Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
قرأ الجمهور (ص) بسكون الدال وقرىء صاد بضم الدال وقرىء بكسر الدال بتنوين وبغير تنوين وقرىء بفتح الدال، وقرأ الجمهور (عزة) بالعين المهملة والزاي المعجمة وقرىء (غرة) بالغين المعجمة والراء المهملة, وقرأ الجمهور ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بفتح النون من حين وقرىء بضمها وقرىء بكسرها إيضا.
المفردات:
(ص) من الفواتح الكريمة مثل: ق ون وحم وألم وغيرها, فمن الناس من قال: لا تفسير لها إما لأنها لا معنى لها أصلا وإلى هذا ذهب الحشوية. وإما لأن معناها استأثر الله بعلمه وإليه ذهب كثير من المتكلمين والأصوليين. ويقولون: الله أعلم بمراده به.
ومن الناس من قال لها معنى يدرك. وقد اختلف أصحاب هذا القول في المعنى المراد منها فقيل إنها اسم السورة, وقيل اسم للقرآن, وقيل مبادئ لأسماء الله تعالى أو لأفعال, وقيل غير ذلك. وقد اختار كثير من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيميه بأنها للدلالة على الإعجاز والتحدي.
وقد لوحظ أن السور المبدوءة بهذه الفواتح المباركة يغلب عليها طابع الإعجاز والتحدي، وهي من خواص السور المكية إلا فيما ندر كالبقرة وآل عمران. وقد بدئ بها تسع وعشرون سورة عدد حروف المعجم. كما لوحظ أن هذه السور لها طابع خاص إذ يبدأ فيها بعد الفواتح بذكر القرآن إما صراحة وإما ضمنا فيعظمه ويمجده ثم يذكر أصناف الناس بالنسبة إليه وأنهم اختلفوا فيه كما اختلفوا على كتب الأنبياء السابقين، ويبين أن الفئة التي تتمسك به هي العزيزة الغالبة الظاهرة المنصورة في الدنيا وأنها السعيدة الفائزة بجنان الخلد ورضوان الله في الآخرة، وأن المعادين لهم مغلوبون مقهورون معرضون لعذاب الله في العاجلة والآجلة, يضرب الله تعالى لذلك ما شاء من الأمثلة، ويقص ما شاء من أحسن القصص، الذي يشرح هذه الفكرة، ويوضح هذا الهدف، ثم يختم السورة بذكر القرآن فيعظمه ويمجده كما بدأ أولا.
стр. 1997
وأما من قرأ صاد ـ بكسر الدال ـ من غير تنوين فقيل إنه فعل أمر من المصاداة وهي المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت الأول في الأماكن الخالية والأجسام الصلبة، والمعنى: عارض بعملك القرآن أي اعمل بأوامره ونواهيه.
القرآن هو في الأصل مصدر قرأ كالقراءة ثم عل علما على كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ المعجز بأقصر سورة منه.
الذكر: الشرف ومنه قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس. أو الذكرى والموعظة للناس كما روي عن قتادة والضحاك، أو الذي يذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين من الشرائع والأحكام كما قيل: (كفروا) جحدوا.
عزة: تكبر عن الحق. غرة: غفلة، شقاق: أصل الشقاق المخالفة وكونك في شق غير شق صاحبك، وجانب سوى جانبه، والمراد مخالفة الله ورسوله. أهلكنا: دمرنا. قرن: أمة وجيل فنادوا: فاستغاثوا. ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ :أي ليس الوقت وقت فرار فالحين الوقت والمناص المنجى والفرار.
التراكيب:
стр. 1998
(ص) ليست معربة عند من قال إنها لا تفسير لها لأن الإعراب فرع إدراك المعنى. أما من فسرها فهي معربة عنده فيجوز أن تكون مرفوعة خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر مابعدها. ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مقدر أو على نزع الخافض على رأي من قال إنها للقسم بها. ويجوز أن تكون مجرورة على حذف حرف الجر ـ وهو حرف القسم ـ وبقاء عمله وقيل هذا شاذ لأنه لا يحذف حرف الجر ويبقى عمله إلا مع اسم الله تعالى خاصة. ومن قرأ (ص) بسكون الدال فالسكون لأجل الوقف كأسماء الأعداء التي لم تلها العوامل. ومن قرأ بالضم فهي ضمة إعراب أو لأجل التقاء الساكنين. ومن قرأ بالفتح فهي فتحة إعراب على أنها منصوبة أو فتح لأجل التقاء الساكنين أيضا. ومن قرأ بالكسر من غير تنوين فهي إما أمر من صادى بفتح الدال بمعنى عارض كما تقدم أو للجر على القسم أو لأجل التقاء الساكنين أي السكون إلى الدال وألف صاد، ومن قرأ بالكسر والتنوين فلاعتبار ذلك اسما للقرآن كما هو أحد الاحتمالات فيه فلم تتحقق فيه العلتان وهي العلمية والتأنيث فوجب صرفه، وجر بحرف جر حذف وبقي عمله كما تقدم. والواو في القرآن للقسم إذا لم تكن صاد للقسم بها وإلا فهي للعطف. وجواب القسم محذوف والمختار أن تقديره: إن القرآن لحق وإنك لمن المرسلين بدليل ﴿يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولقوله هنا ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ . والقسم بالقرآن على حقية القرآن ضرب من البلاغة بديع. بل: للإضراب الانتقالي من هذا القسم والمقسم عليه إلى ذكر حال تكبر الكفار ومشاقتهم في قبول الرسالة. ويجوز أن تكون بل للإضراب الإبطالي وتكون حينئذ لإبطال شيء مفهوم من السياق كأنه قيل: ليس كفر هؤلاء لخلل في القرآن أو لمطعن فيه بل الخلل في أنفسهم وهو أنهم في تكبر وعناد وخلاف.
стр. 1999
والتعبير يعني في قوله (عزة) لإفادة استغراقهم في التكبر والخلاف. (كم) :خبرية للتكثير، وهي مفعول بأهلكنا دين. (قرن) : تمييز والفاء في (فنادوا) : للسببية. (ولات) : الواو للحال ولات هي لا المشبهة بليس عند سيبويه زيدت عليها التاء لتأكيد معناها، وعند الأخفش هي لا النافية للجنس تعمل عمل إن وزيدت عليها التاء.
و (حين) : بالنصب خبر لات عند سيبويه واسمها محذوف تقديره ولات الحين حين مناص، وعند الأخفش (حين) اسم لات وخبرها محذوف تقديره لهم، ومن قرأ بضم النون فهي اسم لات على مذهب سيبويه والخبر محذوف، وعند الأخفش هي مبتدأ والخبر محذوف لأن مذهبه أنه إذا ارتفع ما بعدها فعلى الابتداء،
وأما قراءة كسر النون فقد قال أبو حيان: الذي ظهر لي في تخريج هذه القراءة الشاذة أن الجر على إضمار (من) كأنه قيل: ولات من حين مناص. كما قالوا: لا رجل جزاه الله خيرا, يريدون لا من رجل، ويكون موضع من حين مناص رفعا على أنه اسم لات على مذهب سيبويه والخبر محذوف. وعند الأخفش على أنه مبتدأ والخبر وحذوف.
