Полный текст (23 804 стр.). Показаны 16346–16385 · переход к 16351.
стр. 16346
وقد ردّ السمين في حاشية الفتوحات الإلهية هذا الرأي بقوله: "ويردّ ذلك التزام كون المفعول الثاني جملة استفهامية مشتملة على استفهام ... فعليك باعتباره هنا"حاشية الفتوحات الإلهية ج٢ ص ٣٦٤ وما قاله السمين في ردّه على أبي حيان حق- فيما أرى- فإن المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ التي بمعنى أخبرني لم يأت في القرآن الكريم مصرحا به إلا جملة استفهامية كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ . (الآيتان: ٧٧، ٧٨) من سورة مريم وكما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ الآية (٤٣) من سورة الفرقان. وكما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى. أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ الآيات (٣٣-٣٥) من سورة النجم. وكما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الآيتان ٦٨، ٦٩) من سوره الواقعة. وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ الآية (٥٩) من سورة يونس.
ويتبين من هذه الآيات- وهناك في القرآن الكريم آيات كثيرة غيرها- أنه قد التزم في المفعول الثاني لأرأيت التي بمعنى أخبرني كونه جملة استفهامية هي متعلقُ الاستخبار والاستفهام عن مفعولها الأول، فإذا جاءت (أرأيت) التي بمعنى أخبرني في بعض الآيات دون أن يصرح فيها بالمفعول الثاني لزم أن يكون هذا المفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة قياسا على ما جاء في آيات أخرى مصرحا بها.
стр. 16347
ثم إن قول أبي حيان: "لانعقادهما - أي المفعول الأول والثاني - مبتدأ وخبرا قبل دخول أرأيتك- قول يقال في أرأيت إذا كانت علمية ليست بمعنى أخبرني نحو أرأيت زيدا عالما- أما إذا كانت (أرأيت) بمعنى أخبرني فإن القول يختلف، فلا يكفي في المفعول الثاني أن ينعقد منه ومن المفعول الأول مبتدأ وخبر، بل لابدّ مع ذلك أن يكون المفعول الأول مستخبرا عنه من حيث المعنى، وأن يكون المفعول الثاني موضع الاستفهام والاستخبار عن المفعول الأول، وأن يبقى المعنى سليما مستقيما إذا ما وضعنا (أخبرني عن) موضع (أرأيت) ".
ولنعد إلى الآية الكريمة موضع البحث وهي: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً﴾ فالمعنى والتقدير على ما ذهب إليه أبو حيان من أن الجملة القسمية هي المفعول الثاني لأرأيتك التي بمعنى أخبرني هو: أخبرني عن آدم هذا الذي كرمته عليّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأغوين ذريته إلا قليلا.
فالجملة القسمية هنا لا تصلح أن تكون مفعولا ثانيا لأرأيتك التي بمعنى أخبرني، لأنها ليست متعلق استفهام إبليس واستخباره حينما قالت: أخبرني عن آدم هذا الذي كرمته عليّ، ويظلّ السؤال قائما: ما الذي يريد إبليس أن يُخبر به عن آدم وعمّ يستفهم؟ وليست هناك من أحد يستطيع أن يدّعي أن قسَمَ إبليس ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ ... هو الذي يريد إبليس أن يُخبر به عن آدم، وأن قسَمَ إبليس هو الذي يسأل عنه إبليس.
ولأنه لا ارتباط بين الجملة القسمية هذه وما قبلها ذهب المفسرون إلى أن هذه الجملة كلام مستأنف.
стр. 16348
أما تقدير الكلام في هذه الآية الكريمة على ما ذهب إليه معظم المفسرين فهو: أخبرني عن آدم هذا الذي كرمته عليّ لمَ كرمته عليّ، ففي هذا التقدير الذي جعل فيه المفعول الثاني جملة استفهامية نجد المعنى واضحا مرتبطا أوله بآخره وآخره بأوله، وأن العلاقة وثيقة بين مفعولي أرأيتك، وأن المفعول الثاني جاء مشتملا على موضع الاستفهام والاستخبار عن المفعول الأول، وأنه يسير وفقا لأساليب أرأيت التي بمعنى أخبرني.
ومن هذا الذي تقدم يتبينّ أن ما ذهب إليه أبو حيان من كون الجملة القسمية مفعولا ثانيا لأرأيتك مذهب بعيد عن الحسن كل البعد.
هذا، وقد رجع أبو حيان عن هذا الرأي في آخر الجزء الأخير من تفسيره البحر المحيط عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ ... الآيات (٩-١٤) من سورة العلق، فقال متحدثا عن المفعول الثاني لأرأيت التي بمعنى أخبرني: "وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية" (البحر المحيط ج٨ ص ٤٩٤) .
هذا، والتاء في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ ضمير المخاطب فاعل، والكاف- عند البصريين- حرف خطاب لا محل له من الإِعراب، مؤكد لمعنى التاء قبله، وهو من التوكيد اللغوي.
وذهب الفراء إلى أن الكاف في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ لها محل من الإِعراب وهو النصب على المفعولية، والمعنى أرأيت نفسك، و ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مبتدأ وخبر وقد حذف منه الاستفهام أي أهذا الذي كرمت عليّ.
وقال ابن عطية: الكاف في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف خطاب ومبالغة في التنبيه لا موضع لها من الإعراب فهي زائدة، ومعنى أرأيت أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها أي بأرأيتك ينبّه المخاطب ليستجمع لما ينبه عليه بعدُ، ولا تكون بمعنى أخبرني إلا إذا كان بعدها استفهام مصرح به.
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ التعجب والإِنكار:
стр. 16349
فقد عجب إبليس من تكريم الله تعالى لآدم، فقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم وأمره هو أيضا بالسجود فكان في هذا السجود تكريم لآدم عظيم.
وقد أنكر إبليس ذلك التكريم، لأن الله تعالى خلقه من نار، وخلق آدم من طين، ومن يُخلق من نار أفضل - في زعمه - ممن يُخلق من طين. وقد ضل إبليس عن أن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل، وأن خلقه هم الذين يُسألون.
أختي الاستفهامية "هل":
وعلى أسلوب أرأيتك بمعنى أخبرني جاء أرأيتكم في آيتين اثنتين:
الأولى: في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ, بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ . الآيتان: (٤٠- ٤١) من سورة الأنعام.
في هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله رسوله محمداً ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني - أيها المشركون - عن عذاب الله إن أتاكم في الدنيا أو أتتكم أهوال يوم القيامة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلكم العذاب أو تلكم الأهوال. إن كنتم صادقين فأخبروني إلى مَنْ ترجعون، إنكم لن ترجعوا في دفع ذلك كله إلا إلى الله تعالى، فيكشف الذي من أجله دعوتموه إن شاء أن يتفضل عليكم بكشفه، وتنسون الأصنام التي كنتم تعبدونها كأن لم تعبد من قبل.
стр. 16350
والتاء في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ضمير المخاطب في محل رفع فاعل، و (كُمْ) التي بعد التاء حرف خطاب لا محل له من الإعراب جاء لتأكيد الخطاب الذي دلت عليه التاء، وهذه (الكافات) اللواحق التي تأتي بعد التاء تختلف باختلاف المخاطب مع بقاء التاء مفتوحة، فتقول: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ الخطاب المفرد المذكر، و (أرأيتَكِ) لخطاب المفردة المؤنثة، و (أرأيتكُما) لخطاب المثنى بنوعيه (المذكر والمؤنث) ، و ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لخطاب جماعة الذكور، و (أرأيتكُنَّ) لخطاب جماعة الإناث.
هذا إذا كانت ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ بمعنى أخبرني، وهو رأي البصريين، وسوف أذكر لك رأي الكوفيين ضمن أمور أنبهك عليها في ختام هذه الرسالة.
وإذا لم تكن ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ بمعنى أخبرني فهذه الكافات اللواحق بالتاء ضمائر في محل نصب مفعول به لرأيت، سواء أكانت علمية أم بصرية أم عرفانية، ولايلزم الفتح تاء الضمير.
والحديث عن هذه المسألة مجاله كتب النحو الموسعة عندما تتحدث عن (رأى) في باب ظن وأخواتها، وليس لهذه الرسائل أن تأخذ من النحو إلا ما يتصل بآياتها الكريمة اتصالا وثيقا، وفيما ذكرته لك ما يكفي ويزيد.
و ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو عذاب الله والساعة، ومتعلق الاستخبار ومناطه وموضعه هو الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ، والمعنى: أخبروني أيها المشركون عن عذاب الله إن أتاكم أو الساعة إن جاءتكم أغير الله تدعون لكشفه أو كشف أهوالها.
