← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15296–15335 · переход к 15301.

стр. 15296

ثم يذهب ﵀ إلى أبعد من ذلك، فيرى أن كلمة التوحيد الصحيحة ونشرها، والعمل بها بين المسلمين، لو تمت على يد أعدائه، لكان فرحا بذلك، ولاتحد معهم، وسار في طريقهم، وإن تمت على يده اعتبر ذلك منّة، وفضلا من الله . "وإني أجاهد لإعلاء كلمة التوحيد، والحرص عليها، وأحب أن أراها قائمة ولو على يد أعدائي، وإن تمَت على يدي فذلك من فضل الله" [٧] . * * * * * * كان ﵀ في كل اجتماعاته الخاصة والعامة، بين أهله وخاصته، أوبين أهل البلاد، حينما يلتقي بهم في كل مناسبة، أوفي اجتماعاته الدولية بين عامة المسلمين، يوصي بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن يجتمع الناس عليهما وأن يعملوا بما فيهما، فليس في الحياة أمر إلا وتعرض له القرآن الكريم ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ والسنة الشريفة، وليس هناك خصلة مفيدة ونافعة إلا يدعوان إليها. خطب يوما أهل مكة فكان مما قاله: "ولكن هناك نعمة حقيقية لا تزول، وخزينة لا ينضب معينها، هي الاعتقاد بأن لا إله إلا الله، وهذه النعمة مشروعة في كل مكان، ولكنها لهذه البقعة المباركة ألزم، لأن الحسنات والسيئات تتضاعف فيها، ولأن الله أختارها لتكون مهبطا للوحي، وجعل زيارة حرمها من أركان الإسلام". وقال ﵀ حينما جاء إلى المدينة المنورة، وسلم على رسول ﷺ ، وصلى بالمسجد النبوي، ثم خطب الناس فكان مما قاله: "وإن خطتي التي سرت، ولا أزال أسير عليها، هي إقامة الشريعة السمحاء، كما أنني أرى من واجبي ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف". وخطب يوما في حجاج بيت الله الحرام فقال في خطبة طويلة:

стр. 15297

"والمقصود من هذا الاجتماع هو أن نحدد اسم الإسلام، ونعمل بمعناه، والإسلام معناه: الاستسلام لله تعالى، والطاعة له، والإيمان بكتابه ورسله، وقواعد الإسلام قائمة على كتاب الله، وسنة رسوله، وأعمال الخلفاء الراشدين، وما اتفق عليه الصحَابة الكرام، وما جاء به فيما بعد الأئمة الأربعة فهو حق لا نحيد عن ذلك قط" [٨] . ولقد ظهر جماعة من المتفرنجين من المسلمين، يدعون إلى ما يسمونه بالتجديد، وإلى الأخذ بكل ما في الغرب، ونادوا بالخروج على تقاليد الدين الإسلامي الحنيف، ودعوا الشرق بأن يسير وراء الغرب، وكانوا مغرضين في ذلك، فانبرى لهم الإمام ﵀، ففند مزاعمهم، وسفه أحلامهم، ورد عليهم بالحجة والدليل والمنطق في كَثير مما قاله في خطبه ومجالسه ومنتداه. قال ﵀: "يقول كثير من المسلمين: يجب أن نتقدم في مضمار المدنية والحضارة، وإنّ تأخُرَنا ناشئ من عدم سيرنا في هذا الطريق، وهذا ادعاء باطل، فالإسلام قد أمرنا بأخذ ما يفيدنا ويقوينا على شرط أن لا يفسد علينا عقائدنا وشيمتنا، فإذا أردنا التقدم يجب أن نتبع الإسلام، وإلا كان الشر كل الشر في اتباع غيره" [٩] . "يقولون: (الحرية) ويدعي البعض أنها من أوضاع الأوربيين، والحقيقة أن القرآن الكريم قد جاء بالحرية التامة الكافلة لحقوق الناس جميعا، وجاء بالإخاء والمساواة المطلقة التي لم تحلم بها أمة من الأمم، فآخى بين الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والغني والفقير، وساوى بينهم [١٠] . ويقولون التمدن والمدنية الأوربية هي الغاية القصوى، وهذا وهم باطل، فإن الله جعل من كل شيء أفضله مباحا لنا، وأحب شيء إلينا هو العمل الخالص، والنية الحسنة" [١١] .

стр. 15298

"إننا لا نبغي التجديد"الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا ... إننا نبغي مرضاة الله ، ومن عمل ابتغاء مرضاة الله، فهو حسبه، وهو ناصره، فالمسلمون لا يعوزهم التجديد، وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح" [١٢] . ولقد بدأ ﵀ بالدور العملي في تنفيذ حدود الله في جميع مناحي الحياة، وعلى الجميع، لا فرق بين غني وفقير، وأمير وغير أمير، وأصبح الناس كلهم سواء أمام القانون السماوي، وهدد أولئك الذين قد تحدثهم أنفسهم بالفوضى، والمضاربة بالأقوال، والتلاعب بالكلمات والألفاظ، ويظهرون الأمور على ما ليست عليه، لقد حذرهم فكان مما قاله: "إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزعات الشيطان، والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار، فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرا أو كبيرا، وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره" [١٣] . لقد شغل بال الملك عبد العزيز الأمن والسكينة في هذه البلاد المترامية الأطراف، الواسعة المساحة، وللبادية وسكانها خطرهم، فهم منتشرون في مساحات شاسعة بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وما بين خليج عدن، وما يقابله في الشمال. هذه المساحة الكبيرة لم تر الأمن والسكينة من زمن بعيد، فقد رجعت عناصر الشر إلى عاداتها وطبائعها، إذا استثنينا فترات قصيرة، كانت بمثابة هدنة. وفي العهد التركي وعهد الشريف أصبحت أشد خطرا، وأعظم فتكا، فليس هناك ما يردعهم، أو يقلم أظافرهم، ولأن البلاد ممزقة بسبب الثأرات بين القبائل، فكانت الإغارة والسلب والنهب والقتل من المهن المعترف بها، وكان أهل البادية دائما يتربصون بالقوافل وقطعان الماشية الدوائر.

стр. 15299

ولكي يأمن التاجر على نفسه وما معه إذا كان يجتاز الصحراء، عليه أن يدفع الإتاوات على طول الطريق الذي يمر به، فالتاجر الذي يجيء من البحرين مثلا يدفع قبل أن تطأ رجله العقير إتاوة للعجمان، ومن العقير إلى النخل خمسة أميال، أتاوة للمناصير، وكذلك أم الذر وبني هاجر ... وإذا فاز التاجر بحياته وبقى شيء في كيسه فمن المؤكد أن أحماله لا تصل كلها إلى المكان الذي يريده. وكان في عهد الترك إذا خرج العسكر لتأديب جماعة من هؤلاء البدو، يطاردهم البدو، فيغلبونهم، ويأخذون خيلهم وثيابهم، ويرجعونهم إلى مكان إقامتهم حفاة عراة. والأدهى والأمر ما كان يصنع بحجاج بيت الله الحرام، كانوا عرضة للسلب والنهب والقتل، وكان الحجاج يخرجون من بلادهم، ولا أمل لهم في العودة، وقد حملوا معهم أكفانهم، فكانوا في جهاد وقتال مع أهل البادية الذين يأخذون منهم ما يطلبون، ولم يكونوا يكتفون بما أخذوا بل كانوا يغيرون على مؤخرات القوافل يسلبون ويقتلون، ولا أحد يستطيع أن يغير شيئا مما كان يحدث. حتى أرض الحجاز لم تسلم من بطش أهل البادية في معظم جهاتها، والعلة في ذلك أن حكام الحجاز لم يكونوا على كثير من الحكمة والسياسة التي تلائم العرف عند القبائل، أو لم يكونوا متفرغين للأمن، ولم يكن يجدي ما يدفعون من أموال، فقد كانت القبائل تأخذ الأموال، ولا تمتنع عن السلب والنهب، ولم يخطر على بال أحد منهم أن يحكم الشريعة الإسلامية، لذلك فإن الفوضى الأمنية قد عمت جل البلاد، فمثلا طرق المدينة المنورة لم يكن في الاستطاعة أن يقام فيها الأمن وأن يستتب، فكانت مسرحا لحوادث جسام، فالقبائل تعتدي على الحجاج، وتسلب ما معهم، وقد تفرض عليهم إتاوات كبيرة. يقول الصحفي المصري محمود أبو الفتح- ﵀ في صحيفة الأهرام عام ١٩٣٠ م:

