← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

من المعلوم أن الوثنيين في الهند لا يؤمنون بالأنبياء فعقائدهم ناشئة عن الجهل والرعونة فلا يستغرب منهم ذلك، والعجب كل العجب من قوم نشئوا في بلاد الإسلام في زمان كانت البلاد الإسلامية مشرقة بأنوار الكتاب والسنة ورايات الإسلام منصورة وأيامه في أيامهم مشهورة، ومع ذلك تركوا الكتاب والسنة وسيرة السلف الأمة واقتدوا بالبراهمة في تنسكهم السخيف، وسأورد هنا ما يتسع له المقام من حكاياتهم المضحكة المبكية. الحكاية الأولى

стр. 2557

ابن الكريتي ومرقعته، قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس على الطوائف المختلفة بسنده إلى نصر عبد الله السراج ذكر عن ابن الكريتي وكان أستاذ الجنيد أنه أصابته جنابة وكان عليه مرقعة ثخينة فجاء إلى شاطئ دجلة والبرد الشديد فحزنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج، وقال عقدت ألا أنزعها عن بدني حتى تجف عليّ فلم تجف عليه شهرا، ثم روى الحكاية بسند آخر إلى الجنيد قال سمعت أبا جعفر ابن الكريتي يقول: أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح يسخن لك الماء أو تدخل حماما وإلا اعبأ على نفسك، فقلت واعجبا أنا أعامل الله في طول عمري يجب على حق لا أجد المسارعة إليه، وأجد الوقوف والتباطؤ والتأخر، آليت لا أغتسل إلا في نهر وآليت لا أغتسل إلا في مرقعتي هذه، وآليت لا أعصرها وآليت لا أجففها في شمس أو كما قال، ثم قال ابن الجوزي: وكان وزن كُم هذه المرقعة وحده أحد عشر رطلا، قال محمد تقي الدين الهلالي الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهما، فإذا كان كُم المرقعة يزن أحد عشر رطلا، والكم الثاني مثله يصير الكمان فقط اثنين وعشرين رطلا، ونسبة الكمين إلى الجبة كلها نجعلها ربعا فيكون وزن الجبة ثمانية وثمانون رطلا، فإذا غمست في الماء يعلق بها من الماء مثل ذلك.

стр. 2558

ونترك التعليق للحافظ ابن الجوزي، قال الحافظ ابن الجوزي بعد ذكر هذه الحكاية التي رواها بإسنادين اثنين ما نصه: وإنما ذكر للناس أني فعلت الحسن الجميل وحكوه عنه ليبين فضله، وذلك جهم محض لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل، وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء، ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه، فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب.. إلقاؤها في الماء البارد، وكونه في مرقعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد، ولعله قد بقي من مغابنه ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة، وبقاؤها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم، وكل هذا الفعل خطأ وإثم وربما كان ذلك سببا لمرضه. الحكاية الثانية وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريتي أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي أي شعرت بأنني من الصالحين الذين يستحقون التعظيم، فدخلت الحمام فرأيت ثيابا فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني، فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمّام فسكنت نفسي، قال أبو حامد: فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال، وربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمّام.

стр. 2559

قال الحافظ ابن الجوزي بعد ذكر هذه الحكاية: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل، والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال، وأي حالة أقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في مخالفته، وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها، وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قطع من لا يجب قطعه وقتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة، ومضمون ذلك أن الشريعة ما تفي بالسياسة، وكيف يحل للمسلم أن يعرض نفسه لأن يقال له سارق، وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ونحو ذلك عند شهداء الله في الأرض، ولو أن رجلا وقف مع امراته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول فيه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك، ثم في مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمّام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده، كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه، فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. الحكاية الثالثة

стр. 2560

قال ابن الجوزي بسنده إلى أبي الحسن المديني أنه سمعه يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية، وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا، فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر، رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتها وقلت هذه لفقير، ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن الثوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء، فلما رأيته علمت أن الثياب له، فنزلت إليه فنظر إليّ وقال: يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي ما لك إلا الذكر الذي لسائر الناس، وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي، فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل، فأقمنا عنده إلى العصر، ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويقفلون الأبواب ويصعدون السطوح، فسألناهم فقالوا السباع بالليل تدخل القرية، وكان حوالي القرية أجمة أي غابة عظيمة، وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين، فلما الثوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع، ويصيح ويقول: أين أنت يا سباع، فما شككنا أن الأسد قد افترسه، أو قد هلك في أصول القصب، فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه، فسألته أي شيء كان ذلك الحال فقال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا، فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه.

стр. 2561

قال الحافظ ابن الجوزي بعد ذكر هذه الحكاية: قلت لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين (يعني أن الشيطان تخبطه) وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين، وهل هذا إلا فعل المجانين، وأين الهيبة والتعظيم من قوله ترى ما يفعل بي (يعني أن الله فعل به ذلك فكأنه يشكو الله تعالى إلى من كان يخاطبه) وما وجه هذا الانبساط، وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة، ثم ما الذي يريده غير الذكر وقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع، وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه، أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع، ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها. تعذيب أنفسهم بالجوع ذكر الحافظ ابن الجوزي في الكتاب المذكور حكايات كثيرة في تعذيب المتصوفة أنفسهم بالجوع زادوا فيها على نساك الهند الوثنيين أضعافا كثيرة، أذكر منها شيئا يسيرا فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن الجوزي في الكتاب المذكور صفحة ٢٠٠ حكى أبو حامد الطوسي عن سهم يعني ابن عبد الله التستري قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة، وأكل دقائق التبن مدة ثلاث سنين، واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين.

стр. 2562

ومن ذلك الترهب بترك التزوج وتعاطي أسباب المعيشة للتفرغ إلى عبادة الله بزعم المنتحلين لذلك، وهذا من الجهل بسنة الله وفطرته ومحاولة تغييرها، وقد علمنا رسول الله ﷺ أن عبادة الله ليست منحصرة في الصيام والصلاة، بل كل قول أو عمل يراد به وجه الله هو عبادة، وقد أوجب الله على عباده واجبات كثيرة فمن ضيع بعضها كمن ضيع كلها، عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالها، وقالوا أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا ولا أنام، وقال الآخر وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر، وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري. وإنما غضب النبي ﷺ على أولئك الرجال لأمور: منها أنهم جهلوا الأصل العظيم وهو أن كل قول وعمل يراد به وجه الله فهو عبادة، وذلك خطأ عظيم يجر صاحبه إلى الضلال، ومنها أنهم ظنوا أنهم أقوى على العبادة وأقدر عليها من النبي ﷺ وهذا الخطأ أعظم مما قبله، ومنها أنهم إذا شغلوا أنفسهم بنوع واحد من العبادة ضيعوا واجبات وحقوقا أخرى فكانوا كمن قضى الدين بالدين، وما أحسن قول الشاعر: إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن قضاء ولكن ذاك غرم على غرم

стр. 2563

يوضح هذا المعنى حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال أبو ذر أن أناسا قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " رواه مسلم، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"رواه مسلم، وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة" رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" متفق عليه. وفي حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال له: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في امرأتك" والآثار في هذا المعنى كثيرة اقتصرنا منها على ما يتسع له المقام.

стр. 2564

وإذا تأملنا أنواع البر الواردة في هذه الأحاديث وحدها نجدها كثيرة، أولها ذكر الله بالقلب واللسان، وثانيها الأمر بالمعروف وهو كل أمر مستحسن شرعا، وثالثها النهي عن المنكر وهو كل أمر محرم كالظلم والعدوان وتعدي حدود الله، ورابعها التزوج ومباشرة الأهل لأن فيها طلبا للولد، ومنعا للزوجين من الوقوع في الموبقات والاستغناء عن الحرام بالحلال، وخامسها حق الضيف والزائرين كما في حديث سلمان وأبي الدرداء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال له: "إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه".

