Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً، إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ والآية بعدها، الطور الثالث: جهاد المشركين مطلقا وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الإسلام ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد وينعم العباد بحكم الشريعة العادل، وتعاليمها السمحة وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلا سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة، وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد ﵊ وأنزل الله فيه قوله في سورة براءة وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . والأحاديث السابقة كلها تدل على هذا القول وتشهد له بالصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم قد نسخ لأنه كان في حال ضعف المسلمين فلما قواهم الله وكثر عددهم وعدتهم أمرهم بقتال من قاتلهم، ومن لم يقاتلهم حتى يكون الدين لله وحده أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ
стр. 2067
بل هو باق يعمل به عند الحاجة إليه، فإذا قوي المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك عملا بآية التوبة وما جاء في معناها، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من قاتلهم وتعدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم عملا بآية النساء وما ورد في معناها، وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وبهذا يعلم كل من له أدنى بصيرة أن قول من قال من كتاب العصر وغيرهم أن الجهاد شرع للدفاع فقط قول غير صحيح والأدلة التي ذكرنا وغيرها تخالفه، وإنما الصواب هو ما ذكرنا من التفصيل كما قرر ذلك أهل العلم والتحقيق، ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ في جهاد المشركين اتضح له ما ذكرنا وعرف مطابقة ذلك لما أسلفنا من الآيات والأحاديث، والله ولي التوفيق.
وجوب الإعداد للأعداء:
стр. 2068
وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يعدوا للكفار ما استطاعوا من القوة وأن يأخذوا حذرهم كما في قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وذلك يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، كما يدخل في ذلك إعداد جميع الوسائل المعنوية والحسية وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى كل ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده في الكر والفر والأرض والجو والبحر وفي سائر الأحوال لأن الله سبحانه أطلق الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ولم يذكر نوعاً دون نوع ولاحالا ًدون حال وما ذاك إلا لأن الأوقات تختلف والأسلحة تتنوع، والعدو يقل ويكثر ويضعف ويقوى والجهاد قد يكون ابتداءا وقد يكون دفاعا فلهذه الأمور وغيرها أطلق الله سبحانه الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ليجتهد قادة المسلمين وأعيانهم ومفكروهم في إعداد ما يستطيعون من القوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الحرب خدعة" ومعناه: أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا يدركه بالقوة والعدد وذلك مجرب معروف، وقد وقع في يوم الأحزاب من الخديعة للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن مسعود ﵁ بإذن النبي ﷺ ما كان من أسباب خذلان الكافرين وتفريق شملهم واختلاف كلمتهم، وإعزاز المسلمين ونصرهم عليهم وذلك من فضل الله ونصره لأوليائه ومكره لهم كما قال : ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ . ومما تقدم يتضح لذوي البصائر أن الواجب امتثال أمر الله والإعداد لأعدائه وبذل الجهود في الحيطة والحذر، واستعمال كل ما أمكن من الأسباب المباحة الحسية
стр. 2069
والمعنوية مع الإخلاص لله والاعتماد عليه والاستقامة على دينه، وسؤاله المدد والنصر، فهو الناصر لأوليائه والمعين لهم إذا أدوا حقه، ونفذوا أمره وصدقوا في جهادهم وقصدوا بذلك إعلاء كلمته وإظهار دينه، وقد وعدهم الله بذلك في كتابه الكريم وأعلمهم أن النصر من عنده ليثقوا به ويعتمدوا عليه مع القيام بجميع الأسباب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ، وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ, وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقد سبق في هذا المعنى آية سورة الصف وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ
стр. 2070
أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولما قام سلفنا الصالح بما أمرهم الله به ورسوله وصبروا وصدقوا في جهاد عدوهم نصرهم الله وأيدهم وجعل لهم العاقبة مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم كما قال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، وقال : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ولما غير المسلمون وتفرقوا ولم يستقيموا على تعاليم ربهم وآثر أكثرهم أهواءهم أصابهم من الذل والهوان وتسليط الأعداء ما لا يخفى على أحد، وما ذاك إلا بسبب الذنوب والمعاصي، والتفرق والاختلاف وظهور الشرك والبدع والمنكرات في غالب البلاد، وعدم تحكيم أكثرهم الشريعة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، وقال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، ولما حصل من الرماة ما حصل يوم أحد من النزاع والاختلاف والإخلال بالثغر الذي أمرهم
стр. 2071
النبي ﷺ بلزومه جرى بسبب ذلك على المسلمين من القتل، والجراح والهزيمة ما هو معلوم، ولما استنكر المسلمون ذلك أنزل الله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولو أن أحداً يسلم من شر المعاصي وعواقبها الوخيمة لسلم رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام يوم أحد وهم خير أهل الأرض ويقاتلون في سبيل الله ومع ذلك جرى عليهم ما جرى بسبب معصية الرماة التي كانت عن تأويل لا عن قصد للمخالفة لرسول الله ﷺ والتهاون بأمره، ولكنهم لما رأوا هزيمة المشركين ظنوا أن الأمر قد انتهى وأن الحراسة لم يبق لها حاجة وكان الواجب عليهم أن يلزموا الموقف حتى يأذن لهم النبي ﷺ بتركه، ولكن الله قد قدر ما قدره وقضى ما قضى لحكمه بالغة وأسرار عظيمة، ومصالح كثيرة قد بينها في كتابه سبحانه وعرفها المؤمنون وكان ذلك من الدلائل على صدق رسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقا، وأنه بشر يصيبه ما يصيب البشر من الجراح والآلام ونحو ذلك وليس بإله يعبد وليس مالكا للنصر، بل النصر بيد الله سبحانه ينزله على من يشاء، ولا سبيل إلى استعادة المسلمين مجدهم السالف واستحقاقهم النصر على عدوهم إلا بالرجوع إلى دينهم والاستقامة عليه وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتحكيمه في أمورهم كلها، واتحاد كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر والتقوى كما قال الإمام مالك بن أنس - رحمة الله عليه -: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها "، وهذا هو قول جميع أهل العلم والله سبحانه إنما أصلح أول هذه الأمة باتباع شرعه والاعتصام بحبله والصدق في ذلك والتعاون عليه، ولا صلاح لآخرها إلا بهذا الأمر العظيم، فنسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في
стр. 2072
دينهم وأن يجمعهم على الهدى وأن يوحد صفوفهم وكلمتهم على الحق وأن يمن عليهم بالاعتصام بكتابه وسنة نبيه ﵊ وتحكيم شريعته والتحاكم إليها، والاجتماع على ذلك والتعاون عليه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 2073
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
سورة مريم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن كل الناس لابد لهم من ورود النار وأكد ذلك بقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن بعض الناس مبعد عنها لا يسمع لها حساً وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ, لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ الآية.
