الليالي دون الأيام فلو تزوجت في يوم العاشر جاز وذلك أخذاً من التذكير [١٩] . فإن جمع المؤنث يذكر وجمع المذكر يؤنث فيقال عشرة أيام وعشر ليال والعدد المختلف هنا هو قوله عشراً فتذكيره دليل على أن المراد بذلك الليالي دون الأيام وهذا واضح من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ . [٢٠] ومن السنة قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". كون المعدود الليالي وإلا لأنّثه.
стр. 15241
والراجح عندي هو القول الأول صحيح أن العدد يذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر إلا أن العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصة على المذكر فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها كما قال الله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ [٢١] يريد بأيامها بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ يريد بلياليها ولهذا لو قرر أحد اعتكاف العشر الأخيرة من رمضان لزمه الليالي والأيام معا. ويقول القائل سرنا عشرا يريد الليالي بأيامها فلم يجز نقلها عن العدد إلى الإباحة بالشك [٢٢] هذا إذا كانت عالمة بوفاته يقينا أما إذا شكت في وقت وفاته فإنها تعتد من الوقت الذي تستيقن فيه بموته لأن العدة يؤخذ فيها بالاحتياط والاحتياط هو الأخذ باليقين وفى الوقت المشكوك فيه لا يقين فلهذا لا تعتد إلا من الوقت المتيقن [٢٣] .
المطلب الثاني: في سبب وجوب الإِحداد:
عرفت قريباً أن الفقهاء مختلفون في وجوب الإحداد على من يجب واختلافهم في الجملة راجع إلى أمرين: المعتدة من الوفاة، والمعتدة من طلاق بائن. فالحنفية يتوسعون في الإيجاب فيوجبون الحداد في الأمرين معاً أعني المعتدة من الوفاة والمعتدة من الطلاق البائن البَينونة الكبرى، والجمهور يضيقون دائرة الإيجاب فيجعلونه خاصاً بالوفاة وتبعا لهذا الاختلاف يكون سبب الإيجاب.
стр. 15242
فعند الحنفية ومن قال بقولهم يكون سببه الوفاة والبينونة الكبرى، وعند الجمهور يكون سببه الوفاة لا غير وإنما كان سبب الوفاة لما يأتي. في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ فالآية دليل على إيجاب العدة على المتوفى عنها زوجها ووجوب العدة عليها يستلزم إيجاب الإحداد وعدم إيجابه على غيرها بدليل قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" هذا من جهة ومن جهة أخرى فالعدة والإحداد يوجبان إظهارا للحزن بفوت النعمة وتعريفاً بقدرها والمراد بالنعمة هنا هي نعمة النكَاح. إذ النكاح كان نعمة عظيمة في حقها فإن الزوج كان سبب صيانتها وعفافها وإيفائها بالنفقة والكسوة والمسكن [٢٤] . ولهذا كان لفراق الزوج أثر في نفسها فما كان من أمر الشارع إلا أن أوجب عليها للزوج حقوقا اظهاراً للمصيبة بموته ومن تلك الحقوق العدة والإحداد هذا في المعتدة من الوفاة. وقد عرفت ما استدل به فقهاء الحنفية لإيجاب الحداد على البائن وهو سبب وجوب عندهم.
المطلب الثالث: في شرح وجوب عدة المتوفى عنها:
стр. 15243
شرط وجوب العدة هو النكاح الصحيح فلا تجب على المنكوحة نكاحا فاسدا ولا الموطوءة بالشبهة ولا الموطوءة بالزنا وإنما تجب على المتوفى عنها زوجها سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخولٍ بها وسواء كانت ممن تحيض أو ممن لا تحيض لعموم قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ ولما تقدم من أن العدة تجب اظهارا للحزن بفوت نعمة النكاح وقد وجد وإنّما شرطنا النكاح الصحيح لأن الله تعالى أوجبها على الأزواج ولا يصير زوجاً حقيقة إلا بالنكاح الصحيح وسواء كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم لعموم النص ولوجود المعنى الذي وجبت من أجله وسواء كانت حرة أو أمة أو مُدبِرة أو مكاتبة فإنه لا يختلف أصل الحكم لأن ما وجبت له لا يختلف [٢٥] . ولم أجد في هذا كله خلافا عند أهل العلم إلا ما كان من أمر الحنابلة من تفصيل في ذلك يحسن ذكره وهو أن الرجل لو مات عن امرأة نكاحها فاسد أن عليها عدة الوفاة وهو ما ذهب إليه القاضي من فقهاء الحنابلة وقد نص على ذلك أحمد في رواية جعفر بن محمد واختارها أبو بكر وقدمها الأكثر لأنه نكاح يلحق بالنسب فوجبت به العدة كالصحيح وقال ابن حامد من الحنابلة لا عدة عليها للوفاة في ذلك لأنه لا يثبت الحمل فلم يوجب العدة كالباطل [٢٦]
стр. 15244
ومن المعلوم أن المنكوحة بنكاح باطل مجمع على بطلانه كنكاح القريبة من النسب ونكاح المحرمة بالمصاهرة أو الرضاع ونحو ذلك لا تجب عليها عدة الوفاة إجماعا [٢٧] . لأن الفقهاء مختلفون في وجوب عدة الوفاة على الموطوءة بشبهة وأكثرهم على عدم وجوبها فإذا كان الأمر كذلك فعدم الوجوب في النكاح الباطل أولى هذا ويشكل على قول الفقهاء القائلين بعدم وجوب العدة على الموطوءة بنكاح فاسد الحكم بوجوب عدة الطلاق على المد خول بها إذ أنه لا فرق بينها وبين المطلقة في هذا المعنى فالمطلقة إذا كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء وإذا لم تكن كذلك فعدتها ثلاثة أشهر وهذه مثلها إذا حصلت الخلوة والإصابة وإن كان بعدها قبل الإصابة فالمنصوص عند الحنابلة أن عليها العدة أيضاً لأنه أجري مجرى الصحيح في لحوق النسب فكذا في العدة [٢٨] . لكن يزول الإشكال إذا عرفنا أن عدة الوفاة إنما تجب على الزوجة دون غيرها وهو منصوص عليه في الكتاب والسنة والمنكوحة بنكاح فاسد ليست بزوجة في الحقيقة فلا تجب عليها عدة الوفاة وإنما وجبت عليها عدة الطلاق لما بينّا من الدليل هذا في العدة والأمر كذلك في الإحداد والحنفية يستثنون الصغيرة والمجنونة والكتابية من ذلك في حين أنهم يرون إيجابَ العدة على الجميع وقد أسلفنا ما يتعلق بذلك قريبا.
