Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وخلاصة الكلام أن الحلال ما أحله الله وليس لأحد تحريمه، والحرام ما حرم الله، وليس لأحد تحليله, وإذا تعارضت مفسدتان , لا بد من ارتكاب إحداهما، وجب ارتكاب أخفهما، وإن تعارضت مصلحتان لا بد من تحقيق إحداهما وجب تقديم أعظمهما، والتحديد في كل ذلك يرجع إلى القواعد الإسلامية، والمعنيون بالبحث والمقارنة هم علماء الأمة، المعروفون بالورع والتقوى وخشية الله والتضلع من العلوم الإسلامية أصولها وفروعها، الذين لا يخافون في الله لومة لائم بل يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم، هؤلاء هم الذين يجب أن يسند إليهم البحث في مصالح الناس ومضارهم، وهم أهل الحق في تعيين المصلحة والمضرة وعلى ضوء بحثهم واجتهادهم يجب على الإمام أن ينفذ ما أشاروا به، ولا يلتفت لمعارضة أهل الأهواء ممن يدعون العلم وقصدهم الشهرة والتقرب إلى الإمام والرعية بإفتائهم بما يوافق أهواءهم وميولهم، ولو كان مخالفا للشريعة، كما هو حال أكثر العلماء في الأقطار التي اتخذ حكامها لأنفسهم دساتير غير دستور وقانون الإسلام، خلص الله المسلمين منهم وأبدلهم بهم خيرا منهم.
стр. 1577
فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ﴾ , وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ , وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه", وقال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" إهـ. من رسالة السياسة الشرعية الجديرة بأن يهتم بها الخليفة ويعمل بمقتضاها، فإنها على اختصارها وقصر وقت كتابتها الذي يقال إنه ليلة واحدة ذات أهمية كبيرة في هذا الموضوع.
بعض المسؤوليات المكملة:
والمسئوليات التي لها علاقة بمن ذكر في الحديث كثيرة جدا ولكني أذكر أهمها فيما يلي:
الأولى: تتعلق بموظفي أجهزة الإعلام. إن الدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام على اختلافها دور خطير يجب أن يعطى حظا وافرا من العناية والملاحظة لأنها تملأ أسماع الناس بأصواتها وتشغل أبصارهم بأفلامها وصحفها وصورها، وتكد عقولهم بأفكارها ومبادئها وهي سلاح ذو حدين، أحدهما قاتل فتاك يقطع العلاقة المتينة بين المسلم وأصول دينه التي يتوقف عليها نجاحه في الدنيا والآخرة. وثانيهما مقوم بناء يصل المسلم بماضيه المجيد بما يبث فيه من روح التهذيب والجد والرجوع إلى أصول دينه الحنيف، ليكون رجل الساعة المرتقب وأهم تلك الأصول فيما أرى:
стр. 1578
١- العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تتضمن توحيد الله في خلقه ورزقه، وتدبيره وطاعته والإيمان برسله وكتبه وملائكته والبعث والجزاء والحساب وغير ذلك مما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، العقيدة التي إذا تزعزعت في أمة من الأمم انهارت انهيارا كاملا في كل مجالات حياتها وخسرت دينها ودنياها.
٢- السلوك الحسن الذي يترتب على وجوده في الأمة وجود كل خصال الخير والشرف من عفة ونزاهة، وشجاعة وإقدام، وبذل وتضحية وصدق ووفاء، ونصح وصراحة، كما يترتب على عدمه كل خصال الشر من خسة ونذالة ودناءة وجبن وإحجام وبخل وشح، وكذب وغدر، ونفاق ومداهنة. ولقد تفشت الأخلاق الرذيلة في شباب الشعوب الإسلامية وكهولها - ولا أبالغ إذا قلت وشيوخها - تفشيا ذريعا، متسببا عن تلك الأجهزة الخبيثة لما تبثه من خلاعة وفجور وميوعة بأصواتها وأفلامها وصحفها وصورها.
٣- الشعائر التعبدية كأركان الإسلام الخمسة، التي تعتبر للعقيدة كالوقود للآلات، ولقد عملت أجهزة الإعلام دورا خطيرا، في صرف أبناء الإسلام عن أداء تلك الشعائر العظيمة حيث شغلتهم بما يستمعون وما يبصرون وما يقرؤون حتى إنك لتجد الكثير منهم يتسابقون إلى أمكنة اللهو تاركين المساجد وراءهم في الوقت الذي يقول فيه المؤذن: (حي على الصلاة حي على الفلاح) مهرولين كما يهرول الشيطان، مدبرا إذا سمع الأذان، وليتهم يتركون تلك الشعائر فحسب بل إنهم ليبغضون من يؤديها ويسخرون منهم، ويرون أن ما يتسابقون إليه أكثر نفعا وأجدى فائدة من أدائها!
стр. 1579
٤- إجتماع كلمة المسلمين وبث روح الألفة والمودة بينهم حتى يكونوا يدا واحدة كما أمرهم الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ , وأمرهم نبيهم ﷺ "وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة". ولقد اتخذت تلك الأجهزة شتى الأساليب والطرق لتفريق كلمة المسلمين وبث العداوة والبغضاء بينهم وأصبحت كل دولة تكيل للأخرى السباب والشتائم، وتختلق عليها الدسائس والتهم الكاذبة!.
стр. 1580
ورعاة هذه المسئولية في كل شعب من الشعوب الإسلامية هم وزراء الإعلام فالواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى دينهم الذي يدعونه، فيسيروا هذه الأجهزة في طريق مستقيم بحيث ينتفع بها أبناء شعوبهم بتوعيتهم بالثقافة الإسلامية واطلاعهم على الأحداث الجارية، وتحذيرهم من تخطيطات أعدائهم التي يقصدون من ورائها اجتثاث إيمانهم من قلوبهم أو إضعافه - على الأقل - كما يجب أن تستخدم هذه الأجهزة في بيان الطرق والأساليب الواجب اتخاذها ضد تلك المخططات بكشفها للناس عن طريق الخطابة والكتابة الإذاعة وغيرها، وأن يتخذوها وسائل للتعليم المتنوع بحيث يستفيد منه جميع طبقات الأمة، من شرح لأمور الدين التي لا يسع أحدا من المسلمين جهلها، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والمعاملات المصرفية والعلاقات الزوجية وأشباهها, ومن دروس علمية في التفسير والحديث والأخلاق الإسلامية والجهاد في سبيل الله الذي يعتبر أهم سلاح حاول ويحاول كسره الأعداء الصرحاء منهم والمنافقون، حتى لا تكاد الشعوب الإسلامية إلا ما شاء الله تفكر في رفع راية الجهاد ضد أعداء الله في هذا العصر، بتأثير من حكامهم الطغاة، الذيت تربعوا على كراسي الحكم بالقوة وأشاعوا بين المسلمين ما أراده أصدقاؤهم الكفار الصرحاء، من أن الجهاد وحشية لا يصلح للقرن العشرين! والواقع أن القتال من أجل الباطل هو سلاح أولئك الكفار، ينفذون به مأربهم، يغزون الشعوب ويقتلون أهلها، ويستحلون محارمهم، وينهبون أموالهم وثرواتهم، ويحدثون بينهم الفوضى والاضطراب والخراب والدمار، من أجل إشباع شهواتهم المسعورة، ومن أجل السيطرة التي ليس لهم فيها أدنى حق، ولا يعتبرون ذلك وحشية بل يعتبرون الجهاد الذي هو وسيلة تحرير الناس كلهم من عبودية الناس إلى عبودية الله وحده، ولا يقوم حق الله وحق عباده إلا به, يعتبرونه وحشية وهمجية، فلو أن المسئولين عن تلك الأجهزة استخدموها في كشف وفضح هذه المؤامرات لا في تأييدها وبثها،
стр. 1581
وبينوا للناس محاسن الإسلام وحكمه وأسراره في الجهاد وغيره، لما وصل جيلنا الحاضر إلى ما وصل إليه من تنكر لدينه وكفر بمبادئه، ولكنهم أي المسئولين عن هذه الأجهزة بدل أن يفعلوا ذلك فعلوا ضده، فكل رذيلة أرادوا مقارفتها، والإسلام يحاربها كرذيلة الزنا ودواعيها، سلطوا أجهزتهم على تقبيح الوسائل التي اتخذها الإسلام للابتعاد عن تلك الرذيلة، ووصفوها بأوصاف منفرة، حتى تصبح عند الناس من الأمور المنكرة التي تنفر من ذكرها الأسماع، ومن أوضح الأمثلة على ذلك، وسيلة عفة المرأة، وهي الحجاب، فقد سلطت عليه تلك الأجهزة مقبحة له زاعمة أنه سلب لحرية المرأة وهضم لحقها، وانطلق علماء الشيطان المنتسبون إلى الإسلام يبرهنون لتلك الأجهزة على صحة ما تثبته في الناس بالتأويلات الفاسدة لنصوص الشرعية، كما ارتفعت أصواتهم بإباحة اختلاط الجنسين في كل ميدان، وصرح شجعانهم بأن تعاليم الدين في هذا الباب تعتبر غلا في عنق المرأة يجب أن يكسر، وأول جبناؤهم نصوص الوحيين في مدح الاختلاط كما أولوا ذلك في مسألة الحجاب، وأجهزة الإعلام تنشر كل ذلك بجانب نشر وسائل الدعارة، حتى قتلوا بذلك معنوية الشباب، فأصبح شبابا مائعا لا هم له سوى بطنه وفرجه، وليفعل أعداؤه في بلاده ما أرادوا.