стр. 16351
و ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ وإن كانت بمعنى أخبروني من حيث المعنى- هي علمية من حيث الإعراب تأخذ مفعولين: المفعول الأول ضمير محذوف يعود على ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ فاعل أتاكم، وهذه المسألة من باب التنازع، فقد تنازع (أرأيتكم) و (أتاكم) : ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ ، فالأول وهو ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ يطلبه على أنه مفعوله، والثاني وهو ﴿أَتَاكُمْ﴾ يطلبه على أنه فاعله، فأعمل الثاني وارتفع ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ على الفاعلية، وأعمل الأول في ضميره وحذف ذلك الضمير، أما المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ فهو الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ والرابط لهذه الجملة الاستفهامية بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: أغير الله تدعون لكشفه أو كشفها. أما جواب ﴿إنْ﴾ الشرطية في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ ففيه خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن الجواب محذوف، وقدّره الزمخشري: إن أتاكم عذاب الله من تدعون، وقال أبو حيان: وإصلاح هذا الجواب أن يكون: (فمن تدعون) بالفاء، لأن جواب الشرط إذا وقع جملة استفهامية فلابد فيه من الفاء.
الوجه الثاني: أن جوابه ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ - قاله الحوفي- وقال أبو حيان: رأي الحوفي هذا فاسد لسببين: الأول: أن جواب الشرط لا يتقدم عند جمهور البصريات وإنما جوزه الكوفيون وأبو زيد والمبرد. والسبب الثاني: أن الجملة المصدرة بالهمزة لا تقع جوابا للشرط البتة، إنما يقع من الاستفهام ما كان بهل أو اسم من أسماء الاستفهام.
стр. 16352
الوجه الثالث: أن الجواب هو الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ، وهو ظاهر عبارة الزمخشري، وقد ردّ أبو حيان هذا الرأي بقوله: لا يجوز أن يتعلق الشرط بقوله ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لأنه لو تعلق به أعان جوابا له، لكنه لا يقع جوابا، لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما بالحرف لا يقع إلا بهل مقدّما عليها الفاء، وأيضا الجملة الاستفهامية المصدرة بالهمزة لا يصح وقوعها جوابا للشرط.
الوجه الرابع: أن الجواب محذوف، دلّ عليه الاستفهام: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ، والتقدير: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة دعوتم الله.
الوجه الخامس: أن الجواب محذوف، دلّ عليه الكلام السابق وهو ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ والتقدير: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فأخبروني عنه أتدعون غير الله لكشفه. ومثل هذا قولهم: أنت ظالم إن فعلت، أي فأنت ظالم، فحذف فأنت ظالم لدلالة ما قبله عليه. (البحر المحيط ج ٤ ص ١٢٧) .
وهذا الوجه الخامس هو الذي اختاره أبو حيان وقال إنه الذي تقتضيه قواعد العربية، وهو الذي التزمته في جواب كل شرط جاء بعد (أرأيت) إذا كان المعنى عليه.
وقد كان للعلماء في المفعول الأولى والثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن مفعولها الأول محذوف لدلالة الكلام عليه، وأن مفعولها الثاني محذوف أيضا لدلالة الجملة الاستفهامية عليه، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم. أو اتخاذكم غير الله إلها هل يكشف ضركم، وقال أبو حيان هو رأي ضعيف ولم يعلّل، وربما كان ضعفه في أنه متكلف لا داعي إليه.
الرأي الثاني: أنه ليس لـ ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ مفعول أول ولا مفعول ثان وأن الشرط الذي بعدها وجوابه سدّا مسدّ مفعوليها، وقال أبو حيان هو رأي ضعيف، ولكن السمين في حاشية الفتوحات الإلهية ردّ هذا الرأي بأنه لم يعهد في باب ظن أن يسدّ الشرط وجوابه مسدّ المفعولين.
стр. 16353
الرأي الثالث: أن المفعول الأول ضمير محذوف يعود على ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ وأن المسألة من باب التنازع، وأن المفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ .
وهذا الرأي الثالث هو الذي اختاره أبو حيان، وهو الذي التزمته فيما جاء على أسلوب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هنا.
وقد أفاد استفهام ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة توبيخ المشركين وتقريعهم على عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله تعالى، مع أنهم إذا وقع العذاب بهم لا يدعون أولئك الأصنام لكشفه عنهم، وإنما يدعون الله وحده وينسون ما كانوا يعبدون.
ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على سوء صنيعهم، فهو يعبدون الأصنام التي لا تقدر أن تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا، ويتركون عبادة الله الذي لا يدعون غيره إذا نزل بهم البلاء.
ويفيد أيضا التعجب: التعجب من حال هؤلاء المشركين، فهم يعبدون الأصنام حتى إذا نزل العذاب وأصابتهم المصائب لجئوا إلى الله تعالى وحده ليكشف عنهم ما نزل بهم، وتركوا الأصنام وراءهم نسيا منسيا، وكان مقتضى هذا- لو كان لديهم إدراك سليم وفهم مستقيم ومُسكة من عقل وقليل من تدبر- أن يعبدوا الله القادر على أن يكشف عنهم العذاب والضر، وأن يتركوا عبادة ما لا يقدرون على شيء.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ . الآية (٤٧) من سورة الأنعام.
في هذه الآية الكريمة يأمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يقول للمشركين ما يتضمن:
أخبروني- أيها المشركون- عن عذاب الله إن أتاكم فجأة من غير مقدمات، أو أتاكم جهرة قد تقدمه علامات وأمارات- هل يهلك بهذا العذاب إلا أنتم أيها المشركون.
стр. 16354
و ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه عذاب الله، ومتعلق الاستخبار وموضعه ومناطه الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
و ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ من حيث الإِعراب علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول ضمير محذوف يعود على عذاب الله، والمسألة هنا من باب التنازع على نحو ما مرّ في الآية الأولى التي سبقت هذه. أما المفعول الثاني فهو الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُون﴾ والرابط الذي يربطها بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: هل يهلك به إلا القوم الظالمون. وأداة الشرط ﴿إِنْ﴾ في قوله تعالى ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ جوابها محذوف دل عليه ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ، والتقدير: إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة فأخبروني هل يهلك به إلا القوم الظالمون. والتاء في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ضمير المخاطب فاعل، والكاف أو ﴿كُمْ﴾ حرف جيء به لتأكيد الخطاب الذي دلت عليه التاء لا محل له من الإعراب. و ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَة﴾ مصدران، وهما منصوبان على الحالية من فاعل أتاكم وهو عذاب الله فيؤولان باسم الفاعل، أو على الحالية من المفعول به في أتاكم وهو الكاف أو كُمْ، فيؤولان باسم المفعول، أو منصوبان على المصدرية. واستفهام ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هنا يفيد التهديد: تهديد المشركين بالعذاب جزاء إشراكهم بالله تعالى.
ويفيد أيضا التقريع والتوبيخ: تقريع المشركين وتوبيخهم على إشراكهم الذي استحقوا به عذاب الله تعالى.
ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أنهم بإشراكهم بالله يظلمون أنفسهم ويستحقون به عذاب الله تعالى الذي سوف ينزل بهم بغتة أو جهرة وليس لهم منه سلامة ولا نجاة.
أختي الاستفهامية "هل":
стр. 16355
بهذا ينتهي حديثي إليك عن الآيات التي وردت فيها همزة الاستفهام داخلة على الفعل الماضي "رأى يا ولكنني أودّ قبل أن أكتب إليك حديثا جديدا- أودّ أن أعود إلى الوراء قليلا لأريك أمورا جاءتك تفاريق في مواضع شتى، ومن هذه الأمور:
١- أن همزة الاستفهام قد دخلت على الفعل الماضي "رأى"في أربع وثلاثين آية من آيات القرآن الكريم، وليس هناك فعل آخر قد دخلت عليه الهمزة وكان في مثل هذا العدد أو قريبا منه.
٢- وأنني قد ذهبت إلى أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في هذه الآيات كلها كانت بمعنى أخبرني، وأنها من حيث الإعراب علمية تنصب مفعولين: الأول يجيء بعدها ويكون اسما مفردا ظاهرا أو مضمرا- وهو المستخبر عنه من حيث المعنى- والثاني يجيء جملة استفهامية ظاهرة أو مقدرة وهي موضع الاستخبار ومتعلقة ومناطه.
وقد جاء هذان المفعولان من حيث الذكر والحذف على أربع صور:
الصورة الأولى: ذكر المفعولين مصرحا بهما، وقد جاء ذلك في ثلاث عشرة آية:
١- في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ الآية (٥٩) من سورة يونس.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿مَا أَنْزَلَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ و ﴿قُلْ﴾ الثانية توكيد للأولى.
٢- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ . الآية (٤٠) من سورة فاطر.
المفعول الأول هنا ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ وجملة ﴿أَرُونِي﴾ معترضة بين المفعولين لتأكيد الكلام وتقويته.
стр. 16356
٣- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ الآية (٣٨) من سورة الزمر.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ . ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ والجملة الشرطية: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ معترضة بين المفعولين.
٤- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية (٤٠) من سورة الأحقاف.