المطلب الرابع: في وجوب الحداد على المطلقة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها من الطلاق:
المطلقة لا تخلو من أحد أمرين إما أن تكون رجعية أو بائنا والبائن لا تخلو من أن يكون طلاقها في صحة الزوج وإما أن يكون في حالة مرضه وطبقا لهذا التقسيم يكون الكلام في هذا المطلب ولهذا فقد رأيت أن يكون البحث في جانبين. أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه.
فأما المتفق عليه فهو قسمان:
(أ) الطلاق الرجعي.
(ب) البينونة في حالة الصحة.
стр. 15245
وأما المختلف فيه فهو البينونة في حالة المرض وإليك تحرير المقام والله المستعان.
القسم الأول: من الجانب الأول عدة الرجعية إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها لا خلاف بين أئمة الفتوى في أن الرجعية إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها من الطلاق تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة فيكون ابتداء عدتها من حين وفاة زوجها ولا تعتد بالزمن الذي مضى قبل وفاته والحكم في الإحداد هو نفسه لأنه لا يوجد بوجود العدة وينعدم بعدمها وإنما قلنا بذلك لما يأتي:
(١) أن النكاح قائم بينهما بعد الطلاق الرجعى فكان منتهيا بالموت وبانتهاء النكاح بالموت يلزمها عدة الوفاة.
(٢) أن العدة بعد الطلاق الرجعى تكون بالحيض وهي لا يزول الملك بها إلا بعد تمامها وقد زال بالموت فعليها العدة التي هي من حقوق النكاح وهي عدة الوفاة [٢٩] .
(٣) أن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه فتعتد للوفاة كغير المطلقة إذ الطلاق الرجعي لا يوجب زوال الزوجية وإنما تزول بالموت أو بالبينونة أو بخروج الرجعية من عدتها ومن المعلوم أن موت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة لما بيّنا أكثر من مرة فوجوب عدة الوفاة على الزوجة بعد الطلاق الرجعى لا يختلف عنه قبله ولهذا كله قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك" [٣٠] . وهو كما قال فإنني لم أجد خلافا بين أهل العلم في أن المعتدة الرجعية تستأنف عدة الوفاة إذا مات زوجها في عدتها وتكون عدتها أربعة أشهر وعشرا.
стр. 15246
القسم الثاني: من الجانب الأول في عدة المبتوتة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها وكان الفراق بينهما في حالة الصحة إذا أبان الرجل زوجته في صحته ثم مات عنها قبل انقضاء عدتها لم تنتقل إلى عدة الوفاة وإنما تعتد عدة الطلاق لا أعلم في ذلك بين أهل العلم خلافا وذلك لأن النكاح لم ينتهي بالوفاة هنا وإنما زال الملك بالطلاق والسبب الموجب لعدة الوفاة هو الموت لأن الله تعالى قال: ﴿َيَذَرُونَ أَزْوَاجً﴾ وهذه ليست بزوجة له عند وفاته حتى لا ترث منه بالرجعية شيئاً ولا يلزمها عدة الوفاةأيضا [٣١] فهي أجنبية منه في نكاحه وميراثه وتحل له أختها فلم تعتد لوفاته كما لو انقضت عدتها [٣٢] هذا ما يمكن أن نقوله في هذا الجانب وهو كما ترى متفق عليه بقسميه على ما بيّنا.
وأما الجانب المختلف فيه وهو في حكم عدة المبتوتة في حالة المرض إذا مات زوجها قبل عدتها فقد اختلف الفقهاء في هذا الجانب على قولين ونحن نذكر آراءهم وما استدل به كل فريق ونخلص إلى القول الراجح حسب الإمكان.