المعنى الإجمالي:
هذا تحد لكم يا أرباب الفصاحة، وأمراء البيان، وأساطين البلاغة، تعجزون عن محاكاته، والإتيان بمثله، مع أنه منظوم من مثل ما تنظمون منه كلامكم، وأقسم بكلامي المنزل على محمد رسولي، الذي فيه شرفكم وشرف العرب أجمعين، إن القرآن لحق وإن محمدا لمن المرسلين، ولم يطعن هؤلاء الكفرة الجاحدون في القرآن لعيب لمسوه منه أو لخلل وجدوه فيه، والخلل بأنفسهم وهو استغراقهم في التكبر عن الحق أو غفلتهم عنه ومجا نبتهم لداعي الخير، فليعلم هؤلاء الجاحدون أنهم بهذه المشاقة يعرضون أنفسهم لعقابنا ولونزل بهم ما استطاعوا فرارا. لقد أردنا تدمير كثير من الأمم الماضية قبل قريش لما شاقوا الرسل، وأرسلنا عليهم العذاب فلما عاينوه استغاثوا طالبين المنجى والفرار، والحال والشأن أنه ليس الوقت وقت فرار وطلب للتجاة.
ما ترشد إليه الآيات:
стр. 2000
١ ـ تحدي العرب بالقرآن وإعجازهم به.
٢ ـ بيان شرف القرآن في نفسه.
٣ ـ تشريفه للعرب.
٤ ـ براءته من كل عيب.
٥ـ لم يعارضه معارضوه لعيب فيه بل العيب فيهم.
٦ ـ انه لا يعارضه إلا المتكبرون المعاندون.
٧ ـ تحذير الكفار.
٨ ـ انه إذا نزل العذاب لا يمكن الفرار.
стр. 2001
الخير في الاجتماع
بقلم الشيخ عبد الله بن صالح المحسن
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ , وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
فيا معشر المسلمين, يا معشر العلماء والطلاب في أقصى المعمورة وأدناها, قد علمتم -وفقكم الله- فضل العلم وأهله العاملين به وأنهم القدوة, وبأيديهم أزمة الأمور؛ أمور الدنيا والدين, وهم القائمون بأعباء هذه الرسالة والمسئولون أمام الله عن أدائها فنرجو لهم التوفيق لتحقيقها. والأمل في الطلاب أنهم سيبلغون ما بلغوا إليه فيقومون بما قاموا به فلو أن العلماء اختلفوا وتفرقوا وكانوا شيعا وأحزابا، مع العلم بأن العامة والخاصة تبع لهؤلاء، فهل يمكن الاجتماع والاتفاق الصحيح بدونهم؟.. كلا بل يهلك التابع والمتبوع, فيكون الجميع نهبا للأعداء, تهددهم الآراء والأهواء الخاطئة, ويسخرهم سوء التصرفات الجائرة حتى يلبسوا سرابيل الذل والصغار، وإن اجتمعوا واتفقوا وكان أمرهم شورى بينهم على الحق فيا بشراهم بالفوز والظفر على كل من ناوأهم وأرادهم بضر وسوء ويشهد لهذا ما سجل في التاريخ عن الأمم الغابرة حين قاموا بأسباب الاجتماع فقد نالوا العز والفخر والتقدم إلى الإمام، حتى بلغوا قمة المجد، وماذا حصل للآخرين حين تفرقوا واختلفوا من الفشل والخور فحل بهم من النكال والهوان والذلة والصغار والاضمحلال والزوال ما هو معروف وأكبر دليل, ومستند في ذلكم ما جاء في الكتاب والسنة الغراء من الأمر بالاجتماع وعدم التفرق، وأن المؤمنين أخوة، وأنهم كالبنيان يشد بعضه بعضا وأنهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأنهم إذا اختلفوا وتفرقوا فشلوا وذهبت ريحكم، وأنهم إذا اجتمعوا وصبروا فالله معهم، ولن يخذل من كان الله معه..
стр. 2002
فيا معشر المسلمين عليكم أن تضعوا أسسا وأسبابا للاجتماع وعدم التفرق والاختلاف لتكونوا أمة واحدة، فتسعدوا في الدنيا والآخرة، فعليكم أن لا تجمعوا الجفوة والوحشة والتباعد في الأرواح والأشباح والاتجاهات هي صفاتكم، لأن هذا لا شك نقص ومبادئ مرض منتهاه ونتيجته التفرق والاختلاف، إنما عليكم أن تزيلوا هذا الداء قبل أن يتخلل القلوب ويستحكم في النفوس فيبدوا على الجوارح فتظهر أعلام التفرق القاتمة وأسنته الفتاكة التي تجعلنا تحت براثنه فتمزقنا وتهوي بنا نحو الحضيض فحينئذ لا ينفع العلاج.
أيها المسلمون خذوا سلاحا من الحمية والوقاية تكافحون به جميع الأمراض التي تعتري القلوب وتشتت الأذهان والآراء والأبدان، وتسري إلى هدم الإسلام، والبسوا دروعا سابغة من التقوى تقيكم صدماتها, فمن الحمية والأدوية الشافية الدافعة إلى كل خير والمبعدة عن كل الشر أن لا يكون الإنسان أنانيا لا يهمه في هذه الدنيا إلا نفسه وهواه وما يحيط به،، بل يزرع المحبة في قلوب إخوانه المسلمين قربوا أم بعدوا من الإيثار والمساواة والنصح لهم في الأقوال والأفعال، حتى تثمر هذه المحبة التراحم والتعاطف وقوة الصلة والرابطة بين الأفراد والمجتمعات لنكون يدا واحدة على قلب رجل واحد، وكتلة واحدة تحطم الأعداء وحلقة مفرغة لا يعلم أين طرفاها فلا يستطيع عدو حلها لا بسلطان ولا بسلاح، فإن نحن سرنا معشر المسلمين نحو الأمام فشخصنا المرض حين ابتدائه، وسارعناه بالعلاج، ودفعنا بالحمية والوقاية جميع الأمراض الطارئة تحقق الأمل والهدف المنشود، فبشرانا إن شاء لله بأعلام النصر ترفرف فوق التيجان مهما حاول كل عدو وشيطان.
والله الموفق والمستعان.
стр. 2003
الدّيانة البوذية
بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي
ولد بوذا (١) في مدينة "لمبنى" قريب من "كبلوستو"وكان أبوه "شد ودن"ملك"شاكيا" (٢) وهناك خلاف كبير بين المؤرخين حول بوذا ووجوده التاريخي لأن تدوين تعليماته لم يبدأ إلا بعد مضي ثلاثة قرون في زمن الملك "أشوكا" فكانت الحكايات والتعليمات تتناقل في هذه القرون المظلمة مشافهة ولهذا لم يصل أحد إلى حقيقة بوذا وتعاليمه الأصلية إلا ما عثر من الملك"أشوكا"ولوحاته والسبب في ذلك هو أن تعليمات بوذا لم تسمح لأحد من أتباعه أن يدون شيئا باسمه خوفا من السمعة والرياء فمن كتب شيئا أو ألف كتابا أخفى اسمه حتى بقي تاريخ التأليف مجهولا لدى التاحثين.
وقد توفيت أم بوذا بعد ولادته بأسبوع فاحتضنته خالته"برجابتى جوتمي"فلما بلغ بوذا رشده تعمق في وجود هذا الكون وصار يفكر في إخراج الناس من المصائب والآلام حتى خاف عليه أبوه من تركه الدنيا واتصاله بالرهبان والزهاد فاستعجل خطبة ابنه ببنت"كوليا"تسمى "جشودرا"فبقي بوذا مع زوجته بعض السنوات وولد له طفل "راهول" ولكنه لم يصبر على هذه الحياة بعد ما رأى الهرم والمريض والميت والراهب فترك بيته ليلا سنة ٥٣٤ ق. م.
