← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 16451–16490 · переход к 16456.

стр. 16451

وكانت بريطانيا قد واجهت أحلك الظروف في الحرب العالمية الثانية، ووقفت وحدها أمام دول المحور بعد استسلام فرنسا لهتلر، وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانبها. كما كانت ألمانيا تحاول استشارة العرب ضدها بإطلاق الوعود. فخشيت بريطانيا انفلات الأمر من يدها، كما خشيت أن يتجه العرب إلى الاتجاهات الإسلامية، وهم بحكم وضعهم ولغتهم من الممكن أن يسلّم لهم العالم الإسلامي بالزعامة. هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت ترغب في إقامة منطقة نفوذ اقتصادية في الشرق الأوسط كله، فرغبت بالتالي في تمهيد الطريق أمام تقارب العرب فيما يشبه الحلف أو التضامن يسهل عليها التعامل معهم، من مركز واحد، كما كانت ترغب في انتزاع لبنان وسوريا من فرنسا ليخلوا لها الجوّ [٦٥] . علاوة على أنّها بتبنيها أماني العرب في الوحدة تحقّق هدفاً غالياً عند العرب طالما تمنوه وعملوا من أجله، ويزيل ما علق بنفوسهم من حقد على بريطانيا لموقفها من فلسطين وتهويدها، وتبنيها للصهيونية. من أجل ذلك كلّه كان تصريح "إيدن"رئيس وزراء بريطانيا عام ١٩٤١م في مجلس العموم البريطاني، وجاء فيه:

стр. 16452

(لهذه البلاد- بريطانيا [٦٦] تقاليد طويلة من الصداقة مع العرب، وهي صداقة قد أثبتتها الأعمال، وليست الأقوال وحدها، ولنا بين العرب عَدد لا يُحصى ممَّن يرجون لنا الخير، كما أن لهم هنا أصدقاء كثيرون، وقد قلت منذ أيام في مجلس العموم أن حكومة جلالته تعطف كثيراً على أماني سوريا في الاستقلاَل، وأود أن أكرر ذلك الآن، ولكني سأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمتّ عقب الحرب الماضية. ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من الوحدة أكثر من الدرجة التي يتمتعون بها في الحاضر، وهم إذ يحاولون بلوغ هذه الوحدة، يعتمدون على مساعدتنا. وهذا النداء الصادر عن أصدقائنا يجب ألا يبقى دون جواب ويبدو لي أن من الطبيعي والعادل معاً أن تقوى الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية، وكذا الروابط السياسية. وإن حكومة صاحب الجلالة من جانبها ستبذل مساعدتها التامة لكل خطة يمليها اتفاق عام) [٦٧] . وقد أعقب هذا التصريح جهود عربية لم تتعدّ نطاق الاستشارة أو المكاشفة والمداولة التي لم تتّخذ أية صفة رسمية عملية [٦٨] .

стр. 16453

وجدّد "إيدن"تصريحه عام ١٩٤٣م "بعطف بريطانيا على أماني العرب في الاتحاد على أن تكون المبادرة من العرب أنفسهم". وكانت ظروف التصريح الجديد تختلف عن ظروف سابقه: فدول المحور ابتدأت بالتراجع، والحلفاء يتقلّبون من نصر إلى نصر، والصهيونية تكيد لفلسطين وتكشّر عن أنيابها، والفرنسيون يتشبّثون بسوريا ولبنان والجوّ العربي لا يخلو من سوء التفاهم [٦٩] . فبادر النحاس باشا رئيس الوزراء المصري إلى الاتصال بزعماء العرب عام ١٩٤٤م، وتمت عدة لقاءات ومشاورات أسفرت عن مشروع وحدوي واسع في بروتوكول الإسكندرية (مؤتمر الإسكندرية) الذي جمع في ٧ تشرين الأول عام ١٩٤٤م الدول العربية: مصر، والمملكة العربية السعودية، وسورية، ولبنان، والأردن، واليمن، والعراق. ولكن المشروع "شبه الاتحادي"الذي أقره بروتوكول الإسكندرية اصطدام بالتحفظات فأسفر عن ميثاق من نوع المنتدى الدبلوماسي بروابط مرنة، ورخوة، وهو ميثاق جامعة الدول العربية [٧٠] . وقعت عليه الدول العربية في ٢٢ من آذار عام ١٩٤٥ م. والواقع أن بعض التحفظات كان لا بدّ منها عند بعض الدول، وكمثال على ذلك: من بين أهداف الجامعة العربية: "السعي لتوحيد الثقافة وتوحيد التشريع بين الدول العربية". ولما كان أكثر البلاد العربية قد تمسك بالعلمانية فإن المملكَة العربية السعودية بيّنت أن ظروفها، ووجود البلاد المقدسة فيها يجعل لها وضعاً خاصاً، فهي ستمتنع عن تنفيذ أي مبدأ في التعليم، أو التشريع يخالف قواعد الدين يمت الإسلامي وأصوله [٧١] . ولو أخلصت النيات لتبنّت جميع الدول هذه النقطة واتجهوا إلى تحكيم الإسلام الذي هو القاسم المشترك بينهم. وقد عبّر عبد الخالق حسونة الأمين العام للجامعة لمدة طويلة عن الميثاق بقوله: "يعتبر ميثاق الجامعة هو الحدّ الأدنى لما كان يمكن التوصل إليه آنذاك" [٧٢] .

стр. 16454

والبتّ في أمورها معقّد، شاقّ طويل الأمد، إذ يتم عرض المشروع ثم يُناقش، ويتخذ القرار، تم يُصدّق عليه من الدول الأعضاء كل على حدة، والقرارات غير ملزمة، للأعضاء ولو كانت بالأغلبية. فالمادة السابعة: "ما يقرره المجلس بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله" [٧٣] . وأما أهداف الجامعة كما بيّنها الميثاق فهي: ١- توثيق الصلات بين الدول العربية، وتنسيق خططها، تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها. ٢- توثيق التعاون بين البلاد العربية، في الشئون الاقتصادية، والمالية، والثقافية، والاجتماعية، والصحية، والعسكرية. ٣- تحقيق التعاون مع الهيئات الدولية التي تعمل لنشر السلام في العالم، خاصة هيئة الأمم المتحدة وفروعها. وأجهزة الجامعة هي: ١- مجلس الجامعة: ويتألف من ممثلي الدول العربية المشتركة، وينعقد مرتين في العام بشكل عادي، وينعقد بصفة استثنائية إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ولكل دولة عضو صوت واحد، وعدد من الممثلين. ٢- الأمانة العامة: وتتألف من أمين عام، وأمناء مساعدين، وعدد كبير من الموظفين. ويعين الأمين العام من قبل مجلس الجامعة بأكثرية ثلثي الأعضاء. ومهمته: دعوة مجلس الجامعة حين الحاجة، والإشراف على إعداد مشروع الميزانية، وتحديد نصيب كل دولة من نفقات الجامعة بعد موافقة مجلس الجامعة على ذلك. ٣- اللجان الخاصة: ومنها. اللجنة السياسية، واللجنة الاقتصادية والمالية، واللجنة الاجتماعية، واللجنة الثقافية، واللجنة الصحية، ولجنة التنسيق والجوازات. هذا وقد قامت الجامعة بأنشطة رغم ضعف ميثاقها مثل:

стр. 16455

١- لعبت دوراً في معارك التخلص من الاستعمار في المغرب، وتونس، وليبيا، والجزائر، والجنوب العربي، وذلك على مختلف الجبهات والمستويات سواء أكان بالعمل المنظم في الأمم المتحدة. أم بالطرق الدبلوماسية بواسطة الأعضاء، أو بالوسائل المادية، أو عن طريق الدعاية. ٢- حصلت على شرعيتها العالمية، فمنها وفد في الأمم المتحدة، وهو عضو في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) حيث أدخلت اللغة العربية لغة عالمية عام ١٩٧٤م. وهي عضو بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. وعضو بمنظمة الصحة العالمية. ومنظمات أخرى مماثلة. ٣ - كلّفتها الأمم المتحدة بالوساطة وفض النزاع في بعض القضايا مثل: الصراع بين العراق والكويت. ٤- لها تمثيل دبلوماسي لدى بعض الدول منها الهند، وأسبانيا [٧٤] . ٥- قامت بمشاريع توحيد نظم التعليم، وبرامجه، والتقريب بين القوانين، وإجراءات تنفيذها. والتخطيط المشترك في شئون المواصلات وشبكة الطرق وبتوحيد الغرف التجارية والصناعية والزراعية. وبتنسيق سياسة البترول، والمواصلات الجوية والبحرية ووسائل الإِعلام، وبتوجيهات بشأن السوق العربية المشتركة، وإنجازاتها في هذه المجالات ضعيفة. وأبرز مساهمتها في الأمم المتحدة، وفي الكتلة الآسيوية الأفريقية وفي مجموعة الـ "٧٧". كما قامت بتنظيم عقد مؤتمرات القمة العربية حيث عُقد حتى عام ١٩٨٨م خمسة عشر مؤتمراً. الأول في القاهرة عام ١٩٦٤ م، والرابع عشر في عمان عام ١٩٨٧ م، والأخير في الجزائر (وكان طارئاً) عام ١٩٨٨م/ ١٤٠٨هـ. ولا تزال تؤدي دورها رغم أنها تعاني من الإِفلاس. ثامناً: دول عدم الانحياز: THE NON - ALIGNAENT GROUP