стр. 15247
القول الأول: لأبي حنيفة وأحمد ومحمد بن الحسن وسفيان الثوري وهو أن زوج المبتوتة إذا طلقها في مرض موته ثم مات عنها قبل انقضاء عدتها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثةقروء [٣٣] وعلى هذا القول يلزمها الإحداد لأنه تبع لعدة الوفاة وقد وجدت هاهنا وقد استدل أصحاب هذا القول بدليل عقلي وهو أن المبتوتة في مرض الموت ترث زوجها بعد وفاته وميراثها له بعد موته إنما كان بسبب الزوجية وكونه أبانها في مرض موته فهو متهم بحرمانها من الميراث فيلزمها عدة الوفاة كما لو طلقها طلاقا رجعيا وهذا لأنا أعطيناها الميراث باعتبار أن النكاح بمنزلة القائم بينهما حكما إلى وقت موته أو باعتبار إقامة العدة مقام أصل النكاح حكما إذ لابد من قيام السبب عند الموت لاستحقاق الميراث والميراث لا يثبت بالشك والعدة تجب بالشك وإذا جعل في حكم الميراث النكاح كالمنتهي بالموت حكما ففي حكم العدة أولى وسبب وجوب العدة عليها بالحيض متقرر حكما فألزمناها الجمع بينهما [٣٤]
القول الثاني: للمالكية والشافعية وأبي يوسف من الحنفية وأبي ثور وأبي عبيد وابن المنذر وهو أن المبتوتة في مرض الموت تبقى على عدة الطلاق إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها ولا تستأنف عدة الوفاة [٣٥] ، وذلك لأن حكم النكاح انقطع بينهما بالطلاق وسبب وجوب عدة الوفاة انتهاء النكاح بالموت فإذا لم يوجد لا يلزمها عدة الوفاة كما لو كان الطلاق في صحته وإنما أخذت الميراث بحكم الفرار وذلك لا يلزمها عدة الوفاة بدليل المرتد إذا مات أو قتل على ردته ترثه زوجته المسلمة وليس عليها عدة الوفاة لأن زوال النكاح كان بردته لا بموته [٣٦] ، ورد هذا بأن النكاح لما بقي في حق الإرث فبقائه في حق وجوب العدة أولى لأن العدة يحتاط في إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشراً [٣٧] .
стр. 15248
ولهذا نقول أن الراجح عندنا هو القول الأول لما بيّنا ولأن الزوج لما أبانها في مرض موته كان متهما بحرمانها من الميراث فيعاقب بنقيض قصده وهو توريثها من ماله بعد موته فدل على أن علاقة الزوجية لم تنقطع تماماً إذ لو كان الأمر كذلك لما كان لها حق في الميراث وانقطاع الزوجية بالموت لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى فتجب عليها عدة الوفاة لهذا المعنى ويجب عليها الإحداد وكذلك لأن الإحداد تابع للعدة وإنما قال من قال بأن البائن تعتد في هذه الصورة بأطول الأجلين لأن الباَئن وارثة هنا على ما قلنا فيجب عليها أن تعتد للوفاة ومن حيث أنها مطلقة يجب عليها أن تعتد للطلاق فيجب أن تعتد بأطولهما ضرورة فإنها لا تخرج عن العهدة بيقين إلا بذلك [٣٨] . هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن الزوج المريض المطلق لو مات عن زوجته بعد انقضاء عدتها بالحيض أو بالشهور أو بوضع الحمل أو كان طلاقه قبل الدخول لم تجب عليها العدة لموته وبالتالي لا يجب عليها الإحداد لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَ﴾ [٣٩] ، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ [٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [٤١] فهذه الآيات كلها تبين عدة المطلقة بيانا شافيا وهي كما ورد في الآيات على ثلاثة أقسام: إما أن تكون مطلقة قبل الدخول وهذه لا عدة عليها، إما أن تكون مطلقة بعد الدخول وهي ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء أو تكون آيسة أو صغيرة وهذه عدتها ثلاثة أشهر وقد انقضت عدة طلاقها قبل وفاة زوجها فليس ثمة ما يدعو إلى إيجاب عدة الوفاة عليها
стр. 15249
لأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها فلم تجب عليها عدة موته كما لو تزوجت ولا يرد عليه ما قررناه قريبا من وجوب عدة الوفاة على المطلقة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها إذا لم يكن الطلاق في حالة الصحة لأنها لا تحل لغير مطلقها مادامت في عدتها وهذه بخلافها فإنها قد خرجت من عدتها وحل نكاحها لغير زوجها [٤٢] .
المطلب الخامس: في إحداد المتوفى عنها الحامل
عرفت قريبا أن الإحداد يجب على المتوفى عنها زوجها من وقت وفاة زوجها وهذا قول الجمهور وهو ينقضي في حَق الحائل بمرور أربعة أشهر وعشراً كما تم ثبته آنفا.
والأمر كذلك في الحامل فإن الحامل المتوفى عنها تحتسب لها مدة الإحداد من وقت وفاة زوجها وعلى هذا لا يكون فرقا بين الحائل والحامل في هذا المعنى إذ أن الإحداد تابع للعدة والعدة تبدأ من وقت الوفاة بيد أن الحامل تختلف عن الحائل في انقضَاء العدة والإحداد فالحائل تحل للأزواج بعد مرور أربعة أشهر وعشرا على وفاة زوجها وليس الأمر كذلك في الحامل، وعلى هذا نقول متى تنقضي عدة الحامل المتوفى عنها؟ سؤال اختلفت في جوابه كلمة الفقهاء على قولين:
القول الأول: ذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع حملها ولو كان ذلك بعد وفاة زوجها بمدة يسيرة وبالتالي لا يجب عليها الإِحداد بعد وضع حملها لكون وجوب الإحداد تابعا لوجود العدة [٤٣] ، الاستدلال بهذا القول من أربعة طرق:
(١) طريق الكتاب. (٢) طريق السنة.
(٣) الآثار المروية عن بعض الصحابة. (٤) المعقول.
وإليك تحرير المقام في ذلك:
стр. 15250
(١) الاستدلال بالكتاب: استدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [٤٤] . فالآية دليل على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها لأن الأجل المذكور في الآية هو العدة وهو معلق بغاية وهي وضع الحمل والآية شاملة بعمومها لكل حامل سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة وفى هذا يُسر بديع فإن الله تعالى حينما جعل الظرف الزمني لعدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا أخرج من هذا العموم بدليل آخر عدة الحامل فتكون عدتها بوضع حملها وهو ما يعرف في علم الأصول بتخصيص العام والقول بقصرها على عدة الحامل المطلقة دعوى بلا دليل كما سيأتي.