مسؤولية التعليم:
إن للتعليم أهميته التي لا يجحدها أحد من الناس - كل الناس - والذي ينقص المسلمين في التعليم أمور:
الأول: عدم إسناد مسؤوليات التعليم إلى من هو أهل لها في كثير من البلدان الإسلامية حيث تسند إلى أشخاص ناقصي الخبرة وفاقدي الأمانة، والقوة والتنفيذ والجهل والخيانة والضعف أمراض فتاكة تقتل الشعوب وتمنع الخير.
الثاني: عدم الاعتناء بوضع المناهج التعليمية المفيدة في الدين والدنيا، والسبب الغالب هو:
стр. 1582
الثالث: إطلاق يد الأعداء في وضع مناهج التعليم لكل المستويات من المدارس الابتدائية إلى أعلى أقسام التخصص، متذرعين بأن للقوم خبرة وتجربة يجب أن يستفاد منهما، ولا شك أن الاستفادة من ذوي التجرية مطلوبة ولو كانوا كفارا، ولكن يشترط في ذلك العلم بأن ما تأخذه منهم فيه فائدة وليس فيه مضرة على المسلمين في دينهم ودنياهم، وذلك يقتضي التمحيص والتدقيق في الأمور التي تعرض لأخذها وتطبيقها في بلاد الإسلام، أما أن تطلق أيدي الآثمين من أعدائنا فتخطط كما تشاء مما نعلم يقينا، أنه من مصالحها هي ومن مضارنا نحن فهذا لا يرضاه مسلم يؤمن بدينه وحقوق أمته، ولهذا نجد هؤلاء المخططين من أعدائنا اغتنموا الفرصة عندما أمناهم على أعظم سبيل لنجاحنا، اغتنموا الفرصة وأقصوا علوم الدين من تلك المناهج في أكثر المدارس، والمدارس التي بقي للدين فيها أثر فصفحات معدودة لاتسمن ولا تغني من جوع، وأخذوا يدسون على تاريخ الأمة الإسلامية بالطعن على خلفائها وقوادها ومفكريها، وإلصاق التهم بهم، وفي نفس الوقت أخذوا يرفعون رؤساء وقوادا من أعداء الدين بالمدح والثناء عليهم وعلى أفكارهم، حتى أصبح الناشئون من أبناء الإسلام يجلون ويكبرون قادة الأفكار الهدامة من أمثال (ماركس ولينين وهتلر وغاندي وماو) وغيرهم من ساسة الكفار أكبر وأعظم من إجلالهم لأمثال (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وعبد الله بن رواحة) وغيرهم من حملة راية الإسلام.
стр. 1583
كما أخذوا في غمط علماء الإسلام ووصفهم بعدم المعرفة وفقدان الأفكار النافعة، ورفعوا منازل فلاسفة الغرب واعتمدوا على أفكارهم وآرائهم في التربية وعلم النفس وطرق التدريس، بل حتى في فهم الدين الإسلامي ووتاريخه، وإنك لتجد المؤلف المسلم - كما يعرف من اسمه - يؤلف كتابا يتكون من ثلاثة مجلدات أو أكثر كل مجلد يحتوي على مئات الصفحات في التربية وعلم النفس وطرق التدريس، ولا تجد فيه مثالا واحدا من الأمثلة الإسلامية لتربية الله لرسوله ﷺ ولأمته بآيات كتابه وسنة نبيه ﷺ التي تأخذ في تربية الشخص من مولده بوساطة وليه إلى بلوغه، ثم تأخذ في توجيهه مباشرة في كل مجالات حياته، عقيدة وعبادة، وسلوكا ومعاملة وشريعة ونظاما، في الحرب والسلم، داخليا وخارجيا إلى أن يموت، والأمثلة من القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، في التربية وعلم النفس كثيرة جدا، ولكن أولئك المؤلفين لا يلقون لها بالا.
стр. 1584
أقول لا أجد هؤلاء المؤلفين - المسلمين - يذكرون شيئا من الأمثلة التربوية الإسلامية بل يملأون كتبهم بأسماء علماء الغرب وذكر نظرياتهم والمقارنة بينها وترجيح بعضها على بعض، مفتخرين بها, ناسين ما في تراثهم الإسلامي من ثروة عظيمة، كان من الواجب عليهم أن يدرسوها وينقلوها للناس ليخرجوهم بها من الظلمات إلى النور مع الاعتزاز بها، لأنها فخر آبائهم وأجدادهم قبلهم، وسبب بقاء مجدهم وعزهم في حاضرهم ومستقبلهم. والصالح الذي يفتخرون به في كتب علماء الغرب يوجد في الإسلام ما هو أكثر صلاحا منه وأقرب تناولا وأعظم فائدة. والفاسد الذي في كتبهم يوجد في الإسلام ما يبين فساده أو فساد أشباهه مع إقامة الحجج والبراهين على ذلك، ولكن ليت قومي يعلمون. والسبب في كل ما مضى من فساد الأنظمة وإقصاء الدين عن الناشئين من أبنائه والغفلة عن التربية الإسلامية، هو عدم الاختيار الموفق للمسؤولين عن التعليم من أعلى موظف إلى أصغر موظف، ولو أحسن الاختيار لكانت النتائج حسنة مرضية، ولكان الجيل قويا قائما بأعباء مسئولية الوقت، ولكن القوم سلكوا للعزة - إن كانوا أرادوها - غير مسلكها، وأخذوا لبابها مفتاحا غير مفتاحه، فمكانوا كما قيل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
стр. 1585
بين الرضا والغضب [١]
للشيخ محمد المَجذوب
لُمِس الزندُ فاشتعَلْ خُلُقي ذاك أم مَثَلْ
هكَذا صاغني الذي بَرَأ الخلق في الأزل
كلما قلت "هدأة" أيها النفس لم تُبَل
وقبيح بعاقل بعد ستينَ أن يُزَل
غير أني لحكمة غبتُ عنها ولم أزل
لم تدع في الأناة لي حين تهتاج - من أمل
ولكم بت نادماً غِبّ إيثارها العَجَل
فتوقعت بعدها أن تُصَفّى من الخَطَل
وانتصارُ النهى على أثر الهَفْوِ مُحْتَمَل
لكن الطبعُ غالبٌ ليس يُجدي به الجدل
فإذا ما قسرته راح يستنبط الحيل
فأنا منه في لَظَى محنة أمرُها جَلَل
ليس لي منه مَخْلَص أو مُريح سوى الأجل
ليت شعري، وقد طغى ذلك الخطب بي وجلْ
ألِخيرٍ أريدَ لي أم هو الشر.. أم لعل؟
فإلى الله وحده أشتكي هذه العِلل
وصراعا أخوضه كاد عَزمي به يُفَل
بين طبعي ومنطقي منه ما يشبه الخلل
غضبٌ يحجب النهى ورضىً يُعقب الخجل
وأنا بين ذا وذا في أسىً ليس يُحتمل
معرك من يَفُزْ به فهو - لا غيرهُ - البَطَلْ
--------------------------------------------------------------------------------
[١] من ديوان (همسات قلب) الذي يصدر قريبا.