стр. 2565

وهناك حقوق كثيرة كحق الأولاد والوالدين وسائر ذي القربى واليتامى والمساكين والأصحاب وابن السبيل إلى غير ذلك، والترهب يضيع كل هذه الحقوق، وقوله ﵊: يصبح على كل سلامى من الناس صدقة السلامى العضو من أعضاء الجسم، ففي كل صباح تكون على الإنسان واجبات اجتماعية بقدر عدد أعضاء جسمه، فإذا وجد اثنين متخاصمين فأصلح بينهما بالعدل فقد أدى واجب عضو من أعضاء جسمه، وإذا وجد إنسانا يريد أن يركب دابته أو سيارته أو سفينته أو يحمل عليها متاعه وأعانه على ذلك فقد أدى واجب عضو آخر، وإذا وجد في طريق الناس ما يؤذيهم فأزاله فقد أدى واجب عضو آخر، والأنواع التي تؤذي الناس في طريقهم كثيرة، منها الشوكة والحجر والنجاسات وقطع الطريق والسباع وكل ذوات السموم، ويدخل في هذا بناء القناطر والسدود وتعبيد الطرق أي تسويته وتبليطه وإزالة الأوحال والثلوج وغير ذلك، ومن القربات جمع المال من طريق الحلال حتى يغني الإنسان نفسه وأهله ويترك لورثته ما يغنيهم، ومنها ملاطفة الزوجة باختيار لقمة شهية أو ثمرة ووضعها في فمها كما مضى في الحديث، والمتبتل المنقطع للصلاة والصيام المعتزل عن الناس يفوته ذلك كله، وغيره من التعلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وتشييع الجنازة وغير ذلك من القربات الاجتماعية. وهذا الموضوع واسع لا يستوعبه مجلد، فنمسك عنان القلم ونكتفي بهذا القدر.

стр. 2566

الصلح خير بقلم الشيخ عبد الله بن صالح المحسن المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة إن الناس في هذه الحياة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتباعد أقطارهم بعضها عن بعض لم يعلم عن أحد منهم في وسط المعمورة ولا في أرجائها أنه لم يحدث بينهم خصومات ومنازعات، بل إن الطبيعة الغريزية لتحمل كل إنسان على محبة التغلب والانتصار على منازعه أو خصمه فإن كانت صالحة فالمرء يريد استيفاء حقه وإن كانت طالحة فيريد المرء التغلب والانتصار على الخصم بأي طريق، لذا فكثيرا ما تقع الخصومات والمنازعات بين فرد وآخر وقرية وأخرى، فلذا عُني الإسلام بهذا الشأن فأمر بالصلح ورغب فيه وجعل المصلح حاكما نافذا حكمه قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى في حق الزوجين ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ وقال الرسول ﷺ "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقه" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح، وللترمذي "لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق

стр. 2567

الدين" وقال ﷺ : "كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين (تصلح بينهما بالعدل) صدقة" رواه البخاري ومسلم. وقد أجاز ﷺ الكذب في الصلح بين الناس حيث قال ﷺ : "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا" رواه البخاري ومسلم، ولمسلم "لم يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث" وذكر منها الإصلاح بين الناس، كل ذلك دافع إلى الصلح في حل المشاكل المتأزمة فعلى كل مسلم أن يكون رجلا مجاهدا في أمته وبني وطنه ومن يتصل به من غيرهم بأن يسعى بالصلح إذا وجد نار الغضب والفتنة تتأجج بالخصومات والمنازعات بين أي من الناس فليحاول التدخل فيما بينهما بالصلح ليكون حكما عدلا مصلحا بينهم بأقواله وباذلا في ذلك ما يستطيعه من أفعال ومال إذا تطلب الأمر ذلك حتى يطفئ تلك الفتنة الملتهبة أو المشاكل المعقدة ويحل بدلها السلام والوئام ولا يقول هذا ما يعنيني فإن الرسول ﷺ لما أخبر بأن أهل قباء اقتتلوا حتى ترامو بالحجارة فقال "اذهبوا بنا نصلح بينهم" رواه البخاري. فعلى كل مسلم أن يكون دائما مشاركا في هذه الحياة بنفع إخوانه مسابقا في ميادين الإصلاح والعمل المثمر مسارعا إلى ما يؤلف القلوب ويرفع مستوى أمته ليسمو بين الورى بحسن الثناء ويسعد في آخرته عند الله إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ويقول الشاعر: لا تزهد الدهر في عرف بدأت به كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا

стр. 2568

وعلى المصلح أن يكون الإخلاص هو الدافع له على الصلح، وأن يكون صلحه سائرا تحت لواء الشريعة فلا ينفذ صلحا مخالفا للسنة لقول رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم، مردود عليه لعدم صحته وقد رد ﷺ الصلح الباطل في قصة العسيف حيث قال ﷺ : "أما الوليدة والغنم (التي اصطلحتم عليه) فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" رواه البخاري ومسلم، فيا أيها المسلم الذي وقع في مشكلة مع غيره عليك بقبول الصلح لما فيه من الخير الكثير والابتعاد من الشر المستطير ومن أعظم الأدلة على ذلك قصة صلح الحديبية الذي ظاهره النقص والضرر على المسلمين وفي باطنه ما تجلى من المنافع العظيمة التي ظهرت لكل واحد، ولما في قصة الزبير مع خصمه قال الرسول ﷺ : "اسق يا زبير ثم أرسل (الماء) إلى جارك" مريدا بذلك الصلح فلم يوافق الخصم على ذلك فقال الرسول ﷺ : "اسق (يعني الزبير) ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" رواه البخاري، مستوعبا في ذلك حق الزبير في صريح الحكم، فلو قبل الخصم الصلح لكان له فيه خير، وقد تكرر الأمر بالصلح والترغيب فيه كما سبق لما يحصل في الخصومات والمشاهدات من الأضرار العظيمة من سفك الدماء وذهاب الحقوق وتجسم العداوات والإساءة والإيذاء من آثارها مع ما يبذل في سبيل ذلك من الأقوال بحق وبدون حق مع أنها محرقة للقلوب داعية للهموم ومضيعة للوقت من دون جدوى ولا فائدة غالبا، بل ضرر ظاهر وعذاب وابتلاء قد يكون مستمرا فما على المسلم إلا أن يقبل الصلح متسامحا عن بعض حقه في اعتقاده ليرتاح من عناء تحقيق حقه وقد يضيع حقه كليا بسبب عدم خوف خصمه من الله وخصوصا في هذا الزمان وما فيه من زخرف القول الذي يجعل الباطل حقا والحق باطلا مما يخالف قول الله سبحانه ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى

стр. 2569

الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . من الصحف والمجلات نشرت مجلة التضامن الإسلامي في عددها رقم ٩ تحت عنوان موقف الإسلام من الفنون ما يلي: وإنما يحذر الإسلام من كل لهو تشوبه المعصية لأمر الله والخروج عن قيم الإسلام وتعاليمه من كل ترويح يؤسس في القلوب الاستهانة بأمر الله والاستخفاف بحدود الشريعة وانتهاك حرماتها، وإذا نظرنا في المجتمعات المعاصرة وجدنا فيها ألوانا من اللهو يطلق عليها اسم الفن وهي ذات صلة وثيقة بإثارة الغرائز وهي على هذا تحقق الكسب وتكسب الشهرة ولكن آثارها في الأخلاق والتوجيه والسلوك آثارا مدمرة إذ توحي إلى الإنسان بالانسلاخ من كل قيد، والتجرد من كل خلق وتثبت فيه أن الحياة لذة ولا شيء وراءها فكيف تجد هذه الفنون الكاذبة من يدافع عنها في بعض المجتمعات الإسلامية ومن يتحمل لها الجوائز باسم التجديد والتطور مع أن قوانين الاجتماع الإنساني تقف نذيرا، وسنة الحضارة شاهد صدق على أن فناء الأمم وبقاءها رهن بما تؤخذ به نفسها من جد واستقامة وما تحظره في حياتها من مفاسد ونقائص، والإسلام يفرق بين اللهو المباح وبين أمراض الغرائز التي تحاول أن تتسلل إلى كل مظاهر الحياة وأن تطبع نشاط المجتمع كله بطابعه السقيم.