يذكر بوذا هذه الحكاية لصديقه "بوجي راج"ابن الملك"أديا" وقد عاش مع الرهبان ست سنوات يتحمل المشاق فلما بلغ من عمره ستا وثلاثين حصل له العلم سنة٥٢٨ق. م وبقي يدعو الناس إلى دينه خمسا وأربعين سنة حتى توفي في سنة ٤٨٣وهو ابن ثمانين.
تعليمات بوذا:
إن الأمر المتفق عليه من جميع أتباع بوذا هو الحقائق المقدسة الأربعة:
١ـ الحقائق المقدسة في أسباب الحزن والآلام: الولادة حزن، والكهولة حزن والمرض حزن والموت حزن والنفور حزن وعدم الوصول إلى المحبوب حزن (٣) .
٢ـ الحقائق المقدسة في أسباب وجود الحزن: أسباب الحزن هي الأمنية الكاذبة والشهوات المهلكة.
стр. 2004
٣ـالحقائق المقدسة للقضاء على الآلام والأحزان: ي إماتة الشهوات العمياء والرغبات النفسية واجتناب الحاجات الزائدة والسعي في قطع العلاقة بينها.
٤ـ الحقائق المقدسة في الأعمال التي تساعد على الآلام والأحزان وهي ثمانية أصول:
١ـ الاعتقاد الصحيح (١) .
٢ـالنية الصالحة (٢) .
٣ـ القول السديد (٣) .
٤ـ الفعل الحسن (٤) .
٥ـ الكسب الصحيح (٥) .
٦ـ السعي المشكور.
٧ـالذكرى الصالحة.
٨ـالمراقبة الصحيحة.
ولحصول هذه الحقائق أربع مراحل:
١ـ العهد والميثاق.
٢ـ الحياة قبل الأخير تكون متلبسة بالخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة.
٣ـ الحياة الأخيرة التي لا تكرار بعدها يعني النجاة من الخيالات الفاسدة.
٤ـ العلم بحقائق الأشياء وحصول "نروان"بعد الموت.
الأصول العشرة للرهبان:
١ـ تحريم قتل النفس.
٢ـ تحريم السرقة.
٣ـ تحريم الزنا.
٤ـ تحريم الكذب.
٥ـ تحريم الخمر.
٦ـ تحريم الأكل بعد الظهر.
٧ـ تحريم الرقص والموسيقى.
٨ـ تحريم التطيب.
٩ـ تحريم الجلوس على الشوارع والمكان المرتفع.
١٠ـ تحريم قبول الهدايا من الذهب والفضة.
ومن تعليمات بوذا أنه لا يعتقد في وجود الطبقات مثل الهندوسية بل سوى بين الناس جميعا. وليس معنى هذا الكلام أنه ينكر فضل بعض الناس على بعض كما تخبط بعض الشيوعيين في استنتاجهم بل المراد به أن التفريق العنصري الذي دعا إليه الهندوس ليس هو أساس بل الأساس في التفريق هو إصلاحية الفرد وأعماله في الحياة الماضية (٦) والحاضرة ويضيف إلى هذا أن النجاة قد تحصل لفرد من أدنى الطبقات إذا سلك طريق العشق والحب والمراقبة والنية الصالحة.
سبب الآلام والمصائب:
стр. 2005
يقول بوذا: تبدأ الآلام والمصائب إذا أراد أحد أن يميز ذاته عن آخرين لأن كل شيء في الكون مركب ومرتب على وحدة لا انفكاك عنها فإبراز شخصية يدعو إلى تغيير العالم والإنسان يحس الضعف والوهن لأنه غير مقدر على تغيير الكون فتفتح له أبواب المصائب والجاهل لا يعذر في هذا النظام المحكم (١) .
الإله:
اختلف الباحثون قديما وحديثا في تصور الإله عن البوذية فجاؤوا بأشياء لا يقام لها وزن في نقد العلم. وأنا أذكر وجهة الفريقين المنكرين والمثبتين وأترك الأمر للباحثين.
وجهة المنكرين:
١ـ ينقل عن بوذا: إن الراهبين من الهندوس جاءا عنده وهما يريدان الاتحاد"ببرهما" فوقع بينهما خصومة شديدة في تعين الطريق فتحاكما إلى بوذا.
قال بوذا: هل تعرفان مسكن برهما؟.
قالا: لا.
قال بوذا: هل رأيتما برهما؟
قالا: لا.
قال بوذا: هل تعرفان طبيعة برهما؟
قالا: لا.
قال بوذا: هل ترضيان أن تتحدا بالشمس؟.
قالا: لا؛ لأنها بعيدة عنا وهي محرقة.
قال بوذا: إذا لم يمكن لكما أن تتحدا بالشمس وهى مخلوقة فكيف بخالقها؟ ثم قال لهما: هل برهما حاسد ومتكبر؟.
قالا: لا..
قال بوذا: وهل يوجد فيكم الحسد والكبر والبغض؟.
قالا: نعم.
فال بوذا: إذاً كيف يمكن لكما أن تتحدا ببرهما وطبيعتكما تخالف طبيعته؟ .
٢ـ مرة حصل الكلام بين بوذا وبين عالم هندوسي"واششتا"فقال له بوذا:
هل رأيت برهما بعينك؟ بل هل من أسلافك مثلا"اشتك", "وامك", "وام ديو", "وشيا مترا"وغيرهم رأوه بأعينهم؟ (٢) فسكت الهندوس.
٣ـ من العلماء المتقدمين الذين أنكروا على بوذا:
تاج سين سنة١٥٠ ق. م، ناجا أرجن سنة١٧٥ م، آسنك سنة٣٦٠ م، بسوبند سنة ٤٠٠م، دجناج سنة٤٢٠م، شانت سنة٧٥٠م، شاكيا شري بدر سنة ١٢٠٠م وغيرهم.
هذه بعض أدلة المنكرين فمن يريد الإيضاح أكثر من هذا فليرجع إلى كتاب "راهول"المسمىبـ"بوذا درشن" من صفحة ١، ٤١ ـ٥٢، ١٧١.
أدلة المثبتين:
стр. 2006
العقل والنقل: أما العقل فلا يتصور الدين بدون إله لأنه أساس مشترك بين جميع الأديان٠
وأما النقل: فقد جاء لفظ "ايشور" في كتاب: "انكزنكاي" وفي كتاب"منجم نكاي".
إن البوذيين لا يعتقدون اعتقاد البراهمة في ألوهية برهما بل يفضلون بوذا على برهما، وهذا لا يتطرق إلى الانكار؛ لأن تعليمات بوذا كلها تدور حول تخليص الناس من الآلام والمصائب, والديانة البراهمية تؤدي لي النزاع؛ لأنها داعية إلي وجود الطبقات في المجتمع فإنكار بوذا لهذه العقيدة الفاسدة لا يوصل إلى نفي ذات الإله. إذاً فالتصور الصحيح كما يزعم هؤلاء المثبتون هو الإقرار بوجود الإله في حد ذاته لا في شئون الحياة كلها لأن فلسفته تدور حول تخلص الناس فهو لا يحب البحث فيما وراء الطبيعة لأنه يبعده عن منهجه.
