← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن معية الله خاصة بالمتقين المحسنين، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على عمومها, وهي قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ , وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ , وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ , ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن﴾ الآية. والجواب: أن لله معية خاصة ومعية عامة, فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق والإعانة, وهذه لخصوص المتقين المحسنين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ . وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ . الآية, وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . ومعية عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كل شيء, محيط بكل شيء, فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا وله المثل الأعلى, وسيأتي له زيادة إيضاح في سورة الحديد - إن شاء الله - وهي عامة لكل الخلائق كما دلّت عليه الآيات المتقدمة. سورة بني إسرائيل

стр. 2032

قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى ينذره على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام, ونظيرها قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ , وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات, ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ الآية. ومعلوم أنّ (كلما) صيغة عموم, ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعمّ كلّ كافر, لما تقرر في الأصول من أن الموصولات من صيغ العموم, لعمومها كلّما تشمله صلاتها كما أشار له في مراقي السعود بقوله: وقد تلا الذي التي الفروع صيغة كل أو لجميع

стр. 2033

ومعنى قوله: (وقد تلا الذي الخ..) : أن (الذي) , و (التي) وفروعها صيغ عموم ككل وجميع, ونظيره أيضا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فانه عام أيضاً؛ لأن أول الكلام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ وأمثال هذا كثيرة في القرآن مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه أن أهل الفترة في النار, كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ , فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي ﷺ ، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ , وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. اعلم أولا: أن من يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات اختلف العلماء فيه هل هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟ كما أشار له في مراقي السعود بقوله: ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع

стр. 2034

وسنذكر إن شاء الله جواب أهل كل واحد من القولين, ونذكر ما يقتضي الدليل رجحانه, فنقول: -وبالله نستعين- قد قال قوم: إن الكافر في النار ولو مات في زمن الفترة وممن جزم بهذا القول النووي في شرح مسلم؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة, وحكى القرافي في (شرح التنقيح) الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب (نشر البنود) وأجاب أهل هذا القول عن آية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها من ثلاثة أوجه: الأول: إن التعذيب المنفي في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمثالها هو التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة, وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور, واستظهر هو خلافه, ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات, وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه. الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل, أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد؛ لأن جميع الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم, ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر, لكنهم غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى, وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.

стр. 2035

الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله ﷺ تقوم عليهم بها الحجة, ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في (الآيات البينات) وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ , إلي غير ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ - إلى قوله – ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ من الآيات المتقدمة, بأنهم لا يتبين أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار, ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان كأبي طالب, وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى, واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار كحديث "إن أبي وأباك في النار" الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث, واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث - وإن صحت - فهي أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ , واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم, واعترض هذا الاعتراض أيضاً بأن هذا التخصيص يبطل علة العام؛ لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف, وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار

стр. 2036

الدنيا, وبيّن أن ذلك الإنصاف التام علة لعدم التعذيب, فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث الله الرسل لقطعها كما صرح به في قوله: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وهذه الحجة بيّنها في سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية, وأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ , وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض هل هو قادح في العلة أو تخصيص لها؟ وهو اختلاف كثير معروف في الأصول عقده في مراقي السعود بقوله: - في تعداد القوادح في الدليل -: منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح وقد روى عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص وعكس هذا قد رآه البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر إن جاء لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع

стр. 2037

والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة إن كان لوجود مانع من التأثير أو انتفاء شرط التأثير فوجودها مع تخلف الحكم لا ينقضها ولا يقدح فيها وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا تقض لها كالقتل عمدا عدوانا فانه علة القصاص إجماعا ولا يقدح في هذه العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده لأن تأثيرها منع منه مانع هو الأبوة وأما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء بشرط فانه يكون نقضا لها وقدحا فيها ولكن يرد على هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه﴾ علة منصوصة لقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُم﴾ الآية, مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عذب به بنو النضير من جلاء أو تعذيب دنيوي وهو يؤيد كون النقض تخصيصا مطلقا لا قدحاً. ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال: إن التحقيق المذكور محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة وهذه منصوصة كما قدمنا ذلك في أبيات مراقي السعود في قوله: وليس فيما استنبطت بضائر ... إن جاء لفقد الشرط أو لما منع هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة, والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة؛ لان الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما أشار له في المراقي بقوله: والجمع واجب متى ما أمكنا..الخ..

стр. 2038

ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع عذب بالنار وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لان الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين, وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان, وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا, ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم, وأعلم به نبيه ﷺ ، فيزول التعارض. والدليل على هذا الجمع ورود الأخبار به عنه ﷺ . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ بعد أن ساق طرق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة رادّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه: "والجواب عما قال, إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء, ومنها ما هو حسن, ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن, وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها"انتهى محل الغرض منه بلفظه, ثم قال "إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء فهو مردود من وجهين: الأول أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه ﷺ ولو سلمنا عموم ما قال من أن الآخرة ليست دار عمل لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم. الثاني: أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عر صات المحشر بل نقول دل القاطع عليه؛ لأن الله تعالى صرّح في سورة القلم بأنهم يُدعون إلى السجود في قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الآية ومعلوم أن أمرهم بالسجود تكليف في