يقال في المفعولين هنا ما سبق قوله في الآية الأربعين من سورة فاطر المتقدمة في رقم (٢) .
٥- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى, وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى, أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ . الآيات: (١٩- ٢١) من سورة النجم.
المفعول الأول: اللات والعزى ومناة، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ .
٦- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ, أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ الآيتان: (٥٨-٥٩) من سورة الواقعة.
المفعول الأول هنا: اسم الموصول ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ .
٧- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ, أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الآيتان: (٦٣-٦٤) من سورة الواقعة.
المفعول الأول هنا: اسم الموصول ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ .
стр. 16357
٨- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ, أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ الآيتان: (٦٨-٦٩) من سورة الواقعة.
المفعول الأول هنا ﴿الْمَاءَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ .
٩- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ الآيتان: (٧١-٧٢) من سورة الواقعة.
المفعول الأول هنا ﴿النَّارَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ .
١٠- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً, أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ الآيتان: (٧٧-٧٨) من سورة مريم.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ .
١١- وفي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ . الآية: (٤٣) من سورة الفرقان.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ .
١٢- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ . الآية (٢٣) من سورة الجاثية.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ .
стр. 16358
١٣- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى, وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى, أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ الآيات: (٣٣-٣٥) من سورة النجم.
المفعول الأول هنا اسم الموصول ﴿الَّذِي تَوَلَّى﴾ . المفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ .
الصورة الثانية: حذف المفعول الأول وذكر المفعول الثاني وهو الجملة الاستفهامية، وقد ورد ذلك في اثني عشر موضعاً في آيات القرآن الكريم:
١- في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية (٤٠) من سورة الأنعام.
المفعول الأول لأرأيتكم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ .
٢- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِه﴾ الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِه﴾ .
٣- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ . الآية (٤٧) من سورة الأنعام.
المفعول الأول لأرأيتكم هنا محذوف وهو ضمير يعود على عَذَابُ اللَّهِ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
٤- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية: (٥٠) من سورة يونس.
стр. 16359
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿عَذَابُهُ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
٥- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ الآية (٢٨) من سورة هود.
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿بَيِّنَةٍ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ .
٦- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ الآية (٦٣) من سورة هود.
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿بَيِّنَةٍ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ .
٧- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ الآية (٧١) من سورة القصص.
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿اللَّيْلَ﴾ ، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ .
٨- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيه﴾ الآية (٧٢) من سورة القصص.
المفعول الأول لأرأيتم هنا ضمير محذوف يعود على ﴿النَّهَارَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيه﴾ .
стр. 16360
٩- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية (٥٢) من سورة فصلت.
المفعول الأول لأرأيتم هنا محذوف يدل عليه المعنى تقديره (أنفسكم) وهذا رأي أبي حيان، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ومعناها: من أضل منكم.
١٠- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية (٢٨) من سورة الملك.
المفعول الأول لأرأيتم هنا محذوف يدل عليه المعنى تقديره (أنفسكم) والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومعناها: من يجيركم من عذاب أليم، والفاء زائدة للتوكيد.
١١- وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ, ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ, مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ الآيات (٢٠٥-٢٠٧) من سورة الشعراء.
المفعول الأول هنا ضمير محذوف يعود على اسم الموصول: ﴿مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
١٢- وفي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى, أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ . الآيات: (١٣-١٤) من سورة العلق.
المفعول الأول هنا محذوف وهو ضمير يعود على اسم الموصول: ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ .
الصورة الثالثة: ذكر المفعول الأول وحذف المفعول الثاني وقد ورد ذلك في أربعة مواضع في آيات القران الكريم:
стр. 16361
١- في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ, أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ, فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . الآيات: (٧٥-٧٧) من سورة الشعراء.
المفعول الأول مذكور وهو اسم الموصول: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ والمفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة يدل عليها المعنى والسياق وتقديرها: "أيستحقون أن تعبدوهم وهم لا ينفعون ولا يضرون".
٠ ٢- وفي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى, عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ الآيتان: (٩-١٠) من سورة العلق.
المفعول الأول اسم الموصول ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ ، والمفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة وتقديرها: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ وقد دلّ عليها وأغنى عن التصريح بها قوله تعالى في الآية الرابعة عشرة من هذه السورة ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ .
٣- وفي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ الآيتان: (١-٢) من سورة الماعون.
المفعول الأول اسم الموصول: ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ، والمفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة وتقديرها: أرأيت الذي يكذب بالدين من هو.
٤- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً﴾ . الآية (٦٢) من سورة الإسراء.
المفعول الأول اسم الإشارة ﴿هَذَا﴾ والمفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة، والتقدير: أرأيت هذا الذي كرمته عليّ لم كرمته عليّ.
الصورة الرابعة: حذف المفعول الأول والثاني معاً، وقد ورد ذلك في خمسة مواضيع في آيات القرآن الكريم:
стр. 16362
١- في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . الآية (٨٨) من سورة هود.
مفعولا أرأيتم هنا محذوفان وقد دلّ عليهما المعنى والسياق، وتقديرهما: أرأيتم البينة- إن كنتم عليها- أيحق لي أن كتمها وأن لا أبلغكموها.
٢- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ . الآية (٦٣) من سورة الكهف.
مفعولا أرأيت هنا محذوفان، يدل عليهما المعنى والسياق، وتقديرهما: أرأيت أمرنا ما عاقبته. أو أرأيت الحوت ماذا كان منه.
٣- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية (١٠) من سورة الأحقاف.
مفعولا أرأيتم هنا محذوفان، يدل عليهما السياق والمعنى، وتقديرهما: أرأيتم حالكم إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله - وهي التوراة بأنها من عند الله فآمن به واستكبرتم عن الإيمان به - ألستم ظالمين لأنفسكم بكفركم هذا.
٤- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ الآية (٣٥) من سورة الملك.
стр. 16363
مفعولا أرأيتم هنا محذوفان يدل عليهما الجملة الشرطية وجوابها وتقديرهما: أرأيتم ماءكم- إن أصبح غائرا في الأرض - أيستطيع أحد غير الله أن يأتيكم ببدل منه.
٣- وفي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى, أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ الآيتان: (١١-١٢) من سورة العلق.
مفعولا أرأيت هنا محذوفان يدل عليهما المعنى والسياق، وتقديرهما: أرأيته أي- أبا جهل- إن كان على الهدى بحسب زعمه في نهيه الرسول عن الصلاة أو آمرا بالتقوى وهي عبادة الأصنام بحسب زعمه - ألم يعلم بأن الله يراه، فيحاسبه على هداه المزعوم وتقواه الكاذبة.
وبهذا تنتهي الصور التي جاء عليها مفعولا (أرأيت) بأساليبها الثلاثة:
(١- أرأيت) (٢- أرأيتم) (٣- أرأيتكم) .
وإذا أنعمت النظر في هذه الصور الأربع وجدت فيها أنه حيثما حذف المفعول الأول لـ (أرأيت) في أساليبها الثلاثة جاء بعدها مباشرة "إنْ"الشرطية وكان شرطها فعلا ماضيا، ويستثنى من ذلك ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ . الآية (٦٣) من سورة الكهف. فقد جاء بعد (أرأيت) "إذْ"الظرفية ولم تأت "إنْ"الشرطية.
وفي هذه الآيات التي جاءت فيها "إنْ"الشرطية بعد (أرأيت) وأخواتها (أرأيتم، أرأيتك، أرأيتكم) مباشرة، في هذه الآيات أجاز بعض العلماء أن يسدّ الشرط وجوابه - إذا جاء الجواب جملة استفهامية مقترنة بالفاء - مسدّ مفعوليْ أرأيت وأخواتها. وقد ردّ أبو حيان هذا الرأي بأنه لم يعهد في أساليب العربية أن يسد الشرط وجوابه مسدّ مفعوليْ (علم) .
стр. 16364
وقد أجاز بعض العلماء أيضا أن تكون (أرأيت) وأخواتها (أرأيتم، أرأيتك، أرأيتكم) جوابا لإن الشرطية الواقعة بعدها إذا كان المعنى على ذلك، وقد ردّ أبو حيان هذا الرأي أيضا بأنّ "إنْ"الشرطية لها الصدارة فلا يصح أن يتقدم معمولها عليها، وأرأيت وأخواتها حينئذ تدل على الجواب وليست هي الجواب نفسه، وما ذهب إليه أبو حيان هو مذهب البصريين، أما الكوفيون فقد أجازوا تقدم جواب الشرط على الشرط.
ومن الأمور التي أحب أن أنبهك عليها أن الكسائي قد ذهب في إعراب (أرأيتك، أرأيتكم) إلى أن التاء ها الفاعل وأن الكاف اللاحقة بالتاء في موضع المفعول الأول.
