Полный текст (23 804 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والدعوة التي تسير في الطريق المستقيم والخط الصحيح هي التي تقدم لنا صورا كثيرة, وأمثلة عديدة يحمل أصحابها هذا الإيمان, وينطلقون للحق دعاة لا يثنيهم عن دعوتهم باطل, ولا يوقفهم عن سيرهم مشاغب, ولا يحرفهم عن سبيلهم سياسة, ولا يردهم عن مقصدهم غرض قريب, وأمل عاجل, بل كل هذه الدنيا وما فيها في ناظريهم سراب خادع, ومتاع قليل, وظل زائل.
وللناظر في تاريخ الإنسانية أن يقص علينا روائع القصص عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتلامذتهم.., تحكي إيمانهم الثابت, ويقينهم الراسخ.
ويمثل التاريخ الإسلامي السجل الحافل لهذه الصور الرائعة التي تنم عن إيمان صادق يقف أمام الطغاة والظالمين وقفة العزة والكبرياء, وما الفتوح التي رأيناها في الشرق والغرب إلاّ صورة كبيرة لهذا الإيمان, فقد وقف المسلمون وهم أقل عددا وأفقر عتادا أمام الجيوش الجرارة التي تفوقهم في الجند والسلاح, وغلبوهم بقوة الإيمان وثبات ويقينهم.. وعزمهم الأكيد لإحقاق الحق وإبطال الباطل. وأما الأمثلة الخاصة والقصص الفردية فهي أكثر من أن تحصى وأعظم من أن توصف, وأذكر أمثلة من حياة الصحابة ﵃.
فهذا أبو بكر الصديق ﵁ آمن في منزله مع أهله وأولاده, يأتيه الخبر بأن قريشا تؤذي رسول الله ﷺ , فلا يلبث أن يمضي خارج منزله ليقابل قريشا كلها, وهو فريد وحيد يقدم غير هياب ولا خائف, ويقف أمام هذا الجموع المتكاثفة ليقول لهم: "أتقتلون رجلا يقول: ربي الله", ولا يكتفي بالكلام بل يحاول بكل ما آتاه الله من قوة ليدفع القوم عن النبي ﷺ , وفعلا يستطيع أن ينقذ النبي ﷺ من بين أيديهم, ولكن الفداء هو نفسه, فتتحول قريش إلى أبي بكر لتنزل به ما كانت تنزله بمحمد ﷺ , وما تركوه إلاّ وهو على الأرض مقطوع إحدى ضفيرتيه.. والدم ينزف من وجهه حتى يغطيه فلا يدري أنفه من وجهه.
стр. 212
هذه صورة من صور الإيمان الذي نفقد, والذي نريد, إنه الإيمان الذي دفع صاحبه لأن يؤثر التعب على الراحة, والضرب على الأمن, والموت على الحياة.. ويحمل أبو بكر إلى منزله وهو مغمى عليه لا يدري ما حوله, والناس لا يشكون في موته, ولكن الله لم يكتب عليه الموت بعد فيفتح عينيه وتتحرك شفتاه.. ليسمع التاريخ بماذا يتكلم هذا الرجل هل يريد ماء؟ هل يريد راحة؟ لا, لا هذا ولا ذاك, إنه يقول: "ماذا فعل بمحمد", إنه سؤال الفؤاد المشبع بالإيمان, سؤال العالم بأن رسالة الإسلام لم تتم بعد, وتمامها موقوف على بقاء هذا النبي, فأما هو فرجل من الرجال, فخوفه إذاً كان على الإسلام, على الإيمان الذي لا يمكن أن يتم إذا استطاع المشركون أن ينالوا من رسول الله ﷺ .
وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ على صغر قامته, وضعف جسمه, وقلة عشيرته في قومه, يطلب أن يكون الذي يسمع قريشا القرآن الكريم, والإسلام حينئذ ضعيف, والمسلمون حينئذ يسامون من العذاب أشده, ويمضي وحيدا إلى الكعبة عزيزا بعزة الإسلام, وينطلق لسانه بتلاوة كتاب الله تعالى, فما يكون نصيبه إلاّ أن يقع مغشيا عليه من الضرب والإيذاء.. فليندم على فعله إذاً, وليصمم على أن لا يعود إلى مثل ذلك.. لأن الندم على الحق ليس من صفات المؤمن بل يدعوه إيمانه الثابت الراسخ ليكون مرة ثانية صوت الإسلام المدوي في الكعبة بكتاب الله وآياته ليغيظ الكفار.
صورة شاهدة على تقديم رضا الله سبحانه على كل شيء في الوجود, قصص تعتبر لنا عن سر انتشار هذا الإسلام الواسع, الذي ما عرف التاريخ أسرع منه قصصا, ومن أراد المزيد منها فليستنطق التاريخ عن أمثلة الإيمان, وخاصة قصص الفتوحات الأولى حيث غنم الجنود الكنوز, ومع ذلك لم تمتد أيديهم إلى شيء منها, وتصل بتمامها سالمة إلى خليفة المسلمين..
стр. 213
إنه الإيمان وراء هذا كله..الإيمان بالله وحده الرقيب على الإنسان, الحسيب على أعماله.
فإلى الله تعالى نجأر بالدعاء لنكون من أولئك الذين طلقوا الدنيا وأرادوا الآخرة, وقدموا كل ما يملكون في سبيل الله وحده, وكانوا صورة للإيمان الكامل الذي يصفه رسول الله ﷺ بقوله: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله, وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
стр. 214
مشكلات الطلاب الجامعيين وحلها على ضوء الإسلام
للشيخ عطية سالم القاضي في المدينة
ثالثا: التوجيه الخارجي:
وهو تدخل الحكومة أو تأثير السياسة أو أي شخصية غير تعليمية فإن ذلك يؤدي إلى تغيير اتجاه سير التعليم ويحيد بالجامعات عن الغاية المرجوة ويجعلها تسير وفق رغبات أصحابه. وهكذا الجامعات تصنع رجالا أو على الأصح تصنع أفكارا وفق إرادة من يوجهونها, وقد كشف عن هذا المبدأ قديما نابليون في خطاب له قال: "لن يكون استقرار سياسي إلاّ بتحديد أغراض التعليم تحديدا لا شك فيه, فحيث لا يعرف الناس إن كان التعليم يرمي إلى يخلق منهم جمهوريين أو ملوكيين, نصارى أو كافرين, لا توجد جامعة جديرة بهذا الاسم".
إذن فالجامعة في نظره مصنع أفكار حسب اتجاه الدولة ولا تملك حق التوجيه أو الابتكار, وفي هذا سلب القيادة عنها, اللهم إلاّ في التعليم المهني كالطب والهندسة والزراعة لأن في ذلك رفعا لمستوى البلد, وكسبا أدبيا في المجال الدولي وكسبا ماديا في الأسواق التجارية العالمية, ولعل مناهج الدراسة في الجامعات الروسية تشير إلى حقيقة هذا القول, بل إن موقف بعض الدول من منظمة اليونسكو يؤيد هذه النظرية.
ومشكلة هذا التحيد العلمي تعطي لونا خاصا من المنهج من جهات:
١- إلزام الطالب بما تريده الجهة الموجهة وتختاره وإغفال إرادة الطالب واختياره ومن هنا تسد أبواب حرية الفكر ويفوت استقلال الرغبات وبالتالي تموت الملكات, ويصبح الطالب قالبا للون خاص واتجاه معين. فإذا جاءت حكومة أخرى أو غيرت الأمة سياستها, أصبح الطالب بين أحد أمرين: إما أن يصبغ بصبغة أخرى ويصب في قالب أخر وفق السياسة الجديدة ومن ثم يكفر بالمنهج الماضي, وأما أن يظل على ما كان عليه فيصطدم بالمستقبل, ومن ثم تفقد الجامعة كيانها, ويضيع عليها مركزها, وتعجز عن إثبات وجودها بشخصية مستقلة.
стр. 215
ولعل موقف بعض الجامعات من بعض القضايا كان سببا في انصراف الناس عن الثقة كل الثقة بها.
٢- عزل تلك الجامعة - أي الموجهة - عن محيط الجامعات الأخرى حيث لا يمكن تبادل ثقافي معها لا في الكتب ولا في المحاضرات ولا في الأساتذة اللهم ما كان منها وفق اتجاهها. ولا يتأتى هذا الاتفاق إلاّ في النواحي الصناعية الصرفة؛ لأن الإنتاج الصناعي مهما يكن ابتداء من المواد الخام إلى قطع الاستهلاك لا يحمل فكرة ولا يعرف مبدأ وغاية ما فيه إنما هو تنمية للدخل القومي.. أما سياسة الأمة أو تاريخها أو آدابها أو أخلاقها أو دينها فلا دخل له في شيء من ذلك, ولهذا فإن الجامعات الروسية يمكنها تبادل الثقافي مع جامعات العالم في مجال الصناعة والاختراع أما المجالات الفكرية والدينية والسياسية ... الخ فلا, اللهم إلاّ في نطاق النظام الشيوعي فحسب, ومثل ذلك الجامعات الأخرى بالنسبة إلى المعسكر الروسي.. فهذه مشكلة للجامعة بأكملها لا للطلاب فحسب.
