Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
وقد قال أحد علماء الفيلولوجيين أي علماء اللغات: إن لغة سكان أستراليا الأصليين لا تزيد مفرداتها على مائة لأنهم أبعد الناس على المدنية التي تستلزم مخالطة الأمم الأخرى وتبادل المنافع معها، فكلما عظمت اللغة دلت عظمتها وثروتها ووفرة ألفاظها على مخالفة أهلها لشعوب أخرى واقتباسها منهم فهي تعطي وتأخذ.. وقد أخبرنا القرآن أن قريشا كانت لهم رحلتان رحلة في الشتاء إلى جنوب الجزيرة العربية اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام وكانوا تجارا ينقلون البضائع من بلد إلى بلد، وكانت مكة شرفها الله تعالى مركزا عظيما للتجارة قبل الإسلام فكانت تنقل إليها البضائع من الشرق والغرب والجنوب والشمال فكيف يتصور أن لغة العرب تبقى مغلقة مختوما عليها لا تخرج منها كلمة ولا تدخلها كلمة. والأئمة الذين أنكروا وجود كلمات غير عربية في القرآن تمسكوا بظاهر قوله تعالى في صورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة النحل١.٣: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، وما أشبه ذلك وهم على حق فيما قالوا ,فليس في القرآن كلمة أعجمية باقية على عجمتها البتة، فكل ما في القرآن من الكلمات كانت تنطق به العرب وتفهمه وهو جار على سنن كلامها لا خلاف في ذلك نعلمه، إنما الخلاف في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟
стр. 1962
قال السيوطي في الإتقان: " قد أفردت في هذا النوع كتابا سميته (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) وأنا ألخص هنا فوائد فأقول: اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك.
وقال أبو عبيدة: "إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن ﴿لدا﴾ بالنبطية فقد أكبر القول"، وقال ابن فارس:"لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها".اهـ.
стр. 1963
قال محمد تقي الدين: "إنما يمكن أن يقال ذلك إذا كان في القرآن تراكيب أعجمية، أو كلمات باقية على عجمتها، أما وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ونحت بها مناحي كلماتها ودخلت في أوزانها فلا يمكن أحدا أن يدعي ذلك فيها، وقد رد القرآن نفسه على من زعم ذلك من أعداء الإسلام الأولين، فقال تعالى: في سورة النحل ١٠٣: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله بأشد أساليب التحدي، فقال تعالى في سورة البقرة ٢٣ـ ٣٤: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى في سورة الإسراء ٨٨: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ فأي عدو يسمع مثل هذا التحدي لا يبذل قصارى جهده في معارضة عدوه وإبطال تحديه ولو أن إحدى الدولتين لمتعارضتين اليوم وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي صنعت إحداهما سفينة فضائية مثلا وقالت للأخرى: انك لن تستطيعي أن تصنعي مثلها لغضبت الدولة المتحداة ولم يقر لها قرار، حتى تصنع سفينة مماثلة أو فائقة لما صنعته الدولة المتحدية.
стр. 1964
وها نحن اليوم نرى الصين الشيوعية لما رأت عدوتها الولايات المتحدة متفوقة في صنع القنابل الذرية والهيدروجينية فقدت عقلها حنقا وغيظا وهي جادة في صنع هاتين القنبلتين، وزادها غيظا أن أختها في الشيوعية دولة الاتحاد السوفياتي ضنت عليها بالمساعدة على التوصل إلى هذا الغرض مع أن الولايات المتحدة لم تتحد الصين إلا بلسان الحال، بل هذه فرنسا قلبت ظهر المجن لحليفتها الولايات المتحدة وبريطانيا لأنهما لم يشركاها فيما وصلتا إليه من صنع القنبلتين المذكورتين إلا بقدر ضئيل لا يشبع نهمتها. ولم يقل أحد من العرب المعادين للإسلام إن الذي منعهم من معارضة القرآن هو وجود كلمات فيه غير عربية بل سلموا أنه كله عربي.
أما كتاب السيوطي الذي سماه (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) فلا نعلم أنه موجود في هذا الزمان، لكن الملخص الذي نقله منه مؤلفه في كتاب الإتقان لا يدل على أن المؤلف - مع غزارة علمه - كان أهلا أن يؤلف في هذا الباب لأنه فيما يظهر لم يكن يعرف إلا اللغة العربية والمؤلف في هذا الموضوع يحتاج إلى إلمام باللغات التي قيل أن بعض مفرداتها قد عرب ودخل في القرآن، فإن لم يعلم بها كلها فلا أقل من الإلمام ببعضها، وأكثر علماء العرب مقصرون في علم اللغات, والذين يعرفون شيئاً من اللغات الأخرى منهم قليل. وقد كان عمر ﵁ يعرف اللغة العبرانية ويقرأ التوراة ويفهمها.
وقال الترمذي في جامعه (باب تعليم السريانية) ثم روى بسنده إلى زيد بن ثابت قال:"أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كلمات من كتاب يهود وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي، قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم". هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1965
قال العالم الرباني أستاذي عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبار كفوري الهندي ﵀ رحمة واسعة في شرح هذا الحديث من كتابه (تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي ج ٣ ص٣٩٢) ما نصه: "قال القاري: قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا للتوقي والحذر عن الوقوع في الشر كذا، ذكره الطيبي في ذيل كلام مظهري وهو غير ظاهر إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم من اللغات سريانية أو عبرانية هندية أو تركية أو فارسية وقد قال تعالى سورة الروم الآية ٢٢: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي لغاتكم بل هو من جملة المباحات. اهـ.
وهذا الحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وذكره في صحيحه تعليقا، ومعنى الحديث أن النبي ﷺ أمر الصحابي الجليل كاتب الوحي زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود وفي رواية "أمره أن يتعلم السريانية"وعلل ذلك بأنه ﵊ لا يأمن اليهود أن يقرءوا له كتابا يأتيه منهم لئلا يزيدوا فيه وينقصوا أو يبدلوا ويغيروا، فتعلم زيد ما أمره به النبي ﷺ في نصف شهر.وقد يشكل فهم هذا من وجهين:
الأول: أن المعهود من اليهود أن يتكلموا ويكتبوا بالعبرانية لا بالسريانية.
стр. 1966
الثاني: كيف يستطيع متعلم أن يتعلم لغة أجنبية في نصف شهر؟ والجواب عن الأول أن اليهود في زمان النبي ﷺ بل في زمان عيسى بن مريم وقبله بزمن لم يكونوا يتكلمون ويكتبون بالعبرانية لأنها كانت قد انقرضت ولم يبق منها إلا كلمات قليلة تردد في الصلوات، وكان اليهود يكتبون علومهم الدينية والدنيوية ويتخاطبون بالسريانية، وإنما جددوا العبرانية وأحيوها وبذلوا في ذلك جهودا عظيمة في هذا العصر الأخير. والجواب عن الثاني: أن زيدا لم يتعلم اللغة في نصف شهر وإنما تعلم الكتابة والقراءة، أما معاني لغة اليهود فكان يفهمها لأنها كانت لا تزال قريبة جدا من لغة العرب، ولأن قبائل من اليهود كانت مساكنة للأنصار وتعلم اللغات الأجنبية للانتفاع بها في أمور الدين والدنيا أمر محمود إذا لم يكن على حساب لغة القرآن كما يفعل سكان المستعمرات المتهوكون في زمان الاستعمار وبعده فيحقرون لغة القرآن وهي لغة دينهم وتاريخهم ومجدهم ويتعلمون لغة المستعمر ويتطاولون بها ويشمخون بأنوفهم ويتراطنون بها بغير ضرورة ويحتقرون شعوبهم لعدم استعمال تلك اللغة الأجنبية فهؤلاء أعضاء مجذومة في جسم الأمة يجب قطعها وهم يعلمون أن جميع الأمم تحتقرهم لأنه لا يكون لهم فضل بتعلمهم تلك اللغة الأجنبية إلا إذا أتقنوا لغتهم وكانوا أعضاء نافعين في أمتهم، ولكن..
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام.
ثم قال السيوطي: "قال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد".اهـ.