стр. 15300

"كان بعض الأعراب يذبحون الحاج وإن كان فقيراً لاستلاب ما معه، وكانوا يذبحون الحاج في رابعة النهار، ولم يسلم من أذاهم أحد، ولمَ يجدوا من يردعهم، فعاثوا فسادا، حتى كان المسلم يخرج وهو لا يدري أيعود إلى وطنه أم يقتله السفاحون" [١٤] . وحتى أهل البادية، لم يكونوا في صفاء مع أنفسهم، كانوا متفرقين مختلفين، تزداد العداوة والبغضاء بينهم نُموا يوما بعد يوم، يقتل بعضهم بعضا لأتفه الأسباب، ويأكل القوي منهم الضعيف، تنشب المعارك الضارية، فيقتل منهم العشرات، لا ينامون على خير، بل يعدون للشر والانتقام، ويندفعون للتخريب لذلك لم يهدأوا ولم يأمنوا، وكانوا يسيرون في جماعات حاملين السلاح، وكأنما رجعت الجاهلية الأولى فاشتعلت نار الفتن، وتقطعت الأرحام وتواثبوا في الأسواق، وعلى حدود القبائل، وخاف بعضهم بعضا، فحملوا السلاح ليلا ونهارا. يقول صاحب كتاب "عنوان المجد": "كانت الفتن مستمرة، والغارات دائمة بين القبائل ففي ١٢٣٩ هـ وقعت فتن وقتل رجال، وأخذت أموال من كل بلد وناحية من القصيم والعارض والخرج والجنوب وغير ذلك. وكان بعض القَبائل يغير على القرى والمدن ففي ١٢٣٧ هـ مثلا أغارت بوادي سبيع على- قرية- منفوحة، وأخذوها عنوة ونهبوا وسلبوا النساء، وقطعوا الثمار واستولوا على البلد ... وعم القتل في هذه السنة في القصيم وسدير والوشم والعارض والخرج والجنوب" [١٥] . وهكذا فقد ساد الجزيرة فوضى، رجع الناس بسببها إلى ما كان قبل بعثة الرسول ﷺ .

стр. 15301

استرشد الملك عبد العزيز برأي الدين في معالجة كل أموره، وبما هداه الله إليه من عمل، ووهبه من ذكاء وخبرة، لم يلجأ ﵀ في أول الأمر إلى القوة واستخدام السيف للخارجين على الدين، والعابثين في الأرض فسادا، وكان الخطر الداهم على البلاد من البادية، لأن أهلها جُبلوا على عادات وطباع خاصة، هم في حاجة إلى علاج ناجع يحسم الداء، ويجعل منهم مجتمعا صالحا للحياتين. لقد رأى أن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، وأن لهذا الدين سحراً عجيباً في قيادة الناس على اختلاف مشاربهم وحياتهم، وأنه هو الذي صنع من أهل البادية أعظم أمة عرفها التاريخ، وأن الناس حينما تخلوا عن مبادئ هذا الدين الحنيف، تخلى الله عنهم فتاهوا في الظلمات سنين طويلة، أما وقد وفق الله لإقامة شعائر هذا الدين، فقد رأى الإمام والملك المصلح- ﵀ تبصير أهل البادية بأمر دينهم، وجمع كلمتهم على هدى الإسلام. لقد أرسل إليهم من يبصرهم بأمر دينهم، ويرشدهم إلى الطاعات، فكان في كل قبيلة من قبائل البدو الرحالة والمستقرة من يعلم الناس أصول هذا الدين القويم، ويوجههم إلى ما ينفعهم في حياتهم، ويجيب عما يسألون عنه في أمور الدنيا والآخرة، فالتفوا حوله، وشغلوا بالعمل الصالح، وأصبح له مكانة كبيرة في نفوسهم، وصار يخطب لهم يوم الجمعة وكل المناسبات الدينية كالعيدين والاستسقاء وغيرهما، ويصلي بهم، ويعلم أبناءهم، ويفتي كبارهم، ويعقد الزواج، وبقسم المواريث، ويتوسط في حل المشاكل.

стр. 15302

ورأى الملك عبد العزيز- ﵀ أن عامل الحالة الاجتماعية يساعد كثيرا على الاستقرار ويقوي الناحية الدينية، ويسد الطريق على من تحدثه نفسه بأن يسلك طريقا غير مشروع لجلب الرزق، فأراد أن ينتقل بالبدو من حياة البادية المتنقلة، إلى حياة الهِجَر، ليتركوا حياة السفر والتنقل من مكان إلى آخر قد يجدون فيه ما يسد رمقهم، وقد لا يجدون، فيميلون إلى السطو والنهب أراد أن ينتقل بهم إلى حياة السكون والاستقرار، وليتركوا حياة الرعي إلى حياة الزراعة والرعي. وأنشئت الهجرة الأولى على آبار الأرطاوية على طريق بين الزلفي والكويت عام ١٣٣٠ هـ، وأصبحت خلال بضع سنوات مدنا فيها من السكان ما يزيد على العشرين ألفاً، ثم تلي الأرطاوية حركة عامة بين البدو لترك حياتهم البدوية والسكنى في قرى جديدة، كانوا ينشئونها بمعونة من بيت مال المسلمين، تحفر البئر ويبنى المسجد الذي هو مجتمع القرية ومدرستها، وكانت السرعة هي الرائد في كل ما يقومون به من أعمال. وهكذا فقد أصبحت المساجد غاصة بأهلها ممن تركوا الخرافات والبدع وعادات الجاهلية، وواظبوا على الصلاة في أوقاتها، وتواصوا بالأخلاق الإسلامية الصحيحة التي تحث على الفضيلة والإيمان. وأصبحت الزراعة هي موردهم الذي منه يأكلون ويتاجرون ويربحون، فتكونت عندهم الثروات والمال الكثير، وفي نفس الوقت فقد انتشرت المعسكرات، ليكوّنوا من الشباب أمة مسلمة تدافع عن مبادئها، وترد كيد كل من يحاول أن ينال من دولتهم الفتية بقيادة قائدهم الأعظم عبد العزيز آل سعود، وهم على استعداد للقتال معه في أي وقت.

стр. 15303

لقد كانت خطة الإمام عبد العزيز منذ تولى إمارة الرياض، أن ينفذ حكم الله في كل من خرج على حدوده، فَكان يتتبع الجرائم الكبيرة بنفسه، ويتعقبها، ويحث جهات الاختصاص على رفع نتائج الحوادث وتطورها إليه أولا فأولا، ويصدر أوامره بشأنها، ويشفع كل ذلك بالحزم والدقة حتى تنكشف الجناية، وكان إذا عرضت عليه قضية درسها من جميع الوجوه بما له من علم ومعرفة وخبرة وذكاء مبينا ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ثم يصدر حكمه. وكان كثيرا ما يقرأ ظروف وملابسات كل قضية يطلب منه التصديق عليها، وقد يعيد الحكم فيها، من ذلك ما رفع إليه من قضية طُلِبَ منه التصديق على حكم أصدرته إحدى المحاكم الشرعية، بإعدام جندي قتل زوجته وجنديا آخر، وكان تنفيذ الحكم معلقا على موافقة الإمام. درس ﵀ القضية، فظهر له أن الزوجة كانت قد غابت عن بيتها أياما، وبحث عنها زوجها فوجدها عند أحد الجنود، فأطلق عليها الرصاص وسألته المحكمة، فأقر بالقتل، ولم يحسن الدفاع عن نفسه فحكمت المحكمة بإعدامه. ولم يكد ينتهي من القضية، حتى دعا رئيس المحكمة إليه فقال له: "ألم تقرأ الحديث الذي فيه "إنني أغيركم، والله أغير مني"" [١٦] . ثم أطلق القاتل لأنه كان يدافع عن عرضه. وهذا من توفيق الله [١٧] . ولما اتسعت البلاد، جعل لكل ناحية أميرا، وكان على كل أمير أن يجمع رؤساء القبائل والعشائر، ويؤمنهم على أنفسهم ومعيشتهم، ويشترط عليهم أن يكونوا قادرين على حفظ الأمن في حدود أراضى قبيلتهم، وكل حادثة تحدث في منطقة أحدهم يكون مسئولا عنها هو وقبيلته، سواء أكانت بين بعضهم أو حوادث لأجانب من التجار أو الحجاج أو غيرهم.

