Полный текст (23 804 стр.). Показаны 15331–15370 · переход к 15336.
стр. 15331
والثاني أن لا يتعدى، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ فأخبر تعالى أن الانتصار جائز لمن يقدر عليه ولا يعتدي وأن الصبر أفضل، فإذا لم يتوافر الشرطان لم يجز.
وهذا كله إذا لم يكن الباغي الظالم هو الإمام الذي له قوة وأتباع، فإذا كان هو لم يجز الانتصار والانتقام، لما يترتب على ذلك من الشر العريض والفتنة التي فيها من الضرر والفساد أضعاف ما في الانتصار من المصلحة ودفع الظلم.
ولهذا جاء ت النصوص عن النبي- ﷺ في النهي عن قتال الأئِمة الجائرين الظالمين.
ففي صحيح مسلم والترمذي أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول الله- ﷺ قال: "يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا، فأعرض عنه مرارا- وهو يعيد السؤال - ثم قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".
وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله- ﷺ : "إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".
وفيهما أيضا عن ابن عمر، أن رسول الله- ﷺ قال: "وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة". وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله- ﷺ : "عليك السمع والطاعة، في عُسرك ويُسرك، ومَنشطك ومَكرهك، وأثرة عليك".
стр. 15332
وفي الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية".
وهذا كله محافظة على الاجتماع وخوفا من التفرق الذي يضعف الأمة أمام هجمات الأعداء ومحافظة على دمَاء المسلمين وأعراضهم وأموالهم؛ لما يحصل في الخروج على الإمام من الفتن وسفك الدماء وذهاب الأموال وهتك الأعراض؛ كما جرب الناس ذلك وعانوا منه العنت والشر الكثير، والشرع جاء باحتمال أقل الأمرين ضررا؛ لدفع ما هو أعظم؛ ولهذا جاءت النصوص عن رسول الله- ﷺ بالأمر بقتل من خرج بطلب السلطة، والمسلمون لهم سلطان قائم لما في ذلك من الفتن والتفرق، كما في صحيح مسلم عن عوف بن عرفجة قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان". وفي النسائي، عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله- ﷺ : "أيما رجل خرج، يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه".
وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عُمِّيّة يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية فقُتل فقِتلةً جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه".
فحذر- ﷺ مما يفرق ويوهن الجماعة وأمر بقتل من يريد أخذ السلطة ممن هي بيده واجتمع عليه المسلمون سواء كان برا أو فاجرا وأخبر أن من قتل تحت راية عُمِّيّة أن قتلته جاهلية ومن قاتل لعصبية أنه كذلك وتبرأ ممن يفرق بين أمته.
стр. 15333
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فليس فيه الأمر بالقتال ابتداءً ولكن إذا حصل القتال بين طائفتين من المؤمنين يجب الإصلاح بينهما بدون قتال ما أمكن ذلك امتثالا لأمر الله تعالى، ويكون الإصلاح بالعدل والإنصاف وقد تكون إحدى الطائفتين أقرب إلى الحق، فتعان على الحق ويحال بين الأخرى وبين البغي والظلم، فإن أبت إحداهما قبول الصلح والحكم بينهما بالحق، وأبت إلا البغي وركوب العسف والتمادي في الباطل، فعند ذلك تقاتل تلك الطائفة منعا للقتال الذي هو أعظم من قتالها لأنها إذا لم تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله بل تركت حتى تتقاتل هي والأخرى صار الفساد أعظم، ثم إن الذي يقاتل الطائفة الباغية غير الطائفة المبغي عليها، فهذا من نصر المظلوم ودفع الفساد العظيم بما هو أقل منه فسادا.
стр. 15334
قال ابن جرير: "يقول جل ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان، اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل، فإن بغت إحداهما على الأخرى، يقول: فإن أبت إحدى الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها أو عليها، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تبغي؛ أي التي تعتدي وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، فإن فاءت ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالعدل يعني الإنصاف بينهما وذلك حكم الله في كتابه جعله عدلا بين خلقه"وهذا ليس فيه قتال الأئمة الذين بأيديهم السلطة، بل هذا نوع آخر وإنما المأمور به في هذه الآية دفع الفتنة وتقليلها ما أمكن بالإصلاح أو بالقتال إذا لم يمكن بدونه، فتقاتل الفئة الباغية على الأخرى، حتى تذعن لحكم الله، ويصير الدين كله لله وكلمة المسلمين مجتمعة.
والمأمور بالقتال هم المؤمنون الذين ليسوا من إحدى الطائفتين، أمر الله تعالى بأن يقاتلوا من بغى على أخيه، وتعدى بقتال، ولم يقبل الصلح بالعدل، فقتال مثل هؤلاء من باب الجهاد، ونصر المظلوم.
стр. 15335
أما إذا وقع بغي ابتداء بغير قتال مثل أخذ المال أو رئاسة بظلم فهذا لم يأذن الله تعالى بقتالهم على ذلك بل أمر الرسول- ﷺ مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطائهم حقوقهم وأن يطلب المظلوم حقه من الله تعالى ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال فيها قتال فتنة وحذر من الخروج على الأئمة؛ وإن كانوا ظلمة وجائرين يضربون الظهور ويأخذون المال ويمنعون الحقوق؛ بل نهى عن معصيتهم حينئذ ونزع يد الطاعة منهم ما لم يأمروا بمعصية الله تعالى, فعند ذلك لا طاعة لهم ولا يسمع لقولهم وكذلك إذا ارتدوا عن الإسلام وكفروا به صراحة فلا يجوز أن يكونوا حينذاك أئمة على المسلمين، فطاعتهم مقيدة بأن لا يأمروا بمعصية الله تعالى, فهم لا يطاعون في كل شيء وإنما يطاعون إذا أمروا بطاعة الله أو بما ليس فيه معصية لله تعالى، أما إذا أمروا بمعصية الله تعالى فلا سمع لهم ولا طاعة.
وكذلك النهى عن الخروج عليهم مقيد بكونهم مسلمين مصلين، أما إذا كفروا كفراً صريحا وارتدوا ردةً واضحة جلية فلا يجوز حينئذ أن يكونوا ولاة على المسلمين وعلى هذا دلت النصوص عن رسول الله- ﷺ .
جاء في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: "بعث رسول الله- ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: أجمعوا لي حطبا، فجمعوا له ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله- ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فأدْخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله- ﷺ من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي- لصلى الله عليه وسلم - فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف" [٢٧] .
стр. 15336
وفيه أيضا عن أم سلمة أن النبي- ﷺ قال: "سيكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما صلوا".
وفيه أيضا عن عوف بن مالك سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلُّون عليكم وتصلُّّون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولى عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية ولا ينزعن يداً من طاعة".
قال النووي: "أجمع العلماء على وجوب طاعة ولاة الأمور من غير معصية وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع القاضي عياض وآخرون" قال: "وتجب طاعتهم فيما يشق على النفوس وما تكرهه وغيره فيما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صرح به في الأحاديث، فتحمل الأحاديث التي فيها إطلاق السمع والطاعة على المقيدة، وفي حديث عبادة قال: "بايعنا رسول الله- ﷺ فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن ترون كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان".