стр. 1586
تعليم الإناث وتربيتهن
بقلم الدُكتُور تقيِّ الدِّين الهلاليِ
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
بالجامعة الإسلامية
نحمد الله تعالى ونصلي ونسلم على محمد رسوله وعلى آله وصحبه.
في هذه المسألة اليوم ثلاثة مذاهب متباينة:
المذهب الأول:
عدم تعليمهن أكثر من قراءة المصحف بدون فهم.
قال أصحاب هذا المذهب: إنه أحسن المذاهب وأولاها بالصواب، وهو الذي وجدنا عليه آباءنا وهم كانوا أحسن منا، وتعليم النساء يفسد أخلاقهن، فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس، فإن القلم كما لا يخفى أحد اللسانين، فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمن شر هذا اللسان وبضرب الحجاب المتين عليها تأمن شر اللسان الثاني، فيتم لها الأمن.
وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قبل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأنفة العربية، وأما في هذا الزمان فقد بلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها.
стр. 1587
وفي الحديث: "لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل وسورة النور"فهذه هي التربية الصحيحة، فتعليم الكتابة ذريعة إلى المكاتبة مع الفجار, وإسكانهن الغرف ذريعة إلى التخاطب ولو بالإشارة مع الفساق, وتعليمهن المغزل فيه شغل نافع لهن بما فيه من رياضة البدن والفكر وبما يثمره الغزل من المال الذي يستعن به على معاشهن، وتعليمهن سورة النور يحملهن على العفاف، لأن فيها حد الزنا والزجر عنه، وحد القذف، وتوبيخ فاعله، وفيها حكم اللعان وما يلحق صاحبيه من العار والخزي، وفيها قصة الإفك والمرأة الظاهرة البريئة، وبيان ما أعد الله لمن يقذف المحصنات الغافلات عن الشر المؤمنات بالله من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وفيها أمر الله للمؤمنين والمؤمنات بغض البصر وعدم إظهار زينتهن والنهي عن التبرج بالزينة، وهذا والله نعم الأدب للفتاة، ولو عمل الناس بهذا الحديث لصلحت حال النساء ورأى الناس من الخير والعفاف ما لم يكن لهم به عهد منذ زمان بعيد.
المذهب الثاني:
стр. 1588
تعليمهن وتربيتهن على منهاج دعاة التفرنج, قال أصحاب هذا المذهب: نحن لا نريد أن نطيل القيل والقال، ونضيع أوقاتنا في الجدال الفراغ، هناك أمم راقية حرة سعيدة في حياتها. وهناك أمم أخرى منحطة مستعبدة شقية في حياتها، وقد نظرنا فوجدنا أن سبب سعادة تلك وشقاء هذه هو العمل والمال، لذلك عزمنا على الاقتداء بالأمم الراقية، لنكون مثلهم: نقتدي بهم في التعلم والتعليم والتربية والتفكير والزي والمعيشة ونظام الحكم وفي كل شيء. ومن ذلك تعليم المرأة وحرية المرأة ومساواتها للرجل في كل شيء ممكن بلا قيد ولا شرط. فهذا الذي نؤمن به ونعمل على تنفيذه وقولكم بدفن النساء في قبور البيوت ومنعهن من التصرف في أموالهن وشؤونهن، ومنعكم لهن حتى من التنفس في الهواء ومن رؤية طريقهن إذا دعتهن ضرورة للخروج, بل تغاليتم حتى جعلتم صورتهن عورة ونقصتم حقهن في الميراث فجعلتموه على النصف ويا ليت النصف الباقي يسلم لهن، فإنه يضيع في أغلب الأحوال، لأن لزومها الحجاب وكون أخيها أو أبيها أو ابن عمها هو الرقيب عليها يضيع عليها النصف الذي تركتم لها، لأن هذا القريب غالبا يعتدي عليها فيأكل مالها, والحجاب يمنعها من المطالبة بحقها فتحرم من كل شيء وتبقى في ظلمات سجنها تشكو إلى ربها ظلم الرجال وجورهم.
ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يحرم العالم من نصفه، سواء قلنا كما يقول الأوروبيون إن هذا النصف هو الأفضل، أو قلنا إنه مساو، وكيف تحيا أمة نصفها ميت تماما ونصفها الآخر أشل بسبب الجهل والانحطاط, والرقي لا يتجزأ، فإما أن يعم الآباء والأمهات والأبناء، وإما أن يكون الجميع منحطين، وهل سمعت بأمة رجالها مهذبون متمدنون ونساؤها في غاية الجهل والتوحش والبعد عن الحياة؟.
стр. 1589
ولماذا لا تصير المرأة حاكمة وملكة ورئيسة ومحامية ونائبة في مجلس النواب, وعينا في مجلس الأعيان؟، أليس سبيل ذلك كله هو العقل والخلق وقوة الذهن وحسن التدبير؟ وهل تتجرءون أن تدّعوا أن المرأة محرومة من العقل والتفكير لا تصلح لشيء إلا للنتاج كالفرس والبقرة؟ إذن لقد نزلتم بأمهاتكم إلى أسفل سافلين.
ولعمري أن مثل هذه الأفكار جديرة أن تحط الأمم من عليائها, وتسبغ عليها ثوب الخمول بل وتقبرها في رمس الهمجية.
كم من ملايين من النساء شاركت في الحرب العالمية الأخيرة؟ وعلى مذهبكم هذا البائس لا توجد امرأة واحدة من بين النساء المقبورات في سجن البيوت تقدر أن تضرب بسهم في الدفاع عن الوطن.
وأما ما تشاغبون به من العفاف، فهو عادة والعادات دائما عرضة للتغير وإن كان أمس من الأمور التي تلحظ بعين الاعتبار فهو اليوم من الأمور التي تدعو إلى السخرية، وقد رأينا عظماء الرجال في البلاد السعيدة ذات السيادة المطلقة وفيهم الفلاسفة والعلماء والأمراء والوزراء لا يعبئون بهذه الأمور ولا يحسبون لها حسابا وقد استقر عندهم أن الفتاة إذا بلغت سبع عشرة سنة فقد صارت حرة في نفسها تصنع ما تشاء وتخالط من تحب وتسافر وحدها ليلا ونهارا، ونحن نقتدي بهذه الأمم ونترسم خطاها في جميع الشؤون.
المذهب الثالث:
متوسط بين المذهبين السابقين قد أخذ خير كل منهما وصوابه، وترك شره وخطأه، وذلك أن تعلم المرأة تعليما يناسب ما خلقت له أولا وهو تدبير المنزل وملؤه سعادة ونظاما وجعله منبتا صالحا للبنين والبنات الأبرار. وثانيا لتكون عونا للرجل في جميع شؤونه المعاشية والحربية والخلقية.
قال أصحاب هذا المذهب: إن أهل المذهب الأول مفْرطون، وأصحاب المذهب الثاني مفرّطون، ونحن نرد عليهم جميعا، ونبين ما عندهم من الخطأ، بادئين بأهل المذهب الأول فنقول:
стр. 1590
إن منعكم المرأة من التعلم أو حصره في قراءة حروف المصحف دون فهم لمعنى ما تقرؤه منه، في غاية البعد عن الصواب، فلا هو إسلامي، ولا هو عقلي أو علمي محض، وإن زعمتم أنه موافق للإسلام وذهبتم في ذلك كل مذهب، حتى احتججتم بحديث واه ساقط لا تقوم به حجة عند أصحاب الحديث، هذا من جهة الرواية، وأما من جهة المعنى فهو باطل، فإن أزواج النبي ﷺ كن يقرأن، ويكتبن، وغيرهن من الصحابيات، والتابعيات، والحافظات المحدثات، اللاتي روى عنهن الحفاظ.. حتى إن كتب أسماء الرجال: كتهذيب التهذيب، والميزان، ولسان الميزان، والخلاصة، وقبلها طبقات ابن سعد وغير ذلك كلها مشحونة بأسماء عالمات وفقيهات وأديبات, ذلك في زمان عظمة الإسلام حين كانت راياته منصورة وجيوش أعدائه مكسورة مدحورة.
وأما آباؤكم المتأخرون الذين تريدون أن تقتدوا بهم في تجهيل النساء، فلم يكونوا قط أهلا للاقتداء بهم، فإن زمانهم هو زمان الجاهلية الآخرة، وكل الذي يقاسيه الإسلام اليوم فهو نتيجة أعمالهم، ومع ذلك لا نسلم لكم أن أهل العلم من آبائكم كانوا يقولون بهذا القول المرذول، وكيف وقد كان في زمانهم عالمات أديبات، وإن كن قليلات، فلم ينقطع الخير عنهن بالمرة.