стр. 1967
قال محمد تقي الدين: ابن جرير إمام المفسرين في زمانه وما بعده وفد أخطأ في هذا الرأي إذ لا يمكن أن تتكلم هذه الشعوب المتباينة في أنسابها ولغتها المتباعدة في أوطانها على سبيل المصادفة والاتفاق وتوارد الخواطر بتلك الكلمات الكثيرة العدد على أن الذين قالوا في القرآن كلمات كانت في الأصل غير عربية ثم صارت بالاستعمال عربية لم يقل أحد منهم أن الكلمة التي أصلها فارسي قد اتفق فيها الفرس مع العرب والنبط والحبشة، بل إذا كانت الكلمة فارسية كالأباريق مثلا لم تكن حبشية ولا نبطية والكلمة التي قيل إنها حبشية (كابلعي) من قوله تعالى: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ لم يقل أحد أنها توافق الفارسية والنبطية..وهكذا يقال في سائر الكلمات كما سيأتي في ذكر الكلمات التي نسب أصلها إلى غير العربية. ثم قال السيوطي: "قال غيره بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظا غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن". انتهى. هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ثم ذكر السيوطي آراء أخرى يظهر زيفها عند الامتحان فأعرضت عن نقلها. ثم نقل عن الجويني ما معناه في القرآن وعد ووعيد، والوعد يذكر فيه ثواب المطيعين وما أعد الله لهم في الدارين مما تشتهيه أنفسهم ويرغبهم في فعل الطاعات وذلك يتضمن مآكل ومشارب وثيابا ومساكن طيبة وحورا عينا وفرشا طيبة وغلمانا للخدمة وبعض تلك الأمور صنعته أمم غير عربية وسمته بكلمات من لغاتها فنقله العرب عنها فصار ذكره في وصف النعيم والعيشة الراضية لابد منه وهو ما غلظ من ثياب الحرير, وضرب لذلك كلمة إستبرق مثلاً, وهو ما غلظ من ثياب الحرير, والسندس مارق منه. قال البيضاوي وهو معرب (استبره) بالفارسية فلو أريد التجنب استعمال كلمة إستبرق، فأما أن يترك ذكر هذا النوع من
стр. 1968
الثياب أصلا فلا يتم المقصود وهو وصف العيشة الراضية، وإما أن يعبر عنه بكلمتين أو أكثر كثياب الحرير الغليظة فتفوت البلاغة إذن فلابد من التعبير به ليكون الكلام بليغا. ثم قال السيوطي: "قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى هذا القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية، والصواب عندي ما ذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفظها، فصارت عربية ثم نزل القرآن بها وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون".اهـ.
الكلمات المشتركة
أول القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اشتملت على أربع كلمات اسم، الله، الرحمن، الرحيم، ابدأ بالكلام على الرحمن. قال السيوطي في كتاب الإتقان: "ذهب المبرد وثعلب إلى أنه عبراني وأصله بالخاء المعجمة. قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الفرقان الآية ٦: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ الآية. لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا: ﴿أنسجد لما تأمرنا﴾ ؟ أي للذي تأمرنا يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه".اهـ..
وهذا يدل على ما قلته سابقا من جهل علماء العرب باللغات حتى أخوات لغتهم كالعبرانية والسريانية، فالرحمن كلمة عربية خالصة من الرحمة بزيادة الألف والنون كظمآن وعطشان، وكانت العرب تعرفه وتفهم معناه وقد سموا به مسيلمة الكذاب فكانوا يدعونه (رحمان اليمامة) ولكنهم لجهلهم لم يكونوا يعلمون أنه من أسماء الله.
стр. 1969
ومن أعجب العجب قولهم إنه عبراني وإن أصله بالخاء المعجمة، والخاء المعجمة لا وجود لها في العبرانية استقلالا وإنما تنطق الكاف بها إذا جاءت قبلها حركة مثل (هبراخا) البركة ومثل باروخ، أي مبارك ومعناه بالعبرانية هو معناه بالعربية، إلا أنه في اللغة العبرانية، صفة عامة لكل من في قلبه رحمة ليس خاصا بالله تعالى، إذن فهو من الكلمات المشتركة بين العبرانية والعربية وهي كثيرة تعد بالآلاف، وهذه الكلمات الأربع التي في البسملة كلها مشتركة بين اللغتين، فالاسم (شم) بإبدال السين شينا وذلك كثير في العبرانية، والله (الوهيم) والرحمن لفظه بالعبرانية كلفظه بالعربية إلا أداة التعريف فإنها بالعبرانية (هارحمان) والرحيم بالعبرانية (هارحوم) .. وهذه الكلمات الكثيرة المشتركة بين اللغات السامية هي أصلية في كل واحدة منها، لا يقال إن إحداهن أخذتها من الأخرى وهذا هو الشأن في كل مجموعة من اللغات ترجع إلى أصل واحد كاللغات اللاتينية كالإيطالية والإسبانية والفرنسية والرومانية والبرتغالية, ومجموعة اللغات الجرمانية كالألمانية والهولندية والفلمنكية والسويدية والنرويجية والدانماركية.
لفظ الجلالة (الله) هل هو مشتق أو مرتجل؟
стр. 1970
ومن ذلك المعركة الكبرى التي خاضها علماء العربية في لفظ الجلالة (الله) أهو مرتجل أم مشتق؟ وإن كان مشتقا فهل اشتقاقه من (أله) أو من (وله) أو من (لاه) وما هو أصله على كل من هذه الأوجه وماذا جرى عليه من الحذف والإدغام حتى بلغ صورته التي هو عليها؟ ومن تعلم شيئا من اللغات السامية أخوات اللغة العربية لا ينقضي عجبه من الخائضين في تلك المعركة ويرى جهودهم ضائعة ويحكم يقينا أن الاسم الكريم مرتجل بلا مرية وهو بعيد كل البعد من الاشتقاق، فإنه ثابت بهذا اللفظ في جميع اللغات السامية ففي السريانية (ألاها) والشرقيون منهم ينطقون به (ألاهو) وهو كذلك في الآشورية بفتح الهمزة في اللغات الثلاث وبالعبرانية (ألوهيم) . ولا تختلف الشعوب السامية فيما أعلم في هذا الاسم الكريم وكذلك في مجموعة اللغات اللاتينية، وفي مجموعة اللغات الجرمانية الاسم الكريم عندهم واحد مهما اختلفت لغاتهم في الكلمات الأخرى لا تختلف فيه.
مثال يدل على تقارب اللغتين العربية والعبرانية
стр. 1971
جاء في ترجمة يوسف روفلين للقرآن الكريم بالعبرانية في أول سورة الصف ما نصه مع استبدال الحروف العبرانية بحروف عربية (باراششت همعراخا) سورة المعركة (بشم الوهيم هارحمان هارحوم يشبح أث الوهيم كل أشر بشاميم وغل أشر باآرص وهو هكبور وهحاخام همأمنيم لا ماتوا مروات أثر لو تعسوا) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ . فأنت ترى أن الألفاظ كلها مشتركة من أول البسملة إلي قوله تعالى: (لم) إلا أن لفظ (سبح) أبدلت سينه شينا وحل المضارع محل الماضي، وهذا الفعل في العبرانية متعد بنفسه وكذلك في العربية قال تعالى في سورة ق.٤٠: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وإلا ترجمة (ما) الموصولة بـ (أشر) وزيادة (كل) لأن الترجمة إنما هي تفسير وإبدال سين السماوات شينا وجمعها بالياء والميم واستعمال (باء) الجر في موضع (في) وهو جائز في العربية قال تعالى في سورة الصافات ١٣٧ ـ ١٣٨ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وإبدال ضاد الأرض صادا وإبدال العزيز بالجبار (هكبور) وهما متقاربان في المعنى وإبدال الحكيم (هحاخام) وهما شيء واحد إلا أن الكاف أبدلت خاء.
وترجمت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بـ (همأمينيم) يعني المؤمنين. وترجمت (لم) بـ (لاما) وتقولون بـ (تومرو) وترجمت (لا) بـ (لو) وهما شيء واحد بإمالة الألف إلى الواو وترجمت تفعلون بـ (تعسوا) الواو في (تومور وتعسوا) واو الجماعة وحذفت النون فيهما بلا ناصب ولا جازم كما تحذف في العمليات العربية وهذه النون هي نون الرفع وهي ثابتة في التوراة في مواضع تفوق الحصر وليس كما قال بعض المستشرقين في خمسة مواضع فقط.
أمثلة من الكلمات التي قيل إنها وقعت في القرآن من غير العربية
стр. 1972
١ ـ أباريق
قال السيوطي في الإتقان: "حكى الثعالبي في فقه اللغة أنها فارسية، وقال الجوالقي الإبريق فارسي معرب ومعناه طريق الماء أو صب الماء على هينة. قال في لسان العرب والإبريق إناء وجمعه أباريق فارسي معرب، قال ابن بري شاهده قول عدي ابن زيد:
ودعا بالصبوح يوما فجاءت
قينة في يمينها إبريق
وقال كراع هو الكوز وقال أبو حنيفة مرة هو الكوز وقال مرة هو مثل الكوز وهو في كل ذلك فارسي وفي التنزيل ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ وأنشد أبو حنيفة لشبرمة الضبي:
كأن أباريق الشمول عشية
إ وز بأعلى الطف عوج الحناجر
وقال الفيروز أبادي في القاموس: "الإبريق معرب (اب ر ي) جمع أباريق."اهـ.
قال بعض العلماء هو مركب من كلمتين (آب) وهو الماء و (راه) وهو الطريق، وقيل مركب من (آب) وهو الماء و (ريختن) وهو الصب على مهل قاله أرثر جفري:
Arthur Jeffery by
في كتابه الألفاظ الأجنبية في القرآن:
the foreign vocabulary of the quran
٢ ـ الأب
قال السيوطي: " (آب) قال بعضهم وهو الحشيش بلغة أهل الغرب حكاه شيدلة".اهـ. ونقله عنه جفري وفسر لغة أهل الغرب بالبربرية. أقول وهذا من أعجب العجب ولا نعلم أن العرب كانت لهم علاقة بالبربر قبل الإسلام حتى تقتبس العربية من لغتهم ثم إن هذه الكلمة يبعد أن تكون بربرية لأنها لا تشبه الكلمات البربرية وإنما تشبه العربية والسريانية والعبرانية. وقال جفري أنه مأخوذ من (أبا) الآرامية ومعناه الخضرة.