стр. 2570

المسئولية بين الفرد والمجتمع بقلم الشيخ: محمد أبو فرحة المدرس في الجامعة المجتمع الإسلامي في نظر الإسلام: وحدة واحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أن تترك ليصيبها العطب أو الفساد، ولا أن يهمل جزء منها ليصاب بالعطب أو الفساد، ولا سبيل إلى صيانتها إلا بأن يقوم كل فرد بعمله، حاكما أو محكوما، وأن يكون مخلصا في عمله مضحيا للجماعة التي ينتمي إليها، بشيء من راحته ووقته، وبجزء من ماله وجهده، برضا نفس، وسماحة قلب، حتى يظل الترابط والتماسك قائما، ويبقى التراحم والتواد بين الأفراد موجودا، فإن الأفراد هم اللبنات التي يتكون منها المجتمع، والخلايا التي ينتج عن تماسكها هذا الكائن الحي المسمى بالأمة. وطالما كانت الخلايا سليمة تؤدي وظائفها ظل المجتمع سليما معافى، يفيض على خلاياه الصحة والقوة، ويدفع عنها كل خطر خارجي، ويعوضها عن كل نقص داخلي. نعم لا بد وأن يشعر الفرد بأنه ابن بار لمجتمعه، وعضو نشيط في أمته يسعد بسعادتها، وينفعل بأحاسيسها، وينغصه تأخرها عن غيرها، والمجتمع يحرسه ويحافظ عليه، محافظة الأب الرحيم والأم الرءوم على وليدها. فإذا ما استيقظ ضمير الفرد نحو أمته بالحب والإخلاص والتضحية، واستيقظت الأمة تحمي أفرادها، كان ذلك المجتمع في كنف الله، مستظلا برعايته "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ". وأمة هذا شأنها يتنزل عليها نصر الله، من سماء الله، على يد ملائكة الله وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

стр. 2571

لقد جعل الله الفرد مسئولا شخصيا عن حراسة نفسه، عن الإضرار بأمته، ومسئولا عن حراسة الأمة في بيئته مسئولا عن عمله وإتقانه، والأمانة فيه، مسئولا عن محاربة الجرائم الظاهرة والخفية وعن محاربة الاتجاهات الخبيثة التي تضر الأمة في حاضرها أو تؤذيها في مستقبلها، مسئولا عن كل ذلك مهما يلاقي في سبيله من مشقة ومتعبة، لأن الله جعله جنديا، ميّزه بالعقل وطالبه بالمحافظة على منطقته. فإذا قام الفرد بواجبه على هذا النحو، ولم يجد تقديرا أو جزاءا من مجتمعه فلا يخشى بأسا ولا فواتا، فإنه إذا لم ينصفه أهل الأرض، فسوف لا يضيعه رب السماء، وإن عدالة الله أكرم من أن تضيع جزاء المعروف بين الله والناس، بل كلما تحمل الفرد شدة في جهاده ومشقة في إصلاح أمته، أعظم الله له الأجر، وكلما قل عدد المجاهدين ارتفعت درجاتهم، وزاد ثوابهم. إن الرسول ﷺ يبشر هؤلاء الذين يضيئون لغيرهم وسط الظلام السابغ، ويؤدون واجبهم في دوامة التحلل وشمول الفساد، ويتمسكون بالفضيلة ويعملون بها، وقد انصرف الناس عنها ويدعون إليها، وسهام السخرية تصوب إليهم من كل جانب، يبشرهم الرسول ﷺ بمقدار ثوابهم فيقول "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد ". رواه الطبراني عن أبي هريرة. وإذا كان الفرد مسئولا عن مجتمعه الذي يعيش فيه، وعن أمته التي ينتسب إليها بمقدار ما أعطاه الله من ميزات وما منحه من عطايا وبمقدار ماله من تأثير مادي أو أدبي، فإنه كذلك مسئول عن نفسه ووقايتها من الآثام الخاصة والعامة ومسئول عن مملكته الصغيرة التي استرعاه الله إياها "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " ... الخ متفق عليه.

стр. 2572

بل كذلك كل فرد مسئول عن جاره إذا أحاطت به ضائقة أو حدثت له كارثة حتى لا يكون جرثومة شر على المجتمع إذا لم يجد العون منه يقول الرسول ﷺ "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم" رواه الطبراني. أما إذا أهمل الفرد في واجباته هذه كلها أو بعضها في نظير أمل تافه قد يصل إليه وقد لا يصل أو في نظير ثمن بخس، ألا فليعلم أن ما حصل عليه مهما اعتبرته ظواهر القانون حقا وملكا، إلا أنه في موازين العدل الإلهي سحت اغتصبه، وظلم انتهبه، لا يبارك الله له في ذرية أنفق عليها، وهو مردود عليه إن تصدق به وسيحمله على عاتقه يقابل به مولاه يوم القيامة ليحاكم أمام محكمة العدل الإلهية أمام علام الغيوب ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ويقول الرسول ﷺ "... ولا يكسب عبد مالا حراما فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيء، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" رواه أحمد. لا ينفع المقصر في حق أمته، الممالئ للأعداء في حق شعبه، ومستقبل بلاده، المتغاضي عن الفساد يستشري ضرره بين أفراد مجتمعه ولن ينجيه من عذاب الله شفاعة شفيع ولا قرابة قريب فإن الإسلام قد كلف الجميع بالعمل وسد الطريق أمام من يعيشون على عمل الأجداد أو على الآمال الكاذبة من غير عمل جاد "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم.

стр. 2573

كما أنه لا حجة لفرد مهما صغرت قيمته في إهمال أو خيانة، بحجة أن الدعاة للحق وأن العاملين به قلة قليلة، تذهب أصواتهم بددا، وسط هذا الضجيج الموحش، كما تذهب الصرخات المنبعثة من جب عميق، وسط صحراء شاسعة تلفها الأعاصير الهوجاء. فليصور كل إنسان نفسه مسمارًا صغيرا أو (صامولة) صغيرة في وابور كبير أو في باخرة ضخمة، وقد خرج عن مكانه، أو توقف عن أداء واجبه. ألا ترى أن القطار قد يحترق وأن الباخرة قد تغرق، ثم ألست معي في أن خيانة فرد أو إهماله قد يكون رأس عود الثقاب، صغير الحجم لكنه فاحش الضرر؟ إن حساب الإنسان بين يدي مولاه، لن يكون قاصرا على ما ظهر من قوله ولا على ما بدا من فعله فقط، لا بل لابد من مراعاة الباعث على القول والعمل، ولا بد من اعتبار الدوافع المستترة في طيات النفس وكوامن الفؤاد ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فلا تسع إلى نعمة تعقبها نقمة ولا تتهافت على لذة تعقبها حسرة. قد يؤثر الفرد أن يعتزل الناس، وأن يتركهم على ما هم عليه، وأن ينكر الصلة بينه وبينهم، ظانا بذلك أنه أخلى مسئوليته، وأن عليه نفسه لا يضره من ضل!!! كلا، إن الدين يكره هؤلاء، حتى ولو كان اعتزالهم للعبادة، لأنهم يضعون أنفسهم في نقط استراتيجية لوساوس الشيطان يقول الرسول ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". ويقول: " ... يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار" ويقول: " ... وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".