أما علاج ذلك على ضوء الإسلام فإن أول آية نزلت في الإسلام قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ, اقرأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم, عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ, كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى, إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ , فجعل القراءة والكتابة والعلم كلها باسم الله الذي خلق كل شيء, والذي خلق الإنسان بالذات من علق.
فجعل اتجاه العلم مبدأ وغاية من الله وإلى الله, أي لا سلطة لإنسان ولا لجهة ما في توجيه العلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ - إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) , وفي جعل القراءة باسم الرب إشارة إلى أهمية القراءة والتعليم في التربية المفهومة من الربوبية في قوله تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
стр. 216
كما جعل صلة الموصول صفة الخلق المطلق, ثم خلق الإنسان بالذات إشارة إلى الإنشاء والابتكار والإبداع المفهوم من صفة الخلق المضمنة لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ﴾ , وفي تكرار طلب القراءة مع ﴿وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ إشارة إلى أن المنهج نعمة ومنة وإكرام من الرب الكريم, ثم بيين وجه ذلك الأكرم بقوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم﴾ وأنشأ يفصل ذلك العلم وأهميته بقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .. ومن هنا كان علم القلم أشرف العلوم لأنه علم الخاصة والقادة وحظ الروح والفكر ووسيلة الإصلاح والتوجيه ومهمة الأنبياء والمرسلين والهادي إلى الصراط المستقيم ومرضاة رب العالمين.
أما علم الصناعات فهو مهما كان وسيلة لا غاية انحط أو ارتفع. ولربما كان سببا للفساد والطغيان والعلو والتكبر والظلم والطغيان..وقد نوه تعالى عن ذلك في نفس الآية بقوله: ﴿كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
إذن فعلاج الإسلام لهذه المشكلة (التدخل الخارجي في توجيه الدراسة الجامعية) هو منعه أصالة وترك المنهج يسير حرا طليقا باسم الرب الخالق ومن سبيل كسب العلوم المجهولة التي لم تعلم من قبل وتوجيه الأمة إلى أقوم سبيل.
وإذا كانت الصحافة قد انتزعت لقب (صاحب الجلالة) لحريتها ومضيها في سبيلها من غير حيف أو تحيز, فالجامعة أحق منها بهذا اللقب أو بما هو أعظم منه فلتلقب صاحبه القيادة أو نحوه لأن الصحافة ما هي إلاّ أثر من آثار الجامعة لأنها نتاج أقلام الجامعيين ومن دونهم.
رابعا: المنهج الجامعي:
стр. 217
من المعلوم أن مناهج الجامعات في كل أمة هي الأساس لتكوينها والصورة لاتجاهها وكل أمة تكيف مناهجها حسب فلسفتها في الحياة, فمناهج الجامعات في المعسكر الروسي خلافها في جامعات المعسكر الغربي.. وهي في المعسكرات الشرقية غيرها في الجميع. وهذا واقع الحياة التعليمية في الجهات المختلفة, ولا يمكن لجهة أن تتخلى عن واقع حياتها.
ولكننا إذا تطلعنا شرقا وغربا نطلب منهجا قويما بحاجات الإنسانية ويكون الإنسان الكامل كوحدة متماسكة يسير به في توازن وينهض به في اعتدال لن نجد منهجا سويا يفي بمقصودنا.
لأنها كلها قد جنحت في مناهجها إلى جانب من جوانب هذا الإنسان وهو الجانب الذي أحست به ولمسته فآمنت بوجوده, وهو الجانب المادي فراحت تعمل لخدمة هذا الجانب من هذه الناحية فرقت الصناعية تسهيلا لمعاشه وطورت الفنون تيسيرا لمسراته وأطلقت من قيود الحرية إشباعا لشهواته فأصبح يأكل ويتمتع ويلهو ويتوسع حتى أعطى هذا الجانب كل متطلباته.
بينما أغفل الجانب الآخر من الإنسان وهو الجانب الروحي الذي به حياته الحقيقة السعيدة وعليه قوامه, وبإغفال هذا الجانب اختل ميزانه وفقد اتزانه وظهر طغيانه.
لأن الإنسان إذا لم يكن له ضمير ينبهه ولا دين يردعه ووجد انطلاقة وراء شهواته وملذاته فلابد من أن يطغى على غيره ليحصل على أكبر قسط لنفسه, سيطغى فردا أو جماعة لإرضاء شهوة النفس من سلطة وسلطان:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
والنفس من طبيعتها الشح كما قال الله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ .. والشح يحمل على الحرص, والحرص يحمل على الأنانية وحب الذاتية, وهما يحملان على الاستزادة والإكثار من كل ما تصل إليه اليد ولو طغيانا وبطرا: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
стр. 218
وهذا كله نتيجة اختلال التوازن بين متطلبات الإنسانية من ثقافة متوازنة الجانبين: "الروح والمادة".
ولقد شاهد العالم نتيجة الفلسفة المادية والانطلاق من قيود الحرية: شيوعية حمراء ورأسمالية نكراء, التقتا في تسابق ذري مهلك.
أما الإسلام فلم يفصل بين أجزاء الكائن المرتبطة ولم يغفل عوامل الفطرة فزاوج بين جسمه وروحه وعقله وملذاته, فأعطى كل جانب حقه, فساير كل منهما الآخر من غير تقصير ولا طغيان من جانب آخر, وقد تقدم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون, فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
فأوجد أمة متماسكة كالبنيان المرصوص, كان قادتها هم قادة الدنيا, وساستها ساسة العالم وعلماؤها هم علماء الدين والدنيا, خلفت حضارة أنارت العلم شرقا وغربا.
وتلك آثار حضارتهم في الطب والهندسة والعمران بل والجغرافيا والصناعة كانت أساسا لحضارة الغربيين جميعا.
فقد وصلوا في القرن الرابع الهجري في ميدان الطب إلى الكشف بالتحليل واستخدام البنج, وكانوا أول من نظم الصيدلية وتوسع فيها وظهر فيهم التخصص في الطب, وقد اكتشفوا بعض العناصر الكيماوية كالبوتاس والنشادر ونترات الفضة كما استعملوا الترشيح والتقطير والبلورة وقد عرفوا المستشفيات, فقد بنى الوليد بن عبد الملك (المارستان) وعددا من الدور للمرضى, وجعل فيها أطباء وأجرى عليها النفقات والأرزاق, وقد كان ابن الهيثم الحسن أبو علي عنوانا على رجال العلم المدني والإنشاء والابتكار في القرن الرابع الهجري, فقد درس نواحي الضوء كانعكاسه وانعطافه ... إلخ.
وعبد الله البتاني في الفلك والرياضيات.
стр. 219
وأمية بن أبي الصلت حيث ابتكر فكرة استخراج المراكب في قعر البحر.. وكذلك في النواحي العسكرية الحديثة فقد كانوا أول من اخترع القنابل عن طريق معرفتهم لتركيب النار اليونانية واستخدموها سنة ١٢٠٥ حين حاصروا الأمير يعقوب.
وإذا كان هناك من مبادئ يونانية أو إغريقية أو غيرها فإنهم بلا شك قد زادوا على ما وصلهم وابتكروا ما لم يصلهم كما تقدم من أوليات لهم في الاختراع.
وإذا تأملنا كتاب الله تعالى وهو الدستور السماوي الذي ملك عليهم حواسهم وجوارحهم نجده يشيد بالعلم ويشير إلى شتى العلوم.
فقد لفت الأنظار إلى الطب عن طريق خلق الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ , مع بيان قدرة الله تعالى على الخلق والإبداع في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ, فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ , وقد لفت الأنظار إلى الصناعات في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ , كما وضع أساسا من أسس الصناعة وأصلا من أصول الدقة والإتقان في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ, أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ .
стр. 220
وقد قال بعض العلماء: لقد وضعت آية من كتاب الله تعالى نظرية ثابتة لجميع المخترعات والصناعات وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ , فكل موجود صناعي لابد له من مقادير ومقاييس إذا لم تضبط لا يتم وجوده ولو أردنا تطبيقها لوجدناها متمشية من أدنى شيء إلى أعظم اختراع كثوب الإنسان أو ستارة النافذة- وكنظام الذرة منذ أعلن عن اكتشاف الكترونات عام ١٨٩٧. واستدلوا على أن الذرة المتعادلة لابد أن تكون من جزئين أحدهما موجب والآخر سالب, ومن شحنتين كل منهما مساوية ومضادة للأخرى.
وقد أعطى القرآن الكريم للإنسان الحق في بذل الوسع واستفراغ الجهد في العمل المادي لتحصيل مصلحتة والحفاظ على دينه الذي استخلفه الله به في الأرض حيث قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ , ومعلوم أن إعداد القوة ليس في السلاح فحسب بل في كل شيء اليوم من أنواع الإنتاج من المأكل إلى المقتل, وجعل الرسول ﷺ للمسلمين حق العمل بمعارفهم الدنيوية حيث لم تتعارض مع الشريعة حيث قال: "أنتم أعرف بأمر دنياكم".