وقال في لسان العرب: "الأب الكلأ وعبر بعضهم عنه بأنه المرعى، وقال الزجاج: الأب، جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية، وفي التنزيل العزيز ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ , قال أبو حنيفة سمى الله تعالى المرعى كله أبا.قال الفراء الأب ما يأكله الأنعام، وقال مجاهد: الفاكهة ما أكله الناس، والأب ما أكلت الأنعام، فالأب من المرعى للدواب كالفاكهة للإنسان. وقال الشاعر:
стр. 1973
جذ منا قيس ونجد دارنا
ولنا الأب به والمكرع
قال ثعلب: الأب كل ما أخرجت الأرض من النبات، وقال عطاء كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو الأب وفي حديث أن عمر بن الخطاب "قرأ قوله : ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ وقال فما الأب؟ ثم قال ما كلفنا وما أمرنا بهذا".اهـ.
وقال ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلي أنس قال قرأ عمر بن الخطاب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ قال قد عرفناها الفاكهة فما الأب؟ فقال لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلّف"فهو إسناد صحيح رواه غير واحد عن أنس به. وهذا محمول على أنه أراد يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾
٣ ـ ابلعي
قال السيوطي في الإتقان: "أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله تعالى ١١ـ٤٤: ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ ، قال بالحبشية ازدرديه، وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال اشربي بلغة الهند".اهـ.
وان تعجب فعجب قولهم إن (ابلعي) بلغة أهل الهند وهذا القول إلى الهزل أقرب منه إلى الجد وقائله ليس أهلا أن يؤخذ عنه العلم وإنما هو يهرف بما لا يعرف وأهل الهند أجناس كثيرة لهم مئات من اللغات ولا تكاد تسير مسافة يوم إلا وجدت جنسا آخر له لغة أخرى. وفي زماننا هذا نرى الدماء تسفك بينهم بسبب اللغات فلا يرضى جنس أن تكون لغة الدولة لغة أخرى غير لغته، وفي زمان الاستعمار لم تكن في الهند لغة يستطيع المسافر أن يتكلم بها ويجد من يفهم كلامه في جميع أنحاء الهند إلا لغتين إحداهما الإنكليزية وهي لغة الدولة الحاكمة، والثانية لغة المسلمين وهي لغة أوردو، على أن (بلغ) كلمة عربية سامية أصيلة عريقة في عروبتها وساميتها وترفع راية اللغات السامية وهي حرف العين.
стр. 1974
ومن المعلوم عند علماء اللغات أن العين والحاء لا توجدان إلا في اللغات السامية، فان وجدت إحداهما في كلمة من لغة غير سامية فتلك الكلمة طارئة واردة على تلك اللغة وبهذا يستدل الفيولوجيون على أن البربر من جزيرة العرب قبل خروج البابليين والآشوريين والكنعانيين والفينيقيين كما هو مبين في موضعه.
ونحن نرى إخواننا عامة المسلمين من أهل الهند يبذلون جهودهم في النطق بقوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك تستعين﴾ فلا يتمون النطق بالعينين حتى تغفر ذنوبهم من مشقة النطق بهما. ولذلك نرى السيوطي في كتاب الإتقان كحاطب ليل وليس عنده تحقيق ولا إتقان وهذا شأنه في علوم المنقول، أما في علوم المعقول كعلوم العربية فهو فارس لا يشق له غبار. وقد تحامل عليه الحافظ السخاوي في كتابه (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) فالله يغفر لهما جميعا.
٤ ـ أخلد
قال السيوطي في الإتقان قال الواسطي في الإرشاد أخلد إلى الأرض ركن بالعبرية. اهـ.
أقول: هذا القول لا يقوله إلا جاهل باللغات السامية فإن أخلد وخلد موجودتان في اللغتين كلتيهما ومتفقتان في معانيهما في الجملة فمن قال اتهما عبريتان وليستا عربيتين لقد قفاما لا علم له به ومن قال العكس فهو مثله، غير أن (أخلد) في العبرانية بالحاء المهملة، وكذلك (خلد) وقد تقدم أن الخاء المعجمة لا توجد بالأصالة في العبرانية وإنما توجد بالعرض في حرف الكاف إذا جاءت بعد حركة، ولم نر أحدا علماء اللغة العربية أشار إلى أن (أخلد) عبرانية كما ادعى هذا المدعي.قال في لسان العرب وخلد إلى الأرض وأخلد أقام فيها وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أن ركن إليها وسكن وأخلد إلى الأرض وإلى فلان أي ركن إليه ومال إليه ورضي به، ويقال خلد إلى الأرض بغير ألف وهى قليلة. اهـ.
стр. 1975
وقال البيضاوي في تفسيره ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ مال إلى الدنيا أو إلى السفالة ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات. اهـ.
٥ ـ الأرائك
قال السيوطي في الإتقان: "حكى ابن الجوزي في فنون الأفنان أنها السرر بالحبشية".اهـ.قال الراغب:"الأريكة حجلة على سرير جمعها (أرائك وتسميتها لذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجرة أو لكونها مكانا للإقامة من قولهم أرك بالمكان أروكا وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات"اهـ. وقال في لسان العرب والأريكة سرير في حجلة والجمع أريك وأرائك، وفي التنزيل ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قال المفسرون: الأرائك السرر في الحجال، وقال الزجاج: الأرائك الفرش في الحجال، وقيل: هي الأسرة وهي في الحقيقة الفرش كانت في الحجال أو في غير الحجال، وقيل الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة. وفي الحديث "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله"، الأريكة السرير في الحجلة من دونه ستر، ولا يسمى منفردا أريكة."اهـ. قال في اللسان: "والحجلة مثل القبة وحجلة العروس معروفة وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور"، فقد رأيت أن الأرائك كلمة عربية خالصة، وبطل ما ادعاه السيوطي ومن نقل عنه.
٦ ـ أسباط
قال السيوطي في الإتقان: "حكى أبو الليث في تفسيره أنها بلغتهم كالقبائل بلغة الغرب". اهـ.
وفي هذا الكلام شيء ساقط لأن الضمير في لغتهم لم يذكروا ما يعود عليه وهذا الساقط يحتمل أن يكون يدل على بني إسرائيل وكلام جفري يؤيد هذا الاحتمال وهذا نص ترجمته بالعربية..
стр. 1976
اضطر أبو الليث أن يعترف أنه أي السبط لفظ عبراني مستعار، قاله السيوطي في الإتقان. وقد أطال جفري البحث في هذا اللفظ وادعى أنه لم يستعمل في كلام العرب قبل استعماله في القرآن وربما يكون أول من استعمله محمد.
ونحن نقول لجفري وأمثاله من الذين أعمى التعصب بصائرهم وأفقدهم صوابهم: إن الله الذي أنزل التوراة والإنجيل اللذين تؤمن بهما أنت هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد بن عبد الله خاتم النبيين على رغم أنفك ولا ضير على القرآن أن يوجد فيه لفظ شاع استعماله في العبرانية لأن هاتين اللغتين نشأتا من أصل واحد وإذا جاز أن يكون في القرآن ألفاظ هي في الأصل فارسية مع أن لغة الفرس بعيدة من لغة العرب فما المانع أن توجد فيه ألفاظ عبرانية أو سريانية؟ وإذا اعتبرنا السبط اسما لقبيلة من قبائل بتي إسرائيل فالتعبير به طبيعي وهو أولى من التعبير عنه بالقبيلة لأنه صار شبيها بالأعلام التي يجب ذكرها بلفظها.
قال في لسان العرب:"والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب وهم الذين يرجعون إلى أب واحد، سمي سبطا ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق وجمعه أسباط.وقوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾ , ليس أسباطا بتمييز لأن المميز إنما يكون واحدا لكنه بدل من قوله ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ كأنه قال: جعلناهم أسباطا والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب". اهـ.
واصله بالعبرانية (شبط) على وزن ابل ومعناه القضيب والعصا والقبيلة.
٧ ـ إستبرق
قال السيوطي الإتقان:"أخرج ابن أبي حاتم أنه الديباج بلغة العجم".اهـ. وقال البيضاوي في قوله تعالى في سورة الدخان٥٣: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ .السندس مارق من الحرير والإستبرق ما غلظ منه معرب استبره".اهـ.
стр. 1977
قال جفري وهذا من الألفاظ القليلة التي اعترف المسلمون أنها مأخوذة من الفارسية وعزاه إلى السيوطي في الإتقان وفي المزهر حكاه فيه عن الأصمعي وإلى السجستاني في غريب القرآن وإلى الجوهري في الصحاح وإلى كتاب الرسالة للكندي وإلى ابن الأثير في النهاية قال وبعضهم يقول انه لفظ عربي مأخوذ من البرق ".اهـ.