(٢) وأما استدلالهم من السنة فقد استدلوا منها بما يأتي:
(أ) ما روى الجماعة إلا أبا داود وابن ماجة عن أم سلمة: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفى عنها وهى حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه. فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين. فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفِست ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "إنكحي" [٤٥] .
وللجماعة إلا الترمذى في قصة سبيعة قالت: "فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدالي" [٤٦] .
فهذا الحديث دليل على أن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع حملها وهو حديث صحيح لا كلام لأحد في صحته وبانقضاء عدتها بوضع حملها يجوز نكاحها وهو ما صرح به في الحديث فجواز نكاحها دليل على انقضاء عدتها وانقضاء عدتها دليل على عدم وجوب الإحداد عليها بعد وضع حملها فإن قيل الاستدلال بالحديث على محل النزاع فيه نظر وذلك لأَمرين:
стр. 15251
الأمر الأول: ما ورد في قصة سبيعة نفسها من مخالفة ظاهرة لهذا الحديث وهي رواية صحيحة لا مطعن في صحتها ولفظها عند البخاري كما ورد في رواية يونس عن الزهري وهو أن عمر بن عبد الله بن الأرقم كتب إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد ابن خوله فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: "مالي أراكِ تجملتِ للخطاب؟ فإنكِ والله ما أنتِ بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا". قالت سبيعة: "فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج" [٤٧] .
فظاهر هذه الرواية يخالف ما قبلها وذلك أن ما قبلها يفيد أنها مكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبي ﷺ وظاهر هذه الرواية يفيد أنها توجهت إلى النبي ﷺ في اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال فإنها قالت جمعت علي ثيابي حين أمسيت وهذا يدل على أنها توجهت إلى النبي ﷺ في اليوم نفسه فإذا كان الأمر كذلك فالحديث لا يكون دليلا على محل النزاع وإنما يصار إلى الأدلة التي تخالفه كما سيأتي:
والجواب عن هذا الاعتراض بأن الجمع ممكن هنا وهو أولى لأن فيه أخذٌ بالأدلة جميعا وبيان ذلك هو أن نحمل هذه الرواية وهي قولها: "حين أمسيت"على إرادة توجهها ولا يلزم منه أن يكون في ذلك اليوم الذي قال لها فيه ما قال [٤٨] . بذلك تجتمع الأدلة ويحصل الأخذ بها جميعا.
وما كان في الصحيحين مقدم على غيره عند التعارض وعدم إمكان الجمع.
стр. 15252
الأمر الثاني: اختلاف روايات هذا الحديث مما يجعل الناظر فيه يشك في دلالته وذلك أنه ورد بروايات مختلفة في المبنى والمعنى. ففي رواية أنها ولدت قريبا من عشر ليال وفي رواية لأحمد فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت، وفى رواية للبخاري فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، وفى أخرى للنسائي بعشرين ليلة أو خمس عشرة، وفى رواية للترمذي والنسائي فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما ولابن ماجة ببضع وعشرين، وفى ذلك روايات أُخر مختلفة [٤٩] .
والجواب عن ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح بعد ذكر هذه الروايات حيث قال: "والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشرا وهو هنا كذلك فأقل ما قيل في هذه الروايات نصف شهر وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية عشر ليال وفى رواية الطبري ثمان أو سبع فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي ﷺ في مدة بقية الحمل وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهرين وبغيره دون أربعة أشهر [٥٠] .
(٢) ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كنت أنا وابن العباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: افتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين. وقلت أنا: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. قال ابن عباس: ذلك في الطلاق. وقال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة تأخر حملها سنة فما عدتها. قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعنى أبا سلمة فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فذكرت أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ " [٥١] .
стр. 15253
(٣) كما أخرجه ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه من حديث أبي السنابل أن سبيعة وضعت بعد موت زوجها بثلاث وعشرين يوما فقال ﷺ : "قد حَل أجلها" [٥٢] .
(٤) ما روى البخاري أن عبد الله بن عبد الله أخبره عن أبيه أنه "كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها النبي ﷺ فقالت: إذا وضعت أن انكح" [٥٣] .
(٥) روى البخاري عن المسور بن مخرمة "أن سبيعة الأسلمية نُفِست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي ﷺ فأستأذنته أن تنكح فآذن لها فنكحت" [٥٤] .
فهذه الأحاديث قاضية بأن عدة الحامل المتوفى عنها لها غاية وهي وضع حملها فهل لأحد أن يقول بخلاف ما دلت عليه هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي تفيد بمنطوقها ومفهومها ما يفيده ظاهر الكتاب وهو انقضاء عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها.
(٣) الآثار:
وأما الآثار المروية عن بعض الصحابة التي تفيد هذا المعنى فنورد منها ما يأتي:
(١) ما روي عن ابن مسعود "أنه بلغه أن عليا يقول تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهر".
(٢) أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أيضا "أن سورة النساء الصغرى نسخت ما في البقرة".
(٣) أخرج ابن مردويه عنه أن سورة النساء الصغرى نسخت كل عدة.
(٤) أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري. قال: "نزلت سورة النساء الصغرى بعد التي في البقرة بسبع سنين" [٥٥] .
فهذه الآثار مصرحة بأن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عامة في جميع العِدَدِ وأن عموم آية البقرة مخصص بها وهو المراد بالنسخ المذكور في الآثار المذكورة وليس المراد النسخ الاصطلاحي وهو إزالة الحكم الأول وتبديله بحكم آخر بل المراد التخصيص على ما بينا.