ثم يقول المثبتون أن الشبهة حصلت لأسباب:
١ـ كان"سدهارتا"سادس ستة كلهم يدعون بـ"وذا"وهم "سكها بوذا"و"بسابوذا"و"يسها بوذا"و"كوسنكا بوذا"و"كرنا كنا بوذا"و"سبا بوذا"فاختلط الأمر فذكروا هذا بدلا من ذاك وذاك بدلا من هذا.
٢ـ لم يذكر تصور الاله من الحقائق الأربعة وهي أسس التعاليم البوذية.
٣- إن بوذا قد أغار على برهما ولم يحترم بفكرة ويدا فاتهمه الهندوس بالإلحاد وشاع هذا القول بوذا غارات شنيعة ففسقوه وبدعوه حتى صارت البوذية غريبة في وطنها ومسقط رأسها.
٤ـ كيف يتصور أن تكون التعاليم البوذية فارغة من مسائل الإله الأكبر فظل البوذيون يعبدونه من دون الله.
وقد رجح هذا المذهب الدكتور رادها كرشنا في كتابه"فلسفة الهند"ج١ص٣٥٥.
هذه بعض أدلة الفريقين وهما موجودان في يومنا هذا وأنا متوقف بدون ترجيح ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾
العبادة عند البوذية:
إنها تخلت عن طريق العبادة بالحركات والسكنات كلية فالعبادة عندهم هي:
١ـ الأعمال الصالحة وعدم الإيذاء والقتال واجتناب المسكرات.
٢ـ تزكية النفس من حطام الدنيا وزينتها حتى تصل إلى مرتبة"بوذا".
стр. 2007
٣ـ الإكثار من الحمد والثناء على بوذا لحسنه وجماله وكماله.
٤ـ التلذذ بتصوره وذكره في الخلوة والمجمع والدعاء بصيرورة نفسه مثله كاملة في الحياة الثانية.
٥ـ تذكر اسم بوذا وتصوره من أعلى مراتب العباد, وأدت هذه العقيدة إلى تعظيم المشايخ حتى فتح باب الشرك. وفي اعتقاد البوذيين أن النجاة لا تحصل بمطالعة الكتب والتدبر فيها بل لا بد من الأخذ عن الشيخ الكامل الذي يبلغ درجة"بوذا"في تزكية نفسه وتخليها عن الشهوات والرغبات وهو الوحيد الذي يتولى كشف الإسرار، وفي المرحلة الثانية يقوم العابد مقام المعبود والمعتقد مقام المعتقد والمخلوق مقام الخالق فلم يبق بينه وبين خالق أدنى فرق ومن هنا يدعي ألوهية نفسه.
لا مانع أن نستنتج من هذا إنكار بوذا اله مستقلا عن ذاته.
إشاعة الديانة البوذية:
لم تكن الديانة البوذية قاصرة على أعلى طبقات المجتمع بل فتحت صدرها لكل من أراد الدخول فيها خلافا للديانة الهندوسية, فانتشرت البوذية انتشارا هاما ودخل فيها جمهرة من الهندوس من الطبقة الوضعية. ومن حسن حظها اعتنق الملك أشوكا البوذية وجعلها دينا رسميا للبلاد وأرسل الدعاة والمبلغين في داخل الهند وخارجها وأرسل ابنه"ماهندرا"إلى جنوب الهند وسيلان فبلغت البوذية إلى شرق آسيا ووسطها ولم يكن آنذاك بين البوذيين والبراهمة خلاف كبير كما يقول السياح الصيني "فاهيانا"الذي زار الهند في القرن الخامس الميلادي يقول: إن الشعب يكرم رهبان البوذية والبراهمة سواء بسواء والمعابد لكل الدينيين تبنى جنبا على جنب٠
فلما طلع القرن السابع بدأ بعض النزاعات والخلافات فانعقد مجمع "قنوج"سنة ٦٣٤م بين أتباعها ففاز البراهمة في هذه المناظرات وبدءوا يكسرون شوكة البوذية إلى أن جاء "شنكراجاريا"سنة٧٨٨ ـ٨٢٠م من كبار شراح "ويدانت"ومن كبار دعاة الهندوس فأخرج البوذية من القارة الهندية حتى بقيت مهاجرة إلى يومنا هذا من مولدها الأصلي٠
стр. 2008
ثم جاء بعده نور الإسلام وتغلب على البقية الباقية فانهار أمام هذا النور الإلهي الهندوسية والبوذية من السند إلى أندونيسيا وتايلند فاعتنق كثير من البوذيين والهندوس الإسلام وأخيرا هاجر رهبان البوذية من أرض الهند كليا.
---
(١) أصل الكلمة"بودها" Buddha معناها صاحب العلم والمعرفة واسمه الحقيقي"سدهارتا" siddharth اختلفوا في تاريخ ولادته فقيل سنة٨٥٢ ق. م وقيل ٦٥٢ق.م وقيل ٥٥٢ ق٠ م وقد رجع علماء الغريب سنة٤٨٣ ق٠ م.
(٢) والآن تسمى"رميدايا"وهي شرق محطة القطار "نوتنوا"بقريب٨ أميال٠
(٣) وقد وجدنا في التاريخ أن"بديا"و"دندبانى"كذلك يسميان ملك شاكيا٠ فدفعا للتعارض قال بعض المحققين إن الحكومة كانت جمهورية والنواب لهذا البرلمان يسمون ملوكا ٠راجع"بد هارش"ص١٩
(٤) "أشوكا"ملك من ملوك الهند عاش قبل المسيح بقرنين وفي الآخير اعتنق الديانة البوذية وقام بنشرها فأرسل الدعاة اإلى الصين واليابان والتبت وسيلان وبورما ومن كبار دعاة البوذية بل كاد أن يكون وحيدا في هذا الميدان وهو الذي أمر ببناء تماثيل بوذا في مسقط رأسه بعد ٣١٨سنة وأمر بكتابة الحكم البوذية وتعاليمها على اللوحات الحجرية ٠والحكومة الهندية تفتخر بمثل هؤلاء الرجال الكبار فكان من تقديرها أن جعلت تطبع على الدوائر الرسمية والنقود الهندية صورة ثلاثة رؤوس لأسد وهي ذكرى خالدة للملك"أشوكا"٠
(٥) انظر تفاصيلها في "منجم نكايا"اية رقم٢- ٤-٥نقلا من كتاب ((بوذا درشن)) المصنف "راهوك سنسكرتايان"المطبوع سنة ١٩٤٣
(٦) ((ديد نكايا)) ٢-٩
(٧) يعني الاعتقاد لأربع حقائق مذكورة.
(٨) يعني نفي الذات والسعي في إفادة الخلق وهو ينبني على ثلاث طرق: ١-ترك الدنيا ولذاتها, ٢-عدم العداوة,٣-عدم القتال.
(٩) ترك مالا يعنيه والقيام بما يفيده.
стр. 2009
(١) التذكر بالأجسام المركبة من أجزاء نجسة والمراقبة لفرح الأجسام وأحزانها والمراقبة لميلان النفس والحواس الخمسة.
(٢) "منجم نكايا"١ـ٢ـ٣
(٣) يقول بوذا: الإنسان محيط بالآلام والمصائب ولا يستطيع أن يتخلص منها حتى بعد الموت لأن مولده يتكرر فهو في بحر الحياة والممات يلطمه الموج من جميع النواحي والفرق بين الحياتين أن الأولى علة للثانية٠ والثانية معلولة للأولى والحياة مركبة من خمسة عناصر: ١- الصفات المادية أو التجسيم , ٢- الحس, ٣ - الإرادة غير المادية ,٤- الترجيحات, ٥- الأفكار والتصورات٠ فإذا اختل الجسم عن هذه العناصر وقع الموت والموت لا يفنى الأعمال لأنها خارجة عن قدرتها ولها صلاحية على خلق شخص وهي معلول٠
(٤) أزلية بوذا ص ١٤٥المؤلفه دوداس.