стр. 16456

وعدم الانحياز يقصد به عدم الانحياز إلى إحدى الكتلتين اللتين تتزعمهما روسيا والولايات المتحدة، والوقوف إلى جانب الحق والعدل. وأطلق عليه اسم: "الحياد الإيجابي"، بمعنى أنه: موقف سياسي تتخذه الدول منها ابتعاداً عن المشاركة في صراع المعسكرين، ورفضاً للاستسلام لأي منهما في الميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية. وقد بدأت فكرة عدم الانحياز في كولومبو (عاصمة سيلان) عندما عقد مؤتمر عام ١٩٥٤م ضم: الهند، وباكستان، وإندونيسيا، وبرمانيا، وسيلان. حيث بحث المؤتمر تقرير موقف مشترك أمام الدول الكبرى الاستعمارية، ودراسة قضية الهند الصينية، ومحاولة إنشاء جبهة آسيوية محايدة. وأعقب مؤتمر كولمبو توقيع المعاهدة التي أقامت منظمة حلف جنوب شرق آسيا عام ١٩٥٤م، التي ضمت الدول: تايلاند، وماليزيا، وسنغافورة، وإندونيسيا، سلطنة بروني، والفلبين. وبعد توقيع هذه المعاهدة اجتمع أعضاء مؤتمر كولولمبو الخمس في "بوغور"بالقرب من جاكارتا بإندونيسيا في العام نفسه وقرروا دعوة الدول الأفريقية والآسيوية للاجتماع معهم في باندونغ عام ١٩٥٥م. ووجهوا الدعوة إلى (٢٤) بلداً، بالإضافة إلى دول مؤتمر كولومبو الخمس وهذه البلاد هي: أ- البلاد العربية المستقلة: مصر، وليبيا، والعراق، ولبنان، والأردن، وسوريا، والمملكة العربية السعودية، واليمن، والسودان. ب- البلاد الإسلامية المستقلة الأخرى في آسيا وهي: تركيا، وإيران، وأفغانستان. ج- من البلاد الأفريقية المستقلة: الحبشة، وساحل الذهب (غانا) ، وليبيريا، واتحاد أفريقيا الوسطى (وهي البلد الوحيد الذي لم يحضر المؤتمر من الدول المدعوة إليه) . د- من البلاد الآسيوية المستقلة: كامبوتشيا (كمبوديا) ، ولاوس، والفيتنام، وتايلاند، والفلبين، ونيبال، والصين الشعبية، واليابان.

стр. 16457

وانعقد مؤتمر باندونغ بالفعل عام ١٩٥٥ م، وسط مظاهر الدعاية والشعارات، حيث ضم ممثلين عن ٦٥% من سكان الأرض. وبرز فيه أسماء كبار قادة ما سمّي بالحياد الإيجابي: نهرو رئيس الهند، وأحمد سوكارنو الرئيس الإندونيسي، وبروز تيتو الرئيس اليوغسلافي، وشوان لاي الزعيم الصيني، وجمال عبد الناصر الرئيس المصري. وكان جدول أعمال المؤتمر غامضاً للغاية، كما كانت القضية معرفة ما ستكون عليه المناقشات. وبعد جوّ من الخطابة صوّت على ميثاق من عشر نقاط ذات طابع عام جداً، ومرن للغاية [٧٥] هي: ١- احترام حقوق الإنسان. ٢- احترام أهداف ومبادئ شرعة الأمم المتحدة. ٣- احترام سيادة الدول وسلامتها القومية. ٤- مساواة الشعوب والأمم. ٥- عدم التدخل في شئون الدول الداخلية. ٦- تسوية الخلافات بالطرق السلمية. ٧- إعلاء شأن المصالح المشتركة والتعاون. ٨- شجب الاستعمار بجميع مظاهره. ٩- شجب التمييز العنصري. ١٠- دعم حقوق الشعب العربي في فلسطين. وعندما طالبت سيلان وتركيا والعراق شجب الاستعمار الروسي في أوربا الشرقية، قام نهرو بهجوم، وطالب باشتراك البلاد الأفرو - آسيوية بقوة دولية ثالثة تشجع التعايش بين الشرق والغرب. واكتفي أخيراً بالاقتراح الغامض: شجب الاستعمار بجميع مظاهره، وأما الحياد فلم يؤخذ به لأن أحد المبادئ صيغ على الشكل التالي: "احترام حق كل أمة بالدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً، طبقاً لشرعة الأمم المتحدة" [٧٦] . ومن خلال هذه الدول تأسست عام ١٩٥٨ "منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي" واتخذت القاهرة مقراً لها.

стр. 16458

وعقدت دول عدم الانحياز عدداً من المؤتمرات بعد مؤتمر باندونغ كان عاشرها بزيمبابوي عام ١٩٨٦م. وضمت دولاً أخرى فبلغ عدد المنتمين إليها (١٠٦) دول، ولكن الدول الغير المنحازة فعلاً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولهذا ظلت أهداف هذه المنظمة ومبادئها وشعاراتها نوعاً من أضغاث الأحلام، أو السّراب بحيث أصبح لسان حال أقطابها اليوم: "نحن نجتمع، إذاً نحن موجودون" [٧٧] . ولم تؤثر على الأحلاف التي أقامتها الولايات المتحدة وروسيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في آسيا أو في أفريقيا [٧٨] . تاسعاً: منظمة الوحدة الأفريقية: أخذت الدول الأفريقية التي استقلت تتنبه إلى أهمية المسائل الاقتصادية، وإلى ضرورة معالجتها، فظهرت محاولات في هذا الميدان [٧٩] . وبدأ التفكير بتكوين منظمة في مؤتمر باندونغ عام ١٩٥٥م، ثم في اجتماعات القاهرة عام ١٩٥٧م ت وكونكري عام ١٩٦٠م. فتكونت مجموعة دول كازابلانكا، (الدار البيضاء) عام ١٩٦١م من دول: المغرب، وجبهة التحرير الجزائرية، وغانا، ومالي. ومجموعة دول برازافيل من اثنتي عشرة دولة ناطقة بالفرنسية في أفريقيا، حيث وقعت اتفاقاً في"تناناريف" (عاصمة مالاجاش) عام ١٩٦١م، ودعي بميثاق: "اتحاد أفريقية - مالاجاش". وكذلك تم اجتماع مونروفيا حضرته دول أفريقية السوداء، وأعقبه مؤتمر لاجوس (عاصمة نيجيريا) عام ١٩٦٢م بهدف إقامة تعاون بين الشعوب الأفريقية السوداء [٨٠] . كل هذه الاتفاقيات والمؤتمرات كانت خطوات نحو انعقاد مؤتمر كبير في أديس أبابا (عاصمة أثيوبيا) عام ١٩٦٣م بحضور ثلاثين وزير خارجية أفريقي من الدول المستقلة. حيث أنهى هذا المؤتمر ميثاق كازابلانكا، وميثاق مونروفيا، واقترح إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية.

стр. 16459

وفي العام نفسه عقدت بأديس أبابا أول قمة أفريقية: وتم إعلان إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، متعهدة بالتمسك بأهداب ومبادئ الأمم المتحدة، والاتجاهات الدولية السلمية. واتخذت أديس أبابا مركزاً لها. وتبع ذلك عدة مؤتمرات منها: المؤتمر الثاني في القاهرة عام ١٩٦٤ م، والثالث في أكرا عام ١٩٦٥م. وهكذا أخذت أديس أبابا تلعب دوراً في السياسة الأفريقية لصالح أثيوبيا التي ظهرت من خلال هذه المنظمة بطلة الوحدة الأفريقية، مما أثر كثير اً على قضايا المسلمين في قارة أفريقيا، وخاصة في إريتريا وأوجادين والحبشة هذا وقد اهتمت قمة أديس أبابا عام ١٩٨٠م بالمشكلاَت الاقتصادية الأفريقية، دون أن تتوصل إلى نتائج عملية. وتتلخص أغراض هذه المنظمة في: - العمل على تعاون الشعوب الأفريقية في شتى الميادين السياسية، والاقتصادية، والفنية، والاجتماعية. - والسعي إلى تحرير بقية الأجزاء من الاستعمار، ومجابهة الاستعمار الجديد. - وتسوية مشكلات القارة الأفريقية كمنازعات الحدود. - ومكافحة التمييز العنصري في القارة الأفريقية. وهي أغراض كما تلاحظ عامة وغير محددة. كقرارات مؤتمراتها. وأما أجهزة المنظمة فهي: ١- الجمعية العمومية: وهي مجلس رؤساء الدول الذي يعقد اجتماعاً سنوياً. ٢- مجلس وزراء الخارجية. ويجتمع مرتين في العام. ٣- الأمانة العامة: ومقرها أديس أبابا. ٤- لجان متنوعة منها: لجنة الوساطة والتحكيم، واللجان المتخصّصة العليا الاقتصادية [٨١] . عاشراً منظمة أوبك- الدول المصدرة للنفط: O. P. E. C. وهي تنظيم رسمي لمجموعة من الدول المنتجة والمصدرة للبترول، بهدف تنسيق، وتوحيد، وتطوير السياسات النفطية لهذه الدول بالصورة التي تكفل المحافظة على مصالحها بالتفاوض مع شركات البترول العالمية.

стр. 16460

فقد رأت الدول المنتجة للنفط والمصدرة له أن الشركات الغربية التي تستخرج النفط من أراضيها تستغلّها، وتتحكم بأسعاره كما تشاء. فقامت بإنشاء هذه المنظمة للحدّ من استغلال الشركات، وتحديد أسعار النفط لخدمة هذه الدول الاقتصادية والتنموية. وقد تأسست هذه المنظمة في بغداد عام ١٩٦٠م من الدول الخمس التالية: الكويت، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وفنزويلا. وتركت المجال مفتوحاً لانضمام أي دولة منتجه ومصدرة للبترول بشرط أن يوافق على انضمامها ثلاثة أرباع الدول كاملة العضوية من بينها الخمسة المؤسسة للمنظمة. فتوالى انضمام الدول الأعضاء، فأصبح عددها ثلاث عشرة دولة. وهي بالإضافة إلى الخمسة: الجزائر، والإكوادور، والغابون، وإندونيسيا، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، والإمارات العربية. وأنشأت المنظمة الصندوق الخاص بها. وكان مقرها في جنيف، ثم نقل إلى فينا [٨٢] . ويمكن تلخيص أهدافها كما أعلنتها في: ١- تنسيق وتوحيد وتطوير السياسات البترولية للدول الأعضاء، وتحديد السبل لحماية مصالحهم منفردين أو مجتمعين. ٢- المشاركة الفعالة في وضع السياسات التسعيرية التي تضمن تحقيق استقرار الأسعار في الأسواق العالمية وتجنب التقلّبات الضارة في إيرادات البترول. ٣- المشاركة الفعالة في وضع السياسات الإنتاجية التي تضمن مصالح الدولة المنتجة والمستهلكة. ٤- تحقيق عائد عادل على الاستثمار في الموارد الناضبة.