٨ ـ السندس
قال في القاموس:"ضرب من رقيق الديباج معرب بلا خلاف".اهـ. وقال في لسان العرب السندس البزيون.
وفي الحديث "أن النبي ﷺ بعث إلى عمر بجبة سندس".
قال المفسرون في السندس أنه رقيق الديباج ورفيعه وفي تفسير الإستبرق أنه غليظ الديباج ولم يختلفوا فيه، الليث، السندس ضرب من البزيون يتخذ من المر عزى ولم يختلف أهل اللغة فيهما أنهما معربان".اهـ.
٩ ـ أسفار
قال السيوطي في الإتقان "قال الواسطي في الإرشاد هي الكتب بالسريانية وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هي الكتب بالنبطية".اهـ.
قال محمد تقي الدين: يا لله للعجب؟ كيف يقال: إن الأسفار جمع سفر- بكسر فسكون-ليس بعربي وإنما هو سرياني أو نبطي، لا جرم لا يقول ذلك إلا جاهل باللغات السامية، والحق الذي لاشك فيه أن السفر كلمة عربية خالصة وهي في الوقت نفسه عبرانية وسريانية ونبطية فهي من الألفاظ المشتركة بين اللغات السامية ليست واحدة منها أولى بها من غيرها.
стр. 1978
من الصحف والمجلات
العسل علاج لا يقدّر بثمن!
تحت هذا العنوان نشرت مجلة حضارة الإسلام قي عددها رقم ١ و٢ السنة الثانية عشرة، هذا المقال
ترجمة الطبيب محمد نزار الدقر: دكتوراه دولة بالأمراض الجلدية والتناسلية
[مقتبس عن كتاب (تقويم النخل) للبروفيسور ن. بوريش (أستاذ المداواة في معهد كييف الطبي) طبع في موسكو عام١٩٧..]
يعتبر العسل بحق مادة دوائية ثمينة فهو بالإضافة إلى كونه غذاء ممتازا للإنسان فهو يشفيه من كثير مما يعانيه من الأسقام.
ولقد استعمل الدكتور أ. بوداي العسل ممزوجا مع زيت السمك في معالجة الجروح المتقيحة والحروق، والتي استعصت على المعالجات الأخرى، وحصل على نتائج باهرة. كما طبقه كثير من الجراحين السوفييت أثناء الحرب الوطنية العظمى لمعالجة الجرحى وتوصلوا إلى نتائج علاجية جيدة.
ومنذ القديم، كتب ابن سينا أن العسل علاج رائع في معالجة أمراض القلب ونصح بتناوله على نطاق واسع بكميات معتدلة وممزوجا مع عصير الرمان الحلو، إذن من المعروف أن القلب بحالة عمل دائم وهو يحتاج إلى طاقة لا بد له لكي يؤمنها باستمرار من عنصر الغلوكوز (سكر العنب) ـ الذي يعتبر أهم مكونات العسل.
ولقد أدخلنا العسل في عداد القائمة الغذائية لعدد من المرضى المصابين بقصور في الجهاز القلبي الدوراني، فكان من نتيجتها أن استطعنا إبقاء هؤلاء المرضى بحالة معاوضة ممتازة دون تناول أي علاج آخر.
والعسل (أفضل صديق للمعدة) . هكذا تنادي الحكمة الشعبية الروسية. وبالفعل فإن الكثير مما نشره الباحثون، ومشاهدتنا خلال سنوات طويلة، كل هذا ينطق بما للعسل من تأثير حسن على سير عمليات الهضم. يفسر هذا ما يحتويه العسل من عناصر هامة كالمنغنيز والحديد وغيرها التي لا ينكر تأثيرها في إسراع وتحسين هذه العمليات.
стр. 1979
ولقد وصف الدكتور ف. غريغوريف مشاهدة سريرية لمريض مصاب بالتهاب معوي مزمن مع فرط حموضة في المعدة مترافق بآلام نوبية شديدة. عولج هذا المريض بعقاقير متنوعة لم ينتفع منها جميعها وكان شفاؤه بالنهاية بعسل النحل وحده.
أما لعلاج قرحة المعدة أو الاثنى عشرية، ففي كل من معهد كييف الطبي ن. يوريس ر. مييرزون, ومعهد كورسك الطبي (ف) مينشيكوف, (وس) فيلدمان, ومعهد أركوتسك (م. خوتكينا) , فقد جرب استعمال عسل النحل. وقد أعطت معالجة القرحة بالعسل نتائج مشجعة: ففي مدة قصيرة زالت الآلام القرحية وتحسنت شهية المرضى ونقصت مفرزات المعدة وحموضتها وزاد بالتالي وزن المرضى وارتفعت نسبة الهيموغلوبين في دمائهم.
وقد أثبتت جميع المشاهدات أنه بمعالجة مرضى القرحة بالمعالجات العدية مع الحمية المناسبة، فقد ثم شفاؤهم ببطء أكثر. في حين أن المعالجة بالعسل قصرت أمد هؤلاء المرضى في المشافي.
ونحن ننصح المصابين بالقرحة بتناول العسل قبل الفطور وقبل الغداء بساعة ونصف إلى ساعتين وبعد العشاء بساعتين إلى ثلاث ساعات. ويجب أن يكون على شكل محلول دافئ (تذوب كمية من العسل في مثليها من الماء المسخن) .
كما أثبتت التجارب الخواص المقوية للعسل وتأثيره العام على عضوية المرضى: فلقد زاد وزنهم, وزاد عدد الكريات الحمر والخضاب الدموي واعتدلت حموضة المعدة كما ونقصت نسبة التنبه في الجهاز العصبي مما جعل المرضى بشكل عام يشعرون بالراحة والنشاط.
стр. 1980
والعسل يساعد العضوية في كفاحها ضد الانتانات الرئوية كالسل الرئوي وخراجات الرئة والتهابات القصبات وغيرها. يثبت هذا نتائج مشاهداتنا على مجموعة من المصابين بالسل الرئوي أعطي كل منهم في حميته الخاصة من ١٠٠ ـ١٥٠غراما من العسل يوميا. كانت النتائج مشجعة. فقد تحسنت الحالة العامة عند المرضى وزاد وزنهم وتناقص السعال عندهم.وفي الدم ارتفعت نسبة الخضاب وعادت سرعة (التثفل) إلى الحدود الطبيعية، والنتائج العلاجية كانت جيدة إلا أنه لا يمكننا طبعا أن نعتبر العسل دواء نوعيا مضادا للسل.
وكما في الطب الشعبي، يؤيد البحت العلمي وصف العسل في أمراض الكبد. فقد ثبت أن الغلوكوز (سكر العنب) لا يعتبر فقط مادة مغذية لخلايا النسج إنما يزيد أيضا من قدرة الكبد على التخزين الغذائي حيث يدخر الغذاء على شكل مولد سكر العنب (الغليكوجين) كما ويحسن من عمليات الاستقلاب الخلوية. والغليكوجين يزيد من خاصيته العضوية في مقاومتها للانتان.ولقد أصبح العسل يستعمل في الأيام الأخيرة في أمراض الكبد والطرق الصفراوية مشركا مع الفيتامين (ج) , لغاية علاجية بحته.
ولقد اعتبر الرومان واليونانيون القدامى العسل بمثابة مادة مهدئة ومنومة. ولهذا فقد نصح ابن سينا بتناول العسل بمقادير قليلة في حالات الأرق. أما الكميات الكبيرة منه فيمكن أن تؤدي إلى فرط تنبه في الجهاز العصبي.
ولقد أثبتت المشاهدات السريرية الخواص الدوائية للعسل في معالجة أمراض الجهاز العصبي. فقد بين البروفسور ن. بوغوليبوف، وف. كيسيلييفا نجاح المعالجة بالعسل لمريضين مصابين بداء الرقص، (داء الرقص هو عبارة عن تقلصات عضلية لا إرادية تؤدي إلى حركات عفوية في الأطراف) . ففي فترة امتدت ثلاثة أسابيع أوقفت خلالها كافة المعالجات الدوائية الأخرى حصلوا على نتائج باهرة: فلقد استعاد المرضى نومهم الطبيعي وزال الصداع المرفق ونقص التهيج والضعف العام.
стр. 1981
والعسل مادة غذائية لا بديل لها للمرضى المبضوعين في عمليات الوجه والفكين. ففي الوقت الذي يحتاج فيه هؤلاء المرضى إلى حمية، لا يكتفي فقط باحتوائها على متطلباته من الحريرات، وإنما يتطلب منها أن تعمل بقدر الإمكان على تسريع التئام الجروح، وهذا ما يحققه العسل.
ومع أن العسل لا يدخل في عداد العقاقير المفرطة الفعالية كالمورفين والأفيون فإن لمقادير وزمن تناوله أهمية خاصة أثناء المعالجة به.