стр. 15254
(٤) وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجهين:
الوجه الأول: أن المعتدة المطلقة تنقضي عدتها بوضع حملها إذا كانت حاملا إجماعاً فكذا المتوفى عنها قياسا عليها لأن العدة إنما شرعت في الأصل لمعرفة براءة رحمها من الحمل ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي العدة.
الوجه الثاني: أنه لا خلاف بين أهل العلم في بقاء العدة والمرأة حاملا فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تنقضي العدة بوضعه كما لو كانت الحامل المطلقة [٥٦] .
القول الثاني مروي عن علي وابن عباس وابن مسعود وأبي السنابل وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسحنون من المالكية أن المتوفى عنها الحامل لا تنقضي عدتها بوضع حملها وإنما تعتد أطول الأجلين ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع على اختلاف في نسبة هذا القول إلى هؤلاء الأئمة الأعلام.
وتحرير المقام في ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح وهو أن هذا القول ثابت عن علي ﵁ بإسناد صحيح كما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وليس كما ذكر بعض الفقهاء من أنه مروي عن علي بإسناد منقطع.
أما ابن عباس فالذي يظهر أنه رجع عن هذا القول يحققه أن المنقول عن تلاميذه وفاق الجماعة في ذلك.
كذلك عبد الله ابن مسعود رجع عن قوله أولاً إلى قول الجماعة كما تم ثبته قريبا فإنه قال من شاء باهلته (أي لاعنته) في أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة البقرة.
والأمر كذلك عن أبي السنابل فإنه يظهر من مجموع الطرق في قصة سبيعة أنه رجع عن فتواه أولاً [٥٧] .
ولو فرض أن هؤلاء قالوا كلهم بهذا القول ولم يرجع منهم أحد فلا حجة إلا فيما نقل عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
стр. 15255
وأما ما روى عن سحنون من فقهاء المالكية فقد رده ابن حجر في الفتح بأنه شذوذ مردود لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع [٥٨] .
وحجة من قال بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أطول الأجلين هو الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾ عام في كل من مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها- وقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عام أيضا يشمل المطلقة والمتوفى عنها- فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلهما ثم لم يُهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم لكن قصروه على من مضت عليها المدة ولم تضع فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من الغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم [٥٩] .
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهه:
стр. 15256
الوجه الأول: ما ذكره القرطبي بعد ما ذكر ما في المسألة من خلاف حيث قال بعد إيراد دليل المخالفين للجمهور "والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نُفِست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج فبين بالحديث أن قوله تعالى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن فتكون عدتهن بوضع الحمل ويعتقد هذا بقول ابن مسعود من شاء باهلته أن آية النساء الصغرى نزلت بعد آية عدة الوفاة وليس الأمر كما زعم بعض من زعم من أن كلام ابن مسعود يفيد أن آية الطلاق ناسخة لآية البقرة وإنما يعني كلام ابن مسعود أن آية الطلاق مخصصة لآية البقرة فإنها أخرجت منها بعض ما تناولتها وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدراً توفى بمكة حينئذ وهى حامل وهو الذي رثى له رسول الله ﷺ من أن توفى بمكة [٦٠] .
فكلامه يفيد أن عموم آية البقرة مخصوص بقوله تعالى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لا منسوخا بدليل قصة سبيعة المتفق على صحتها وتخصيص العام وتقييد المطلق أمر شائع عند الأصوليين ولا ضرورة هنا للجمع وهو ما اعتمده أصحاب القول الثاني لأنه تعارض بين النصوص فهذا عام وهذا مخصص فيحمل العام على الخاص ويخرج من عمومه ما دل عليه هذا الخاص.
أضف إلى هذا ما قاله أبو عمر بن عبد البر تعقيبا على هذه المسألة "لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين وقد اجتمعتا في الحامل والمتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها إلا بيقين واليقين آخر الأجلين [٦١] .
стр. 15257
الوجه الثاني: لو سلمنا بوجود التعارض وعدم التخصيص لم نسلم بأن آية البقرة عامة لأنه تقرر في الأصول أن الجموع المنكرّة لا عموم فيها وآية البقرة من ذلك القبيل فلا إشكال.
الوجه الثالث: لو سلمنا بالعموم وسلمنا بالتعارض وعدم التخصيص لم نسلم بأن عدة الحامل المتوفى عنها لا تنقضي بوضع حملها بدليل آخر وهو ما تفيده الأحاديث الصحيحة الصريحة فإنه لا يمكن التخلص منها بوجه من الوجوه [٦٢] .
هذا ما يمكن أن يجاب به عن هذا الاستدلال والحق صراح لا غبار عليه وإن اشتبه أحيانا في بعض المسائل الفرعية لتكافؤ الأدلة إلا أن هذا المعنى لا يوجد هنا ولهذا فإن الراجح عندنا هو القول الأول لما ذكرنا من الكتاب والسنة والآثار المروية عن بعض الصحابة والمعقول وقصة سبيعة نص في هذا المعنى وهي قصة صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما وهي كافية في الاستدلال بوضع حملها لو لم يوجد غيرها زد على هذا أن أئمة الفتوى أجمعوا على أن المطلقة الحامل تنقضي عدتها فأي فرق بين هذه وتلك؟. وأيضا مما يرجح مذهب الجمهور أن الآيتين وإن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه فكان الإحتياط أن لا تنقضي العدة إلا بآخر الأجلين لكن لما كان المعنى المقصود الأصلي من العدَة براءة الرحم ولاسيما فيمن تحيض فإنه يحصل المطلوب بالوضع وهو ما دل عليه حديث سبيعة ويقويه قول ابن مسعود في تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة [٦٣] .