والجواب هو ما ذكره الألوسي وغيره من أن معنى قوله: ﴿مُبْعَدُونَ﴾ : أي عن عذاب النار وألمها. وقيل: المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها, ويدل للوجه الأول ما أخرجه الإمام أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سمية قال: "اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن وقال آخر: يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر ابن عبد الله ﵁ فذكرت ذلك له, فقال- وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه-: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ﵇ حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا". وروى جماعة عن ابن مسعود أن ورود النار هو المرور عليها"؛ لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم. وأخرج عبد بن عبد حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن الورود: المرور عليها من غير دخول. وروى ذلك أيضا عن قتادة قاله الألوسي.
стр. 2074
واستدل القائلون بأن الورود نفس الدخول كابن عباس بقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ وقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ وقوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ، فالورود في ذلك كله بمعنى الدخول واستدل القائلون بأن الورود القرب منها من غير دخول بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ، وقول زهير:
فلما وردن الماء زرفاً جمامة
وضعن عصى الحاضر المتخيم
سورة طه
قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ هذه الآية الكريمة يتوهم منها أنه جل وعلا لم يخفها بالفعل ولكنه قارب أن يخفيها؛ لأن (كاد) فعل مقاربة. وقد جاء في آيات أخر التصريح بأنه أخفاها كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ وقد ثبت عنه ﷺ أن المراد بمفاتح الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وكقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وقوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والجواب من سبعة أوجه:
الأول: وهو الراجح، أن معنى الآية أكاد أخفيها من نفسي أي لو كان ذلك يمكن وهذا على عادة العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال كتمته من نفسي أي لا أبوح به لأحد، ومنه قول الشاعر:
أيام تصحبني هند وأخبرها
ما كدت أكتمه عني من الخير
стр. 2075
ونظير هذا من المبالغة قوله ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وهذا القول مروي عن أكثر المفسرين, وممن قال به ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح كما نقله عنهم ابن جرير وجعفر الصادق كما نقله عنه الألوسي في تفسيره ويؤيد هذا القول أن في مصحف أُبيّ (أكاد أخفيها من نفسي) كما نقله الألوسي وغيره وروى ابن خالويه أنها في مصحف أبي كذلك بزيادة (فكيف أظهركم عليها) وفي بعض القراءات بزيادة (فكيف أظهرها لكم) وفي مصحف عبد الله ابن مسعود بزيادة (فكيف يعلمها مخلوق) كما نقله الألوسي وغيره.
الوجه الثاني: أن معنى الآية أكاد أخفيها أي أخفي الأخبار بأنها آتية والمعنى أقرب أن أترك الأخبار عن إتيانها من أصله لشدة إخفائي لتعيين وقت إتيانها.
الوجه الثالث: أن الهمزة في قوله: (أخفيها) هي همزة السلب لأن العرب كثيرا ما تجعل الهمزة أداة لسلب الفعل كقولهم شكا إلي فلان فأشكيته أي أزلت شكايته وقولهم عقل البعير فأعقلته أي أزلت عقاله وعلى هذا فالمعنى أكاد أخفيها أي أزيل خفاءها بأن أظهرها لقرب وقتها كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ . الآية. وهذا القول مروي عن أبي علي كما نقله عنه الألوسي في تفسيره ونقله النيسابوري في تفسيره عن أبي الفتح الموصلي ومنه قول امرئ القيس ابن عابس الكندي:
فإن تدفنوا الداء لا نخفه
وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
стр. 2076
على رواية ضم النون من لا نخفه وقد نقل ابن جرير في تفسير هذه الآية عن معمر بن المثنى أنه قال: أنشدنيه أبو الخطاب عن أهله في بلده بضم النون من لا نخفه ومعناه لا نظهره أما على الرواية المشهورة بفتح النون من لا نخفه فلا شاهد في البيت إلا على قراءة من قرأ أكاد أخفيها بفتح الهمزة وممن قرأ بذلك أبو الدرداء وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وحميد وروي مثل ذلك عن ابن كثير وعاصم وإطلاق خفاه يخفيه بفتح الياء بمعنى أظهره إطلاق مشهور صحيح إلا أن القراءة به لا تخلو من شذوذ ومنه البيت المذكور على رواية فتح النون وقول كعب بن زهير أو غيره:
داب شهرين ثم شهرا دميكا
باريكين يخفيان غميرا
أي يظهرانه. وقول امرئ القيس:
خفاهن من إنفاقهن كأنما
خفاهن ودق من عشى مجلب
الوجه الرابع: أن خبر كاد محذوف والمعنى على هذا القول أن الساعة آتية أكاد أظهرها فحذف الخبر ثم ابتدأ الكلام بقوله: ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ , ونظير ذلك من كلام العرب قول ضابئي ابن الحرث البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني
تركت على عثمان تبكي حلائله
يعني وكدت أفعل.
الوجه الخامس: أن كاد تأتي بمعنى أراد وعليه فمعنى أكاد أخفيها أريد أن أخفيها وإلى هذا القول ذهب الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم كما نقله عنهم الألوسي وغيره قال ابن جني في المحتسب ومن مجيء كاد بمعنى أراد قول الشاعر:
كادت وكدت وتلك خير إرادة
لو عاد من لهو الصبابة ما مضى
كما نقله عنه الألوسي. وقال بعض العلماء أن من مجيء كاد بمعنى أراد قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي أردنا له كما ذكره النيسابوري وغيره ومنه قول العرب لا أفعل كذا ولا أكاد أي لا أريد كما نقله بعضهم.
стр. 2077
الوجه السادس: أن كاد من الله تدل على الوجوب كما دلت عليه عسى في كلامه تعالى نحو ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي هو قريب وعلى هذا فمعنى أكاد أخفيها أنا أخفيها.
الوجه السابع: أن كاد صلة وعليه فالمعنى أن الساعة آتية أخفيها لتجزى الآية. واستدل قائل هذا القول بقول زيد الخيل:
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه
فما أن يكاد قرنه يتنفس
أي فما يتنفس قرنه. قالوا: ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي لم يرها وقول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد
رسيس الهوى من حب مية يبرج
أي لم يبرح على قول هذا القائل, قالوا ومن هذا المعنى قول أبي النجم:
وإن أتاك نعي فاندبن أبا
قد كاد يطلع الأعداء والخطبا
أي قد اطلع الأعداء.
وقد قدمنا أن أرجح الأقوال الأول والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي, يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ لا يخفى أنه من سؤل موسى الذي قال له ربه أنه آتاه إياه بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ وذلك صريح في حل العقدة من لسانه, وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على بقاء شيء من الذي كان بلسانه كقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ .
وقوله تعالى عن موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ . الآية.