ويرد على مذهب الكسائي هذا أمران: أحدهما أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين كقولك أرأيتك زيدا ما فعل. فلو جعلت الكاف مفعولا لكانت المفاعيل ثلاثة.
وثانيهما أنه لو كانت الكاف مفعولا لكان هو الفاعل في المعنى، لأن كلا من الكاف والتاء واقع على المخاطب وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت أرأيتك زيدا، وزيد ليس هو المخاطب ولا هو بدل منه. (الفتوحات الإلهية ب ٢ ص ٢٧) ، (إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري ج١ ص ٢٤٢) .
ويقول الفراء: للعرب في (أرأيت) لغتان ومعنيان: أحدهما رؤية العين، فإذا أردت هذا عديت الرؤية إلى ضمير المخاطب، وتتصرف الرؤية تصرف سائر الأفعال، تقول للرجل: أرأيتك على غير هذه الحال؟ تريد هل رأيت نفسك، ثم تثني وتجمع فتقول: أرأيتما كما، أرأيتموكم، أرأيتنَّ كُنَّ.
والمعنى الآخر أن تقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي أخبرني، وتترك التاء - إذا أردت هذا المعنى - مُوحَّدة على كل حال، تقول: أرأيتكما، أرأيتكم، أرأيتكن.
стр. 16365
وإنما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكرها في الكاف وتركوا التاء في التذكير والتوحيد مفردة، إذ لم يكن الفعل واقعا. (الفتوحات الإلهية ج ٢ ص ٢٧) .
ومن هذه الأمور أن استفهام (أرأيتم) الذي ورد في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم قد غلب عليه التقريع والتوبيخ، فقد جاء ذلك في سبعة عشر موضعا، ثم جاء بعد ذلك من حيث الكثرة معنى التنبيه، فقد ورد في أربعة عشر موضعا، وقد جاء معنى التقرير في خمسة مواضع، وجاء الإِنكار في ثلاثة.
أما استفهام (أرأيت) الذي ورد في عشر آيات من آيات القرآن الكريم فقد غلب عليه التعجب والتنبيه، ورد كل منهما في عشرة مواضع وجاء التعجيب في ثمانية، وجاء التهديد والوعيد في موضع واحد، وكذلك جاء التشويق.
أما (أرأيت وأرأيتكم) فقد ورد استفهام (أرأيتك) مرة واحدة وقد أفاد التعجب والإنكار. وأما استفهام (أرأيتكم) فقد ورد مرتين: المرة الأولى في الآية الأربعين من سورة الأنعام وقد أفاد التعجب والتعجيب والتوبيخ والتنبيه، والمرة الثانية في الآية السابعة والأربعين من سورة الأنعام وقد أفاد التهديد والتوبيخ والتنبيه.
أختي الاستفهامية "هل":
في رسالتي السابقة التي تحدثت فيها عن استفهام (أرأيتم) نسيت أن أذكر لك معنى الاستفهام في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ . الآية (٦٣) من سورة هود.
стр. 16366
فقد أفاد استفهام (أرأيتم) هنا التنبيه: تنبيه صالحِ ﵇ قومه ثمود - وقد أنكروا عليه أن ينهاهم عن عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤهم من قبل وأن يأمرهم بعبادة الله الذي ليس لهم من إله غيره- تنبيههم على أن الله تعالى قد آتاه النبوة وأصبح على بينة من ربه فلا يستطيع بعد هذا إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأن ينهاهم عن عبادة الأصنام، وأنه إن لم يفعل ذلك فقد عصى الله وكان عاقبة أمره خسرا.
وبهذا تنتهي الأمور التي وددت أن أنبهك عليها، وتنهى هذه الرسالة، وسوف أحدثك في الرسالة القادمة- إن شاء الله تعالى- عن همزة الاستفهام الداخلة على "ليس". وأسأل الله تعالى أن يعين وأن يوفق، وعليه أتوكل وإليه أنيب في كل ما ينوب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
مراجع هذه الرسالة
١- تفسير ابن جرير الطبري.
٢- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي.
٣- تفسير أبي السعود.
٤- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين.
٥- تفسير الكشاف للزمخشري.
٦- تفسير الفخر الرازي.
٧- تفسير القرطبي.
٨- تفسير ابن كثير.
٩- تفسير البيضاوي.
١٠- تفسير الجلالين المطبوع على هامش الفتوحات الإلهية.
١١- تفسير روح المعاني للألوسي.
١٢- تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور.
١٣- البرهان في علوم القرآن للزركشي.
١٤- بديع القرآن لابن أبي الإصبع المصري.
١٥- همع الهوامع للسيوطي.
١٦- حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك.
١٧- إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري.
١٨- إعراب ثلاثين سورة لابن خالويه.
١٩- أساليب الاستفهام في القرآن لعبد العليم السيد فودة.
٢٠- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي.
стр. 16367
قضية الحداثة
الدكتور عبد الباسط بدر
أستاذ مشارك في كلية اللغة العربية
تمهيد
تثير قضية "الحداثة في الأدب"في أيامنا هذه ضجة كبيرة وتشتعل المعارك حولها بضراوة، ويستخدم المتخاصمون فيها منابر مختلفة، كقاعات الجامعات والكتب، وأعمدة الصحف والمجلات، والأشرطة الصوتية ذات الانتشار المذهل، وتتخذ هذه القضية ميدانين رئيسين لمعاركها هما: ميدان الشعر، بأنواعه كلها: الخليلي والتفعيلي، والغنائي والتمثيلي، وميدان النقد: الأدبي وغير الأدبي، والموضوعي والمتعسف، بينما تغيب أو تكاد عن القصة والمسرحية النثريتين.
ومن المعروف أن الشعر والنقد ميدانان عريقان لمعركة الحداثة، فمنذ العصر العباسي الأول شهد الشعر محاولات لتغيير بعض أعرافه وقواعده، بدأها بشار بن برد، واشتدت على يد شعراء آخرين كابن هرمة ومسلم بن الوليد والحسن بن هانئ، وبلغت ذروتها على يد أبي تمام، وقد سمّى النقاد شعر هؤلاء "شعر المحدثين"، ومن أهم ما جاء به: الصياغة المتقنة التي توائم بين العناصر الفكرية والعناصر الفنية. فالأدوات البديعية: من جناس وطباق ومشاكلة، تمتزج بالفكرة الفلسفية وتخدمها، والاستعارة تأخذ أطرافاً من المنطق، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية، وعلى لغة القصيدة، وتجعل اللون العقلي أقوى من اللون العاطفي. وهذا الضرب من "الصناعة الفنية"لم يألفه الشعر العربي من قبل.
وأما موسيقى الشعر، فلم يلحقها تغيير كبير، وظلت تعتمد على الأوزان المعهودة والقافية، وظهرت تنويعات محدودة تتمثل في المسمطات والمزدوجات والمخمسات، ولكنها لم تلق تشجيع النقاد، حتى أن ابن رشيق عدّها مظهرا من مظاهر ضعف الشاعر [١] . وعندما شاعت في وقت متأخر لم تحدث سوى تلوين محدود في التنغيم الأساسي لموسيقى الشعر
стр. 16368
وفي ميدان النقد الأدبي أحدث شعر المحدثين ردة فعل قوية عند النقاد اللغويين فرفضوه لسببين: الأول أنه ليس من العصور التي يحتج بها في اللغة والنحو والصرف، والثاني أنه يتضمن خروجا على "عمود الشعر" الذي ألفوه في شعر الجاهلية وصدر الإسلام، ويمثل هذه الطائفة ابن الأعرابي في قوله المشهور عن شعر أبي تمام: "إن كان هذا شعرا، فما قالته العرب باطل" [٢] .
ولك ن النقاد الآخرين أسقطوا السبب الأول فألغوا عنصر الزمن من مقاييس المفاضلة، ورفضوا أن يعطوا القديم أية ميزه إضافية بسبب قدمه، وأعلن ابن قتيبة أنه "لم يقصر الله العلم والشعر على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره ... " [٣] .
وأما السبب الثاني - خروج شعر المحدثين على عمود الشعر العربي- فقد أثار معارك نقدية واسعة، اتخذت شكل الخصومة حول أبي تمام والبحتري، فأبو تمام رأس المحدثين والبحتري رأس العموديين آنئذ. وقد انحاز لكل منهما عدد من النقاد: فكان الصولي وبشر ابن يحيى والحاتمي من أنصار أبي تمام، وكان ابن عمار القطربلي وابن الأعرابي من أنصار البحتري، وما لبث أن ظهر أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، ونصب الموازين النقدية ليوازن بين الشاعرين ويبين حسنات كل منهما وعيوبه، ويقوم- من ثم - الحداثة ممثلة في شعر أبي تمام.
وقد ظل كثير من النقاد من بعد يستأنسون بموازنة الآمدي كلما عرضوا لمذهب البديع أو لعمود الشعر العربي [٤] .