وكذلك يترجح مذهب الجمهور بما روي عن أبيّ بن كعب قال قلت يا رسول الله ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها زوجها فقال:"هي للمطلقة وللمتوفى عنها زوجها "رواه أحمد والدارقطني.
стр. 15258
فهذا الحديث نص في محل النزل وهو موافق لما تم ثبته قريبا من الأحاديث القاضية بأن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع حملها بل هو أدل على محل النزاع لأنه جواب عن سؤال السائل فالمقام مقام بيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] فتح الباري جـ ٩ ص ٤٨٧.
[٢] نيل الأوطار جـ٦ ص٣٣١.
[٣] المغنى جـ٧ ص ٤٧٠.
[٤] سورة الأحزاب "٤٩ ".
[٥] سنن أبى داود جـ ٢ ص ٥٨٨. جامع الترمذي جـ٥ ص١١٤. وسنن النسائي جـ ٦ص١٢١. سنن ابن ماجة جـ١ ص ١٨٩.
[٦] المغنىجـ٧ ص ٤٧٠ وما بعدها.
[٧] فتح الباري جـ٩ ص ٤٨٧.
[٨] فتح الباري جـ٩ ص ٤٨٧.
[٩] فتح الباري جـ ٩ ص ٤٨٤.
[١٠] شرح معاني الآثار للطحاوي جـ٣ ص ٧٥.
[١١] تعليق بياض السنن الكبرى للبيهقي جـ٧ صر ٤٣٨.
[١٢] تعليق بياض السنن الكبرى للبيهقي ج٤ ص٤٣٨.
[١٣] أنظر الفتح ج٩ ص ٤٨٧.
[١٤] المغنى ج ٧ ص ٤٧١.
[١٥] صحيح مسلم ج ٤ ص ٣٦ ٠ ٢.
[١٦] مواهب الجليل ج ٤ص٥٣ ١ ١، المهذب ج٢ ص ١٨٦، المغنى ج٧ ص ٤٧١.
[١٧] فتح القدير ج ص ٣١٣.
[١٨] فتح القدير ج٤ ص ٣١٣، المغنى ج ٧ ص ٤٧١.
[١٩] فتح القدير ج ٤ص ٣١٣، المغنى ج ٧ ص ٤٧١، المبسوط ج ٦ص ا ٣.
[٢٠] سورة البقرة "٢٣٤ ".
[٢١] سورة آل عمران "٤١ ".
[٢٢] المغنى ج٧ ص ٤٧١.
[٢٣] المبسوط ج ٦ ص ٣٩.
[٢٤] بدائع الصنائع جـ٣ ص ١٩٢.
[٢٥] بدائع الصنائع جـ ٣ ص ١٩٢، نهاية المحتاج جـ٧ ص ١٢٦، شرح الخرشي جـ ٤ ص ١٤٣.
[٢٦] المبدع جـ ص ١١٥.
[٢٧] المصدر السابق.
[٢٨] المصدر السابق.
[٢٩] المبسوط جـ٦ ص ٣٩، مغنى المحتاج جـ٣ ص ٣٩٦، نهاية المحتاج جـ ٧ ص ٤٦ ١، شرح الخرشي جـ ٤ ص ٤٦ ١.
[٣٠] المغنى جـ٧ ص٧٢ ٤.
стр. 15259
[٣١] المبسوط جـ٦ ص ٣٩، المغنى جـ ٧ ص ٤٧٢، شرح الخرشي جـ ٤ ص١٤٦، نهاية المحتاج جـ ٧ ص ٤٦ ١.
[٣٢] المبدع جـ ٨ صح١١٤.
[٣٣] المغنى جـ ٧ ص ٤٧٢، المبسوط جـ ٦ص ٤٣.
[٣٤] المبسوط جـ٦ ص ٤٤.
[٣٥] نهاية المحتاج جـ٧ ص ٤٦ ١، مغنى المحتاج جـ٣ ص ٣٩٦، شرح الخرشي جـ٤ ص ٤٦ ١، والمغنى جـ٧ ص ٤٧٢، المبسوط جـ٦ ص ٤٣.
[٣٦] المبسوط جـ٦ ص ٤٣.
[٣٧] بدائع الصنائع جـ٣ ص ٢٠٠.
[٣٨] المبدع جـ٨ ص ١١٤.
[٣٩] سبق تخريجها.
[٤٠] سورة البقرة "٢٢٨ ".
[٤١] سورة الطلاق "٤ ".
[٤٢] المغنى جـ٧ ص ٤٧٢.
[٤٣] تبيين الحقائق جـ ٣ ص ٢٨، بدائع الصنائع جـ٣ ص ١٩٢، المغنىجـ٧ ص ٤٨٣، الخرشي جـ٤ ص ٤٣ ١، مغنى المحتاج جـ٣ ص ٣٨٨.
[٤٤] سورة الطلاق "٤ ".
[٤٥] صحيح البخاري جـ ٧ ص ٧٢، صحيح مسلم جـ٤ ص ٤٨ ١، سنن النسائي جـ٦ص ١٩٦، جامع الترمذى جـ ٢ص ٣٣٢، وسنن ابن ماجة جـ ٧ ص ٢ ٠ ٢ مسند أحمدجـ٦ ص ٤٣٢
[٤٦] المصادر السابقة وسنن أبي داود جـ ٢ ص٧٢٨.
[٤٧] سبق تخريجه.
[٤٨] نبيل الأوطار جـ ٦ص ٣٢٣، فتح الباري جـ٩ ص٤٧٣.
[٤٩] المصدرين السابقين
[٥٠] فتح الباري جـ٩ ص ٤٧٣.
[٥١] سبق تخريجه.