стр. 15304

علم أمير الطائف في أوائل ضم الحجاز أن البدو اختطفوا اثنين من حجاج الهند وقتلوهما، وأخذوا أمتعتهما، فأمر بإحضار كبار القبيلة التي حصل في حدودها الحادث، وحدد لهم ثلاثة أيام لإحضار المسروقات، والإرشاد عن جثث القتلى، وأقسم أنه إذا انقضى الميعاد المضروب دون نفاذ المطلوب، ليبيدن القبيلة بأكملها، وقبل مضي الميعاد، أحضر رجال القبيلة المسروقات، وأرشدوا إلى جثث القتيلين، وأخيرا أرشدوا إلى اثنين اعترفا بالقتل، فأمر بقطع رقبتهما. وفى هذه المرة اعتداء على السعوديين فقد جاء إلى القصر في الرياض بضعة رجال من إحدى القبائل، يطلبون عيشا وكسوة، فكان لهم ما ابتغوا، ثم ارتحلوا، فمروا في طريقهم ببعض الجمال والنوق، فساقوها أمامهم، فشكاهم أصحابها إلى السلطان عبد العزيز، فبعث السلطان من يحمل الخبر إلى أمير الاحساء، فما وصل إليه الخبر، حتى تحرك رجال الدولة يبحثون عن اللصوص، وما هي إلا أربع وعشرون ساعة حتى جيء بهم وبالمسروقات ولقوا جزاءهم. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ . (المائدة: ٣٣) . لقد ألقى الله في قلب كل من تُسوّل له نفسه السير في طريق العدوان والفساد وسادت الرغبة في الحفاظ على حقوق الله وحقوق العباد، فكان يُرَدَد في كل مكان: "الحكم للشرع"، "السارق تقطع يده"، "القاتل يقتل""دل عبد العزيز"، "التمسك بشريعة الإسلام" "الصلاة الصلاة ". كلمات تسمع في البادية، وفي القرى والمدن، وفى البر والبحر، وفى الأماكن المقدسة، يرددها الناس فتزلزل القلوب، وتخيف النفوس المريضة، وتزيد المؤمنين إيمانا وطمأنينة.

стр. 15305

بل لقد انتقلت هذه الكلمات إلى عامة المسلمين في جميع البلاد الإسلامية، في الصحراء وفى المدن والدساكر، في أعماق بلاد المسلمين، يهنيء بعضهم بعضا، بسبب ما وصل إليه الأمن والأمان في البلاد المقدسة، وبنجاح التجربة الإسلامية، وعودة بلد من بلاد المسلمين إلى الحكم بكتاب الله، ويتمنى أن تنال هذه التجربة الناجحة بلاد المسلمين فيرجعوا إلى كتاب الله. لقد شجع بعضهم بعضا على أداء الحج والعمرة، وغاب عامل الخوف والرعب، فكانوا يقولون: هيا إلى الحج، هيا إلى العمرة، إلى الأماكن المقدسة، إلى مكة وإلى المدينة، الطريق آمن، ابن سعود يحكم بالشرع، عبد العزيز قضى على القتلة والسفاحين، سنرجع بسلامة الله. كلمات لا يزال يحكيها المعمرون في أقاصي البلاد الإسلامية، الذين رأوا بأعينهم الأعمال العظيمة التي قام بها عاهل الجزيرة الملك عبد العزيز آل سعود، فكانت خير شاهد على توفيق الله له. ولقد جاء في الحديث الصحفي الذي نشره محمود أبو الفتح- ﵀ وقد زار البلاد، ورأى بعينيه ما وصلت إليه البلاد منذ أكثر من خمسين سنة ما يأتي: "وجاء ابن سعود، فضرب أمثلة ... كان يأمر بالسارق فتقطع يمناه، وبالقاتل فيجز رأسه في السوق العامة ... تلك أمثلة ... ولكنها كانت درسا نافعا، فقد قطع ابن سعود عشرات من رءوس اللصوص والقتلة، وأنقذ بذلك رءوس الألوف من حجاج بيت الله الحرام". ثم يكمل حديثه فيقول: والآن تسير الفتاة من طرف الجزيرة الغربي إلى طرفها الشرقي، تحمل الذهب، فلا يتطلع إليها أحد، بل يرى الناس قطعة الذهب أو الفضة ملقاة على الأرض، تسقط من بعض المارة، فلا يقربونها، وإنما يبلغون عنها الشرطة. ويحدثني المعتمد البريطاني في جدة عن حالة الأمن فقال:

стр. 15306

"إنها إن دامت سنوات بلغت البلاد درجة عظيمة من الرقي. إنّ الأمن في الحجاز، لا مثيل له في أي بلد من بلاد العالم الآن" [١٨] . وقال محمد بن عبد الله الأنصاري الاحسائي: "والمملكة العربية السعودية تتقدم من حسن إلى أحسن، قد عمها الأمن، وشملها العدل، واتسع الرزق، وكثرت موارده، وعم اليسار معظم طبقات الشعب بما أجرى الله في جهات الاحساء من ينابيع الزيت بحكمة هذا الملك المصلح فقد طبق في مملكته الأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن ونطقت به سنة النبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ، فقتل القاتل، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، ورجم الزاني المحصن، وشدد العقاب على المعتدين والعابثين بالأمن، فنعمت البلاد بأمن لم تكن تحلم به، ولم يحصل لغيرها من رعايا الدول الكبيرة المتمدينة، وأقام الدليل الواضح على أن شريعة الإسلام هي الشريعة الكفيلة لسيادة البشر في كل زمان ومكان، فجزاه الله عن المسلمين خيرا" [١٩] . والحمد لله، لقد أصبحت حدود الله، والمحافظة عليها قائمة إلى وقتنا هذا، وستظل دائما إن شاء الله، بفضل الله، ثم بفضل أولئك الذين وفقهم الله، لإقامة حدود الله، وإن شريعة الله تتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ففيها الأمن والأمان والهدوء والاطمئنان. لقد أرسى أَسَاسًا متينا للإصلاح الاجتماعي الذي هو الغاية العظيمة من جهاد تلك السنين الطويلة الشاقة، والمتاعب الجسام. التي وفقه الله فتغلب عليها، فلم يهن، ولم يضعف، بل ظل على حيويته ونشاطه، وابتساماته العريضة التي يقابل بها جميع الناس، وصدره الذي شرحه الله دائما فهو الهاش الباش لجميع الذين يلقاهم ويلقونه، فإذا رأيته لحظات غاضبا، فإنما غضبه لله وفي الله. والحمد لله لقد تخطى عقبتين كؤدين ومشكلتين عظيمتين هما الهجر والأمن والاطمئنان، فاستحق عن جدارة أن يلقب بالمصلح والرائد الاجتماعي في العصر الحديث.

стр. 15307

ولقد واصل الإصلاح بتفكيره المنطلق، وعقله الواعي، وإيمانه الأكيد، وآماله العريضة، لجلب كل مَا يدخل السعادة على هذه الأمة التي قاست مئات السنين، فكانت ريادته للنهضة الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية والثقافية. كان- ﵀ في أول الأمر يفكر من أين يبدأ؟ وما الطريق الذي يسلكه؟ ومن أين له بالمال الكثير الذي به يبني وعليه يقيم ما يرجو ويتمنى. لقد أدى ما وجب عليه تجاه الله ، وأن الله لن ينساه أبدا، فقد كان دائم التوكل عليه، وسيظل مادام فيه عرق ينبض، وأنه مازال يذكر فضله ونعمته عليه، ولا ينسى حينما كان في مكة، وهو مخيم في محلة "الشهداء"وقد فقد ما ادخر من مؤن وأقوات، ولاح شبح الجوع أو كاد، وأحس من معه بما عليه الحال، فضاقت صدور الرجال، حين قلّ المال، أما عبد العزيز فكان مطمئنا إلى أن الله لن ينساه، وسيرزقه من حيث لا يعرف ولا يفكر، فكان حينما يسأل عن هذا، يقول: "المؤن متوفرة في نجد، غير أن الجمال مشيها وئيد ... من شاء الرحيل فليرحل أما أنا فمقيم. والفرج من عند الله". لقد كانت ثقته بالله عظيمة، وتوكله عليه أقوى وأشد، فلم يأت المساء، حتى وصلت قافلة يتقدمها إسماعيل بن مبيريك أمير رابغ. وكان الشريف حسين قد قتل أخا له، فلما علم بما صارت إليه الأمور في مكة، وإقامة عبد العزيز بها، جاءه بفروض الطاعة، ومعه عشرون جملا تحمل التمر والسمن والبرّ وكان هذا رزقاً ساقه الله إليه [٢٠] . إن الله لا ينسى عباده المخلصين، وقد كان عبد العزيز من أخلص الخلق لله تعالى، فهو يتوكل عليه حق توكله، ولابد أن الله سيرزقه من حيث لا يعلم، وسوف تفتح له أبواب من الرزق ليس عليها بواب. وقد كان، فقد فتحت له كنوز الأرض، على حين كان يشغله أمر البلاد والعباد.