ويبدو أن قضية الحداثة في نقدنا القديم قد نضجت عند هذا الحد، ذلك أن عددا كبيرا من النقاد في القرون التالية قد تمسكوا بالمقاييس التي أعلنها ابن قتيبة، والتي تتلخص فيما يلي:
أ- ليس الزمن قيمة تفضيلية بين الشعراء، فليس للمتقدم فضل مطلق على المتأخر، ولا العكس.
стр. 16369
ب- لا تنتهي المعاني في زمن معين، والشعراء في كل زمن يجدون مجالا للقول والإبداع.
ج- مقياس التفاضل الأمثل بين الشعراء هو: "الجودة الفنية".
وقد تكررت هذه المقاييس بصياغات مختلفة عند أعلام النقد العربي على امتداد العصور التالية، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: المبرد، والآمدي، والمرزباني، والقاضي الجرجاني، وابن رشيق، وابن سنان الخفاجي، وابن بسام الشنتريني، وابن الأثير، وحازم القرطاجني... وغيرهم [٥]
لذلك علينا أن نعبر القرون إلى العصر الحديث، لنرى قضية الحداثة تظهر وتنمو، وتشتد، بدلالات كثيرة، بعضها مشابه لدلالتها التراثية، وبعضها مختلفة عنها، وفي ميادين كثيرة متفاوتة.
قضية الحداثة في العصر الحديث
يَعدّ بعض النقاد الشاعر خليل مطران (١٢٨٨-١٣٦٩ هـ ١٨٧١-١٩٤٩م) رائد الحداثة في العصر الحديث، "حتى ليكاد يختط طريقا يشبه الطريق الذي اختطته في العصر العباسي مدرسة البديع- وعلى رأسها أبو تمام-" [٦] ، ذلك أن خليل مطران كان أكثر شعراء جيله تأثرا بالثقافة الفرنسية، فقد ترجم عدة قصائد من الشعر الفرنسي، وعارض قصائد أخرى، وتأثر ببعض قواعد القصيدة الغنائية الفرنسية، وخصوصا استبطان المشاعر الذاتية، والحزن الرومانسي، والتعلق بالطبيعة، وبناء القصيدة على دفقة شعورية واحدة، وربط أجزائها بوحدة عضوية، وقد تحمس لهذه القضايا، ودعا الشعراء العرب إلى الأخذ بها [٧] .
стр. 16370
غير أن تحديث خليل مطران محدود، وأثره فيمن حوله أو بعده من الشعراء والنقاد ضئيل لا يرفعه إلى درجة الريادة، فصياغته الشعرية تداني الصياغة التقليدية التي يريد الخروج عليها، وموضوعات شعره تتراوح بين الموضوعات الوجدانية، التأمل والشكوى والغزل، والموضوعات التقليدية التي يهاجمها الحداثيون: المديح والرثاء وشعر المناسبات والمجاملات، كما أن ظهور الديوانيين الثلاثة: عبد الرحمن شكري (١٣٠٤-١٣٧٨هـ ١٨٨٦-١٩٥٨م) وعباس محمود العقاد (١٣٠١-١٣٨٣ هـ ١٨٨٩-١٩٦٤م) وإبراهيم عبد القادر المازني (١٢٩٨-١٣٦٩ هـ ١٨٨٠-١٩٤٩م) ، أضاع عليه فرصة التأثير في الساحة الأدبية، فقد شد هؤلاء الثلاثة إليهم الأنظار، وأثاروا زوبعة كبيرة غطى ضجيجها على مطران وغير مطران. والحق أن الديوانيين الثلاثة هم الذين جعلوا إدخال التغييرات على الشعر قضية كبيرة، وهم الذين قادوا أول انعطاف حقيقي في النقد العربي الحديث، وهيئوا المناخ لتضخم قضية الحداثة وانتشارها فيما بعد. وقد وقفت في مقالة سابقة نشرت في هذه المجلة على جوانب من تحديثهم ومدى إسهامهم في دفع القضية [٨] ، لذلك أكتفي هنا بإيجاز نتائجها فيما يلي:
стр. 16371
كان الأعلام الثلاثة على قدر كبير من الثقافة - ولا سيما الثقافة الإنجليزية - وقد درسوا آدابها وأخذوا من شعرها ونقدها عددا من الأصول والمفهومات، وأدخلوها في شعرهم ودعوا إليها في نقدهم، فكانوا كما يقول العقاد نفسه: "مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنكليزية، ولم تقتصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي- كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر- وهي على إيغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي الحديث فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت إن "هازلت"هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد" [٩] .
وأهم جوانب تحديث الديوانيين هي: إضافات في مفهوم الشعر ومحتواه وبعض قواعد الشكل فيه.
أ- في مفهوم الشعر: كان الشعر عند البارودي وتلاميذه صناعة متقنة تقوم على مجموعة من القواعد والقوانين، وقد رفض الديوانيون هذا المفهوم، وقرروا أن الشعر إبداع يعبر عن ذات الشاعر، ويصور عالمه الداخلي، بكافة مناحيه وطاقاته النفسية، ويصدر عن الشعور ويضطرب بالعاطفة، يقول عبد الرحمن شكري في تعريف الشعر: "هو كلمات العواطف والخيال والذوق السليم، فأصوله الثلاثة متزاوجة " [١٠] .
ب- في مضمون الشعر: اهتم الديوانيون بالقضايا الوجدانية، ووجهوا الشعر نحو استبطان الذات والتعبير عن الاحساسات الفردية، وقلما اهتموا بالقضايا العامة التي كان يهتم بها شوقي وحافظ وأحمد محرم.. الخ.
ج- في شكل الشعر:
стр. 16372
دعا الديوانيون إلى الوحدة العضوية في القصيدة لتكون "كالجسم الحي يقوم كل قسم فيها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه" [١١] ، ودعوا إلى تطوير الصورة الشعرية لتكون تعبيرا عن شعور أو قضية، وهاجموا الصورة الشعرية عند شوقي، واتهموها بالافتعال والمبالغة والسطحية والحسية.
كما دعوا إلى التحرر من القافية الموحدة، ورأوا أنها قيد على الإبداع، يقول العقاد: "ليس بين الشعر العربي وبين التفرع والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى المعاني والمقاصد وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها، ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل" [١٢] .
تلك هي أهم ملامح الحداثة التي دعا إليها الديوانيون. ويعزو النقاد أصول دعوتهم إلى الرومانسية الإنجليزية التي تأثروا بها، فيذهب الدكتور محمد مندور إلى أن المنهج الشعري الذي اختارته هذه المدرسة ودعت إليه هو نفس المنهج الشعري الذي صدر عنه جامع "الكنز الذهبي" [١٣] في اختيار ما اختاره من الشعر الغنائي الإنجليزي. وقد قام الباحث محمد عبد الهادي محمود بتتبع هذه الأفكار عند عدد من الشعراء والنقاد الإنجليز، وأثبت أنها منقولة عنهم [١٤] .
ولم ينكر الديوانيون هذا التأثير، بل أعلنوه على رؤوس الأشهاد، كما رأينا في حديث العقاد عن مصادر ثقافتهم الإنجليزية قبل قليل.
стр. 16373
ولاشك أن الديوانيين قد جاؤوا الشعر العربي في هذا العصر بعدد من القيم الفنية، استمدوا معظمها من الأدب الغربي، وأفادوه في عدة جوانب منها: إعادته إلى التعبير عن الوجدان الفردي بإِخلاص وصدق، كما كان في شعر معظم الشعراء الجاهلين والإسلاميين، والشعراء الغزليين، والصوفيين، وأصحاب الاتجاهات الفردية، كابن الرومي والمتنبي (في غير مدائحه) وأبي فراس الحمداني وأبي العلاء المعري ... وغيرهم من الفرديين الذين لم يخل منهم عصر من العصور. وعلى ذلك فإن دعوة الديوانيين ليست جديدة كل الجدة على الشعر العربي، وليست نابعة - أيضا - من التيار الوجداني العربي، وإنما من الرومانسية الغربية.
وكذلك الأمر بالنسبة لآرائهم النقدية، فهي أيضا نتيجة من نتائج تأثرهم العميق بثقافتهم الإنجليزية، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا التفاوت الكبير بين دعوتهم النظرية وتطبيقهم العملي، فشعرهم - ولاسيما شعر العقاد، ثم شعر المازني - لا يحقق أحيانا المبادئ التي دعوا إليها، ولا يخلوا من المعاني التي هاجموها بشدة. والطريف أن العقاد نفسه - وهو أعنف زملائه في الهجوم على الشعر التقليدي - وقع في الفخ الذي نصبه من قبل لأمير الشعراء أحمد شوقي، فقد أخذه الناقد محمد مندور بجريرة تفكك القصيدة وضياع وحدتها العضوية، وطبق عليه الطريقة نفسها التي اتبعها هو في تحليل قصيدة شوقي، وكال له بالمكيال الذي استخدمه في الهجوم على شوقي! [١٥] .