[٥٢] نيل الأوطار جـ ٦ ص هـ ٣٢.
[٥٣] صحيح البخاري مع فتح الباري جـ٩ ص ٤٦٩.
[٥٤] المصدر السابق
[٥٥] أنظر هذه الآثار في نيل الأوطار جـ٦ ص٥ ٣٢.
[٥٦] أنظر المغنى جـ ٧ ص ٤٧٤.
[٥٧] أنظر فتح الباري جـ٩ ص ٤٧٤.
[٥٨] المصدر السابق.
[٥٩] فتح الباري المصدر السابق.
[٦٠] أنظر الجامع لأحكام القرآن جـ٣ ص هـ ١٧.
[٦١] فتح الباري جـ٩ ص ٤٧٤.
[٦٢] نيل الأوطار جـ٦ ص ٣٢٥.
[٦٣] فتح الباري جـ ٩ ص ٤٧٤.
стр. 15260
نظامُ الإثبَات في الفِقهِ الإسلاَمي
(٥)
دراسة مقارنة
للدكتور عوض عبد الله أبو بكر
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
الإِثبات بالكتابة:
تأتي أهمية الكتابة لكونها وسيلة كبرى من وسائل المعرفة، وأداة هامة لتبليغ المعاني، وتقدم بما تقدم به الألفاظ في بيان المقاصد والأهداف. ولعله لا يخفى على عاقل أهمية الكتابة واعتماد الأمة عليها في دينها ودنياها.
فقد اعتمد خيار هذه الأمة وسلفها من الصحابة الكرام على الكتابة، فوافقوا مجتمعين على تدوين كتاب الله الذي هو شرع هذه الأمة ودستورها. كما أن المصدر الثاني من التشريع وهو سنة رسول الله ﷺ قد نقل إلينا مكتوبا حفظته كتب السنن. وصدق الإمام ابن القيم ﵀ حين قال: "ولو لم يعتمد على ذلك- أي الكتابة- لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله ﷺ ، فليس بأيدي الناس- بعد كتاب الله- إلا هذه النسخ الموجودة من السنن، وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ" [١] .
ومن عناية الشارع الكريم بالكتابة جعلها وسيلة لإثبات الحقوق، حيث أرشد المولى إلى كتابة الحقوق في أطول آية في القرآن وهى آية الدين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ....﴾ الآية (البقرة: ٢٨٢) .
стр. 15261
فإذا كانت هذه الأمة قد أرشدت إلى كتابة الدين وأمرت بتوثيقه، لكون ذلك أحفظ للمال، وقاطعا لطريق إنكاره، فلننظر إلى أي مدى أخذ الفقهاء بهذا الأمر، فهل حملوه على الوجوب بحيث لا يصح إثبات الدَّين إلا بالكتابة والإشهاد عليه، أم هذه للندب والإرشاد فيجوز ترك الكتابة عند ائتمان المدين والوثوق بصدقه؟
(١) ذهب فريق من الفقهاء إلى أن كتابة الديون الآجلة والإشهاد عليها قد كانا واجبين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوه﴾ ولكن قد نسخ الله هذا الوجوب بقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ... ﴾ الآية (البقرة: ٢٨٣) . روي هذا القول عن الشعبي والحسن [٢] .
(٢) قال آخرون: هذه الآية محكمة ولم ينسخ منها شيء، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا والله آية الدين محكمة، وما فيها نسخ". وعن أبي بردة عن أبي موسى قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم، رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (النساء: هـ) ، ورجل له على رجل دين فلم يشهد عليه". قال الجصاص: "قال أبو بكر: وقد روي هذا الحديث مرفوعا إلى النبي ﷺ ".
وروي عن الضحاك عن الذي لم يكتب دينه الآجل ولم يشهد عليه: "إن ذهب حقه لم يؤجر وإن دعا لم يجب لأنه ترك حق الله وأمره".
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ . (البقرة: ٢٨٢) . يعني أشهدوا على حقوقكم إذا كان فيها أجل أولم يكن أجل، فأشهد على حقك على كل حال [٣] .
стр. 15262
فعلى قول هؤلاء فإن الأمر هنا محمول على الوجوب ولابد للدائن من إثبات دينه كتابة إذا كان الدين مؤجلا، فإن لم يكتبه فقد خالف أمر الله الوارد في الآية، وضيع حقه بتفريطه في التوثيق لماله. ولا وجه لمطالبته عند إنكار مدينه للدين لأنه ما أعد عدته لهذا الإنكار.
(٣) وهذا هو قول الجمهور: إن الأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ والأمر بالإشهاد في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وفي ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ لا يخلو من أن يكون موجبا لكتابة الديون الآجلة والإشهاد عليها حال نزولها، وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى أن نسخ إيجابه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، أو يكون نزول الجميع معا، فإن كان كذلك فليس جائزا أن يكون المراد بالكتابة والإشهاد الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد، إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره.
ولماّ لم يثبت تاريخ نزول هذين الحكمين- الأمر بالكتابة والإشهاد- وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وجب الحكم بورودهما معا، فلم يرد الأمر بالكتابة والإشهاد إلا مقرونا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة ليس للوجوب إنما هو للندب أي تندب الكتابة.
أما قول ابن عباس ﵄: "أن الآية محكمة ولم ينسخ منها شيء"، فلا دلالة فيه على أنه يرى وجوب الكتابة والإشهاد إنما يريد أن الجميع قد ورد معا ونسق التلاوة يقتضي أن يكون ذلك مندوبا وهو ورود قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ .
стр. 15263
وكذلك ما روي عن أبي موسى: ثلاثة لا يستجاب لهم من له على رجل دين فلم يشهد عليه، فلا دلالة فيه أيضا على وجوب الكتابة والإشهاد لأنه قد ذكر معه من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ولا خلاف في أن ذلك ليس بواجب، بل يقال أنه تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل الله له فيه المخرج والخلاص.
ويؤيد صحة مذهب الجمهور في ندب الكتابة وعدم الوجوب أنه لم تنقل إلينا كتابة الصحابة والتابعين وسلف الأمة لديونهم أوبيوعهم أو عقودهم مع حاجتهم لها، لم ينقل نكيرهم أو اعتراضهم على من ترك الكتابة، فلو كانت الكتابة واجبة لنقل ذلك نقلا مستفيضا ولتواتر إنكارهم على تاركها. فدل عدم النقل وعدم إظهار النكير على أن آية الكتابة ليست واجبة إنما ورد الأمر في هذه الآية للندب والاحتياط حتى لا يقع جحود أو نسيان [٤] .
حجية الكتابة في الإِثبات:
إذا كنا قد تناولنا آراء الفقهاء في كتابة الديون من حيث الوجوب وعدمه، ورأينا أن البعض يرى الوجوب والبعض الآخر يرى نسخ الوجوب، والجمهور يرى ندب الكتابة من غير نسخ، فهل تكفي الكتابة دليلا في الإثبات، وما قيمة السند المكتوب وما مدى حجيته على ما دُوِّن فيه؟ وهل يحكم القاضي بما هو مسطور في السند متى ما رفع إليه سند يتضمن حقا من الحقوق وليس عليه أن يقبل أي طعن في صحته وصحة ما حمله السند؟.
لاشك أن الكتابة المشار إليها في الآية الكريمة أصبحت مستندا خطيا لأن المكتوب يحوي إقرارا بما تضمنه السند موقعا عليه من المدين المقر وبشهادة كاتب السند أو الشهود الذين وقعوا على صحة إقرار المدين بالسند وعليه فإن حجية السند هنا تأتي من توقيع المقر والإشهاد فقويت دلالته على الحق، ولاشك أن الفقهاء عاملوا الإقرار بالكتابة معاملة الإقرار باللسان سواء بسواء.
стр. 15264
غير أننا نلاحظ خلافا بين الفقهاء في قبول الكتابة كدليل إثبات للحقوق، والذي يبدو لي من أغلب عباراتهم أنهم يقصدون المكتوب الذي لم يشهد عليه كإقراره بدين أو بحق لآخر بخط يده، أو كتابته لهبة لم يشهد عليها، وكذلك الأوراق التي لا تصدر من جهة رسمية، فإن بعض الفقهاء يرون أن مثل هذه المكاتيب لا يثبت القاضي بها ما تضمنته من حقوق لعدم تيقن صدورها من المنسوبة إليه ولإمكان تزوير الخطوط.
وقد أبرز ابن القيم ﵀ هذا الخلاف في كتابه الطرق الحكمية في فصل (الطريق الثالث والعشرون- الحكم بالخط المجرد) ومن أقواله في ذلك:
"أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه والعمل به فقد اختلف في ذلك، فعن أحمد ثلاث روايات، إحداهن: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه وإن لم يذكره، والثانية: أنه لا ينفذه حتى يذكره، والثالثة: أنه إذا كان في حرزه وحفظه نفذه وإلا فلا".
"والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يعتمد على الخط لا في الحكم ولا في الشهادة، وفى مذهبه وجه آخر أنه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظا عنده كالرواية الثالثة عن أحمد".
"وأما مذهب أبي حنيفة، فقال الخفاف، قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظه- كإقرار الرجل بحق من الحقوق- وهولا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنه لا يحكم بذلك ولا ينفذه حتى يذكره".
"وأما مذهب مالك فقال في الجواهر: لا يعتمد على الخط إذا لم يذكره لإمكان التزوير عليه".
"وقال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها أو أعلم بها أحدا، هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط فإنه ينفذ ما فيها".
"قال القاضي: وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة لأنها عمل، والشهادة على العمل طريقها الرؤية".
стр. 15265
"وأجاز مالك الشهادة على الخطوط..... وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط، وقال الطحاوي خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله شذوذا" [٥] .
يظهر من هذا النقل أن بعض الفقهاء يتحرجون من الإثبات بالكتابة ويرون أنها لا تصلح دليلا يعتمد عليه، وكما قدمت أن الشبهة التي يعتمد عليها هذا الفريق من الفقهاء في رد الدليل الكتابي هي تشابه الخطوط وإمكان محاكاتها وتزويرها، ولذا يجب على القاضي ألا يبني حكمه على مجرد الخط. ولعل هؤلاء يدور بخلدهم قصة عثمان ﵁ والفتنة التي أدت إلى مقتله، فإن المتسببين في قتله- كما يحكي لنا التاريخ الإسلامي- قد صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه فكان ما كان.
غير أن أدلة هؤلاء المانعين للإثبات بالكتابة تضعف تماما أمام الحجج الواضحة التي أوردها المجيزون للإثبات بالكتابة والتي تقوم- زيادة على ما قدمنا من ندب الله لكتابة الديون بسبب القرض أو بسبب عقد مالي- على:
أولاً: أن النبي ﷺ كان يبعث بكتبه ورسائله إلى الملوك وغيرهم وتقوم بها حجته، وفى الجامع للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قالوا: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة كأني أنظر إلى وبيصه ونقشه محمد رسول الله [٦] .
ثانيا: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" [٧] .
قال ابن القيم: "ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة" [٨] .
ثالثا: كُتُب النبي ﷺ إلى أهل خيبر: "إما أن يدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب" [٩] .
следующие страницы →