وبجانب هذا المنهج الصناعي في الإسلام تلك الكنوز من المكتبات المليئة بالكتل المشحونة من نتاج الفكر من مُثُل عليا وأخلاق مُثلى مما بهر العالم شرقا وغربا, وجعل سيرة القوم أشد تأثيرا في النفوس من دعوتهم فدخل الناس في دين الله أفوجا فسادت السكينة وعمت الطمأنينة وانتشر السلام وظهرت الفضيلة واختفت الرذيلة وقضي على الظلم والطغيان بالعدل والإحسان يقول أبو بكر الصديق ﵁ الخليفة الأول في خطابه الأول: "أقواكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق له, وأضعفكم عندي قوي حتى آخذ الحق منه".
تعجز جامعات اليوم مجتمعة أن توجد مثل هذا المثال للمسلم, أو تأتي بأحسن من هذا المنهج لسعادة الأمة أو عدالة حكم.
стр. 221
هذا هو المنهاج الإسلامي في جملته حفاظ على التراث العزيز عند الأمة من دين وخلق.. الخ, تزاوج بين متطلبات هذا الإنسان من مادة وروح في توازن واعتدال.
تربية النفوس على فضيلة انطلاقته في كسب العلوم النافعة لا تقف عند حد البعثات العلمية كما في رحلات العلماء وسفر أبي أيوب من المدينة إلى مصر لحديث عن رسول الله ﷺ . التخصص في المادة كما ندب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت لتعلم اللغة ليكتب ويقرأ كتبهم لرسول الله ﷺ .
خامسا: أوقات الفراغ:
لاشك أن الزمن هو أساس رأس مال الإنسان في هذه الحياة, والطالب الجامعي وغيره يشعر بفراغ في وقته أثناء الدراسة وفي العطلة, وإذا ترك لنفسه فإنه لا يدري كيف يقضيه وبما يشغل وقته, بينما يحيط به أسباب شغل الوقت بأسباب بعيدة عن مجال الدراسة والتحصيل قريبة من جانب الانحراف والتخلف مع تهيؤ الظروف أمامه وتكامل الأسباب عنده.
إن الشباب والفراغ والجدة
مفسدة المرء أي مفسدة
فبدافع عن غريزته وبقهر من شهواته سينطلق حيث دعاء النفس وملذاتها ومن هنا تنشأ المشكلة؛ لديه معلومات تتطلب ما ينميها, وأمامه ملهيات عظم داعيها, ولعل لهذه المشكلة صلة وثيقة بمشكلة أخرى وهي نظرة الكثيرين إلى التعليم على أنه وسيلة لشهادة تفتح أبواب العمل وتيسر سبل العيش, فينصب جهده أثناء العام الدراسي على مقررات المنهج لينجح, ثم يودع الدراسة إلى العام القابل ومن هنا لابد من شغل الوقت بما طاب له.
ولو كانت نظرته للدراسة أن العلم يطلب لذاته استكمالا لشخصية المتعلم لشغل وقته في التحصيل, كما قال أحدهم لأولاده: "تعلموا العلم فإن كنتم فقراء استغنيتم وإن كنتم أغنياء سدتم".
стр. 222
ولهذا فالإسلام لا يعرف فراغا ولا يوجد عند المسلم العامل ما يسبب له هذه المشكلة كيف والله تعالى يقول لنبيه ﷺ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ , ويقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ , وعليه لابد أن يكون في عمل دائم إما لدنياه وإما لآخرته كما خاطب عموم الأمة بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ .
ولكم هذا النوع من الحياة يتطلب إصلاح المجتمعات التي يعيش الطالب في جوها, وإلى ذلك الوقت ستظل مشكلة تشغل فراغ الطالب, ولا سيما مع وجود تلك الملاهي والمغريات وبالأخص أثناء العطلة الدراسية.
ولعل أنجع الوسائل لحل هذه المشكلة على ضوء الإسلام هو كالآتي:
أولا: بتكليف الطلاب الجامعيين أثناء العطلة بنشاط عملي كل على حسب اختصاص دراسته فيقوم طالب الطب مثلاً بتقديم مساعدات من إرشادات وتوجيهات طبية في بلده أو الحي الذي يقطن فيه سواء في المقاهي أو المساجد أو المنتزهات العامة ويقدم تقريراً للجامعة عن أهم الأخطاء الشعبية في النواحي الصحية وأهم طرق علاجها.
وكذلك طالب الزراعة ولو بذهابه إلى الأرياف ومخالطته للمزارعين ومثله في الهندسة.. إلخ وعلى الجامعة أن تهيّيء جوائز مغرية لمن يظهر لعمله أثر بين.
ثانياً: تمنح الجامعة طلابها بطاقات يسمح لهم بموجبها التطبيق العملي على النظريات العلمية كل في مجال دراسته، فمثلاً طالب الطب يسمح له بدخول المستشفيات للاطلاع على سير العلاج والمتزود بمعرفة الأمراض المستوطنة مثلاً وكيف تعالج, أو دخول غرف عمليات الجراحة والضماد ليكسب خبرة عملية ربما تكون أوسع من نطاق الدراسة النظامية.
وكذلك طالب الصيدلية يدخل ما يمكن من الصيدليات ويشارك بالفعل في تحضير بعض الأدوية ولاسيما ذات العناصر البسيطة كالوارند والبزمت والمراهم وإبر الكالسيوم والمحلولات الداخلية.. الخ.
стр. 223
وطالب الأزهر يذهب إلى المحاكم ليرى سير الدفاع والمرافعات أو إلى البنوك ليرى أنواع المعاملات أو إلى المساجد ليسهم في الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى.
وكل ذلك سيفتح أمام الطالب مجالاً للدراسة والتحصيل كما سيمكن الجامعة من اكتشاف طاقات مجهولة واستخدام خامات صالحة كما ستكسب الأمة من وراء ذلك فوائد في كل ميدان. وقد تستطيع الحكومة أن تستفيد من مثل هذا العمل فتستعين بالطلاب الجامعيين في بعض الظروف التي كانت تضطر فيها لاستخدام العسكريين في الأمور المدنية فتكسب روحاً علمية وشعورًا وطنياً وعملاً إنسانياً وتنقل الطلاب من فراغ وكسل إلى إنتاج وعمل, ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا ... ﴾ .
وقد رسم لنا رسول الله ﷺ الطريقة في هذا كله قولاً وعملاً.
أما قولاً: فقد مر بقوم يحفرون لحدًا لميت فنظر فإذا به معوجًا فأمرهم أن يصلحوه وقال: "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه", فأرشدهم ﷺ إلى إحسان العلم ولو لم يسهم عمليًا.
ومن حديث أبي ذر في الصحيحين أنه سأل رسول الله ﷺ : "أي الرقاب أفضل؟ "قال: "أنفسها", قلت: "يا رسول الله فإذا لم أفعل؟ "قال: "تعين صانعًا أو تصنع لأخرق", قلت: "فإن لم أفعل؟ "قال: "تدع شرّك عن الناس فإن ذلك صدقة منك على نفسك".
وأما عملياً فقد مرّ على رجل ذبح شاة له وهو لا يحسن سلخها فقال: "ألا أريك كيف تفعل؟ فأدخل يده ﷺ بين إهابها واللحم وأدراها, وقال: هكذا فافعل".
فهذا إسهام عملي في توجيه أفراد الأمة حتى في أمور دنياها كما يرشدهم في أمر دينهم.
وقد أسهم ﷺ في بناء المسجدين: مسجد قباء, ومسجد المدينة المنورة, وحفر الخندق.
стр. 224
وكان السلف يدأبون في طلب العلم ولا يعرفون عطلة ويديمون من أجله الرحلة, ومن أقوالهم: "لا بارك الله في يوم لا أزداد فيه علماً، "من استوى يوماه فهو مغبون"، "الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها".
وفي قصة الخطيب التبريزي مع نسخة كتاب التهذيب ورحلته لأبي العلاء المعري وما حدث عليهما أكبر دليل على حرص السلف على الدأب في طلب العلم مطلقًا وشغل أوقات فراغهم.
سادسًا: التعليم المادي:
وليس المراد به التعليم المهني كالطب والهندسة والزراعة.. الخ, بل التعليم الذي يقصد به صاحبه الحصول عن طريقه على وظيفة يحصل بها على المادة وذلك ما يكون فيمن ينظر إلى وظائف الحكومات التي تستوعب الكثير من المتخرجين, وقل أن تبرز في خضم أعمالها ملكات الموهوبين، فيكون هذا الصنف للحصول على الشهادات فحسب, بخلاف الذين لهم عزم على العمل الحر أو العمل المهني فإن ذلك الصنف يتعلم ليحصل على معلومات تتكون بها شخصيته وبها يكون قوامه ويشق طرق حياته بسلاح الموهبة والشهرة في النجاح في العمل وفرق بين الفريقين:.
١- فالأول يكتفي بملخص عرض الاستاذ ونقاط الدرس أو المحاضرات بينما الثاني يحرص على تفاصيل الموضوع ويستزيد الأستاذ إيضاحاً.