стр. 2039

عر صات المحشر, وثبت في الصحيح أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحدا ًكلما أراد السجود خرّ لقفاه, وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه, ويتكرر ذلك مرارا, ويقول الله تعالى يا ابن آدم ما أغدرك ثم يأذن له في دخول الجنة, ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عر صات المحشر والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ : هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ , ووجه الجمع أن الحصر في آية الإسراء حصر في المانع العادي والحصر في آية الكهف في المانع الحقيقي. وإيضاحه: هو ما ذكره ابن عبد السلام من أن معنى آية الكهف وما منع الناس أن يؤمنوا إلا أن الله أراد أن تأتيهم سنة الأولين من أنواع الهلاك في الدنيا أو يأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي مراده فهذا حصر في المانع الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة. ومعنى آية سبحان الذي أسرى أنه ما منع الناس من الإيمان إلا استغرابهم أن الله يبعث رسولا من البشر واستغرابهم لذلك ليس مانعا حقيقيا بل عاديا يجوز تخلفه فيوجد الإيمان معه بخلاف الأول فهو حقيقي لا يمكن تخلفه ولا وجود الإيمان معه. ذكر هذا الجمع صاحب الإتقان, والعلم عند الله تعالى.

стр. 2040

قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا﴾ الآية،هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عمياً وبكماً وصماً. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ , وكقوله ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ ، وكقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحا﴾ .الآية والجواب عن هذا من أوجه: الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئا يسرهم ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس وروى أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسى في تفسيره فتزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به كما تقدم نظيره. الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة. سورة الكهف

стр. 2041

قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ . هذه الآية تدل بظاهرها على أن المكره على الكفر لا يفلح أبدا. وقد جاءت آية أخرى تدل على أن المكره على الكفر معذور إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان وهي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ . الآية. والجواب عن هذا من وجهين:

стр. 2042

الأول: أن رفع المؤاخذة مع الإكراه من خصائص هذه الأمة فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ويدل لهذا قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فهو يدل بمفهومه على خصوصه بأمته ﷺ وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التخصيص هو اتصافه ﷺ بالأفضلية على من قبله من الرسل واتصاف أمته بها على من قبلها من الأمم. والحديث وان أعله أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما وحديثا بالقبول ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذر بالإكراه, حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم مع أنه قربه ليتخلص من شر عبدة الصنم, وصاحبه الذي امتنع من ذلك قتلوه فعلم أنه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه ولا إكراه أكبر من خوف القتل ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه, وظواهر الآيات تدل على ذلك فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛ لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِم﴾ صريح في الإكراه وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ مع أنه تعالى قال:"قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم يدل بظاهره على أن التكليف بذلك كان معهوداً قبل, وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ مع قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّه﴾ فأسند إليه النسيان والعصيان معا يدل على ذلك أيضا وعلى القول بأن المراد بالنسيان الترك فلا دليل في الآية. وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ مع قوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي في تفسيره عن الكلبي من أن المؤاخذة بالنسيان كانت من الأصر على من قبلنا وكان عقابها يعجل لهم في الدنيا فيحرم عليهم بعض

стр. 2043

الطيبات. وقال بعض العلماء: إن الإكراه عذر لمن قبلنا وعليه فالجواب هو: الوجه الثاني: أن الإكراه على الكفر قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه كما يفهم من مفهوم قوله تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان﴾ وإلى هذا الوجه جنح صاحب روح المعاني والأول أظهر عندي وأوضح والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ .هذه الآية تدل على أن عيْبها يكون سببا لترك الملك الغاصب لها ولذلك خرقها الخضر وعموم قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ يقتضي أخذ الملك للمعيببة والصحيحة معا. والجواب أن في الكلام حذف الصفة وتقديره: كل سفينة صالحة صحيحة. وحذف النعت إذا دل المقام عليه جائز كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل ومن شواهد حذف الصفة قول الشاعر: ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص الأسدي: من قوله قول ومن فعله فعل ومن نائله نائل يعني من قوله قول فصل وفعله فعل جميل ونائله نائل جزل. --- (١) ولو قيل: إن الذي دخل النار في ذبابة دخلها لمجرد رضاه بالذبح المفهوم من قوله: ما عندي ما أقدم، لأنه أجاب مبدئيا بعدم وجود ما يقدمه بخلاف صاحبه أجاب بعدم تقديمه فعلم منه أن الأول راض عن التقديم لكنه لم يجد ما يقدمه فدخل النار على رضاه وقبوله أما الآخر الذي امتنع فقتل وكان من حقه أن يقدم تقية ولو فعل فلا مانع لأن قلبه مطمئن بالإيمان لكنه لم يفعل فلا حق له. فالظاهر أنه ترك ذلك اختيارا كالذي أخذ أسيرا وأرادوا صلبه بمكة ثم عرضوا عليه أن يتمنى لو أن محمدا صلى الله وسلم مكانه ويتركونه فأبى حتى ولا أن يشاك بشوكة. وكان يمكنه أن يوافقهم تقية لكنه لم يوافقهم.