стр. 15308

﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . (الطلاق: ٢-٣) . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً. ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . (الطلاق: ٤- هـ) . ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ . (الطلاق: ٧) . فكانت سعادته الفائقة في أن يصرف كل ما يصل إليه على هذه الأمة، فقد زاد المال ونما، وأدخل الله الخير على هذه البلاد، وقد يكون كل هذا بسبب دعاء رجل واحد. ولكن الملك عبد العزيز لم يغير شيئا من عاداته، ولا من مأكله ومشربه وملبسه حتى آخر نفس من حياته المباركة. قال طبيبه أمين رويحة: "لقد اشتدت عليه أزمة المرض في أواخر أيامه- ﵀ ورضي عنه: طلبنا إلى جلالته أن يستلقي في سريره للاستراحة، لأن بقاءه مستويا على الكرسي لا يُؤمّن له الراحة الضرورية للقلب. أجاب ابن سعود على طلبنا بقوله: "ما يخالف هاتوا السرير". فتوجه الخادمان اللذان يتوليان خدمته الخاصة ... فجلبا السرير ... سرير الملك العظيم، فنصباه في الغرفة، ويا لعظمة ما رأيت!! إنه سرير من خشب عادي متواضع، وفراش محشو بالقش صلب قاسي، وفوقه غطاء صوفي، ووسادة من النوع ذاته.

стр. 15309

ذلك هو مضجع ذلك البطل الكبير الذي لا يكتسي إلا بثوب بسيط من القطن، وقد كان يستطيع بما وهبه الله من جاه ومال ومنزلة في القلوب ألا يكتفي بتوسد الفراش الوثير فحسب، بل حبات القلوب أيضا، وأن يحوط نفسه بالخدم والحشم والممرضات ليلا ونهارا، ولكنه عبد العزيز المتقشف الذي لا تأخذه بهارج الحياة" [٢١] . راح- ﵀ يبحث عن وسائل الرقي والنهوض بهذه الأمة، فما عرف شيئا فيه مصلحة إلا دعا إليه، ولا عرض عليه أحد رجالاته موضوعا صالحا إلا ناقشه ونفذه، ولم يكن متعجلا في طريقة الإصلاح، بل كان كعادته يفضل التؤدة والتأني وتعرف استعداد الشعب لما يريد من الإصلاح. كان يعتقد أنه بهذه الطريقة سيأتي اليوم الذي تبلغ به الجزيرة أسمى آيات التقدم والرقي في ظل عقيدة التوحيد، وقد كان ... فما نرى شيئا. من النهضة العظيمة في جميع المجالات إلا وهو يدين بالفضل لبانيها ومؤسسها المصلح العظيم- ﵀. إن النهضة الإصلاحية التي قام بها هذا الرجل الكبير تحتاج إلى مجلدات ضخمة ولكن نورد بعضا منها لنَستدل به على العقلية الموهوبة، والمتفتحة على كل معالم الحياة بلا حدود، والضاربة بعمقها في كل المجالات، والمحوطة بالرعاية والتوفيق من الله. كانت البلاد مترامية الأطراف، بعيدة الأماكن والبلاد، ووسائل الاتصال بها بطيئة، فأمر ﵀ بربط أجزاء البلاد بعضها ببعض بشبكة من المحطات اللاسلكية فكانت وحدة متقاربة الأطراف والثغور، يستطيع أن يتصل بها في أي وقت بالليل أو النهار، وفي دقائق معدودة. وقد سمح- وهو راض مسرور- للرعية بأن يستعملوا السيارات، وأن يقتنوها ويسيروا بها في طول البلاد وعرضها ولقد كانت من قبل ذلك محرمة، فلم يسمح لأحد من أفراد الرعية باقتنائها أو الاستفادة منها.

стр. 15310

وكان- ﵀ قد ركب السيارة لأول مرة عام ١٣٤٤ هـ. ورأى فوائدها في تقريب المسافات، فلم يستقل بها، بل سمح لجميع أفراد الشعب باستخدامها، فدخل في البلاد السيارات بأنواعها وأحجامها. ولقد أنشئت في عهده إدارات عامة للصحة والشرطة والأوقاف والبريد والبرق واللاسلكي، وأنشئت كذلك مديرية للشئون العسكرية، ومديرية للشئون الخارجية، والمديرية العامة للزراعة، وشكلت المحاكم الشرعية، وبيوت المال، وكتاب العدل، والمجالس التجارية وكذلك مؤسسة للنقد العربي السعودي. أعفى جميع المواد الغذائية، ومواد البناء وغيرهما من الرسوم الجمركية، وقام بشراء الآلات الزراعية الحديثة، ووزعها على الفلاحين للنهوض بالزراعة، ولقد اهتم بالتعليم، ففتح كثيرا من المدارس المتنوعة، واهتم بالمعاهد الدينية، والمكتبات العامة، وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، للإسهام في النهضة التعليمية، وأنشأ- ﵀ المستشفيات والمستوصفات في المدن الكبيرة، وأنشأ المراكز الصحية في طريق الحجاج، وأدخل نظام التطعيم، وصرف الدواء بالمجان [٢٢] . هذا قليل من كثير في داخل البلاد، فقد عاش لخدمة شعبه ورعايته، ولم يمر يوم إلا وفيه جديد، مما يعود على البلاد بالخير العميم. ولقد نادى الملك عبد العزيز بتأليف لجنة عام ١٩٣٧ م تضم عدة شخصيات عربية مخلصة، تعمل على وضع الأسس لتوحيد الجهود لما فيه خير الأمة العربية، وطالب بإنقاذ فلسطين، وله في ذلك مواقف حاسمة، وآراء ناضجة، ووسائل سليمة. ولقد أسهم في تأسيس جامعة الدول العربية، ونادى بالتضامن الإسلامي، واشترك في منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ م، وعاون كذلك في حل كثير من المشكلات في الشرق الأوسط.

стр. 15311

هذه لمحات من حياة رجل من رجال الإسلام، ضرب الله لنا به مثلا أعلى في عصرنا الحاضر، وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان على رسالة سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ، ضرب به المولى مثلا على دوام صحة التمسك بشريعته الغراء، وعلى إمكان تنفيذ حق الله وحق العباد كما جاء به إمام المرسلين ﷺ ، والله خلق عباده وهو أعلم بما ينفعهم، ويعود عليهم بالخير العميم، فكان ذلك خير شاهد، وأنصع دليل على أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان. ومازال- ولا يزال- إن شاء الله- ما وضع أساسه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود واستمده من كتاب الله وسنة رسوله شامخ البنيان، واضح المعالم، جزل العطاء، مضاعف الثمرات، من الراحة والاطمئنان والهدوء النفسي والرزق الرغد، والتقدم في جميع المجالات، وفوق كل هذا، إخلاص العبادة لله ومضاعفة الشكر والحمد لله المنعم الوهاب. فهلا قرأ حكام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تلك السيرة العطرة، ووعوا ما قام به صاحبها ﵀، وهلا تدبروا إخلاصه وحبه لله، فاقتدوا به في أقواله وأفعاله، وسلكوا طريقه، واهتدوا بما اهتدى به مما جاء في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وعمل به الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين. هلا عرفوا ذلك؟ وفعلوا مثل ما فعل هو ومن سبقه على هذا الدرب!! لو عرفوا ذلك، لكان فيه قوة للمسلمين في هذا الزمان المملوء بالكيد للإسلام، ولأصبحنا قوة يقدرها الناس حق قدرها.