٢- والأول ينجح في الملخصات والمختصرات بالقدر الذي ينجح في الاختبار بينما الثاني يطمح إلى أمهات الكتب والمطولات إلى الهدف الذي يشبع رغبته.
٣- والأول يتمسك ذهنه على معلوماته إلى أن يسلم ورقة الإجابة عن سؤال الامتحان بينما الثاني يعتبر أسئلة الامتحان درسًا جديدًا يستزيد منه علمًا.
٤- الأول تنتهي صلته بالعلم عند انتهائه من الدراسة وتسلمه الشهادة بينما الثاني يبدأ أبحاثه وتجاربه إلى أن يتسلم الناس عنه أحسن النتائج ومنشأ المشكلة في هذا النوع من حيث أن الطالب أو على الأصح المتخرج الجامعي يفقد خصائص الجامعيين من حب البحث وكثرة الاطلاع وسعة الأفق فيقف حيث سار الناس.
стр. 225
أما حلها على ضوء الإسلام:
فالإسلام قد جعل العلم غاية في ذاته بل جعله متعبدًا يثاب على تحصيله والاشتغال به وفي الحديث: "من سلك طريقًا يطلب فيها علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة"، "لغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غدوة في طلب غيره من الخير", "ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشره بالجنة".
ولا ينبغي الوقوف بكلمة علم عندما اشتهرت به عند الاطلاق بل يمكن حملها على كل علم يعود على الأمة بالخير إذا صاحبته نية حسنة.
كالطبيب إذا قصد بعلمه مؤاساة مريض وتخفيف آلام مصاب، والمهندس إذا قصد بعلمه إيواء مسكين أو إنشاء مدرسة لتربية أبناء الأمة فضلاً عن مسجد ونحوه, والزراعي لو قصد تنمية المحاصيل لإشباع جائع وتوفير الغذاء, بل والكاتب وأي موظف لو قصد خدمة الإنسانية والإسهام في هذا البناء العظيم, وكل بحسب نيته كما قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى", وعلى الجامعة أن تحبب العلم لطلابها وأن تقدمه بصورة شيقة تحملهم على الحرص عليه والاستزادة. والله ولي التوفيق, وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه, آمين.
стр. 226
من تاريخ المذاهب الهدّامة:
كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة (١)
بقلم محمد بن مالك اليماني
لا يخفي تغلغل دعاة الباطنية في مختلف الأقطار الإسلامية ونشرهم مذهبهم الداعي إلى الإلحاد والإباحية وهدم وحدة المسلمين. فقد انتقل مؤسس الباطنية ميمون بن ديصان من أصبهان إلى الأهواز ثم إلى البصرة ثم إلى سلمية الشام واتخذها معقلا له, مدعيا الانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, ومن سلمية بعث دعاته إلى الكوفة واليمن والمغرب.. وقامت دولة العبيديين (التي دعوها بالفاطمية) في المغرب ومصر واليمن حتى جاء الحاكم بأمر الله حيث ادعى الألوهية ... ومن البارزين بين الباطنية حمدان بن الأشعت (الملقب بقرمط) في سواد الكوفة وأخوه ميمون المبعوث إلى خراسان وأبو سعيد حسن بن بهرام الجنابي وابناه أبو طاهر وسعيد ... وقد استولى أبو طاهر على الحجاز وفتك بالحجيج يوم التروية واستولى على الحجر الأسود ... وإن مؤامرات الفرق الباطنية على المسلمين وتأييدهم للصليبين, ودعواهم ألوهية أئمتهم عما هو مشهور لا يحتاج إلى بيان....
وهذا كتاب نادر في هذا الباب يشرح فيه مؤلفه وهو أحد الفقهاء السنة في القرن الخامس الهجري كثيرا من الأسرار التي استطاع الاطلاع عليها بعد أن تمكن من الاندساس بين الصليحيين - وهم قراطمة اليمن - واطلع على خفاياهم. وسيرد في آخر الكتاب أن علي بن محمد الصليحي بعد استيلائه على حصن (مسار) في (حراز) فوق مدينة مناخة كتب إلى صاحب مصر (مصر المستنصر الفاطمية) سنة ٤٥٣هـ.
وقد رأت مجلة الجامعة الإسلامية أن تنشر هذا الكتاب لأهميته, وها نحن نقدم الحلقة الأولى.
стр. 227
قال محمد بن مالك ﵀ "إعلموا أيها الناس المسلمون - عصمكم الله بالإسلام وجنبنا وإياكم طريق الآثام وأصلحكم وأرشدكم ووفقكم لمرضاة وسدّدكم - أني كنت أسمع ما يقال عن هذا الرجل الصليحي كما يسمعون وما يتكلم به عليه من سيّء الإذاعة وقبح الشناعة, فإذا قال القائل: "هو يفعل ويصنع"قلت: "أنت تشهد عليه غداً"فيقول: "ما شهدت ولا عاينت بل أقول كما يقول الناس"فكنت أتعجب من هذا أولا ولا أكاد أصدق ولا أكذب ما قد أجمع عليه الناس ونطقت به الألسن, فتارة أقول: هذا ما لا يفعله أحد من العرب والعجم, ولا سمع به فيما تقدم من سالف الأمم إنما هذه عدواة له من الناس للمآل الذي بلغه من غير أصل ولا أساس, وكنت كثيرا ما أسمعه يقول: "حكم الله لنا على من يظلمنا ويرمينا بما ليس فينا".
فرأيت أن أدخل في مذهبه لأتيقّن صدق ما قيل فيه من كذبه, ولأطلع على سرائره وكتبه, فلما تصفحت جميع ما فيه وعرفت معانيها رأيت أن أبرهن على ذلك ليعلم المسلمون عمدة مقالته وأكشف لهم عن كفره وضلالته نصحة لله وللمسلمين وتحذيرا ممن يحاول بغض هذا الدين, والله موهن كيد الكافرين.
стр. 228
فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين وأوضحه أنّ له نوابا يسميهم الدعاة المأذونين, وآخرين يلقبهم المكلبين تشبيها لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدون لهم بالغوائل, وينقضون على كل عاقل, ويلبسون على كل جاهل, بكلمة حق يراد بها الباطل يحضونه على شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام, كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه فيقيم فيه أكثر من سنة يمضون به وينظرون صبره, ويتصفحون أمره, ويخدعونه بروايات عن النبي ﷺ محرفة, وأقوال مزخرفة, ويتلون عليه القرآن على خير وجهه, ويحرفون الكلم عن مواضعه, فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا حينئذ: إكشف عن السرائر ولا ترضى لنفسك, ولا تقنع بما قد قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف الصلاة والطهارة وما روي عن النبي ﷺ بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك والعبارة فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة لممثولات محجوبة, فاعرف الصلاة وما فيها وقف على باطنها ومعانيها لأن العمل بغير العلم لا ينتفع صاحبه به فيقول: عم أسأل؟ فيقول: قال الله تعالى: ﴿َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ .. فالزكاة المفروضة في كل عام مرة وكذلك الصلاة من صلاها مرة في السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار, وأيضا فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان, والزكاة زكاتان, والصوم صومان, والحج حجان, وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلاّ وله باطن, يدل على ذلك ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ , و ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ , ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن, فالظاهر ما تساوي به الناس وعرفه الخاص والعام, وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به فلا يعرفه إلاّ القليل, من ذلك قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا
стр. 229
هُمْ﴾ , وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ , فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم.
والصلاة والزكاة سبعة أحرف دليل على محمد وعلى ﷺ عليهما لأنهما سبعة أحرف فالمعنى بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلي, فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة, فيوهمون على من لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبي ﷺ فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة لأنه مذهب الراحة والإباحة يريحهم مما تلزمهم الشرائع من طاعة الله ويبيح لهم ما حظر عليهم من محارم الله فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرب قربانا يكون لك سلما ونجوى ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة ويضع عنك هذا الإصر, فيدفع اثني عشر دينار فيقول ذلك الداعي: "يا مولانا! إنّ عبدك فلان قد عرف الصلاة ومعانيها فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر", وهذا نجواه اثنا عشر دينار, فيقولك "اشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة, ويقرأ له ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .
فعند ذلك يقبل عليه أهل هذه الدعوة يهنئونه ويقولون: "الحمد لله الذي وضع عنك ﴿وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ , ثم يقول له ذلك الداعي الملعون بعد مدة: "قد عرفت الصلاة وهي أول درجة, وأنا أرجوا أن يبلغك الله إلى أعلى الدرجات فاسأل وابحث", فيقول: "عم أسأل؟ "فيقول له: "سل عن الخمر والميسر اللذين نهى الله تعالى عنهما أبو بكر وعمر لمخالفتهما على علي وأخذهما الخلافة من دونه, فأما ما يعمل من العنب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام؛ لأنه مما أنبتت الأرض ويتلوا عليه ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ إلى آخر الآية.