(٥) ص١٦٤.
يجدر الإشارة هنا بأن البراهمة توهموا بهذه الحكاية إنكار بوذا وجود الإله لاعتقادهم باتحاده.
(٦) "نيوجاستا"المترجم ص٨٧.
(٧) الباب٤١
(٨) الباب ١٠١وهمامن الكتب الأساسية لتعليمات بوذا.
стр. 2010
القيم الإنسانية في الصوم
بقلم الشيخ محمد وفا هاشم
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
الشعور بالوحدة التامة، والمساواة الكاملة بين الإنسان وأخيه الإنسان نراهما واضحين في فريضة الصيام إذ هو تطبيق عملي لهذه المبادئ الإنسانية فالغني الفقير وغيرهما من ذوي الشرف والترف، وأصحاب الجاه والسلطان يشتركون في بداية الصوم ونهايته دون اختيار لواحد منهم. كما يشتركون في الحرمان المشروع طول اليوم فلا الغني الواجد يعصمه غناه عن أداء هذه الفريضة، ولا الفقير المعسر ينقذه إعساره من مشقتها إذ الكل أمام الاختبار الإلهي سواء.
إن حرمان الغني الموسر من الطعام وهو ميسور لديه ومن الشراب وهو كائن بين يديه يحمله على الشعور بما يقاسيه الفقير طوال العام فتتحرك فيه العاطفة الإنسانية وتضعف في نفسه عوامل الأنانية، وتقوى فيه دوافع الغيرية، فيشعر بالعطف السابغ يغمر قلبه، فتفيض نفسه بالخير، وتمتد يده بالإحسان ليخفف عن إخوانه في الله عبئ الحياة وشظف العيش، ومرارة الجوع، وآلام الحرمان ويسرع إلى نجدة كل محروم، ونصرة كل مظلوم، وإسعاف كل مكلوم، وبذلك يتولد بين الجماعة تراحم بالغ، وود كامل، وترابط قوي، وتكافل في الخير، وتعاون يمتد أثره إلى نواحي الحياة العامة وبهذا يصير المجتمع المؤمن كله كما أراده الله، وكما قال رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وكما قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
الصوم عبادة من ثمراتها أن يملك الإنسان زمام نفسه يكفها عن رغباتها، وكبح جماح شهواته، وتهذيب سلوكها، وكبت عواطفها, وهو بهذا يعد الإنسان إعدادا كاملا للصمود أمام أحداث الزمن، ونوائب الحياة، ويمده بالشحنة التي تهيئه لتحمل الصدمات في المحن والأزمات بقلب مطمئن، ونفس راضية بما يجري به القدر، ويجيء به القضاء.
стр. 2011
الصوم بما فيه من تطهير للروح، وتزكية للنفس، وتهذيب للخلق، وتقويم للسلوك، يربي الإرادة الحرة، ويقوي العزيمة الصادقة، ويشعر الإنسان بمراقبة الله له في خلواته ومجتمعاته لأنه سر خفي بين المرء وربه, ولذا أضافه المولى جل وعلا إلى ذاته كما جاع في حديث قدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
فإذا أيقن الصائم أن الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يطلع عليه ويراقبه في غدواته وروحاته، ويحصي عليه كل تصرفاته، ويسجل له أو عليه كل حسناته وسيئاته في كتاب لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها قويت صفة المراقبة في نفسه, وعدل سلوكه في الحياة طمعا في رحمة الله ورجاء في ثوابه، وخوفا من عقابه، ورغبة في التقوى التي جعلها الله شعار المؤمنين، وثمرة صيام الصائمين حيث قال في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
إن التقوى التي جعلها الله سبحانه هدفا من أهداف الصوم، وثمرة من ثماره قدر مشترك بين جميع العبادات. ولكن الصوم أخذ منها نصيبا كبيرا وحظا وافرا أنه جاوز الدائرة التي تقف عندها العبادات الأخرى التي تنم بالكف عن المحرمات وأضاف إليها نوعا جديدا يظهر في الكف عن الحلال والمباح، والامتناع عن مقومات الحياة من طعام شهي، وشراب سائغ.
стр. 2012
فإذا صام المسلم شهرا كاملا صارت التقوى ملكه في نفسه تتحكم في سلوكه، وتسيطر على أحاسيسه، وتوجهه نحو الخير، وتذكره بالرقيب الأعلى فيحيا الضمير الإنساني ويقوى الوازع النفسي، ويحظى المجتمع بالأفراد الصالحين، والمواطنين المخلصين العاملين لوطنهم ومجتمعهم في حزم وعزم يؤدون الواجب, ويحسنون الإنتاج، ويسهمون في الخير ويقاومون الفساد، ويجتنبون الشر، ويبرؤون بأنفسهم عن الخيانة والغش، ويحاربون التبذير والإسراف، ويقفون في وجه المحتكر اللعين، والمستغل الجشع، عندئذ تطيب الحياة وتصفوا الموارد، ويسعد المجتمع أفراد وجماعات.
إن الصوم الذي فرضه الله علينا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ,ليس معركة مبهمة ضد الجسم ولكنه خطة واضحة المعالم تهدف إلى تطهير النفس، وتزكية القلب، وتقوية الروح، وتعديل السلوك لتسير في الحياة على نهج قويم، وخلق كريم، وصدر رحيم، ونفس راضية مطمئنة تحب الخير وتصنع المعروف، وتنأى عن الشر، وتقاوم المنكر فيحفظ كل صائم لسانه عن السباب المرذول, ميصونه عن الفاحش من القول والسافل من المجون، ويترفع عن عورات الناس ومثالبهم فلا يبحث عن أسرارهم، ويجري وراء أخبارهم لينشرها بين عامة الناس وخاصتهم حتى تصبح خبرا مشاعا وحديثا مذاعا وبذلك ينال من كرامتهم ويحط من سمعتهم.
إن الصوم الكامل المقبول المثاب عليه لا يتفق مع الأخلاق الوضيعة، ولا يلائم الأفعال الدنيئة التي لا تصدر إلا عن قلوب مريضة، ولكنه يحتاج إلى صفات مثالية رفيعة، ونفوس شافة بريئة تصنع الخير، وتألف الإحسان تمقت الإثم، وتكره الظلم وتحب العدل، وتجنح إلى السلم وتحارب الشر في مختلف صوره لأنه يقطع الصلة، ويمحق المحبة ويزيل المودة، ويمزق الأسر، ويفرق الجماعة.
стр. 2013
من أجل هذا وذاك حذرنا المربي الأول محمد ﷺ من كل عمل فيه إساءة للفرد أو اعتداء على حقوق الجماعة حيث قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وقال ﷺ في حديث آخر: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإذا سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم".