ويفضل من أجل المعالجة بالعسل تناوله على شكل محلول مع شراب الورد أو عصير الفواكه أو الثمار، ومع الجبن المبشور أو صفا البيض أو القشدة وغيرها. فهذا يسهل من نفوذية الأجزاء الفعالة في العسل إلى تيار الدم ومنه إلى الأنسجة والخلايا. وقد تبينا من تجاربنا على مدى ثلاثين عاما أن المقدار الدوائي من العسل للمريض الكهل١٠٠غ يوميا. أما المقدار الأقصى فلا يجوز أن يتجاوز الـ ٢٠٠غ من العسل يوميا. ويجب أن يوزع المقدار اليومي على ٣وجبات: صباحا من ٣٠ـ٦٠غ، ظهرا من ٤٠ـ٨٠غ ومساء من ٣٠ـ٦٠غ, ويعطى قبل تناول الطعام بساعتين أو بعده بثلاث ساعات. أما للأطفال فيعطى مقدار من العسل حوالي ٣٠غ يوميا.
وقد تبين أن إضافة العسل إلى طعام الطفل (سميد، خبيصة ... ) يزيد من طاقته الحرورية ويحسن طعمه ويسهل هضمه وتمثله، ويحسن خاصة إضافة العسل إلى الحليب أو مشتقاته أو أن يتناول مع قطع من التفاح الحامض أو البرتقال أو بتحضيره مع الخشافات أو المهلمات المختلفة (الجيلاتين) . وإن ملعقة شاي واحدة من العسل في غذاء الطفل تفيده أكثر من تناول ٢٠ـ٢٥غ من السكر. ففي العسل العديد من الفيتامينات وحمض الغوليك والتي تعتبر ضرورية وهامة جدا للعضوية أثناء نموها. كما أن حمض الفوليك مع الفيتامين ب١٢ يحسن من نوعية الكريات الحمر ويزيد من عددها وكمية خضابها.
стр. 1982
هذا ويمكن تناول العسل لهدف علاجي لمدة شهرين وسطيا. أما الأشخاص المصابون بالداء السكري فلا نرى أي مانع من تناولهم للعسل تحت مراقبة الطبيب وعلى حساب الكمية المقررة لهم من ماءات الفحم.
كلمة المترجم: كثرت في الآونة الأخيرة ظهور مقالات علمية في أنحاء مختلفة من العالم حول أهمية العسل العلاجية. منها هذه المقالة، ومنها مقالة للدكتور ريمي شوفان مدير مركز أبحاث العسل في وزارة الزراعة الفرنسية نشرت ترجمته في مجلة العلوم اللبنانية (السنة ١٦العدد٢ عام ١٩٧١م) . كل هذا يجعلنا نفهم مغزى الآية القرآنية في سورة النحل: ﴿وأ وحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا. يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.﴾ صدق الله العظيم.
стр. 1983
من تاريخ الدعوة السلفية
الشيخ عبد الحميد بن باديس: قائد الحركة الإصلاحية في الجزائر
بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
لقد حمل ابن باديس لواء الإصلاح والدعوة لإيقاظ الوعي الإسلامي في بلاد الجزائر, في زمن ضرب فيه الجهل بجرانه، وراجت فيه الشعوذات والبدع، بعد أن سقطت البلاد في حضيض الضعف، واستولى الفرنسيون على السلطات وسعوا في زيادة مصائب الجزائريين، فسلطوا عليهم سياط العذاب والهوان والإرهاب من سفك للدماء وتشريد للأحرار وإفقار للعوام، وتركهم فريسة الجوع والبؤس والجهل، واستمر الاستعمار زهاء ١٣٠ عاما بكابوسه الفظيع إلى أن أثمرت جهود العاملين المخلصين أمثال الشيخ ابن باديس، وهب الجزائريون عن بكرة أبيهم يذودون عن الحمى ويجاهدون في سبيل الله، وأصلوا المستعمرين حربا ضروسا لا هوادة فيها طيلة ستة أعوام سقط فيها مئات الألوف من الجزائريين صرعى البغي والعدوان وظفرت الجزائر بحريتها رغم انف وزير خارجية فرنسا (١) .
وإذا كان الأجل لم يمهل ابن باديس حتى ينظر بعينيه إلى جهاد أبناء وطنه ويسعد بانتصارهم ـ إذ توفي قبل نشوب الثورة الجزائرية بخمس عشرة سنة ـ فإنه كان واثقا من نصر الله، دائبا في بذل أقصى ما يستطيع من جهد في إرشاد العامة ونشر العلم بين نابتة البلاد، وتنقلا بين حواضر الجزائر وبواديها، لا يهدأ له بال ولا يقرله قرار، يصدر الصحف العلمية الإسلامية وكلما عطل له المستعمرون صحيفة جدد غيرها وكان مع هذا كله يتعبد يتأمل ويحقق واصلا ليله بنهاره غير مشفق على نفسه ولا على جسمه، وقد هم بالخروج إلى جبال أوراس لإعلان الجهاد على الفرنسيين وكان يسعى لجمع الرجال لهذه الغاية. وحين اشتعلت الحرب العالمية الثانية قبيل وفاته اجتمع بأنصاره وقال: "عاهدوني" فلما أعطوه العهد فال: "سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر إيطاليا عليها الحرب".
стр. 1984
وقبل الحديث عن حركة ابن باديس لابد من ذكر نبذة عمن سبقوه من العلماء المصلحين ـ وبعضهم معاصرون له ومنهم أساتذة تلقى عليهم دروسه الأولى ـ وكان هؤلاء العلماء نجوماً يضيئون في ليل الجزائر البهيم حيث يخيم ظلال الجهل والتعصب والجمود الفكري، ويستشري داء البدع والمحدثات، التي كان يتولى نشرها والدفاع عنها جهلة اتباع الطرق الصوفية التي سندها الاستعمار..حتى شاعت في بلاد المغرب عامة, وبلغ عدد الزوايا الصوفية في الجزائر وحدها ٣٤٩زاوية يتبعها نحو ثلاثمائة ألف مريد وقد جارى الفقهاء هؤلاء المتصوفين وأصبح أكثرهم طرقيين حين لم يروا جدوى من معارضة هؤلاء المبتدعين.وقد أدى انتشار البدع والاعتقاد بالخرافات والأوهام إلى استسلام الناس للواقع والقعود عن مقاومة المنكر والجبن عن قتال أعداء الإسلام وصار أحدهم إذا سئل عن حاله يقول: "نأكل القوت ونستنى الموت".
وهنا برز جماعة من الفقهاء السلفيين الذين أثارتهم هذه الأحوال فقاموا بنشر العلم وبث الوعي وتنوير الأذهان ومحاربة البدع والمنكرات.
كذلك أثرت حركة السيد محمد بن على السنوسى ـ وهى حركة إصلاحية تعتمد على الجهاد للتخلص من النفوذ الأجنبي، ومع إن الدعوة السنوسية صوفية فقد اتصلت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأثرت بروحه السلفية، وكان للزوايا والرباطات السنوسية أثرها في إيقاظ الوعي الإسلامي في المغرب، وعلى الأخص في أقاليم برقة وطرابلس والجزائر.
ويعتبر الشيوخ صالح بن مهنا وعبد القادر المجاوى وحمدان الونيسى والمولود بن الموهوب والمولود الزريبي وعبد الحليم بن سماية ومحمد بلخوجة طلائع حركة الإصلاح وهذه نبذة عن كل منهم:
стр. 1985
١ ـ الشيخ صالح بن مهنا: كان يتولى التعليم والإرشاد بمدينة قسنطينة وامتاز بأسلوبه العاطفي الذي حرك الضمائر، وبدأ بإيقاظ الغافلين, فعملت السلطات الاستعمارية الفرنسية على إبعاده، وصادرت مكتبته النفيسة، ومؤلفاته الكثيرة (١) وقد توفي ﵀ عام ١٣٢٥هـ.
٢ـ الشيخ عبد القادر المجاوي: كان عالما مفكرا عاملا بعلمه، يقوم بتطبيق ما يراه من مناهج الإصلاح وأساليب التربية والتعليم، ابتدأ التدريس في مدينة قسنطينة سنة ١٢٨٦مدرسا متطوعا، ثم عين مدرسا بجامع الكتاني سنة١٢٩٠. وتولى التدريس بالمدرسة الكتانية سنة ١٢٩٥، ثم أبعدته الحكومة الفرنسية من قسنطينة إلى مدينة إلى الجزائر سنة ١٣١٦ فدرس في المدرسة الثعالبية التي تم بناؤها سنة ١٣٢٢، ونالت دروسه إقبال الناس، وأحبوا فيه صدق اللهجة وصفاء السريرة، وظل يخاطب القلوب ويربي النفوس إلى إن أدركته الوفاةسنة١٣٣٢،وله مؤلفات كثيرة منها: إرشاد المتعلمين، والمرصاد في مسائل الاقتصاد, وشرح منظومة في إنكار البدع والمفاسد الاجتماعية، والمنظومة للشيخ المولود بن الموهوب مطلعها:
صعود الأسفلين به دهينا
لأنا للمعارف ما هدينا.