стр. 230
ويتلو عليه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية, والصوم الكتمان فيتلو عليه ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ , يريد كتمان الأئمة في وقت استتارهم خوفاً من الظالمين ويتلو عليه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ , فلو كان عني بالصيام ترك الطعام, لقال: "فلن أطعم اليوم شيئا فدل على أن الصيام الصوت".
فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانا وكفرا, وينهمك إلى قول ذلك الداعي الملعون؛ لأنه أتاه بما يوافق هواه والنفس الأمارة بالسوء.
ثم يقول له: "إدفع النجوى تكون سلما ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم"فيدفع اثني عشر دينارا فيمضي به إليه فيقول: "يا مولانا.. عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة فأبح له الأكل برمضان"فيقول له: "قد وثقته وأمنته على سرائرنا؟ "فيقول له: "نعم"فيقول: "قد وضعت عنك ذلك", ثم يقيم بعد مدة فيأتيه ذلك الداعي الملعون فيقول له: "لقد عرفت ثلاث درجات فاعرف الطهارة وما هي؟ وما معنى الجنابة ما هي في التأويل؟ "فيقول: "فسر لي ذلك؟ "فيقول له: "إعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب, وأن المؤمن طاهر بذاته, والكافر النجس لا يطهره ماء ولا غيره, وأن الجنابة هي موالاة الأضداد, أضداد الأنبياء والأئمة, فأما المني فليس بنجس منه خلق الله الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة, وكيف يكون نجسا وهو مبدأ خلق الإنسان وعليه يكون أساس البنيان, فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغسل من الغائط والبول أوجب لأنهما نجسان, وإنما معنى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ , معناه فإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلموا واعرفوا العلم الذي هو حياة الأرواح كالماء الذي هو حياة الأبدان.
стр. 231
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾ .. وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ, خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ , فلما سماه الله بهذا دل على طهارته", ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة, ثم يأمره ذلك الداعي أن فيدفع اثني عشر دينارا ويقول: "يا مولانا ... عبدك فلان قد عرف معنى الطهارة الحقيقة, وهذا قربانه إليك"فيقول: "اشهدوا أنني قد أحللت له ترك الغسل من الجناة".
ثم يقيم مدة فيقول له الداعي الملعون: "قد عرفت أربع درجات وبقي لك الدرجة الخامسة فاكشف عنها فإنها منتهي أمرك وغاية سعادتك ويتلو عليه ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ فيقول له: "ألهمني إياه ودلني عليه؟ فيتلو عليه ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ , ثم يقول له: "أتحب أن تدخل الجنة في الحياة الدنيا؟ "فيقول: "وكيف لي بذلك؟ "فيتلو عليه ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ , ويتلو عليه ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ , والزينة هاهنا ما خفي على الناس من أسرار النساء, لا يطلع عليها إلا المخصصون بذلك, وذلك قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ , والزينة مستورة غير مشهورة, ثم يتلو عليه ﴿وَحُورٌ عِينٌ, كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ , فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة؛ لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب وأهل العقول دون الجهال؛ لأن المستحسن من الأشياء ما خفي, ولذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنة, وسميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس, والمجنة المقبرة لأنها تستر من فيها, والترس المجن
стр. 232
لأنه يستتر به, فالجنة هاهنا ما استتر عن هذا الخلق المنكوس الذي لا علم لهم ولا عقول, فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا, ويقول لذلك الداعي الملعون: "تلطف في حالي وبلغني إلى ما شوقتني إليه", فيقول: "ادفع النجوى اثني عشر دينارا تكون لك قربانا وسلما"فيمضي به ويقول"يا مولانا.. عبدك فلان قد صحت سريرته وصفت حبرته وهو يريد أن تدخله الجنة, وتبلغه جد الأحكام, وتزوجه حور العين؟ "فيقول له: "وقد وثقته وأمنته؟ " فيقول: "يا مولانا قد وثقته وآمنته وخبرته فوجدته على الحق صابرا ولأنعمك شاكرا"فيقول: "علمُنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان, فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها"فيقول: "سمعا وطاعة لله ولمولانا", فيمضي به إلى بيته فيبيت مع زوجته حتى إذا أصبح الصباح قرع عليهما الباب وقال: "قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس", فيشكر ذلك المخدوع ويدعوا له, فيقول: "هذا ليس من فضلي, هذا من فضل مولانا", فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة فلا يبقى منهم أحد إلاّ بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون, ثم يقول له: "لابد أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا فادفع قربانك"فيدفع اثني عشر دينارا ويصل به ويقول: "يا مولانا.. إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم وهذا قربانه", حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس وحميت الرؤوس وطابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم فيدخلن عليهم من كل باب وأطفأوا السرج والشموع, وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه يده, ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون وجميع المستبين, فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل, فيقول له: "هذا ليس من فضلي هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين, فاشكروه ولا تكفروه, ما أطلق من وثاقكم ووضع عنكم أوزاركم وحط عنكم أثقالكم وأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم جهّالكم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا
стр. 233
إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
قال محمد بن مالك رحمه الله تعالى: "هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم, والله تعالى لهم بالمرصاد, والله تعالى عليّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعت عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم, والله يشهد على جميع ما ذكرته, عالم به, ومن تكلم عليهم بالباطل فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين, وأخزي الله من كذب عليهم, وأعد له جهنم وساءت مصيرا, ومن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول الله وقوته إلى حول الشيطان وقوته, فأديت هذه النصيحة إلى المسلمين حسب ما أوجبه الله علي من حفظ هذه الشهادة ومراعاتها وأدائها إلى من لم يسمعها قال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ . والله أسأله أن يتوفّانا مسلمين, ولا ينزع عنا الإسلام بعد إذ آتانا الله بمنه ورحمته.
стр. 234
في الإسراء والمعراج
للشيخ عبد الله خياط
الحمد لله العلي الأعلى, أحمده سبحانه, يعلم السر والنجوى, وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له, له الأسماء الحسنى والصفات العلى, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, نبي الهدى, وخير الورى, والشفيع يوم القيامة في كل من وحّد الله واهتدى. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد فيا عباد الله, خارقة عجيبة في تاريخ الإسلام, ومعجزة خالدة لرسول الهدى والسلام, حيرت عقول أعداء الإسلام, وقرت بها أعين المؤمنين, وازدادوا بها إيمانا وتصديقا للرسول خير الأنام, تلك المعجزة هي الإسراء والمعراج بأكرم الخلق على الله محمد رسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. قطع الحبيب هذه المسافة الشاسعة ليلا, ورأى من عظيم آيات الله الدالة على عظمة ملكوته ﷻ , ثم عاد في نفس الليلة. إنها لعبرة الدهر يغض بها الملحدون, كما غض بها من قبل الجاحدون المعاندون, فباؤوا بالخيبة والخسران ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ !.
ولقد اختلفت أقوال العلماء ﵏ في تحديد الإسراء والمعراج بشهر معين, بحسب النقول الواردة في ذلك:
١- فمنهم من رجح وقوعه في شهر ربيع الأول.
٢- ومنهم من قرر حدوثه في شهر ربيع الثاني.
٣- وآخرون ذهبوا إلى أنه كان في رجب.
٤- وفريق قال به في رمضان وشوال.
стр. 235
فاتضح أنه ليس ثمة جزم على التحديد بشهر معين, وإذا لم يكن ثمة جزم بتحديد الشهر, فكيف يصح الجزم بتحديد ليلة الإسراء والمعراج؟ أو يجوز القطع بأنه حدث ليلة سبع وعشرين في شهر رجب؟ كما يجنح إلى ذلك البعض من الناس؛ بحيث يحتفون بهذه الليلة على اعتبار أنها عيد لها صبغة الأعياد المشروعة. وعلى فرض الترجيح بوقوع الإسراء والمعراج في ليلة سبع وعشرين, فليس من السداد أن تأخذ هذه الليلة شكل الأعياد المشروعة. لأنه لو سلم بصحة هذا المبدأ - مبدأ تشريع أعياد جديدة وإحياء ذكرى المناسبات العظيمة في تاريخ الإسلام - للزم أن يتخذ من ليلة القدر المفضلة عيداً, ومن يوم الهجرة - الذي غير وجه التاريخ - عيدا, ومن غزوة بدر الفاصلة بين الكفر والإيمان عيدا, ومن كل المناسبات العظيمة أعياداً يحتفى بها تضاف إلى الأعياد الإسلامية, ولكن الشرع وضع حدا لذلك؛ حيث نص على الأعياد المشروعة؛ ولم يرخص في مزاحمتها بأخرى؛ فقضى على فوض الأعياد, واستقر الوضع على عيد رمضان والأضحى, روى أنس بن مالك ﵁ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة - ولهم يومان يلعبون فيهما – فقال: "ما هذا اليومان؟ "قالوا: "كنا نلعب فيهما في الجاهلية"فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر", قال العلماء ﵏: "ففي ذلك دليل على النهي عنهما, اعتياضا بيومي الإسلام, ووقفت القرون المفضلة عند هذا الحد, فلم تكن تعمد إلى إحياء ذكرى الحوادث الإسلامية على كثرتها, ولم تتخذ من الأيام المفضلة أعيادا تحتفل بها, والخير فيما ذهبوا إليه, والصواب فيما وقفوا عند حده, والقدوة بهم فيها سلامة الدين, وحسب المرء أن يسلم له دينه, في زمن أخوف ما يخاف الناس فيه على الدين.