ونقل النووي عن عياض أنه قال: "أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل "إ. هـ يعني انعزل حكما، لأنه لا يجوز أن يتولى الكافر على المسلمين، فولي الأمور هو الذي يقيم الحدود ويقود المسلمين في جهاد أعدائهم ويذود عن بلادهم، فإذا لم يكن على دينهم لا يتوقع منه فعل ذلك.
стр. 15337
والمقصود أن النبي- ﷺ حذر من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة وذم ذلك وجعله من أمر الجاهلية، لأن أهل الجاهلية لم يكن لهم رئيس يجمعهم وشأنهم التفرق والاختلاف، ويرون السمع والطاعة مهانة وذِلَّة والخروج عن الطاعة وعدم الانقياد عندهم فضيلة يمتدحون بها.
فجاء الإسلام مخالفا لهم في ذلك آمرا بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة لهم في غير معصية والنصح لهم، وبالغ صلوات الله وسلامه عليه في ذلك حتى قال فيما أوصى به في حجة الوداع: "اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم، وإن كان عبدا حبشيا مُجْدِع الأطراف ".
مع أنه- ﷺ كان دائما يأمر بإقامة رئيس حتى في الجماعة القليلة والمدة القصيرة ويحث على طاعته، كما أمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، مبالغة في طلب الاجتماع وحرصا على عدم الفرقة ومخالفة لأمر الجاهلية وتقدم الحديث الذي في صحيح مسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل، وقال:وكثرة السؤال وإضاعة المال " وهذه أصول الإسلام فإنه بني على عبادة الله وحده، والجن والإنس خلقوا لذلك.
ولهذا صار من أصول أهل السنة صلاة الجمع وغيرها خلف البر والفاجر، ويرون أن ترك الصلاة خلفهم من سنة المبتدعين، وإذا كان الإمام مستورا فإنه يصلى خلفه بالاتفاق من أئمة المسلمين، ومن زعم أنها غير جائزة فقد خالف الإجماع من أهل السنة وقد كان الصحابة يصلون خلف الفسقة والظلمة بل ومن كان متهما بالإلحاد كابن أبي عبيد وكان داعيا إلى الضلال، ولم يكونوا يعيدون الصلاة وقد أنكر الإمام أحمد على من يعيدها إنكارا شديدا وعد ذلك من البدع.
стр. 15338
والاعتصام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق والتعاون على البر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ .
وفى الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه، قوله- ﷺ : "وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
وفى خطبة عمر ﵁ المشهورة التي ألقاها في الجابية، قوله: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"وفيها: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر.
وقال البخاري: "الجماعة هم أهل العلم"، وهذا لا يخالف قول الجمهور من العلماء لأن أهل العلم، يقولون بمقتضى أحاديث رسول الله- ﷺ التي تنص على وجوب طاعة الأمراء الذين يتولون أمور المسلمين، وإن كانوا فجرة ماداموا على الإسلام لم يخرجوا إلى الكفر الصريح كما في صحيح مسلم من غير وجه أن رسول الله- ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني".
وفيه عن ابن عباس، قال: "نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في الإسراء.
стр. 15339
وفي صحيح مسلم عن حذيفة، قال: "قلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجَاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن, قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر, قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: صفهم لنا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا, قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم, قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فأعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".
وفي لفظ آخر: "قلت: وهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قالت: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فأسمع وأطع".
وفي رواية قال عن الخير الثاني: "صلح على دخن وجماعة على أقذاء فيها وقلوب لا ترجع إلى ما كانت عليه".
стр. 15340
فالخير الأول: النبوة وما اتصل بها من خلافة ليس فيها فتنة، والشر هو ما حصل من الفتنة بسبب مقتل الخليفة الثالث عثمان ﵁ وتفرق الناس حتى صار حالهم شبيها بحال الجاهلية يقتل بعضهم بعضا، ولهذا قال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله- ﷺ متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية"فيبين أنهم جعلوا ذلك غير مضمون كما أن ما يصيبه أهل الجاهلية بعضهم من بعض غير مضمون، لأن الضمان إنما يكون مع العلم بالتحريم فأما مع الجهل كحالة البغاة من أهل القبلة والكفار فلا ضمان، لهذا لم يضمن النبي- ﷺ أسامة دم الذي قتله بعد ما قال: لا إله إلا الله "، مع تغليظه- ﷺ في ذلك، وردد عليه قوله: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، ثلاث مرات حتى قال أسامة فتمنيت أني لم أسلم قبل ذلك.
والخير الثاني: اجتماع الناس على معاوية بعد أن تنازل الحسن له عن الأمر، وكان ذلك صلحا على أقذاء، ودخن في ذلك الاجتماع حيث لم ترجع القلوب إلى ما كانت عليه زمن النبي- ﷺ – وخلفائه قبل الفتنة.
والمقصود أن النبي- ﷺ أخبر بأنه يكون أئمة لا يهتدون بهديه- ﷺ ولا يستنون بسنته وأخبر أن فيهم رجالا قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس، ومع ذلك أمر بالسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب الظهر وأخذ المال وفي ذلك بيان وجوب طاعة السلطان، سواء كان عادلا أو ظالما جائرا وهذا حماية منه- ﷺ للأمة من التفرق، الذي يضعفها ويجعلها نهبة للأعداء، كما هو الواقع من حال المسلمين اليوم لما تفرقوا وأصبحوا دويلات لكل دويلة حدودها واتجاهاتها.
стр. 15341
وعلاقتها مع أعدائها أوثق من علاقتها مع الدول الإسلامية، وبذلك صار المسلمون غثاء كغثاء السيل ذهبت مهابتهم من قلوب أعدائهم وقذف في قلوبهم الوهن فوصلوا إلى حالة من الشقاق والاختلاف وصاروا فيها من أبعد الناس عن الاتفاق الائتلاف. والواجب عليهم الحذر مما وقع فيه من قبلهم من الاختلاف في دينهم أشد الحذر وقد أكثر الله ورسوله في تحذيرهم من ذلك ورتب تعالى العذاب على الاختلاف.
وهم قد جربوا ذلك بأنفسهم فلما كانوا ممتثلين لأمر ربهم بالاتفاق والاعتصام بكتاب الله تعالى، منتهين عن التفرق والاختلاف، كانوا خير أمة أخرجت للناس، فحصل لهم الخير العظيم الذي لم يطرق العالم مثله، من كثرة الإيمان بالله وانتشار العدل بين الناس وقوة المسلمين وسيطرتهم على معظم الأرض وقمع الباطل وحزب الشيطان، فلما سلكوا مسالك من تقدمهم من التفرق في الدين وتقليد أعدائهم ذهبت ريحهم، ثم لم يزل النقص فيهم إلى أن صاروا أذلة يستجيرون بأعدائهم، مع كثرة عددهم، والله تعالى جعل الاختلاف من طبيعة البشر فلذلك بين علاجه بيانا واضحاً بأن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتَابه، وسنة رسوله، وبذلك يحصل الاتفاق والاعتصام بحبل الله.
والمقصود أن الله تعالى لم يأذن بقتال الأمراء والولاة، والخروج عليهم لما في ذلك من الفتن والفساد الكبير، والواقع أكبر شاهد لذلك.
وأما إذنه بدفع الصائل بالقتال كما في الحديث: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" ونحو ذلك، فهذا ليس فيه فتنة ولا هو من دواعي التفرق والاختلاف، فهو مثل قتال اللصوص وقطاع الطرق فليس قتالهم فتنة، إذ الناس كلهم أعوان على قتالهم، فلا يكون في قتال هؤلاء ضرر عام يشمل الظالم والمظلوم وغيرهما، كقتال ولاة الأمور، فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر والاحتمال.