стр. 2574

هذا من ناحية الفرد، أما من ناحية المجتمع فهو الذي يحمي الفرد، ويحنو عليه ويدافع عنه، ويعز الفرد بإعزازه، ويقوى بقوته، ويعالجه إن مرض، ويساعده إن افتقر، ويرعاه طفلا، ويرحمه شيخا، ويتضامن معه شابا، وما أكرم هذه التوجيهات النبوية الكريمة، وهي تستل الضغينة من نفوس المحتاجين، وتضيء جوانب الكون لتسلط أضواءها على مناطق الضرر، التي تتوالد فيها أفكار السوء ومذاهب الهدم، وينبعث منها ما يهز المجتمعات ويشيع فيها روح التمرد على خير القيم، يقول الرسول ﷺ : "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع إلا برئت منهم ذمة الله ﵎" رواه أحمد. وما أجمل تعاليم الإسلام، وعمر بن الخطاب يطبقها وهو أعدى الأعداء لليهود إذ يفرض ليهودي مسن من بيت مال المسلمين ما يكفيه، لأنه وجده فقيرا مسنا يتوكأ على عصا، وهكذا الإسلام يفرض للأفراد الفقراء والمحتاجين حقا في مال الأغنياء ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ حق تحارب من أجله الأمة، وتوجه قواتها الضاربة، إلى من منع هذا الحق أو وقف في سبيله، فهو ركن من أركان الإسلام وإذا لم يكف هذا المفروض حاجة المحتاجين، زاده الإمام بما يكفيهم "إن الله فرض على أغنياء المسلمين بقدر الذي يسع فقراءهم". رواه الطبراني في الأوسط، وإذا لم تتسع أموال الزكاة للوفاء بالمطلوب، فعلى الدولة من خزانة بيت المال إعالة المحتاجين والعاجزين يقول الرسول صلوات الله عليه " ... من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ" أخرجه ابن سعد من حديث جابر.

стр. 2575

والمجتمع والأفراد متضامنون في محاربة المنكرات، والضرب على أيدي العابثين بمقدسات الأمة، ومحاربة المفسدين فيها، يقول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه أحمد، ويقول " ... كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم" يشير الرسول إلى بني إسرائيل رواه أبو داود عن ابن مسعود. وإذا كانت الأمم كالأفراد، تمر في أطوار مختلفة حتى تصل إلى المستوى المقدر لها، فتتعثر أحيانا، وتسير قدما إلى الأمام أحيانا، ولا شيء يضيع استقلالها، ويمحو لذة النصر فيها أكثر من تشتيت أفكارها، وتنازع أفرادها، فيعيشون كالبهم السائمة، في فدافد الأرض، وسط الوحوش الضارية، لا راعي يجمع شملهم، ولا مرعى يطيب لهم، إذا علمنا هذه السنة الكونية فهمنا بعض أسرار قول الرسول "وليضربنّ الله قلوب بعضكم ببعض". وإذا كان الإسلام يطلب من كل جماعة إسلامية أن تقوم بواجبها، حفظا عليها وحرصا على استقلالها، فإنه يتشدد في الطلب، ويبالغ في الإنذار إلى كل أمة بدأت تهب من غفلتها، لأن أي عطب يصيبها سيكون مصوبا إلى نحرها، ويصيب المجتمع الإسلامي كله، فما الدولة إلا عضو من أعضائه.

стр. 2576

إن الرسول ﷺ يشبه الأمة بركاب سفينة، تمخر عباب البحر فوق لججه العاتية، فلا يجوز للركاب أن يتركوا عابثا يخرقها، ولو في ملكه الخاص مهما كان حرا فيه، فإن أي حرية لابد أن تكون محدودة بإطار المصلحة العامة وإلا انقلبت فوضى، ثم يأمر الرسول بمنع العابث من عبثه لينجو هو وينجو جميعا منه وإلا هلك الجميع، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وهكذا عقوبة الله لمن سبقنا من الأمم، لم تكن لمن كان ظلمه إيجابيا فقط، بل شملت الظالمين فعلا، ومن رضي بالظلم أو سكت عن مقاومته يقول ﵎ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ . وإذا كانت الأمة تعنى بالماضي وتوليه عنايتها، لأنه الأساس الذي لا غنى عنه في البناء للحاضر والمستقبل، وعندنا والحمد لله جامعات تعنى بقديمنا كما أن هنا صفوة ممتازة يعملون جاهدين على تصحيح عقائد المسلمين لئلا ترتكس الأمة، في ضلالات البدع الدخيلة على الإسلام عن قصد أو جهل، وحتى لا تنحرف البقية الباقية، فتسير في الطريق الذي سارت فيه الأمم قبلنا، ولئلا تهوي في مهاوي المخطط المهيأ لجذب شباب المسلمين لمعاداة دينهم، والمساعدة في هدمه. كما أن عندنا والحمد لله نخبة صالحة تحيي التراث القديم، وتبعث الماضي المشرق بحفظها ودراستها لكتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ وما يتصل بهما من علوم القرآن وعلوم السنة لتنحية الدخيل الخبيث، والإبقاء على الأصل الصحيح.

стр. 2577

هذه الفئة قد أدت واجبها وقامت بمسئوليتها، وعلى من بيدهم شئون المسلمين وشئون التعليم خاصة، أن يؤهلوا الشباب للنزول إلى معترك الحياة الجادة، يزاحمون الأحياء وهو مسلحون بسلاح الإيمان الصحيح، ليسيروا على هدي السلف الصالح، الذين انطلقوا من الجزيرة العربية، ولا علم لهم بفنون الرومان والفرس وعلومهم وصناعتهم، فلما وطئت أقدامهم دولا أنارها الإسلام بفتحه، وأنقذها من ظلم الحكام بعدله أخضعوا الحياة الجديدة لأحكام دينهم، ووجهوها توجيها يرضي ربهم، وأرجو أن يُعلّم شبابنا كيف لا يغترون بمظاهر الغرب البراقة وكيف يأخذون بأحدث النظريات العلمية الصحيحة في إطار الإسلام، ويطبقونها في بلادهم ولبلادهم بما يتفق وأحكام الشريعة السمحة التي تنحي الضار المحرم وتبقي الحلال النافع. ولأمر ما أقسم رب الكون، العليم بشؤون عباده أنه لا فلاح للإنسانية إلا إذا آمنت بربها وعملت خيرا وتواصت بالحق وتواصت بالصبر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .

стр. 2578

قصص لا تنسى: الهارب بدينه بقلم: الشيخ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة كان تاجر حبوب متوسطة الحجم في مدينة (غوستوار) جنوب يوغوسلافية، وقد عرف بالاستقامة بين عملائه وزبائنه، وبلغ نشاطه في عمله هذا حدا يتجاوز رأس ماله، إذ لم يكتف بتصريف ما يرده من نتاج الزراعة المحلي، بل مد عمله إلى خارج يوغوسلافية، وبخاصة أستورية النمسوية، إذ كثيرا ما كان يستورد من هناك أنواع الحبوب التي تعوز فلاحي منطقته ولا سيما بعض أصناف الذرة الناجحة.. وقد أعانته في ذلك مواهبه النفاذة، فهو شاب حاد الذكاء كثير الفطنة، لم يكد يخفق في عمل أو صفقة قط.. يضاف إلى ذلك التزامه الحدود الشرعية في معاملته، بحيث يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة، فلا يسمح لقرش بالتسلل إلى ماله إلا إذا استوثق من طهارته وبعده عن الشبهة، وقد ورث هذا المسلك من بيته الذي كان شديد الحرص على الأخلاق الإسلامية، وتحقيق شعائر الإسلام اليومية في حياة أفراده جميعا نساء ورجالا وأطفالا، ومن هنا بات موضع الثقة لدى الكثيرين من جيرانه ومعارفه، مما دفع بعضهم إلى إيداعه ما يزيد عن حاجته من مال للمتاجرة به على أساس النفع المشترك...