стр. 236
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد, كانوا أفضل هذه الأمة, وأبرها قلوبا, وأعمقها علما, وأقلها تكلفا, واختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ , ولإقامة دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, واتبعوا على أثرهم, وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
فاتقوا الله عباد الله, واحرصوا كل الحرص على الإتباع, وحذار ثم حذار من الابتداع, فإن الأول لم يترك للآخر مقالا, ولم يدع له مجالا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
نفعني وإياكم بهدي كتابه, أقول قولي هذا, وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 237
أخطار التدخين
ترجمة الدكتور أحمد سليمان
الطبيب في المستشفى الجامعة
لا تتوقف الالتهابات الشعبية التي تحدث للمدخنين إذا لم يتوقف عن التدخين, ولكي نعرف العلاقة بين التدخين والنزلة الشعبية لابد أن يتوقف التدخين ستة أسابيع كاملة توقفا تاما, وفي الوقت نفسه التوقف عن كل علاج للسعال والبلغم حتى يعرف النجاح الذي أحرز من وقف التدخين وحده, ومن تجاربنا الكثيرة اتضح أن الشبان الصغار الذين يدخنون بكثرة تفارقهم أعراض الصدر جميعا خلال أسبوعين من توقفهم عن التدخين..
وخلال ستة أسابيع فجميع الاختبارات الفسيولوجية التي سبق أن بينت أوجه الضرر والانسداد الشعبي الناتجة عن الالتهابات الشعبية المزمنة تذهب ويرجع التنفس إلى طبيعته, وقد جرى بحث وتقرير عن حالات من النزلات الشعبية الشديدة في المدخنين قبل وبعد ستة أسابيع من انقطاعهم عن تدخين أي سيجارة فكانت النتيجة كما يلي:
رجل عمره ٤٢ سنة يعمل في الصناعة ويدخن ثلاثين سيجارة في اليوم, ففي مدة خمسة عشر سنة من ذلك نشأت له نوبات من السعال مع بلغم, وقد زادت الحالة شدة في السنة الأخيرة, وبالفحص السريري لم يوجد سوى نقص في أصوات التنفس على كلتا الرئتين (بالسماعة) .
وبالأشعة وجد القلب صغيرا طبيعيا, والحجاب الحاجر يتحرك ٩ر٦ سم ٣ في اليمين, و٩سم ٣ في الشمال, ولو أن حركة الحجاب الحاجر ضعيفة وبطيئة عن البدء بالتنفس وتزيد مع التنفس.
وقد عمل جدول عرف منه أن الطاقة الحيوية في التنفس زادت بعد ستة أسابيع من ٥١% إلى ٨٢% إذا أخرج النفس بقوة بعد ثانية واحدة وكان أساس رجوع الرئتين إلى طبيعتهما الأولى إبطال التدخين فقط بدون علاج آخر معها مثل الأفدرين الذي يوسع الشعب أو المضادات الحيوية كالبنسلين أو الأمزجة الصدرية.
تدخين السجائر:
ولتدخين السجائر آثار عامة على الجهاز التنفسي أهمها:
стр. 238
١- زيادة إفراز المخاط.
٢- توقف النشاط الشعيري في إخراج البلغم.
٣- زيادة تقلص العضلات الصغيرة المحيطة بشعب الهواء.
٤- توقف نشاط البلاعيم (خلايا أكالة) الموجودة في الحويصلات الهوائية.
٥- تغيرات في الغشاء المخاطي المغطي للقصبة الهوائية والشعب الهوائية.
وهذه الآثار تثقل الرئة بالإفرازات الغربية وتقلل من الحركة الشعرية للأهداب الموجودة على سطح الخلايا المبطنة للقصبة الهوائية والشعب الهوائية, والتي تعمل كمكانس للغبار والأوساخ.. وبالتالي تتعطل عملية التخلص من الأتربة والأوساخ التي تدخل الرئة وتقل كمية الهواء النقي الداخلة للرئتين, ويصعب إخراج النفس ويحدث السعال, ويتعرض الجهاز التنفسي للإصابة بالبكترية.
وكذلك فإن نسبة الوفيات في الشبان الصغار الذين يدخنون نتيجة الالتهابات الرئوية أكثر بكثير مما يحدث لمن لا يدخنون.. وعلى هذا فمعظم هذه الآثار الضارة تتعارض مباشرة مع تأثير العلاج, وكما سبق أن قلنا فالتوقف عن التدخين قد يحدث وحده آثار عجيبة في التخلص من أعراض السعال وضيق التنفس, وينتج تحسينات محسوسة في وظيفة الرئتين, كما يقلل الالتهابات الميكروبية في الجهاز التنفسي.
وبالرغم من هذه الحقائق فالعقبات لإبعاد هذا العنصر الخطر عن المدخين كثيرة كالداء, فالمرضى يحاولون المجادلة بأن الهواء نفسه ملوث بدخان المصانع والسيارات.. الخ.ولكن تدخين السجاير يكون أكثر تلويثا للرئة بملايين المرات من أشد الأجواء امتلاء بالدخان.
و١٦٠ مرة أكثر تركيزا من الجو السليم لمصنع سم السيانيد.
و٥٠ مرة أكثر تركيزا من الجو لديأكسيد النتروجين.
و٤٢٠ مرة أكثر تركيزا من الجو الملائم لأول أكسيد الكربون.
والمواد العضوية الموجودة في الدخان تترسب في الرئتين وتخزن في الخلايا الأكالة (البلاعيم = ماكروفاج) .
стр. 239
ولاشك أن ضرر الدخان لا يتساوى بين جميع المرضى, فالأبحاث الحديثة عن داء النفاخ (انفيزيما) تؤكد الأثر الوراثي لنقص الأنزيم (ألفا أنتي تريسين Elphaentytrisin) مما يجعل أناسا أكثر تعرضا للأخطاء من بقية الناس لداء النفاخ.
فالايفزيما تتزايد في المدخنين الذين يرثون هذا الاستعداد في حين أن الآخرين يكونون في حمى من هذا النقص الوراثي.
عن مجلة براكتشنر عدد (١١٩٢) أكتوبر ٦٧م
стр. 240
التدليس والمدلسون
للشيخ حماد الأنصاري المدرس في الجامعة
هذا واحد وستون ومائة راو من المدلسين ما بين متفق عليه ومختلف فيه جمعتهم من مراجع مختلفة إسعافا لمن له رغبة في الحديث, وإن قل من يشتغل بهذا الفن في عصرنا هذا.
وقبل سردهم أبدأ بمعنى التدليس, ثم أثني بأقسام التدليس, ثم أثلث بطبقات المدلسين. فلأقول -بعد الاستعانة بالله فإنه خير مستعان به-:
التدليس في اللغة: هو التلبيس والتغطية وهو مشتق من الدلس -محركة- وهو الظلام.
وفي الاصطلاح: أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه بلفظ يوهم السماع (كعن, وقال, وأن) , ووجه الشبه بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن الظلمة تغطي ما فيها كما أن المدلس يغطي المروي عنه فكأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره.
أقسام التدليس: ثلاثة:
١- تدليس الإسناد:
وهو أن يحدف اسم شيخه الذي سمع منه ويرتقي إلى شيخ شيخه بلفظ يوهم السماع كعن أو واحدة من أختيها, أو يسقط أداة الرواية بالكلية ويسمي الشيخ فقط فيقول: فلان. قال علي بن خشرم كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري فسكت, فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا, ولا ممن سمعه من الزهري, حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
اختلف أهل الصناعة في أهل هذا القسم, فقال بعضهم: يرد حديثهم مطلقا سواء أثبتوا السماع أو لا, وأن التدليس نفسه جرح, والصحيح التفصيل: فإن صرح بالاتصال كقوله: سمعت, أو حدثنا, أو أخبرنا, فهو مقبول يحتج به, وإن أتى بلفظ يحتمل فحكمه حكم المرسل.
٢- تدليس الشيوخ:
стр. 241
وهو أن يصف شيخه الذي سمع منه بوصف لا يعرف به من اسم أو كنية أو لقب أو نسب إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة أو نحو ذلك, قال ابن الصلاح: "وأمر هذا القسم أخف من الأول وقد جزم ابن الصباغ بأن من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس وإنما أراد أن يغير اسمه ليقبلوا خبره يجب أن لا يقبل خبره, وإن يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك؛ لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لم يعرفه هو, وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول, لا يجوز قبول خبره حتى يعرف من روى عنه.
٣- تدليس التسوية:
وهو أن يروي حديثا عن شيخ ثقة غير مدلس, وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة, فيأتي المدلس الذي سمع من الثقة الأول غير المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند, ويجعل الحديث عن شيخه الثقة الثاني بلفظ محتمل, فيستوي الإسناد كله ثقات, وهذا شر أقسام التدليس, قادح فيمن تعمد فعله.