стр. 15342
وبهذا تجتمع النصوص وتتفق، ويزول التعارض الذي يتوهمه بعض الناس.
وهذا الأمر مما ينبغي الاهتمام بفهمه، فإن خطره عظيم، والنصوص التي تقدم ذكر بعضها تدل على وجوب الكف عن القتال في الفتنة، ولكن إذا كان الخارج مارقا من الدين ظاهر الضلال ويتدن بقتال المسلمين كالخوارج والروافض الذين يرون قتل المسلمين من فضائل الأعمال، فإنهم يُقاتلون وُيرغب في قتالهم، كما أمر الرسول ﷺ بقتال الخوارج ورغب فيه والروافض أشر من الخوارج.
وما قاله بعض العلماء من وجوب القتال مع من هم أولى بالحق، فالصواب خلافه- أي وجوب الكف عن القتال - لأن القتال فيه من الشر العظيم والفتنة والفساد أعظم مما في ترك القتال كما هو الواقع، لأن القتال في مثل ذلك لأجل ترك واجب مثل الامتناع من طاعة معين والدخول في الجماعة، وفي قتال الممتنعين ما فيه من سفك دماء المسلمين والفتن العظيمة أعظم مما يحصل بتركه، وإن كان غيرهم أولى بالطاعة والمقصود أن الله تعالى نهى عن التفرق وعن أسباب الفتن، مما يضعف الأمة ومن تتبع تاريخ المسلمين عرف أن أكثر الاختلاف والتفرق حصل في مسائل الصفات والقدر والإمامة وغالب ذلك مما يدخله الاجتهاد، فهم في ذلك ما بين مجتهد مخطئ ومخطئ باغ وباغ من غير اجتهاد أو مقصر فيما أمر به من الصبر والاحتمال، فحصل بسبب ذلك من القتال والشرور ما هو معلوم لمن نظر في التاريخ والواقع.
وقد قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ فأمر تعالى بالصبر على أذى الكفار من اليهود والنصارى والمشركين مع التقوى.
стр. 15343
وفي هذا تنبيه على وجوب الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين.
والله تعالى قد أمر بالعدل مع الكفار وغيرهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
فنهى تعالى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على عدم العدل فيهم، فكيف إذا كان البغض لفاسق مؤمن أو مبتدع متأول، فهو أولى بوجوب العدل معه وأن لا يحمل بغضه على ظلمه.
والإسلام جاء بتأليف القلوب وجمعها على الحق ومناصرة المؤمنين ومعاونتهم على البر والتقوى قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فأمر بتنمية الخير وتكثيره وبإماتة الشر وتقليله، وأمر بالأسباب التي تجلب الخير ومودة المسلم لأخيه، ونهى عن الأسباب التي تجلب العداوة والبغضاء، مما يدل على أن الإسلام مبني على وجوب التآلف بين أهله والاجتماع عليه، وتحريم الفرقة والاختلاف.
فلهذا حرم السب والسخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وما أشبه ذلك مما يسبب الفرقة بجلب العداوة والبغضاء وتنافر القلوب.
وحرم الأفعال الداعية إلى ذلك ففي الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي- ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
стр. 15344
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فهذه الأمور التي نهى عنها وهي السخرية واللمز والتنابز بالألقاب, هي مما يوغر الصدور ويحدث البغضاء الداعية إلى التقاطع والاختلاف وتفرق القلوب والأفكار ثم تفرق الأبدان.
وأمر بعكس ذلك مما يدعو إلى الألفة والمحبة كطيب الكلام، ولين الجانب وإفشاء السلام، والدعاء بأحسن الأسماء وأحبها إلى المدعو، والهدية، وما أشبه ذلك مما يجلب المحبة، ويجمع القلوب، ويشعر بالأخوة الصادقة.
وهذا لا ينافي لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المقصود منه رحمة الخلق وامتثال أمر الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قال أبو هريرة: "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأتون بهذا في الأقياد والسلاسل تدخلونهم الجنة".
فهذه الأمة خير الأمم لبني آدم، فإنهم يعاقبونهم بالقتل والأسر، وسبي الأموال والأولاد، ومقصودهم بذلك الإحسان إليهم، وسوقهم إلى كرامة الله تعالى ورضوانه من دخول الجنة، والحيلولة بينهم وبين النار، عكس ما يفعله النصارى والملحدون, الذين يجهدون أنفسهم ويبذلون أموالهم يبعدون بذلك الناس عن الله تعالى وهدايته، ويكرهون إليهم لإسلام بما يظهرونه من تشويه للإسلام وأهله.
стр. 15345
وكذا إذا رد المؤمن على أهل البدع، فإنه يجب أن يكون مقصوده بيان الحق وهداية الخلق، ورحمتهم والإحسان إليهم، وإذا بالغ في ذم بدعة أو معصية فينبغي أن يكون قصده بيان ما فيها من الفساد، وتحذير الناس من الوقوع فيها.
وكذا إذا هجر إنسانا أو عزره، أو أقام عليه الحد، فلا يجوز أن يكون ذلك للتشفي والانتقام، بل يكون للرحمة والإحسان، فإن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله لخلقه، وإرادة الإِحسان إليهم ونفعهم، كما يقصد الوالد بتأديب ولده نفعه والإحسان إليه، وكما يقصد الطبيب بإجراء العملية للمريض شفاءه والإحسان إليه.
ولهذا أمر الله تعالى بالصلاة على من أقيم عليه الحد والاستغفار له، كما كان النبي ﷺ يفعله، وأمر بالصلاة على الأموات من المسلمين، فكل مسلم لم تعلم ردته، ولا نفاقه فإنه يصلى عليه، ويستغفر له، وإن كان فيه بدعة وفسوق هذا هو مذهب أهل السنة، مخالفين بذلك نهج أهل الزيغ من الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، أو يحكمون على أصحابها بالخلود في النار.
ومن القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، أن المتأول إذا قصد متابعة الرسول- ﷺ فاجتهد وأخطأ أنه لا يكفر ولا يفسق سواء كان ذلك في المسائل العملية الفرعية، أو في العلمية الاعتقادية الأصولية.
والتفريق بين مسائل العمل والاعتقاد في ذلك من أقوال أهل البدع.
ولا يعرف عن أحد من الأئمة أنه كفر كل مبتدع، بل المنقول عنهم يخالف ذلك.
ولكن قد ينقل عن بعضهم أنه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر منه، ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع.
стр. 15346
وإذا لم يكن الإنسان في نفس الأمر كافرا ولا منافقا فهو من جملة المؤمنين فيستغفر له ويترحم عليه، وإذا قال المسلم في دعائه: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"دخل في ذلك كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ بتأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وكذا الموجودون ومن يوجد بهذه الصفة يدخلون في ذلك، وإن كانوا من الثنتين والسبعين فرقة، فما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارا، بل مؤمنين فيهم ضلال، وذنوب يستحقون بها الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين من غير أهل البدع.
والنبي- ﷺ ، لم يخرج الثنتين والسبعين من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل إنهم مخلدون في النار، فينبغي مراعاة هذا الأصل، فإنه أصل عظيم ومعلوم أن كثيرا من المنتسبين إلى السنة فيهم بدع من جنس بدع الجهمية والمعتزلة، ولا يقول عاقل يعرف شيئا من علم الكتاب والسنة أن مثل هؤلاء كفار، أو أنهم خارجون من الفرقة الناجية مطلقا.