стр. 2078
والجواب أن موسى- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- لم يسأل زوال ما كان بلسانه بالكلية وإنما سأل زوال القدر المانع من أن يفقهوا قوله كما يدل عليه قوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ ما نصه: وما سأل أن يزول ذلك بالكلية بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل الجميع لزال, ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة ولهذا بقيت بقية, قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي يفصح بالكلام. قال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ قال:"حل عقدة واحدة ولو سأل أكثر من ذلك أعطى"وقال ابن عباس:"شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون ردءا له ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه سؤله فحل عقدة من لسانه", وقال ابن أبي حاتم: "ذكر عن عمر بن عثمان حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك ولست تعرب في قراءتك فقال القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال نعم, قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل قوله ولم يزد عليها". انتهى كلام ابن كثير بلفظه وقد نقل فيه عن الحسن البصري وابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ما ذكرنا من الجواب ويمكن أن يجاب أيضا بأن فرعون كذب عليه في قوله: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ كما كذب على الله في إدعاء الربوبية وأن قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ يدل على اشتراكه مع هارون في الفصاحة فكلاهما فصيح إلا أن هارون أفصح وعليه فلا إشكال والعلم عند الله تعالى.
стр. 2079
قوله تعالى: ﴿فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ . الآية. يدل على أنهما رسولان وهما موسى وهارون وقوله تعالى: ﴿فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، يوهم كون الرسول واحد. والجواب من وجهين:
الأول: أن معنى قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي كل واحد منا رسول رب العالمين كقول البرجمي: فإني وقياراً بها لغريب.
وإنما ساغ هذا لظهور المراد من سياق الكلام.
الوجه الثاني: أن أصل الرسول مصدر كالقبول والولوع فاستعمل في الاسم فجاز جمعه وتثنيته نظرا إلى كونه بمعنى الوصف وساغ إفراده مع إرادة المثنى أو الجمع نظرا إلى الأصل من كونه مصدرا ومن إطلاق الرسول على غير المفرد قول الشاعر:
ألكنى إليها وخير الرسول
أعلمهم بنواحي الخبر
يعني وخير الرسل, وإطلاق الرسول مرادا به المصدر كثير ومنه قوله:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم
بقول ولا أرسلتهم برسول
يعني برسالة.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ .
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ يقتضي أن المخاطب اثنان وقوله: ﴿يَا مُوسَى﴾ يقتضي أن المخاطب واحد والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن فرعون أراد خطاب موسى وحده والمخاطب أن اشترك معه في الكلام غير مخاطب غلب المخاطب على غيره كما لو خاطبت رجلا اشترك معه آخر في شأن والثاني غائب فإنك تقول للحاضر منهما ما بالكما فعلتما كذا والمخاطب واحد وهذا ظاهر.
الوجه الثاني: أنه خاطبهما معا وخص موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة.
стр. 2080
الثالث: أنه خاطبهما معا وخص موسى بالنداء لمطابقة رؤوس الآي مع ظهور المراد ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ويجاب عنه بأن المرأة تبع لزوجها وبأن شقاء الكد والعمل يتولاه الرجال أكثر من النساء, وبأن الخطاب لآدم وحده والمرأة ذكرت فيما خوطب به آدم بدليل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ فهي ذكرت فيما خوطب به آدم؛ والمخاطب عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ . ظاهر هذه الآية أن آدم ناس للعهد بالنهي عن أكل الشجرة؛ لأن الشيطان قاسمه بالله أنه له ناصح حتى دلاه بغرور وأنساه العهد وعليه فهو معذور لا عاص. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ .
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: هو ما قدمنا من عدم العذر بالنسيان لغير هذه الأمة.
الثاني: أن نسي بمعنى ترك, والعرب ربما أطلقت النسيان بمعنى الترك ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ . الآية. والعلم عند الله تعالى.
سورة الأنبياء
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ . هذه الآية تدل على أن جميع المعبودات مع عابديها في النار.
وقد أشارت آيات أخر إلى أن بعض المعبودين كعيسى والملائكة ليسوا من أهل النار كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ الآية, وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . الآية.
والجواب من وجهين:
стр. 2081
الأول: أن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى لتعبيره بما الدالة على غير العاقل، وقد أشار تعالى إلى هذا الجواب بقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ، لأنهم لو أنصفوا لما ادعوا دخول العقلاء في لفظ لا يتناولهم لغة.
الثاني: أن الملائكة وعيسى نص الله على إخراجهم من هذا دفعا للتوهم ولهذه الحجة الباطلة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية, قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ , عبر في هذه الآية الكريمة بلفظ (إنما) وهي تدل على الحصر عند الجمهور وعليه فهي تدل على حصر الوحي في توحيد الألوهية وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه أوصى إليه غير ذلك كقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنّ﴾ الآية, وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ , وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية.
والجواب أن حصر الوحي في توحيد الألوهية حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع لأن شرائع كل الأنبياء داخلة في ضمن لا إله إلا الله لأن معناها خلع كل الأنداد سوى الله في جميع أنواع العبادات وإفراد الله بجميع أنواع العبادات فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية.
سورة الحج
стр. 2082
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ , هذه الآية الكريمة تدل على أن قتال الكفار مأذون فيه لا واجب وقد جاءت آيات تدل على وجوبه كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية, إلى غير ذلك من الآيات. والجواب ظاهر وهو أنه أذن فيه أولا من غير إيجاب ثم أوجب بعد ذلك كما تقدم في سورة البقرة, ويدل لهذا ما قاله ابن عباس وعروة ابن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير وغيره من أن آية ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ هي أول آية نزلت في الجهاد والعلم عند الله تعال.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
ظاهر هذه الآية أن الأبصار لا تعمى، وقد جاءت آيات أخر تدل على عمى الأبصار كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ , وكقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ .
والجواب: أن التمييز بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وبين القبيح والحسن لما كان كله بالبصائر لا بالإبصار صار العمى الحقيقي هو عمى البصائر لا عمى الأبصار ألا ترى أن صحة العينين لا تفيد مع عدم العقل كما هو ضروري وقوله: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ يعني بصائرهم أو أعمى أبصارهم عن الحق وإن رأت غيره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ .
هذه الآية الكريمة تدل على أن مقدار اليوم عند الله ألف سنة وكذلك قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ .
стр. 2083
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الآية, إعلم أولا أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل ابن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلاً من ابن عباس وسعيد ابن المسيب سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول فيها ويقول لا أدري.
وللجمع بينهما وجهان:
الوجه الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى. ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة.
الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان. والعلم عند الله.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ . الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن كل رسول وكل نبي يلقى الشيطان في أمنيته أي تلاوته إذا تلا ومنه قول الشاعر في عثمان ﵁:
تمنى كتاب الله أول ليلة
وآخرها لاقى حمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب الله آخر ليلة
تمني داود الزبور على رسل
стр. 2084
ومعنى تمنى في البيتين قرأ وتلا. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال:"إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه". وقال بعض العلماء: "إذا تمنى أحب شيئا وأراده فكل نبي يتمنى إيمان أمته والشيطان يلقى عليهم الوساوس والشبه ليصدهم عن سبيل الله, وعلى أن (تمنى) بمعنى قرأ وتلا كما عليه الجمهور, فمعنى إلقاء الشيطان في تلاوته إلقاؤه الشبه والوساوس فيما يتلوه النبي ليصد الناس عن الإيمان به, أو إلقاؤه في المتلو ما ليس منه ليظن الكفار أنه منه, وهذه الآية لا تعارض بينها وبين الآيات المصرحة بأن الشيطان لا سلطان له على عباد الله المؤمنين المتوكلين, ومعلوم أن خيارهم الأنبياء كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ , وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ , وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ , ووجه كون الآيات لا تعارض بينها أن سلطان الشيطان المنفي عن المؤمنين المتوكلين في معناه وجهان للعلماء:
الأول: أن معنى السلطان الحجة الواضحة, وعليه فلا إشكال إذ لا حجة مع الشيطان البتة كما اعترف به فيما ذكر الله عنه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .
стр. 2085
الثاني: أن معناه أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه, فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء وغيرهما فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة منه, فإلقاء الشيطان في أمنية النبي سواء فسرناها بالقراءة أو التمني لإيمان أمته لا يتضمن سلطانا للشيطان على النبي بل هو من جنس الوسوسة وإلقاء الشبه لصد الناس عن الحق كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية, فإن قيل: ذكر كثير من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم بمكة فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى, وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى) فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي ﷺ حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنا منهم أن قومهم أسلموا فوجدوهم على كفرهم, وعلى هذا الذي ذكره كثير من المفسرين فسلطان الشيطان بلغ إلى حد أدخل به في القرآن على لسان النبي ﷺ الكفر البواح حسبما يقتضيه ظاهر القصة المزعومة.
стр. 2086
فالجواب: أن قصة الغرانيق مع استحالتها شرعا لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج, وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من العلماء كما بيناه بيانا شافيا في رحلتنا, والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄, ومعلوم أن الكلبي متروك, وقد بين البزار أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله, وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير, وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد, وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها؛ فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق حديث القصة المذكورة, وقال البزار: "لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور", وقال البزار: "وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والكلبي متروك". فتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الطريق الذي شك راويه في الوصل, وما كان كذلك فضعفه ظاهر, ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح, وقال العلامة الشوكاني في هذه القصة: "ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ , وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ الآية, فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون", ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل وعن البيهقي أنه قال: "هي غير ثابتة من جهة النقل"وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها عياض
стр. 2087
وابن العربي المالكي والفخر الرازي وجماعات كثيرة, ومن أصرح الأدلة القرآنية في بطلانها أن النبي ﷺ قرأ بعد ذلك في سورة النجم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ فلو فرضنا أنه قال تلك الغرانيق العلى ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ فكيف يفرح المشركون بعد هذا الإبطال والذم التام لأصنامهم بأنها أسماء بلا مسميات وهذا هو الأخير وقراءته ﷺ سورة النجم بمكة وسجود المشركين ثابت في الصحيح ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق وعلى القول ببطلانها فلا إشكال وأما على القول بثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: "إن هذه القصة ثبتت بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة من أحسنها وأقربها أن النبي ﷺ كان يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات فلما قرأ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قال الشيطان لعنه الله محاكيا لصوته ﷺ : (تلك الغرانيق العلى الخ..) فظن المشركون أن الصوت صوته ﷺ وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس, وقد بينا هذه المسألة بيانا شافيا في رحلتنا فلذلك اختصرناها هنا فظهر أنه لا تعارض بين الآيات والعلم عند الله تعالى.
стр. 2088
سيراليون
بقلم الشيخ: أحمد صالح محايري
خريج كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
ومبعوث دار الإفتاء السعودية إلى سيراليون
أخي المسلم، هناك بلد جميل هواءه عليل يقع في أفريقا الغربية على ساحل المحيط الأطلسي يحده شمالا وشرقا غينيا، وجنوبا ليبيريا، وغربا المحيط الأطلسي مساحته ٢٧٠٠٠ ميل مربع.
استعمره الإنكليز ثمانين سنة وأجبر على منحه الاستقلال في ٢٧ أبريل ١٩٦١م. عاصمته " فريتاون"أي مدينة الحرية، سميت كذلك لأن بريطانيا أخذت من أفريقيا أناسا أحرارا واستعبدتهم ونقلتهم إلى داخل المملكة البريطانية وسمتهم عبيدا واستخدمتهم مجانا في مصانعها وموانيها في الوقت الذي كانت تدعي فيه أنها الدولة المثالية العادلة, ولما كثرت نسبتهم في بريطانيا، اتخذ البرلمان البريطاني قرارا بتحرير العبيد (تخلصا منهم) وذلك في عام ١٨٠٠م, وهكذا تم ترحيل أولئك المستعبدين من بريطانيا إلى إحدى مستعمراتها سيراليون وأنزلتهم في مدينة سميت مدينة الحرية (فريتاون) لأنهم في حين وصولهم تلك المدينة أصبحوا أحرارا وكان ذلك على دفعات بلغت الدفعة الأولى حوالي ٤٨٠ رجلا وامرأة.. هؤلاء العائدون رجعوا إلى البلاد بلغة إنكليزية محرفة سميت لغة الكريول. وأصبحت هذه اللغة هي اللغة التي يتفاهم بها الناس عامة. وعدد سكان سيراليون ثلاثة ملايين نسمة ينتمون لقبائل شتى أكثرها عددا "التمني"ثم تليها قبيلة "الليمبا"ثم " المندي"وذلك بالاضافة إلى رعايا نزحت من قبائل مجاورة لسيراليون مثل الفلا، والسوسو، والهوسو، واليوروبا، والماندينكا.