وله رسالة في التربية، ورسالة في علم الكلام سماها القواعد الكلامية.
٣ـ وقد ترك الشيخ المجاوي من بعده تلميذه الشيخ حمدان الونيسي الذي خلفه في التدريس بقسنطينة. والونيسي هو أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ المولود بن الموهوب مفتي قسنطينة والشيخ أحمد الحبيباتي, وقد هاجر الشيخ الونيسي إلى المدينة المنورة وتوفي فيها.
стр. 1986
٤ـ الشيخ المولود الزريبي المتوفى سنة ١٣٤٣وهو من بلدة زريبة الوادي بناحية بسكرة تلقى العلم في الجامع الأزهر ثم عاد إلى الجزائر وقام بالتدريس في منطقة الأوراس، وكان من العلماء المشهود لهم بالصلاح، ومما يذكر عنه أنه لجأ إلى حيلة طريفة فعمد إلى كتاب (المرشد المعين) وهو كتاب معروف لدى الخاصة والعامة فشرحه وبث فيه آراءه الإصلاحية ودعوته السلفية لمقاومة البدع، وكانت تجري بينه وبين أنداده مناظرات في (المحدثات في الدين) .
٥ ـ الشيخ عبد الحليم بن سماية المتوفى سنة١٣٥١ وكان على صلة بالسلفيين في مصر، وخاصة الشيخ رشيد رضا، وقد درس رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للجرجاني وألفية ابن مالك وشروحها والعقد الفريد لابن عبد ربه وحماسة أبي تمام ومفصل الزمخشري، وله تآليف نفيسة منها كتاب (فلسفة الإسلام) الذي ألقى الفصل الأول منه في مؤتمر المستشرقين الرابع عشر المنعقد في الجزائر سنة١٣٢٣ وحين زار ملك المغرب الأقصى عبد العزيز الجزائر عام ١٣١٩ دعا الشيخ عبد الحليم للغداء فاعتذر (١) بقصيدة منها:
أمولاي شمس الفضل والعلم والنهى
وأجدر من يجري اللبيب ثناءه
سلام عليكم عاطر متضوع
كمسك ذكا بل لا يكون بواءه
وأفضل تكريم وأزكى تحية
يقيمان للقدر العظيم وفاءه
ويرأب كل منهما نأي عبدكم
بغيبته عما إليه دعاءه
علمت بأن المشي بالجفن واجب
إليكم ولكن لي اعتذار وراءه
٦ ـ الشيخ محمد بلخوجة المتوفى سنة١٣٣٣،وكان شاعرا مشهورا بتقدمه بالآداب والعلوم العربية، وهو أعلم علماء عصره بتراجم علماء الجزائر، وكان واسع الاطلاع ولوعا بالكتب العصرية، وقد قام بنشر تفسير عبد الرحمن الثعالبي من رجال القرن التاسع بعد تحقيقه على سبع نسخ، ونشر كتاب السيوطي: "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض".
وقد عزلته السلطات الفرنسية من عمله، فأخذ يلقي دروسه في جامع حي بلكلور بمدينة الجزائر.
---
стр. 1987
(١) كان وزير خارجية فرنسا صرح عند نشوب الثورة الجزائرية بأنه لن يفاوض الجزائريين ولن يدع الهلال ينتصر على الصليب
(٢) شروط النهضة ومشكلات الحضارة لمالك بن بني ترجمة عبد الصبور شاهين وعمر مسقاوي.
(٣) الظاهر أن سبب اعتذاره نفته نن الحضور في مأدبة يشهدها الحكام الفرنسيون.
стр. 1988
منطق ومناطقة
بقلم الشيخ رمضان أبو العز: المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
لم يختل ميزان المنطق كما اختل في أيامنا هذه، وانك لتستمع إلى كثير من الناس فيتهيأ لك أنك في حظيرة ببغاوات لا تعي مما تنطق شيئا أو تحسب أنك في بيمارستان حيث لا قواعد تلتزم ولا أصول تراعى٠
فمن الناس من يشتط في المكابرة فليجأ إلى المنطق المقلوب بمعنى أنه يرميك بما هو شائع فيه هو، متواتر عنه, فهذا أبو جهل قبحه الله يرمي خير البشر ﵊ بأنه قاطع الرحم وذلك حيث يقول يوم خرج لبدر: "اللهم أقطعنا لرحمه فأحنه الغداة"يقصد اللعين أن قاطع الرحم إنما هو محمد ﵊ وهل حض على صلة الرحم على توالي الأزمان وكر الأعصر كمحمد ﷺ ؟، ونسي اللعين أنه وثلثه من زعماء الشرك كانوا هم الذين سموا محمدا ﷺ قبل البعثة الصادق الأمين فكان الرد الإلهي على استنصاحه أن استجاب دعاءه فأدركه الحنين الغداة كما طلب٠ وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾
وقد عبر الشاعر العربي عن المنطق المقلوب بقوله: ((رمتني بدائها وانسلت)) وقالت العامة في هذا المعنى: ((تدهيك وترزيك واللي فيها تجيبوا فيك))
ومن المنطق المقلوب قول الاشتراكيين وزعمائهم بوجه أخص عن مجتمعهم انه مجتمع ((الحرية والرخاء والتنمية)) وما إليها في حين لم تشهد الدنيا أشد تضييقا وكبتا من مجتمعاتهم ولا أشد فقرا وتعاسة منها ويسمون أنفسهم أهل السلم والسلام وهم هم أهل الشغب والفوضى والإيغال في الدماء البريئة٠
وأخيرا، وليس آخراً قالوا إن مجتمعهم إنما هو مجتمع الكفاية والعدل ولم نر أشد جورا وظلما وأبعد عن الكفاية منهم ولذلك علقت النكتة المصرية على هذه الكفاية والعدل بقولهم: ((انهم يكفون الناس على وجوههم ثم يقيموهم استعدادا للكفي مرة وثانية وثالثة))
стр. 1989
ومن الناس من يلجأ إلى المغالطة والتحريف, وقد شاع هذا في الأوساط التي تدعي الثقافة الذين يزعمون أن قدماء الهنود وقدماء المصريين واليونان والعرب القدامى أن هؤلاء وهؤلاء كانوا موحدين والذي ألجأهم إلى هذا القول أنهم جميعا كانوا إلى حد ما يقرون بالربوبية لذى الجلال جل شأنه, ولكن هذا الإقرار لا يفيدهم شروى نقير طالما أنهم أشركوا به العباد والمحكومين في العبادة والذل والتماس النفع وموقع الضر وإلا فهل يعقل أن الذين أشركوا مع الله سبحانه كرشنا وأدونيس وأميون وأزيريس أن هؤلاء كانوا موحدين بل وأشركوا القطط والبقر والحيات والعجول انه لمنطق ساقط ما في ذلك شك٠
ومن الناس من يجنح إلى المغالاة الخارجة على كل منطق وذوق كأولئك الذين غلوا في المسيح ﵇ فجعلوه إلها وما تسرب الشرك إلى الأمم السابقة إلا عن طريق الغلو ومما يروى عنه ﷺ قوله: "إنما أهلك من كان قبلكم الغلو إلا أني أنهاكم عن ذلك "وقد رد الحق ﵎ على غلو النصارى في المسيح بقوله: ﴿ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ ٠الآية ومن لزوم أكل الطعام إخراج الفضلات فأي اله هو. ولذا قال الحق ﵎ في آخر الآية ﴿أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ . وللأسف قد شاعت الغلوات حتى في أمتنا الإسلامية فغلوا في البدوي والجيلاني والعيدروس جميعا بل قال شاعر العبيديين عن المعز العبيدي:
ندعوه منتقما عزيزا قادراً غفار موبقة الذنوب صفوحا
تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا٠
стр. 1990
وفي هذا المعنى ما كتبه الأخ الفاضل الأستاذ محمد الحسني الندوي رئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي الكلنوية المباركة في عدد رمضان سنة ١٣٩٠هـ تحت عنوان: ((مسابقة في وضع الألقاب واختراع الأوصاف إذ أنه بعد موت هالك من دعاة الاشتراكية طلعت الصحف بمنحه ألقاب عجيبة من مثل قولهم: ((خالق الكرامة)) و ((صانع الحياة)) و ((نبي هذا الزمان)) و ((لا إله إلا الله فلان حبيب الله)) ثم ((أشرف رجل في التاريخ)) ٠فعلق الأخ محمد الحسني قائلا: "ما كنا نتصور أن الإغراق في الثناء والتنافس في المدح والإطراء لرجل أهان بلده وشعبه يصل إلى درجة تمس كرامة الأنبياء ومكانة النبوة وحرمة سيد الأولين والآخرين"٠وصدق الأخ الحسني وإلا فما معنى أشرف رجل في التاريخ إلا الازدراء برسل الله جميعا من نوح إلى محمد صلى الله عليهم أجمعين٠
وما أجمل ما قاله الأخ الحسني في هذا المقال:"إنهم يؤمنون بالله، نظرا إلى أوضاع البلد المسلم الذي يحكمونه ولكنهم لا يحتاجون إليه في شيء مادام ((صانع الحياة)) و ((خالق الكرامة)) أغناهم عن كل شيء". ثم قال: "إن القرآن عندهم ليس إلا للمنابر والأضرحة والجنائز", ولذلك يتطاول عليه الفجار والفساق ورواة التاريخ الجنسي٠
أما القرآن الثاني وهو الميثاق فحرام أن ينقده ناقد أو يقول فيه قائل، إلى آخر ما ذكر الأخ الحسني لا فض فوه وإني أنصح الشباب أن يقرؤوا المقال بإمعان ففيه توعية جليلة٠
قومي الأعزاء، أفيقوا فقد حان الفواق ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم٠٠
ولكن المنطق الشاذ الموغل في السماجة والقحة منطق الشيوعي الكويتي الذي زعم أنه دكتور في علم النفس والفلسفة فقد كتب إلى الدكتور محمد عزت نصر الله مدير مجلة (الفكر العربي) البيروتية (١) كتب الشيوعي قائلا:
стр. 1991
لقد قرأت موضوع المجتمع الروسي مغلق على نفسه٠٠ أنا الذي أكتب إليك، دكتور في علم النفس والفلسفة، ولقد درست في موسكو تسع سنوات٠٠ ولقد رأيت الشعب الروسي وخاصة الشعب المسلم هناك فان لهم حرية العبادة وحرية الرأي وحرية الصحافة، وكل الشعب الروسي والحكومة السوفيتية يحترم الديانة الإسلامية وإنني أنا مسلم".