إن رمضان شهر الذكريات التي جمعت النفوس، فألفت بين القلوب، وشدت الجماعة الإنسانية إلى الخالق الأعلى، وأوجدت بين أفرادها الروابط المثالية القوية التي لا تنفصم عراها، ولا تضعف أواصرها.فالقرآن الكريم نزلت أول آية منه على محمد ﷺ الصادق الأمين في ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان. أنزل الله القرآن الكريم لينقذ الإنسانية المعذبة الحائرة من الهوة السحيقة التي تردت فيها، والغور العميق الذي انحدرت إليه، والمصير الغامض المجهول الذي لا تعرف مداه ولا تقدر نهايته بما رسمه لهم من خطط هداية واضحة سليمة، ومن مناهج قويمة، فقد تضمنت آياته كل ما يحتاج إليه البشر في حاضرهم ومستقبلهم، في معاشهم ومعادهم من بيان العقيدة الصالحة الواضحة التي ترتاح لها القلوب وتطمئن النفس القلقة بما تسمع من بيان دونه كل بيان، وبما ترى من أحكام وأحكام صالحة لكل زمان ومكان.
يقول لله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ويقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ .وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 2014
جاء القرآن كذلك بالقيم الإنسانية الكفيلة بحفظ نظام المجتمع وتماسك أفراده، وسعادة أبنائه. فوضع العدل وجعله أساسا للحكم، ودعا الناس إلى الأخذ به، وتطبيقه فيما يحدث بينهم من خصومات. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وبذلك يطمئن كل فرد في المجتمع الإسلامي على حقوقه المشروعة فلا يسلب الأقوياء حقوق الضعفاء، ولا يستغل الأغنياء جهود الفقراء، ولا يستهتر الحكام بمصالح المحكومين، وبهذا يعيش الناس إخوان متحابين يتعاونون على البر ويتكافلون في الخير، ويتعاطفون في السراء والضراء.
دعا القرآن الكريم كذلك إلى الصفات المثالية، والسجايا الرفيعة التي تعمق المحبة وتحفظ أواصر المودة كالعفو والإيثار والكرم وفي ذلك يقول الله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ .
فإن كان الناس في حاجة ماسة إلى الأخذ بهذه المبادئ الإنسانية، والتعامل بها فيما بينهم في غير رمضان فهم أشد حاجة إليها فيه، لأن الصيام ربط بينهم، وطهر نفوسهم، وجعلهم يشعرون بما لإخوانهم عليهم من حقوق واجبة الرعاية، والأداء.
стр. 2015
لذلك كان رسول الله ﷺ سمحا جوادا كريما لم ياجره في جوده أحد ولم يسبقه فيه إنسان فإذا جاء رمضان بلغ جوده نهاية الجود حتى كان أجود بالخير من الريح المرسلة وقد روى عنه الرواة: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حينما يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة".
وفي رمضان ارتفعت أعلام الجهاد فوق رؤوس المسلمين، وعقدت لهم ألوية النصر إذ خاضوا كثيراً من المعارك التي جاءت فاصلة بين الحق والباطل والخير والشر وفي مقدمتها غزوة بدر الكبرى التي تعتبر غرة في جبين المعارك الإسلامية إذ فيها نصر الله الطائفة القليلة المستضعفة على الكثرة الطاغية الباغية المستبدة المعتزة بعدتها وعددها، والحق الأعزل على الباطل المغرور الأحمق المدجج.
ونرى القبائل القريبة، والشعوب البعيدة جيش محمد ﷺ يخرج من معركة متكافئة منتصرا عزيزا كريما فيوقنون أن الأمر بيد الله يعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
وهكذا نرى أن النصر في المعارك لا يرجع إلى قوة الاستحكامات وحدها، ولا يتوقف على براعة الخطط وكثرة العدد ووفرة العدد بقدر ما يتوقف على الإيمان بالله الذي يحيط عباده بالعناية والرعاية، ويمدهم بقوة من عنده، ومدد من جنده وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ , ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
стр. 2016
ذلك الكتاب لاريب فيه
بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
الكتاب الذي لاريب فيه، ولا نقص يعتريه هو القرآن الكريم، الذكر الحكيم ولا غرو فهو لبلاغة آياته، وسمو إرشاداته،ودقة معلوماته، وقوة دلائله وبيناته، وجمال قسماته، يملأ القلب يقينا بأنه نزل من سماء الحق لهداية الخلق على لسان أمّيّ لم يعرف عنه قبل نزوله انه اشتغل بشيء من علومه، أتى بكلام يساويه في فصاحته، أو يدانيه في بلاغته.
نعم إن كل منصف غير متعسف يجلس إلى مائدة القرآن، ويتأمل ما ورد فيه من معان لابد أن يقتنع بأنه آية الله الكبرى وحجته الخالدة، لابد أن يشهد بأنه بحق كتاب مبين، وواعظ ناطق، وبرهان قاطع، ونورساطع، وعقيدة صافية، وعبادة هادية ومعاملات سليمة، وأخلاق كريمة، وسياسة رحيمة، دستور سماوي، وتشريع روحي، وقانون رباني، وإصلاح اجتماعي، ونظام دولي، ويعتمد عليها طلاب المعرفة ويستند إليها أرباب النظر.
ولا بدع فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ـ وروى عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: إن هذا القرآن مأدبة فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن الله جل الله والنور المبين والشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات, أما إني لا أقول ﴿ألم﴾ حرف ولكن ألف ولام وميم". أخرجه الحاكم وصححه
стр. 2017
هذا الذي نقوله عن القرآن قد اعترف به كثير من عباقرة العالم ومشاهير الرجال في عصرنا الحديث. قال الفيلسوف الفرنسي (الكسى لوازون) : "خلف محمد للعالم كتابا هو آية البلاغة, وسجل للأخلاق, وكتاب مقدس, وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثا مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية فالانسجام تام بين تعاليم القرآن والقوانين الطبيعية."
وقال (هيرشفيلد) :"وليس للقرآن مثيل في قوة إقناعه وبلاغته وتركيبه واليه يرجع الفضل في ازدهار العلوم بكافة نواحيها في العلم الإسلامي".
وقال الدكتور (موريس الفرنسي) في وصف القرآن:"إنه بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة للغويين ومعلّم نحْوٍ لمن أراد تقويم لسانه، ودائرة معارف للشرائع والقوانين، وكل كتاب سماوي جاء قبله لا يساوى أدنى سورة من سوره في حسن المعاني وانسجام الألفاظ، ومن اجل ذلك نرى رجال الطبقة الراقية في الأمة الإسلامية يزدادون تمسكا بهذا الكتاب واقتباسا لآياته يزينون كلامهم ويبنون عليها آراءهم كلما ازدادوا رفعة في القدر ونباهة في الفكر"
وقال المؤرخ الإنكليزي الشهير (ولزآن) : "إن الديانة الحقة التي وجدتها تسير مع المدنية أنى سارت هي الديانة الإسلامية وإذا أراد إنسان أن يعرف من هذا فليقرأ القرآن وما فيه من نظريات علمية، وقوانين, وأنظمة, وقوانينه تستعمل حتى في وقتنا الحال وستبقى مستعملة حتى قيام الساعة."
هذه شهادات لبعض رجال الفكر في العصر الحديث وما أكثر الذين شهدوا للقرآن واعترفوا بأنه كتاب مجيد، فذ فريد.
ميزات القرآن:
للقرآن مميزات تفوق العد، ولا تقف عند حد، بيد أننا تشير إلى بعضها:
١ ـ يمتاز بأنه بلغ غاية الكمال في البلاغة، وامتطى صهوة الفصاحة، حتى حير العرب في زمن عرفوا فيه باللسن وقوة البيان، حيرهم وأعجزهم.