стр. 1591
وأما قولكم: إن القلم أحد اللسانين، وإن المرأة لجهلها بهذا اللسان وضرب الحجاب الشديد تأمن شر اللسانين، فقد أخطأتم في ذلك خطأ فاحشا. ألم تعلموا أن الفتاة التي ساءت تربيتها لا يمكن صيانتها ولو جعلت في حق وكانت صماء بكماء، والفتاة التي ربيت على العفاف والتحصن لا يصل إليها سوء ولو كانت بين الرجال في غير ريبة، وقد كانت النساء يرافقن رجالهن في الغزوات، وكان النبي ﷺ يصحب معه نساءه في الغزو والحج، وكانت نساء الصحابة غير قابعات في بيوتهن بل يخرجن لأشغالهن إن كانت، ويعلفن الخيل، ويكدحن في أموالهن، وكان النساء يغزون بعد النبي ﷺ ، وذلك مسطور في كتب الحديث لا نطيل بذكره، فلم يضرهن ذلك لقوة إيمانهن وكمال عفافهن.
والحاصل أن تعلم الكتابة والقراءة لا يصير المرأة فاسدة ولا صالحة وحده، فإن كانت صالحة فإن تعلمها الكتابة والقراءة يزيدها سلاحا, وإن كانت تربيتها فاسدة فبتعلمها تزداد فسادا؛ لأن العلم بالقراءة والكتابة آلة صالحة للاستعمال في الخير والشر معا.
وأما تعليم سورة النور فهو من أعظم ما أدب الله به المسلمات، وهو كنز عظيم، وذخر جسيم، ولكن ينبغي للفتاة أن لا تهجر غير هذه السورة من القرآن، وسبيل تعليم القرآن هو القراءة، والقراءة لا تنفع إلا بمعرفة المعنى، ومعرفة المعنى لا يمكن إلا بتعلم النحو والصرف واللغة، ولا بد لمن تتعلمه من القراءة والكتابة وأنتم منعتم ذلك, فهذا تناقض منكم وأنتم لا تشعرون.
يصيب وما يدري ويخطي وما درى
وكيف يكون النوك إلا كذلكا
وأما تعليم المغزل فهو حسن، ولكن أهم منه في المدن على الأقل تدبير المنزل وتدبير الصحة والتمريض وما أشبه ذلك.
стр. 1592
وأما قولكم إن الفتاة في هذا الزمان إذا كانت قارئة تصل إلى ذهنها أنواع الشر بقراءة صحف الخلاعة ومجلاتها، فهو صحيح! ولكن الجاهلة أيضا يصل إليها ذلك بالذهاب إلى السينما ولو خلسة في غيبة الرقيب وتصل إليها بطريق الراديو، ويصل إليها بطريق زائراتها ومحدثاتها، وإذا فسد الجو لم تنفع المعتزل عزلته.
فلو أنكم انتقدتم منهاج تعليم الفتاة وطالبتم بإصلاحه وإبداله بمنهاج كامل يضمن للفتاة التربية الصحيحة بدل إنكاركم للتعليم مرة لكان ذلكم أقرب إلى الصواب.
стр. 1593
أما أهل المذهب المقابل فقد أفرطوا وتجازوا الحدود وضلوا ضلالا بعيدا ولا بد أن نناقشهم الحساب، ونبين ما في حملتهم من الحجج الواهية الداحضة، التي هي أوهن من بيت العنكبوت فنقول لهم: أما قولكم إن أمم العالم قسمان: أمم راقية سعيدة، وأخرى منحطة شقية فهو حق، وأما قولكم إن سعادة أولئك السعداء جاءتهم من أعمالهم وأحوالهم فهو صحيح أيضا، ولكنه مجمل يحتاج إلى تفصيل وبيان، وفي إجماله أمكنكم أن تدخلوا ما أدخلتموه من المغالطة، وبيان ذلك أولا أن الأمم الأوروبية تختلف اختلافا كثيرا يكفر من أجله بعضهم بعضا, حتى أن الكاثوليكي لا يقدر أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة بالحرمان وهو مصيبة اجتماعية عظيمة. ويختلفون في مناهج الحكم، حتى يفضي بهم ذلك أن يفني بعضهم بعضا بلا إبقاء ولا رحمة، ويختلفون في شؤون النساء فمنهم من يرى وجوب مراقبة الفتاة والمحافظة التامة عليها ومنهم من يطلق لها العنان بعد بلوغها سن الرشد القانوني، ومنهم من يجيز البغاء الرسمي كالأمم اللاتينية لحصر الفساد في أماكن محدودة حسبما ظهر لهم، وهؤلاء يعاملون البغيات بشيء من الرحمة. ومنهم من يحرم البغاء الرسمي كالأمم الجرمانية والأمة البريطانية، وهؤلاء يعاملون البغيات بكل قسوة حتى إنهم ليجعلونهن طبقة منبوذة مستقذرة كالذباب، فلا يمكن البغي أن تتصل بأحد من النساء والرجال ذوي الشرف والمروءة, فهم عندهم كما قال الشاعر:
لتقعدن مقعد القصي
مني ذي القاذورة المقلي
стр. 1594
ثم إن هذا التساهل في العرض الموجود عند الأوروبيين لم يكن ناتجا عن المدنية والرقي، بل لا علاقة له بهما أصلا، وإنما هي عادة ورثوها عن آبائهم في زمان جهلهم وهمجيتهم، كما يشهد ذلك تاريخهم، وكذلك بعض الأمم المجاورة للبحر الأبيض المتوسط من غير الأوروبيين، وهي قبائل البربر الذين ليس عندهم من الإسلام إلا اسمه، كآبن مكيلد، وآيت سخمان، واشقيرن، وآيت اسحاق، وآيت هودى وغيرهم، وهذه القبائل في الألوان وبرودة الدم مثل أهل شمالي أوروبة، والغيرة عندهم معدومة، حتى إني رأيتهم إذا وجد أحدهم مع زوجته رجلا يطلق رصاصة في الهواء، لا ليصيب أحدهما بأذى، بل ليعلن الأمر، فيجتمع الناس من كل حدب ينسلون، فيقول لهم الرجل: اشهدوا على فلان فقد وجده مع زوجته، فيقولون: سنشهد لك بما رأينا، فإذا اجتمع ملؤهم في الحي يدعو الزوج ذلك الرجل إلى المحاكمة، فيأتي ويحضر أمام شيوخهم، فيتهمه، ويحضر الشهود، فيشهدون، ومع ذلك كله يجحد المتهم ويقول: إنه لم يفعل شيئا، فيحملون عليه طبقا للعرف أن يدفع إلى الزوج ستة أريلة وكبشا، فيمعن المتهم في الإنكار والامتناع من أداء الغرامة، فيهم الزوج بقتله، فعند ذلك يجري الناس في الصلح بينهما، فيترك الزوج إحدى الغرامتين، إما الكبش وإما ستة أريلة.
وما لنا نذهب بعيدا، فقد جاء في صحيح البخاري أن رجلا كان عنده غلام عسيف أي أجير، فزنى هذا الغلام بامرأة مخدومه، فسأل الرجل بعض الناس ممن ظن أن عندهم علما، فأفتوه أن على الغلام أن يدفع لزوج المرأة مائة شاة، فدفعها أبوه عنه, ثم ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بالقصة، فخطأهم النبي ﷺ في حكمهم وقال: "أما الغنم فهي رد على أبي الأجير وأما الأجير فعليه جلد مائة وتغريب عام", وأما المرأة فبعث إليها النبي ﷺ رجلا اسمه أنيس وقال: "أغد عليها فإن اعترفت فارجمها".
стр. 1595
فأنت ترى أن مثل هذا الحكم البربري وجد في العرب في زمان النبي ﷺ ، والبشر هم البشر لا يمتاز شعب عن شعب إلا بأخلاق الأنبياء وعلوم المدنية، فمن جمع بين هذين جمع السعادة الكبرى.
والمقصود هنا أن الأوروبيين لم يتسامحوا في شأن النساء نتيجة لنهضتهم المدنية، وإنما ساروا - في هذه القضية - على نهج من قبلهم، وأقروه بالعمل عليه، وتأليف القصص التمثيلية وغيرها.