стр. 16461

كما عملت على امتلاك الدولة المنتجة للبترول لأسهم شركات البترول عن طريق مبدأ المشاركة الذي طرحته المملكة العربية السعودية بديلا لمبدأ التأميم. وهذا المبدأ يقوم على مساهمة الدولة المنتجة للبترول بجزء من رأسمال الشركة الحائزة على الامتياز البترولي بحيث تصبح الدولة مالكة لجزء من الشركة البترولية، وتمتد المشاركة لتشمل جميع مراحل الإنتاج البترولي. فأصبحت المملكة العربية السعودية تملك جميع الأسهم عام ١٩٨٠م عن طريق هذا المبدأ [٨٣] . هذا وقد نجحت منظمة أوبك، وأفادت الدول المشتركة، وكانت بمثابة القذى في أعين الأوروبيين والروس والأمريكان، فاستُهدفت منذ تأسيسها، واشتد الكيد لها. وكانت أعمالها، وقراراتها، ومشاريعها عرضة للمؤامرات والمناورات والدسائس. واستخدم الغرب والشرق مع أعضائها شتى صنوف المغريات، وأقسى أنواع التهديدات، بقصد فصْم عرى وحدتها [٨٤] . وبذلت المملكة العربية السعودية وبعض الدول المشتركَة الأخرى جهودا جبارة للإبقاء عليها، رغم الظروف المرّة التي مرّت بها هذه المنظمة، والتي اشتدت منذ عام ١٩٧٥م إلى اليوم، ورغم عمق تناقضات أعضائها. وقد أنشأت بعض الأقطار العربية منظمة: "أوابك"أي منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول. بهدف تنسيق السياسة البترولية العربية. ووقّع على اتفاقيتها كل من: المملكة العربية السعودية، والكويت، وليبيا عام ١٩٦٨ م. واتخذت الكويت مقراً لها. ثم ضمت بعد ذلك: الإِمارات العربية، والبحرين، والجزائر، والعراق، وقطر، ومصر، وسورية [٨٥] .

стр. 16462

ومن هذا العرض السريع للتكتلات الدولية يتضح تبعثر جهد المسلمين، وخفوت صوت الإسلام ومناهجه فيها، ولما كَان الإسلام يفرض وجوده، ويجمع أفراده، فقد تحركت الغيرة في بعض بلدانه ودوله وقادته فقامت بجهود مشكورة في سبيل تجميع المسلمين وطاقاتهم فظهر للوجود: منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وسنتكلم عنهما باختصار: أولاً: مجلس التعاون لدول الخليج العربية: [٨٦] وجدت دول الخليج العربية أن التحديات التي تواجه هذه المنظمة تتعاظم بتعاظم حاجة العالم الصناعي للنفط، فأدركت أن اندماجها هو العامل الحاسم نحو توجه جديد لصياغة سياسة اقتصادية واجتماعية تبعد المنطقة عن التنافس الدولي، ويكسبها قوة تفاوضية كبيرة، ومقدرة على اتخاذ القرار لصالحها، وتمكينها من حمايته. فقررت إقامة تنظيم باسم (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) . وقّعت على قيامه كل من: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية، ودولة البحرين، وسلطنة عُمان، ودولة قطر، ودولة الكويت، وأهدافه: ١- تحقيق التنسيق، والتكامل، والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها. ٢- تعمق وتوثيق الروابط والصَّلات، وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات. ٣- وضع أنظمة مماثلة في مختلف الميادين: الاقتصادية، والمالية، والتجارية، والجمارك، والمواصلات، وفي الشئون التعليمية والثقافية، والتشريعية والإِدارية. ٤- دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين، والزراعة، والثروات المائية، والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية، وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص. وأما أجهزة مجلس التعاون فهي: ١- المجلس الأعلى- يتكون من رؤساء الدول الأعضاء وتكون رئاسته دورية حسب الترتيب الهجائي لأسماء الدول المشتركة.

стр. 16463

٢- المجلس الوزاري- ويتكون من وزراء الخارجية للدول الأعضاء، أو من ينوب عنهم من الوزراء، ويعقد اجتماعاته مرة كل ثلاثة أشهر، ويجوز له عقد دورات استثنائية بناء على دعوة أي عضو من الأعضاء وتأييد عضو آخر. ٣- اللجان والاجتماعات الوزارية والمتخصصة، للعمل على تنفيذ سياسات المجلس ووضع الإِجراءات التفصيلية لذلك. ٤- الأمانة العامة- تتكون من أمين عام يعاونه أمناء مساعدون وما تستدعيه الحاجة من موظفين. وتعتبر الأمانة العامة الأداة الأساسية لتقديم مقترحات الجهات المسئولة للسياسات والخطط والبرامج المؤدية إلى تحقيق أهداف المجلس. ومن أهم منجزات المجلس "الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون"التي وُقعت في الرياض عام ١٤٠٢هـ/١٩٨١م وذلك لتنمية وتوسيع وتدعيم الروابط الاقتصادية فيما بين دول مجلس التعاون على أسس متينة لما فيه خير شعوبها، ومن أجل العمل على تنسيق وتوحيد سياستها الاقتصادية والمالية والنقدية، وكذلك التشريعات التجارية والصناعية، والنظم الجمركية المطبقة فيها. وقد شجعت هذه التجربة الناجحة لمجلس التعاون الخليجي أقطار المغرب العربي على التفكير الجدي في إنشاء مجلس تعاون مغربي مشابه، فعقد رؤساء "المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا"اجتماع قمة يوم ١٠/ ٦/ ١٩٨٨م لهذا الغرض. وكونوا لجاناً فنية تجتمع دورياً لصياغة الترتيبات المؤسسة لهذا المجلس المرتقب. ثانياً: منظمة المؤتمر الإسلامي [٨٧] وتعود فكرة إنشائها إلى عام ١٣٥٠هـ/١٩٣١م حيث عقد مؤتمر إسلامي في بيت المقدس ورفع صوته احتجاجاً على اضطهاد المسلمين في الاتحاد السوفييتي، وأصدر نداء للرأي العام ناشده المساعدة. وأخذت الأحداث تشغل أقطار المسلمين بأنفسهم. إلى أن تقرر إنشاء هذه المنظمة في القمة الإسلامية بالرباط عام ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م بوصفها ردّ فعل على الجريمة اليهودية في إحراق المسجد الأقصى.

стр. 16464

وقد تم إقرار ميثاق المنظمة في المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة عام ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م ووقعته ثلاثون دولة مسلمة. وفتح باب العضوية لكل دولة مسلمة ترغب في الانضمام. ويمثَّل النشاط الرئيسي لهذه المنظَّمة على مستوى وزراء خارجية الدول المسلمة، أو ملوكها، ورؤسائها. وكان الملك فيصل بن عبد العزيز قد تبنّى الدعوة إلى التضامن الإسلامي للوقوف في وجه المخططات الاستعمارية ولم شعث المسلمين، ومجابهة الغزو الفكري بجميع أشكاله، فقام من أجل ذلك بعدة جولات في البلاد الإسلامية كالمغرب وغينية، ومالي، وتونس، والجزائر، والسنغال، وأوغندا، وتشاد، والنيجر، كما أرسلت المملكة عدة بعثات لأفريقية واستقبلت مئات الطلاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والجامعات الأخرى. وكانت نتائج ذلك: ١- تنبهت الدول الأفريقية للخطر الصهيوني الذي تسلل إليها منذ عام ١٣٧٦هـ بعد احتلال اليهود لمضائق تيران وخليج العقبة. ٢- أنشئ البنك الإسلامي للتنمية ليسدّ الفراغ في مساعدة الدول الأفريقية النامية، وليقوم بمشاريع التنمية على أسس خالية من المعاملات الربوية. ٣- أنشئت الأمانة العامة للدول الإسلامية بجدة، بعد انعقاد عدة دورات لملوك ورؤساء الدول الإسلامية (منظمة الدول الإسلامية) وقد أسفر مؤتمر القمة الإسلامي الثالث عن تأسيس مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة. ٤- مدّ يد العون إلى الشعوب والأقليات المسلمة، تلك التي تعاني الظلم والاضطهاد، أو الفقر والمجاعة. ففي مؤتمر القمة الإسلامي الثالث عام ١٤٠١ هـ أضيف موضوع الأقليات المسلمة إلى جدول أعمال المؤتمر بناء على موافقة مؤتمر وزراء خارجية العالم الإسلامي الثاني عشر الذي عُقد بمدينة الطائف. وهكذا تبنت منظمة الدول الإسلامية القضايا الإسلامية.