قال شيخ الإسلام: "من كفَّر الثنتين والسبعين فرقة كلهم، فقد خالف الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، مع أن الحديث في ذلك قد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره، وصححه الحاكم وغيره ورواه أهل السنن من طرق".
стр. 15347
وليس قوله في: الثنتين والسبعين "كلها في النار" لما بأعظم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ وأمثال ذلك من نصوص الوعيد الصريحة بإدخال من فعل ما ذُكر النار، ومع ذلك لا نشهد على معين ممن أكل مال اليتيم ظلما، أو أكل مالا بالباطل، أو ارتكب ما توعد عليه بدخول النار، لا نشهد عليه بالنار، لإمكان أنه تاب، أو كانت له حسنات محت سيئاته، أو كفَّر الله عنه بمصائب أصيب بها أو غير ذلك.
والمقصود أنه يجب العدل في الحكم والقول، وأن يتبع كتاب الله تعالى, فإن الله تعالى قد أغنانا به، وبين لنا به ما نحتاجه في جميع شئوننا، وأن نرجع إليه إذا حصل بيننا خلاف، فهو كفيل بحل جميع مشكلاتنا، ففيه الهدى والنور.
وقد ذكر الله تعالى أن المختلفين اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فلذلك ذمهم الله، لأن العلم جاءهم من الله واضحا جليا فاختلفوا، قاصدين البغي معرضين عن الهدى، مع علمهم بالحق، ولم يكونوا باختلافهم مجتهدين مخطئين قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ قال الزجاج: "اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان".
стр. 15348
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني أن الذين اختلفوا في الكتاب هم اليهود والنصارى، الذين قال رسولنا- ﷺ أن هذه الأمة ستسلك مسالكهم فهدى الله المؤمنين من هذه الأمة لما اختلف فيه أولئك من الحق.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
стр. 15349
وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ فهذه الآيات ونظائرها في كتاب الله تعالى، فيها البيان أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم، والبينات- أي الدلائل الواضحات - بأن ما جاءت به الرسل هو الحق، فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأن الحق اشتبه عليهم بالباطل، وهذه حال أهل البدع، والاختلاف المؤدي إلى الضلال.
فأصحاب الأهواء عامة لا يختلفون إلا بعد ظهور الحق لهم، ووضوح الهدى، فيبغي بعضهم على بعض، فكل فريق منهم له نحلة يضلل من خالفه فيها، ويرد الحق إذا لم يتفق مع باطله، ويكذب به.
وأما رسل الله تعالى فإنهم جاءوا بدين واحد- هو دين الإسلام - وأمرهم أن يدعوا إليه، ونهاهم عن التفرق فيه، وهو في الحقيقة دين أول الرسل وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ .
стр. 15350
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ, وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فقوله أمتكم أمة واحدة، يعني شريعتكم ودينكم واحدا، ولكن الناس اتخذوا كتبا كتبوها مبتدعين فيها غير ما جاءتهم به رسلهم مختلفين متفرقين بغيا وعدوانا.
стр. 15351
وقد قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ, رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً, فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ, وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ونظير هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ, مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فنهاهم أن يكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يعني فرقا متعددة وأحزابا متعادية، وأعاد لفظة (من) في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ ليبين أن هذا بدل من الذي قبله، والبدل هو المقصود، وما قبله توطئة له، فهذا تحذير بليغ عن الاختلاف والتفرق.
ودلت هذه الآية على أن الاختلاف والتفرق شيعا لا ينفك عن الشرك لما فيه من عبادة الأهواء.
стр. 15352
فالله تعالى جعل دينه واحدا، وأمر رسله أن تدعوا إليه من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما قال تعالى عن أولهم نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى عن خليله، وأبى الأنبياء بعده: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي أن إبراهيم ويعقوب كلاهما وصى بنيه بهذا القول وقال يوسف ﵇: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ وقال المؤمنون الذين كانوا سحره فهداهم الله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقالت ملكة اليمن بعد أن هداها الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأخبر تعالى عن أنبياء بني إسرائيل بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وقال حواري عيسى ﵇: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى عن خاتم رسله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ, وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
стр. 15353
مُسْلِمُونَ﴾ وفي الصحيحين أن النبي- ﷺ قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد".
وليس تنوع الشرائع مخالفا لذلك أو مانعا منه، بل أصل الدين الذي جاءت به الرسل كلهم واحد، هو الإسلام، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإن كان لكل نبي شرعة، وهذا مثل ما كان في أول الإسلام لما كانت القبلة إلى بيت المقدس ثم حولت إلى الكعبة، والدين واحد في كلتا الحالتين، وهكذا شرائع الأنبياء، ولهذا إذا ذكر الله الحق جعله واحدا، وإذا ذكر الباطل جعله متعددا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
فالمتعين على المسلم أن يكون أصل قصده توحيد الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله- ﷺ بإتباع أمره، واجتناب نهيه، يدور مع ذلك حيث وجده، في قوله، وعمله، فلا ينتصر لقول شخص مهما كان، انتصارا مطلقا إلا لرسول الله- ﷺ لأنه لا ينطق عن الهوى، وهو معصوم عن الخطأ في ما يبلغه عن الله تعالى، ويعلم أن أفضل الناس بعد الأنبياء هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعن، فلا ينتصر لطائفة انتصارا عاما مطلقا إلا لهم، ومن عداهم فالانتصار لهم يجب أن يكون بقدر ما معهم من الحق، وذلك لأن الحق والهدى يدور مع الرسول- ﷺ ، وأصحابه إذا اجتمعوا فهم على الحق قطعا، بخلاف أصحاب غيره من الأئمة، فيجوز أن يجتمعوا على الباطل، أما مجموع الأمة فلا تجتمع على الباطل ومن الممتنع أن لا يعرف الصحابة الحق الذي جاء به رسول الله- ﷺ وأن يعرف أحد من العلماء بعد الصحابة، ما لا يعرفه الصحابة بمجموعهم، أو يعرف حقا يخالف ما جاء به الرسول- ﷺ بل كل ما خالف قوله أو فعله فهو باطل.
стр. 15354
والصحابة هم الذين بلغوا الدين عن الرسول- ﷺ -فلا يمكن معرفة ما جاء به الرسول- ﷺ إلا بواسطتهم، ولهذا صار الطعن فيهم طعنا في الدين.
والمؤمن بالله حقا، ظاهرا وباطنا هو الذي قصده إتباع الحق، وما جاء به الرسول ﷺ وإن وقع في خطأ فهو غير مقصود، بخلاف أهل البدع والاختلاف فإنهم لا يقصدون إتباع الحق، بل يتبعون أهواءهم، وما تزينه لهم شياطينهم وعلى ذلك يعادون ويوالون، ويقصدون نصر جاههم، ورياستهم، وما ينسب إليهم، لا يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله.
ولهذا نجدهم يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا، ويرضون على من يوافقهم وإن كان جاهلا منافقا سيئ القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، ولهذا يذكر العلماء: أن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ولعن بعضهم بعضا ومن مدائح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون، فأهل البدع يحمدون من لم يحمده الله ورسوله، ويذمون من حمده الله ورسوله.