أما حرية المرأة فليست مرتبطة بهتك النساء، وسقوط عفافهن، فقد توجد حرية النساء مع تمام العفاف، وقد توجد عبودية النساء مع غاية التهتك.
ونحن وجدنا آباءنا الأولين الذين سادوا العالم علما وأخلاقا وحضارة ورقيا، وكنا لهم نحن شر خلف لخير سلف، فقد كانوا في قضية النساء على صراط مستقيم، فكانت المرأة عندهم عضوا حيا نشيطا تشاركهم في العلم والعمل في البيت وفي المزرعة وفي ميدان القتال، عليها حجاب يحفظ شرفها ومكانتها، ولا يمنعها من أخذ حقها إذا ظلمت، ولا من مشاركة الرجال في الأعمال السلمية والحربية عند الحاجة، ولذلك أدرك أسلافنا من المدنية أعلاها ومن الرقي ذروته رجالا ونساء، ولم يمنع أدب القرآن المرأة من الرقي، بل هو الذي أوصلها إلى أسناه مصونة العرض والعقل والشرف.
стр. 1596
وأما آباؤنا المتأخرون فقد انحرفوا عن الجادة في الدين والدنيا وعلومهما فلما عجزوا عن إقامة صروح العفاف والأخلاق الكريمة, وتنفيذ حدود الشرع المحمدي العظيم، لجأوا إلى الاختفاء والفرار والاختباء، فغلوا في الحجاب حتى دفنوا النساء كما قلتم، ومنعوهن من الخروج، وإذا خرجن يفرضون عليهن ستر وجوههن إلا عينا واحدة أو نصف عين، وجعلوا أصواتهن عورة، وحديثهن مع الرجال وإن كانوا صالحين، وبحضرة محارمهن أو أزواجهن وقاحة، وزادوا على ذلك فقال بعضهم بمنعهن من القراءة والكتابة, فضاعت بذلك حقوقهن التي أعطاهن الشرع المحمدي كالميراث والبيع والشراء والشهادة والوكالة وسائر التصرفات, وصرن بالأموات أشبه منهن بالأحياء، بل تعدى الأمر إلى أن جرت العادة بدس البكر في ظلمات الخدور وحجبها حتى عن النساء، فلا تراها أعين والديها وإخوتها، وبطلت بذلك السنة المحمدية التي قال فيها الرسول الكريم ﵇: "إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" أي فإن ذلك أجدر أن يوقع بينهما الاتفاق إذا رأى كل منهما الآخر في غير ريبة ولا خلوة.
والجرائم التي وقعت بالغلو في الحجاب (على غير وجهه الشرعي) كثيرة ومشاهدة، وبذلك صارت حوادث التزوير تقع في الزواج فتكون عند الرجل ابنتان مثلا إحداهما جميلة والأخرى دميمة، فإذا جاء خاطب لا يعرفهما ولا تعرفهما العجوز التي تنوب عنه في الخطبة، وكانت الجميلة اسمها ليلى والدميمة اسمها دعد يوهمونها أن الدميمة هي الجميلة ويغالطونها فتقع الكارثة على رأس الرجل المسكين ويذهب ماله ضائعا.
стр. 1597
ولو قام رجال عقلاء صالحون بتغيير هذه العادة ورد النساء إلى ما كن عليه في زمان النبي ﷺ وهو ما عليه نساء القرى والبوادي في البلاد الإسلامية بأسرها من أول ظهور الإسلام إلى اليوم - مع أدب غض البصر ونحوه لوجب أن يصغى لإصلاحهم وأن يعانوا عليه، ولكن أكثر الذين يدعون إلى ما يسمونه: تحرير المرأة وإعطاءها حقوقها ليس لهم في قلوب الأمة ثقة ولا مكانة، ولا تطمئن إليهم النفوس، وما لهم أخلاق ولا غيرة على الدين والعرض، والجمهور لذلك متهمهم بأن لهم في دعوتهم مآرب أخرى كمآرب الذئب في رعي الحملان. وهؤلاء لا يشكون في أن النساء وإن كن قد أصابهن بالغلو في الحجاب شر عظيم، فإن الشر الذي أصابهن وسيصيبهن بالتبرج والتهتك ليس له حدود، وهو مبني على شفا جرف هار أعظم بكثير من ذلك. فقضية إصلاح حال النساء لم يعالجها طبيب ولا راق، بل صارت بين حزبين مفْرطين ومفَرِّطين، ونحن علم الله لو رأيناكم - يا دعاة تحرير المرأة - داعين إلى إصلاح النساء دعوة مبنية على أساس متين من العقل والحكمة وتوخي صلاحهن وسعادتهن، وأن يصرن أمهات كاملات الأمومة ينتجن إناثا صالحات، وذكوراً صالحين، ويملأن بيوتهن سعادة، لو رأيناكم كذلك لآزرناكم وتعاونا معكم، ولكنا رأينا فيكم الطيش، وسوء النية، والتغرير بالفتيات الغافلات، ومخادعتهن على عفافهن، وتزيين الموبقات لهن, وتصيدهن بكل حيلة، وقعودكم لهن كل سبيل مما لا يفعله العدو بعدوه, فرأينا أن جمود الجامدين أخف ضررا مما تدعون إليه.
وأما قولكم: إنكم في هذه المخادعة ونصب الحبائل التي تصيب البيوتات بالدمار والخراب تقتدون بأهل أوربة.. فهو من العجب العجاب! فقد تقدم أن أهل أوربة لم يصنعوا ذلك بأيديهم وإنما هو صنع أجيال مضت، بل حاولوا أن يصلحوا تلك الحال، ودونكم البيان:
стр. 1598
من المعلوم أن التزوج في البلاد التي لا تزال متمسكة بشريعة الإسلام وآدابه سائرا سيرا حسنا، ومعدل المتزوجات نحو خمس وتسعين في المائة، مع ما تعلمون من شدة ذلك الحجاب، وما ذلك إلا بفضل هداية الإسلام.
أتعلمون أن حكومة هتلر لما رأت أن المتزوجين في المدن الألمانية من الرجال والنساء لا يزيد عددهم على أربعين في المائة سنت قانونا يقضي بتقديم خمسة آلاف مارك (أي أربعمائة دينار، حسب الصرف في ذلك الزمان) لمن يريد التزوج. وهذا المبلغ يكون سلفا عند الزوجين، فإن ولد لهما ولد عفي لهما عن قسط منه، وإن استمرت المرأة تلد الأولاد أسقط عنهما دفعه.
وسنت الحكومة أيضا قانون تكريم الوالدات في كل سنة في الربيع وخصصت الحكومة لهن تحفا وهدايا ذات بال. وسنت قانونا يقضي بمساعدة كل والدين بلغ عدد أولادهما خمسة مساعدات مالية طيبة مع إسقاط الضرائب عنهما. هذا وكانت ضرائب العزاب رجالا كانوا أو نساء في زمان الحرب العالمية الأخيرة تساوي ثلث دخل الشخص في كل شهر، إذا كان راتبه عاليا، والأباء والأمهات الذين بلغ عدد أولادهم خمسة معفوة من الضرائب، ومع ذلك كله لم يزد عدد المتزوجين في المدن على أربعين في المائة، أما في القرى فقد كانت نسبة المتزوجين أعلى من ذلك لضرورة التعاون على المعيشة.