стр. 2089
نسبة المسلمين في سيراليون في تزايد مستمر حتى بلغت حسب الإحصاءات الرسمية الأخيرة إلى ٧٠% من مجموع السكان في حين أن هذه النسبة كانت قبل أربعين سنة لا تتجاوز ٤٠%.. ومن هنا أخي المسلم أبدأ معك بالحديث عن سيراليون والإسلام فيه وذلك لأن هذا التزايد المستمر وهو الذي نلفت انتباه كل مسلم حريص على تتبع إسلامه وإخوانه المسلمين في كل مكان كما لفتت وأدهشت غير المسلمين.. حقا إنها لعظمة تدركها يا أخي المسلم إذا علمت أن عدد الجمعيات التبشيرية في سيراليون في ازدياد كل يوم مع ازدياد إمكانياتها المادية.. وأنا علمت أن السياسة المفروضة على المسلمين منذ دخول الإنكليز تلك المنطقة هي منعهم من اتصالهم بإخوانهم المسلمين خارج سيراليون, وذلك بمنع خروج أي مسلم لتلقي علوم الإسلام في أي بلد إسلامي، ثم يمنع دخول أي مبشر إسلامي إلى سيراليون غير (القادياني) صنيع الإنكليز الذي هيأله جو العمل ودفعه إليه منذ عام ١٩١٥م. إذا علمت هذا ثم علمت أن المسلمين في ازدياد حتى بلغت نسبتهم ٨٠% أدركت الدعوة الإسلامية أشرقت في سيراليون ليقيم الحجة على أن الإسلام دين الفطرة والتبشير لغير الإسلام هو بعيد غريب عن الفطرة.
والكلام عن المسلمين في سيراليون سيكون إن شاء الله تعالى شاملا للنقاط التالية:
стр. 2090
١ – تاريخ دخول الإسلام إلى سيراليون، ٢- الجمعيات الإسلامية ونشاطها ومشاريعها، ٣- رجال الدعوة والمخلصين من أبنائه، ٤- مساجد سيراليون وطريقة تمويلها، ٥- الأخطار الرهيبة والمخططات العدوانية ضد المسلمين في المنطقة، ٦- حالة المسلمين الثقافية والاقتصادية، ٧- الطريقة المتبعة لنقل الإسلام وتبليغه من جيل إلى جيل، ٨- الحركة (القاديانية) ونشاطها ومدارسها وتحالفها المكشوف مع بريطانيا على تحريف معاني الإسلام بنسخ الجهاد وبالتبشير برجل يوحي إليه من قبل الله تعالى اسمه الغلام أحمد القادياني وتكفيهم ضلالا عقيدتهم بوجوب الإيمان بهذا الغلام وكل من لم يؤمن به كافر عندهم لا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته. ٩- النشاط الصهيوني ضد الإسلام في سيراليون وبث الفتن والحزازات بين الجماعات الإسلامية هناك، ١٠- عدد الجماعات (القاديانية) النصرانية التي تنتمي لأكثر من عشر دول أوروبية، ١١- تحالف (القاديانية) مع إسرائيل لتفريق جميع المسلمين.
أخي المسلم، في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالى ستقرأ على صفحات هذه المجلة الغراء النقاط السابقة الذكر.. علك تتعرف على إخوة لك في سيراليون أشد تحمسا لدينك من كثير من المسلمين.. ولعلك تحقق في هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
وإلى لقاء آخر أخي المسلم. والسلام عليكم.
قالوا وقلنا
قالوا:
المسلمون ثلاثة أعيادهم
الفطر والأضحى وعيد المولد
فإذا انقضت أفراحهم فسرورهم
لا ينقضي أبدا بحب محمد
(مجهول)
وقلنا:
عيدان عند أولي النهي لا ثالث
لهما لمن يرجو السلامة في غد
الفطر والأضحى، وكل زياد
بغي على شرع الحبيب محمد
(المجذوب)
стр. 2091
شبَابُ الأمة عنوان مستقبلها
بقلم الشيخ محمد أبو فرحة
المدرس في الجامعة
شباب كل أمة هو موضع رجائها، ومعقد آمالها، فإذا أردت أن تعرف مستقبل أمة.. ومصير دولة.. دقق النظر في شبابها فهم عدة المستقبل وهم رجاله، منهم الوجهون والقادة، ومنهم المربون والآباء..
فإن رأيت شبابا صلب الإرادة، قوي العزيمة، مخلصا لدينه، ومحبا لوطنه، شبانا ينهضون بأعمالهم، وموظفين يهتمون بمصالح أمتهم وعمالا يحسنون عملهم، ويتقنون صناعاتهم، وتجارا أمناء في بيعهم وشرائهم، ومدرسين يعملون جادين في بناء جيل صالح من تلاميذهم، جيل يؤمن بمبادئ الخير والعدل، كما قررها الإسلام، ورأيت طلابا يحرصون على التعليم وعلى التفوق في تعليمهم، فاعلم أن الأمة بخير، وأن مستقبلها إن شاء الله تعالى، سيكون زاهرا، المجد ينتظرها، والقوة تحرسها، والعلم يخدمها، والأخلاق تصونها من الانهيار.
أما إذا رأيت شبابا متسكعا في الطرقات، وشابات جاهلات لاهيات، ورائحات غاديات، ولا هم للجميع إلا الإسراف والتباهي بالمأكل والملبس والمسكن، ورأيت تجارا صار الغش ديدنا وعمالا أصبح الإهمال لهم دستورا، لا يحرصون على تعلم الجديد، ولا يحسنون ما تعلموه، ولا يتقنون صناعته، ولا يحاولون أن يسايروا ركب الحياة السريع في شئون الحياة، ورأيت شبانا ملأهم الغرور، وسيطرت عليهم الغفلة، فجهلوا واقعهم وواقع الناس، ولم يتنافسوا في السبق إلى معالي الأمور: فاعلم أن الأمة على خط الضلالة، وهي على شفا جرف، لابد وأن ينهار بها، فتنتكس على أعقابها، وتخسر ما كسبته بجهادها وتضحياتها، ويصدق في شبابها قول القائل:
شباب خنع لا خير فيهم وبورك في الشباب الطامحينا
стр. 2092
من أجل هذا طالب الإسلام أولى الأمر: حكاما وآباء ومربين أن يدرسوا بعقل الفاحص المدقق، حياة أممهم، ومظاهر شبابها، وخاصة الجيل الصاعد من الأبناء والبنات، لأن أولياء الأمور، هم الأمناء على مستقبل الأمة، وهم القوامون على شؤونها والمسئولون عن توجيهها، كل في دائرة اختصاصه، والشعب أمانة بين أيديهم، وهم رعاته استرعاهم الله إياه، فناظر ماذا يفعلون: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع ", "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الحديث "
إن صبيان اليوم وشباب الساعة، هم رجال المستقبل القريب وزعماؤه، وآباؤه وموجهوه، فإن نشئوا على العقيدة الصحيحة، والأمانة الحقة، وعلى الاعتزاز بالدين، وعلى حب الأمة، وعلى النظر للأمور والمشاكل بعين التعقل والروية، وحسبان العواقب، لا بعين العاطفة الهائجة، والرغبة الثائرة، فسيقودون الأمة إلى العزة والكرامة، وإن ألمت بها الخطوب، وأحاطت بها الأمواج، أخذوا بيدها إلى بر السلامة وشاطئ الأمان.