стр. 2044

شعر أهل الحديث (٢) بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ المدرس بالمعهد الثانوى بالجامعة ما جرى على لسان رسول الله صلى الله وسلم من الشعر: أي ما صدر منه دون أن يقصد إلى نظمه ويتكلف قوله؛ لأنه ﷺ كما أسلفنا لم يكن شاعرا (بإجماع العلماء) لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ لكن ذلك لم يمنع أن يصدر منه في أحيان نادرة كلام موزون, وذلك شأن من شئون الفصحاء الذين اكتملت فصاحتهم وبلغوا أعلى درجاتها أن يجري على لسانهم الشعر دون أن يقصدوا نظمه أو يعدوا من الشعراء. وولد عبد المطلب كانوا من أفصح العرب وكانوا شعراء, رجالهم ونساؤهم إلا رسول الله ﷺ كما ذكره الشعبي ﵀. وأكثر ضروب الشعر انتشار بين العرب - الرجز - فكان يجري على لسان كل أحد في شتى المناسبات شاعرا كان أو غير شاعر، وأخص مناسباته معترك الأقران حينما يقرع السنان بالسنان، فتجد الفرسان يرتجزون أبيات الحماسة والفخر. ويرتجز الركبان أيضا حينما تسير الإبل ويسمى (حداء) ..فهذا (الرجز) نوع ولون من ألوان الشعر, سهل خفيف وجميل، ولذلك حبب إلى نفوسهم فقالوه غالبا دون تكلف لنظمه أو قصد إلى وزنه.. وإذا لاحظت ما جرى على لسان رسول ﷺ من الشعر تجده من الرجز ليس غير.. وهذا لا يمس قولنا انه لم يكن شاعرا بشيء من الاعتراض أو النقص..وهو وحده لا يكفي ليقال لصاحبه انه شاعر. من أشهر ما جرى على لسانه ﷺ ما رواه البخاري وغيره في حديث بناء المسجد أنه كان يرتجز ويقول: اللهم إنه لا عيش إلا عيش الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة فكان الصحابة يرددون معه ذلك. وتلاحظ في هذه الرواية أن الشطر الأول مكسور بل هو في كل روايات هذا الحديث ورد منكسرا وصدق الله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ . وقد أورده البخاري أيضا في كتاب الصلاة بلفظ: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

стр. 2045

وفي باب مناقب الأنصار بلفظ: فأكرم الأنصار والمهاجرة وفي باب غزوة الخندق بلفظ اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقال الصحابة مجيبين: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وروى ابن إسحاق أنه ﷺ كان يقول: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم المهاجرين والأنصار وذكر ابن القيم في زاد المعاد أنه ﷺ كان يقول أيضا عند بناء المسجد هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر فيجيبه بعض الصحابة قائلا: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل وروى ابن هشام أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يرتجز يومئذ فيقول: لا يستوي من يعمر المسا جدا يدأب فيه قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا قال ابن إسحاق: فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها. ومنه كذلك ما رواه الشيخان عند ذكر غزوة حنين ,في حديث البراء أنه قال: أما أنا فأشهد على النبي صلى عليه وسلم أنه لم يول ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهذا رجز موزون لا شك فيه، وقد أبعد ابن العربي ﵀ في محاولته إثبات أن النبي ﷺ نطق بالباء في (كذب) بالتنوين وليس في روايات الحديث ما يدل على ذلك, بل هو ظن منه وإلا فالأصل أن النبي ﷺ نطق بالباء ساكنة. ثم روى عن الأخفش والخليل أن ما جاء من الرجز على جزأين لا يكون شعرا.

стр. 2046

قلت: هذا مما جرى على لسانه ﷺ منظوما سواء كان يعتبر شعرا عند الأخفش والخليل أو لا يعتبر.. إلا أن رسول الله ﷺ لم يقصد نظمه..هذا مع أن العادة جرت عند العرب كما ذكرت آنفا أن يرتجز أبطالهم في مثل هذه المواضع الحرجة إثارة للحماسة وتحريضا على القتال.. وهو هنا ﷺ يقصد ذلك ويقصد معه أيضا إعلام أصحابه بوجوده وثباته وأنه لم يصب بسوء فتطمئن قلوبهم ويتم جمعهم فان موت القائد مدعاة للاضطراب. ومنه أيضا ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال:"زفت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله ﷺ فقال: أهديتم الفتاة؟ قالوا: نعم قال: أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا, فقال رسول الله ﷺ : إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم وأخرجه الهيثمي عن عائشة قالت: "سمع النبي ﷺ نساءهم يقلن في عرس: وأهدى لها كبشا صحيح في المربد وزوجك في النادي ويعلم ما في غد فقال رسول الله ﷺ : لا يعلم ما في غد إلا الله ألا قلتم: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ولفظه عند البخاري: قالت جاء النبي ﷺ فدخل حين بنى علي فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم مافي غد فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين (١) . ما أنشده ﷺ وما استنشده: قال ابن كثير ﵀: ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أولم يتمه.