стр. 15312

فبدل أن يشرق بعضنا، ويغرب آخرون. ونجري وراء السراب ونتوه في دروب التبعية والاستغلال، الأمر الذي جر علينا الوبال، وبؤنا فيه بالخسران، وأصبحنا قنطرة يعبر فوقها أعداء الإسلام إلى ما يريدون تحقيقه، وهذا ضد أهدافنا وآمالنا وديننا ودنيانا، بدل كل هذا الضياع أَمامنا كتاب الله وسنة رسوله قيل فيهما كل ما نريد، ولا فائدة أن نخترع كتبا تستمد من الأفكار المجردة، البعيدة عن الكتاب والسنة، وليست إلا سراباً بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. لقد كان الملك عبد العزيز ﵀ عنوانا لهذا الدين بما علم وعمل وقدم، فجزاه الله خير الجزاء، ورفع منزلته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا. المراجع ا- القرآن الكريم. ٢- مع عاهل الجزيرة لعباس محمود العقاد. ٣- حياة محمد. لمحمد حسين هيكل دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة عشر. ٤- سيرة الرسول ﷺ للإمام محمد بن عبد الوهاب. ٥- شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود لخير الدين الزركلي. ٦- كتاب آل سعود لأحمد علي. دار العباد بيروت ١٩٥٧ م. ٧- صقر الجزيرة لأحمد عبد الغفور عطار. ٨- المصحف والسيف جمع وإعداد محي الدين القابسي- الرياض المطابع الأهلية. ٩- المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود. لمحمد منير البديوي. الرياض ٩٧ ١٣ هـ. ١٠- الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز. د. عبد الفتاح حسن أبو عيلة. مطبوعات دارة الملك عبد العزيز ١٣٩٦ هـ. ١١- الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- السيد عبد الحميد الخطيب. مصطَفى البابي الحلبي مصر ١ ١٩٥م. ١٢- نجد وملحقاتها. لأمين الريحاني. ١٣- تاريخ الحجاز. لحسين محمد نصيف. القاهرة. مطبعة خضير. ١٤- عنوان المجد في تاريخ نجد. لعثمان بن بشر. مطابع القصيم بالرياض.

стр. 15313

١٥- تحفة المستفيد في القديم والجديد. مطابع الرياض ١٣٧٩ هـ. ١٦- عبد العزيز للمؤرخ ا. افون ميكوس. ترجمة أمين رويحة. ١٧- الأمن في المملكة العربية السعودية. لواء يحي عبد الله المعلمي. ١٣٩٨ هـ. ١٨- تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها. ج ٢ بيروت مكتبة – الحياة. ١٩_ المملكة العربية السعودية بقلم خالد السديري دار الكتاب العربي. بيروت ١٩٠٧ م. ٢٠- تاريخ ملوك آل سعود ... سعود بن هذلول. ٢١- تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور حسن سليمان محمود. دار الثناء للطباعة مصر. -------------------------------------------------------------------------------- [١] مختارة من كلمات وخطب الملك عبد العزيز (أنظر المصحف والسيف) . [٢] شبه الجريرة في عهد الملك عبد العزيز. ج ٢ ص ٥٨١. [٣] من خطبة ألقاها جلالته، بمكة في ذي الحجة ١٣٤٧ هـ (المصحف والسيف ص ٨٥_٨٦) . [٤] من خطبة ألقاها جلالته بمكة في ذي الحجة ١٣٤٧ هـ (المصحف والسيف ص هـ٨ _ ٨٦) . [٥] من خطبة ألقاها جلالته بمكة بمناسبة سفره إلى المنطقة الوسطى من المملكة في محرم ١٣٤٨ هـ (المصحف والسيف ص ٨٩) . [٦] المصحف والسيف ص ٨٧. [٧] الإمام العادل جـ ص ١٣٢. [٨] المصحف والسيف ص ٩٣. [٩] المصحف والسيف ص ١٢٣. [١٠] المصحف والسيف ص ٩٣. [١١] المصحف والسيف ص ٩٣. [١٢] المصحف والسيف ص ٨٦. [١٣] المصحف والسيف ص ٢١٧. [١٤] صحيفة االأهرام في ٦ ١/ ١١/ ١٩٣٠ م. [١٥] عنوان المجد لعثمان بشرج ١ ص ٢٧٧.

стр. 15314

[١٦] عن أبى هريرة قال: قال سعد بن عبادة يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء. قال ﷺ : "نعم". قال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني"- صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٠ ص ١٣١. باب اللعان. المطبعة المصرية. [١٧] شبه الجزيرة ج ٢ ص ٤٥٢. [١٨] صحيفة الأهرام في ١٦/ ١١/. ١٩٣. [١٩] تحفة المستفيد في القديم والجديد ص ١٢٤ - هـ ١٢. [٢٠] شبه الجزيرة العربية ج ٢ ص ٥٨٤. [٢١] عبد العزيز للمؤرخ الألماني الكبير (اكوبرت فون ميكوس) . ترجمة أمين رويحة ص ٢٨٢. [٢٢] تاريخ المملكة العربية السعودية للدكتور حسن سليمان محمود وسيد محمد إبراهيم ص٨٤ _ هـ ٨، وكتاب التوكل على الودود عبد العزيز آل سعود لمحمد منير البديوي ص ٢٤٨ _ ٢٤٩.

стр. 15315

العدد ٦٥-٦٦ فهرس المحتويات ١- ذَمّ الفرقة وَالاخْتِلاَف في الكتاب والسنة: للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان ٢- الوحدة الإسلامية أسسها ووسائل تحقيقها: للدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي ٣- عقود التأمين حَقِيقَتُهَا وحُكْمُهَا: للدكتور حمد حماد عبد العزيز الحماد ٤- البدع وآثَارُهَا السَّيِّئَة: للشيخ عبد الكريم مراد ٥- القُرْآن الكَرِيْم مَصْدَرٌ لِلتَّاريخ: للدكتور بشير كوكو حميدة ٦- لا ... لخصُوَمةِ المسْلِمِ مَعَ الدُّنيَا وَالنّاس: للدكتور جميل عبد الله محمد المصري ٧- عُقُودُ الزَّبَرجَد على مُسْنَدِ الإمَام أحمَد في إعْرَاب الحَدِيث: تأليف: جلال الدين السيوطي ٨- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٩- ألْفِيَّةُ ابْن مَالِك مَنْهَجُهَا وَشرُوحُهَا: للأستاذ الدكتور غريب عبد المجيد نافع عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 15316

ذَمّ الفرقة وَالاخْتِلاَف في الكتاب والسنة للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنعم على عباده المؤمنين بالهداية والاعتصام بحبله المتين, وجمعهم على الحق، ووقاهم شر التشاحن، وذل التخاذل، ومنَّ عليهم بالإخاء والألفة، وجنبهم الاختلاف والفرقة. أحمده أن هدانا لمعرفة الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله لبيان سبيله الموصلة إليه، والتحذير من سلوك سبل الضلال، فجمع به القلوب بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. وبعد فإنه لا يستقيم للناس حال في دنياهم، ومآلهم إلا بالاتفاق والائتلاف, واجتناب التنابذ والاختلاف. ولابد أن يكون الاجتماع والاتفاق على أمر عام، يشتركون في نفعه، ويؤملون جميعا عائدته وفضله، في عاجل أمرهم وآجاله.

стр. 15317

ولا يحصل الاتفاق الكامل، الذي تكون فيه المحبة والألفة، إلا مع اتفاق الدين والعقيدة، فإذا كان الدين حقا، والعقيدة صافية من الشوائب، وسالمة من الانحرافات, والغوائل فهناك يقوى الاتفاق ويتم, وتتأصل الرابطة، ويحصل البذل والإيثار، ولهذا أمر الله تعالى عباده بتقواه المستلزم لحصول الإيمان، وفعل المأمور، واجتناب المحظور، ثم أمر بالاعتصام بحبله جميعا ونهى عن التفرق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [١] .