стр. 2579

وعلى الرغم من كثرة هذه المشاغل التي تستهلك معظم أوقات عبد الله هذا لم يكن خالي الذهن من أحداث عصره، وبخاصة ما يتصل منها بأحوال المسلمين، ليس في يوغوسلافية وحدها بل في سائر بلاد البلقان ومنطق الخلافة، التي أصبحت محاطة بالخطر من كل جانب منذ كتبت الهزيمة على الجبهة الألمانية وحلفائها في أولى الحربين العالميتين التي أوشكت أن تلتهم الأخضر واليابس من حياة الناس، وكان من حظ مسلمي يوغوسلافية وجيرانهم أن يكونوا أكثر أعضاء الجسم الإسلامي إحساسا بتلك المخاطر، إذ بدأت العصبيات الصليبية تتحرك في مواجهتهم، مزودة بكل أحقاد الماضي التي تصور لأصحابها أن هؤلاء المسلمين ليسوا سوى بقية غزاة احتلوا أرضهم واستولوا على أهلهم بتحويلهم عن النصرانية إلى الإسلام! ... ولا ريب أنها مقدمات رهيبة لمحن لا طاقة للمسلمين بالرد عليها أو الخلاص من شرها، إذا استمرت الأحداث في طريقها المشهود... وكل الدلائل قائمة على أنها مستمرة دون عائق! ...وكثيرا ما تتداعى في خيال عبد الله صور المآسي التي طالعته أثناء قراءته تاريخ المسلمين، فيتذكر الديار التي أخرجوا منها، والمذابح التي سيقوا إليها، والاكتساح الهائل الذي تعرض له دينهم تحت مطارق الصليبية، التي اقتلعت آثار سبعة قرون من حضور الإسلام في الأندلس وصقلية ومالطة و... فلا يزيده ذلك إلا خوفا من المستقبل، واستيقانا من قرب الجائحة التي تهدد وجود الإسلام في كل هذه الأقطار الواقعة بين ذراعي الوحش الصليبي... ومما يضاعف هواجسه وآلامه ما يلمسه من طلائع الضعف النفسي الذي بدأ يجتاح معنويات المسلمين في أعقاب الهزيمة التي ألمت بدولة الخلافة، إذ جرف تيار الفوضى الكثير من شبابهم، فشاركوا غيرهم من الطوائف في التحلل من الالتزامات الخلقية، وانصرفوا عن مسلك آبائهم في تحقيق شعائر الإسلام من صلاة وصيام وآداب، كان لها فيما مضى الأثر الأكبر في صيانة الشخصية الإسلامية من الانهيار والذوبان...

стр. 2580

ولم يكن ذلك شعوره وحده، بل كان هو القدر المشترك بين أفراد الطبقة المحافظة والواعية من قومه، لا يكاد أحدهم يجتمع بالآخرين حتى يطارحه الحديث حول هذا الواقع الذي يشغل بالهم جميعا، دون أن يعرفوا مخرجا منه.. وهبط عبد الله...من القطار إلى أرض المحطة التي انتهى إليها من أستورية، وأخذ سبيله إلى سوق الحبوب، التي ألفت قدماه دخولها كلما وفد إلى هذا البلد، ولم يصرفه عن الحانوت الذي يقصد إليه ما في رأسه من تلك الأفكار التي لا تكاد تفارقه لحظة.. واستقبله عميله الأستوري بما عوده من حفاوة وإكرام، وأراد الزيادة في تكرمته فهمس في أذن العامل الذي لم يغب إلا قليل حتى أتاه بما أراد له صاحبه من شراب رائق الصفرة، شهي البرودة، بارز الرغوة.. وقال الخواجه الأستوري وهو يشير إلى الكأس الأنيقة: هذا خير ما تلطف به حرارة الجو يا صديقي... ورد عبد الله: حقا إن الجو حار.. ولكن لا أستطيع أن أتناول من الشراب ما لم أعتده.. فما هذا؟ .. قال الخواجه: إنه كأس من الجعة.. الجعة الصحية المستخرجة من الشعير.. الجعة!.. ولكن هذه خمر.. وهي علينا نحن المسلمين حرام.. وتدفقت هذه العبارة من لسان عبد الله في لهجة الاعتزاز والتصميم دون أن يتعمد ذلك، وكأنها محاولة لإثبات التمييز الذي يحتفظ به كمسلم.. ولا يستطيع مفارقته مهما تختلف الظروف.. وضحك الخواجه الاستوري ثم أجاب: قد كنت أحسب الأمور قد تغيرت عندكم.. ولكن..لا بأس.. كل شيء سيتغير شئنا أو أبينا.. والتفت إلى العامل يأمره أن يأتيه بكأس من عصير الفاكهة المبرّد.. وانسربت من عبد الله نظرة إلى ما فوق رأس التاجر النمساوي.. فإذا عيناه مشدودتان إلى قِمَطرٍ من الحرير قد عُلق بأناقة في صدر المكتب، وبدا كأن فيه كتابا عزيزا على صاحبه، وتفاعلت في صدره الإشكالات فلم يتمالك أن سأله في أدب كثير: وما هذا الذي أراه فوق رأسك؟..

стр. 2581

ومع ابتسامة معبرة أجاب: إنه المصحف.. المصحف الشريف.. -المصحف!.. أطلق هذه الكلمة يرمق صاحبه بعينيه السوداوين المهيبتين المشحونتين عجَباً.. وقد تشنجت أعصاب جبهته العريضة حاملة أشتات التعابير.. -أجل.. المصحف الشريف.. وهل يُستغرب ذلك؟ -طبعا.. لأنه كتاب المسلمين، وما أظنك تعرف منه شيئا.. أو تستفيد منه بشيء!. فخفض التاجر النمسوي بصره قليلا ثم قال: هو كما قلت يا صديقي.. لكني مع ذلك حريص عليه.. ولم يجد عبد الله في الجواب ما يقنعه فقال: ألا ترى أني أحق منك به؟.. فلو بعتنيه لكنت لك من الشاكرين.. وفي غير تردد أجاب: ليس هو كيسا من الذرة فأبيعكه يا صديقي.. إن له في نفسي لذكريات لا أريد نسيانها، وهي سبب حرصي عليه. وكأن عبد الله قد وجد في هذا الكلام ما أثار فضوله لمعرفة ما وراءه، فألح على صاحبه أن يوضح ما أبهم.. فقال: لو لم تسألني ذلك لذكرته لك، إن هذا المصحف هو الشيء الوحيد الذي بقي لنا من آثار جدي الذي كان أستوريا مسلما، وقد ورثه عنه والدي الذي نسي دين أبيه واعتنق النصرانية، وعليها أنشأنا..فأنا أحتفظ به إذن أثرا تاريخيا يربط بين ماضي أسرتنا وحاضرها.. أليست هذه بذكريات عزيزة تستحق الاحترام أيها الصديق!؟.. وهل مثل هذا الأثر مما يصح أن يباع أو يهدى!!.. وأحس عبد الله باحتباس لسانه، فلم يستطع أن يجيب بنعم أو لا.. لأنه شغل عن ذلك كله بما أثارت كلمات الرجل من خوالج في أعماقه لا يستطيع لها تحديدا.. وفي غمرة من الأسى الممتزج بالخوف وجد نفسه يتمتم في نفسه: إذن فأنا مرشح تماما لمثل هذا المصير!..