стр. 2047

قلت: ذلك كان هو الغالب عليه ﷺ لكنه لا يمنع أنه أحيانا ينشد أبياتا تامة من غير نقص ولا زحاف بل يقولها ﷺ كما سبق في حديث ابن عباس وعائشة. وكما سيأتي في ذكر حفر الخندق وأنه ﷺ كان ينشد أبياتا لا بيتا واحدا لعبد الله بن رواحة. وكذلك في حديث جندب في الصحيحين وفي حديث الترمذي: إن تغفر اللهم تغفرجما. وروى الترمذي وصححه والنسائي وأحمد ورواه البخاري في الأدب المفرد وابن كثير في تفسيره عن عائشة ﵂ أنها سئلت: "هل كان رسول الله ﷺ يتمثل شعرا قط.. قالت أحيانا إذا دخل بيته يقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود هكذا رواه الأئمة، إلا أن ابن كثير قال: قال سعيد بن أبي عروة عن قتادة قيل لعائشة: "هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر. قالت: "كان أبغض الحديث إليه غير أنه ﷺ كان يتمثل ببيت أخي بني قيس فيجعل أوله آخره وآخره أوله". وفي رواية فجعل ﷺ يقول: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار" قال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال صلى الله علنه وسلم: "إني لست بشاعر وما ينبغي لي". قلت: هذا الحديث مرسل؛ فإن قتادة لم يسمع من عائشة قال الحاكم في علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس. ومما أنشده ﷺ ما رواه الشيخان أنه كان ينقل التراب يوم الخندق ويقول: والله لولا الله ما اهتدينا وفي رواية: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الآلي قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا وفي لفظ: وإن أرادوا فتنة أبينا قال البخاري: ثم يرفع صوته: أبينا أبينا وهذه الأبيات لعبد الله بن رواحه رضي الله تعالى عنه. ومنه أيضا ما رواه الحسن البصري مرسلا أن النبي ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا

стр. 2048

فقال أبو بكر: يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا. ومنه أيضا ما رواه البيهقي في دلائل النبوة أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن مرداس السلمي: "أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة"فقال: إنما هو: بين عيينة والاقرع.. فقال ﷺ : "الكل سواء". وأصل هذه الأبيات أن النبي ﷺ لما أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أكثر مما أعطاه وذلك من غنائم حنين قال العباس: أتجعل نهبي ونهب العبيـ د بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع هكذا أورده ابن حجر في الإصابة. وذكره ابن هشام كلامه عن غزوة حنين فقال: قال العباس بن مر داس يعاتب رسول الله ﷺ : كانت نهابا تلافيتها بكرى على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبيـ د بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرء فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها عديد قوائمها الأربع قال ابن هشام: أنشدني يونس النحوي: فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس أتى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: أنت القائل: فأصبح نهبي ونهب العبيـ د بين الأقرع وعيينة فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله: "هما واحد.." فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ومنه أيضا ما رواه ابن كثير أن النبي ﷺ جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول "نفلق هاما" فيقول الصديق: ... من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

стр. 2049

ومنه أيضا ما جاء في الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال:"كنا مع رسول الله ﷺ في غار فنكبت إصبعه فقال ﷺ : هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وهذا البيت لعبد الله بن رواحه قالها في جملة أبيات يوم مؤتة لما أخذ اللواء من جعفر بن أبي طالب ﵁ وقاتل فأصيبت إصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت يا نفس إلا تقتلي تموتي هذي حياض الموت قد صليت وما تمنيت فقد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت ومنه ما روى الترمذي وقال حديث صحيح حسن غريب أن النبي ﷺ قال: إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وهذا البيت لأمية بن أبي الصلت وقيل لأبي خراش الهذلي ويذكر في كتب النحو وقبله: إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما ومنه ما أخرجه مسلم في كتاب الشعر عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: "ردفت النبي ﷺ يوما فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه. فأنشدته بيتا فقال: هيه. ثم أنشدته بيتا. فقال: هيه. حتى أنشدته مائة بيت. وفي لفظ قال: إن كاد ليسلم". قلت: وهذا يخالف مرسل قتادة الذي روى فيه أن عائشة قالت عن الشعر: "إنه كان أبغض الحديث إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم". ومما استنشده رسول الله ﷺ ما أخرجه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك، وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما أبقينا وثبت الأقدام إن لاقينا وألقي سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا

стр. 2050

فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع. قال: "يرحمه الله". قال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به. وقد مات عامر في هذه الغزوة وفي بعض روايات هذا الحديث عند الطبراني أن رسول الله ﷺ هو الذي طلب من عامر فقال له: "حدثنا من هناتك", فنزل عامر يرتجز لرسول الله ﷺ . قال الهيثمي: رواه الطبراني عن أبي الهيثم بن التيهان عن أبيه ولم أعرف أبا الهيثم وبقية رجاله ثقات. قلت: أما أبو الهيثم فهو ابن مالك والتيهان لقب لأبيه بن عتيلة بن عمرو الأنصاري الأوسي. قال ابن إسحاق: هو ممن شهد بدرا وقال: كان نقيب بني عبد الأشهل في بيعة العقبة وقد آخى النبي ﷺ بينه وبين عثمان بن مظعون وشهد المشاهد كلها، واختلف في وفاته فقيل توفي زمن النبي ﷺ وقيل توفي بصفين. - للبحث صلة - --- (١) في كتاب بدء الخلق من الجامع الصحيح (ط الحلبي١٣٧٧ هـ) ٨٧:٥ عبارة ابن إسحاق يفهم منها أن الرسول ﷺ كان مرددا لذلك الكلام وهو لغيره من العاملين في البناء. انظر سيرة ابن هشام ج١ص ٤٩٦ (المجلة) . (٢) البخاري ١/١١٧ (٣) نفس المصدر ٤٢:٥. (٤) نفس المصدر ١٣٧:٥ (٥) سيرة ابن هشام ٤٩٦:١. (٦) البخاري ١٩٤:٥ (٧) البخري ٢٥:٧ (٨) ٥٧٨:٣ (٩) معرفة علوم الحديث: ١١١ (١٠) ابن كثير ٥٧٨:٣ (١١) البخاري ١٦٦:٥