стр. 15318

قال ابن جرير: " ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ المعنى وتعلقوا بأسباب الله جميعا، يريد بذلك أن تمسكوا بدينه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم، في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله". والاعتصام: هو الامتناع بالشيء والاحتماء به، والعصم: هو المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ومن ذلك قول الفرزدق: أنا ابن العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحُدْثان نابا والحبل: هو السبب الذي يُوصل إلى المراد، ولذلك سمي الأمان حبلا، لأنه يوصل إلى زوال الخوف، والنجاة من الفزع والذعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبه: وإذا تُجوِّزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [٢] . وقد فسر حبل الله بأنه الاجتماع على الحق. وفسر بأنه القرآن وعهد الله الذي عهده إلى عباده فيه. وفسر بأنه التوحيد وإخلاص العمل لله تعالى. روى ابن جرير بسنده إلى ابن مسعود، قال: "حبل الله الجماعة" [٣] . وروى عن قتادة قال: "حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به: هذا القرآن". وكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء. ورُوي عن ابن مسعود، قال: "إن الصراط محتضر، تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله هلم هذا الطريق، ليصدّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتابه" [٤] . وقال مجاهد: "حبل الله عهده وأمره". وفي مسند الإمام أحمد والترمذي قال: "حسن غريب" عن أبى سعيد قال: "قال رسول الله ﷺ : "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" [٥] . وروى ابن جرير عن أبى العالية: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ قال: "الإخلاص لله وحده" [٦] .

стр. 15319

وهذه الأقوال كلها حق، وليس فيها اختلاف، فحبل الله هو كتابه، ودينه وأمره الذي أمر به عباده، وعهد إليهم به، وهو الذي أمر بالاجتماع عليه، ونهى عن التفرق فيه. والمقصود من ذلك كله أن يوحدوا الله تعالى بالطاعة والعبادة، ويخلصوا له العمل، والاعتصام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق، والتعاون على البر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ولذلك بعد أن أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله، وهو الاجتماع على دينه والاحتماء به، أكد ذلك بالنهي عن الفرقة، فقال تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن جرير: "يعني ألا تفرقوا عن دين الله وعهده إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى أمره"، ثم روى عن قتادة، قال: إن الله تعالى كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة, فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. وروى عن ابن مسعود قال: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تحبون في الفرقة" [٧] . ومن الأمور المسلَّم بها أنه لابد للناس من أمر يجتمعون عليه، يحكم بين المختلفين ويفصل بين المتنازعين إذ الاختلاف من طبيعتهم، ولابد له ممن يلزم من يأبى ذلك، وينفذ الأحكام، حتى يأمن الناس على أنفسهم، وأموالهم، ويكون اتجاههم موحدا، كما قال حسان بن ثابت ﵁: وما الدين إلا أن تقام شريعة وتأمن سبل بيننا وشعاب [٨] ولهذا اتفقت المجتمعات على اختلاف أديانها، ووجهاتها على وضع قانون يرجعون إليه عند الاختلاف، ويحكمونه عند المنازعات، فهو من الضروريات التي لا تصلح دنياهم إلا به.

стр. 15320

ومعلوم أن الإنسان ظلوم جهول، فلابد أن يقع في الجهل والظلم في وضع القانون وغيره، ولذلك أنزل الله تعالى الشرائع من عنده، لتحكم بين العباد بالعدل وأوجب تعالى على عباده الرجوع إلى شرعه، عند الاختلاف، ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعل ذلك شرطا في حصول الإيمان، فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [٩] . ثم لابد للمجتمع من رئيس مطاع ذي قوة وسلطان حتى يقوم بتنفيذ شرع الله تعالى على من يَلْزَمُهُ الحكم ويأباه أو يجهله وأمر الله تعالى عباده أن يكونوا عونا له على ذلك؛ لأن هذا هو الذي تحصل به مصالح الدنيا والآخرة وبدونه يعم الفساد والفوضى والظلم فلابد من إلزام الخلق بالحق ومنعهم من الظلم والتعدي في الدماء والأموال والأعراض وقطع السبل، وإلا فسدت الأمور وانتهكت الأعراض ونهبت الأموال وسفكت الدماء.

стр. 15321

ولابد من العدل في ذلك، وهو الميزان الذي أنزله الله على رسله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [١٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [١١] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [١٢] وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه سلم - أنه قال: "لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقَت، وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت" [١٣] ومفهوم ذلك أنها إذا لم تكن كذلك فهي في شر. قال الحسن: "إن الله أخذ على الحكام ثلاثا، أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا"قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [١٤] وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [١٥] . والمقصود أن الله تعالى أوجب على المسلمين أن يجتمعوا على دين الحق الذي هو الإسلام وأن يعتصموا بكتاب الله تعالى، وأن تكون وحدتهم عليه، فعليه يجتمعون وبه يتحدون، لا بالقوميات والجنسيات، ولا بالمذاهب والأوضاع السياسية التي اخترعوها بأفكارهم القاصرة.

стр. 15322

ونهاهم تعالى عن التفرق والانقسام، بعد الاجتماع والاعتصام بكتاب الله تعالى في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العز والقوَة فبالاجتماع تقوى الأمة، وبالقوة يعتز الحق فيعلو على الباطل، ويحفظ من هجمات المواثبين، ويحمى من كيد الكائدين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [١٦] فالإسلام هو سبيله، والعصبيات والقوميات هي السبيل المشتتة التي تؤدي إلى الضعف والهلاك. والإسلام يأمر بالوفاق، والاتفاق، بين كل من تحكمهم شريعته، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وقد بددت العصبيات القبلية العرب قبل الإسلام، فلم يكن لهم شريعة تجمعهم ولا نظام يحكمهم، وحيفي لجئوا إلى الإسلام نالوا به العزة والسيادة، والسعادة ولما سرى سمَّ العصبيات الموبوءة التي نقلها متفرنجة المسلمين إليهم، يخادعون بذلك قومهم موهمين، بأنهم يريدون النهوض بأوطانهم، وإعلاء شأنهم، أصبح الأمر معكوسا فلم يجنوا من ذلك سوى الضعف والتفكك، والتفرق الذي مهد السبيل أمام أعدائهم للاستيلاء على خيرات بلادهم، وعلى أفكارهم، وفي النهاية أصبح أعداؤهم يتحكمون فيهم، وان أوهموهم بأن الأمر بأيديهم. فالإسلام وحده هو الأساس الذي ينبع منه إيجاد المجتمع المتكامل، المتساند الذي يعمل من أجل خير الجميع، لأن الإسلام يعتبر الفرد هو النواة للجماعة، ولا يعترف بالجماعة إلا إذا كانت لا تعمل على ضمان صالح الفرد. ومن المتيقن أن المسلمين لن تقوم لهم دولة عزيزة قوية إلا إذا اجتمعوا على ما اجتمع عليه أوائلهم وأسلافهم، الذين فتحوا البلاد بعدل الإسلام وعزته، وفتحوا القلوب لعبادة الله وحده لا شريك له، وبذلك صاروا هم القادة.

стр. 15323

ولتكن دويلة اليهود في فلسطين معتبرا لمن يعقل ويعتبر، كيف أصبحت تتحداهم وتهددهم، ولا يستطيعون الإمتناع منها، وليس لذلك سبب سوى انصراف المسلمين عن د ينهم الذي هو مصدر عزهم وقوتهم. فبالإسلام وحده استطاع أجدادنا لما كان إمامهم رسول الله- ﷺ وقائدهم القرآن أن يكونوا أكبر دولة وأعظمها، لا تستطيع القوى المادية مجتمعة إيجاد مثلها. وقد علم لكل من يقرأ التاريخ أن المسلمين كلما حادوا عن دينهم، حاق بهم ما وقع بهم في الأندلس، وغيره، أن ما وقع للمسلمين قديما وحديثا كله بسبب انصرافهم عن دينهم، فيجب أن يكون ذلك لهم عبرة، فقد أبيدت أمم من المسلمين وسلبت بلادهم، وسبيت نساؤهم وأولادهم، وارتد من بقي منهم في تلك البلاد عن الإسلام كما حصل في الأندلس، بسبب التفكك والاختلاف الذي نهاهم عنه دينهم وحذرهم الله منه على لسان رسوله- ﷺ ، كما في حديث ثوبان "وأني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: "يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من في أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا" [١٧] . ولما كانوا مجتمعين، تسودهم روح الإسلام، ويلتزمون أحكامه، لم يكن العدو يطمع بهم وليس له فيهم منفذ، حتى صاروا هم يدمرون أنفسهم وبلادهم، بتفرقهم، واختلافهم. وقد اتفق أهل النظر وعلماء التاريخ والاجتماع من المسلمين وغيرهم من الأمم المختلفة أن العرب ما قاموا ببناء حضارتهم، ومدنيتهم الواسعة الأرجاء إلا بتأثير الإسلام، في جمع كلمتهم، وإصلاح شئونهم النفسية، والعلمية، والخلقية.