والأمر الذي يحسب للديوانيين أنهم فتحوا الباب لرياح الحداثة أوسع مما فتحه أية داعية من قبل، وأنهم جرؤوا من بعدهم أن يدفعوا الباب بحدة أكثر، إلى أن جاء من يقتلعه نهائيا.
стр. 16374
وقبل أن نتحدث عن تلك المراحل، نلتفت قليلا إلى بيئة أدبية ساندت حداثة الديوانيين وعززت أثرها في الساحة الأدبية، تلك هي بيئة المهجريين، الذين رفعوا أصواتهم من خلف الآفاق، فآزروا الديوانيين، وشاركوهم في التأثير على الجيل التالي من الشعراء والنقاد.
تحديث المهجريين:
لقي الأدب العربي الذي أنشأه المهاجرون العرب إلى الأمريكتين عناية فائقة في بلادنا. فقد اهتمت به المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة، وعكف عليه عدد من الدارسين يحللونه ويظهرون جوانب الإِبداع فيه، ونسبوا إليه فضل السبق والريادة في عدد من الجوانب، فجعلوه مرحلة مهمة من مراحل الحداثة في عصرنا الحاضر [١٦] .
ويجمع هؤلاء الدارسون على أن الموجهين الحقيقيين للحركة الأدبية في المهجر، ورواد الحداثة فيها، أربعة أدباء هم: أمين الريحاني (١٢٩٣-١٣٦٥هـ ١٨٧٦-١٩٤٥م) وجبران خليل جبران (١٣٠١-١٣٥٠هـ ١٨٨٣-١٩٣١م) وميخائيل نعيمة (١٣٠٧-١٤٠٨هـ ١٨٨٩-١٩٨٨م) وإيليا أبو ماضي (١٣٠٨-١٣٧٧هـ ١٨٩٠-١٩٥٧م) . وكان هؤلاء الأربعة على درجة عالية من الثقافة الغربية، أما ثقافتهم العربية فلم تكن واسعة، لأنهم انقطعوا عن مصادرها في تلك الأصقاع النائية، ولم تكن دراستهم في بلادهم- قبل الهجرة - واسعة. يقول ميخائيل نعيمة في ذلك: "إن أدباء المهجر - بما فيهم أعضاء الرابطة القلمية - لم يكونوا من ذوي الثقافات العميقة، ولم تهيئهم مدارسهم في وطنهم للمركز الممتاز الذي شغلوه في عالم الأدب" [١٧] .
стр. 16375
وقد اتخذ الأدب المهجري منذ نشأته سمة التمرد والثورة على التراث، وكان رائده الأول- أمين الريحاني - ذا مزاج ثوري حاد، وهو صاحب أول دعوة إلى الشعر المنثور في الأدب العربي، ومن أشد المتحمسين له، وكان الرائد الثاني - جبران خليل جبران - ثورة عارمة على المقاييس اللغوية والشعرية التراثية كلها. وكان ميخائيل نعيمة - فيلسوف الحركة المهجرية وناقدها الأول - يدعو إلى تغييرات مهمة في مفهوم الأدب ووظيفته، وقد سجل معظم المبادئ التي دعا إليها المهجريون في كتابه النقدي "الغربال"، أما إيليا أبو ماضي فقد آثر أن يكون تجديده عمليا، يطبقه في قصائده المتوالية دونما ضجة.
وقد أدخل المهجريون - ولا سيما الرواد - إلى الشعر العربي ونقده عدة مفهومات جديدة، ووجهوا محتوى الشعر وجهة جديدة، وتركوا في أسلوبه بصمات خاصة، أثرت في جيل ما بين الحربين في المهجر وفي البلاد العربية.
وكان تجديدهم في موضوعات الشعر أقوى من أي تجديد آخر، فقد ثاروا. على الموضوعات التقليدية الصلدة كالمديح والهجاء والنسيب، واتجهوا إلى استبطان النفس البشرية وكشف صراعاتها الداخلية، والتأمل العميق في الكون والحياة وتوثيق الصلة بالطبيعة، والتفكير من خلالها، وتحايلوا على أشد الموضوعات الفلسفية صلابة فصبغوها بلون شعري، كقضايا الموت والخلود والروح، ونمت في قصائدهم نزعة إنسانية قوية، تدافع بضراوة عن حقوق الإنسان، وتنشد العدالة المطلقة، وتدعو إلى المحبة. كما ظهرت في أشعارهم الروابط الأسرية، ومن الطبيعي أن تظهر وتشتد، فالغربة والحنين إلى الوطن ومن فيه يجعلان أوهن الروابط قوياً متيناً، لذلك كانت الغربة والحنين المحورين اللذين تلتقي عندهما قصائد المهجريين بعامة.
стр. 16376
ومن المؤكد أننا نجد صورا لهذه الموضوعات في الشعر العربي القديم، ولكن هذه الصور قليلة، تزاحمها الموضوعات التقليدية السائدة آنئذ، وهذا ما يجعلنا نقول: إن المهجريين قد وجهوا الشعر العربي في العصر الحديث إلى العناية بهذه الموضوعات، وأعطوها صدارة القصائد، وجعلوا شعرهم مثالا عمليا يحتذيه كثيرون من بعدهم. ولا شك أن مرارة الغربة والصعوبات الكثيرة التي واجهتهم في سبيل لقمة العيش، والروح الشرقية التي صدمتها الحضارة الغربية، والثقافة النصرانية التي يصدر عنها هؤلاء، هذه العوامل كلها قد ساعدت على تألق الموضوعات الجديدة في الأدب المهجري. يضاف إلى ذلك أن اطلاعهم على جانب من الفلسفة التي تُعنى بالروح من وجهة نظر غربية، كفلسفة امرسون، والأعمال الأدبية المتأثرة بها، قد ضاعف اهتمامهم بالموضوعات الإنسانية الجديدة، يقول صاحبا كتاب "الشعر العربي في المهجر"في هذا الشأن: وربما سمعوا أو قرأوا شيئا من فلسفة امرسون عن الطبيعة، "المعلم الأكبر"أو عن "غاب ثورو" وربما يأتي إليهم- بطريقة ما- صوت الشاعر "ويتمان"وهو يرى أن الإنسان قد يستطيع تحقيق حريته فيحرر عقله وجسمه عن طريق الديمقراطية، ويحرر قلبه عن طريق الحب، ويحرر روحه بالدين....... ولكننا نعلم أن هذا الاتجاه الأمريكي نفسه هو وليد اتجاه أوربي عند "كانت"و "كولريدج" و "بليك"و "وردزورث"و "روسو"، وقد اتصل جبران بهذا الموروث من خلال "بليك"و "نيتشه" [١٨] . والمعروف أن جبران هو أكثر الشعراء المهجريين استبطانا لذاته، وأكثرهم التصاقا بالطبيعة، وأنه أغرم - أثناء وجوده في فرنسا - بوليم بليك، وقرأ مؤلفاته، وتأثر بها في اختيار موضوعاته [١٩] ، ولاسيما موضوعات العناية بالنفس والروح والعالم العلوي - حسب التصور النصراني - ومن جبران سرت هذه الموضوعات إلى عدد من الشعراء المهجريين، ومن ثم إلى عدد من الشعراء المشرقيين.
стр. 16377
وفي ميدان الشكل يتمثل تحديث المهجريين في عدة جوانب، أهمها جانبان هما: التشكيل الموسيقي والمعجم الشعري.
أ- تحديث المهجريين في الشكل الموسيقي:
كثيرا ما تحدث الدارسون عن أثر المهجريين في موسيقى الشعر العربي الجديدة، وكثيرا ما عدوهم ممهدين للتغييرات الواسعة التي نادى بها الحداثيون فيما بعد، والحقيقة أن تجديدهم في هذا الميدان ليس كبيرا، وأنه في معظمه دعوة نظرية لم تطبق تطبيقا كاملا قط. فقد دعا أمن الريحاني إلى الشعر المنثور، وكتب نماذج منه، وظل متمسكا به إلى آخر حياته [٢٠] ، ولكن دعوته لم تنتشر بين الشعراء المهجريين، وظل هؤلاء مخلصين لإطاري القصيدة والموشح، يدخلون عليهما في بعض الأحيان تنويعات بسيطة لا تخرجهما عن بنيتهما الأساسية [٢١] .
وهاجم ميخائيل نعيمة الأوزان والقوافي، ونادى بالتخلص منها، لأنها في اعتباره زخارف لا قيمة لها، تشبه زخارف المعابد. قال: لقد وضع الناس للشعر أوزانا مثلما وضعوا طقوسا للصلاة والعبادة، فكما أنهم يتأنقون في زخرفة معابدهم لتأتي لائقة بجبروت معبودهم، هكذا يتأنقون في تركيب لغة النفس، لتأتي لائقة بالنفس، وكما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها، بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي، بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها. فلا الوزن ولا القوافي من ضرورة الشعر، كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة. فرب عبارة منثورة، جميلة التنسيق، موسيقية الرنة، كان فيها من الشعر أكثر مما في قصيدة من مئة بيت بمئة قافية [٢٢] .