стр. 16465

هذا وبناء على قرار صدر عن المؤتمر الإسلامي العام الأول الذي عقد بمكة المكرّمة عام ١٣٨٢ هـ/١٩٦٢م أُنشئت رابطة العالم الإسلامي [٨٨] . وهي منظمة إسلامية عالميه، تمثّل فيها جميع الشعوب المسلمة، ومقرّها مكة المكّرمة، ولها مجلس تأسيسي مؤلف من كبار العلماء، ورجال الفكر في العالم الإسلامي. وقد لقيت التشجيع والمؤازرة والدعم من الحكومة السعودية. وقامت بنشاط في مجال تبليغ الدعوة، والتصدي للتيارات والأفكار الهدّامة، والدفاع عن القضايا الإسلامية. كما قرّرت منظمة المؤتمر الإِسلامي عام ١٩٨٢ م تنفيذاً لتوجيهات قادة الدول الإسلامية إنشاء المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) بأجهزتها الخاصة. والمسلمون مطالبون إلى أن تتجه تكتلاتهم وأحلافهم إلى وجهة إسلامية. تخدم قضاياهم، وتخدم البشرية المتعبة كلها في أرجاء المعمورة. المراجع ١- أحمد عطية- قاموس السياسي- دار النهضة العربية ١٩٦٨ م. ٢- إسماعيل صبري مقلد - العلاقات السياسية الدولية - مطبوعات جامعة الكويت ١٩٧١ م. ٣- بيير رونوفن - تاريخ القرن العشرين- تعريب د. نور الدين حاطوم - مطبعة الجامعة السورية دمشق ١٣٧٨ هـ / ١٩٥٩ م. ٤- تاريخ السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي- مجموعة من المؤلفين - جزءان إصدار موسكو. ٥- جميل المصري - حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة - جزءان- ط١/ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٤٠٦هـ /١٩٨٦م. ٦- Joseph dunner dictionary of political scince vision press ltd London ١٩٦٥ ٧- حاطوم - د. نور الدين - تاريخ عصرنا: دار الفكر ١٩٧٠/ ١٩٧١م. ٨- دروزيل- ج. ب- التاريخ الدبلوماسي- تعريب نور الدين حاطوم مطبعة جامعة دمشق ١٣٨١ هـ/١٩٦٢م. ٩- الدّسوقي- د. محمد كمال- الدولة العثمانية والمسألة الشرقية- دار الثقافة/ القاهرة ١٩٧٦م.

стр. 16466

١٠- سيّد فتحي أحمد الخولي- اقتصاديات البترول- جدّة. ١١- سيّد قطب- السلام العالمي والإسلام- هـ مكتبة وهبة ط ٥/ القاهرة ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م. ١٢- طربين- أحمد- الوحدة العربية- دار الهلال ط ٢/١٩٦٣ م. ١٣- العمري- أحمد سويلم- الإفريقيون والعرب- مكتبة الإِنجلو المصرية/ القاهرة ١٩٦٧م. ١٤- فشر- هـ. أ. ل- تاريخ أوربا في العصر الحديث/ تعريب أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع ط ٤/ دار المعارف بمصر ١٩٦٤ م. ١٥- لويس. ل. سنايدر العالم في القرن العشرين- ترجمة سعيد عبود السامرائي- مراجعة وتقديم عطا بكري مكتبة الحياة- بيروت - مغفل السنة. ١٦- ليختهم- جورج- أوربا الجديدة، حاضرها ومستقبلها- ترجمة محمود محمد حسن، ١٩٦٦م. المكتبة المركزية بالجامعة رقم ٩٤٠ ل. ي. أ. ١٧- محمد عزيز شكري- الأحلاف والتكتلات السياسية العالمية عالم المعرفة (٧) الكويت رجب ١٣٩٨ هـ/ تموز (يوليو) ١٩٧٨م. ١٨- مصطفى ماهر- ألمانيا والعالم العربي- (ترجمة) دار صادر- بيروت- ١٩٧٤ م. ١٩- موفّق المرجة- موسوعة إسلامية. ٢٠- بعض الصحف والمجلات والنشرات. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر: محمد عزيز شكري الأحلاف والتكتلات الدولية في السياسة العالمية ص ٧ - ٨. JOSEPH DUNNER DICTIONAY OF POEITICAL SCIENCE VISSION PRESS LTD, LONDON ١٩٦٥ P/٦ [٢] [٣] أحمد عطية - قاموس السياسي ص ٢٧- ٢٨. [٤] إسماعيل صبري مقلد - العلاقات السياسية الدولية- ص ٢٢٧. [٥] انظر: سيد قطب - السلام العالمي والإسلام ص ١٦٧- ١٦٨. [٦] سورة المائدة الآية: ٤٨. [٧] سورة البقرة الآية: ١٤٣. [٨] سورة آل عمران الآية ١١٠. [٩] انظر: مايلزكوبلاند - لعبة الأمم.

стр. 16467

[١٠] انظر: محمد كمال الدسوقي - الدولة العثمانية والمسألة الشرقية. [١١] انظر: سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ٣٥ وما بعد. [١٢] فشر - تاريخ أوربا في العصر الحديث ص ٥٧١. [١٣] انظر: التفاصيل عن العصبة - سنايدر - العلم في القرن العشرين ص ٦٣- ٦٨. [١٤] تاريخ القرن العشرين ص ٣٦٧ وما بعد. [١٥] سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ١٣٥. [١٦] فشر - ص ٧٣٢، سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ١٥١ وص ١٦٣. [١٧] دروزيل -التاريخ الدبلوماسي - ص ٣٤/ وسنايدر ص ١٦٣. [١٨] فشر: ص ٧٣٢ / سنايدر ص ١٦٣. [١٩] التاريخ الدبلوماسي ص ٤٥ / سنايدر ص ١٦٣. [٢٠] فشر: ص ٧٣٢. [٢١] التاريخ الدبلوماسي ص ٨٠/ وانظر: سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ٢٣٥. [٢٢] التاريخ الدبلوماسي ص ١١٣. [٢٣] فشر: ص ٧٣٣ وانظر: مادة حق الرفض من ميثاق الأمم المتحدة - وهي المادة ٢٧/ سنايدر ص ٢٣٩/ عن ميثا الأمم المتحدة ص ١٦- ١٧. [٢٤] سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ٦٧. [٢٥] التاريخ الدبلوماسي ص ١١٧. [٢٦] نفسه ص ٤١٨. [٢٧] التاريخ الدبلوماسي ص ٣٣. [٢٨] سنايدر - العالم في القرن العشرين ص ١٦٢ وانظر: عن الحرب الباردة ص ١٦٤. [٢٩] النعيمي ص ١٧، التاريخ الدبلوماسي ص ٢١٥. [٣٠] التاريخ الدبلوماسي ص ٢١٦. [٣١] التاريخ الدبلوماسي ص ٢١٨. [٣٢] وهي دول: هولندة، وبلجيكا، ولكسمبورج، وبريطانيا، وفرنسا. [٣٣] جورج ليختهم - أوربا الجديدة ص ٢٢. التاريخ الدبلوماسي ص ٢١٨. [٣٤] موفق المرجه - الموسوعة - ص ٦٦. سنايدر ص ١٨٥. [٣٥] انظر: سنايدر ص ١٦٥. [٣٦] تاريخ السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي ج٢ ص ٢٠٢. [٣٧] وكانوا عام ١٩٥١م: هاريمان عن الولايات المتحدة، وغيستكل عن بريطانيا، وجان موليه عن فرنسا.

стр. 16468

[٣٨] تاريخ السياسة الخارجية ج٢ ص ٢٠٢. [٣٩] نفسه ص ٢٠٤. [٤٠] نفسه ص ٢٠٥. [٤١] النعيمي ص ٢٦. [٤٢] التاريخ الدبلوماسي ص٢٣٥. [٤٣] تاريخ السياسة الخارجية ص٧٠. [٤٤] نفسه ص ٧٦. [٤٥] نفسه ص ٧٢. [٤٦] تاريخ السياسة الخارجية ص٧٤. [٤٧] نفسه ص ٧٦. [٤٨] التاريخ الدبلوماسي ص ٣٣٩. [٤٩] نفسه ص ٣٤٠. [٥٠] التاريخ الدبلوماسي ص ٢١١. [٥١] نفسه ص ٣٦٢. [٥٢] جورج ليختهم- أوربا الجديدة ص ٤٤. [٥٣] التاريخ الدبلوماسي ص ٣٦٥ وانظر: جورج ليختهم- أوربا، الجديدة ص ٤٦-٥١. [٥٤] أوربا الجديدة ص ٦٦. [٥٥] تاريخ عصرنا ص ٢١٤. [٥٦] موسوعة إسلامية ص ٤٤. [٥٧] نفسه ص ٤٨. وانظر: جورج ليختهم- أوربا الجديدة ص ٥٩ وص ٦٤. [٥٨] تاريخ عصرنا ص ٩٤. [٥٩] سنايدر- العالم في القرن العشرين ص ٨٤. [٦٠] تاريخ عصرنا ص ٩٥. [٦١] نفسه ص ٩٥. [٦٢] جورج ليختهم - أوربا الجديدة ص٢٤. [٦٣] نفسه ص ٣٣ وص ١٨. [٦٤] الوثائق والمعاهدات في بلاد العرب - إصدار جريدة الأيام الدمشقية. [٦٥] طريين - الوحدة العربية ص ٢٠٠. [٦٦] اتصفت السياسة الإنجليزية بعمق التخطيط والبطء في التنفيذ، والمرونة، فهي سياسة ذكية تعرف كيف تستغل الأحداث لتحقق ما تريده، وتحسن المراقبة، والاستكشاف، ثم تحسن الاستغلال والتوجيه، فهي كما وصفها السياسي الفرنسي المشهور جول فري: "تعرف من أين تؤكل الكتف". وسياستها هذه تركت أخاديد غائرة خطيرة في عالم الإسلام، وقضاياه الصعبة الحل في: فلسطين، وفطاني، وأركان، وماليزيا، والهند، والخليج العربي، والجنوب العربي، وإريتريا، والصومال، والسودان، ونيجيريا. فما من قضية إسلامية إلا تجد بصمات السياسة الإنجليزية عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