فهم في الحقيقة يتبعون أهواءهم، ولهذا يسميهم السلف أهل الأهواء، لأنهم لا ينظرون إلى أن يكون دين الله هو الظاهر، وكلمته العالية، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا لم يكن الدين كله لله فالفتنة موجودة.
وأصل هذا الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة له، والمعاداة فيه، والعبادة كلها لله، وهذا لا يمكن إلا بمتابعة الرسول- ﷺ .
стр. 15355
ولهذا قال العلماء: إن قول الرسول- ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى" نصف الدين، ونصفه الآخر قوله- ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" لأن الأول يتضمن المقاصد، والثاني يتضمن المتابعة، وكلاهما شرط في صلاح العمل وتهيئته للقبول.
فلابد من إخلاص العمل لوجه الله تعالى، ومن الاعتصام بحبل الله، وهو إتباع كتابه وسنة رسوله- ﷺ فإن لم يكن ذلك فالهلاك أقرب إلى الإنسان من عنقه، وألزم له من ظله، نسأل الله الهداية والتوفيق وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الآيات من سورة آل عمران رقم ١٠٢- ١٠٧.
[٢] تفسير الطبري ج٧ ص ٧١ بتحقيق محمود شاكر ط المعارف.
[٣] تفسير ابن جرير الطبري ج٧ ص ٧١.
[٤] المصدر نفسه.
[٥] المسند ج٣ ص١٤ ,١٧ ٢٦،٥٩ وانظر الترمذي ٤ ص ٣٤٣.
[٦] تفسير الطبري ج٧ ص ٧٣.
[٧] ابن جرير ج٧ ص ٧٥.
[٨] نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إليه ولم أجده في ديوانه.
[٩] الآية رقم:٦٥ من سورة النساء.
[١٠] الآية ٩٠ من سورة النحل.
[١١] الآية ٥٨ من سورة النساء.
[١٢] الآية ١٥٢ من سورة الأنعام.
[١٣] قال السيوطي رواه أبو يعلى والخطيب في المتفق والمفترق انظر الجامع الكبير المصور عن المحطوطةج١ ص٨٨٧
[١٤] الآية ٢٦ من سورة ص.
[١٥] الآية ٤٤ ص سورة المائدة.
[١٦] الآية ١٥٣ من سورة الأنعام.
[١٧] رواه مسلم جـ ٤ رقم ٢٨٨٩.
[١٨] الآية ١٥٩ من سورة الأنعام.
[١٩] الآية ٢١٣ من سورة البقرة.
[٢٠] المنهاج جـ ٣ص٣٣.
[٢١] انظر صحيح مسلم جـ ٢ ص١٣٤٠ رقم ١٧١٥.
стр. 15356
[٢٢] المصنف جـ١٥ص٢١.
[٢٣] المصدر نفسه جـ ١٥ ص ٢٤.
[٢٤] الآية ٢١٣ من سورة البقرة.
[٢٥] الآية ١٩ من سورة آل عمران.
[٢٦] الآية ١٧ من سورة الجاثية.
[٢٧] صحيح مسلم جـ٧ ص ٢٢٧.
стр. 15357
الوحدة الإسلامية أسسها ووسائل تحقيقها
للدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
(آية ١٦٣ سورة البقرة)
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ .
(آية ٥٢- سورة المؤمنون)
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمن.. وبعد:
فإن إحساس الأمة المسلمة بحاجتها إلى اللقاء والتعاون إحساس منطقي وواقعي.. وذلك لأنها قد أضرت بها الخلافات.. وانهكتها النزاعات التي كانت سببا لضعفها وضياع حقوقها في عصر لم يعد يسمع فيه صوت الضعفاء ولا أنين الجرحى.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [١] .
فارتفاع الأصوات المسلمة هنا وهناك تنادى بضرورة وحدة الأمة واجتماع كلمتها أصوات صادقة ينبغي أن تتجاوب لها الأقطار الإسلامية لتنقذ نفسها وتحمى حقها.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [٢] .
ولكنه لابد للأمة المسلمة- وهي تلم شعثها وتوحد صفوفها- لابد لها من إدراك صحيح للأسباب التي كانت وراء هذا الواقع السيئ الذي تعيشه والأسس التي ينبغي أن تلتقي عليها والوسائل التي يمكن أن تتحقق بها تلك الأسس، وذلك لئلا تنتقل من واقع منحرف إلى واقع آخر منحرف.
وإنني إذ أكتب هذا البحث لآمل أن ينفع الله به الأمة المسلمة وهى تتجه إلى الله وتعمل على توحيد كلمتها إنه سميع مجيب.
وعنوان البحث: (الوحدة الإسلامية: أسسها ووسائل تحقيقها) ، وقد تضمن أربعة أقسام وخاتمة.. وذلك على النحو التالي:
стр. 15358
القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:
أولا: في العقيدة.
ثانيا: في العبادة.
ثالثا: في الشريعة.
القسم الثاني: أسباب هذا الواقع:
أولا: الجهل بدين الله .
ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين.
ثالثا: الغزو الفكري.
القسم الثالث: أسس وحدة الأمة الإسلامية:
أولا: وحدة الغاية.
ثانيا: وحدة العقيدة.
ثالثا: وحدة القيادة.
رابعا: وحدة التشريع.
القسم الرابع: وسائل تحقيق أسس الوحدة:
أولا: التعليم الموجه.
ثانيا: الإعلام الملتزم.
ثالثا: الاقتصاد المستقل.
رابعا: العمل على الاكتفاء الذاتي.
خامسا: إيجاد مراكز علمية.
الخاتمة:
وأخيرا أسأل الله أن يهيئ أسباب وحدة الأمة وأن يجمع كلمتها على الحق إنه سميع مجيب.
القسم الأولى
واقع الأمة الإِسلامية
أولا: في العقيدة:
أ- انحرافات إلحادية.
ب- انحرافات في الجانب النظري- العلمي- من العقيدة.
ج- انحرافات طائفية قديمة.
د- انحرافات طائفية حديثة.
ثانيا: في العبادة:
أ- الغلو المفرط في أدائها.
ب- الإهمال المطلق بها.
ج- عدم الالتزام بالأداء الصحيح لها.
ثالثا: في الشريعة:
أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها.
ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية.
القسم الأول
واقع الأمة الإسلامية
واقع الأمة الإسلامية واقع مكشوف لا يكاد يجهله أحد، فقد تعرض لأمراض متعددة وانحرافات متنوعة بحيث لا يكاد يسلم جانب من جوانبه- لا في العقيدة ولا في العبادة ولا في الشريعة-.
وسأحاول فيما يأتي الإشارة إلى هذا الواقع بشيء من الإيجاز.
أولا: في العقيدة:
стр. 15359
إن أخطر الانحرافات التي تعرضت لها الأمة المسلمة هي الانحرافات في العقيدة ولا نستطيع هنا استيعابها وتفصيلها ولكنا سنكتفي هنا بالتنبيه على بعضها.
أ- انحرافات إلحادية:
هدف أصحابها استبدال المبادئ الكافرة بعقيدة الإسلام، وهم طوائف متعددة وسلكوا طرقاً متنوعة يقول الأستاذ مصطفي صبري: "ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة ترمى إلى محاربة الإسلام في بلاده بأيدي أهله والتي لاشك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر ... " [٣] .
ويقول في مكان آخر: "لكن البلاد الإسلامية عامة ومصر خاصة مباءة اليوم لفئة تملكوا أزمة النشر والتأليف ينفثون من أقلامهم سموم الإلحاد غير مجاهرين بها وربما يتظاهرون بالدين" [٤] .