стр. 2051

فضل الجهاد والمجاهدين عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية الحمد لله الذي أمر بالجهاد في سبيله، ووعد عليه الأجر العظيم والنثر المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله أفضل المجاهدين وأصدق المناضلين وأنصح العباد أجمعين صلى الله عليه سلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الكرام الذين باعوا نفوسهم لله وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهم الدين وأعز بهم المؤمنين، وأذل بهم الكافرين ﵃ وأكرم مثواهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 2052

أما بعد: فإن الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات، ومن أعظم الطاعات، بل هو أفضل ما تقرّب به المتقربون وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين، وقمع الكافرين والمنافقين وتسهيل انتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين، وإخراج العباد من الظلمات إلى النور ونشر محاسن الإسلام وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين، وقد ورد في فضله وفضل المجاهدين من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يحفز الهمم العالية، ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في هذا السبيل، والصدق في جهاد أعداء رب العالمين وهو فرض كفاية على المسلمين إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وقد يكون في بعض الأحيان من الفرائض العينية التي لا يجوز للمسلم التخلف عنها إلا بعذر شرعي كما لو استنفره الإمام أو حصر بلده العدو أو كان حاضرًا بين الصفين، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة معلومة، ومما ورد في فضل الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ, لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ, عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ, لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ, إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ

стр. 2053

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الكريمات يأمر الله عباده المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد خفافًا وثقالاً أي شيبًا وشبانًا وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ويخبرهم أن ذلك خير لهم في الدنيا والآخرة، ثم يبين سبحانه حال المنافقين وتثاقلهم عن الجهاد وسوء نيتهم، وأن ذلك هلاك لهم بقول : ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ الآية، ثم يعاتب نبيه ﷺ عتابًا لطيفًا على إذنه لمن طلب التخلف عن الجهاد بقوله سبحانه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ، ويبين أن في عدم الإذن لهم تبين الصادقين وفضيحة الكاذبين ثم يذكر أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا يستأذن في ترك الجهاد بغير عذر شرعي لأن إيمانه الصادق بالله واليوم الآخر يمنعه من ذلك، ويحفزه إلى المبادرة إلى الجهاد والنفير مع أهله، ثم يذكر سبحانه أن الذي يستأذن في ترك الجهاد هو عادم الإيمان بالله واليوم الآخر المرتاب فيما جاء به الرسول ﷺ وفي ذلك أعظم حث وأبلغ تحريض على الجهاد في سبيل الله، والتنفير من التخلف عنه، وقال تعالى في فضل المجاهدين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

стр. 2054

ففي هذه الآية الكريمة الترغيب العظيم في الجهاد في سبيل الله وبيان أن المؤمن قد باع نفسه وماله على الله وأنه سبحانه قد تقبل هذا البيع وجعل ثمن أهله الجنة وأنهم يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون، ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بذلك في أشرف كتبه وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، ثم بين سبحانه أنه لا أحد أوفى بعهده من الله ليطمئن المؤمنون إلى وعد ربهم ويبذلوا السلعة التي اشتراها منهم وهي نفوسهم وأموالهم في سبيله سبحانه عن إخلاص وصدق وطيب نفس حتى يستوفوا أجرهم كاملا في الدنيا والآخرة، ثم يأمر سبحانه المؤمنين أن يستبشروا بهذا البيع لما فيه من الفوز العظيم والعاقبة الحميدة والنصر للحق والتأييد لأهله وجهاد الكفار والمنافقين وإذلالهم ونصر أوليائه عليهم وإفساح الطريق لانتشار الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ, يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 2055

ففي هذه الآيات الكريمات الدلالة من ربنا على أن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله هما التجارة العظيمة المنجية من العذاب الأليم يوم القيامة، ففي ذلك أعظم ترغيب وأكمل تشويق إلى الإيمان والجهاد، ومن المعلوم أن الإيمان بالله ورسوله يتضمن توحيد الله وإخلاص العبادة له سبحانه، كما يتضمن أداء الفرائض وترك المحارم ويدخل في ذلك الجهاد في سبيل الله لكونه من أعظم الشعائر الإسلامية ومن أهم الفرائض، ولكنه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه، وللترغيب فيه لما يترتب عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي سبق بيان الكثير منها، ثم ذكر سبحانه ما وعد الله به المؤمنين المجاهدين من المغفرة والمساكين الطيبة في دار الكرامة ليعظم شوقهم إلى الجهاد وتشتد رغبتهم فيه، وليسابقوا إليه ويسارعوا في مشاركة القائمين به، ثم أخبر سبحانه أن من ثواب المجاهدين شيئًا معجلاً يحبونه وهو النصر على الأعداء والفتح القريب على المؤمنين، وفي ذلك غاية التشويق والترغيب. والآيات في فضل الجهاد والترغيب فيه بيان فضل المجاهدين كثيرة جدًا، وفيما ذكر سبحانه في هذه الآيات التي سلف ذكرها ما يكفي ويشفي ويحفز الهمم ويحرك النفوس إلى تلك المطالب العالية والمنازل الرفيعة والفوائد الجليلة والعواقب الحميدة، والله المستعان.