стр. 16378
وتط رف في هجومه على موسيقى الشعر العربي، فعد الزحافات والعلل أوبئة تصيب القصيدة، ولم يحسبها تنويعا موسيقيا يثري نغمها، فقال: "والزحافات والعلل أوبئة تتنزل بأوزان الشعر العربي فتحرك ساكنا أو تسكن متحركا، وتقضم حرفا هنا ومقطعا هناك، وقد عني بها الخليل عناية خاصة، فأعطى لكل منها اسما ورتبها في أبواب وفصول، وهي أكثر عدا من خطاياي! " [٢٣] .
غير أن نعيمة يناقض نفسه في قضية الوزن، فهو يهاجمه في مكان من غرباله ويشيد به في مكان آخر منه، فيقول مبينا أهميته وأثره في تنسيق موسيقى الشعر: "الوزن والتناسب أخوان لا ينفصلان، والشاعر الذي يعانق روحه روح الكون يدرك هذه الحقيقة أكثر من سواه. لذلك نراه يصوغ أفكاره وعواطفه في كلام موزون منتظم. الوزن ضروري، أما القافية فليست من ضروريات الشعر لاسيما إذا كانت كالقافية العربية بروي واحد يلزمها في كل القصيدة" [٢٤] .
وبذلك يتراجع عن رأيه السابق الذي يجعل الوزن كالنقوش في المعابد لا قيمة لها، ويقترب من الديوانيين الذين يتمسكون بالوزن ويتساهلون في أمر القافية.
وقد قام الباحث شفيع السيد بدراسة شعر نعيمة دراسة مستفيضة، وتوصل إلى أن نعيمة الشاعر غير نعيمة الناقد، فهو لا يطبق دعوته النقدية في شعره، ولا يتخلى عن الأوزان الخليلية [٢٥] ، وكل ما فعله هو الخروج على ما أثر عن العرب في الزحافات والعلل، وعمل تشكيلات موسيقية جديدة لا تخرج عن الوحدة النغمية القديمة، كما أنه استغل إطار الموشح استغلالا كبيرا.
كذلك فعل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، وسائر المجددين من شعراء المهجر [٢٦] .
стр. 16379
وبوجه عام لم تخرج موسيقى القصيدة المهجرية عن الأسس التي يقوم عليها نظام الموشح من حيث التزام التماثل التام في الوزن والقافية بين المقاطع، فالمقطع في القصيدة المهجرية يقوم مقام البيت في القصيدة التقليدية وفي الموشح معا. الأمر الذي يجعل الباحثين يجزمون بأن هذه الظواهر امتداد لما جاءت به الموشحات الأندلسية، فهم كما يقول عنهم عيسى الناعوري: وجدوا الطريق أمامهم مشقوقة وليس عليهم إلا أن يطوروها التطور الذي يقتضيه الفن الرفيع، ويبلغ بها المرحلة التي تجعل من الشعر رفيقا للنفس وتصويرا للإحساس، ولكن وعلى الرغم من ارتباطهم بأنظمة الموشحات فثمة أنغام خاصة في موسيقاهم الشعرية، وصلوا إليها بتفننهم في نغم الموشح، وخروجهم على نظامه الرتيب. كما أنهم مع اعتمادهم على نظام المقطوعة، أحدثوا تنويعات موسيقية في قصائدهم، فقد تكون هذه المقطوعة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية غير أن هناك تنويعاً داخل الثنائية أو الثلاثية في بعض الأحيان [٢٧] .
وفي ميدان اللغة، كانت ثورة المهجريين عارمة في التنظير، ومحدودة في التطبيق. فقد دعا ميخائيل نعيمة إلى تطوير اللغة، وفتح الباب أمام الشعراء والأدباء ليدخلوا الكلمات التي يرونها دون عائق. وهاجم بعنف أحد النقاد المصريين لأن هذا الناقد أخذ على جبران استخدامه كلمة (تحمم) مكان استحم، ورفض الاحتكام إلى القواميس، وجعل ذوق الشاعر الحكم الفيصل في هذه القضايا قال: "لماذا جاز لبدوي لا أعرفه ولا تعرفونه أن يجعلها تحمم، ولا يجوز لشاعر أعرفه وتعرفونه أن يجعلها تحمم؟ وأنتم تفهمون قصده، بل تفهمون تحمم قبل استحم" [٢٨] .
стр. 16380
وفي يقيني أن الذوق وحده لا يكفي حكما لقبول الكلمات الجديدة، وهو معيار شخصي جدا، ولا يجوز أن يتدخل في لغة لها قواعدها وأصولها التي استقرت منذ قرون عديدة. لذلك لم يرض العقاد عن رأي نعيمة، وأعلن مخالفته الصريحة له في المقدمة التي كتبها للغربال فقال: "الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان، ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرا وأوفى من الصواب، وأن يكون مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها في طريقنا، وأن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماض وقواعد وأصول. ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها؟ إلا لضرورة قاسرة لامناص منها؟ [٢٩] .
وفي الحقيقة كانت ثورة المهجريين على اللغة نظرية أكثر منها تطبيقية أيضا، فقد كتبوا أشعارهم بالفصحى وقلما خرجوا عنها. لكن معظمهم كان يعاني من ضعف محصوله اللغوي، وكان يقع في الخطأ، فتحول ضعفهم وتساهلهم إلى دعوة للتجديد، ولقبول الاستعمالات غير الفصيحة ما داموا قد استعملوها.
وقد ساعدهم على التساهل في اللغة مزاجهم الرومانسي، فمن طبيعة هذا المزاج رفض القيود في كل شيء، وإيثار اللغة اللينة ولو أدى الأمر إلى استخدام بعض الكلمات العامية في القصائد، كما أنه ينفر من قوة التركيب وجزالته.
ومن الضروري أن نتحرز - ونحن نذكر هذا - فنؤكد أن المجيدين منهم كنعيمة وجبران والريحاني وعريضة وإيليا أبو ماضي.. ونفر آخر قليل من المهجريين كانوا رغم أخطائهم يحسنون استخدام اللغة في شعرهم، حتى أن الدكتور مندور أعجب بها إعجابا شديدا، وعدها القمر التي لا يصل إليها إلا الأفذاذ من الشعراء [٣٠] .
стр. 16381
ولاشك أن هؤلاء الشعراء استطاعوا أن يصفّوا لغتهم ويخلصوها من النبرة الخطابية، كما استطاعوا أن يصقلوا عباراتهم لتعبر عن أعماق ذواتهم، ولكنهم في اعتقادي لم يصلوا إلى القمة التي يشير إليها الدكتور محمد مندور.
وأخيرا نشير إلى التجاوب الكبير الذي قام بين جماعة الديوان في مصر، وجماعة المهجريين في المهجر الأمريكي، ولاسيما جيل نعيمة ومن بعده، وتبدو صورة التجاوب في المقدمة التي كتبها العقاد لغربال نعيمة، حيث رحب العقاد بالغربال ووافق على المبادئ النقدية التي وردت فيه، باستثناء تحفظ واحد في قضية اللغة [٣١] .
وقد أثمر هذا التجاوب مساندة قوية لآراء الديوانيين، وأسهم في دفع عملية التغيير في الأدب العربي الحديث ونقده، فتضافرت جهود جماعة الديوان مع دعوة المدرسة المهجرية في توجيه الشعر وجهة وجدانية لا تزال آثارها تلازمه حتى اليوم، كما أثرت جهود المدرستين في إنتاج "جماعة أبولو"، وفي إنتاج شعراء ما بين الحربين في عدد من البلاد العربية. فكان شعراء أبولو مثالا لاستمرار عملية التحديث في الشعر العربي. وهذا ما سنقف عليه في الفقرة القادمة.
تحديث (جماعة أبولو) [٣٢] :
تضافرت جهود خليل مطران والديوانيين والمهجريين في إدخال قيم حديثة إلى الشعر العربي، وتعاونت على توجيهه نحو الخط الرومانسي، فكان التيار الرومانسي العربي في الشعر، يبدأ بخليل مطران، ويقوى بشعر الديوانيين والمهجريين، ويتكامل في شعر جماعة أبولو ونظرائهم.
ويمثل شعر جماعة أبولو تطور الحركة الشعرية في الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي.
وعلى الرغم من تباين اتجاهات شعرائها، فثمة سمات عامة تغلب على معظمهم أهمها: الرغبة في تحديث الشعر ودفعه خطوة أخرى بعد الديوان، والتأثر القوي بالثقافة الغربية، والإعجاب الكبير بمبادئ الرومانسية الغربية.