ويقول الدكتور محمد محمد حسين بعد عرضه للدعوات الهدامة: "كانت هذه الدعوات تسلك إلى أهدافها مسالك متباينة وتلبس أثوابا مختلفة ولكنها جميعا ترمى في آخر الأمر إلى توهين أثر الإسلام في النفوس وتفتيت وحدته التي استعصت على القرون الطوال" [٥] .
ب- انحرافات في الجانب النظري- العلمي من العقيدة:
وذلك فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله.
فقد وجدت الاتجاهات المنحرفة التي تتنكر لهذا الجانب أو لبعضه فأولت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وردت الأحاديث الأخرى والتي تعرف الناس بربهم .
وكان أول من أظهر هذه البدعة الضالة- بدعة الحديث في أسماء الله وصفاته وتأويلها- الجعد بن درهم فأول الاستواء والكلام لله [٦] وتبعه على ذلك المعتزلة الذين أصبحوا فيما بعد فرقة مستقلة في منهجها وفهمها تقابل أهل السنة.
قال الشهرستاني: "الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلان تقابل تضاد" [٧] .
стр. 15360
وقد أتى القوم من ضلال عقولهم القاصرة وظنهم أن إثبات تلك الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ -يقتضي التشبيه بالمخلوق.
وينتج عن هذا المذهب أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يستطيعا بيان مراد الله من خلقه من أقرب الطرق.
فتعددت بذلك الفرق وانقسم المسلمون إلى متابع لهذه الطائفة ومخالف لها وحدثت في تاريخ الأمة الإسلامية بسببه وحدثت ومشكلات، ولازالت آثار هذه الطائفة قائمة في المجتمع الإسلامي إلى اليوم.
جـ- انحرافات طائفية قديمة:
لازالت قوية ونشطة رغم انحرافها وفساد معتقداتها.
ومن تلك الطوائف: (طائفتا الشيعة والصوفية) .
فالأولى تقوم على عقيدة تخالف عقيدة الإسلام التي جاء بها رسول اللهّ ﷺ .
فمن ذلك إسباغ صفات الألوهية على أئمتهم وادعاؤهم أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتلقون الوحي من السماء وفي كلا الأمرين إساءة إلى الله وتكذيب لدينه.
وأخيراً فإنهم يتهمون أصحاب رسول الله له بالخيانة والردة عن الإسلام، وهذا يؤدى إلى إبطال الإسلام.
فأما ادعاؤهم علم الغيب لأئمتهم فقد ورد في أهم مصادرهم بألفاظ صريحة في أبواب مستقلة.
فقد ورد في كتاب: (أصول الكافي) - وهو أهم كتاب عندهم-[٨] عناوين تؤكد ذلك.
منها: (باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم) [٩]
ومنها: (باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا) [١٠] .
ومنها: (باب أن الأئمة ﵈ يعلمون ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) [١١] .
وأما ادعاء نزول الوحي على الأئمة فيذكرون عن جعفر الصادق أنه قال- وهو يتحدث عن مصادر علم الأئمة-: "وأما النقر في الأسماع فأمر الملك" [١٢] أي صوت الملك.
стр. 15361
فعلم الغيب لا يظهر الله عليه إلا أنبياءه ورسله كما جاء ذلك في كتاب الله حيث يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [١٣] .
ولكن الشيعة تعتقد أن الأئمة يأتيهم خبر السماء كما روى ذلك الكليني مؤلف أصول الكافي فقال: "إن المفضل سأل أبا عبد الله- أي جعفر الصادق- بقوله: جعلت فداك بفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء".
قال: "لا: الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء" [١٤] ويعلق الشارح على هذا القول فيقول: "ولذلك الإمامية ذهبوا إلى أن الإمامة لا تصلح إلا لمن له منزلة النبوة" [١٥] .
هذه بعض عقائدهم المنحرفة والتي تجعل لهم اتجاها آخر ودينا يخالف دين المسلمين.
وأما الصوفية فقد ابتدعت تقديس الأفراد ورفع التكاليف عن بعض الناس كما أعادت إلى الأذهان تلك الطقوس الكنسية التي أفسدت الدين النصراني حيث اتخذت من البشر وسائط عند الله بها تقضى الحاجات وتغفر الزلات إلى عشرات أخرى من الا نحرا فات.
فأما دعوى سقوط التكاليف فإنهم يزعمون أن للإنسان درجة إذا وصل إليها سقط عنه التكليف.
قال ابن تيمية ﵀: "ومن هؤلاء- أي الصوفية- من يحتج بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ويقول معناها: أعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة" [١٦] .
ويقول عنهم كذلك: "والغالبة في المشايخ قد يقولون: أن الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب" [١٧] .
стр. 15362
ويقول الدكتور إبراهيم هلال وهو يتحدث عن نتائج غلو الشيعة والصوفية في ذكر فضائل الأولياء: "ولعل أبرز مظاهر هذا التفضيل ما يدعيه بعض الصوفية من حلول الله فيهم أو اتحادهم به مما يتضمن القول بألوهيتهم وتصرفهم في الأكوان وفي الناس" [١٨] .
ولعل هذا هو السبب وراء التقديس وصرف العبادة إلى الأولياء المتمثل في بناء القباب على قبورهم والطواف حولها ودعاء أصحابها والذبح والنذر لهم إلى غير ذلك من صور العبادات التي لا يكاد يسلم منها بلد من بلدان المسلمين إلا من رحم الله .
وقد كان هذا الانحراف في الفكر الصوفي من الأسباب المباشرة لظهور الشرك في الأمة بتقديس الأموات وطلب الحاجات منهم واتخاذ قبورهم مزارات وأماكن عبادة فزاحم تعظيم الأموات توحيد الله في القلوب، فكثرت الأضرحة وتعددت الفرق والأحزاب لكل حزب ضريح به يستغيثون وعنده ينيخون وإليه عند نزول الحوادث يلجئون.
٦- انحرافات طائفية حديثة:
تتمثل في طوائف مستقلة ـ كالبهائية والقاديانية ـ ونحوها من الطوائف التي خرجت على عقيدة
الإسلام بدعوى النبوة لزعمائها ونزول الوحي عليهم وهى تتستر في كثير من البلدان باسم الإسلام وهي خارجة عليه لمخالفتها العقيدة (ختم النبوة) التي هي جزء من عقيدته.
فإن زعيم البهائية (حسن علي المازندراني) يزعم أنه نزل عليه الوحي وجمعه في كتاب سماه (الأقدس) [١٩] وقد ورد في هذا الكتاب ما يلي: "لا تحسبن إنا أنزلنا لكم الأحكام بل فتحنا ختم الرحيق المختوم بأصابع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحي تفكروا يا أولى الأفكار" [٢٠] فهو يزعم بهذا أنه قد فتح باب النبوة وفض ختمها ليوحي إلى البهاء وهو ما صرح به في كتاب آخر من كتبه حيث ذكر انه: "فك ختم النبيين" [٢١] .
стр. 15363
وكذلك زعيم القاديانية (غلام أحمد بن غلام مرتضى) له كتاب اسمه (تذكرة وحي مقدس) [٢٢] يزعم أنه أوحي إليه وقد كتب بأربع لغات وهي: العربية، والفارسية، والأردية، والإنجليزية.