стр. 2056

أما الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين، والتحذير من تركه والإعراض عنه فهي أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، ولكن نذكر منها طرفًا يسيرًا ليعلم المجاهد الصادق شيئًا مما قاله نبيه ورسوله الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم في فضل الجهاد ومنزلة أهله، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها"، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة" خرجه مسلم في صحيحه، وفي لفظ له: "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنة الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة"، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي اللون لون الدم والريح ريح المسك" متفق عليه، وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" متفق على صحته، وعن أبي عبس بن جبير الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" رواه البخاري في صحيحه، وفيه أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه

стр. 2057

قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض"، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق"، وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط عليكم ذلاَّ لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن القطان، وقال الحافظ في البلوغ: "رجاله ثقات"، والأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين وبيان ما أعد الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية، والثواب الجزيل، وفي الترهيب من ترك الجهاد والإعراض عنه كثيرة جدًا، وفي الحديثين الأخيرين، وما جاء في معناهما الدلالة على أن الإعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق، وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاملات الربوية من أسباب ذل المسلمين وتسليط الأعداء عليهم كما هو الواقع، وأن ذلك الذل لا ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم بالاستقامة على أمر الله والجهاد في سبيله، فنسأل الله أن يمنّ على المسلمين جميعًا بالرجوع إلى دينه وأن يصلح قادتهم ويصلح لهم البطانة ويجمع كلمتهم على الحق ويوفقهم جميعا للفقه في الدين والجهاد في سبيل رب العالمين حتى يعزهم ويرفع عنهم الذل، ويكتب لهم النصر على أعدائه وأعدائهم أنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2058

العدد ١٢ فهرس المحتويات ١- ابن هشام الأنصاري وآثاره: بقلم الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع ٢- أحب الأعمال إلى الله: بقلم الشيخ محمد الطاهر النيفر ٣- أخلاق الرسول ﷺ : بقلم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ٤- أضواءٌ على العالم الإسلامي:نداء من: محمد عبد القيوم خان رئيس دولة كشمير وجامو الحرة إلى جميع المسلمين في العالم ٥- أضواء من التفسير: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٦- الاقتصاد العالمي بين الاشتراكية والإسلام: بقلم الشيخ محمد المجذوب ٧- الإمام أحمد ودفاعه عن السنة: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي ٨- المثل العليا للشباب: للشيخ محمد المهدي محمود ٩- المسئولية في الإسلام (٢) : بقلم الشيخ عبد الله قادري ١٠- المقصود من الجهاد: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ١١- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١٢- سيراليون: بقلم الشيخ: أحمد صالح محايري ١٣- شبَابُ الأمة عنوان مستقبلها: بقلم الشيخ محمد أبو فرحة ١٤- شعر أهل الحديث (٣) : بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ ١٥- لقاء صحفي مع سعادة الدكتور محمد محسن خان: إعداد أحمد عبد الحميد عباس ١٦-هل يشترط لكاتب القصة التاريخية الإلمام باللغات الأوربية?: بقلم الطالب: عبد الرحمن الأنصاري ١٧- يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 2059

ابن هشام الأنصاري وآثاره بقلم الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع: المدرس بكلية الشريعة بالجامعة نسبه: هو عبد الله أبو محمد جمال الدين. وفق عبارة ابن مالك: واسما أتى وكنية ولقبا وأخرن ذا أن سواه صحبا واسم أبيه يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري أرومة ومحتدا، المصري نشأة ومولدا. وهذا النسب قد جاء في كتابي السيوطي (بغية الوعاة وحسن المحاضرة) كما جاء في (شذرات الذهب) لأبي الفلاح عبد الحميد بن العماد, وفي (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) للعلامة الشوكاني, وفي (دائرة المعارف الإسلامية) . وقد أثبته الزميل المحقق الأستاذ محمد شريف الزئبق في نشره حديثا أثرا هاما من آثار المترجم له صغير الحجم وفير العلم ظل رهين الغربي من المكتبات دفين المنسى من المخطوطات حتى أذن الله للأخ الشريف أن يبرزه في ثوب قشيب وضاح الجبين ذلك هو (الجامع الصغير) الذي ازدانت به المكتبات العربية وتسامع به عشاق تراث ابن هشام فأقبلوا إليه يزفون، وإنها لمكرمة تذكر فتشكر لأبي خالد؛ لأن فضيلة النشر في البقاع لا تقل عن فضيلة الاختراع زاده الله توفيقا في إحياء المخطوطات من ثمرات قرائح الراسخين في العلم. ومن الأمانة العلمية في نسب ابن هشام أن نسجل ما ذكره الإمام ابن حجر في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) فقد جاء فيها أنه عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري. فجعل جده الأدنى عبد الله وجد أبيه يوسف على حين قد أجمع غيره على أن جده أحمد وجد والده عبد الله.