стр. 16469

[٦٧] التاريخ الدبلوماسي ص ١٥١/ ١٥٢، الوحدة العربية ص ١٩٨ عن: THE TIMES ٣٠ MAY ١٩٤١ [٦٨] الوحدة العربية ص ٢٢٦. [٦٩] نفسه ص ٢٢٧. [٧٠] تاريخ عصرنا ص ٤٧٥. [٧١] نصّ الكتاب الذي قدمه الشيخ يوسف ياسين إلى دولة أحمد ماهر باشا رئيس اللجنة التحضيرية بتاريخ ٣/ ١/١٩٤٥م في مرفق رقم ٦ من محاضر اللجنة التوعية السياسية ص ١٧ - ١٨. [٧٢] ألمانيا والعالم العربي - ترجمة د. مصطفى ماهر ص ٣٦٢. [٧٣] نفسه ص ٣٦٨. [٧٤] انظر: ألمانيا والعالم العربي ص ٣٩٤ - ٣٩٥. [٧٥] التاريخ الدبلوماسي ص ٤٠٩. [٧٦] التاريخ الدبلوماسي ص ٤١٠. [٧٧] الموسوعة ص ٥٩. [٧٨] التاريخ الدبلوماسي ص ٤١٠. [٧٩] العمري - الأفريقيون والعرب ص ٢١١. [٨٠] العمري - الأفريقيون والعرب ص ٢١٠. [٨١] الموسوعة ص ٦٨ - ٦٩. [٨٢] الموسوعة ص٦٣. [٨٣] د. سيد فتحي أحمد الخولي- اقتصاديات البترول. [٨٤] الموسوعة ص ٥٩ وانظر: جميل المصري /حاضر العالم الإسلامي ج١ ص ٣٤- ٣٥. [٨٥] الموسوعة ص ٦٣. [٨٦] انظر: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ج ٢ ص ٦٤٠-٦٤٤ عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية- واعي قيام المجلس وطموحاته - الأمانة العامة - المملكة العربية السعودية - الرياض. [٨٧] انظر: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ج٢ ص ٦٣٠- ٦٣٨. [٨٨] انظر: تفصيل ذلك: رابطة العالم الإسلامي - عشرون عاماً على طريق الدعوة والجهاد، مكة المكرمة ١٤٠١هـ / جميل المصري - حاضر العالم الإسلامي ص ٦٣٣.

стр. 16470

كتاب تصحيح العمدة للإمام الزركشي أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله المنهاجي الزركشي (٧٤٥- ٧٩٤ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني أستاذ مساعد بقسم الدراسات العليا المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيب﴾ [٢] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [٣] يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [٤] . اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 16471

فإن كتاب تصحيح العمدة للإمام بدر الدين الزركشي ألفيته كتاباً نافعاً ومفيداً فهو أحد الجهود العظيمة التي بذلها المصنف في خدمة هذا الدين ففيه نكت جيدة تنبئ عن همة عظيمة وعزم لا ينثني لدى علماء الأمة المحمدية بتِوخي الدقة في النقل، وسلامة الرواية وتحرير الألفاظ، حتى تكون السنة المطهرة أقرب ما تكون للفظ رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن تخرج عن المعنى الذي أراد، ولا غرابة في مطاردة العلماء كل شاردة من كنوز السنة واستقبالهم كل واردة منها، فهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية لذا وجبت العناية بدقائقها وتوخي الدقة والأمانة في تلقيها ونقلها هذا ما حفز الإمام الزركشي ﵀ أن يعني بكتاب عمدة الأحكام للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀، ويأخذ شرطه ميزاناً يطبقه على كل حديث أورده في العمدة وقد استطاع الزركشي ﵀ أن يستدرك ستة وسبعين موضعاً من مجموع أربعمائة وسبعة أحاديث. وتلك المواضع التي سجل فيها الزركشي اعتراضاً أوافقه فيها سوى ستة مواضع فقد سجلت الرأي مدعماً بما يؤيده ولقد كانت جولة ممتعة مع الحوار الهادف المفيد وكانت محاور الحوار [٥] تارة تدفعنا إلى صحيح الإمام البخاري، وأخرى إلى مسلم، وثالثة إلى العمدة وإلى عشرات المصنفات والشروح كل ذلك بحثاً عن الدقة والسلامة في اللفظ والمعنى وسيجد القارئ الكريم ما تسعد به نفسه في الجانب الحديثي، والجانب اللغوي من هذا الكتاب النفيس، وقد رأيت تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى تمهيد وثلاثة أقسام وخاتمة. التمهيد وفيه كلمة موجزة عن الصحيحين وعناية الأمة بهما، ثم عمدة الأحكام. القسم الأول وفيه فصلان: الفصل الأول ترجمة الإمام الزركشي في مباحث. الفصل الثاني ترجمة موجزة للمقدسي. القسم الثاني وفيه فصلان: الفصل الأول بيان عملي في الكتاب. الفصل الثاني تسمية الكتاب ووصف النسخ الخطية.

стр. 16472

القسم الثالث تحقيق نصوص الكتاب. ولعلم القارئ الكريم فإني استخدمت الرموز التالية: أ- النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق. ب- النسخة الخطية الثانية. برهان الدين هو ابن خضر تلميذ الحافظ ابن حجر صاحب التعليقات على النسخة الأصل (أ) . عبد الكريم هو عبد الكريم بن عبد الله الشريف المكي، مالك النسخة الأصل. قال شيخنا: الحافظ ابن حجر والقائل قال شيخنا برهان الدين بن خضر. م - مسلم في صحيحه. صف - صحيح البخاري مع الفتح. خ - البخاري في صحيحه. وليعلم القارئ الكريم أن كل ترجمة لم أذكر مصدرها فهي من التقريب مع تصرف أحيانا. تمهيد الحمد لله أجل الحمد وأوفاه، وصلاة الله وسلامه على خليله ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره وترسم خطاه. أما بعد: فلا أعتقد أن طالب عِلم اليوم مهما قلت بضاعته، ونأت به الديار، لا يعرف عن الصحيحين شيئا، أو على الأقل مَا المراد بالصحيحين؟ ومن ألف كلاً منهما؟ فإن أخطأت في هذا التصور قلت: إن الصحيحين كتابان لشيخ وتلميذه، انفرد كل منهما بمؤلف خاص. الأول: صحيح البخاري وسماه الإمام البخاري (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) [٦] . والثاني: صحيح مسلم وسماه الإمام مسلم (المسند الصحيح) [٧] . هذا هو المراد بالصحيحين وهما كتابان عظيمان، تميزا بصحة النقل، ودقة الرواية، وشدة التحري، ففاقت قيمتهما العلمية كل تصور، وطارت شهرتهما في ذلك العصر، وطبقت الآفاق حتى لا يعذر اليوم طالب علم بجهل هذين الكتابين في عصر الثقافة والعلوم التي سخرت لها وسائل سمعية وبصرية، وسرعة إيصال المعلومات بصور مختلفة وأسباب مذهلة حتى لم تعد المعلومة تأخذ أكثر من بضع دقائق فليست عسيرة المنال، لكنها افتقدت الرجال ولاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الصوارف الدنيوية.

стр. 16473

أما هذان الكتابان فيحسن إعطاء نبذة موجزة عن كل كتاب ومؤلفه لتكون صورة مشرقة بين يدي القارئ الكريم. ١- صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله بذل فيه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أقصى درجات الحيطة والتثبت منها. أ- الانتقاء فقد روي عنه أنه قال: خرَّجتُ الصحيح من ستمائة ألف حديث [٨] . وهذا في حد ذاته مهمة صعبة وشاقة. وقال: لم أخرَّج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر [٩] . ب- التروي والتثبت ودعم ذلك بالصلاة والاستخارة قال البخاري: ما كتبت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين [١٠] . فما أعظمها من حيطة في دين أدته يغتسل بعدد الأحاديث ويصلى ضعف عددها كل ذلك لئلا، يكذب على رسول الله ﷺ . جـ- اشتراط أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلا ف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفي [١١] . ولم يكتف البخاري بمعاصرة الراوي لشيخه بل اشترط اجتماعهما [١٢] واللقاء بينهما وهذه زيادة في الحرص والتثبت. والإِمام البخاري بهذه الدقة قدم للأمة الإسلامية ما لم يسبقه مثيل، ولن يلحقه مغير، فكان كتابه بحق أصح الكتب بعد كتاب الله [١٣] لذا أجمع علماء هذه الأمة على قبوله، وصحة ما فيه [١٤] .

стр. 16474

أما الإِمام البخاري فباختصار هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، البخاري إمام المحدثين بغير منازع، وسيد الحفاظ والمتقنين لم نسمع بأحفظ منه ولا أعلم بحديث رسول الله ﷺ ومقاصده، وما صنع في كتابه الصحيح خير دليل على ما نقول فله الرواية والدراية، ولد في مدينة بخارى من بلاد خراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، تحدث عنه الأئمة بما يذهل من بداية طلبه هذا الشأن إلى وفاته، وكانت بقرية من قرى سمرقند، سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة [١٥] ﵀. ٢- صحيح مسلم. اقتدى الإمام مسلم بأستاذه الكبير الإِمام البخاري في العناية بالصحيح من حديث رسول الله ﷺ ، لكن مسلماً خالف أستاذه في الطريقة والمنهج ومن هنا قال بعض الأئمة: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج [١٦] ، وقد كانت عناية الإمام مسلم بمؤلفه هذا شبيهة إلى حد كبير بعناية شيخه بمؤلفه. منها: أ- تحقيق جانب العلم بهذا الشأن رواية ودراية قال الإمام مسلم ﵀: إن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها، من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع [١٧] . وهذا مبدأ التثبت في النقل. ب- الانتقاء قال الإمام مسلم ﵀: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة [١٨] . جـ- التروي وعدم العجلة قال الإمام مسلم: ما وضعت في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة [١٩] .