من السفه أن ندخل في نقاش منطقي مع مثل تلك العقول فهؤلاء الذين عناهم الحق ﵎ بقوله ﴿صم بكم عمي فهم لايعقلون﴾ .
وهل يعقل أن دولة اللالحاد تحترم الديانة الاسلامية بل استمع إلى قوله: (وإنني أنا مسلم) بالتأكيد المؤكد فما الدليل على إسلامه؟
الدليل أكبر الدليل ما قاله بعد ذلك بقليل: "إنكم تهاجمون ماركس ولينين, إنه أحسن من محمد ماذا عمل محمد للشعب العربي؟.
أرأيت أي مسلم هو؟ وأي إسلام ذاك الذي يحترمه الشعب الروسي والحكومة السوفيتية إنه لا شك إسلام الخنازير والخنافس الذين يرون أن محمدا ﷺ ليس شيئا بجانب آلهتهم ماركس ولينين، لعنة الله عليهم أجمعين٠
---
(١) وهي مجلة قيمة تنشر هي و ((الشهاب)) البيروتية وعيا إسلاميا.
стр. 1992
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
*ظهرت لدينا بوادر خلاف حول صلاة المسافر خلف المقيم وصلاة الجمعة للمنفرد، وأنه هناك من يقول بأن يسلم المسافر إذا صلى خلاف المقيم من ركعتين، ويصلى المنفرد يوم الجمعة إن لم يدرك الجماعة ركعتين وأن الذي تعلمناه وسرنا عليه منذ أن جلسنا أمام علماء السنة، أن المسافر إذا كان إماما سلم من ركعتين ويتم المأمومون أربعا، وأن المنفرد إن فاتته الجمعة في المسجد يصلى الظهر أربعا وكنا نعتقد أن الرسول ﷺ صلى في عرفات يوم الجمعة الظهر والعصر سرا وقصرا وجمعا ولكن لم نجد دليلا يؤكد قراءته سرا ونطلب البيان؟
стр. 1993
والجواب عن ذلك هو أن الصواب الذي عليه سلف الأمة وخلفها هو ما أنتم عليه لا ما جاءكم من المثال وهو أن المسافر إذا صلى خلف المقيم عليه أن يتم أربعا وقد ثبت في مسند أحمد وصحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ ما يدل على ذلك، أما إذا كان المسافر هو الإمام فإن السنة في حقه أن يصلي الرباعية ركعتين وعلى المأمومين أن يكملوا أربعا إذا كانوا غير مسافرين كما فعل النبي ﷺ يوم الفتح. وأما من فاتته الجمعة فالذي عليه الأئمة الأربعة والجمهور أنه يصلى ظهرا وليس له أن يصلى جمعة، والقول بأنه يصلى جمعة قول شاذ مخالف للأدلة الشرعية فلا ينبغي أن يعول عليه، وأما الدليل على قراءة النبي ﷺ سرا في صلاتي الظهر والعصر يوم الجمعة في عرفة فهو ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁."أن النبي صلى الله وسلم بعدما خطب الناس يوم عرفة أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ولم يصلى بينهما شيئا". فهذا النص دليل ظاهر على أنه ﷺ لم يصل جمعة وإنما صلى ظهرا ومعلوم بالأدلة الشرعية أنه كان ﵊ يقرأ سرا في الظهر والعصر فلو كان جهر بالقراءة في الظهر ذلك اليوم لنقل ويدل على ذلك أيضا أنه قدم الخطبة على الأذان فلو كان صلى جمعة لأخر الخطبة بعد الأذان أو جهر بالقراءة وأخر العصر إلى وقتها لأن ذلك هو الأجر المعروف من سنته ﵊ مدة إقامته بالمدينة ولم ينقل عنه ﷺ -فيما نعلم- أنه قدم الخطبة على الأذان يوم الجمعة ولا مرة واحدة كما أنه لم ينقل عنه أنه جهر في الظهر, وإنما قد يسمعهم الآية بعض الأحيان في الظهر والعصر, ليعلموا أنه يقرأ ﵊, كما أنه لم ينقل عنه أنه صلى الجمعة في شيء من أسفاره, ولا أنه جمع بين الجمعة والعصر لا في السفر, ولا في الحضر, ومن قال خلاف ذلك فعليه بيان الدليل الثابت في ذلك.
стр. 1994
*ما قولكم في الصلاة خلف من يستغيثون بغير الله، واضطروا للصلاة في المنازل تحرجا من إمامة هؤلاء؟
لاشك أن الصلاة خلفهم لا تصح لتلبسهم بالشرك, ولكن لا ينبغي من مثلكم الصلاة في المنازل وترك الجمعة، بل الواجب الصلاة في غير مساجد هؤلاء المشركين أو إقامتها قبلهم أو بعدهم منكم, ومن لديكم من أهل التوحيد, ليتضح للجميع إنكاركم ما هم عليه من الشرك حيث أمكن ذلك, وأمنت الفتنة، وأما سماعكم بعض الإخوان يروي عن أم المؤمنين أنها قالت:لا تضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا تنفع المنافق صلاته خلف المؤمن، وسؤالكم عن صحة هذا الأثر، فالجواب: هذا الأثر لم أطلع عليه ولا أظن صحته ولو صح لوجب حمله على معنى صحيح وهو أن مرادها إن المؤمن لا تضره صلاته خلف المنافق إذا لم يعلم نفاقه.
*ما حكم الإسلام في شارب الدخان، وهل تطلق زوجة شارب الدخان؟
الجواب: شارب الدخان قد أتى أمرا محرما؛ لأن الدخان من الخبائث وشربه محرم، ولكن زوجته لا تطلق بذلك لأن المسلم إذا فعل المعصية لا تطلق زوجته بذلك، وإنما عليه التوبة إلى الله سبحانه من ذلك، والحذر من العود إليه.
*هل يجوز للمسلم أن يقرأ ما تيسر من القرآن وهو جنب؟
الجواب: لا يجوز للمسلم أن يقرأ القرآن وهو جنب، سواء كانت قراءته من حفظه أو من المصحف؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان لا يحجزه شيء عن القرآن إلا الجنابة.
*ما حكم الإسلام في الجلوس عند التلفزيون؟
الجواب: لا يجوز للمسلم إن يشاهد أو يستمع لما يعرض في التلفزيون من الصور النسائية غير المتحجبة، والأغاني وآلات الطرب؛ لما في ذلك من التعرض لغضب الرب ، ومرض القلوب وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة، والأحوط للمسلم أن لا يقتنيه ولا يحضره بالكلية حسما لمادة الشر، وحذراً من أسباب الفتنة.
واسأل الله أن يوفق الجميع للفقه في الدين والثبات عليه انه خير مسئول.
стр. 1995
أضواء من التفسير
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
المناسبة:
هذه السورة كالمتممة لما قبلها من حيث أنه ذكر فيها عدد من الأنبياء لم يذكروا في السورة السابقة وكذلك فإنه لما ذكر عن الكفار في السورة السابقة أنهم كانوا يقولون: لو أن عندنا ذكرا من الأولين لأخلصنا العبادة لله وحده وأنهم لما أتاهم الذكر كفروا به فبدأ هنا بالقسم بالقرآن ذي الذكر الذي جاءهم فخالفوه وكفروا به.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل فخشي أبو جهل إن جلس النبي إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم ـ قال وأكثروا عليه من القول ـ وتكلم رسول الله صلى عليه وسلم فقال: "يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها يدين لهم بها العرب، وتؤدي لهم بها الجزية العجم"، ففرحوا لكلمته ولقوله. فقال القوم: لنعطينكها وعشرا. قال: لا اله إلا الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ , حتى بلغ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ .
القراءة:
стр. 1996
قرأ الجمهور (ص) بسكون الدال وقرىء صاد بضم الدال وقرىء بكسر الدال بتنوين وبغير تنوين وقرىء بفتح الدال، وقرأ الجمهور (عزة) بالعين المهملة والزاي المعجمة وقرىء (غرة) بالغين المعجمة والراء المهملة, وقرأ الجمهور ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بفتح النون من حين وقرىء بضمها وقرىء بكسرها إيضا.
المفردات:
(ص) من الفواتح الكريمة مثل: ق ون وحم وألم وغيرها, فمن الناس من قال: لا تفسير لها إما لأنها لا معنى لها أصلا وإلى هذا ذهب الحشوية. وإما لأن معناها استأثر الله بعلمه وإليه ذهب كثير من المتكلمين والأصوليين. ويقولون: الله أعلم بمراده به.
ومن الناس من قال لها معنى يدرك. وقد اختلف أصحاب هذا القول في المعنى المراد منها فقيل إنها اسم السورة, وقيل اسم للقرآن, وقيل مبادئ لأسماء الله تعالى أو لأفعال, وقيل غير ذلك. وقد اختار كثير من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيميه بأنها للدلالة على الإعجاز والتحدي.
وقد لوحظ أن السور المبدوءة بهذه الفواتح المباركة يغلب عليها طابع الإعجاز والتحدي، وهي من خواص السور المكية إلا فيما ندر كالبقرة وآل عمران. وقد بدئ بها تسع وعشرون سورة عدد حروف المعجم. كما لوحظ أن هذه السور لها طابع خاص إذ يبدأ فيها بعد الفواتح بذكر القرآن إما صراحة وإما ضمنا فيعظمه ويمجده ثم يذكر أصناف الناس بالنسبة إليه وأنهم اختلفوا فيه كما اختلفوا على كتب الأنبياء السابقين، ويبين أن الفئة التي تتمسك به هي العزيزة الغالبة الظاهرة المنصورة في الدنيا وأنها السعيدة الفائزة بجنان الخلد ورضوان الله في الآخرة، وأن المعادين لهم مغلوبون مقهورون معرضون لعذاب الله في العاجلة والآجلة, يضرب الله تعالى لذلك ما شاء من الأمثلة، ويقص ما شاء من أحسن القصص، الذي يشرح هذه الفكرة، ويوضح هذا الهدف، ثم يختم السورة بذكر القرآن فيعظمه ويمجده كما بدأ أولا.
стр. 1997
وأما من قرأ صاد ـ بكسر الدال ـ من غير تنوين فقيل إنه فعل أمر من المصاداة وهي المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت الأول في الأماكن الخالية والأجسام الصلبة، والمعنى: عارض بعملك القرآن أي اعمل بأوامره ونواهيه.
القرآن هو في الأصل مصدر قرأ كالقراءة ثم عل علما على كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ المعجز بأقصر سورة منه.
الذكر: الشرف ومنه قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس. أو الذكرى والموعظة للناس كما روي عن قتادة والضحاك، أو الذي يذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين من الشرائع والأحكام كما قيل: (كفروا) جحدوا.
عزة: تكبر عن الحق. غرة: غفلة، شقاق: أصل الشقاق المخالفة وكونك في شق غير شق صاحبك، وجانب سوى جانبه، والمراد مخالفة الله ورسوله. أهلكنا: دمرنا. قرن: أمة وجيل فنادوا: فاستغاثوا. ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ :أي ليس الوقت وقت فرار فالحين الوقت والمناص المنجى والفرار.
التراكيب:
стр. 1998
(ص) ليست معربة عند من قال إنها لا تفسير لها لأن الإعراب فرع إدراك المعنى. أما من فسرها فهي معربة عنده فيجوز أن تكون مرفوعة خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر مابعدها. ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مقدر أو على نزع الخافض على رأي من قال إنها للقسم بها. ويجوز أن تكون مجرورة على حذف حرف الجر ـ وهو حرف القسم ـ وبقاء عمله وقيل هذا شاذ لأنه لا يحذف حرف الجر ويبقى عمله إلا مع اسم الله تعالى خاصة. ومن قرأ (ص) بسكون الدال فالسكون لأجل الوقف كأسماء الأعداء التي لم تلها العوامل. ومن قرأ بالضم فهي ضمة إعراب أو لأجل التقاء الساكنين. ومن قرأ بالفتح فهي فتحة إعراب على أنها منصوبة أو فتح لأجل التقاء الساكنين أيضا. ومن قرأ بالكسر من غير تنوين فهي إما أمر من صادى بفتح الدال بمعنى عارض كما تقدم أو للجر على القسم أو لأجل التقاء الساكنين أي السكون إلى الدال وألف صاد، ومن قرأ بالكسر والتنوين فلاعتبار ذلك اسما للقرآن كما هو أحد الاحتمالات فيه فلم تتحقق فيه العلتان وهي العلمية والتأنيث فوجب صرفه، وجر بحرف جر حذف وبقي عمله كما تقدم. والواو في القرآن للقسم إذا لم تكن صاد للقسم بها وإلا فهي للعطف. وجواب القسم محذوف والمختار أن تقديره: إن القرآن لحق وإنك لمن المرسلين بدليل ﴿يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولقوله هنا ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ . والقسم بالقرآن على حقية القرآن ضرب من البلاغة بديع. بل: للإضراب الانتقالي من هذا القسم والمقسم عليه إلى ذكر حال تكبر الكفار ومشاقتهم في قبول الرسالة. ويجوز أن تكون بل للإضراب الإبطالي وتكون حينئذ لإبطال شيء مفهوم من السياق كأنه قيل: ليس كفر هؤلاء لخلل في القرآن أو لمطعن فيه بل الخلل في أنفسهم وهو أنهم في تكبر وعناد وخلاف.
стр. 1999
والتعبير يعني في قوله (عزة) لإفادة استغراقهم في التكبر والخلاف. (كم) :خبرية للتكثير، وهي مفعول بأهلكنا دين. (قرن) : تمييز والفاء في (فنادوا) : للسببية. (ولات) : الواو للحال ولات هي لا المشبهة بليس عند سيبويه زيدت عليها التاء لتأكيد معناها، وعند الأخفش هي لا النافية للجنس تعمل عمل إن وزيدت عليها التاء.
و (حين) : بالنصب خبر لات عند سيبويه واسمها محذوف تقديره ولات الحين حين مناص، وعند الأخفش (حين) اسم لات وخبرها محذوف تقديره لهم، ومن قرأ بضم النون فهي اسم لات على مذهب سيبويه والخبر محذوف، وعند الأخفش هي مبتدأ والخبر محذوف لأن مذهبه أنه إذا ارتفع ما بعدها فعلى الابتداء،
وأما قراءة كسر النون فقد قال أبو حيان: الذي ظهر لي في تخريج هذه القراءة الشاذة أن الجر على إضمار (من) كأنه قيل: ولات من حين مناص. كما قالوا: لا رجل جزاه الله خيرا, يريدون لا من رجل، ويكون موضع من حين مناص رفعا على أنه اسم لات على مذهب سيبويه والخبر محذوف. وعند الأخفش على أنه مبتدأ والخبر وحذوف.
المعنى الإجمالي:
هذا تحد لكم يا أرباب الفصاحة، وأمراء البيان، وأساطين البلاغة، تعجزون عن محاكاته، والإتيان بمثله، مع أنه منظوم من مثل ما تنظمون منه كلامكم، وأقسم بكلامي المنزل على محمد رسولي، الذي فيه شرفكم وشرف العرب أجمعين، إن القرآن لحق وإن محمدا لمن المرسلين، ولم يطعن هؤلاء الكفرة الجاحدون في القرآن لعيب لمسوه منه أو لخلل وجدوه فيه، والخلل بأنفسهم وهو استغراقهم في التكبر عن الحق أو غفلتهم عنه ومجا نبتهم لداعي الخير، فليعلم هؤلاء الجاحدون أنهم بهذه المشاقة يعرضون أنفسهم لعقابنا ولونزل بهم ما استطاعوا فرارا. لقد أردنا تدمير كثير من الأمم الماضية قبل قريش لما شاقوا الرسل، وأرسلنا عليهم العذاب فلما عاينوه استغاثوا طالبين المنجى والفرار، والحال والشأن أنه ليس الوقت وقت فرار وطلب للتجاة.
ما ترشد إليه الآيات:
стр. 2000
١ ـ تحدي العرب بالقرآن وإعجازهم به.
٢ ـ بيان شرف القرآن في نفسه.
٣ ـ تشريفه للعرب.
٤ ـ براءته من كل عيب.
٥ـ لم يعارضه معارضوه لعيب فيه بل العيب فيهم.
٦ ـ انه لا يعارضه إلا المتكبرون المعاندون.
٧ ـ تحذير الكفار.
٨ ـ انه إذا نزل العذاب لا يمكن الفرار.
следующие страницы →