стр. 1599
فإن قلت وأي الجنسين كان يتحمل تبعة قلة التزوج في المدن؟ أقول بلا تردد ولا شك الرجال، لأن كل امرأة أيم سواء كانت غنية أم فقيرة كان قلبها يحترق شوقا إلى الزواج، حتى إن الإنسان لا يجد موضوعا يتكلم فيه مع الأيم ليسرها ويطيب نفسها أحسن ولا مماثلا لموضوع الزواج، ولا سيما إن كانت من أولئك البائسات اللاتي تسلط عليهن أحد لصوص الزواج (هايرات شفندلر) فإن هؤلاء اللصوص المجرمين كم أهلكوا من فتيات كن كأزهار الربيع في غاية التألق والسعادة والنعيم فنقلوهن إلى جحيم الشقاوة وقضوا عليهن القضاء الأخير. وهؤلاء الشياطين يردون المدن في صورة شبان قد بلغوا الغاية في الجمال والتأنق وأجادوا كل شيء يغري الفتاة ويسيل لعابها من حسن الهندام والظرف ولطف الحديث وإتقان جميع أنواع الرقص والتبذير في النفقة، وحسن الذوق في انتقاء جميع الأشياء وانتقادها. وهؤلاء لهم أسماء متعددة وكلها من أسماء البيوتات الأرسطقراطية. وقد تكون لهم هويات جوازات متعددة تثبت ذلك ولا يصيدون إلا بنات كبار الأغنياء فيظهر اللص أولا للفتاة أنه ابن أمير أو غني كبير, ويذهب أمامها إلى البنك ويخرج مبالغ كبيرة من المال أو يبعث برقية إلى أحد شركائه فيأتيه المال في الحال، وترى تلك الفتاة صورة الفتيات اللاتي أوقعهن سوء طالعهن في حبالته ومكاتباتهن معه، فترى جمالهن وعلو أدبهن وكونهن من بنات البيوتات فتزداد استهواء وفتنة حتى إذا نضجت ثمرة خداعه وعميت الفتاة وطاش لبها، تظاهر بتأخر حوالة عظيمة كان قد طلبها من أبيه واخترع لذلك عذرا، فتقوم الفتاة الغرة وتأتيه بالمبلغ الذي يريده من المال فيأخذه، ولا يعسر عليه أن يخترع سببا لسفر عاجل وأنه سيرجع إليها, فيكون آخر العهد به، وقد يتركها في بعض الأحيان حاملا، ولكن هذا نادر جدا لأنهم يحتاطون للحمل باستعمال الوسائل المانعة منه، ولا يكادون يتساهلون فيها إلا بعد عقد النكاح بصورة رسمية.
стр. 1600
وهل يعلم هؤلاء الدعاة أن المرأة في أرقى دول أوروبا تشعر بالحاجة إلى حماية الرجل وقواميته عليها، ورئاسته ولا يغنيها عن هذه الحاجة مال ولا علم ولا شرف ولا حسب ولا منصب أبدا. ومما يحكى في هذا المعنى أن الملكة البريطانية العظيمة فكتوريا جاءت يوما إلى غرفة زوجها، فدقت الباب، فقال من بالباب؟ فقالت أنا الملكة، فقال: لا حاجة لي بالملكة، فانتبهت في الحين إلى خطئها وتلافته، فقالت افتح! أنا عزيزتك فكتوريا، فقال الآن أفتح.
وخضوع الأنثى للفحل أمر جعله الله في طبع كل أنثى من الحيوان الأبكم والناطق، ولا سبيل إلى إزالته عنها، لأنها لا تقدر أن تكون أنثى بدونه، كما جعل الله في طبعها الدلال والغنج أيضا، فهذان الخلقان معجونان في فطرتها.
هذا ولا تستغني المرأة عن حماية الرجل ولو في أرقى الأمم فقد أخبرتني (فراوزلي) في مدينة (بن) أنها حين كان زوجها في قيد الحياة، كان يجرعها غصصا، بسبب خليلة كانت له، ولكن بعد وفاته نسيت كل ذلك وحزنت على فراقه وقد ترك لها فراغا عظيما في كل شيء, حتى إنها إذا كتبت إلى شركة تطلب منها بضاعة تحذف آخر اسمها ليظن المكتب إليه أنها رجل فلا يتهاون بطلبها.
وأخبرتني أيضا أنه يأتي إلى بابها أحيانا بعض المساكين الذين يسألون الصدقة على الأبواب خلافا للقانون، فترحم السائل ولا تحب أن ترده، ولكنها تلقي إليه الفلوس من شق الباب، وتخاف أن تفتح له الباب، فيكون لصا في صورة سائل.
وكانت لي في برلين جارة لها ثلاثة أولاد صغار، فكنت حين أسمع صفارة الإنذار أسمع معه بكاء المرأة وأولادها! لأن عليها أن تملأ سطلا كبيرا تعده لإطفاء الحريق وتوقظ أولادها الثلاثة، وتلبسهم ثيابهم، وتأخذ لهم شيئا يأكلون وشيئا يشربون، لأن مدة الغارة قد تدوم ست ساعات أو أكثر، وفي ذلك الوقت - وهو من أول الحرب إلى سنة ١٩٤٢ - كانت الغارات الجوية لا تأتي في الغالب إلا ليلا.
стр. 1601
وبهذه المناسبة أذكر أن الغارات في أول زمان الحرب كانت قسمين: غارات روسية، وعلامتها أن تأتي بعد الغروب بنصف ساعة لقرب الروس، وهذه لم يكن الألمان يخافون منها، وأكثرهم لا ينزلون إلى الملاجئ وغارات إنكليزية، وهذه كانت تفتك فيهم فتكا ذريعا، وكان الألمانيون يحسبون لها حسابا وأي حساب.
قلت: إني كنت أسمع بكاء تلك الأم وأولادها، ولم يكن لها جار من الرجال غيري، فكنت آخذ أحد الأولاد في يدي وننزل الدرج، وفي أكثر الأحيان لم تكن الغارة الجوية تمهل هذه المرأة حتى تستعد للنزول، فكانت رعود الغارة والمدافع المضادة لها وبروقها تبتدئ قبل نزولنا، فكان هؤلاء المساكين يتوقفون مرتجفين عن عبور المسافة التي بين دهليز الدرج وباب السرداب لأن هذه المسافة مكشوفة تحت السماء بلا حاجب، فكنت أشجعهم حتى يعبروا، فإذا نزلت معهم أربع درجات من السرداب رجعت، لأني لم أكن أختبئ من أجل خصومة وقعت بيني وبين مراقب المخبأ, وفعلا وقعت القنابل على تلك الدار واحترقت الغرفة التي كنت أنام بها بما فيها، ولكن بعد خروجي من ألمانيا.
ولو ذهبنا نعدد الأدلة على حاجة المرأة إلى قوامية الرجل وحمايته لطال بنا القول.
وأما قساوة أرقى الأوروبيين من الأمم على النساء وعدم الرحمة والرفق بهن، فحدث عن البحر ولا حرج.
فمن ذلك أن العادة جارية عندهم بأن المرأة لا تقدر أن تتزوج حتى تحضر صداقا أقله خمسة آلاف مارك، وأكثره لا حد له، ومن أسعدها الحظ بالتزوج فعلى حسب مالها تقدر أن تجد زوجا ملائما لها، لأن الزوج لا يرغب في المرأة لجمال ولا لدين ولا لحسب، بل يقدم المال على ذلك كله.
стр. 1602
فترى المرأة تقضي شطرا كبيرا من شبابها في العمل لجمع المال الذي به وحده يكون لها بعض الأمل في الزواج، ففي برلين تشتغل الخادمة بثلاثين (ماركا) ، وفي المدن الصغيرة بعشرين (ماركا) مع أكلها في كل شهر، وتضيق على نفسها فتحرمها من كل شيء لتجمع صداقا، وقد تكون أم عجوز ضعيفة لا بد لها أن تساعدها من ذلك الراتب القليل ببعض الماركات، فكم يجب عليها أن تخدم من السنين حتى تجمع آلاف الماكرات؟ وإذا جمعت مقدارا يمكنها من التزوج بفقير مثلها، تحتاج إلى أن تؤم المجتمعات كدور الرقص والسينما وغيرها، وإذا وجدت فرصة للحديث مع رجل تغتنمها.
والعادة جارية بأن الرجل هو الذي يدعو المرأة للرقص، وهو الذي يبدأها بالكلام فقد تذهب إلى ناد من الأندية التي يجتمع فيها الناس وتنفق شيئا من المال، وهي به جد ضنية، فتدخل دار السينما أو القهوة، أو المطعم، أو دار الرقص، ولا تظفر بأحد أصلا فتعود خائبة، ثم تنتظر حتى تجد فرصة أخرى، لأن مثل هذه الفرصة لا تتيسر لها في كل يوم، بل أحسن أحوالها أن تتيسر لها في الأسبوع مرة.
وإذا ساق الحظ لها واحدا فقد يكون مخالفا لها في الدين، وقد يكون مخادعا.
فإذا وجدت رجلا موافقا في كل شيء فلا بد أن تجتمع به الفينة بعد الفينة وتختبر عشرته وحاله، فإن أعجبها فإن العادة التي جرت أن يتواعدا على الزواج ويبقيا سنين طويلة متواعدين، وفي طيلة مدة التواعد تظل خائفة عليه أن ينقض عهده ويتركها.