стр. 2582

وأخذ حانوت عبد الله يتعرّى من محتوياته يوما فيوما، حتى أوشك أن يفقر من كل السلع التي اعتاد أن يحتويها.. وقد بدأ هذا الانقلاب فيه منذ عودته من أستورية إذ جعل يبيع الشيء ثم لا يأتي له ببديل.. وشرع في تصفية حسابه مع شركائه وزبائنه دون أن يخبر أحد بما يريد.. إلا أنه لم يستطع كتمان نواياه عن أخيه، وعن بعض الشيوخ الذين تلقى عليهم بعض ما يعلمه من أمور دينه، إذ دعاهم إلى بيته ذات يوم بُعَيد صلاة العشاء، ثم أطلعهم على السر الذي أقلق باله وزلزل أعصابه وشحن صدره بالخوف على بنيه.. وأعلن لهم تصميمه على الهجرة إلى استامبول حيث ينقطع لطلب العلم على علمائها حتى يقضي الله أمره فيه.. ولم يجد من مستشاريه أية معارضة، فهم لا يقلون عنه قلقا، وقد زادتهم قصة مصحف الأستوري تشاؤما من المستقبل، وتمنوا لو أنهم يستطيعون مرافقته في هذه الهجرة!..

стр. 2583

وما هي إلا أيام حتى غادر عبد الله مسقط رأسه متجها بالقطار إلى دولة الخلافة المهزوزة، ثم لم يستقر له مقام حتى انتهى إلى البلد الذي أراده.. وفي استامبول استأجر غرفة متواضعة في حي قديم، ومضى يتفقد حلقات العلماء في مختلف جوامعها، حتى اطمأن قلبه إلى عدد من هؤلاء، فلزم حلقاتهم، يقضي بعض يومه على مدرّس الفقه، وبعضه على مدرس الحديث، وبعد العصر على أحد المقرئين المجوّدين للقرآن.. ولم يغفل أمر معيشته فالتحق بأحد مصانع التسوية يستأنف فيه ما سبق أن تعلمه في بلده قبل أن يمارس عمل التجارة، ولكنه لا يهب له وقته إلا ما يكفي لسد حاجته، كيلا يضطر إلى إنفاق ما في يده، فيصبح كلا على الناس، وذلك ما لا يتفق مع أخلاقه التي شب عليها.. وبدافع من نشاطه الذهني المتوقد أبدا كان كثير التتبع لأحداث البلاد، وملاحظة التطورات التي تمر بها دولة الخلافة في أعقاب الهزيمة.. ولعل أشد ما كان يؤلمه منها ذلك الاتجاه المعادي للإسلام، الذي تمثله عناصر المتفرنجين من الشباب العثماني مدفوعة –كما يقول شيوخه- بالأيدي الخفية التي تختبئ في أوساط الدولة –اليهود المتظاهرين بالإسلام-!.. وكانت الأحداث تتابع على عجل وبصورة لا تدع مجالا لأية معارضة، كأنما وراءها تخطيط شيطاني قصد به شل كل حركة إسلامية قبل بروزها إلى ميدان المواجهة.. حتى الاعتداءات الوحشية، التي قام بها متعصبة اليونان على العزل الآمنين في سالونيك وأخواتها، لم تكن في نظر هؤلاء الشيوخ إلا حلقة من سلسلة المؤامرة الكبرى على الإسلام نفسه، دفعتهم إليها الأيدي الخفية نفسها، ثم دفعت مصطفى كمال للرد عليهم –بعد تربص- لتوهم المسلمين أن هؤلاء وحدهم هم المنقذون الحقيقيون للشعب العثماني، وبذلك يؤمِّنون لأنفسهم الممر المنشود لتحطيم الخلافة وما تقوم عليه من بقايا الصرح الإسلامي!..

стр. 2584

وسرعان ما تحققت مخاوف هؤلاء العلماء.. فإذا الكماليون يهاجمون أعضاء المجلس الوطني، الذي أبوا عقده إلا في أنقرة بعيدا عن سلطة الخلافة، فينشرون عليه سحابة رهيبة من الهول والرعب، ويكرهون كل معارض لهم على السكوت أو الاختفاء ثم لم تلبث الخلافة أن تصدعت أركانها وانتهى أمرها إلى الغاية التي أرادها أعداء الإسلام من الإنجليز واليهود والملاحدة.. ثم جاء دور القتلة لتصفية أعدائهم بكل الوسائل الممكنة، حتى خلا لهم الجو، وراحوا يقوضون كل ما تركه السلف المجاهد من آثار العظمة، ليستبدلوا به كل ما من شأنه تقطيع أوصال المسلمين، وإخراج الشعب التركي من حظيرة الدين. وكانت قمة الكارثة تلك المذبحة الوحشية التي أنزلتها قوى الإلحاد في علماء الإسلام، يوم فرضت عليهم ارتداء القبعة وحلق اللحى، وألزمت المرأة المسلمة أن تنخلع من كيانها الإسلامي بقوة الحديد والنار... فاعتبرت تلكؤهم في تنفيذ أوامرهم الشيطانية تمردا على سلطانها، فشنقت العديد منهم على أبواب بيوتهم، لتقضي على كل تفكير في الاعتراض أو الإنكار!.. وهناك أدرك الفتى المقدوني [١] أن استامبول لم تعد مقرا صالحا لمثله، وألا بد له من استئناف الهجرة إلى سواها من أرض الله.. وهكذا قُدِّر عليه أن يغادرها بعد خمس سنوات ذاق فيها المفارقات الكثيرة من الخوف والأمن، وشهد خلالها نهاية الدولة التي حمت الإسلام وقاومت مئات الملايين من أعدائه، وطوال خمسة قرون، فلم تزل ثابتة صامدة، حتى سلطت عليها هذه العصائب من أبنائها فنسفت قواعدها خلال هذه السنوات القليلة!.. لم يتردد عبد الله طويلا في اختيار مهجره الجديد، إذ لم ير أقرب إلى أفكاره من مصر بلد الأزهر الشريف، والملاذ الأخير الذي يتطلع إليه المسلمون ويستمدون من أشعته، فيتقدم إليهم بذلك تعويضا ولو رمزيا عن فقدانهم للخلافة التي استمرت تمثل وحدة العالم الإسلامي طوال ثلاثة عشر قرنا ونيفا...

стр. 2585

وكما فعل استامبول من قبل اتخذ لنفسه مسكنا متواضعا على مقربة من الجامع الأزهر، ولبث ما يقارب العام يتردد على حلقات الدروس يغذي معلوماته في التفسير والحديث، ويروض سمعه ولسانه على النطق العربي.. ولكنه سرعان ما ضاق صدرا بمهجره الثاني إذ لاحظ أنه لم يكد يتنقل من جو الحياة الشاذة في ظل الكماليين، لأن المعركة نفسها قد امتدت إلى الأزهر وما حوله، وإلى الصحف المصرية المختلفة المتضاربة، حتى أن العدوان الكمالي على الخلافة قد وجد في هذه الأوساط أنصارا من أصحاب العمائم، يؤيدونه ويباركونه ويدافعون عنه، ويؤلفون في تسفيه الخلافة الشهيدة الكتب والمقالات.. محاولين إقناع قراءهم بأنها لم تكن قط مصدر خير للمسلمين، بل لم تكن إلا مبعث الشقاق وملتقى الفتن والمحن عليهم أجمعين. وعلى الرغم من أن الحق لم يعدم أنصاره بإزاء أولئك المضلين، إذ كان على أرس الفريق المؤمن أبطال ذوو علم ومنطق وإخلاص، يردون الكذب بالصدق، ويقذفون بالحق على الباطل، على الرغم من كل ذلك فقد آذى قلب هذا الهارب بدينه أن يرى في بلد الأزهر من تدفعه القحة إلى حد الوقوف بجانب قتلة الإسلام، الذين لا تزال مخالبهم تقطر من دمائه!.. ولم يلبث إلا ريثما تيسر له السفر إلى البيت الحرام لأداء فريضة الحج.. ومن ثم إلى طيبة المباركة لزيارة مسجدها الحبيب.. وما أسرع أن أنس بالمقام إذ احتواه شعور غريب بروح من حياة جديدة لا يعرف كيف يعبر عنه ولا يستطيع تحديد مصادره.. فقد كان يخيل إليه أن لكل ذرة من هذا التراب الذي يطؤه في ذلك البلد إيحاء خاصا، ولكل هبة من نسيمه، حتى المحمّل بالغبار في الكثير من الأحيان، لذة بهيجة.