стр. 16382
وقد سار شعراء جماعة أبولو المجددون في ركب الديوانيين، وقدموا الصورة التطبيقية الناجحة لدعوتهم، فاهتموا بتناسق الشكل والمضمون في العمل الشعري، وعنوا بالوحدة العضوية عناية خاصة، حتى أننا لنرى هذه الوحدة تنتظم معظم شعرهم، وسعوا إلى التجديد في موسيقى الشعر، فتابعوا عبد الرحمن شكري في تلوين القافية وإرسالها، وكتبوا الشعر المرسل، والمتعدد القافية، فضلا عن الشعر المقفى، ثم اندفعوا خطوة أبعد من ذلك ودعوا إلى الشعر الحر.
ومن المفيد أن نتوقف هنيهة عند الشعر الحر الذي دعوا إليه لتداخله - في الاصطلاح - مع الشعر الحر الذي دعت إليه نازك الملائكة فيما بعد.
الشعر الحر - كما نظمه بعض شعراء جماعة أبولو - شعر يخرج في تشكيله الموسيقي عن قواعد العروض في شيئين: الأول أنه يجمع بين بحور مختلفة في قصيدة واحدة، بحيث يمكن أن يكون كل بيت على وزن يختلف عن وزن البيت الذي يجاوره، ولكنه لا يخرج على الأوزان الخليلية المقررة، بل يلتزم بها التزاما تاما في البيت الواحد على الأقل.
والثاني أنه يتحرر من القافية تحريرا تاما. فلا تجد في القصيدة أية قافية تربط بين الأبيات. ومثال هذا الشعر قول الدكتور أحمد زكي أبو شادي في قصيدته "مناظرة وحنان"حيث يقول [٣٣] :
وجلسن بين تناظر متأملات في المرائي
فلم التناظر
الحسن وحدته تجل وإن تنوع أو تباين
فله الجلالة
وللمحبين أشواق وتقديس
هيهات يحصرها داع إلى حصر
فالحسن سلطان والجوهر الأسنى
لا قسمة المظهر
مهما ازدهى وغلا
وكأنما الأزهار وقد حنن إلى التناظر
ويعد هذا اللون من الشعر أول محاولة لكتابة الشعر الحر بإيقاع شعري لا نثري، إذ أن محاولة أمين الريحاني في الشعر المنثور لم تكن تهتم بالوزن على الإِطلاق.
стр. 16383
وقد تبنى هذه الدعوة الدكتور أحمد زكي أبو شادي، ودافع عنها بحماسة فائقة. ويرى الباحث س. موريه أن أبا شادي استقى فنية الشعر الحر من الشاعر "الجرنون تشارلز سونيرن" وأن دفاعه عن هذا النمط في وجه منتقديه مقتبس من كتاب "هاربيت مونور" (الشعراء وفن الشعر) حيث ناقشت المؤلفة حركة الشعر الحر في إنكلترا وأمريكا، وأن بعض عباراته منقولة عنها كلمة بكلمة [٣٤]
لكن أبا شادي - كما يقول موريه - لم يصل في قصائده الحرة إلى تلك التكتيكات الخفية التي يتقنها الشعراء الغربيون أمثال: أزرا باوند وهيلدا دولتيل وريتشارد الدينجتون، وبخاصة ما يتعلق باختيار البحور المناسبة للتجربة، وطريقة استخدامها، وتنويعها في القصيدة بتوقيت دقيق حسب تغير الحالة الشعورية، مع إضافة مجموعة من الحيل الموسيقية المعوضة عن فقدان القافية وتغير الوزن [٣٥] .
لذا لم تكن قصائده نموذجا يشجع جمهور الشعراء على احتذائه، كما لم يكن أنصاره كثيرين، فقد كانت الاستجابة لدعوته محدودة، لا تجاوز عددا من شعراء جماعة أبولو، في حين رفضها معظم الشعراء والنقاد. أما أبوشادي نفسه فقد دافع عن دعوته بحرارة، وعدها تحديثا للشعر العربي يساعده على الانتقال من الغنائية إلى الدرامية، وهاجم خصمه، وعلل إعراضهم عن دعوته بجهلهم، أو بسبب خصومة شخصية، قال: وإني إذا عذرت من لا يقدِّرون قيمة الشعر الحر والشعر المرسل وتنويع الأوزان والابتداع فيها، وأثر كل ذلك في تحرير التعابير الشعرية من القيود الثقيلة، ودفعها حرة لتكون للأدب العربي شعرا دراميا قويا بعد أن حرم من ذلك طويلا في ماضيه، إذا عذرت هؤلاء، فإني لا أعذر من يجازفون بأحكامهم تبعا للمحبة والكراهية [٣٦]
стр. 16384
وإذا جاوزنا الشعر الحر باحثين عن جوانب أخرى لحداثة جماعة أبولو فلن نعثر على كثير. ذلك أن هذه الجماعة لم تخرج في أهدافها عن الأسس العامة التي وضعها الديوانيون، ولم تضف جديدا إلى دعوتهم، فضلا عن تباين اتجاهات شعرائها، وقد عدها الدكتور محمد مندور صورة مكررة للديوانيين، فقال: إننا لا نستطيع أن نحدد لهذه المدرسة - ولأبي شادي رائدها خاصة - مذهبا محددا من مذاهب الشعر التي عرفها الأوربيون، كالرومانسية أو الواقعية أو الرمزية، وإنما الذي يتفقون عليه هو نفسه ما اتفقت عليه جماعة الديوان من قبل أي: الدعوة للتجديد والتحرر من التقاليد العربية التي تحجرت [٣٧] .
ويرجع الفضل إلى أبي شادي في تعميق الرغبة في الحداثة عند عدد من شعراء جماعة أبولو، فهو الذي تولى النقد والتوجيه على صفحات مجلتها، معتمدا على ثقافته الواسعة واتصاله الوثيق بالأدب الإنجليزي.
والملحوظ أن ثقافة أبي شادي تشبه ثقافة الديوانيين، ولعل هذا سر تشابه دعوته مع دعوة الديوانيين، فقد استقى من المنابع التي وردوها، وتأثر بمنهجهم في النقد.
وهكذا يجتمع دعاة التجديد من شعراء جماعة أبولو مع الديوانيين، ومع المهجريين، للعمل على "تحديث الشعر العربي"ومضمون هذا التحديث هو: إدخال عدد من مبادىء الرومانسية الغربية إلى الشعر العربي ونقده، فهؤلاء الشعراء - ابتداء بخليل مطران وانتهاء بعلي محمود طه - اطلعوا بنسب متفاوتة على الأدب الغربي، وأعجبوا بالشعر الرومانسي ونقده، وأسهموا في ترجمة الآثار الأدبية الرومانسية إلى الأدب العربي، وكتبوا المقالات للتعريف بالرومانسية وأدبائها، وطبقوا عددا من مبادئها الرئيسة في أشعارهم.
نخلص من ذلك كله إلى القول: إن قضية الحداثة قد نمت عند "الرومانسيين العرب": الديوانيين والمهجريين وجماعة أبولو، وان مفهومها الأساسي هو: الاستفادة من بعض القيم الفنية في الشعر الغربي ونقده.
стр. 16385
وقد استمرت قضية الحداثة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكررت الكتابات فيها، وكانت الآراء متناقضة، تعيد صورة الخلاف بين الديوانيين وخصومهم. إذ أثيرت قضية الشعر المرسل في سلسلة من المقالات كتبها دريني خشبة [٣٨] وتحول العقاد عن مناصرته لها، ورأى أن القضية حلت نهائيا باعتماد القافية المنوعة [٣٩] ، ودخل الدكتور محمد مندور حلبة النقد بعد عودته من فرنسا، فأثار قضية القاموس الشعري الجديد من خلال دعوته إلى الشعر المهموس، وتخطى المفهوم التقليدي للشعر، وهاجم شعر العقاد، وعد الشعر المهجري - في نماذجه الجيدة - مثالا لما يجب أن يكون عليه الشعر العربي الحديث [٤٠] . وما لبث أن دعا الأدباء صراحة إلى الأخذ بأدب أوربا في أنواعه المستحدثة [٤١] ، وكتب سلسلة من المقالات درس فيها قضايا الوزن والقافية في موسيقى الشعر الغربي وموسيقى الشعر العربي وشرح الفروق بينهما [٤٢] .
وهكذا ترتبط الحداثة في الشعر العربي - إلى حد بعيد - بالأخذ عن الشعر الغربي ونقده بعض المبادىء الجديدة على الشعر العربي، حتى أن نعيمة يقول بصراحة تامة: إن ما تعود البعض (كذا) أن يدعوه نهضة أدبية عندنا ليس سوى نغمة هبت على بعض شعرائنا وكتابنا من حدائق الآداب الغربية، فدبت في مخيلاتهم وقرائحهم كما تدب العافية في أعضاء المريض بعد إبلاله من سقم طويل [٤٣] .
следующие страницы →