стр. 16475

د- وزيادة في الدقة والتثبت يستخدم الإمام مسلم أسلوب العرض على العلماء والاستشارة العلمية وهذا هو الإنصاف في طلب الحق وعدم الاغترار بالثقة بالنفس، وهي صفة نبل وتواضع. قال الإمام مسلم ﵀: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار: أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرجته [٢٠] . هـ- شرط الإمام مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإِسناد، بنقل الثقة، عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالماً من الشذوذ والعلة [٢١] . واكتفى بمطلق المعاصرة بين الشيخ والتلميذ ومن هنا حاز الكتاب الرتبة الثانية بعد كتاب الإمام البخاري وهذا ما عليه المحققون من أهل العلم، قال النووي ﵀: وكتاب البخاري أصحهما وأكثر فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري، هو المذهب المختار قاله الجماهير، وأهل الإتقان، والحذق والغوص على أسرار الحديث [٢٢] . قلت: ولم يرو مسلم عن شيخه البخاري في الصحيح شيئاً ولا غرابة في ذلك فعذر الإمام مسلم واضح في ذلك. ١- أنه شارك الإِمام البخاري في كثير من شيوخه فهو من أقرانه وإن كان معترفاً بتقدمه وفضله لكنه رغب في طلب العلو في الإِسناد. وهذا أبرز في بيان السبب في عدم الرواية عن البخاري. ٢- اختط الإمام البخاري لنفسه منهجاً في إخراج الصحيح فأراد الإمام مسلم إدراك الغاية نفسها فسلك نهجاً آخر في الموضوع. والله أعلم.

стр. 16476

أما الإمام مسلم فهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ولد سنة أربع ومائتين من الهجرة، ونشأ في بيت علم، ترجم له العلماء منذ ولادته حتى وفاته وذكروا من علمه وفضله ما يجعله جديراً بلقب الإمام مقدماً على غيره من أئمة هذا الشأن، وتلقت الأمة كتابه بالقبول والثناء الحسن، فاحتل صحيحه الرتبة الثانية بعد صحيح البخاري رحمهما الله وكانت وفاته في سنة إحدى وستين ومائتين عن عمر ناهز سبعاً وخمسين سنة كانت حافلة بالفضل والعلم والذكر الحسن وأورث الأمة الإِسلامية أعظم الكنوز التي تعتز بها وتعتمد على قوة نصوصها وصحتها [٢٣] . هذان هما الصحيحان، وهذان هما المؤلفان أنْعِم وأكْرم بالمؤلِّف والمؤلَّف قال ابن الصلاح ﵀: وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز [٢٤] . وقال النووي ﵀: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم [٢٥] . وبهذه النبذة الموجزة يعلم القارئ الكريم اندفاع كل شبهة حول هذين الإمامين وكتابيهما، ويتأكد له أن تلك المحاولات الفاشلة إنما هي افتراءات يقصد منها النيل من الإسلام وأهله، جزا الله عنا الإمامين كل خير ورحم الله أئمة الإِسلام وعلماء الأمة المخلصين الصادقين وغفر لنا ولهم أجمعين. كتاب عمدة الأحكام

стр. 16477

تقدمت الإشارة إلى أن الصحيحين وقعا من قلوب المسلمين موقعاً عظيماً وذكرت أن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول نتج عن هذه المكانة العظيمة للكتابين أن العلماء شمروا عن سواعد الجد والاجتهاد في البحث العلمي الهادف إلى خدمة الكتابين ببيان ما فيهما من كنوز وإيضاح ما يشكل على طلاب العلم فكان من هؤلاء من اعتنى بالشرح والتفصيل في الجوانب الحديثية والفقهية واللغة كالحافظ ابن حجر في شرحه صحيح البخاري (فتح الباري) والنووي في شرحه صحيح مسلم ومنهم المخرج عليهما، والمستدرك، والموازن بينهما، وَكان من بين المشتغلين بالصحيحين الإمام المقدسي الذي طلب منه أن يجرد ما اتفق عليه الشيخان في كتاب مستقل، فبادر ﵀ إلى إجابة طالبه وشمر للجد سواعده فدون جملة من الأحاديث شرط على نفسه أنها مما اتفق عليه الشيخان، أودعها كتابه الموسوم (بعمدة الأحكام من كلام خير الأنام) فشاع ذكره عند الخاص والعام، واعتنى الأئمة بخدمته ولا غرابة فالرابط بينه وبين الصحيحين كبير جدا، والمقدسي إمام يشار إليه بالبنان، فكان لكتابه هذا حظ وافر من عناية الأئمة فمنهم الشارح له كابن العطار [٢٦] ، وابن دقيق العيد [٢٧] ، وابن الملقن [٢٨] ، وممن أدلى بدلوله في هذا المجال الإمام الزركشي إذ عَنّ له أن يتتبع عمل المقدسي ويطبق عليه شرطه ليخرج بتصحيحات مفيدة، ونكت علمية نافعة أحسن الله مثوبتهم أجمعين ووفقنا لخدمة كتابه وسنة نبيه الكريم. القسم الأول الفصل الأول: ترجمة الإمام الزركشي نسبه: هو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله [٢٩] بن بهادر، المنهاجي [٣٠] ، الزركشي [٣١] . مولده: ولد الزركشي في سنة خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة في مصر، من أصل تركي. نشأته:

стр. 16478

نشأ الإِمام الزركشي في ظل أسرته وهي أسرة لم تكن ذات شهرة في الأوساط الاجتماعية ولم تذكر بعلم، ولا وجاهة، أسرة مسلمة تعيش في بلاد إسلامية وذكر أن أباه كان مملوكا [٣٢] ، وفي نظري أن لهذه الحالة الاجتماعية بعد توفيق الله دوراً بارزاً في بعث هذا الفتى النابغ، إذ بدأ حياته بتعلم حرفة تعينه على شئون حياته، فبرع في حرفة الزركش، لكن طموحه وهمته العالية أبت عليه الوقوف عند هذا الحد فبادر بفضل الله وتوفيقه إلى طلب العلم، وهذا ما سنعرفه فيما يلي من الدراسة. سعيه في طلب العلم: ما من شك في أن الله إذا أراد بعبد الخير يسَّر له سبله، وبعث في نفسه همة عالية لإدراك المراد، والزركشي ﵀ أجاد حِرفة تُدِرّ عليه معاشاً في حياته، لكن الله أراد له أفضل من ذلك، فأثار في نفسه الرغبة الشديدة في العلم، فأحبه، وصبر على تحصيله، وبادر إلى منابع العلم فلازم الشيوخ، وعايش الكتب، ونوّع مصادر المعرفة، حتى ضرب في ذلك مثلاً للجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، فاستوعبت ذاكرته العديد من العلوم، واعتمد على ذاكرته بعد توفيق الله، وما يدون من الكتب إذ لم يشتر كتاباً، بل كان يقضي نهاره فيِ حوانيت الكتب [٣٣] ، يقرأ ويفهم، ويدون ما يروق له، وهكذا كان جمَّاعاً للعلم حريصاً عليه، مقتحماً كل عقبة كؤود في سبيله، إنها بداية الجد والاجتهاد والصبر والمثابرة. رحلاته:

стр. 16479

لم تتسع الرحلة عند الإمام الزركشي ولم تزد المصادر على أن ذكرت لنا رحلتين قام بهما الزركشي ﵀ الأولى من مصر إلى دمشق حيث أخذ عن العماد بن كثير [٣٤] علم الحديث والثانية كانت من دمشق إلى حلب حيث أخذ عن الأذرعي [٣٥] . هاتان الرحلتان أكسبته السماع من عالمين كبيرين يشار إليهما بالبنان في عصره وقد نسبه في كشف الظنون فقال: الموصلي (١/٤٤٨) فلعله رحل إليها. ولعل السبب في عدم سعة الرحلة والله أعلم أن مصر والشام كانتا أكثر البلاد الإسلامية من حيث الشهرة العلمية وكثرة العلماء في ذلك العصر أو أنه آثر الأخذ عن علماء مصر والشام، وبدأ دراسة التصانيف والاشتغال بالتأليف. شيوخه: أفاد الزركشي ﵀ من مشاهير علماء مصر والشام ولازم بعض شيوخه ومن أولئك الأعلام عبد الله بن يوسف بن أحمد المتوفى سنة ٧٦١ هـ، ومغلطائي بن فليح الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ، وإسماعيل بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، وأحمد بن محمد بن جمعة المتوفى سنة ٧٧٤ هـ[٣٦] ، وأحمد بن حمدان الأذرعي المتوفى سنه ٧٨٣ هـ وسراح الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ. ومن أبرز شيوخه الذين تأثر بهم في منهجه العلمي جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ[٣٧] ، والأذرعي، وبرهان الدين بن جماعة المتوفى سنة٧٩٠ هـ، واستفاد من منهج الزيلعي في بعض مصنفاته. الآخذون عنه: تتلمذ عليه وتخرج به محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي المتوفى سنة ٨٣١ هـ، وأخذ عنه أيضاً عمر بن حجي السعدي المتوفى سنة ٨٣٥ هـ، وحسن بن أحمد بن حرمي بن مكي المتوفى سنة ٨٣٣ هـ، وقد أكمل الدكتور عبد الرحيم القشقري العدد إلى ثمانية وأعطى معلومات موجزة عن كل واحد منهم [٣٨] . حالته الاجتماعية:

стр. 16480

عمل الزركشي ﵀ بالسنة في تحصين النفس بالزواج، الذي ندب إليه نبي الهدي ﷺ ، فأنجب الزركشي ذكوراً هم محمد وعلي وأحمد، وإناثاً هن عائشة وفاطمة [٣٩] ، وكانت له عناية بتعليمهم وتثقيفهم ذكوراً وإناثا [٤٠] ، وله أقارب يجلونه ويعتمد عليهم في كفالة أبنائه وتدبير شئون معاشهم [٤١] ، واعتنى بالجانب العلمي، وتفرغ للعبادة، ولم تكن علاقته بالعلماء أقل حظاً من علاقته بأبنائه، كانت علاقة حب ووفاء، وصدق وإخاء، كان معترفاً بالفضل لأهله وفياً لمن أحسن إليه ومن هذا الباب كانت علاقته مع برهان الدين بن جماعة علاقة مودة ووفاء، لا كما وصفه الدكتور السيد بأنه كان متزلفاً [٤٢] له، وفي نظري أن إطلاق مثل هذا اللفظ على عالم جليل اشتغل بالعلم والتصنيف وترك الدنيا وأهلها أمر فيه إجحاف بحقه ﵀ فضلاً عن كون مثل هذا الخلق وصمة إن تخلق به رجل من عامة الناس فضلاً عن عالم له فضله وجلالته، ولعل الأسلوب لم يسعفه الدكتور فزلَّ قلمه فقد أشاد بالزركشي وأثنى عليه، وقطعاً لم يرد ما تدل عليه اللفظة. عصر الإمام الزركشي: إن أي باحث يرغب في الكتابة عن مثل هذا العنصر أول ما يحضره أن عصر الشخص ينقسم إلى قسمين: ما سبقه من فترة والزمن الذي عاشه وألم بأحداثه وتطورات الأمور فيه وليس هذا بالأمر الهين لمن أراد الاستقصاء لغزارة المادة العلمية فيه ومنها كثرة الأحداث في الداخل والخارج وتشعبها غير أنني أرى أن لابد من الكلام عن ناحيتين بإيجاز لأهمية هذين الأمرين في حياة كل عالم يعني بأمور المسلمين. ١- الناحية السياسية:

стр. 16481

كان المسلمون يعانون من التفرق السياسي وشتات الأمر، الشيء الذي أطمع الأعداء في البلاد الإسلامية وكانت حملات المغول والتتر تترى على المسلمين الذين أثخنهم الأعداء جراحاً وأذاقوهم مرارة العداوة والحقد غير أن أحوال المسلمين بدأت تهدأ قليلا وتلتئم جراحاتهم بأمور منها: أ- دخول قبائل مغولية في الإِسلام وكان ذلك قبيل مولد الزركشي ﵀. ب- نشاط الدولة العثمانية، ومد نفوذها على كثير من البلاد الإسلامية. جـ- تحرك الفتح الإسلامي، وهزيمة زعماء البلقان، وكسر الجيش الصليبي.

стр. 16482

ولم تكن هذه الأحداث سوى ومضة أيقظت الشعور بالأمل عند المسلمين على تخوف وحذر فأحداث التيمورية روعت المسلمين وأعاثت في الأرض الفساد والدمار، والاضطرابات الداخلية تهز كيان المسلمين ليل نهار، ولاسيما تلك الدويلات المتناثرة المتناحرة في اليمن والحجاز، وبلاد الجزيرة، وبلاد فارس تتنازعها دويلات عدة، والشام ومصر تحت حكم المماليك وأقاليم إفريقيا ليست بأحسن حالاً مما سبق، فكانت الحالة السياسية بالنسبة للمسلمين منذرة بخطر، مهددة بكوارث في الأنفس والممتلكات، إلا أن بارقة أمل لاحت للمسلمين في مصر حينما قيَّض الله في مطلع القرن الثامن الهجري الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان رجلاً صالحاً ذا حكمة وبعد نظر باشر الأحداث السياسية في سن التاسعة وحدثت له تطورات في الشطر الأول من القرن الثامن استطاع الملك الناصر أن يرفع ميزان القوى عند المسلمين ويذكي جذوة الإيمان إلا أن الأجل لم يمهله لتوطيد الدولة الإسلامية بالصورة التي توقف الأعداء أو تقطع دابرهم إذ توفي في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بعد أن وضع ركائز جيدة لدولة إسلامية رشيدة استخلف عليها ابنه سيف أبو بكر الذي لم يقدر على لمّ شعت إخوته واحتواء خلافاتهم فانفرط العقد بينهم وبدأ المسلمون المعاناة من جديد، من كثرة نفوذ الأمراء، وتفشي الظلم، وكثرت الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة المماليك البحرية في سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وظهرت دولة المماليك الجراكسة وأول ملوكهم الملك الظاهر برقوق بن أنس الذي أشعل الحرب بينه وبين سابقيه مما أدى إلى تفريق كلمة المسلمين وإضعافهم. ٢- حالة المجتمع في هذا العصر:

стр. 16483

خلاصة المقال في هذا الجانب أن المجتمع كان يعاني من أمور كثيرة من أبرزها ضعف الدولة الشيء الذي نتج عنه مشاكل لا حصر لها مثل انتشار الظلم، والتعسف، والتلاعب بأموال المسلمين، والاستيلاء عليها بغير وجه حق، وظهور الفساد الخلقي حتى راجت تجارة الحشيش وأخذ قانوناً تجارياً، يباع ويشترى على مرآى ومسمع من الدولة [٤٣] . وانتشار الفقر، وتفشي الأمراض، والأوبئة، لانصراف الدولة عن خدمة المجتمع إلا في بعض محاولات إصلاحية. ٣- الحالة العلمية: رغم ما سبق تصويره من مشكلات سياسية، ومتاعب اجتماعية جمة، فإن المجتمع الإسلامي لم يخل من رجال جردوا أنفسهم لله، وخدموا العلم بأمانة وإخلاص، رغم أنوف الكثيرين من الولاة الذين فرطوا في الأمانة وضيعوا حقوق العباد. في هذا العصر ضحى كثيرون من العلماء بالجاه والمال وزهدوا في السلطان، وسخروا أنفسهم لخدمة الدين والعقيدة ولم يبخلوا بنصح ولا توجيه، ولم يكتموا علماً عن طالبه، وممن سبق الزركشي الإمام ابن تيميه، الإمام المصنف المجاهد، الذي أشعل جذوة الجهاد لدى السلطان وجنده وأبلا بلاء حسناً في تلك المعارك، ومن أولئك شيوخ الزركشي الذين أخذ عنهم ومنهم أفاد علماً، ولا ريب أن ثبات أولئك الأفذاذ من العلماء أنقذ البلاد من ويلات الجهل والضلال، ومما كان يهدد الأمة الإسلامية من الفرق الضالة ذات المبادئ الهدامة، وكانوا درعاً واقياً لجسد الأمة من زحف الزندقة والإلحاد، والوثنية كل هذه الصعوبات صمد أمامها أفذاذ العلماء، وحطموا قواها بصبر وثبات على الحق، والله هو المنقذ والحامي. إفادة الزركشي من هذه الأحداث:

стр. 16484

إن المستوفي دراسة عصر الزركشي يتبين له أن تلك الأحداث الجسام التي اكتنفت حياة الزركشي سابقاً ولاحقاً، لم تكن صعوباتها ومخاوفها تثنى عزم هذا الرجل الفذ عن شق طريقه في الحياة مختاراَ- بعد توفيق الله - أسلم السبل وأشقها في نفس الوقت فانقطاعه إلى العلم، وملازمة العلماء دليل قاطع على قوة شخصيته، وعدم تأثرها بالأحداث الجوفاء فتحصيل العلم هو السلاح الواقي من التردي في المهالك، وهو الأساس الذي تبني عليه الأمم دولها وقوتها وحضارتها، هذا جانب من شخصية الزركشي قد يستشفه الباحث بعد إمعان النظر. الجانب الثاني أن الإِمام الزركشي وإن وصف بالعزلة عنِ الناس والزهد في الدنيا والاشتغال بالتصنيف فإنه لم يكن غافلاً عن مجتمعه فقد كان محاربا للأعداء بقلمه السيال، فقد كتب في جانب العقيدة حول الركن الأول من أركان الإسلام، وفي هذا محاربة للوثنية والإلحاد، وصد للزندقة، وصنف في تحريم الحشيش الذي تفشى في المجتمع بصورة مذهلة. ودرس في خانقاه كريم الدين وأفتى. ومن هنا يلمس الباحث عناية الزركشي بمجتمعه الطبقة العامة من الناس وطبقة العلماء المصنفين، فطبقة العامة أخذت قدراً من تفكير هذا الإمام لدراسة المشكلة وتحديد الحكم الشرعي فيها وذلك الحكم هو في نظر الزركثي الحل الوحيد، والعلاج الناجع المفيد لأدواء المجتمع لاسيما أنه قد بدأ الاشتغال بهذا المجال في سن مبكر [٤٤] . أما طبقة العلماء فكان ملازماً للشيوخ [٤٥] منهم، متتبعاً مؤلفات السابقين عليه، فأفاد من علم شيوخه، ودَرسَ التصانيف، فاستدرك، وشرح، وعلق، وصوب ما رآه خطأ، فكانت حياته خدمة جلى بين أخذ من منابع العلم، وإفاضة من غزير الفوائد مع تتبع للنكت والفرائد. ولعل من الأسباب الدافعة لهذا المنهج غاية الحرص على الخير والبعد عن مخاطر السلطان، ومهالك المجتمع، وقد بسط القول في دراسة عصره الشيخ علي محي الدين علي أثابه الله [٤٦] .