стр. 15324

ولهذا لما رأى الكفار قوة المسلمين، ووحدة صفهم على عدوهم، عملوا على تمزيق هذه الوحدة، بوسائل متعددة، منها تقسيم بلادهم إلى دويلات متعددة، وجعلوا لكل دويلة حدودا، ونظاما، وأمورا قد يحصل بسببها القتال بينها وبن جارتها وبذلك أمكنهم السيطرة على المسلمين، من نواحي متعددة. ومعرفة الجماعة وأهميتها في الدين، وكذلك معرفة حكم الفرقة وعظيم ضررها مما ينبغي الاعتناء به، وكذلك معرفة منشأ الفرقة وأسبابها، فإن بالفرقة يحصل التلاعن والتباغض والتقاطع، ثم القتال، وهذا أصل محرم في الشرائع كلها التي أنزلها الله على رسله، وإنما ترتكب بظلم الناس وجهلهم. وكذلك تمييز السنة من البدعة مما يجب الاعتناء به، إذ السنة ما أمر الله به والبدعة ما لم يشرعه الله من الدين. وقد كثر اضطراب الناس في ذلك قديما وحديثا، وحصل بسبب ذلك من التفرق والتباعد والتباغض شر عظيم، وضعف كبير، وتباعد شاسع، إذ كل فريق يزعم أنه المهتدي، والسنة معه، والفريق المخالف له ضال أو ربما كافر، فينشأ عن ذلك من التفرق والشرور ما الله به عليم. وقد ذم الله تعالى الاختلاف ونهى عند أشد النهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [١٨] .

стр. 15325

وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [١٩] فأخبر تعالى عن اتفاق الناس في الأصل، وأنهم كانوا جماعة متحدة، ثم اختلفوا. وهذا الاختلاف في الدين، هو الاختلاف الذي يكون به تضليل بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم لبعض، ثم بعد ذلك يكون القتال وشدة التفرق. وقد بعث الله تعالى إلى العباد النبيين مبشرين من أطاعهم واجتمع على الهدى الذي جاءوا به، بالسعادة والسيادة، ومنذرين من عصاهم, بالعذاب في الآخرة والعقوبة في الدنيا، بما ينغص عليهم حياتهم، أو يهلكهم بعذاب متصل بعذاب الآخرة. ولما كان عقل الإنسان وفكره قاصرا عن الوصول إلى كل ما فيه مصلحته، وهدايته من العدل في حقه وحق غيره، ولتفاوت عقول الناس، وإدراكا تهم، فلابد من اختلافهم، مع ما فيهم من النقص، لذلك أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من العلم والاعتقاد، والعمل والحكم. لأن الاختلاف إما أن يكون في الأقوال، كاختلاف الفقهاء الذين يتكلمون في مسائل العلم، ولا يدعون إلى أقوال مبتدعة فهؤلاء أهل اجتهاد، إذا أخطأوا فخطأهم مغفور، وهم مثابون على اجتهادهم.

стр. 15326

وإما أن يكون الاختلاف في القول والعمل، غير أن الأقوال مبنية على تأويل فاسد، إتباعا للهوى، ويدعون إليها، ويحاربون عليها، ويوالون ويعادون فيها كفعل الخوارج، والروافض، والمعتزلة، ونحوهم، ويدخل في ذلك من يقاتل لأجل الملك والدنيا والرئاسة، فهؤلاء ما بين معتد ظالم أو مفرط ضال أو عابد لهواه وشهوته، فهؤلاء هم أهل الضلال، والخذلان، وهم الذين توجه إليهم الذم في الكتاب والسنة. وأول هؤلاء هلاكا هم الخوارج المارقون عن الحق، حيث حكموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله- ﷺ وأن علي بن أبي طالب، ومعاوية وعسكريهما هم أهل المعصية، والبدعة، فاستحلوا ما استحلوا من دماء المسلمين بسبب ذلك. وفى صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ أنه قال: "وإن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم [٢٠] ، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" [٢١] وروى ابن أبي شيبة، عن حذيفة قال: "من فارق الجماعة شبرا، فارق الإسلام" [٢٢] . وروى عن علي قال: "الأئمة من قريش، ومن فارق الجماعة شبرا، فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه " [٢٣] . والمقصود بالجماعة أهل الحق الذين اجتمعوا عليه، ولم يخالفوا ما جاء به رسول الله- ﷺ بحسب الاستطاعة. وهذه النصوص وأمثالها تدل على وجوب جمع كلمة المسلمين واجتناب كل ما يكون سببا للخلاف، حتى مسائل العلم الاجتهادية التي ينشأ عنها تفرق ومعاداة.

стр. 15327

فإنه قد يكون في مسائل الاختلاف اعتقاد وجوب بغض المخالف في تلك المسألة أو تفسيقه، أو لعنه وتكفيره، أو قتاله، ويكون ذلك في حق المبغض المفسق أو المكفر المقاتل بلاء ومحنة وفتنة، كما هو حال البغاة المتأولين، مع أهل الحق والعدل من أهل الأمر والنهى أو أهل العلم والعمل، يعني الأمراء والعلماء والعباد. ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ له مبلغ الفتنة والفرقة، إلا مع البغي والعدوان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [٢٤] . وذكر هذا تعالى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [٢٥] . وقوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [٢٦] . فبين تعالى أن الاختلاف الموجب للفتنة والفرقة إنما هو بغي، وعدوان، فلا تكون فتنة وفرقة مع الاختلاف السائغ في الشرع. ولهذا نهى النبي ﷺ عن القتال في الفتنة، وصار هذا من أصول أهل السنة التي تذكر في العقائد لأهميته. وان كان بعض العلماء يرى إذا كانت إحدى الطائفتين لديها العلم التام بأحكام الشرع، والأخرى باغية أنه يجب القتال مع الطائفة العادلة العالمة وحكموا بأن الأصوب القتال مع علي بن أبي طالب في قتال الفتنة، وأن ذلك أولى من اعتزال القتال.

стр. 15328

ولكن النصوص الكثيرة دلت على أن الصواب اعتزال القتال، كما فعله أكثر الصحابة، كقوله ﷺ فيما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله –صلى الله عليه سلم - سيفا فقال: "قاتل به المشركين، فإذا رأيت الناس يضرب بعضهم بعضا، فأعمد به إلى صخرة فأضربه بها حتى ينكسر، ثم أقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية". وكما في سنن أبي داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله- ﷺ قال: في الفتنة: "كسروا فيها قِسيكم، وقطعوا أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم". وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به". وفي صحيح مسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "أنها ستكون فتنة، ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي إليها، فإذا وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت, فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الطائفتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار". وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل أخيه".

стр. 15329

وفيهما عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن ". والأحاديث عن رسول الله ﷺ بالأمر بالكف عن القتال في الفتن، واعتزال المقاتلين كثيرة جدا، وواضحة جلية، وهي من الأمور المانعة من التفرق، لأن هذا هو العلاج في مثل تلك الحال، فإذا لم تمنع بالكلية فبها العمل على تقليلها، ولو باعتزال أصحابها ومن الأصول المتفق عليها عند أهل السنة، ودلت عليه النصوص الكثيرة، أنه إذا كان للناس إمام جائر ظالم، فإن الناس يؤمرون بالصبر على جوره وظلمه، وبغيه ولا يقاتلونه وأن مجرد وجود البغي من إمام، أو من طائفة لا يبيح قتالهم. فدفع البغي لم يأذن الشرع به مطلقا بالقتال، بل إذا كان فيه فتنة، ويترتب عليه ضرر أعظم منه وجب الكف عنه، وأمر بالصبر والاحتمال؛ لأن الشريعة مبناها على دفع أعظم المفسدتين بالتزام أقلهما ضررا إذا لم يمكن دفع الفساد مطلقا. والنبي- ﷺ إذا وصف طائفة بأنها باغية ليس معنى ذلك أنه أمر بقتالها بل ولا مبيحاً له، سواء كان بغيها بتأويل أو بغير تأويل. وكل ما أوجب فتنة أو فرقة بين المؤمنين فليس هو من الدين، سواء كان قولا أو فعلا. والفتنة والفرقة لا تقعان إلا مِن تَرْك ما أمر الله به، والله تعالى أمر بالحق والعدل وأمر بالصبر، والفتنة تكون من ترك الحق أومن ترك الصبر. فالمظلوم إذا كان على حق فإنه يؤمر باحتمال الأذى والصبر على البلوى، فإذا ترك الصبر فإنه يكون تاركا لما أمر الله به. وإن كان المظلوم مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبه، ثم لم يصبر على البلوى، كان مقصرا في معرفة الحق وآثما بترك الصبر، ولكن قد يؤجر على اجتهاده ويعفى له عن تقصيره، وأما ترك الصبر فعليه إثم ذلك.