стр. 2586

وكان للمسجد النبوي سلطانه العميق على مشاعره، فلا يكاد يفارقه إلا لضرورة قاهرة.. وقلما يستطيع التغلب على دموعه كلما وجد نفسه في تلك الروضة المباركة، وعلى مقربة من الضريح الذي نزله أحب البشر إلى قلبه.. ولم يلبث أن صار واحدا من طلاب العلم الوافدين مثله من أنحاء العالم على تلك الحلقات التي أحس بملء جوارحه أنها لا تقدم إليه المعرفة وحدها بل المعاني الروحية التي لم يحس بمثلها قط قبل اندماجه في هذه الحلقات.. وذات يوم بينما هو خارج من صلاة الجمعة يخوض غمار البشر الصادرين مثله من ذلك المورد العزيز، لاحظ توقف الكثيرين منهم في رحبة باب السلام، وقد اتجهوا إلى نقطة معينة من وسطها، وأطل الناس من بيوتهم المجاورة يحدقون إليها.. فلم يتمالك أن يتقدم ليتطلع الخبر.. وإذا هناك كوكبة من الجند يتوسطهم رجل مربوط العينين، وقد وقف إلى جانبه قاضي المدينة يتلو القرار الذي أصدرته المحكمة الشرعية على السارق بقطع كفه، تنفيذا لحدود الله! ولم ير الحاج عبد الله هناك ضرورة للبقاء من أجل مشاهدة التنفيذ، فمضى في طريقه يكاد يطير من نشوة السعادة، وهو يردد: إذن فالإسلام هو الذي يحكم الناس هنا!.. وإذن فهنا المقام.. وهنا المستقر إن شاء الله!..

стр. 2587

وخلا الحاج في حجرته المغفية تحت مستوى سطح الأرض، يفكر في واقعه وأهله ويتركز ذهنه بوجه أخص على والدته العجوز التي بات أشد ما يكون لهفة إليها، على الرغم من يقينه التام بأن أخاه لن يغفل برها أبدا، فيطغى حنينه إليها على حنينه إلى زوجه وأطفاله الذين أودعهم رعاية الله وحده، وإن يكن قد زودهم بما يؤمن لهم حاجتهم إلى سنوات أخرى، ويستقر عزمه على استقدامهم إلى المدينة مهما كلفه ذلك من جهد ومال، ويكتب إلى والدته يصف لها حياته وآماله، ويستحثها لحزم أمرها على الحضور إلى بلد الرسول، وقد فوض إليها أن تتصرف ببيته وأثاثه فتبيع كل شيء، وتحضر مع أحفادها وأمهم إليه.. وينتظر الجواب في أرق وقلق، ولكن الجواب لم يحمل إليه ما يريد، بل ما تريده أمه وآله من حضوره هو إليهم!.. وتتردد الرسائل بينه وبينهم دون جدوى، إذ لم يتزحزح أحدهم عن موقفه قط.. ولم ير أن يسترسل مع عواطفه فذهب إلى أحد شيوخه يستشيره في أمره، فكان الجواب أنه لا بد له من طاعة والدته والشخوص إليها بأسرع ما يمكنه، وإلا فهو أسير ذنب ورهين معصية.. وبإزاء ذلك لم يسعه إلا أن يقتلع نفسه من تربة المدينة الحبيبة، ليعود إلى البلد الذي ما كان يتوقع أن يعود إليه يوما ما.. واتخذ سبيله عن طريق العراق فالشام فتركية.. ولاحظ أثناء عبوره ما أكد له أن محنة الإسلام هي هي في كل مكان "الانحراف إلى الحياة الغربية، والانصراف عن جادة الوحي الذي –في اعتقاده- لا عاصم سواه من الانهيار، ولما وصل مسقط رأسه من الجنوب اليوغسلافي، كان مشحون الصدر بالنفرة من كل بلد إلا مدينة الرسول.. ولذلك وقف جهده –منذ حلوله بين أهله- على مفاوضة والدته في أمر الهجرة، وجعل يزين لها النقلة إليها، والحياة فيها، والموت بين ذراعيها، حيث يتاح للمؤمن قبر كريم بجوار الصفوة الذين رباهم رسول الله على تعاليم السماء، فكانوا خير أمة أخرجت للناس..

стр. 2588

وتتردد العجوز بين روابط الوطن ونوازع الإيمان.. حتى استحوذت عليها صورة البلد المفضّل، فأعلنت موافقتها، وبذلك انفسح الطريق للهجرة المنشودة.. وكان مشهدا مؤثرا عندما تزاحم ذوو قرابته يلحون عليه بمشاركتهم في هذه الرحلة، لأنهم –كما يعلنون- مثله متلهفون لجوار رسول الله، وخائفون على دينهم من السموم التي تجتاح من حولهم.. وكان أشد هذا المشهد تأثيرا منظر ذلك الشاب الذي غرق في دموعه وهو يستحلف القوم بالله ألا يدعوه وراءهم كالقمامة المنبوذة.. وراح يقسم بأغلظ الأيمان أنه تارك للخمر والمقامرة منذ الآن، وأنه لن يسيء إلى موطن الرسول بأي شذوذ عهدوه منه!.. ورق قلب الحاج عبد الله لذوي أرحامه فصمم على مشاطرتهم حظه، ورحم دموع ذلك الفتى الذي يغسل بها بواقي آثامه.. وما هي سوى أشهر معدودة حتى شرعوا يتسللون زرافات ووحدانا إلى موضع اتفقوا على التجمع فيه خارج يوغوسلافية، فلما استكملوا عدتهم خمس عشرة نفسا أخذوا سبيلهم بقيادة الرجل إلى مدينة جدة.. التي حطوا فيها رحالهم في الأول من ذي القعدة عام خمسة وخمسين بعد القرن الثالث عشر من الهجرة.. على أن الرجل الذي وضع لكل شيء حسابه في هذه المسيرة الطويلة، وجد نفسه فجأة تلقاء عقبات لم تعرض لتفكيره قط.. تلك هي الحدود الجديدة التي نصبتها التطورات التي أعقبت سقوط الخلافة بين ديار المسلمين، فمزقت الأمة أمما، وحالت بين أجزاء الأسرة الواحدة، التي توزعتها الأقطار، فلا سبيل إلى تلافيها إلا بعد اجتياز الأكداس من المصاعب، والأكثر من المتاعب، فبعد أن كان من حق المسلم التجول حيث شاء من عالم الإسلام دون ما حاجة إلى وثيقة سوى هويته الدينية، إذا هو اليوم تلقاء حواجز يحرم على المسلم تعديها إلا بجواز مرور!.. وجاءت أولى العقبات في صورة رسوم مالية تقتضيهم أن يدفعوا عشرة جنيهات عن كل فرد.. ثم مشكلة الإقامة التي لا سبيل إليها إلا بمعجزة من وراء المنظور!..