стр. 1603
وهذا كثير جدا: أعرف كاتبة في القسم الشرقي من جامعة (بن) كانت في قلبها غصة لا تفارقها أبدا, وذلك أن رجلا عاهدها على التزوج، وبقي معها أربع عشرة سنة يعيش معها كما يعيش الزوج مع زوجته، أي يجتمع بها في أوقات فراغهما، ويخالطها كما يخالط الرجل زوجته، لا أنه ينفق عليها شيئا أو يتعاونان على المعيشة، لأن ذلك إنما يقع بعد عقد النكاح والاجتماع الرسمي، فيسميان زوجين، وأما قبل ذلك فيسميان متخاطبين فقط، وبعد مضي أربع عشرة سنة قضت فيها زهرة شبابها معه، وجد امرأة أكثر مالا منها فتزوج بها وتركها تتقطع حسرات.
وهذا نموذج من ألوف من أمثاله، ومن غريب ما وقفت عليه من شؤون المتخاطبين عندهم أن الرجل يخطب المرأة فيتفقان على الزواج، ويبقيان مدة طويلة تعاشران عشرة المتحابين، وهي كما قلنا مخالطة تامة كمخالطة الزوجين، ثم يعقدان النكاح ويجتمعان على الزواج، فلا يلبثان أن تسوء عشرتهما، فيقع الشقاق بينهما ثم يعقبه الفراق.
ومن عجيب ما سمعت من ذلك في مدينة (بن) الألمانية أن متخاطبين بقيا مدة عشرين سنة متعاشرين في غاية الوفاق والوئام، ثم تزوجا، فلم يلبثا إلا سنة واحدة حتى وقع الطلاق بينهما، وكانت تلك السنة كلها خصومات ونزاعا بينهما، فسألت عن سر ذلك فأخبروني أن الرجل والمرأة ما داما متخاطبين يستر كل منهما أخلاقه الحقيقية ويتخلق بغيرها مصانعة وتملقا لصاحبه، مخافة أن يمله ويفسخ الخطبة، فإذا وقعت عقدة النكاح بينهما يسقط كل واحد منهما الكلفة، ويزول التملق، وتنكشف مخبآت الأخلاق والعادات، فيتلوها التنافر ثم النزاع والخصام ثم الطلاق.
стр. 1604
وبهذا تعلم أن قول بعض الأغرار من الشرقيين باستحسان مخالطة الخاطب لمخطوبته قبل العقد، وخلوته بها ومعاشرته لها، زاعما أن ذلك يكشف لكل واحد منهما دخيلة الآخر فيقع الاتفاق، فالحب هو أساس الزواج السعيد، إن هذا القول باطل, وحديث خرافة، لأن هذين المتخاطبين لا يمكن لأحد منهما أن يعرف طباع صاحبه الحقيقية إلا بعد إسقاط الكلفة، وذلك يكون بعد العقد، ولأنهما غير معصومين من المباشرة المحرمة وعاقبتها الوخيمة في العاجل والآجل.
стр. 1605
ولذلك حرم الله تعالى على لسان نبيه ﷺ الخلوة بالأجنبية وقد جاء في الخبر "ما خلا رجل بامرأة، يعني أجنبية، إلا كان الشيطان ثالثهما"، ونهى رسول الله ﷺ عن الدخول على المغيبات - يعني النساء اللاتي أزواجهن غائبون - وسئل عن الحمو، وهو أخو البعل، هل يغتفر دخوله على زوجة أخيه وخلوته بها؟، فقال ﷺ : "الحمو الموت" يريد أنه شر من البعيدة في الخلوة، ونهى ﷺ أن تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم، كل ذلك كان منه محافظة على العرض والنسب والدين، وصلاح ذات البين، وصيانة لحقوق الرحم، أما نظر المتخاطبين كل منهما الآخر في غير خلوة ولا ريبة فلا بد منه، وقد أمر به النبي ﷺ كما تقدم، وقولهم: إن الزواج السعيد أساسه الحب، فيه نظر فإن الحب على أنواع، منه: حب الشهوة كحب الطعام والشراب وركوب الخيل، وما أشبه ذلك, فهذا الحب هو في الحقيقة ألم يحز في النفس، ويعظم بفقد المسكن، وهو قضاء الغرض من المطلوب فإذا ظفر صاحبه بمطلوبه سكن ألمه وضعفت رغبته في ذلك المطلوب، وصار ينظر إليه بعين غير العين التي كان ينظر إليه بها عند فقده، وقد تستمر هذه الرغبة في الضعف حتى تنعدم، والدليل على ذلك أن كثيرا من الناس كانوا يعشقون نساء، وبذلوا في سبيل التزوج بهن كل ما يستطيعون بذله، فلما وصلوا إلى غرضهم لم يلبثوا أن ملوا أولئك النساء، ولم تبق لهن قيمة عندهم، لأنهم كانوا يحبونهن حب شهوة، فلما قضيت قضى معها الحب نحبه، وهذا عام في البشر: الشرقيين منهم والغربيين. وقد سئل بعض الأوروبيين: من تحب من النساء؟ فقال: أحب جميع النساء ما عدا زوجتي! فإن لم يزل ذلك الحب بالمرة، فإنه يضعف كثيرا جدا، فإذا اتفق أن المحبوب كان غليظ الطبع جافيا سيء الخلق كان ذلك أدعى إلى موت ذلك الحب بسرعة وربما انقلب بغضا وعداوة.
стр. 1606
ومنها حب ميل زوجي وهذا أطول عمرا من الذي قبله، فإن صادف أن المحبوب كان متصفا بأخلاق ملائمة لطبع المحب، ازداد ذلك الحب قوة على مر الأيام وثبت، وليس مقصودنا أن ننفي أن حسن الصورة من دواعي الحب الصحيح، ولا نقول بغض النظر عن كل حسن جسمي والاكتفاء بالجمال النفسي فإن هذا خطأ فإن الحب الصحيح لا يتم إلا إذا كان المحبوب جميلا في نفسه وهذا الحب يبنى على الزواج الشرعي الذي يكون كل من الزوجين قد رأى صاحبه قبل الزواج ورضي به زوجا بدون إكراه ولا إغراء، فإن صادفه الاتفاق في الأخلاق ومتانة الدين، كان ذلك أقوى له وأرسخ لقواعده، وهذا هو الذي أمر به الإسلام.
وأما اعتراضكم على الإسلام في جعله ميراث المرأة نصف ميراث الرجل، فهو اعتراض ساقط، لأن الرجل قد فرض عليه الإسلام فرائض مالية لم يفرضها على المرأة، منها دفع المهر، ومنها النفقة على الزوجة والأولاد والوالدين الفقيرين، زيادة على أن عليه حماية هؤلاء، والدفاع عنهم فهو في حاجة إلى المال، بخلاف المرأة فحاجتها في الجملة إلى المال قليلة.
стр. 1607
العدد ٩
فهرس المحتويات
١-من مسائل الربا: لسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
٣- موسوعات الفقه الإسلامي أو معاجم القوانين الفقهية: لفضيلة السيد محمد المنتصر الكتاني
٤- مقابلة مع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية: الشيخ محمد بن ناصر العبودي
٥- الإمام مسلم وصحيحه: بقلم الشيخ عبد المحسن العباد
٦- في مناسبات الآيات والسور - المناسبات.. وترتيب الآيات والسور: للشيخ أحمد حسن
٧- في ظلال سورة الأنفال (٣) : بقلم الشيخ: أبي بكر جابر الجزائري
٨- التراويح أكثر من ألف عام في المسجد النبوي: بقلم الشيخ عطية محمد سالم
٩- دراسات أدبية - كتاب في أفريقية الخضراء: بقلم الأستاذ محمد المجذوب
١٠- الإسلام والحياة - القرآن والمظاهر الطبيعية: بقلم أحمد عبد الرحيم السايح
١١- ملاحظات وتعقيبات: للشيخ عبد الله القادري
١- تعقيب على مقال: التضامن الإسلامي بين التأييد والتنديد.