стр. 2093
أما إن تركوا من غير توجيه حقيقي، وأهملوا بلا تعليم موضوعي، أو رتعوا في النعيم، ولانت أظافرهم، أو شعروا بالحرمان من قومهم، تعقدت نفوسهم، وانحرفوا عن سنن الحق واستهانوا بالقيم العالية، وسهلت عليهم المبادئ فداسوها. فإذا ما سلمت إلى هذا الشباب قيادة الأمة، ليوجه دفتها، وأسند إليه زمام الجيل اللاحق ليرود له الطريق وهو لا يحسن عملا، تنازعته الأهواء وسار بمجتمعه إلى الهاوية، فتنتكس الأمور، وتضيع المكاسب، وتظهر المخاسير، وترتد الأمة على أعقابها، ويحل بها الدمار، تحقيقا لسنة الله في الوجود ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ . وتلك من السنن التي لا تتخلف مهما اختلفت الأزمان والأجيال، ولا تتغير مهما تغيرت الأماكن والأوطان ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ .
ولأمر ما كان الإسلام هو الدين الوحيد، الذي عني بالأجنة، قبل أن تكون خيالا يمر على فكر الأبوين، وقبل أن يلتقي عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، فأمر بأن يتخير الرجل المزرعة الصالحة لنطفته، لأن العرق دساس؛ فقال ﷺ : "تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه، وكان الواقع تصديقا لخبر الرسول وأمره على طول صفحة التاريخ الممتدة عبر القرون.
كما وجه الأنظار، إلى ما يستقر في الأصلاب، مما يتحول مع الليالي والأيام إلى عيال وأجيال فعلم الزوجين، في أول اللقاء بينهما، ووقت جوعهما الجنسي، ولذتهما الغامرة وغفلتهما عن كل شيء، علمهما أن يستعيذا بالله في خشوع ودعاء، وأن يرددا في وعي وقصيد ورجاء: "اللهم جنبنا وجنب الشيطان ما رزقتنا" ليحصنا من الشيطان ما عساه يتكون من جنين في هذا اللقاء.
стр. 2094
كما حرم الإجهاض وقرر المسئولية على من يصيب الجنين بأضرار، وطالب ولي الأمر، عندما تشرق طلعة الضيف الجديد في أفق الحياة أن يسمعه أول صوت في الوجود "الله أكبر الله أكبر"تأكيدا لزرع بذور الدين في نفس الوالدين والوليد وأن يطعمه حلو الطعام عسى أن يكون عذب الكلام، وأمر العقيقة وقص الشعر والصدقة والختان واختيار أحسن الأسماء والتعليم لم يغفل عنها الإسلام.
أبعد أن يعني الإسلام بأفلاذ أكبادنا هذه العناية, وبعد أن تتفتح براعمهم نتركهم في مهب الرياح؟ أو نسلمهم لخادمة جاهلة تعقد نفوسهم وتفسد أخلاقهم؟ أو نبعث بهم إلى مدارس الأجانب - كما في بعض دول الإسلام - ليعلموهم: كيف يحتقرون أهليهم وذويهم، وكيف يسخرون من دينهم. وكيف يتعلقون بـ "يسوع المسيح "من دون الله؟؟!!!
إنه لا يصلح لتربية الجيل الذي ينتظر منه أن يعيد للإسلام مكانته: إلا مدرسون ومدرسات وأمهات، درسوا نفسية الأطفال، وأصول التربية الإسلامية "لا الزائفة البراقة المستوردة فليس كل ما يلمع ذهبا"، يفتتح الواحد منهم أعماله كلها أمام أبنائه ببسم الله الرحمن الرحيم ويفتح أذهانهم على كون الله الفسيح، ويطلق بأضوائه الكاشفة على عظمة الإسلام، ويشيد بأبطاله، ويكون هو قدوة في العمل والجد لهؤلاء، فلا يترك أمرا أو حادثة للإسلام فيها جانب، إلا أكد بها إيمان الأطفال والناشئين بربهم.
إن كل أب وكل أم وكل مدرس وكل مدرسة مسئول مسئولية شخصية عن أولاده وعمن يوكل إليهم أمر تعليمهم، ولا يقبل منه اعتذار بمشغوليته بتجارة أو غيرها.
فيا أيها المشغول بحاضره عن مستقبله، وبأمواله عن أبنائه، وبلذاته عن بناته، ماذا تنتظرون من ربكم إلا أن يجري عليكم سنته فيمن كان قبلكم؟ إن ابنك وصل لماضيك بحاضرك، ووصل لحاضرك بمستقبلك، وامتداد لحياتك بعد وفاتك، فإما أن تجعل هذا المستقبل سعادة وهناءة، أو تجعله شقاء ومهانة.
стр. 2095
إن الصبي أمانة بين يديك، وقلبه الطاهر جوهرة نقية، وصحيفة خيرة بيضاء وعجينة لينة تشكلها كما تحب أن تكون، فإن عوّدته الخير، تعوّده وانطبع عليه، ومال إليه، وسعد في دنياه وأخراه، وانتفع به دينه، وفرحت به أمته، وشاركه الثواب أبواه، وكل من أدبه وعلمه ورباه، يقول الرسول ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " - أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري في المفرد -.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
وإن عودته الشر تعوده ومرن عليه، واستساغه ومال إليه، وإن أهملته تولى الشيطان تربيته، وكان الهلاك محققا، وكان الوزر عليك مؤكدا، وبقيت المسئولية تلاحقك، وتأخذ بتلابيبك حتى تقف بين يدي الله، فإن "كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
علموا أولادكم وبناتكم واقع حياتهم، ليعرفوا عيوبهم فيتحاشوها، ويعرفوا محاسنهم، فيستزيدوا منها، وادفعوهم إلى العمل الجاد المثمر، واغرسوا في نفس الجيل الناشئ أمامكم ألا يحتقر عملا، ما دام لمصلحة الأمة، وإن عليه أن يملأ أماكن الأعمال كبيرها وصغيرها، وألا يترك لدخيل ثغرة ينفذ منها إلى ثروة أمته، أو إلى التحكم في مواردها تجارية كانت أو زراعية أو صناعية.
أشعلوا جمرة الإيمان بالله في نفوس الأولاد وصدورهم، البنين والبنات على السواء واشرحوا لهم عزة الإسلام، وبطولة أبطاله، في قصص يقرءونها، وتحكيها الأمهات والمربيات وتنشدها لهم مع الصباح وفي المساء، بأسلوب يجعل معانيها تصل إلى القلب ثم تجري مع الدماء.