стр. 15330

وأما إذا كان غير مجتهد في معرفة الحق ولم يصبر، فإنه يجتمع عليه ثلاثة ذنوب، الأول لتركه الاجتهاد في طلب الحق والثاني لتركه الصبر على البلوى والثالث لعدم إصابته الحق ووقوعه في الخطأ. والمقصود أنه لا يحل دفع الأذى الذي يكون في دفعه فتنة بين الأمة، أو ينتج عنه شر عظيم أو أعظم من الأذى المطلوب دفعه، أو يكون في دفعه ظلم وعدوان، بل المتعين حينئذ الصبر والاحتمال وضبط النفس، فإن ذلك في حق المظلوم ابتلاء وامتحان، وإذا صبر واحتسب كانت العاقبة له، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي يبتلى بعضكم ببعض لينظر من يصبر فيستحق الجزاء الأوفى، في الدنيا والآخرة. وأخبر تعالى عن رسله أنهم قالوا لقومهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فجعلهم أئمة بالصبر واليقين، فبذلك تُنال الإمامة في الدين. والخطأ يحصل في هذا إما بسبب جزع المظلوم أو بسبب قلة صبره أو ضعف رأيه فإنه قد يظن أن القتال أو نحوه في الفتنة يدفع الظلم عنه ولا يدري أنه يضاعفه ويزيد الشر كما هو الواقع. والمظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فذلك مقيد بشرطين. أحدهما القدرة على ذلك؛ فإنه إذا كان غير قادر زاد ظلمه.

стр. 15331

والثاني أن لا يتعدى، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ فأخبر تعالى أن الانتصار جائز لمن يقدر عليه ولا يعتدي وأن الصبر أفضل، فإذا لم يتوافر الشرطان لم يجز. وهذا كله إذا لم يكن الباغي الظالم هو الإمام الذي له قوة وأتباع، فإذا كان هو لم يجز الانتصار والانتقام، لما يترتب على ذلك من الشر العريض والفتنة التي فيها من الضرر والفساد أضعاف ما في الانتصار من المصلحة ودفع الظلم. ولهذا جاء ت النصوص عن النبي- ﷺ في النهي عن قتال الأئِمة الجائرين الظالمين. ففي صحيح مسلم والترمذي أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول الله- ﷺ قال: "يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا، فأعرض عنه مرارا- وهو يعيد السؤال - ثم قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله- ﷺ : "إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم". وفيهما أيضا عن ابن عمر، أن رسول الله- ﷺ قال: "وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة". وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله- ﷺ : "عليك السمع والطاعة، في عُسرك ويُسرك، ومَنشطك ومَكرهك، وأثرة عليك".

стр. 15332

وفي الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية". وهذا كله محافظة على الاجتماع وخوفا من التفرق الذي يضعف الأمة أمام هجمات الأعداء ومحافظة على دمَاء المسلمين وأعراضهم وأموالهم؛ لما يحصل في الخروج على الإمام من الفتن وسفك الدماء وذهاب الأموال وهتك الأعراض؛ كما جرب الناس ذلك وعانوا منه العنت والشر الكثير، والشرع جاء باحتمال أقل الأمرين ضررا؛ لدفع ما هو أعظم؛ ولهذا جاءت النصوص عن رسول الله- ﷺ بالأمر بقتل من خرج بطلب السلطة، والمسلمون لهم سلطان قائم لما في ذلك من الفتن والتفرق، كما في صحيح مسلم عن عوف بن عرفجة قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان". وفي النسائي، عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله- ﷺ : "أيما رجل خرج، يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه". وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عُمِّيّة يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية فقُتل فقِتلةً جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه". فحذر- ﷺ مما يفرق ويوهن الجماعة وأمر بقتل من يريد أخذ السلطة ممن هي بيده واجتمع عليه المسلمون سواء كان برا أو فاجرا وأخبر أن من قتل تحت راية عُمِّيّة أن قتلته جاهلية ومن قاتل لعصبية أنه كذلك وتبرأ ممن يفرق بين أمته.

стр. 15333

وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فليس فيه الأمر بالقتال ابتداءً ولكن إذا حصل القتال بين طائفتين من المؤمنين يجب الإصلاح بينهما بدون قتال ما أمكن ذلك امتثالا لأمر الله تعالى، ويكون الإصلاح بالعدل والإنصاف وقد تكون إحدى الطائفتين أقرب إلى الحق، فتعان على الحق ويحال بين الأخرى وبين البغي والظلم، فإن أبت إحداهما قبول الصلح والحكم بينهما بالحق، وأبت إلا البغي وركوب العسف والتمادي في الباطل، فعند ذلك تقاتل تلك الطائفة منعا للقتال الذي هو أعظم من قتالها لأنها إذا لم تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله بل تركت حتى تتقاتل هي والأخرى صار الفساد أعظم، ثم إن الذي يقاتل الطائفة الباغية غير الطائفة المبغي عليها، فهذا من نصر المظلوم ودفع الفساد العظيم بما هو أقل منه فسادا.

стр. 15334

قال ابن جرير: "يقول جل ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان، اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل، فإن بغت إحداهما على الأخرى، يقول: فإن أبت إحدى الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها أو عليها، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تبغي؛ أي التي تعتدي وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، فإن فاءت ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالعدل يعني الإنصاف بينهما وذلك حكم الله في كتابه جعله عدلا بين خلقه"وهذا ليس فيه قتال الأئمة الذين بأيديهم السلطة، بل هذا نوع آخر وإنما المأمور به في هذه الآية دفع الفتنة وتقليلها ما أمكن بالإصلاح أو بالقتال إذا لم يمكن بدونه، فتقاتل الفئة الباغية على الأخرى، حتى تذعن لحكم الله، ويصير الدين كله لله وكلمة المسلمين مجتمعة. والمأمور بالقتال هم المؤمنون الذين ليسوا من إحدى الطائفتين، أمر الله تعالى بأن يقاتلوا من بغى على أخيه، وتعدى بقتال، ولم يقبل الصلح بالعدل، فقتال مثل هؤلاء من باب الجهاد، ونصر المظلوم.

стр. 15335

أما إذا وقع بغي ابتداء بغير قتال مثل أخذ المال أو رئاسة بظلم فهذا لم يأذن الله تعالى بقتالهم على ذلك بل أمر الرسول- ﷺ مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطائهم حقوقهم وأن يطلب المظلوم حقه من الله تعالى ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال فيها قتال فتنة وحذر من الخروج على الأئمة؛ وإن كانوا ظلمة وجائرين يضربون الظهور ويأخذون المال ويمنعون الحقوق؛ بل نهى عن معصيتهم حينئذ ونزع يد الطاعة منهم ما لم يأمروا بمعصية الله تعالى, فعند ذلك لا طاعة لهم ولا يسمع لقولهم وكذلك إذا ارتدوا عن الإسلام وكفروا به صراحة فلا يجوز أن يكونوا حينذاك أئمة على المسلمين، فطاعتهم مقيدة بأن لا يأمروا بمعصية الله تعالى, فهم لا يطاعون في كل شيء وإنما يطاعون إذا أمروا بطاعة الله أو بما ليس فيه معصية لله تعالى، أما إذا أمروا بمعصية الله تعالى فلا سمع لهم ولا طاعة. وكذلك النهى عن الخروج عليهم مقيد بكونهم مسلمين مصلين، أما إذا كفروا كفراً صريحا وارتدوا ردةً واضحة جلية فلا يجوز حينئذ أن يكونوا ولاة على المسلمين وعلى هذا دلت النصوص عن رسول الله- ﷺ . جاء في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: "بعث رسول الله- ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: أجمعوا لي حطبا، فجمعوا له ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله- ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فأدْخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله- ﷺ من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي- لصلى الله عليه وسلم - فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف" [٢٧] .
следующие страницы →