стр. 2589

وطالت حيرة القافلة، وطال انتظارها للفرج الذي لا تدري من أين سيطل وجهه.. وكاد ينقطع كل أمل من جهة الدوائر المختصة التي لا تستطيع تجاوز الأنظمة.. ووجد القوم بعض الاهتمام من مهاجرين على شاكلتهم، جربوا هذه العقبات من قبل وعرفوا الطريق إلى تذليلها وذات يوم جاء أحد هؤلاء البخاريين يشد على يد الحاج عبد الله قائلا "أبشر بالفرج"، وكاد قلب الحاج يطير فرحا بتأثير هذه الكلمة، وبلهفة سأله عما يعني، فقال الرجل: إن الملك عبد العزيز سيهبط جدة ظهر غد.. فما عليك إلا أن تحشد جماعتك على مدخل قصره، وتعد العريضة التي تشرح وضعكم وفراركم بدينكم.. وثق بأن كل عقبة ستزول بمجرد وصول العريضة إلى يديه، وتعرضكم لعينيه، ولم يجد الحاج عبد الله مسوغا للتردد بإزاء هذا الرأي الحكيم.. وفي الوقت المناسب زحف بقافلته إلى مدخل القصر الملكي، ثم ما هي إلا سويعات حتى وصل الركب، وتتقدمه سيارة الملك.. ولاحظ الحاج عبد الله نظر الملك وهو يجيله في القوم فاستبشر خيرا، وصح توقعه فإذا أحد المرافقين يعود إلى الباب ليستوضحهم عما يريدون، فلم ير ضرورة للكلام، وقدم إلى السائل العريضة التي أودعها كل ما يريد.. وما أسرع ما وافاهم الخبر، إذ لم يغب المرافق إلا مدى الطريق حتى عاد إليهم بالأمر الملكي الذي يمنحهم حق الإقامة ويعفيهم من كل كلفة مالية!.. وبدأت القافلة السعيدة حياتها الجديدة بالعمرة، ومن ثم اتجهت إلى مدينة الحبيب فاستأجرت سكنها المتواضع.. ولبثت بانتظار موسم الحج، حتى إذا أدوا مناسكهم عادوا إلى موطنهم الروحي يتدبرون أمرهم على أساس الإقامة الدائمة.

стр. 2590

وكان عليهم أن يصبروا بعض الوقت على شظف العيش، فيجتزئوا باليسير الرخيص مما يقيم الأود وقد يسر الله لكل قادر منهم العمل الذي يكفه عن الحاجة.. وقيض لهم من يساعدهم في تلك المرحلة، من أمثالهم الذين سبقوهم إلى هذا المهجر، الذي إليه تهفو الأفئدة من أقاصي العالم الإسلامي وما هي إلا بضع سنوات حتى انفرج ضيقهم، ورد رزقهم، وجاءتهم رحمة الله بالهوية السعودية من حيث لم يكونوا يحتسبون!.. ويلج الحاج عبد الله بالأمس عتبة الثمانين.. وينتشر من حوله أقرباؤه وأبناؤه وأحفاده الذين طالما تطلع إليهم من وراء الغيب، فكانت أخيلتهم وخشيته على دينهم السبب الأكبر في هجراته، التي استقرت في هذا البلد المبارك منذ ما يقارب الأربعين من السنين.. لقد نجاه الله بفضله من جحيم الضلالات الهدامة، التي جرفت الكثرة من أجيال بلاده في ظل الشيوعية الدموية.. ولكن ... هل استطاع مع ذلك أن يصون أبناءه أو بعضهم من سمومها حتى في مهبط الوحي!.. وهل استطاع أن يحفظ عليهم الدين الذي تحمل في سبيله كل ذلك البلاء المبين!.. ويتخيل أحيانا واقعه وماضيه فيتلو على نفسه في خشوع عميق قول الله عن لسان يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ . -------------------------------------------------------------------------------- [١] غوستوار من مقدونية.

стр. 2591

تنبيه للقراء رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد فإن الشيخ محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة لما أراد عام ١٣٩١هـ أن يطبع كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن الطبعة التي ذكر أنها الخامسة على النسخة التي وضع عليها الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ بعض الحواشي ذكر لي ذلك، وطلب مني مقابلة الكتاب وتصحيحه ووضع بعض الحواشي المفيدة عليه فاعتذرت بكثرة الشغل وضيق الوقت عن تحقيق المطلوب وأخبرته أنه سبق أن قرأت حواشي الشيخ محمد حامد واتضح لي أن فيها بعض الأخطاء ووعدته التعليق عليها خاصة لإيضاح ما اتضح لي خطؤه، وقد وفيت له الوعد وسلمته بيانا بإيضاح الأخطاء التي أشرت إليها وقد وقعت في ثلاثة عشر موضعا من الحاشية فقط فلما تم طبع الكتاب واطلعت عليه ألفيته قد نسب إليّ أنه صدر عن مراجعتي وتصحيحي وتعليقاتي، وليس الأمر كذلك وإنما الواقع هو ما ذكرته آنفا من مراجعة الحاشية التي للشيخ محمد حامد وبيان ما اتضح لي فيها من أخطاء. كما ألفيته قد وضع العلامة الخاصة بتعليقي في أربعة عشر موضعا من الحاشية ليست لي وإنما هي للشيخ محمد حامد وترك بعض الحواشي التي وضعتها فلم يُعلم عليها بالعلامة الخاصة بتعليقي، وبسؤاله عن ذلك أجاب بأن ذلك وقع من الطابع وليس له به علم وقد طلبت منه اليمين على ذلك فحلف عليه ما عدا ما وقع في أول الكتاب من نسبته إليّ مراجعة الكتاب وتصحيحه والتعليق عليه فقد اعترف أنه وقع ذلك تساهلا منه هو، فلأجل ما ذكر رأيت أن من المتعين عليّ إيضاح هذا الأمر لمن يطلع على الطبعة المشار إليها من القراء حتى يعلموا حقيقة الواقع، وهذا بيان مواضع الأخطاء: ١- حاشية في صفحة (٤٠)

стр. 2592

٢ - حاشية في صفحة (٨٠) ٣- " " " (٩٨) ٤ - " " " (٩٩) ٥ - " " " (١٠٢) ٦- " " " (١٠٨) ٧- " " " (١٢٧) ٨- " " " (١٤٨) ٩- " " " (١٥١) ١٠ - " " " (١٥٩) ١١ - " " " (٤٣٣) س٢ ١٢ - " " " (٤٣٣) س١١ أما التي في سطر ٣ فهي صحيحة. ١٣- حاشية في صفحة (٤٥٥) ١٤ - حاشية في صفحة (٥١٨) ١٥ - لم يُعلم على الحاشية التي في آخر صفحة ١٥١ وأول صفحة ١٥٢ التي أولها (وكذلك ما يسمى من الطعام أو الشراب..الخ بعلامتي وهي من الحواشي التي وضعتها، لا من حواشي الشيخ محمد حامد مع ملاحظة وقوع أخطاء مطبعية خفيفة في الحاشية المذكورة وهذا نص الخطأ والصواب فيها ليتمكن من لديه نسخة من الطبعة المذكورة من إصلاح ذلك: ص س خطأ صواب ١٥٢ ٢ من ذلك من أن هذا من ذلك أن هذا ١٥٢ ١٧ ما لم يخالطْه مما لم يخالطه هذا بيان ما أردنا إيضاحه للقراء والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 2593

جوانب من هجرة رسول الله ﷺ للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بالجامعة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين. أما بعد: فلهجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة جوانب مضيئة، تنير السبيل، وتهدي الطريق كسائر ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث البراء بن عازب ﵄ –واللفظ للبخاري- قال البراء:

стр. 2594

اشترى أبو بكر ﵁ من عازب ﵁ رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر ﵁ لعازب: مر البراء فليحمل إليّ رحلي، فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة، والمشركون يطلبونكم، قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل؟ فآوي إليه: فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل لها فسويته ثم فرشت للنبي ﷺ فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله: فاضطجع النبي ﷺ ، ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحدا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام: قال: لرجل من قريش، سماه، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت فهل أنت حالب؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا: ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى.

стр. 2595

فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله! فقال: "لا تحزن إن الله معنا"، وفي رواية مسلم: "فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنه -أرى- فقال: قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ فادعوا لي، فالله لكما أن أراد عنكما الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا"وفي لفظ مسلم:"فلما دنا دعا عليه رسول الله ﷺ فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه ووثب عنه، وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك عليّ: لأعمين على من ورائي، وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك قال: لا حاجة لي في إبلك". وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام ﵁ بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفا قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
следующие страницы →