стр. 16485

مكانته العلمية: إن شاباً يزهد في مهارة بيده تكسبه مالاً ويتجه إلى طريق العلم [٤٧] ، والعيش على الكفاف ويعشق الرحلة في طلب العلم وهو في الثامنة عشرة من عمره [٤٨] ، ويصنف الكتب وهو في الرابعة والعشرين [٤٩] لجدير بالمكانة العلمية العالية، كانت حياته مقصورة على هذا الشأن قيّد وقته بقوة العزيمة فلا يرى إلا مع شيخ يفيد منه علماً، أو معتكفاً في داره على كتاب يدرس فيه ويؤلف، أو في جولة علمية في أسواق الكتب ليمتع فكره بفنون العلم وفوائده [٥٠] . هذا المنهج الفريد، أكسب الزركشي مكانة علمية عالية، شهد له بذلك أعلام كبار، منهم الحافظ ابن حجر يقول عن شرح الزركشي للمنهاج: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها [٥١] . صنف عشرات الكتب في فنون من العلم شهد بجودتها وحسنها العلماء، وأفادوا منها علماً ومعرفة. فكان بحق فقيهاً، أصولياً، محدثا بارعاً، أديباً ناقداً، ومن يشك في ذلك فليستقرئ مصنفاته تتضح له الحقيقة، ويعرف منْ الزركشي، وكيف استطاع أن يؤلف أكثر من أربعين كتابا. بعض صفاته:

стр. 16486

إن من أبرز ما يجد الباحث من صفات الإمام حرصه الشديد على وقته، ومثابرته على خدمة العلم، كما يجد التواضع الجم صفة ملازمة له رغم تلك الجهود العلمية التي تسمو به إلى درجات عُلى، كان ﵀ لا يرى لنفسه مزية، يجل من سبقه في هذا الميدان، ويجهل من يدعي العلم، ويترك الإفادة من جهود السابقين يقول ﵀: اعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئاً من الكتب، ويظن أنه فخر، ولا يعلم أن ذلك غاية النقص، فإنه لا يعلم مزية ما قاله إلى ما قيل، ولا مزية ما قيل إلى ما قاله، فبماذا يفتخر؟! [٥٢] وقد ذكر الزركشي ﵀ أنه اجتمع عنده من مصنفات الأقدمين ما يزيد على المائتين [٥٣] . قلت: ولا يعارض ما سلف من أنه لم يشتر كتاباً فقد يحمل عدا الشراء على بداية الطلب. والاقتناء على حالة التصنيف أو على أنه طالع هذا العدد من المصنفات والله أعلم. ويؤيد جانب التواضع عند الزركشى قوله: ومع هذا ما كتبت شيئاً إلاخائفاً من الله مستعيناً به، معتمداً عليه، فما كان حسناً فمن الله وفضله، وما كان ضعيفاً فمن النفس الأمارة بالسوء [٥٤] . قلت: وهذا ورب الكعبة لهو أساسا النجاح في الأعمال وسر السعادة والفلاح في الآخرة. وكان من صفاته الحذق وتذوق العلوم، فقد كان ناقداً بصيراً، ولم يكن جماعاً دون تمييز بين غث وسمين ومؤلفاته خير دليل على هذا ومنها تصحيح العمدة هذا، والنكت وله في كل علم جولة تشهد له بالحذق والإتقان. عقيدته:

стр. 16487

أثبت فضيلة الدكتور عبد الرحيم في دراسته أن الزركشي ﵀ كان أشعري العقيدة وذلك من خلال دراسته لمؤلفين من كتب الزركشي هما لقطة العجلان، ومعنى لا إله إلا الله، وقال ما معناه: إنه لم يسلك في تقريراته أمورا في العقيدة مسلك أهل السنة، بل ترسم خطى الأشاعرة في بحثه ومناقشته لتلك الأمور [٥٥] . قلت: قد نسب إلى اعتقاده على الصفحة الأولى من كتابه "الأزهية في أحكام الأدعية"وفي مواطن من الكتاب المذكور عبارات لا تدع مجالاً للشك في أنه في العقيدة أشعريًّ، عفى الله عنا وعنه، والغريب أنه أخذ عن العماد بن كثير ولم يتأثر وكذلك من المعلوم أنه شافعي المذهب فكيف غفل عن ما قال الأئمة في هذا الباب أمثال ابن خزيمة واللالكائي وعلى كل حال فقد زل في هذا الباب أئمة عفى الله عنهم وغفر لهم، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل [٥٦] . ألقابه العلمية ومناصبه: وصف الزركشي ﵀ من بعض من ترجم له بأنه إمام عالم علاَّمة [٥٧] . وقد ذكر لقب الإفتاء الحافظ ابن حجر [٥٨] ، والداودي [٥٩] ، وابن العماد [٦٠] ، فقالوا: المفتي وهو لقب علمي رفيع لا يطلق إلا على من تأهل لهذه الرتبة ومارسها ولا غرابة فالزركشي جدير بمثل هذا. ومن ألقابه العلمية أيضاً المصنف [٦١] ، فقد اعتنى بهذا الجانب وأبدع وآثاره شاهد عيان على واقعية هذا اللقب. كما ذكر العلماء لقباً علمياً تخصصياً أعني أن فيه إشارة إلى تخصص دقيق وهو حفظه وعنايته بالمنهاج حتى قيل عنه: المنهاجي فهو أوثق من اعتنى بهذا المؤلف وأبدع في شرحه كما قال الحافظ: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها. أما المناصب العلمية: فمعلوم أن الإفتاء منصب علمي رفع وهو رتبة علمية ينالها من تأهل لها وإن لم تتبنى الدولة إشغاله بذلك.

стр. 16488

وقد تولى الزركشي ﵀ مشيخة خانقاه [٦٢] كريم الدين بالقرافة الصغرى [٦٣] بمصر، والمشيخة منصب علمي لا يناله إلا من فاق أقرانه، وبزهم علماً وفطنة. مصنفاته: برع الزركشي ﵀ في علوم كثيرة وأثرت بمصنفاته المكتبة الإسلامية وقدّم حصاد عمره ونفائس ما خزنته ذاكرته، وجاد به فكره، خمسين مؤلفاً في مختلف العلوم الإسلامية منها المؤلف الضخم، والجزء النافع المفيد، كتب عن أكثرها الشيخ سعيد الأفغان [٦٤] ، والدكتور السيد أحمد فرج [٦٥] ، والشيخ علي محيى الدين [٦٦] ، واستوعبها الدكتور عبد الرحيم القشقري [٦٧] وتحدثت عنها كتب التراجم [٦٨] من غير حصر، ومن تلك المصنفات: ١- ثلاثة في القرآن وعلومه منها: البرهان في علوم القرآن. كتاب في التفسير وصل فيه إلى سورة مريم. ٢- أحد عشر كتاباً في الحديث وعلومه منها: تصحيح العمدة (كتابنا هذا) . شرح الجامع الصحيح تركه مسودة، ولخص منه كتاب التنقيح. النكت على ابن الصلاح. ٣- سبعة عشر كتاباً في الفقه منها: خادم الرافعي، والروضة في عشرين مجلدة، وقيل في أربع عشرة مجلدة. كل منها خمس وعشرون كراسة. شرح التنبيه للشيرازي في أربعة مجلدات. ٤- سبعة كتب في أصول الفقه منها: البحر المحيط من أهم الكتب في هذا الفن، وقد جاء نتيجة جهود مضنيه، وبحث متواصل في مائتي مؤلف درس من خلالها آراء الشافعية والأحناف والحنابلة والظاهرية. تشنيف السامع بجمع الجوامع، تعليق وشرح للغريب على كتاب أبي الحسن السبكي. ٥- أربعة كتب في اللغة والأدب منها: التذكرة النحوية، إعراب لبعض الأحاديث النبوية والأبيات الشعرية التي استشهد بها علماء اللغة، ربيع الغزلان، كتاب في الأدب. ٦- له جملة مؤلفات في جوانب من هذه العلوم.

стр. 16489

وهكذا أمضى الزركسثي ﵀ حياة حافلة بالطاعة والاجتهاد في خدمة العلوم الإسلامية، والإفتاء، والتعليم، مخلفاً ثروة من الأجر المتواصل والعلم النافع. وفاته: لقد تظافرت المصادر [٦٩] على أنه ﵀ توفي في ثالث رجب من سنة أربع وتسعين وسبعمائة وذكر الداودي أنه دفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة الأمير بكتمر الساقي رحمهما الله تعالى. الفصل الثاني ترجمة موجزة للمقدسي ﵀ كل من ترجم لهذا العلم بعد الإمام اسأذكر مختصر الترجمة مفيداً مما ذكر الحافظ الذهبي في ترجمته لعبد الغني المقدسي [٧٠] . لذهبي فهو عالة عليه، وإنما يحدث نوع من التصرف بالاختصار أو إضافة وصف أو زيادة في ثناء لذا نسبه: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، تقي الدين، أبو محمد، المقدسي [٧١] ، الجمّاعيلي [٧٢] ، ثم الدمشقي. مولده: ولد في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة، بجمّاعيل. نشأته: لم يتطرق الذهبي ﵀ إلى شيء من هذا سوى صحبته لابن خالته موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة وكان يكبر عبد الغني بأربعة أشهر [٧٣] . وذكر ياقوت أنه نشأ في دمشق [٧٤] ولم يزد على ذلك. سعيه في طلب العلم: تشير المصادر إلى أنه بدأ حياته العلمية في دمشق فتلقى العلم عن علمائها منهم أبو المكارم بن هلال. رحلا ته:

стр. 16490

اتسعت الرحلة في طلب العلم عند الإمام المقدسي ﵀، فبعد أن أفاد من علماء بلده تاقت نفسه إلى المزيد فرحل إلى بغداد وسمع من علمائها منهم هبة الله بن هلال، وابن البطي، ورحل إلى الثغر [٧٥] حيث سمع من أبي طاهر السلفي، وأقام عليه ثلاثة أعوام، وكتب عنه الكثير، ورحل إلى الموصل وفيها سمع أبا الفضل الطوسي، ثم رحل إلى همذان حيث سمع من عبد الرزاق بن إسماعيل القومساني، ورحل إلى أصبهان وفيها سمع من الحافظ أبي موسى المديني، ورحل إلى مصر حيث سمع مِن علي بن هبة الله الكاملي، هكذا قطع الغيافي، وجاب الأمصار، بحثاًَ عن العلم، وجهاداً في سبيله. بعض ـيوخه: تقدم ذكر المشاهير منهم في الرحلات ولا أرى مزيد حاجة للإِعادة. الآخذون عنه: تتلمذ عليه ولداه أبو الفتح، وأبو موسى، وأخذ عنه عبد القادر الرهاوي، وموفق الدين ابن خالته، والضياء محمد بن عبد الواحد بن أحمد، وابن خليل يوسف، والفقيه اليونيني محمد بن أحمد، وعثمان بن مكي الشارعي، وأحمد بن محمد الأرتاحي، وآخر من أخذ عنه محمد بن مهلهل الجيتي وبقي بعده بالإجازة أحمد بن أبي الخير شيخ الحافظ الذهبي. عصر المقدسي:
следующие страницы →