قال العلائي في كتابه التحصيل في المراسيل: "ولا ريب في تضعيف من أكثر من هذا النوع, وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار ولكن يسيرا كالأعمش والثوري".
وممن نقل عنه فعل ذلك بقية بن الوليد, والوليد بن مسلم, والحسن بن ذكوان.
وقد نقل الذهبي عن أبي الحسن بن القطان في بقية أنه يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك, وهذا إن صح عنه مفسد لعدالته, وعلق الذهبي على هذا بأنه صح عنه أنه يفعله, وكذلك صح عن الوليد بن مسلم وعن جماعة كبار فعله, وهذا يليه منهم ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد, وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس أنه تعمد الكذب, وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم.
стр. 242
وقال السيوطي في التدريب: "وهذا النوع من التدليس يسميه القدماء تجويدا, فيقولون: "جوده فلان"أي ذكر من فيه الأجواد وحذف غيرهم", قال الشافعي: "يثبت أصل التدليس بمرة واحدة"وقال ابن الصلاح: "والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين, قد أجراه الشافعي فمن عرفناه دلس مرة, وممن حكى هذا القول عن الشافعي البيهقي في المدخل".
طبقات المدلسين:
المدلسون ليسوا على حد واحد بحيث تتوقف في كل ما قال فيه كل واحد منهم (عن) أو وحدة من أختيها اللتين تقدمتا معها أو بغير أداة ولم يصرح بالسماع بل هم خمس طبقات:
أولا: من لم يوصف بالتدليس إلاّّ نادرا جدا بحيث ينبغي ألا يعد في المدلسين كيحيي بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة وموسى بن عقبة, ممن سيأتي ذكرهم في طبقتهم إن شاء الله.
ثانيا: من احتمل الأئمة تدليسه وخرّجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع, وذلك لواحد من أسباب ثلاثة:
أ - إ ما لإمامته.
ب - وإما لقلة تدليسه في جنب ما روى
ج - وإما لأنه لا يدلس إلاّ عن ثقة, كالزهري وسليمان الأعمش وإبراهيم النخعي وإسماعيل بن أبي خالد وسليمان التيمي وحميد الطويل والحكم بن عتيبة ويحي بن أبي كثير وابن جريح والثوري وابن عيينة وشريك القاضي وهشيم, ممن ستأتي تراجمهم في طبقتهم - إن شاء الله -, ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع وحمل بعض الأئمة ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد من أمثال هؤلاء لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوها عن شيخه, ولكن في هذا نظر؛ بل الظاهر أن ذلك لواحد من الأسباب الثلاثة التي تقدمت آنفا, وهذا هو الراجح, قال البخاري: "لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور في جملة مشايخ كثيرين من قال: لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسا ... ما أقل تدليسه".
стр. 243
ثالثا: من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا إلاّ بما صرحوا فيه بالسماع, وقبلهم آخرون مطلقا, كالطبقة التي قبله, لأحد أسباب التي تقدمت كالحسن وقتادة وأبي إسحاق السبيعي وأبي الزبير المكي وأبي سفيان طلحة بن نافع وعبد الملك بن عمير.
رابعا: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلاّ بما صرحوا فيه بالسماع لغلبه تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجاهيل ... وذلك كمحمد بن إسحاق وبقية وحجاج بن أرطاة وجابر الجعفي والوليد بن مسلم وسويد بن سعيد وأضرابهم ممن يأتي ذكره إن شاء الله.
فهؤلاء الذين يحكم على ما رووه بلفظ (عن) بحكم المرسل.
خامسا: من قد ضعف بأمر آخر غير التدليس, فرَدُّ حديثهم بالتدليس لا وجه له؛ إذ لو صرح بالتحديث لم يكن محتجا به.. كأبي خباب الكلبي وأبي سعيد البقال ونحوهما, فليعلم هذا فإنه نافع في معرفة هؤلاء.
وهذا كله في تدليس الراوي ما لم يتحمله أصلا بطريق, فأما تدليس الإجازة والمناولة والوجادة بإطلاق (أخبرنا) , فلم يعده أئمة هذا الفن في هذا الباب, كما قيل في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب, ورواية مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه, وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري, وشبه ذلك, بل هذا النوع إما محكوم له بالانقطاع أو يعد متصلا, ومن أمثلته ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه كان يقول - فيما لم يسمع من البغوي-: "قرىء علي أبي القاسم البغوي حدثكم فلان"ويسوق السند إلى آخره, بخلاف ما هو سماعه فإنه يقول فيه: "قرىء علي أبي القاسم البغوي وأنا أسمع"أو "أخبرنا أبو القاسم البغوي قراءة", ونحو ذلك..فأما أن يكون للدار قطني إجازة شاملة بمرويات البغوي كلها فيكون ذلك متصلا أو لا يكون كذلك فيكون وجادة, وهو قد تحقق صحة ذلك عنه.
стр. 244
هذا مع أن التدليس بعد سنة ثلاثمائة يقل جدا, قال الحاكم: "لا أعرف في المتأخرين من يذكر بالتدليس إلاّ أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي".
قال أبو عمر بن عبد البر: "التدليس في محدثي أهل الكوفة كثير".
قال يزيد بن هارون: "لم أر بالكوفة أحد إلاّ وهو يدلس إلاّ مسعرا وشريكا".
قال الحاكم: "وأهل الحجاز والحرمين ومصر وخراسان, وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا نعلم أحدا من أئمتهم دلسوا", ثم قال: "وأكثر أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة, وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبا بكر الباغندي فإنه أول من أحدث التدليس ببغداد, ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك.. هذا وإليك المدلسين مرتبين على الحروف الأبجدية.
(الهمزة)
١- إبراهيم بن محمد بن أبي يحيي الأسلمي الشافعي: من الطبقة الخامسة لأنه ضعفه الجمهور, قال يحيي بن سعيد: "سألت مالكا عنه أكان ثقة في الحديث؟ فقال: لا, ولا في دينه", وقال الإمام أحمد: "تركوا حديثه", قدري معتزلي من رجال ابن ماجة, وضعفه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما بالتدليس, توفي سنة ١٨٤.
٢- إبراهيم بن سليمان الأفطس: عن مكحول وغيره, من الطبقة الثانية, قال أبو حاتم: "لا بأس به", وأشار البخاري إلى أنه كان يدلس وهو من رجال الترمذي وابن ماجة.
٣- إبراهيم بن زيد النخعي: الفقيه المشهور في التابعين من أهل الكوفة, ذكر الحاكم أنه كان وهو من الطبقة الثانية, قال أبو حاتم: "لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ﵂, ولم يسمع منها, وكان يرسل كثيرا, ولاسيما عن ابن مسعود وجدث عن أنس وغيره مرسلا, وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أحمض شيء وكانوا يتعجبون منه, وهو من رجال الجماعة.. توفي سنة ٩٣.
стр. 245
٤- أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني: الحافظ أبو نعيم صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة, منها حلية الأولياء, ومعرفة الصحابة, وغيرها, كانت له إجازة من أدركهم ولم يلقهم فكان يروي عنهم بصيغة (أخبرنا) ولا يبين كونها إجازة, لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول (حدثنا) , ساء أكان ذلك قراءةً أو سماعاً, وهو اصطلاح له, تبعه عليه بعضهم, وفيه نوع من التدليس بالنسبة لمن لا يعرف ذلك.
٥- أحمد بن محمد إبراهيم بن حازم السمرقندي: أبو يحيي الكرابيسي, محدث مشهور في الطبقة الأولى, سمع محمد بن نصر المروزي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب كتاب التوحيد المشهور في عقيدة السلف, قال الإدريسي: "أكثر عن محمد بن نصر فاتهم في ذلك", يعني أنه دلس عنه الإجازة فإن له منه إجازة صحيحة, قال الإدريسي: "رأيتها بخط محمد بن نصر".
٦- أحمد بن محمد بن يحيي بن حمزة الدمشقي القاضي: أكثر عن أبيه عن جده, قال أبو حاتم الرازي:"سمعته يقول: "لم أسمع من أبي شيئا", وقال أبو عوانة الاسفراييني:"أجاز له أبوه فروى عنه بذلك", يعني ولم يبين كونها إجازة من الطبقة الأولى. لم أجد له وفاة.
٧- أحمد بن عبد الجبار العطاردي الكوفي: محدث مشهور, تكلموا فيه, من الطبقة الثالثة, قال ابن عدي: "لا أعلم له خبرا منكرا, وإنما نسبوه إلى أنه لم يسمع من كثير ممن حدث عنهم".
٨- إسحاق بن راشد الجزري: - بالجيم - هكذا في طبقات المدلسين للحافظ, وفي الميزان للذهبي: الجندي - بالجيم والنون والدال المهملة - من الطبقة الأولى, كان يطلق (حدثنا) في الوجادة, فإنه حدث عن الزهري, فقيل له: "أين لقيته؟ "قال مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا", حكى ذلك الحاكم في علوم الحديث عن الإسماعيلي.