علموهم أن هذا العالم الإسلامي، كان ولا يزال مركزا "استراتيجيا"للقوة ومشعلا للهداية والنور، تضافرت عليه عوامل الفساد والضعف، من يوم أن جاست فيه جيوش الاحتلال غازية، يوم أن انصرف قادة المسلمين عن دين الله، وتهاونوا في حق الأمة.
стр. 2096
علموهم أن حكم أنفسهم بأنفسهم اليوم في بعض الدول، لم يكن منحة ولا هبة، ولكنه ثمرة من ثمرات ذلك الجهاد المتواصل، ضد الظلم الذي تحمله الآباء والأجداد في جلد، وجاهدوه في عنف، وبعد أن ظل الوطن يئن تحته ومنه العديد من السنوات.
علموهم أن من الخطوة البالغة على كل أمة، أن تقعد عن مواصلة الجهاد كما أمر الله، حتى ولو بعد الوصول إلى الاستقلال، إن العدو الذي ذاق طعم خيراتنا وتمتع بالسيطرة علينا فترة من الزمن، لا يزال يحلق فوق رؤوسنا، عساه يجد فرصة ينقض علينا لامتصاص دمائنا وإذلالنا من جديد، وإنه كذلك من الخطورة على أية أمة، ألا تعمل في كل يوم على كسب الجديد من أساليب الحياة، ترقي به مستواها، وتصل به إلى الجديد من العلوم والاكتشافات بما يرفع شأنها ويقوي جيشها وعزمها، وتستغل بنفسها خيراتها، وإلا تجمدت حياتها وأصبحت عالة وتابعة لغيرها، مهما كثرت أعدادها وأموالها، ثم تصبح فريسة من جديد.
نشئوا أولادكم على الخشونة والجلادة، وتحمل المسئولية، وتحمل شدائد الحياة ومكارهها، وعلموهم أن من يطلب معالي الأمور لابد أن يتحلى بعناصر الرجولة الرشيدة، حتى يستطيع التغلب على مشاكل الحياة، التي لا تنتهي، وأزماتها المتتابعة التي تساير همم الرجال صعودا وهبوطا والأمثل فالأمثل.
стр. 2097
لقد فتق الرسول ﷺ أذهان الصبيان والشباب من أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا الفئة القليلة التي غلبت الفئة الكثيرة بإذن الله, والله مع الصابرين، لكنهم لما خرجوا عن الأمر ولو متأولين أطبقت عليهم الهزيمة من كل أفق فلما أن عادوا إلى ربهم أعاد الله نصره إليهم، فجعل منهم رعاة الدول بعد أن كانوا رعاة الشاة والإبل، وغدوا يخططون لدهاقنة السياسة والحكم، في عريق الأمم، بعد أن كانوا كالبهم السائمة، فوق رمال الصحراء يتيهون في فدافد الأرض، لا مرعى يجود لهم، ولا راع يجمع شملهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
يا أولياء الأمور، بين أيديكم خامات إنسانية قيمة وغير محدودة أهملت كما أهمل الجيل السابق عليها ردحا طويلا من الزمن عن قصد وعمد، وأمامكم عناصر طيبة، من الأبناء والبنات، فلا تتركوها في مهب الرياح معرضة للتيارات المتلاحقة، من الدعايات المغرضة، والأفكار المسمومة، التي تدرس وتخطط لنا ولأبنائنا في الشرق والغرب على السواء، والتي يراد بها صرف الشباب المسلم عن مستقبله، ولتنأى به عن دينه ولتزعزع عقيدته، ولتباعد بينه وبين إخوانه ولتفقده الثقة في أمته حتى يتقبل ما يرد عليه من أفكار، ويعتنق ما يزيف له من مبادئ.
كونوا قدوة لأبنائكم في كريم الفعال وجميل الخصال، فإن ألف قول لا تساوي في موازين التربية عملا واحدا، واحذروا أن يطلعوا منكم على قبيح ابتليتم به أو نقيصة أصبتم بها؛ لأنه "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " رواه مسلم.
стр. 2098
أخي القارئ، إن الحياة جادة لا تهزل، سائرة لا تقف، تهزأ بالغافل، وتسخر من اللاهي وتتوعد الكسول، ولن تترك النائم حتى يستيقظ، ولا المهمل حتى يجد ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 2099
شعر أهل الحديث (٣)
بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
ما أنشد بين يدي رسول الله ﷺ من الشعر:
وهو كثير ومناسباته مختلفة وأكثره ما كان مدحا لرسول الله ﷺ وأشهره قصيدة كعب بن زهير، قال ابن إسحاق:
"ولما قدم النبي ﷺ من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش: ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول ﷺ ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه مسلما تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك، وكان كعب قد قال:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة
فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل
على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم تلف أماً ولا أباً
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف
ولا قائل أما عثرت لعالكا
سقاك بها المأمون كأساً روية
فأنهلك المأمون منها وعلكا
قال: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير كره أن يكتمها رسول الله ﷺ فأنشده إياها فقال رسول الله: "سقاك بها المأمون, صدق وهو كذوب, أنا المأمون" ولما سمع: على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه. قال: "أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه" ثم قال بجير لكعب:
من مبلغ كعباً فهل لك في التي
تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله - لا العزى ولا اللات_وحده
فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت
من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه
ودين أبي سلمى علي محرم
стр. 2100
فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقال: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت - بينه وبينه معرفة - من جهينة فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله ثم أشار إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه - فذكر لي - أنه قام إلى رسول الله ﷺ حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟. قال رسول الله: نعم. قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله: دعه عنك فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه. قال: فغضب كعب بن زهير بن كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم به رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته والتي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم أثرها لم يفد مكبول
وفي رواية البيهقي:
وما سعاد غداة البين إذ ظغنوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنها منهل بالكأس [١] معلول
تمشي الوشاة بجنبيها [٢] وقولهم
إنك يا بن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله
لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل بن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
стр. 2101
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ
قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به
أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل ترعد من خوف بوادره
إن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يميني ما أنازعها
في كف ذي نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه
وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغم من ليوث الأسد مسكنه
في بطن عثر غيل دونه غيل
يغدو فيلحم ضر غامين عيشهما
لحم من الناس معفور خراديل
إذا يساور قرنا لا يحل له
أن يترك القرن إلا وهو مغلول
منه تظل سباع الجو نافرة
ولا تمشي بواديه الأراجيل
ولا يزال بواديه أخو ثقة
مفرج البتر والدرسان مأكول
إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف
عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق
كأنها حلق الفقعاء مجدول
ليسوا مفاريح أن نالت رماحهم
قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
وما لهم عن حياض الموت تهليل
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة قال: فلما قال "السود التنابيل"وإنما أراد معشر الأنصار لما كان صاحبهم صنع وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله بمدحته غضبت عليه الأنصار فبعد أن أسلم أخذ يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم مع رسول الله وموضعهم من النبي ﷺ فقال:
من سره كرم الحياة فلا يزل
في مقنب من صالحي الأنصار
стр. 2102
ورثوا المكارم كابرا عن كابر
إن الخيار هم بنو الأخيار
الباذلين نفوسهم لنبيهم
يوم الهياج وفتنة الأجبار
الذائدين الناس عن أديانهم
بالمشرفي وبالقنا الخطار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون يرونه نسكا لهم
بدماء من علقوا من الكفار
وإذا حللت ليمنعوك إليهم
أصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا علياً يوم بدر ضربة
دانت لوقعتها جنود نزار
قوم إذا خفت النجوم فإنهم
للطارقين النازلين مقاري
لو يعلم الأقوام علمي كله
فيهم لصدقني الذين أمارى
هكذا أورده الحافظ بن القيم في زاد المعاد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩: ٣٩٣) وقال رواه الطبراني ورجاله إلى ابن إسحاق ثقات. قلت وابن إسحاق الكلام فيه كثير إلا أن أكثر أئمة الجرح والتعديل يوثقونه ويردون من يجرح فيه وغاية ما يمكن أن يقال فيه إنه صدوق مدلس إلا أنه هنا صرح بالسماع من عاصم.