стр. 2018
وعلى الرغم من أنه تحداهم وأعلن عجزهم، واشتد في تقريعهم، وعنف في تجريحهم وبالغ في تحديهم, وتحدى جميع الإنس والجن, على الرغم من هذا كله لم يسعهم في النهاية إلا إن يستكينوا ويحنوا رؤوسهم تحت مقامع التبكيت والتحدي مع إبائهم وأنفتهم، وشدة عداوتهم، وكمال عدتهم، وتوفر الأسباب والحوافز التي تثيرهم، والآلات التي تعينهم في تحقيق أمنيتهم.
لقد حاولوا أن يطفئوا هذا النور، ويحطموا هذه الدعوة بإعلان الحرب عليها، وقتل الداعين لها.فما الذي يحوجهم إلى استخدام السنان لو كانوا يستطيعون القضاء عليها باللسان. ألم يكن من الأسهل عليهم أن يردوا عليه بسورة قصيرة أو آيات يسيرة ليقطعوا حجته، ويدحضوا معجزته، فما بالهم لم يفعلوا وعادوا وقد نكسوا رؤوسهم، واشهروا إفلاسهم، ورجعوا إليه خاضعين مستسلمين، دون أن يأخذوا عليه عيبا في أسلوبه، أو خللا في تركيبه، أو ضعفا في مبانيه، أو فسادا في معانيه، أو نقصا في أهدافه ومراميه.
لقد صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ .
حضر أحد البلغاء مجلسا يتلى فيه القرآن فلما بلغ القارئ آية السجدة سجد وسجد معه الحاضرون، وعندما رفعوا رؤوسهم قال لهم هذا البليغ: أنتم معشر القراء تسجدون، لتلاوته ونحن معشر البلغاء نسجد لبلاغته.
стр. 2019
تأمل معي آيات القرآن كيف يرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، ويتماسك تماسكا عجيبا، وتدبر هذه الآية الكريمة ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) تر الترابط العجيب بين اسم (اللطيف) وبدء الآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ والترابط الوثيق بين اسم (الخبير) وقوله سبحانه ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ وليس في القرآن كلمة ولا حرف إلا وضعهما موضعهما الصحيح دون تقديم أو تأخير ودون تبديل أو تعديل، ودون نقص أو زيادة حتى تؤدى غرضا لا يستقيم المعنى بدونه.
وفي القرآن مادة وفيرة، ومعان غزيرة لا تجدها في أي كتاب سواه، يحكى أن الأصمعي وقف متعجبا من امرأة تنشد شعرا فقالت: أتعجب من هذا؟ أين أنت من قوله سبحانه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) فقد جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين إلى جانب ما فيه من معنى جلى ولطف خفي.
٢ ـ يمتاز بأنه جمع كل ما يحتاج إليه الخلائق في معاشهم ومعادهم فهو يضع نظاما للفرد والجماعة والدولة ويعمل على توثيق الروابط وينهض بالناس جسميا وعقليا وخلقيا، ودينيا، ويقيم لهم منهاجا كاملا يكفل لهم سعادة الدنيا والآخر ﴿رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣) .
стр. 2020
ربطهم بالإله الذي خلقهم، وأسبغ عليهم نعمه، وفاض عليهم كرمه، فلا أقل من أن يعبدوه ويطيعوه ويشكروه ولا يشركوا به شيئا، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) , ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٢) , هكذا يسبق الله عباده بالإنعام عليهم، والإحسان إليهم ليكون ارتباطهم به عن طريق الحب لا عن طريق القهر، وقديما قيل (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها) وما من نعمة وصلت إلى الإنسان إلا والله هو موجدها وسائقها وميسرها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ
стр. 2021
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) , ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٢) , ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣) .
стр. 2022
وإيماننا بالله وحبنا له، يقتضي أن نحب رسوله، ونتبع هداه، ونلتزم وصاياه, ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) , "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".عن طريق الحب يرتبط العبد بالله ورسوله، وعن هذا الطريق نفسه يرتبط الإنسان بمن حوله من الناس، ويحرص القرآن على أن ينمى بذور المحبة، ويقتلع جذور العداوة والبغضاء ويفتح جميع أبواب الخير، ويغلق جميع منافذ الشر، ويمهد سبل الحب بين الناس. استمع إليه وهو يقول ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) , ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) ـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٤) ـ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) ـ ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (٦) ـ ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (٧) ـ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٨) ـ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ
стр. 2023
يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ (١) .
لقد اهتم الإسلام بأن ينقى المجتمع من الآثام ويصونه من الإجرام، ويؤسسه على الفضائل ويحميه من الرذائل ونصب حكاما يشرفون على بنائه، ويحفظونه من عوامل الهدم وأيدي التخريب، ويقيمون حدود الله، وألزم الأمة بطاعتهم ما أطاعوا الله ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢) .
وخوفا من أن يستبد الحكام أو ينحرفوا جعل الحكم شورى وأوجب العدل ورغب في الإحسان والفضل ليشيع الحب والصفاء، والإخلاص والو فاء، والسلام والإخاء ولتقوم روابط قوية بين الراعي والرعية قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) ـ ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤) ـ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥) .
стр. 2024
وقضية المال التي قسمت العالم إلى معسكرين متصارعين في عصرنا الحديث ـ كان للقرآن منها موقف وسط أنصف الفقراء والأغنياء على السواء لقد راعى غريزة التملك فلم يعارضها، وراعى حقوق الجماعة فلم يجحدها فأباح الملكية الفردية موافقة للغريزة البشرية، وأوجب في المال حقوقا يحارب الحاكم مانعها إنصافا للجماعة الإنسانية قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١) . أضاف المال إليهم وبعدئذ فرض الحق عليهم.
والمرأة وما أدراك ما المرأة! لقد شغلت العالم قديما وحديثا وذهب الناس فيها مذاهب متناقضة تتسم بالغلو في التقييد والإطلاق فأنصفها القرآن وجعل أساس معاملتها قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢) قرر حقها في التعلم والتعليم وساوى بينها وبين الرجل في التكاليف الشرعية ما عدا لوازم الأنوثة وأشركها في الأعمال الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع بما يتناسب مع طبيعتها وسوى بينهما في الجزاء على الأعمال وجعلها ذات مسؤولية مستقلة فيما بتعلق بشئونها أمام الله.
стр. 2025
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (١) ، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) , وقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (٣) .
اعترف بحق المرأة في التفكير، واحترم رأيها، وسمح لها بان تناقش وتجادل فيما أشكل أمره كيف لا وقد جادلت رسول الله ﷺ ونزل القرآن يقر صنيعها ولا يجد فيما فعلته ما يوجب اللوم أو المؤاخذة قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الآيات.
стр. 2026
شيء واحد يحرص عليه الإسلام كل الحرص أن يصون سمعة المرأة ويضمن راحتها وينأى بها عن مواطن الريب والشكوك ,ومن أجل ذلك حبب إليها البيت، وأوجب على ولي أمرها أبا وزوجا أن يقوم بنفقتها، فإن دعتها الحاجة إلى أن تخرج طلب منها الإسلام أن ترتدي ثيابا تخفى مفاتنها وتستر عورتها حتى لا يسيء إليها مسيء أو يطمع فيها دنيء قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ (١) .
ويشتد الإسلام على من يجرح كرامة المرأة بغير حق فيقرر في القرآن ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
هكذا ينصفها الإسلام وهكذا يرفع شأنها القرآن، وهكذا نجد في كتاب الله علاجا ناجحا لكل مشكلة، وجواب شافيا عن كل مسألة.