стр. 246
٩- إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي: من صغار التابعين, ومن الطبقة الثانية, وصفه بالتدليس النسائي وغيره, قال أبو نعيم: "مات ١٤٦هـ".
١٠- إسماعيل بن عياش أبو عتبة العنسي: - بعين مهملة ونون ساكنة - عالم أهل الشام في عصره, مختلف في توثيقه, وحديثه عن الشاميين مقبول عند الأكثر, من الثالثة, أشار ابن معين ثم ابن حبان في ثقاته إلى أنه كان يدلس, توفي سنة ١٨١هـ.
١١ - أشعت بن عبد الملك الحمراني البصري: من الطبقة الثانية, قال معاذ بن معاذ: "سمعت الأشعت يقول: "كل شيء حدثتكم عن الحسن البصري فقد سمعته منه إلاّ ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه ركع قبل أن يصل الصف, وحديث حمزة الضبي عن الحسن أن رجلا قال لرسول الله: "متى تحرم علينا الميتة؟ ". وحديث عثمان البتي عن الحسن عن علي في الخلاص. ويعني الخلاص في هذا الحديث: الخلاص في البيع, كما في مصنف ابن أبي شيبة في كتاب البيوع تحت عنوان (الخلاص في البيع) قال ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن عثمان عن البتي عن الحسن أن عليا كان يحسن في الخلاص, قال ابن الأثير: "الخلاص الرجوع على البايع بالثمن إذا خرجت العين مستحقة", ويؤخذ من تصرف ابن أبي شيبة أنهم كانوا يشرطون الخلاص, وهو أنه إذا خرج البيع مستحقا رجع المشتري على البائع بالثمن مع ما يلحقه من غرم إن كان, والله أعلم.
"توفي الحمراني سنة ١٤٦هـ"قاله ابن سعد.
١٢- أيوب ابن أبي تميمة السختياني: - بفتح السين المهملة وكسرها - أحد الأئمة, متفق على الاحتجاج به, رأى أنسا ولم يسمع منه, فحدث عنه بعدة أحاديث بالعنعنة, أخرجها عنه الدارقطني والحاكم في كتابيهما, وهو في الطبقة الأولى, روى له الجماعة توفي سنة ١٣١هـ.
стр. 247
١٣- أيوب بن النجار: وهو أيوب بن يحي, والنجار لقب له, يمامي من الطبقة الأولى, صح عنه أنه قال: "لم أسمع من يحيي بن أبي كثير إلاّ حديثا واحد", وقد روى عنه أكثر من حديث.
стр. 248
في إفريقية الخضراء
للشيخ محمد بن ناصر العبودي
الأمين العام للجامعة
كتاب جديد - تحت الطبع - لفضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي يتحدث فيه المؤلف عن مشاهداته وذكرياته, وعن أحوال المسلمين في إفريقية الخضراء, وكنت أودّ أن أنشر في هذا العدد فصلا من هذه المشاهدات والذكريات, ولكن آثرت تأخير ذلك إلى العدد القادم, حيث أقدّم للقراء في هذا العدد الكلمة التي صدّر بها المؤلف كتابه, وذلك لأهميتها في إعطاء القارئ صورة واضحة عن الكتاب والظروف والملابسات التي أحاطت به وجعلته يأخذ طريقه إلى النور.
المحرر
لقد أسّست الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لكي تستقبل العدد العديد من أبناء المسلمين في شتى أنحاء العالم، فتوفر لهم الدراسة الإسلامية النقية في عاصمة الإسلام الأولى، لكي يعودوا - بعد إتمام دراستهم- إلى بلادهم دعاة للخير ومرشدين إلى الحق، هداة للنور الإسلامي المبين.
وقد درجت الجامعة الإسلامية على أن تخصص كل عام منحا دراسية توزعها على المسلمين في مختلف الأقطار تختص من يستفيدون منها من قبل أن يغادروا بلادهم حتى يعودوا إليها.
وكانت الرئاسة الجامعة الإسلامية تضع في الاعتبار الأول حاجة القطر الذي تخصص له المنحة الدراسية الإسلامية إلى تعليم الإسلامي قبل النظر في حجمه السكاني، أو مساحته القطرية، أو كثرة النسبة العددية للمسلمين فيه، وذلك من باب البداءة بالأهم قبل المهم، والأولى على غيره.
стр. 249
ولكن كانت رئاسة الجامعة تجد شيئاً من الغموض عندما تحاول أن ترسم التقرير الصحيح لبعض البلدان الإسلامية أو البلدان التي يقطنها المسلمون، وذلك بسبب نقص المعلومات، لذلك طرح هذا الموضوع على البحث في مجلس الجامعة في أخريات عام ١٣٨٣هـ الموافق لعام ١٩٦٤م وهو العام الثالث لإنشاء الجامعة، فرأى المجلس إيفاد بعثة تحت رئاسة الأمين العام للجامعة (كاتب هذه السطور) تسافر إلى بعض الأقطار الإفريقية المحتاجة للتعليم الإسلامي، وتطّلع على أحوال المسلمين هناك. ثم تأتي بتقارير وافية عما شاهدته ... وهكذا سارع صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نائب رئيس الجامعة الإسلامية، إلى العمل على إنجاح المشروع كعادته الجيّدة في المسارعة في فعل الخيرات..
وكان أن رفعت الرئاسة الجامعة الإسلامية الأمر إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز حفظه الله، وذلك للعرض على جلالته وطلب الموافقة فحظي بالموافقة السامية، بل إن جلالته لم يقتصر على ذلك، وإنما أمر أن تصطحب البعثة معها مبالغ من المال تدفع باسم الجامعة في المدينة المنورة إلى المؤسسات والمدارس والهيئات الإسلامية في البلاد التي تزورها البعثة على ألا يعلن عن ذلك - أي عن المبالغ المالية شيء -, وألا ينشر عنه شيء في الصحف في حينه، وأن يكون عمل البعثة مقتصرا على النشاط الإسلامي وألا تقحم نفسها في أيّ نشاط سياسي قد يؤثر على أداء مهمتها الإسلامية الخالصة..
خطة العمل:
تألفت البعثة على النحو التالي:
محمد بن ناصر العبودي، الأمين العام للجامعة، (كاتب هذه السطور) رئيساً.
فضيلة الشيخ عمر محمد فلالي، مدير دار الحديث بالمدينة، والمدرّس بالمسجد النبوي الشريف. عضوا.
أبي بكر جابر بن موسى، المدرس بالجامعة الإسلامية، والواعظ بالمسجد النبوي الشريف. عضوا.
ورسمت رئاسة الجامعة عمل البعثة كما يلي:
стр. 250
١- الاتصال بزعماء المسلمين وعلمائهم في الدول التي تزورها البعثة للاطلاع على أحوال المسلمين وفهم مشاكلهم.
٢- إلقاء محاضرات وكلمات دينية في الأندية والمساجد والجمعيات الإسلامية.
٣- تنظيم جداول إحصائيات للسكان المسلمين في كل قطر ومواضع سكناهم منه، ونسبتهم إلى مجموع سكانه من غير المسلمين.
٤- تقدير الحاجة لكل بلد إلى المساعدات التي يمكن تقديمها سواء من الجامعة الإسلامية، أو من الهيئات الأخرى من المملكة.
٥- بذل المساعدات المالية للجمعيات والهيئات، والأفراد الدعاة من المسلمين، للمساعدة على بناء المساجد أو سير الدراسة في المدارس وتشجيع الدعاة على الدعوة، وذلك في حدود المبالغ المالية التي تحملها البعثة.
٦- توزيع المصاحف والكتب والمطبوعات الإسلامية على من ذكر حسب تقدير البعثة، على أن تعد بذلك بيانات ترسل بواسطة إحدى السفارات السعودية العربية من البلد الذي تصرف له الكتب.
٧- الإطلاع على النشاط الموجود في الدعوة إلى الإسلام بين المواطنين وغيرهم في كل بلد ومعرفة ما إذا كان هناك نشاط معاد للإسلام فيه ومدى فعاليته..
٨- كتابة إيضاحات مفصّلة عن أحوال المسلمين المادية، ومركزهم الاجتماعي في كل بلد تزوره البعثة.
٩- تنظيم الجداول بعناوين، ومراكز الهيئات والشخصيات الإسلامية في كل بلد تزوره البعثة ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة.
١٠- تحري الجمعيات والشخصيات الإسلامية التي تستحق المساعدة أكثر من غيرها, إما لاتساع نشاطها، أو إخلاص أفرادها، أو لأنه يرجى أثرها في الدعوة أكثر من غيرها، وذلك ليكون لها الأولية من المساعدات في المستقبل إذا لم يمكن تعميم المساعدة الجميع.
١١- تقدير المنح الدراسية التي يحتاجها كل بلد في الجامعة الإسلامية حسب درجة حاجته للتعليم الإسلامي.
١٢- المساعدة على طبع النشرات والكتيبات الإسلامية في حدود إمكانات البعثة.
следующие страницы →