وقد ذكر قصة كعب ابن حجر في الإصابة عن أبي عاصم بسنده إلى الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير عن أبيه عن جده. وذكرها عن ابن قانع من طريق الزبير بن بكار عن بعض أهل المدينة عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب [٣] وقد روى عن سعيد بن المسيب بسند متصل عند محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء.. وقد روى قصة كعب بن زهير من الأئمة أيضا الحاكم في المستدرك [٤] والبيهقي في سننه [٥] .
стр. 2103
ومما أنشد بين يدي رسول الله ﷺ ما رواه أحمد عن عبد الرحمن بن بكرة عن الأسود بن سريع قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إني قد حمدت ربي بمحامد ومدح وإياك فقال رسول الله:" أما إن ربك يحب المدح هات ما امتدحت به ربك"قال: فجعلت أنشده, فجاء رجل فاستأذن أو لم أصلع أعسر أيسر قال: فاستنصتني له رسول الله, ووصف لنا أبو سلمة كيف استنصته قال: كما صنع بالهر, فدخل الرجل فتكلم ساعة ثم خرج ثم أخذت أنشده أيضا ثم رجع بعد فاستنصتني رسول الله, ووصفه أيضا, فقلت: يا رسول الله من ذا الذي استنصتني له؟ فقال: "هذا رجل لا يحب الباطل هذا عمر بن الخطاب" [٦] .
ومنه ما روى عن النابغة الجعدي، قال: أتيت النبي ﷺ فأنشدته من قولي:
علونا العباد عفة وتكرما
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة. قال: "أجل إن شاء الله".
ثم قال: أنشدني, فأنشدته قولي:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال: "أحسنت لا يفضض الله فاك".
قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه يعلى بن الأشدق ضعيف" [٧] .
قلت: لكنه توبع, وقد ذكر ابن حجر في الإصابة هذا الحديث بست طرق عن النابغة الجعدي [٨] .
وذكرها كذلك ابن عبد البر في الاستيعاب والقصيدة حوالي مائتي بيت أورد منها ابن عبد البر ما يلي:
خليلي عوجا ساعة وتهجرا
ولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا
تذكرت والذكرى تهيج للفتى
ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرق
أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
تقضي زمان الوصل بيني وبينها
ولم ينقض الشوق الذي كان أكثرا
وإني لأستشفي برؤية جارها
إذا ما لقاؤها علي تعذرا
стр. 2104
وألقى على جيرانها مسحة الهوى
وإن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا
ترديت ثوب الذل يوم لقيتها
وكان ردائي نخوة وتجبرا
حسبنا زمانا كل بيضاء شحمة
ليالي إذ تغدوا [٩] جذاما وحميرا
إلى أن لقينا الحي بكر بن وائل
ثمانين ألفا دارعين وحسرا
فلما قرعنا النبغ بالنبغ بعضه
ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها
ولكننا كنا على الموت أصبرا
بنفسي وأهلي عصبة سليمة
يعدون للهيجا عناجح ضمرا
وقالوا لنا أحيوا لنا من قتلتم
لقد جئتم إداً من الأمر منكرا
ولسنا نرد الروح في جسم ميت
وكنا نسل الروح ممن تيسرا
نميت ولا نحي كذاك صنيغا
إذا البطل الحامي إلى الموت أهجرا
ملكنا فلم نكشف قناعا لحرة
ولم نستلب إلا الحديد المسمرا
ولو أننا شئنا سوى ذاك أصبحت
كرائمهم فينا تباع وتشترى
ولكن أحسابا نمتنا إلى العلى
وآباء صدق أن نروم المحقرا
وانا لقوم ما نعود خيلنا
إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا
من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها
صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا
أتينا رسول الله إذ جاء بالهدى
ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
стр. 2105
ومما أنشد بين يديه ﷺ أيضا حديث الأعشى المازني واسمه عبد الله بن الأعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة وخرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن نهضل فجعلها خلف ظهره.. فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف فأتاه فقال: يا ابن عم عندك امرأتي معاذة فادفعها لي, قال: ليست عندي, ولو كانت عندي لم أدفعها إليك, قال: وكان مطرف أعز منه فخرج حتى أتى النبي ﷺ فعاذ به وأنشأ يقول:
يا سيد الناس وديان العرب
إليك أشكو ذربة من الذرب
كالذبية العلساء في ظل السرب
خرجت أبغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهرب
أخلفت العهد ولطت بالذنب
وقذفتني بين عيص مؤتشب
وهن شر غالب لمن غلب
قال: فجعل النبي ﷺ يقول: "وهن شر غالب لمن غلب"
قال الهيثمي: "رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات".
ومنه ما رواه ابن عبد البر وابن حجر في الإصابة "أن قتيلة بنت النضر بن الحارث وكان رسول الله ﷺ قتل أباها صبرا يوم بدر كتبت إليه:
يا راكبا إن الأثيل مظنة
من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتا فإن تحية
ما إن تزال بها الجنائب تخفق
مني إليه وعبرة مسفوحة
جاءت بواكفها وأخرى تخنق
هل تسمعن النضر إن ناديته
بل كيف تسمع ميتا لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تشقق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا
رسف المقيد وهو عان موثق
أمحمدا ولدتك خير نجيبة
في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق
النضر أقرب من أسرت قرابه
وأحقهم إن كان عتقا يعتق
следующие страницы →