وقد ورد فيه ما يلي: "إنا أرسلنا أحمد إلى قومه فأعرضوا وقالوا كذاب أشرا" [٢٣] و "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وتهذيب الأخلاق" [٢٤] .
وليست هاتان الطائفتان هما الوحيدتين في ادعاء نزول الوحي بل هناك طوائف أخرى وأشخاص آخرون ادعوا نزول الوحي كزعيم البلاليين: (اليجا محمد علي) في أمريكا وغيره.
ثانيا: في العبادة
لقد تعرضت العبادات إلى انحرافات أخرى متعددة نورد طرفا منها:
أ- الغلو المفرط في أدائها:
والذي كان يتمثل فيما سبق في طائفتي الخوارج والصوفية حيث كان لكل منهما غلو مفرط في جانب أو جوانب منها.
فالخوارج شددوا على أنفسهم وحملوها فوق طاقتها من قيام بالليل وصيام بالنهار حتى ظهر ذلك على ملامح وجوههم ومظاهر أجسادهم.
وقد وصفهم ابن عباس بعد زيارة لهم فقال: "فدخلت على قوم لم أرقط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن [٢٥] الإبل وعليهم قمص مرحضة [٢٦] مشمرين مسهمه [٢٧] وجوههم من السهر.." [٢٨]
وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الطائفة بقوله: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية..." رواه مسلم وأبو داود [٢٩] .
وأما الصوفية فقد بالغوا في الذكر والزهد وعاشوا في ظلمات الخلوات للوصول إلى (درجة اليقين) التي تسقط عندها عنهم كل التكاليف الشرعية- بزعمهم-[٣٠] .
стр. 15364
وقد أنكر ابن عقيل ﵀ عليهم هذه الأهواء والبدع فقال: "ما أعجب أموركم في المتدين: إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة" [٣١] .
ب- الإهمال المطلق للعبادات والاكتفاء بالتلفظ بالشهادتين:
وهذا الانحراف كان من ثمرات الإرجاء الذي لا يعطي للعمل اهتماما إذ أن الإيمان يثبت عند المرجئة بالقول فقط- عند بعضهم- وبالاعتقاد عند البعض الآخر.
وكان جهم بن صفوان هو أول من زعم أن: "الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط والكفر هو الجهل به فقط" [٣٢] .
وذكر البغدادي أن المرجئة: "إنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان".
ج- عدم التزام كثير من المسلمين بالأداء االصحيح للعبادات:
فترى أحدهم يؤدى هذه العبادات ولا يلتزم فيها بشروطها وواجباتها وأوقاتها.
ثالثا: في الشريعة:
لم تقتصر الانحرافات على الجانبين السابقين بل شملت- كذلك- حتى جانب الشريعة حيث تعرضت في الآونة الأخيرة التي تمزقت فيها الأمة وتحطمت فيها الخلافة الإسلامية- تعرضت إلى انحراف وفساد بل إلى حرب وعداء في كثير من البلدان الإسلامية نعرض طرفا منها:
أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها:
وهذا من آثار الاستعمار العسكري والفكري الذي فرق الأمة وأفسد عقليتها بحضارته وصناعته وكفره وجحوده. فوجد في المسلمين من يتحمس لقوانينه وفكره ويدعو إلى تطبيقها ومتابعتها.
وقد حظيت هذه الفئة بعناية الاستعمار ورعايته وسلم له زمام المجتمعات التي كان يسيطر عليها فخلفه فيها وقام على تطبيقها وتنفيذها بكل دقة.
ولعل الشروط التي فرضتها دول الاستعمار على مصطفي كمال أتاتورك تبين المخطط الاستعماري لحرب الإسلام ومحاولة فصل الأمة عنه.
يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: "وهذه هي الشروط الأربعة المشئومة التي فرضتها دول الاستعمار على تركيا:
стр. 15365
ا- إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا من تركيا.
٢- أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام.
٣- أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا.
٤- أن يستبدلوا الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت.
فقبل مصطفي كمال هذه الشروط ونفذها بحذافيرها فتركته دول الاستعمار" [٣٣] .
ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية:
فيؤخذ من الشريعة ما يتعلق بالأمور الشخصية وتكمل بقية الجوانب من القوانين الوضعية.
وقد ذكر الأستاذ محمد الخضر الحسين [٣٤] عن أسلوب دعاة هذا المبدأ فقال: "فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم وهو: أن يدَّعوا أن الإسلام: توحيد وعبادات ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا" [٣٥] .
ويقول الأستاذ مصطفي صبري [٣٦] عن هذه المحاولة والتي تعني فصل الدين عن الحكم والسياسة: "لكن حقيقة الأمر أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه وقد كان في كل بدعة أحدثها العصريون المتفرنجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة الخروج عليه لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد في غيره وهو ثورة حكومية على دين الشعب" [٣٧]
هذا عرض موجز لواقع المسلمين الذي قد أصيب في كل جانب من جوانبه مما كان له أسوأ الأثر على وحدة الأمة واجتماع كلمتها.. فقد أصيبت الأمة في عقائدها.. وعباداتها.. وشريعتها..
وما لم يصحح هذا الواقع على ضوء التوجيهات الواردة في كتاب الله وسنة
رسوله ﷺ -فلن تقوم للأمة قائمة ولن تجتمع لها كلمة.
القسم الثاني
أسباب هذا الواقع
أولا: جهل الأمة بدينها.
ثانيا: الغزو العسكري.
ثالثا: الغزو الفكري.
القسم الثاني
стр. 15366
أسباب هذا الواقع
لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر أهمها:
أولا: جهل الأمة بدينها:
فقد انتشر الجهل في الأمة قيادات وشعوبا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه فسهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم وأن يبثوا سمومهم بل وسهل عليهم أن يصنعوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدة المسلمين وينشرون الضلال في صفوفهم.
قال الأستاذ محمد كرد علي: "أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم ورغبوا عن الافتنان بفنونه وحصروا نطاقه وعفوا بعض معالمه فأصبحت مجاهل وكثرت البدع وكثر الدعاة إليها والتعويل عليها " [٣٨] .
ويذكر الأستاذ الندوي وهو يتحدث عن الجهل الذي أصاب تركيا "إنه لم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصابا بالجدب العلمي وشبه شلل فكرى قد أخذه الإعياء والفتور واستولى عليه النعاس" [٣٩] .
ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين:
كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة وتخضع لقيادة واحدة فكانت ذات شوكة ومنعة ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات واستولت على كثير منها فترات طويلة استطاعت فيها أن تفسد عقائدها وأخلاقها وتغير ولاءها.
стр. 15367
يقول برنارد لويس: "وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعدلت وتغيرت الولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة والتي كانت تحكم العرب والعجم والترك وحلت محلها أفكار ممزقة مبعثرة أوروبية هي مزيج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم حجبت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة" [٤٠] .
فأصبحت بعد ذلك الأمة الواحدة أمما مختلفة ومجتمعات متعددة لكل منها شعاره ومذهبه فتمزقت وحدة الأمة وتعددت ولاءاتها بحسب شعاراتها ومذاهبها.
وكان هذا كله بسبب الغزو العسكري الذي احتل بلاد المسلمين فترات متفاوتة ركز خلالها على إفساد عقيدة الأمة وأخلاقها وقسمها بعد ذلك إلى دول ومناطق أقام لكل واحدة منها حاكما مستقلا.