стр. 2060

وإذا علمنا أن العلامة ابن حجر قد سبقهم في الترجمة لابن هشام ساغ لنا أن نقول إن الحق معه حيث ذكر النسب كاملا ويكون غيره على حق إذا روعي الاختصار في السلسلة النسبية بحذف ما يدل عليه مثله وهو هنا (عبد الله بن يوسف) فلا منافاة إذن بين النسبين. وبدهي أنه من سلالة الأنصار الذين آووا رسول الله ﷺ وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فسماهم من أجل ذلك أنصارا. والأنصار ينتمون إلى الأوس والخزرج من قبائل الأزد بن الغوث بن ثبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ أخي جرهم وحضرموت أبناء قحطان. وقد قرر بعض الشيوخ أن ابن هشام من الأوس ورأى آخرون أنه من الخزرج وهو الذي أيده العلامتان عبادة والأمير، وإلى الأخير أميل وأرجح. مولده ووفاته: ولد ابن هشام بالقاهرة يوم السبت الخامس من ذي القعدة في العام الثامن من القرن الثامن سنة ثمان وسبع مائة هجرية بإجماع الروايات. واختاره الله لجواره ليلة الجمعة الخامس من شهر ذي القعدة في العام الأول من العقد السابع في القرن الثامن (سنة ٧٦١هـ) سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية عن ثلاثة وخمسين عاما لم تنقص ولم تزد فيما تضافرت عليه الروايات، ولم يشذ من بينها إلا ما ذكره صاحب (كشف الظنون) حاجي خليفة في غير موضع من كتابه أن وفاته كانت سنة اثنتين وستين وسبعمائة هجرية (٧٦٢هـ) . وأيا ما كان فلقد بورك له في عمره حيث أربت مؤلفاته وفيها البسيط والوجيز والوسيط على بضع وثلاثين من أمهات المراجع التي وهب الله لها ما وهب من قبول ورواج في شتى الآفاق. فإذا كان قد بلغ أشده واستوى في مستهل العقد الثالث من حياته المفعمة بالجد والعمل فيكون قد أتحف القراء في كل علم بكتاب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. كشف اللثام عمن أطلق عليه (ابن هشام)

стр. 2061

يتسامى إلى ابن هشام جماعة كثيرة وعتهم (بغية الوعاة) في طبقات اللغويين والنحاة اشتهر من بينهم تسعة المترجم له واسطة عقدهم غير منازع لما جبل عليه من مواهب وتوافر لديه من مناقب جعلته في علوم العربية عامة وفنون الأدب خاصة صاحب البحر المسجور والروض الممطور إلى ما تطامن له في اللغويات وبلغ الغاية فيه من الشواهد النحوية وتخريجها وفق القراءات السبعة وخطها بيمينه بأحرف من نور في كتاب مسطور هو بحق كما قال فيه الكرام الكاتبون كالشهاب الخفاجي في حاشيته، وابن خلدون في غير موضع من مقدمته. قال الخفاجي: مغنى اللبيب جنة أبوابها ثمانية أما تراها وهي لا تسمع فيها لاغية وقد أخذه من قول العلامة الأمير في شرحه على (مغنى اللبيب) ألا إنما مغنى اللبيب مصنف جليل به النحوي يحوي أمانيه وما هو إلا جنة قد تزخرفت ألا تنظر الأبواب فيه ثمانية وقال التاريخ المحقق بعد البيان المتدفق لابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه وقديما قيل: إنما يقدر الكرام كريم ويقيم الرجال وزن الرجال حقا لقد كان ابن هشام موسوعة مطبوعة في البحث العميق والتحليل الدقيق ختمت به دولة المجتهدين في النحو ومن جاء بعده من فحول العلماء أما شارح لكلامه أو ناقل عنه وعن غيره شاهد له بطول الباع ورسوخ الأقدام وليس نبوغه وقفا على النحو بل وصل إلى الأعماق في كل ما يمت إليه من أدب ولغة وقراءات. وكان من الفنون بحيث يقضى له في كل فن بالجميع وكأن الله تعالت آلاؤه وجلت نعماؤه قد أدخر للغة قرآنه وتوجيه بيانه من الراسخين في العلم الملهمين في الفهم من يستوعب لغة الضاد أصولها وفروعها معنيا بها موغلا فيها متوفرا على أجلها. وإذا أردت من العلوم أجلها

стр. 2062

فأجلها منها مقيم الألسن فكانت تلك الخصال بعض خلال ابن هشام الذي أنجبه القرن الثامن ليكون صاحب العلم في ميادين العلوم مستعينا بالصبر معتصما بالنهي شعاره تنطق به حكمته: ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل ومن لم يذل النفس في طلب العلا يعش دهرا طويلا أخا ذل وإنها لنصيحة مجرب أخلق بكل طالب علم أن يأخذ نفسه بها ليسير في درب ابن هشام فيصل بعون الله، وفي مقال تال بيان عن بقية الأعلام ممن يطلق عليه ابن هشام.

стр. 2063

المقصودُ مِنَ الجِهَاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية الجهاد جهادان: جهاد طلب، وجهاد دفاع، والمقصود منهما جميعاً هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإعلاء دين الله في أرضه وأن يكون الدين كله لله وحده كما قال في كتابه الكريم من سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ , وقال في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ , وقال في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا منيّ دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". وفي صحيح مسلم عنه أيضا ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به". وفي صحيح مسلم أيضا عن طارق الأشجعي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه

стр. 2064

وحسابه على الله ". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وفي هذه الآيات والأحاديث الدلالة الظاهرة على وجوب جهاد الكفار والمشركين وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام، وإصرارهم على الكفر حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد ﷺ ويتبعوا ما جاء به، وأنه لا تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بذلك وهي تعم جهاد الطلب وجهاد الدفاع، ولا يستثنى من ذلك إلا من التزم بالجزية بشروطها إذا كان من أهلها عملا بقول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .

стр. 2065

وثبت عن النبي ﷺ أنه أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء الأصناف الثلاثة من الكفار وهم اليهود والنصارى والمجوس ثبت بالنص أخذ الجزية منهم فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة حتى يدخلوا في الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أما غيرهم فالواجب قتالهم حتى يسلموا في أحد قولي العلماء لأن النبي ﷺ – قاتل العرب حتى دخلوا في دين الله أفواجاً ولم يطلب منهم الجزية، ولو كان أخذها منهم جائزا تحقن به دماؤهم وأموالهم لبينه لهم، ولو وقع ذلك لنقل, وذهب بعض أهل العلم إلى جواز أخذها من جميع الكفار لحديث بريدة المشهور في ذلك المخرج في صحيح مسلم، والكلام في هذه المسألة وتحرير الخلاف فيها وبيان الأدلة مبسوط في كتب أهل العلم من أراده وجده، ويستثنى من الكفار في القتال النساء والصبيان والشيخ الهرم ونحوهم ممن ليس من أهل القتال ما لم يشاركوا فيه فإن شاركوا فيه أو ساعدوا عليه بالرأي والمكيدة قوتلوا كما هو معلوم من الأدلة الشرعية، وقد كان الجهاد في الإسلام في أطوار ثلاثة، الطور الأول: الأذن للمسلمين في ذلك من غير إلزام لهم به كما في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، الطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم، وفي هذا النوع نزل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . في قول جماعة من أهل العلم، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا

стр. 2066

تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً، إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ والآية بعدها، الطور الثالث: جهاد المشركين مطلقا وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الإسلام ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد وينعم العباد بحكم الشريعة العادل، وتعاليمها السمحة وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلا سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة، وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد ﵊ وأنزل الله فيه قوله في سورة براءة وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . والأحاديث السابقة كلها تدل على هذا القول وتشهد له بالصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم قد نسخ لأنه كان في حال ضعف المسلمين فلما قواهم الله وكثر عددهم وعدتهم أمرهم بقتال من قاتلهم، ومن لم يقاتلهم حتى يكون الدين لله وحده أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ

стр. 2067

بل هو باق يعمل به عند الحاجة إليه، فإذا قوي المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك عملا بآية التوبة وما جاء في معناها، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من قاتلهم وتعدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم عملا بآية النساء وما ورد في معناها، وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وبهذا يعلم كل من له أدنى بصيرة أن قول من قال من كتاب العصر وغيرهم أن الجهاد شرع للدفاع فقط قول غير صحيح والأدلة التي ذكرنا وغيرها تخالفه، وإنما الصواب هو ما ذكرنا من التفصيل كما قرر ذلك أهل العلم والتحقيق، ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ في جهاد المشركين اتضح له ما ذكرنا وعرف مطابقة ذلك لما أسلفنا من الآيات والأحاديث، والله ولي التوفيق. وجوب الإعداد للأعداء:

стр. 2068

وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يعدوا للكفار ما استطاعوا من القوة وأن يأخذوا حذرهم كما في قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وذلك يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، كما يدخل في ذلك إعداد جميع الوسائل المعنوية والحسية وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى كل ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده في الكر والفر والأرض والجو والبحر وفي سائر الأحوال لأن الله سبحانه أطلق الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ولم يذكر نوعاً دون نوع ولاحالا ًدون حال وما ذاك إلا لأن الأوقات تختلف والأسلحة تتنوع، والعدو يقل ويكثر ويضعف ويقوى والجهاد قد يكون ابتداءا وقد يكون دفاعا فلهذه الأمور وغيرها أطلق الله سبحانه الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ليجتهد قادة المسلمين وأعيانهم ومفكروهم في إعداد ما يستطيعون من القوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الحرب خدعة" ومعناه: أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا يدركه بالقوة والعدد وذلك مجرب معروف، وقد وقع في يوم الأحزاب من الخديعة للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن مسعود ﵁ بإذن النبي ﷺ ما كان من أسباب خذلان الكافرين وتفريق شملهم واختلاف كلمتهم، وإعزاز المسلمين ونصرهم عليهم وذلك من فضل الله ونصره لأوليائه ومكره لهم كما قال : ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . ومما تقدم يتضح لذوي البصائر أن الواجب امتثال أمر الله والإعداد لأعدائه وبذل الجهود في الحيطة والحذر، واستعمال كل ما أمكن من الأسباب المباحة الحسية

стр. 2069

والمعنوية مع الإخلاص لله والاعتماد عليه والاستقامة على دينه، وسؤاله المدد والنصر، فهو الناصر لأوليائه والمعين لهم إذا أدوا حقه، ونفذوا أمره وصدقوا في جهادهم وقصدوا بذلك إعلاء كلمته وإظهار دينه، وقد وعدهم الله بذلك في كتابه الكريم وأعلمهم أن النصر من عنده ليثقوا به ويعتمدوا عليه مع القيام بجميع الأسباب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ، وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ, وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقد سبق في هذا المعنى آية سورة الصف وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ

стр. 2070

أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولما قام سلفنا الصالح بما أمرهم الله به ورسوله وصبروا وصدقوا في جهاد عدوهم نصرهم الله وأيدهم وجعل لهم العاقبة مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم كما قال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، وقال : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ولما غير المسلمون وتفرقوا ولم يستقيموا على تعاليم ربهم وآثر أكثرهم أهواءهم أصابهم من الذل والهوان وتسليط الأعداء ما لا يخفى على أحد، وما ذاك إلا بسبب الذنوب والمعاصي، والتفرق والاختلاف وظهور الشرك والبدع والمنكرات في غالب البلاد، وعدم تحكيم أكثرهم الشريعة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، وقال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، ولما حصل من الرماة ما حصل يوم أحد من النزاع والاختلاف والإخلال بالثغر الذي أمرهم
следующие страницы →