٢- التعقيب على مقال ابن حزم
١٢- قدس القداسات: بقلم الأستاذ عبد السلام حافظ
١٣- ذبح الحمام الأهلي في الحرم المكي: لفضيلة الشيخ محمد شفيع
١٤- التفكر في مخلوقات الله: للشيخ عبد الله بن صالح المحسن
١٥- مع الصحافة - مع الإسلام ولكن؟ : نقلا عن مجلة البعث الإسلامي
١٦- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
١٧- ندوة الطلبة - الحركة الإسلامية في الهند: بقلم الطالب: عبد الرحمن تروائي المليباري
١٨- الأدب العربي: بقلم الطالب عبد الرحمن محمد الأنصاري
١٩- دراسات في الديانات الهندية - الديانة الهندوسية (١) : بقلم: الطالب محمد ضياء الرحمن الأعظمي
٢٠- أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 1608
من مسائل الربا
لسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فقد سألني غير واحد عن معاملة يتعاطاها كثير من الناس وهي أن بعضهم يدفع إلى البنك أو غيره مالاً معلوما على سبيل الأمانة أو ليتجر به القابض على أن يدفع القابض إلى الدافع ربحا معلوما كل شهر أو كل سنة مثال ذلك أن يدفع شخص إلى البنك أو غيره عشرة آلاف ريال أو أقل أو أكثر على أن يدفع إليه القابض مائة ريال أو أكثر أو أقل كل شهر أو كل سنة، وهذه المعاملة لا شك أنها من مسائل الربا المحرم بالنص والإجماع وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن أكل الربا من كبائر الذنوب ومن الجرائم المتوعد عليها بالنار واللعنة. قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
стр. 1609
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الكريمات الدلالة الصريحة على غلظ تحريم الربا وأنه من الكبائر الموجبة للنار كما أن فيها الدلالة على أن الله سبحانه يمحق كسب المرابي ويربي الصدقات أي يربيها لأهلها وينميها حتى يكون القليل كثيرا إذا كان من كسب طيب. وفي الآية الأخيرة التصريح بأن المرابي محارب لله ورسوله وأن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وأخذ رأس ماله من غير زيادة. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله سبحانه ويراقبه في جميع الأمور وأن يحذر ما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال والمكاسب الخبيثة ومن أعظمها وأخطرها مكاسب الربا الذي أنزل الله فيه ما يوجب الحذر منه والتواصي بتركه، وقد نقل أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ﵀ في كتابه المغني عن الحافظ ابن المنذر إجماع العلماء على تحريم مثل هذه المعاملة وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1610
الإسلام والحياة
القرآن والمظاهر الطبيعية
بقلم أحمد عبد الرحيم السايح
من علماء الأزهر
القرآن الكريم يلفت نظر المؤمنين إلى المظاهر الطبيعية، لينمِّي في الإنسانية القوى العقلية، المفضية إلى النظر في البراهين، الداعية إلى التفكُّر والتأمل في هذا الكون العجيب، الذي يسير وفق نظام امتلأ دقة وروعة.
قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
وقال تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ, وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ, ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 1611
وفي سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ, إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ .
وقال تعالى في سورة (ق) : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ, وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ, تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ, وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ, وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ, رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ..﴾ .
وفي سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
وفي سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وفي سورة يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وفي سورة الغاشية: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ, فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ .
стр. 1612
وقال تعالى في سورة الواقعة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ, أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ؟ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ؟ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ, وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ؟ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ, أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ؟ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .
لقد طاف بنا القرآن الكريم في الآيات المذكورة، في أنحاء هذا الكون الكبير، الذي لا يعلم مداه إلا خالقه، وتتبع مظاهر الطبيعة على وجه هذه الأرض التي نعيش عليها، بما فيها من جبال، وبحار، وأنهار، وينابيع، ونبات، وأشجار، وحيوان، وفواكه، تسقى بماء واحد، وتفضل بعضها على بعض في الأكل.
ووضَّح القرآن في أسلوب أخَّاذ، كيفية تبدُّل الأرض وتغيُّرها عندما ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.
وفي الكون العلوي، تحدث القرآن عن ملكوت السموات، تحدث عن الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
стр. 1613
وتتسم الآيات التي تناولت مظاهر الطبيعة بلفت النظرة والاعتبار، بما فيها بداية أو نهاية، كثيرا ما تُصَدَّر الآية بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ .
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ .
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ .
ولكي نعطي صورة تقريبية، لمدى اهتمام القرآن بمظاهر الطبيعة وتوجيه النظر، للتفكير والتأمل والبحث فيها. نورد إحصائية لبعض هذه الظواهر التي رددها القرآن في كثير من آياته.
ذكر القرآن الكريم (الأرض) في أكثر من ثمانين وأربعمائة آية، وذكر السماء مفردا وجمعا في مائتي آية، وذكر النهار في خمسين موضعا، وذكر البحر في أكثر من أربعين موضعا، وذكر الجبال في أكثر خمسة وثلاثين موضعا، وذكر الأنعام في ثلاثين موضعا، وذكر الريح والرياح في أكثر من خمسة وعشرين موضعا. وذكر الظلمات في عشرين آية والنجم في ثلاث عشرة آية، وذكر النخيل في عشرين آية، والنطفة في اثنتي عشرة آية.
لم يكن تكرار تلك الألفاظ عبثا، وإنما جاء في كل آية بإشارات خاصة وإيحاءات دافعة، ومناسبات تختلف كل واحدة فيها عن الأخرى.
وهذا مثال للجوانب التي تحدث فيها القرآن الكريم عن الأرض، في بعض الآيات التي وردت في القرآن: "أخذت الأرض زخرفها"، "أشرقت بنور ربها"، "ألقت ما فيها وتخلت"، "أخرجت أثقالها"، "وضعها للأنام"، "ألقى رواسي أن تميد بكم"، "تصبح مخضرَّة"، "فجرها عيونا"، "رجت رجا"، "زلزلت الأرض زلزالها"، "وجعلها الله فراشا، وذلولا، وبساطا، وكفاتا، وقرارا، وخاشعة، ودحاها، وجعل فيها خزائن، وجنات"إلخ.. [١] .
стр. 1614
وهكذا لو حاولنا تقصِّي المناسبات التي ذكرت فيها هذه الظواهر والأسرار التي ذكرها الله بشأنها، لَمَا وسعنا الزمن، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ . وإلى اللقاء.
من حكم أبي بكر الصديق ﵁
١- صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
٢- ليست مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة.
٣- ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغي، والنكث، والمكر.
٤- كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وإنما لك ما وُعِيَ عنك.
٥- أصلح نفسك يصلح لك الناس.
(جواهر الأدب)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع مجلة الدراسات الإسلامية المجلد الثاني - باكستان - إسلام آباد.
стр. 1615
ملاحظات وتعقيبات
تعقيب على مقال:
التضامن الإسلامي بين التأييد والتنديد
للشيخ عبد الله القادري
المشرف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد، فقد نشرت جريدة (نداء الجنوب) في العدد ١٢٩ مقالا بعنوان: (التضامن الإسلامي بين التأييد والتنديد) يحمل توقيع (عقيل) وهو مقال جيِّد يدل على غِيرة الأخ الكاتب على دينه وعلى امتعاضه من المبادئ والشعارات المعادية للإسلام. ولكن عبارة لفتت نظري واستغربت أن تكون من صاحب المقال، لأن وجهته إسلامية وكتابته ضد المبادئ الهدامة، والعبارة - حسب اعتقادي - فيها ما هو مخالف للإسلام صراحة، وفيها ما هو في حاجة إلى البيان والإيضاح، وأنا أنقل العبارة أولا بلفظها ثم أذكر بعد ذلك ما رأيت ابدأه نصحا لله ولرسوله وللكاتب والقائمين على إصدار الجريدة والقراء بصفة عامَّة.
قال الكاتب:
"وما كان الإسلام ولن يكون عدو القومية والوحدة والتحرُّر والإنسانية والاشتراكية".
قلت: إن بعض ما في هذه العبارة مخالف للإسلام صراحة، وبعضها الآخر يحتاج إلى إيضاح وتفصيل:
١- أما ما يخالف الإسلام صراحة فهو كون الإسلام ليس عدوا للاشتراكية، فإن الاشتراكية - كما هو معروف - مقدمة الشيوعية. ولا أريد أن أطيل الكلام في هذا الموضوع فقد كفانا الكتَّاب المسلمون عناء ذلك، ومن سقط من المنتسبين إلى الإسلام من أهل العلم أو أدعيائه في هوة أعداء الإسلام وادعى أن نصوص الإسلام تؤيد الاشتراكية لا يخلو من أحد أمرين: فهو إما مخطئ في فهم نصوص الشريعة مع حسن نيته، وهذا الاحتمال أحسن الاحتمالين وأمر صاحبه إلى الله تعالى إذ هو الذي يعلم حسن نيته - دون غيره -.
следующие страницы →