ثالثا: الغزو الفكري:
لم يكتف الاستعمار بتحطيم الخلافة الإسلامية وتفريق الأمة إلى دول وشعوب.. ونهب خيراتها وتشتيت ولاءاتها.. بل أضافوا إلى ذلك غزوا للعقول والقلوب بشعارات ومبادئ جديدة تفسد العقول وتخرب القلوب ليبقى لهم السيطرة والنفوذ مادامت هذه الشعارات والمبادئ تحكم هذه البلاد.
وقد ذكر الأستاذ محمد محمود الصواف عن وسائل الاستعمار في غزو المسلمين والجبهات التي تشترك في ذلك الغزو، وأكد أن جميع تلك الجبهات تعمل: "سرا وجهرا لأهداف الاستعمار التي يرمى من ورائها إلى إيقاف الوعي الإسلامي وصد المسلمين عن دينهم إبقاء لسَيطرته ونفوذه في بلاد المسلمين وليتمتع هو وجنوده الأبالسة في خيرات بلاد المسلمين ويسعى في سرقة ثرواتهم والسيطرة عليهم فكريا وسياسيا واقتصاديا.
стр. 15368
لذا أخذ المستعمرون يبذلون كل الجهود لإشاعة الفساد في المجتمع الإسلامي العظيم وزرع الشكوك في العقول الإسلامية وقتل الطموح في نفوس المسلمين، وبث الفرقة والشقاق في الصف الإسلامي حتى تعاونت جميع أجهزة الاستعمار من دعائية وسياسية وفكرية واقتصادية لتحقيق أهداف الاستعمار" [٤١] .
وقد شارك اليهود الاستعمار الصليبي في تصدير الأفكار والمذاهب المنحرفة إلى بلاد المسلمين.. بل لعل اليهود أكثر حماسا وحقدا على الإسلام، والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة حيث كان اليهود هم أول من وقف في وجه الإسلام وحاولوا القضاء عليه ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وحفظ دينه وأعلا كلمته.
فعبد الله بن سبأ (يهودي) أظهر الإسلام لإفساد الإسلام، ودعاة الإلحاد وزعماؤه اليوم (يهود) أرادوا إفساد العالم:
كارل ماركس الشيوعي (يهودي) [٤٢]
وفرويد (يهودي) [٤٣]
ودور كايم (يهودي) [٤٤]
وهؤلاء هم زعماء المذاهب المنحرفة في الاقتصاد والأخلاق والاجتماع وقد أثرت مذاهبهم في المجتمعات البشرية عموما وفي المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص.
يقول الأستاذ أنور الجندي: "ولا ريب أن اليهودية العالمية هي التي أثارت في العالم الإسلامي تمزيق وحدة العروبة والإسلام للحيلولة دون الوحدة وعملا على تعميق التجزئة الإقليمية.
ولما كانت وحدة العرب والمسلمين لها جذورها الضخمة البعيدة المدى في الفكر الإسلامي وفي القرآن نفسه فقد طرحت عشرات المذاهب والقضايا والدعوات والأنظمة والنماذج التي طرحت في أوروبا لإفساد المفهوم الإسلامي الجامع للعرب والإسلام" [٤٥] .
ويعترف اليهود بذلك في (بروتوكولاتهم) حيث يقول البروتوكول التاسع: "ولقد خدعنا الجيل الناشئ من الأميين وجعلناه فاسدا متعفنا بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لدينا زيفها" [٤٦] .
стр. 15369
وكان من جراء هذا الغزو المشترك أن ظهرت في بلاد المسلمين اتجاهات منحرفة تتبنى تلك العقائد الضالة وتحاول نشرها في المجتمعات الإسلامية, ولعل الصورة التي يعرضها اللورد كرومر المصري الجديد – كما تصورها هو – تنطبق إلى حد ما على مجموعات من أبناء المسلمين الذين أثر فيهم الغزو الفكري الغربي.
يقول: "إن المجتمع المصري في مرحلة الانتقال والتطور السريع وكان من نتيجته الطبيعية إن وجدت جماعة من أفرادهم "مسلمون "ولكنهم متجردون عن العقيدة الإسلامية والخصائص الإسلامية وان كانوا "غربيين "فإنهم لا يحملون القوة المعنوية والثقة بأنفسهم وإن المصري الذي خضع للتأثير الغربي فإنه وان كان يحمل الاسم الإسلامي لكنه في الحقيقة ملحد وارتيابي والفجوة بينه وبين عالم أزهري لا تقل عن الفجوَة بين عالم أزهري وبين أوربي" [٤٧] .
هذه هي ثمار الغزو الفكري في بلاد المسلمين.
القسم الثالث
أسس الوحدة الإسلامية
أولا: وحدة الغاية.
ثانيا: وحدة العقيدة.
ثالثا: وحدة القيادة.
رابعا: وحدة التشريع.
القسم الثالث
أسس الوحدة الإسلامية
إن الأمة الإسلامية تملك أسسا مشتركة تستطيَع بها أن تجمع شتاتها وتوحد كلمتها.. فهي أمة واحدة.. ذات دين واحد.. وكتاب واحد.. ورسول واحد.. وهذه هي الأصول والأسس التي تشترك فيها الأمة الإسلامية.
فإذا ما أدركت جيدا والتزمت بمقتضياتها فإن ذلك يجعل منها أمة واحدة تلتقي على:
أولا: وحدة الغاية.
ثانيا: وحدة العقيدة.
ثالثا: وحدة القيادة.
رابعا: وحدة التشريع.
وبهذا تصبح الشعوب الإسلامية "أمة واحدة"تذوب فيها جميع الأجناس والتجمعات شعارها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فتحقق للأمة الإسلامية عزتها وقوتها المنشودة.
وفيما يلي نبين بإيجاز تلك الأسس:
أولا: وحدة الغاية:
стр. 15370
إن لهذا الإنسان الذي يعيش على ظهر هذه الأرض: "غاية"يؤديها أثناء وجوده إذا عرفها وتمثلها في حياته سعد في دنياه وآخرته وإذا جهلها أو أعرض عنها فانه يشقى في الدنيا والآخرة.
هذه الغاية حددها الله بنفسه وبينها في كتبه.. فمن أجلها خلق الإنسان..
ألا وهي: "عبادة الله "كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [٤٨] .
والمسلمون ولله الحمد يدركون هذه الغاية ويعرفونها ولكنهم فرطوا في القيام بها والعمل بمقتضاها مما كان له أسوأ الأثر في حياتهم.
فلابد من العودة الصادقة إلى تحقيق هذه الغاية والالتزام بمقتضياتها ليحقق المسلمون لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة.
السعادة في الدنيا باجتماع الكلمة ووحدة الأمة وطمأنينة النفس واستقامة الحياة.. وهي آمال يحلم بها جميع شعوب العالم ولكنهم لم يهتدوا إلى أسبابها ووسائلها.
ولكن تعدد الغايات وتنوعها يفتت الأمة ويشتت كلمتها ويجعل كل فئة من الأمة لها غاية تخالف غاية الفئة الأخرى تسعى لتحقيقها والوصول إليها.
فغاية اقتصادية.. وغاية سياسية.. وغاية شهوانية.. وهكذا غايات متعددة تنتهي بهم إلى فئات متصارعة وسبل متفرقة.
قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [٤٩] .
ثانيا: وحدة العقيدة:
следующие страницы →