وإلى لقاء قريب إن شاء الله.
---
(٢) آية ٨٩من سورة النحل.
(٣) في المستدرك ج١ص٥٥٥ قال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر. قال الذهبي: صالح ثقة خرج له لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف اهـ والحديث ذكرناه على سبيل الاستئناس.
(٤) الإسراء آية ٨٨
(٥) الأنعام آية١.٣
(٦) القصص آية٧.
(٧) يونس آية٥٧.
(٨) النحل الآيات١٧ـ٢٢
(٩) النحل آيات٧٨ـ١١
(١٠) فاطر آية٣
(١١) النحل آية٥٣
(١٢) الزمر آية٦،٧
(١٣) آل عمران آية٢
(١٤) المائدة آية٣
(١٥) العصر آية ٣
(١٦) النحل آية٩.
(١٧) النساء آية ٦٢
(١٨) الإنعام آية٥٢ ـ ٥٣
(١٩) الإسراء آية٣٢
(٢٠) الإسراء آية٣٢
(٢١) الحجرات آية١.
(٢٢) النساء آية٥٩
(٢٣) آل عمران آية١٥٩
(٢٤) النساء آية٥٨
(٢٥) النحل آية١٢٨
(٢٦) الذريات آية١٩
стр. 2027
(١) البقرة آية ٢٢٨
(٢) الأحزاب آية ٣٤ ـ ٣٥
(٣) التوبة آية٧١
(٤) المجادلة آية١
(٥) سورة الأحزاب آية٥٩
(٦) سورة النور آية٤
стр. 2028
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
سورة النحل
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن هؤلاء الضالين المضلين يحملون أوزارهم كاملة ويحملون أيضا من أوزار الأتباع الذين أضلوهم. وقد جاءت آيات أخر تدل أنه لا يحمل أحد وزر غيره كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
والجواب: أن هؤلاء الضالين ما حملوا إلا أوزار أنفسهم لأنهم تحمَّلوا وزر الضلال ووزر الإضلال.
فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا لأن تشريعه لها لغيره ذنب من ذنوبه فأخذ به, وبهذا يزول الإشكال أيضا في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ الآية. هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السُكر المتخذ من ثمرات التخيل والأعناب لا بأس به لأن الله
امتن به على عباده في سورة الامتنان التي هي سورة النحل, وقد حرّم تعالى الخمر بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية, لأنه وصفها بأنها رجس وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها ورتب عليه رجاء الفلاح, ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح وهو كذلك، وقد بيَّن ﷺ أن كل ما خامر العقل فهو خمر وأن كل مسكر حرام وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
стр. 2029
والجواب ظاهر وهو أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ . الآية. ونسخها له هو التحقيق خلافا لما يزعمه كثير من الأصوليين من أن تحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها الأولى؛ لأن إباحتها الأولى إباحة عقلية, وهي المعروفة عند الأصوليين بالبراءة الأصلية, وتسمى استصحاب العدم الأصلي, والإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخا, ولو كان رفعها نسخا لكان كل تكليف في الشرع ناسخا للبراءة الأصلية من التكليف به, وإلى كون الإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية أشار في مراقي السعود بقوله:
وما من الإباحة العقلية
قد أخذت فليست الشرعية
كما أشار إلى أن تحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها؛ لأنها إباحة عقلية وليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخا بقوله:
أباحها في أول الإسلام
براءة ليست من الأحكام
وإنما قلنا إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخا لإباحتها؛ لأن قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ يدل على إباحة الخمر شرعا, فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي فهو نسخ بلا شك, ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر, ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب الله:
- الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها.
- الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معايبها, وأن فيها منافع وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها, وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فشَرِبها بعد نزولها قوم للمنافع المذكورة, وترَكها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع.
- الثالثة: الآية التي دلت على تحريمها في أوقات الصلاة دون غيرها, وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية.
стр. 2030
- الرابعة: الآية التي حرمتها تحريما باتا مطلقا, وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ , والعلم عند الله تعالى.
وأما على قول من زعم أن السكر: الطعم, كما أختاره ابن جرير وأبو عبيدة, أو أنه الخل فلا إشكال في الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الشيطان له سلطان على أوليائه, ونظيرها الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ .
وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على نفي سلطانه عليهم كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية, وقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية.
والجواب: هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه؛ وذلك من وجهين:
الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه, والسلطان المنفي هو سلطان الحجة, فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان, وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن.
الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة, ولكنهم هم الذين سلّطوه على أنفسهم بطاعته, ودخولهم في حزبه فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ , وإنما تسلّط عليهم بإرادتهم واختيارهم, ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 2031
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن معية الله خاصة بالمتقين المحسنين، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على عمومها, وهي قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ , وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ , وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ , ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن﴾ الآية. والجواب: أن لله معية خاصة ومعية عامة, فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق والإعانة, وهذه لخصوص المتقين المحسنين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ . وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ . الآية, وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . ومعية عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كل شيء, محيط بكل شيء, فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا وله المثل الأعلى, وسيأتي له زيادة إيضاح في سورة الحديد - إن شاء الله - وهي عامة لكل الخلائق كما دلّت عليه الآيات المتقدمة.
سورة بني إسرائيل
стр. 2032
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى ينذره على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام, ونظيرها قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ , وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات, ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ الآية. ومعلوم أنّ (كلما) صيغة عموم, ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعمّ كلّ كافر, لما تقرر في الأصول من أن الموصولات من صيغ العموم, لعمومها كلّما تشمله صلاتها كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
وقد تلا الذي التي الفروع
صيغة كل أو لجميع
стр. 2033
ومعنى قوله: (وقد تلا الذي الخ..) : أن (الذي) , و (التي) وفروعها صيغ عموم ككل وجميع, ونظيره أيضا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فانه عام أيضاً؛ لأن أول الكلام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ وأمثال هذا كثيرة في القرآن مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه أن أهل الفترة في النار, كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ , فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي ﷺ ، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ , وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. اعلم أولا: أن من يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات اختلف العلماء فيه هل هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟ كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع
وفي الأصول بينهم نزاع
стр. 2034
وسنذكر إن شاء الله جواب أهل كل واحد من القولين, ونذكر ما يقتضي الدليل رجحانه, فنقول: -وبالله نستعين- قد قال قوم: إن الكافر في النار ولو مات في زمن الفترة وممن جزم بهذا القول النووي في شرح مسلم؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة, وحكى القرافي في (شرح التنقيح) الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب (نشر البنود) وأجاب أهل هذا القول عن آية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها من ثلاثة أوجه:
الأول: إن التعذيب المنفي في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها هو التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة, وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور, واستظهر هو خلافه, ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات, وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه.
الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل, أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد؛ لأن جميع الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم, ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر, لكنهم غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى, وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.
стр. 2035
الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله ﷺ تقوم عليهم بها الحجة, ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في (الآيات البينات) وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ , إلي غير ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ - إلى قوله – ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ من الآيات المتقدمة, بأنهم لا يتبين أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار, ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان كأبي طالب, وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى, واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار كحديث "إن أبي وأباك في النار" الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث, واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث - وإن صحت - فهي أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ , واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم, واعترض هذا الاعتراض أيضاً بأن هذا التخصيص يبطل علة العام؛ لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف, وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار
следующие страницы →